الأصل في فرض العقوبات هو الردع: ردع من ارتكب المحظور، لئلّا يعود إلى ارتكابه، إن أمن العقاب، وردع من لم يرتكب المحظور، لكنّه ممّن تسوّل له نفسه ارتكاب المحظور، ولا سيّما حين يرى المرتكبين في مأمن من العقاب.
والطاعنون فـي الإسلام يـحاولون أن يصوّروا للناس الوحشيّة، فـي تنفيذ العقوبات، غافلين، أو متغافلين، عن الـمقام الذي استدعاها.
1- عقوبة القصاص في جريمة القتل:
فعقوبة القصاص - في جريمة القتل - يكون تنفيذها لحقن الدماء، فلولا إقامة القصاص، لما حُقنت الدماء، من عدّة جهات، أبرزها:
أ- لمنع أولياء المقتول من قتل غير القاتل ثأرًا، والثأر من أولياء القاتل ظلمٌ، يؤدّي إلى أن يردّ أولياء القاتل، فربّما قتلوا من لا يستحقّ القتل، وهكذا.
ب- لمنع من تُسوِّل له نفسه الإقدام على القتل، فحين يعلم أنّ عقوبة القاتل هي القتل، فإنّ حرصه على حياته، سيكون رادعًا له، عن التهوُّر وارتكاب الجريمة، ولا سيّما حين يرى أنّ أصحاب الأمر لا يتساهلون في إقامة القصاص.
2- عقوبة الجلد في جريمة الزنى:
وجلد الزانية والزاني ليس عقوبة، فرضها السلطان؛ ليتلذّذ بتعذيبهما، ويُشبع شهواته الوحشيّة، بالنظر إليهما، وهما في حالة التعذيب؛ وإنّما هي عقوبة مفروضة شرعًا، للردع.
فالزنى مرض كبير، خطير، يهدم البيوت، ويخرّب المجتمعات، ويُهلك الأمم، ويُشيع في الأرض الفساد، وفظائعه أوضح من أن يُنبَّه عليها الجاهل، وأبين من أن يتغافل عنها المتغافل.
3- عقوبة الرجم في جريمة الزنى:
أمّا عقوبة الرجم في جريمة الزنى، فهي ليست ممّا اتّفقت فيه كلمة المؤلّفين القدامى، وإن كان جمهور المؤلّفين يرون أنّها عقوبة ثابتة شرعًا.
ويُنسَب إنكار الرجم، إلى طائفتين من القدامى، هما: الـخوارج، والـمعتزلة.
وقد اختلفت عبارات المؤلّفين في بيان تلك النسبة. فيُفهَم من عبارات بعض المؤلّفين أنّ فرق الخوارج كلّها قد أجمعت على إنكار الرجم.
ويُفهَم من عبارات مؤلّفين آخرين أنّ بعض فرق الخوارج - لا كلّها - قد ذهبت إلـى إنكار الرجم، وأنّ مُنكري الرجم هم طائفة من الـخوارج، أو هم معظم الخوارج.
وهذا يعني وجود بعض الخوارج، الذين أقرّوا بالرجم، فوافقوا الجمهور.
وقد ذكر بعض المؤلّفين أنّ فرقة (الصُّفْريّة) - وهم أصحاب زياد بن الأصفر - قد أقرّت بالرجم.
ونسب بعض المؤلّفين إنكار الرجم، إلى فرقة (الأزارقة)، من الخوارج، وهم أصحاب نافع بن الأزرق.
وليست هذه النسبة دليلًا قطعيًّا، على انفراد فرقة (الأزارقة)، بهذا الإنكار؛ والدليل عبارات المؤلّفين، التي يُفهَم منها أنّ إنكار الرجم هو مذهب الخوارج، كلّهم، أو معظمهم.
وينسب كثير من المؤلّفين فرقة (الإباضيّة)، إلى الخوارج، لكنّ مؤلّفي الإباضيّة - كلّهم، أو بعضهم - يتبرّؤون من هذه النسبة، صراحة.
وقد أقرّ بالرجم: محمّد بن يوسف الوهبيّ، وهو واحد من أشهر المؤلّفين المحدَثين، في الفقه الإباضيّ.
وكذلك اختلفت عبارات المؤلّفين، في نسبة إنكار الرجم، إلى المعتزلة، بين قائل بما يُفهَم منه التعميم، وقائل بما يُفهَم منه التخصيص.
وممّا يُضعِّف القول بالتعميم أنّ الزمخشريّ قد أقرّ بالرجم، مع أنّه من أشهر المؤلّفين المنسوبين إلى المعتزلة.
وهذا الـماورديّ، ينسبه بعض الـمؤلّفين إلى (الاعتزال)، ولكنّنا - مع ذلك - نجده ممّن يُقِـرّ بالرجم، صراحة.
وليست نسبة إنكار الرجم، إلى (النظّام)، وأصحابه: دليلًا قطعيًّا، على انفرادهم، بهذا القول. فجائز أن يكون (النظّام) هو أوّل من أنكر (الرجم)، من المعتزلة، ووافقه - على ذلك - أصحابه، ثمّ تأثّر بقوله - أو بقولهم - آخرون، من سائر فرق المعتزلة.
