للاختلاف عدّة ثـمار طيّبة، أبرزها ثلاث:
1- إثبات قطعيّة الاتّفاقيّات الإسلاميّة:
إنّ وجود الاختلاف بين المؤلّفين المنسوبين إلى (الإسلام)، في مسائل كثيرة جدًّا: دليل قطعيّ على انعدام تواطئهم، على الباطل؛ فإنّهم كانوا بين حريص على تفنيد الباطل، وحريص على إفحام الخصم.
فحين يخالف المؤلّف الحقّ في تأليفه، فإنّه - بلا ريب - سيلاقي معارضة من يحرص على تفنيد الباطل، ومن يحرص على إفحام الخصم؛ وبذلك ينتفي قطعًا تواطؤ المؤلّفين المنسوبين كلّهم، على القول الباطل.
فلولا وجود الأدلّة القطعيّة على شرعيّة الاتّفاقيّات الإسلاميّة، لما اتّفق المؤلّفون على القول بشرعيّتها وقطعيّتها.
والفرق كبير، بين تواطؤ الـمؤلّفين، الـمنسوبين، إلى مذهب معيَّن، وبين تواطؤ الـمؤلّفين، الـمنسوبين، إلى (الإسلام)؛ فالتواطؤ الـمذهبيّ أمر واقع، قطعًا، ولا خلاف فـي وقوعه؛ بـخلاف التواطؤ الكلّيّ؛ فإنّه مستحيل الوقوع، قطعًا.
ومن هنا نُدرِك أنّ الاختلاف شاهد حيّ قاطع، يُفحِم (أعداء الإسلام)، الذين يحاولون التشكيك في (القطعيّات الإسلاميّة).
2- إنكار الأقوال التأليفيّة الباطلة:
لو افترضنا افتراضًا أنّ الاختلاف بين المؤلّفين المنسوبين إلى (الإسلام) كان معدومًا؛ فإنّ هذا الافتراض يستلزم أحد افتراضين باطلين:
أ- أن يكون المؤلّفون المنسوبون إلى (الإسلام) معصومين، بحيث لا يُخطئون أبدًا في تأليفاتهم. وهو افتراض باطل قطعًا، لا ريب في بطلانه.
ب- أن يُخطئ بعض المؤلّفين المنسوبين إلى (الإسلام)، فيسكت الآخرون عن بيان أخطائهم، والردّ عليها؛ لكيلا يحصل الاختلاف بينهم. وهو افتراض باطل قطعًا، لا ريب في بطلانه.
ولذلك كان الاختلاف ذا ثمرة طيّبة، حين يتصدّى أهل الحقّ؛ للكشف عن أباطيل المبطلين، وأخطاء المخطئين.
والفريق الذي أدّى إلى الاختلاف هو فريق المبطلين، وليس فريق المحقّين؛ فلو أنّ المبطلين وافقوا الحقّ في تأليفاتهم، لانتفى الاختلاف بين الناس؛ ولكنّ المبطلين لا يُمكن أن يوافقوا الحقّ؛ لأنّهم يتّبعون أهواءهم، وأهواء سادتهم.
وكذلك من أخطأ، وهو مُـجتهِد، بنيّة حسنة، لا بقصد مـخالفة الحقّ؛ فإنّه لـن يعـدم مــن يكشــف، عن خطـئـه، وإن كـان معـذورًا فيه؛ ولذلك لا بدّ مــن الاختلاف ما دام المؤلّفون غير معصومين، وما دام في الناس محقّون ومبطلون، وما دام في الناس من يعلم الحقّ، ومن يجهله.
فلولا اختلاف الـمُحقّين والـمُبطلين، لالتبس الحقّ بالباطل؛ لأنّ الـمُبطلين سيخالفون الحقّ قطعًا؛ فوجب على الـمُحقّين مخالفة الـمُبطلين، والردّ عليهم.
3- ابتلاء المؤلّفين والمطبّقين المنسوبين:
يذكّرنا الاختلاف بصفة راسخة في الإنسان، هي صفة النقص، فهو ليس إلـهًا؛ ليكون بريئًا من النقص. وليس كلّ الناس أنبياء؛ ليسلموا من أكثر صور النقص. وليسوا كلّهم بدرجة واحدة في العلم، ولا بدرجة واحدة في القدرة، ولا بدرجة واحدة في الرغبة؛ ولذلك لا بدّ من اختلافهم؛ لتختلف درجاتهم، عند الله تعالى، وليختلفوا في استحقاق الثواب والعقاب.
فالاختلاف ركن من أركان الابتلاء؛ لأنّه يعني التفاوت بين الناس، وهذا التفاوت يدعو الصادقين منهم، إلى البحث عن الحقّ، والاجتهاد في اتّباعه، وموافقته، فيتبيّن فضلهم على من أعرضوا عن الحقّ، وهم يعلمون، ومن قصّروا في البحث عنه، ومن تقاعسوا في ذلك.
ولو أنّ الناس كلّهم كانوا بدرجة واحدة، في كلّ صفاتهم، لما كان للابتلاء من معنى؛ فالمعلّم لا يختبر التلاميذ، فيما يتساوون في معرفته، ابتداءً، بل يختبرهم، فيما يتفاوتون، في معرفته، بالتحصيل والاجتهاد؛ لتتبيَّنَ جهودُ من اجتهد منهم.
فإذا جئنا إلى الجانب التأليفيّ، وجدنا الابتلاء واضحًا كلّ الوضوح، فكم من مؤلّف التزم برأي باطل، وهو لا يعلم أنّه باطل، ثمّ جاءته الأدلّة القاطعة الدالّة على بطلان ذلك الرأي. فمنهم من تعصّب لرأيه، واتّبع هواه، وظلّ يدافع عن ذلك الرأي الباطل، وهو يعلم أنّه باطل؛ لأنّ هواه موافق لذلك الرأي، أو لأنّه يأنف من الاعتراف بالـخطإ.
ومنهم من حملته التقوى على اتّباع الهدى، وقتلِ الهوى، فعدل عن رأيه القديم، وصرّح بالرأي الجديد، واعترف بخطئه.
وإذا جئنا إلى الجانب التطبيقيّ، وجدنا الابتلاء واضحًا أيضًا، فكم من مطبّق كان يخالف الشريعة الإسلاميّة، وهو لا يعلم، ثمّ جاءته البيّنات القاطعة، فعلم أنّه كان يخالف الحقّ في تطبيقه. فمنهم من ظــلّ على مـخالفته؛ لأنّ هواه قد تغلّب عليه، فصدّه عن طاعة الله تعالى، ومنهم من تاب، وأناب، وكفّ عن الـمحـارم، بعد أن هداه الله، إلـى الـحقّ الـمبين.