الوهابية والحافظ ابن الجوزي وكتابه تلبيس إبليس

في سياق محاولات الوهابية لإيهام غيرهم بأن ضلال وكفر الصوفية وكأنه أمر معلوم من الدين بالضرورة , ولتثبيت ذلك يحاولون أن يجدوا سندا وتأصيلا لأباطيلهم من تراث الأمة وكأنهم يقولون أن ضلال الصوفية – حاشاهم من ذلك – شيء قديم ولسنا وحدنا من يقول بهذا.
فتراهم يسعون سعيا حثيثا لنشر كتاب " تلبيس إبليس " للحافظ ابن الجوزي .
ومع هذا الكتاب إخوتي في الله لنا وقفة .
- فالكتاب ألفه الحافظ ابن الجوزي كما قال في مقدمته ( صـ 6 , 7) للآتي :

" فرأيت أن أحذر من مكايده – يقصد اللعين إبليس – وأدل على مصايده , فإن في تعريف الشر تحذيرا من الوقوع فيه ...... , وقد وضعت هذا الكتاب محذرا من فتنته ومخوفا من محنه وكاشفا عن مستوره , وفاضحا له في خفي غروره . " اهـ
- وقد قسمه كما أشار ثلاثة عشر بابا منها :

- في ذكر تلبيسه على العلماء في فنون العلم
وذكر في هذا الباب ( صـ 110 , 128 ) وتحت هذا العنوان :
ذكر تلبيسه على القراء
ذكر تلبيس إبليس على أصحاب الحديث
ذكر تلبيس إبليس على الفقهاء
ذكر تلبيسه على الوعاظ والقصاص
ذكر تلبيسه على أهل اللغة والأدب
ذكر تلبيس إبليس على الشعراء
ذكر تلبيس إبليس على الكاملين من العلماء
يظهر من ذلك أنه تكلم عن جميع أهل العلم – حتى الكاملين من العلماء - , وما يعتقد أنهم وقعوا فيه من أخطاء ناتجة عن تلبيس إبليس عليهم , ولم يخص الصوفية وحدهم .
فلماذا فقط لا يستخدم الوهابية إلا ما قاله ابن الجوزي لمهاجمة السادة الصوفية ؟!!!!!!
لماذا لا نراهم يستخدمون ما قاله في الفقهاء أو أهل الحديث مثلا لمهاجمتهم ؟!!!!!!!
فيال العجب !!!!!!!!!!!!!!!!!!!
عند مطالعة الكتاب تجد فيه إنصافا في كثير من المواضع للسادة الصوفية , كما تجد استشهاده بأقوال بعضهم تعضيدا لرأيه في مختلف فصول الكتاب
[ نقد ابن الجوزي للصوفية في هذا الكتاب هو في الحقيقة نقد للدخلاء عليهم المتشبهين بهم في المقام الأول , ثم نقد لما تراءى له في القوم مما يختلف فيه مع بعضهم .

ابن الجوزي الذي يحتج به في رفض الصوفية هو الذي صنف في مناقبهم موسوعته الرائعة " صفة الصفوة " في أربعة مجلدات وقلد مشاهير الصوفية أعلى الأوسمة ووصفهم بأكرم الصفات والمآثر في تراجم شخصياتهم العديدة كالإمام الجنيد والعارف الشبلي وسيدي أبي يزيد البسطامي والسيدة رابعة العدوية وسيدي ذى النون المصري رضي الله عنهم أجمعين . ]
ومع ذلك كلام ابن الجوزي في مآخذه على السادة الصوفية يعارضه ويرده شهادات أئمة الأمة المحمدية للسادة الصوفية -قريبا سأفرد لها موضوعا خاصا إن شاء الله – وهي شهادات لائمة أجلاء منهم الكثير ممن هو أعلى كعبا وأرسخ قدما من ابن الجوزي , وهم أئمة المسلمين وجماهير العلماء العاملين , أفنترك قولهم إلى قول زل به صاحبه ؟! .
كما أن كتاب تلبيس إبليس في نظر العلماء لا يلبس هذه الحلة القشيبة التي يكسوه بها الوهابية .
فدونك ما ذكره عنه الإمام سلطان العلماء العز بن عبد السلام حيث قال في كتابه تفليس إبليس ( صـ38 ) :
" وبعد فإني لما اطلعت على كتاب تلبيس إبليس رأيته بئس الجليس , فإنه يشتمل على تنقيص أولياء الله والقدح في علو مراتبهم وزكي مناصبهم , وإيهام أن الشيطان يسلط عليهم إغواء وإضلالا !! والله تعالى يقول : " إن عبادي ليس لك عليهم سلطان " فليت الواقع فيهم والناقد عليهم تأدب بما تأدب به إبليس معهم حيث قال : " فبعزتك لأغوينهم أجمعين إلا عبادك منهم المخلصين " . علم أن لله تعالى عبادا لا يخلص إليهم , وأصفياء لايصل إليهم , وعبادا لا يسلط عليهم , وهو أقل مقدارا , وأذل اقتدارا وأخفض منارا أن يجول في مجال الرجال أو يطول في ميدان الأبطال . " اهـ
وانظر فيما قاله أيضا الإمام اليافعي عن كتاب تلبيس إبليس , فقد قال في كتابه " نشر المحاسن " :
[ وقد بلغني أن ابن الجوزي عفا الله تعالى عنا وعنه صنف كتابا سماه تلبيس إبليس تكلم فيه على شيوخ الصوفية وطريقتهم وزعم أن إبليس لبس عليهم , ولم يدر أنه هو الذي لبس عليه في كلامه هذا وهو لا يشعر , والعجب كل العجب منه في إنكاره على سادات ما بين أوتاد وأبدال وصديقين عارفين بالله تعالى محققين , ملأوا الوجود كرامات وأنوارا ومعارف وحكما وأسرارا .