وجائز أن يكون (النظّام) مسبوقًا، إلى إنكار الرجــم، لكنّه - مع ذلك - يُعَدّ من أبرز الـمُنكِرين؛ ولذلك صرّح بعض الـمؤلّفين، بنسبة الإنكار إليه، وإلـى أصحابه، على سبيل التمثيل، لا على سبيل الـحصر.
وأقرّ جمهور المحدَثين بالرجم، وأنكره منهم - عمومًا - صنفان:
أ- المؤلّفون المستغربون، الذين تأثّروا بالمستشرقين، ولا سيّما أهل التعطيل، الذين أنكروا حجّيّة السنّة النبويّة، وابتدعوا تحريفات كثيرة، للنصوص القرآنيّة، وعطّلوا أحكامًا شرعيّة كثيرة؛ فاستحلّوا الربا والخمر والتبرُّج، وصرّح بعضهم بإباحة التعرّي والبغاء، وعطّلوا الحدود الشرعيّة... إلخ.
ب- المؤلّفون الفقهيّون، الذين اعتمدوا على أدلّة نِسبيّة، وجدوها كافية للقطع بإنكار الرجم، أو كافية لترجيح إنكاره، على الإقرار به.
ويكفي وجود الاختلاف - بين القدامى - في مسألة معيّنة، لتنتفي الحاجة إلى الجواب فيها؛ فليس الغرض - في هذا المقام - بيان الصواب، بل الغرض هو التنبيه على مبدإ (قطعيّة الأدلّة)، وقد ذكرنا أنّ المسائل التي اختلف فيها القدامى، لا يُمكن أن توصَف بالقطعيّة المطلَقة، لكن يُمكن أن توصَف بالقطعيّة النِّسبيّة.
فالذين يرون مشروعيّة الرجم - وهم الجمهور - يقطعون بذلك، والذين لا يرون مشروعيّة الرجم - وهم قلّة قليلة - يرفضون هذا القطع.
ومع ذلك، يستطيع القائل - برأي الجمهور - أن يُجيب، في هذه المسألة، فيقول: إنّ جريمة الزنى جريمة شنيعة، فظيعة، خطيرة، تفعل في المجتمعات، والبيوت، ما تفعله الأوبئة، والجراثيم، والأمراض الفتّاكة؛ فالردع عنها واجب، كلّ الوجوب.
فإذا انضاف إلى ذلك كلّه صفة (الإحصان)، أي: كون الزانية متزوّجة، أو كون الزانـي متزوّجًا، كانت الجريـمة أشنع، وأفظع، وأخطر، من عدّة جهات:
أ- خيانة الزوج الزاني لزوجته العفيفة، وخيانة الزوجة الزانية لزوجها العفيف، والزوجان شريكان في تربية الأطفال وتقويمهم، فما الذي يُمكن أن يقدّمه الزوج الزاني الخائن لزوجته وأطفاله، وما الذي يُمكن أن تقدّمه الزوجة الزانية الخائنة لزوجها وأطفالها؟!!!
ب- اختلاط الأنساب، فالزوجة الخائنة الزانية التي تأتي الفاحشة مع رجل آخر غير زوجها، يُمكن أن تحمل من الرجل الثاني، وزوجها غافل عن ذلك، فيربّي الرجل الغافل في حجره ابن زنى، أو بنت زنى.
ج- الزوجة الخائنة، إن لم تكن مبغضة لزوجها قبل الخيانة، فإنّ الخيانة ستجرّها إلى بغض زوجها، وعشق الرجل الذي يشاركها في رذيلة الزنى، وقد يقود ذلك إلى الطلاق، واختلاق المشاكل؛ ليُوقع الرجل الطلاق، وفي هذا تدمير للأسرة، وتقويض لتربية الأطفال؛ أو تبقى الزوجة عشيقة لرجل، وخائنة لزوجها.
د- الزوجة التي تتجرّأ، فتخون زوجها، وتكون في مأمن من العقاب؛ لغفلة زوجها عن جريمتها، يُمكن أن تتمادى في الجرأة، فتعاشر أكثر من رجل، فتكون مرتعًا موبوءًا للزناة.
ه- الزوج الزاني الخائن قد يكون وسيطًا، لنقل الأمراض الفتّاكة، إلى زوجته العفيفة البريئة، وإلى الجنين الذي في بطنها؛ وكذلك الزوجة الزانية الخائنة قد تكون وسيطًا، لنقل الأمراض الفتّاكة، إلى زوجها العفيف البريء، وإلى جنينها.
ويغفل الطاعنون - أو يتغافلون - عن أنّ تنفيذ عقوبة الزنى، لا يكون بالأقاويل والأكاذيب والافتراءات، بل لا بدّ من شهادة أربعة رجال عدول، يشهدون شهادة مفصّلة، لما رأوه من كيفيّة الزنى، وصفات الزاني، وصفات الزانية، ومكان الجريمة، وزمانها؛ خشية الاشتباه بغيرهما.
