إنما كان الإلهام... الذي لمشاهدةِ حقيقته أرسل الله تعالى... موسى عليه السلام إلى عبده "الخضر" الذي كان اسمه "بليا بن ملكان".... قام الخضر أمام موسى بأعمال كانت تبدو خلاف الشريعة في الظاهر. فقد خرق السفينة، وقتل غلاما بريئا، وتحمل عناء عمل غير ضروري دون أجر. والمعلوم أن "الخضر" لم يكن رسولا، وإلا لكان بين ظهرانَيْ أمته وليس في الفلوات أو شواطئ البحار... لو كانت عند الخضر مجرّد كمٍّ من الظنيات لما جاز له أن يقوم بالأعمال المنكَرة والمعارضة للشرع صراحةً .... ولكان مجيء موسى عليه السلام إليه أيضا أمرا عبثيا بحتا. فما دام ثابتا ومتحققا تماما أن الله تعالى قد أعطى الخضر علما يقينيا من لدنه، فأنّى لأحد أن يعدّ نفسه مسلما ومؤمنا بالقرآن الكريم ثم ينكر وجود أحد من أفراد الأمة المحمدية مثل الخضر في الكمالات الباطنية؟ (البراهين الأحمدية، الجزء الثالث، ص264-266، الحاشية الأولى على الحاشية 11)
بينما يؤكد ابنه محمود أنّ هذا التفسير تافه، فيقول: " فإذا حُملت هذه الأمور على ظاهرها فلا أجد في نفسي أدنى رغبة في معرفة هذه التوافه، كما لا أتصور أن أيّ عاقل سيتمنى ذلك".
وينكر أن يكون قد قُتل غلام أو خُرقت سفينة، فيقول: "لا يمكن أن يجترئ على قتل نفس بغير نفس حتى المؤمنُ العادي، فهل يرتكبه وليٌّ مقرّب أو نبيٌّ عظيم الشأن". ويقول: "مستحيل في العالم المادي أن تسلم من الغرق السفينةُ التي يُنزع لوح من ألواحها". (تفسير سورة الكهف)
والأحمديون يأخذون بتفسير محمود ويضربون بتفسير الميرزا عرض الحائط، والسؤال: أين ذهبت أدلة الميرزا الـ 300 على صدق الإسلام إذا كان قوله هذا تافها حسب وصف ابنه؟
ويكرر الميرزا بعد مائة صفحة في كتابه البراهين الفكرة نفسها، وما أكثر التكرار في البراهين وفي غيره، فيقول: وتعلمون أيضا أنه قد جاء في قراءة ابن عباس: "وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي ولا محدَّث إلا إذا تمنّى ألقى الشيطان في أمنيته، فينسخ الله ما يلقي الشيطان ثم يحكم الله آياته". فبحسب هذه القراءة التي نقلها الإمام البخاري أيضا، يثبت على وجه القطع واليقين إلهام المحدَّث الذي لا يبقى فيه دخل للشيطان. والمعلوم أنه إذا كان إلهام الخَضِر وأم موسى مجموعة من الشكوك والشبهات فقط وما كان يقينيا وقطعيا، فكيف جاز أن يوقِع شخصا بريئا في خطر أو يوصله إلى الهلاك، أو يقوم بأيّ عمل آخر لا يجوز شرعا وعقلا. لا شك أن علمه كان يتّسم باليقين، لذلك وجب عليه ذلك العمل وجازت له الأمور التي لا تجوز للآخرين قط. (البراهين 590 الحاشية الرابعة على 11)
أما اسم الخضر فقد قَالَ وَهْب بْن مَنْبَه: اِسْم الْخَضِر بَلْيَا بْن مَلْكَان بْن فَالِغ بْن عَابِر بْن شالخ بْن أرفخشد بْن سَام بْن نُوح. (النووي)
وقد رجعتُ إلى إنجيل لوقا فرأيتُه قد كتب: إِبْرَاهِيمَ، بْنِ تَارَحَ، بْنِ نَاحُورَ، بْنِ سَرُوجَ، بْنِ رَعُو، بْنِ فَالَجَ، بْنِ عَابِرَ، بْنِ شَالَحَ، بْنِ قِينَانَ، بْنِ أَرْفَكْشَادَ، بْنِ سَامِ، بْنِ نُوحِ. (إِنْجِيلُ لُوقَا 3 : 34-36)
وكأن بليا بن ملكان هو سروج بن رعو والد ناحور الذي هو جدّ إبراهيم عليه السلام.. أي أنّ الخضر هو الجدّ الرابع لإبراهيم عليه السلام!!! والذي سبق موسى بألف سنة!!! أي أنّ الخضر عاش قرونا لا نحصيها، لذلك يقول البعض إنه ما يزال حيا. وحياته هذه أغرب من حياة مهدي الشيعة وأطول.
لو أن الميرزا نفى حكاية بليا بن ملكان هذه، أو لو أنه قال: إنّ هذا الاسم لم يرد لا في قرآن ولا في حديث، بل هو من أوهام وهب بن منبه، لقلنا: ها قد حصلنا على فائدة من البراهين، لكن أنّى لمثله أن يقول بمثل ذلك؟ لكن الآلوسي الذي توفي شابًّا حين كان الميرزا في الرابعة عشرة من عمره يقول عن حكاية بليا: " ولم يصح عندي شيء من هذه الأقوال". (روح المعاني)
الميرزا يقول: وتعلمون أيضا أنه قد جاء في قراءة ابن عباس: "وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي ولا محدَّث".. وهذه القراءة عند القائلين بها منسوخة. أما الميرزا فلم يتطرق إلى إشكال أنْ تكون هناك قراءة فيها كلمة إضافية وتخالف شرطا من شروط صحة القراءة، وهو: " أن تكون موافقة للرسم العثماني ولو احتمالا"، فزيادة كلمتين يحتّم عدم موافقتها للرسم العثماني. لكن الميرزا لم يتطرق إلى القراءات القرآنية ولا إلى أي قضة محورية، بل صبّ جُلّ اهتمامه بمحمدي بيغم وبليكهرام وعبد الله آتهم ونبوءاتهم.
ثم إنّ الميرزا نسب إلى البخاري أنه نقل هذه القراءة، وهذا لم أجده في البخاري، بل وجدتُ الحديث: "لَقَدْ كَانَ فِيمَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ رِجَالٌ يُكَلَّمُونَ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونُوا أَنْبِيَاءَ فَإِنْ يَكُنْ مِنْ أُمَّتِي مِنْهُمْ أَحَدٌ فَعُمَرُ"، ثم علّق البخاري بقوله: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا مِنْ نَبِيٍّ وَلَا مُحَدَّثٍ (البخاري). ولم يذكر أنها قراءة قرآنية.
فما الخير في البراهين بعد هذه الكوارث والتوافه والنقائص كلها؟