الأصل في الإسلام هو السلم والسلام وكفّ الأذى، والدعوة إلى سبيل الله بالحكمة والموعظة الحسنة؛ ولكنّ هناك مقامات خاصّة، لا بدّ فيها من المواجهة والقتال؛ لأنّ أعداء الإسلام فيها قد تحوّلوا إلى وحوش ضارية، لا يعرفون معنى الرحمة والسلام.
فماذا تفعل مثلًا: لو دخل بيتك أسد ضارٍ، وقد حُصرت أنت وزوجك وأطفالك، في زاوية من زواياه، فلا تستطيعون هربًا؛ وكان قريبًا منك سلاح؟
أفتُراك تنتظر هجوم الأسد الضاري، عليكم؛ ليفترسكم، أم تُراك تـخاطب الأسد الضاري؛ لتُقنِعه بترككم، أم تـهدِّده بالسلاح، وتقول لـه: أنـا قـادر على قتلك، فـي لـحظــات، ولكنّنـي أختـــار طريـــق الســلام، والـمحـبّـة، والتـفـاهُــم؟!!!
لا أظنّ إلّا أنّك ستسارع إلى قتل الأسد، من غير تفكير في أيّ شيء آخر؛ لأنّك تعرف حقّ المعرفة أنّ الأسد لن يفهم ما تقوله، ولو فهم، لما التفت لحظة إلى قولك، ولباغتك، وهجم عليك وعلى زوجك وأطفالك.
وهكذا هو الشأن في (أعداء الإسلام)، الذين اتّبعوا أهواءهم، واستكبروا في الأرض، وأفسدوا فيها، وطغوا، وأهلكوا الحرث والنسل، ومنعوا الدعاة من الدعوة إلى سبيل الله، واضطهدوا من أسلموا من الناس، وعذّبوهم، وأذاقوهم الويلات، وقتلوا كثيرًا منهم، وصدّوا من لـم يُسلموا، وهدّدوهم، وأرهبوهم، واتّـهموا الرسول - صلّى الله عليه وسلّم - وأتباعه، بكلّ ما ينفّر الناس، عن (الإسلام)؛ فكانوا كالوحوش الضارية التي لا تعرف الرحمة.
ثلاث عشرة سنة، قضاها المسلمون الأوائل يدعون إلى سبيل الله بالكلمة الطيّبة والموعظة الحسنة، ويصبرون على أذى الأعداء، وهم يرجون لأعدائهم الهداية، ولكنّ الأعداء يزدادون طغيانًا وكفرًا، واستكبارًا وإجرامًا.
فكان الجهاد وسيلة، اضطُرّوا إليها؛ ليحفظوا بها من بقي منهم، ويردعوا عدوّهم، ويشجّعوا من كتم رغبته في الإسلام؛ خوفًا من بطش الأعداء. ولو أنّ أعداء الإسلام خلّوا بين الدعاة والناس، ولـم يمنعوهم من الدعوة، لما رفع المسلمون سيفًا على أحد؛ لأنّ الدعوة الآمنة تؤتي ثمارها على أحسن وجه.
فالإسلام لـم ينتشر بالسيف، بل انتشر بالكلمة، وكان السيف وسيلة اضطراريّة؛ لحفظ الكلمة، حين يقف أعداء الدعوة، ضدّ الدعوة، فيُرهِبون الدعاة، ويقتلونـهم، ويمنعونـهم، ويصدّون الناس، عن الدعوة، ويقتلون من تأثّروا بـها، ويهدّدونهم.
وسيف الإسلام لـم يكن هو الذي حمل الناس على الدخول في الإسلام، بل الذي حمل الصادقين منهم هو الكلمة. أمّا الذين دخلوا في الإسلام؛ خوف السيف، فهؤلاء ليسوا بصادقين في إسلامهم، إلّا بعد أن يدخل الإيمان في قلوبهم، والإيمان لا يدخل بقوّة السيف، بل بقوّة الكلمة.
فالجهاد بالسيف؛ إنّما هو لحماية الدعوة، وحفظ الكلمة، وسلامة الدعاة، من أذى أعداء الدين، ولحماية المقبلين على هذا الدين، الداخلين فيه، وتشجيع من يرغب في الدخول، بردّ كيد الأعداء؛ ليخلو الدعاة بالناس، فيدعوهم بالكلمة المؤثّرة، والموعظة الحسنة.
فلو لـم يكن أعداء الإسلام وحوشًا ضارية، تفتك بالناس، وبالدعاة، وتُرهِبهم، ولا تعرف معنى التفاهم والتسالم والتعايش؛ لما كان ثمّة داعٍ إلى حـمل السيف؛ ولكنّ أعداء الإسلام - فـي كلّ مكان وزمان - لا يـجدون ما يصدّ الناس، عن الإسلام، إلّا القسوة، والطغيان؛ لأنّـهم لا يـملكون من الوسائل السلميّة - كالكلمة المؤثّرة والموعظة الحسنة - ما يصدّون به الناس عن الحقّ.