فإن وقعت شهادة مفصّلة بذلك كلّه، فإنّ هذا يدلّ على الاستهتار بالزنى، أو المجاهرة بالفاحشة، وإلّا، فلو كان الزانيان قد احتاطا، وأغلقا عليهما باب الدار، أو باب الغرفة، بإحكام، لما استطاع الشهود الأربعة رؤية التفصيلات كلّها.
والسكوت عن معاقبة المستهترين والمجاهرين يؤدّي إلى أن يتجرّأ من سواهم، فتكثر الفواحش، حتّى تُمسي حال المنسوبين إلى الإسلام، كحال أعداء الإسلام، الذين لا يبالون بانتشار الفواحش، فـي ديارهم، ونواديهم، ومعابدهم، وطرقاتهم.
فإذا كنت - أيّها الطاعن - تطعن في الإسلام؛ بسبب فرضه عقوبة على الزناة، فاستمتع، وأنت تنظر إلى زوجتك، وأختك، وابنتك، وهنّ يزنين، ويُنشئن أجيالًا من الزناة والزواني، وأبناء الزنى، وبنات الزنى!!!
وإيّاك أن تغضب؛ بسبب أفعالـهنّ، وإيّاك أن تسارع إلـى ضربـهنّ، أو انتهارهنّ، بل الزم الـهدوء، وسهّل أمر دخول الزناة، إلـى بيتك؛ لتُثبت للناس أنّك إنسان مثاليّ، مثقّف، متفتّح، متحرّر، متنوّر، تعرف قيمة حقوق الإنسان، ومنها حقوق زوجتك، وأختك، وابنتك، في معاشرة الزناة!!!
إنّ إنكار القلب واللسان ليس رادعًا كافيًا؛ للقضاء على هذا الوباء؛ بل لا بدّ من إقامة الـحدّ الشرعيّ، إقامة صحيحة؛ فإنّها كفيلة بـمُداواة النفس الأمّارة بالسوء والفحش، وتـخليصها، من الإدمان، والاستهتار، وتوجيهها نـحو الطريق الشرعيّ (الزواج)؛ لإشباع الرغبة الجنسيّة؛ وإلّا، فإنّ الزنـى سينتشر في البيوت والطرقات والنوادي والأسواق، انتشار النار في الهشيم!!!
4- عقوبة الجلد في جريمة القذف:
وأمّا عقوبة القذف، فليست قتلًا لحرّيّة الرأي، وحرّيّة التعبير، بل هي ردع للتطاول على الأعراض بمقالة السوء. ولك أن تتخيّل أيّها الطاعن فداحة القذف، حين تسمع القاذف يتّهم أمّك، وعمّتك، وخالتك، وزوجتك، وأختك، وابنتك، وابنة عمّك، وابنة خالك، وابنة عمّتك، وابنة خالتك، وابنة أخيك، وابنة أختك، بارتكاب الفاحشة، وينشر ذلك، في كلّ نادٍ؛ فهل ترى - في قذفه لهنّ - حقًّا من حقوقه، في إبداء الرأي؟!!!
5- عقوبة قطع اليد في جريمة السرقة:
وأمّا قطع يد السارق، فإنّها عقوبة رادعة كلّ الردع، عن جريمة السرقة، وهي كفيلة - لو طُبّقت، التطبيق الصحيح - بالقضاء على السرقة؛ فليس للحبس من قوّة الردع ما للقطع. وقوّة الردع في القطع مناسبة لعظم جريمة السرقة، ومناسبة لخطرها في المجتمع.
ولك أن تتخيّل ذلك، بعد أن تكسب مالًا بشقّ الأنفس، وتذهب إلى السوق؛ لتشتري الطعام لك ولزوجتك وأطفالك؛ فيعدو عليك سارق، فيسلبك ما كسبت في يومك هذا، فتعود إليهم في المساء، خاويًا، خاليًا، خائبًا؛ فتبيتون ليلتكم جياعًا.
ثمّ يجد السارق أنّه في مأمن من العقاب، فبدلًا من أن يعمل كما تعمل أنت، يتّكل على سرقة جهودك، وجهود أمثالك، فيقتدي به آخرون، فيكثر اللصوص، ويسطون على البيوت، وتقوى جرأتهم، فربّما آذوا الـمسروق، فـي جسده، ليسرقوا منه ماله، وربّما سرقوا بعض أطفاله.
فليس عقاب اللصوص - بقطع أيديهم - وحشيّة، تُنسَب إلى الإسلام، ولا سيّما إذا علمنا أنّ الإسلام فرضَ الزكاة على المستطيعين، لتُصرَف على الـمحتاجين، من الفقراء، والـمساكين، والغارمين، وغيرهم.
والذي يأخذ من مال غيره - وهو جاهل، أو غافل، أو مُكرَه، أو مضطرّ، أو جائع، لا يقوى على الكسب - لا تُقطَع يده؛ بل الذي تُقطَع يده هو من اتّـخــذ السرقة حرفــة، وهو قــادر، على الكسب الـحلال، ولـم يكن مضطرًّا، إلى السرقة، أو مكرَهًا عليها.