يعدون إقبال الناس عليهم ليلا وإدبارهم عنهم نهارا , يفرون طول دهرهم من نفوسهم ومن الخلق و الشيطان والدنيا إلى الله تعالى فرارا , قد صفوا بواطنهم من شوائب الكدر , واستوى عندهم الذهب والمدر والمدح والذم والشدائد والنعم , بل يعدون نعمة الدنيا منعا وبلاء والشدة عطاء ورخاء , أعرضوا في بداياتهم عما سوى الله فحصلوا في نهايتهم من فضل الله ما لا يعلمه إلا الله .
فما ظنه بقوم ضبطوا أنفاسهم مع الله سبحانه وتعالى فشغلهم طول دهرهم مراقبته , يقول الصغير منهم : وقفت على باب قلبي عشرين سنة ما جاز به شيء لغير الله إلا رددته , فلو أنه لاقى واحدا من تلامذتهم الصغار في ميدان الحرب والإنكار لكان يدري إذا ما انكشف الغبار أتحته فرس أم حمار!!
هذا وهو يطرز كلامه بحكاياتهم وينمق بضاعته بمحاسن صفاتهم , فهلا أخلى كتبه من ذكرهم إخلاء عاما ولا يكون ممن يحل ذلك عاما ويحرمه عاما !!
أما علم أن أعلام العلماء الصالحين لم يزالوا قديما وحديثا يعتقدون طائفة الصوفية ويزورونهم ويتبركون بمجالستهم ودعائهم وآثارهم ويحترمونهم ويجلسون بين يدي الواحد مهم كما يجلس الصبي بين يدي المعلم ويتأدبون معهم .
كالإمام الشافعي والإمام أحمد والإمام سفيان الثوري والإمام ابن سريج والإمام ابن فورك وإمام الحرمين والإمام حجة الإسلام أبي حامد الغزالي والإمام عز الدين بن عبد السلام والإمام تقي الدين بن دقيق العيد والإمام محيي الدين النووي رضي الله تعالى عنهم وغيرهم ممن لا يحصى من المتقدمين والمتأخرين في حكايات مشهورات .] اهـ كلام الإمام اليافعي
على أنه هناك ما يدل على رجوع ابن الجوزي عن الإنكار على السادة الصوفية .
ومما يغلب الظن برجوع ابن الجوزي عن إنكاره : ماذكره ابن الحاج في شرح ابن باديس :
[ قال : حضر يوما مجلسه " أي مجلس سيدي عبد القادر الجيلاني رضي الله عنه " الشيخ أبو الفرج بن الجوزي ففسر الشيخ عبد القادر آية وذكر فيها وجوها , وإلى جانب الشيخ أبي الفرج من يسأله : أتعرف هذا القول ؟ فيقول : نعم , إلى أن بلغ أحد عشر وجها يعرفها أبو الفرج , ثم زاد الشيخ حتى انتهى إلى أربعين وجها وعزا كل وجه إلى قائله , فاشتد تعجب الشيخ أبي الفرج من كثرة علم الشيخ , ثم قال : نترك المقال ونرجع للأحوال , لا إله إلا الله محمد رسول الله , فاضطرب الناس اضطرابا شديدا , ومزق أبو الفرج ثوبه . ] اهـ .
هذا ما يخص كتاب : " تلبيس إبليس " , فماذا عن كاتبه الإمام ابن الجوزي ؟
هل وفقا لمقاييس الوهابية هو من الأئمة الموثوق في عقلهم ونقلهم ؟
أو بمعنى آخر : ما هو موقف الحافظ ابن الجوزي من أبجديات الفكر الوهابي في كل من :
1- العقيدة .
2- التوسل .
3- التبرك .
فأقول وبالله التوفيق للمتكثرين بالحافظ ابن الجوزي في تطاولهم على السادة الصوفية إليكم ما يلي:
1 - بالنسبة للعقيدة :
فعقيدة الحافظ ابن الجوزي مخالفة ومباينة كل الاختلاف والتباين لعقيدة الوهابية , فله حملات وحملات على المجسمة أمثال : أبو يعلى المجسم , الذي يعتبر من أئمة الوهابية في العقائد .
فابن الجوزي على عقيدة التنزيه للباري جل وعلا عقيدة أهل السنة والجماعة . الذين ينظر إليهم الوهابية على أنهم من الجهمية والمعطلة .
