دخول الجنّة ودخول النار ليسا بـحكم الإنسان، كائنًا من كان، بل بحكم الله تعالى، فإنّ الناس لو تُرِكوا، ليحكم بعضهم على بعض، لما دخل الجنّة أحد، ولما سلم من النار أحد.
وإنّما الأمر كلّه لله تعالى، هو أعلم بالذين يستحقّون الثواب، وهو أعلم بالذين يستحقّون العقاب، ولا يظلم ربّك أحدًا.
أمّا إذا أراد أحد أن يجتهد برأي في هذا الباب، معتمدًا على فهمه لبعض الأدلّة القرآنيّة، فإنّه سيقول بما قاله كثير من المؤلّفين، وهو أنّ المخالف للحقّ، يُعذَر، إذا خالف الحقّ؛ بسبب الجهل، أو بسبب الضعف. أمّا إذا خالف الحقّ بسبب الهوى، فإنّه لا يُعذَر؛ لكنّه إذا تاب وأناب، فإنّ الله غفور رحيم.
فمن أفطر في نهار رمضان؛ بسبب الجهل، بإحدى صوره، كالنسيان؛ أو بسبب الضعف، بإحدى صوره، كالمرض؛ فإنّه معذور في إفطاره. أمّا من أفطر، وهو سليم، من كلّ صور الجهل، ومن كلّ صور الضعف، ولكنّه أفطر؛ اتّباعًا لهواه، أو إعراضًا عن أمر الله تعالى، فليس بمعذور.
وإذا صحّ أنّ الـمؤلّفين - وهم فـي الغالب من أهل العلم - معذورون، فـي تلك الـمخالفات؛ لأنّهم بذلوا جهدهم، لكنّهم لـم يصلوا إلـى الـحقّ، فإنّ العامّة - فـي تطبيقاتـهم الـمخالفة للحقّ - أَولـى بالعذر، إن كانوا يـجهلون الـحقّ، وكانوا صادقيـن، فـي قلوبـهم، ولا يتّبعون أهواءهم، ولا يتعصّبون للباطل.
والعذر الذي يقول به كثير من المؤلّفين، إنّما هو في باب التعايُش؛ لأنّ الناس، إذا لـم يعذر بعضُهم بعضًا - فيما أمكن فيه العذر - ارتفع التعايُش عنهم، وحلّ محلّه التعادي والتقاتُل.
والفرق كبير بين أن تعذر الإنسان، الذي يستحقّ العذر، وبين أن تُقِرّه على أخطائه؛ فليس المقصود من العذر التساهُل في الباطل، وترك النصيحة، بل المقصود الإبقاء على التعايُش، ما أمكن ذلك؛ فيجتمع عندك أمران: عذر من يستحقّ العذر، والنصيحة له، بتنبيهه على أخطائه.
والفرق كبير جدًّا، بين (الاحتـرام)، و(الالتزام)؛ فإنّ احتـرام الـمخالفين، وتجنُّب تكفيرهم، والتماس الأعذار لهم: لا يعني وجوب الالتزام بما اختصّوا به من آراء؛ فإن أوجبوا على مخالفيهم ذلك الالتزام؛ فقد أوجبوا على أنفسهم الالتزام بما يختصّ به مخالفوهم من آراء!!!
والفرق كبير بين أن يعذر الناس، بعضهم بعضًا، وبين حكم الله تعالى عليهم؛ فإنّ الله تعالى يعلم ما في قلوب عباده، ويعلم الصادق من الكاذب، فهو العليم بذات الصدور، وهو العفوّ الغفور الرحيم.
فقد تعذر أنت إنسانًا معاندًا، وأنت تـجهل أنّه معاند - في الحقيقة - فتظنّ أنّ سبب مخالفته للحقّ هو جهله؛ فليس لك أن تطّلع على ما في قلبه.
ولكنّ الله وحده يعلم أنّ هذا المعاند - الذي عذرته أنت - سيخالف الحقّ، حتّى لو اجتمعت عنده كلّ الأدلّة القاطعة، الدالّة على الحقّ؛ لأنّه يتّبع الهوى، ويُؤثِره على الهدى. واتّباع الهوى واحد من أكبر أسباب مُخالفة الحقّ.
فالذي لا يستحقّ العذر لن ينفعه أن يُـجمِع الناس، كلُّهم، على التماس العذر له؛ فإنّ الأمر لله تعالى.
ولذلك يـختار العالِـمُ المجتهِدُ (طريقَ الوسطيّة)، فـي هذا الـمقام؛ فيتجنّب التشدُّد، فـي الـحكم على الـمُخالف؛ فلا يُكفِّره، أو يُفسِّقه، أو يُضلِّله، أو يُبدِّعه، بالاعتماد على الظنون، والأوهام، والأهواء، والتقليد.
وفـي الوقت نفسه، يتجنّب العالِـمُ المجتهِدُ التساهُلَ، فـي الـحكم على رأي الـمُخالف؛ فلا يُهمِل تـخطئة الـمُخالف، حيـن يُوقِن بـخطئه.
وإنّـما يلجأ العالِـمُ المجتهِدُ إلى التخطئة؛ من أجل الإرشاد والنصح؛ لا من أجل الإفحام والقدح.
فالتخطئة وسيلة لتنبيه الـمُخالف وأتباعه، على أنّ المخطِّئ لهم يرى - باجتهاده - أنّـهم مُـخطِئون؛ فيدعوهم بذلك، إلى ترك الخطإ.