الأسرى نتيجة من نتائج معظم الحروب، وهم أناس لا يُقتَلون في أرض المعركة، بل يؤخَذون أحياء.
فلـو خُيــِّــر الإنسـان، بيـن القتل، والأســــر، فإنّ معظم الناس، سيختارون الأســر - على مرارته وشدّته - لأنّ النفس الإنسانيّة، تـجزع من الـموت، وتـحرص على الـحياة.
وفي الأسر حقنٌ للدماء، وهو الأصل في دعوة الإسلام، وفي الأسر كسرُ شوكة العدوّ، ودفع شرّه، وفي الأسر إمكانٌ لاستنقاذ مَن في أيدي الأعداء، مِن أسرى الـمسلمين.
ولو خُيِّر الأسير بين دفع المال، ليُطلَق سراحه، وبين البقاء في الأسر، لاختار دفع المال قطعًا، ولكنّه قد يكون فقيرًا، لا يملك مالًا، فماذا لو خُيِّر بين الحبس، وبين العيش الخاصّ، مع الناس في بلاد الإسلام؟
قطعًا، سيختار الأسيـرُ الـخروج، من الـحبس، والعيش مع الناس؛ فما ذلك الوضع الـخاصّ؟
إنّه وضع الرقيق.. وهو وضع صعب، أشبه بوضع الـخادم، ولكنّه أهون من وضع الحبس، قطعًا، ولا سيّما إذا علمنا أنّ الإسلام أوصى بالرقيق خيرًا، وحثّ الـمسلمين، على تـحريرهم من هذا الوضع، ولا سيّما مــن آمـن، ودخــل فـي الإسلام منهم.
ولكن... لماذا لـم يأمر الإسلام المسلمين، بإطلاق سراح الأسرى، وردّهم إلى ديارهم وأهليهم؟
هذا سؤال سائل، يغفل عن الـمقام؛ فالأصل في الإسلام هو السلم والسلام والأمان، والقتال أمر طارئ؛ لـحماية الدعوة والدعاة والناس، من إرهاب أعداء الدين؛ والأسر نتيجة من نتائج القتال، وهو - على مرارته - أهون من القتل، والاستـرقاق - على مرارته - أهون من الـحبس، حين لا يستطيع الأسيـر أن يدفع مالًا للفداء، أو أنّ قوم الأسير لـم يبالوا به، فلم يدفعوا لاستنقاذه، ولا استنقذوه، بردّ بعض أسرى الـمسلمين.
فهل من الحكمة أن يردّ المسلمون أسرى أعدائهم، بينما يعمد الأعداء إلى تقتيل أسرى المسلمين، أو تعذيبهم، أو حبسهم، أو استرقاقهم؟!!!
إنّ في ردّ الأسرى إلى الأعداء - فـي هذه الـحالة - تقوية للأعداء، وإضعافًا للمسلمين، وخذلانًا لأسرى المسلمين، الذين ينتظرون الاستنقاذ.
والأصل في الإسلام أن يكون أسر الأعداء؛ لجلب مصلحة إسلاميّة، إمّا بحقن دم الأسير، واسترقاقه؛ ليعيش بين المسلمين، فيتعرّف الإسلام، ويدخل الإيمان في قلبه، فيغدو واحدًا من المسلمين، بعد أن كان معدودًا من أعدائهم، وفي هذا مصلحة كبيرة، بلا ريب.
وإمّا بأن يكون أسر الأعداء؛ لاستنقاذ أسرى المسلمين من أيدي أعدائهم، بأن يسلّم المسلمون أسرى الأعداء، ويسلّم الأعداء أسرى المسلمين.
وإمّا بأن يدفع الأعداء الأموال؛ لاستنقاذ أسراهم، فينتفع المسلمون بهذه الأموال، في استنقاذ أسرى الـمسلمين، أو في إعداد السلاح، ورباط الـخيل؛ لحماية الـمسلمين من كيد أعدائهم.
فليس من الحكمة تفويت هذه المصالح الإسلاميّة، في المقام الذي يُمعن فيه أعداء الإسلام، في الكيد والبغي؛ للنيل من المسلمين.
وفي المقابل تجد المعاملة الإسلاميّة الصحيحة، التي يلتزم فيها المسلمون، بأحكام الإسلام، في معاملة الرقيق، ذلك الإنسان الذي نسيه قومه، أو تناسوه، وأهملوه، فلم يكلّفوا أنفسهم جهدًا؛ لاستنقاذه؛ فأعطاه الإسلام فرصة للعيش بين المسلمين، وتلك نعمة أن يكون العيش وسيلة لهدايته إلى سبيل الله القويم.