وما عليك أخي القارئ إلا مطالعة كتاب : " دفع شبهة التشبيه " – للحافظ ابن الجوزي الذي هتك فيه أستار المجسمة المنتسبون ظلما وزرا لعقيدة السلف .
ثم لتعلم بعدها علم اليقين أنه في نظر الوهابية وطبقا لنظرتهم لأمثاله إما مبتدع أو جهمي أو ليس من أهل السنة والجماعة أو ممن كفرهم أهل السنة بزعمهم الباطل .
وسيزداد عجبك كيف بعدها يحتجون به على السادة الصوفية وهذا هو حاله عندهم , مع أنه في العقائد يسير مع أهل الحق , ولكن ذلك بالطبع مخالف لمذهب الوهابية .
2- بالنسبة للتوسل فيكفي أن نذكر أن الحافظ ابن الجوزي :
ذكر في بداية كتابه : " الوفا بالتعريف بفضائل المصطفى ": في الباب الأول وهو بعنوان : في ذكر التنويه بذكر نبينا محمد صلى الله عليه وسلم من زمن آدم عليه السلام
ذكر حديث توسل سيدنا آدم بسيدنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على سبيل الاحتجاج ,
وبوب في هذا الكتاب باب –( 2 / 801 ) تحت عنوان : باب الاستسقاء بقبره صلى الله عليه وسلم .
بل هو نفسه توسل قائلا : بحق محمد صلى الله عليه وسلم " زاد المسير ( 4 / 253 )
بل ونقل توسلات الكثير والكثير من أعلام الأئمة في مؤلفاته كما في صفة الصفوة والمنتظم فليرجع لها من شاء
وما عليك أخي القارئ إلا مطالعة ما ذكرت لك من مصادر لتعلم علم اليقين أن الحافظ ابن الجوزي في نظر الوهابية وطبقا لنظرتهم للمتوسلين ما هو إلا قبوري ضال مشرك شركا أكبر مخرجا من الملة لأنه حسب زعمهم الباطل قد أشرك فيما يسمونه توحيد الألوهية.
وسيزداد عجبك كيف بعدها يحتجون به على السادة الصوفية وهذا هو حاله عندهم , مع أنه في موضوع التوسل يسير مع إجماع الأمة , ولكن ذلك بالطبع مخالف لمذهب الوهابية .
3- التبرك
ويكفي في إظهار مخالفة الحافظ ابن الجوزي لما عليه الوهابية من جهل وغباوة في موضوع التبرك , أن أورد هذا النص من كتابه : صيد الخاطر ( 242 ) حيث يقول :
[ وليجعل خلوته أنيسه والنظر في سير السلف جليسه وليكن له وظيفة من زيارة قبور الصالحين والخلوة بها .] اهـ
وزيادة وإمعانا في فضح سخافة وغباوة الوهابية أورد الآتي :
" أخبرنا ابن ناصر قال أخبرنا المبارك بن عبد الجبار قال أخبرنا أبو الحسن أحمد بن محمد العتيقي قال سمعت أبا بكر محمد بن الحسن بن عبدان الصيرفي يقول سمعت جعفر الخلدي يقول : كان بي جرب عظيم فتمسحت بتراب قبر الحسين فغفوت وانتبهت وليس عليّ منه شيء " اهـ
وانظر إلى ابن الجوزي ماذا يقول عن جعفر الخلدي في المنتظم ( 14 / 119 ) : " سافر كثيرا وسمع الحديث الكثير وروى علما كثيرا , روى عنه الدارقطني وابن شاهين وخلق كثير وكان ثقة صدوقا دينيا , حج ستين حجة . " اهـ
وما عليك أخي القارئ إلا مطالعة ما ذكرت لك من مصادر لتعلم علم اليقين أن الحافظ ابن الجوزي في نظر الوهابية وطبقا لنظرتهم لمن يتبرك ويتمسح بأضرحة الصالحين ما هو إلا قبوري ضال .
وسيزداد عجبك كيف بعدها يحتجون به على السادة الصوفية وهذا هو حاله عندهم , مع أنه في موضوع التبرك يسير مع جمهور الأمة , ولكن ذلك بالطبع مخالف لمذهب الوهابية .
ولكن ما العجب في ذلك ؟ وهل ننتظر غير هذا من أهل البدع والأهواء ؟
فها هم يأخذون زلة عالم ويتركون أقوال العشرات بل المئات الآخرين .
والوهابية في موقفهم هذا كالذي في قلبه زيغ فيتتبع متشابه القرآن ويترك محكمه .
وياليت الحافظ ابن الجوزي رحمه الله تعالى وفقا لمذهبهم من الأئمة أو العلماء .
ولكننا إذا أجرينا عليه قواعدهم الباطلة فسيكون مجرد قبوري ضال وأشعري مبتدع ليس من أهل السنة.
ثم يتبجحون بعدها ويستشهدون بكلامه يتكثرون به , ولم لا طالما أن هذا سيخدم باطلهم .
حقا إنها الوقاحة والاستخفاف بالعقول في أبشع صورة .