إنّ صدور بعض الأخطاء من العلماء - في بعض تأليفاتهم - لا يدعو إلى اتّهامهم بما لـم يصدر منهم، من أفكار، أو مشاعر، أو أقوال، أو أفعال.
ولذلك وجبت تبرئة العلماء، ممّا لم تصحّ نسبته إليهم، صحّة قطعيّة، وإن كانوا يخالفونكم في المذاهب.
ومن باب أولى، وجب الحذر من كلّ ما من شأنه أن يتسبّب في نسبة الخطإ، إلى من هو بريء منه، في الواقع؛ سواء أكانت تلك النسبة الباطلة راجعة إلى التسرّع، أم كانت راجعة إلى التعصّب، أم كانت راجعة إلى غيرهما.
ومن هنا كانت تبرئة العلماء - حين يستحقّون التبرئة - واجبة، كلّ الوجوب، على المستطيع من الناس.
ولهذه التبرئة عدّة صور، أبرزها:
1- التبرئة اللفظيّة: هي تبرئة العالِـم من ألفاظ سقيمة، نسبها إليه بعض أصحابه، أو بعض خصومه؛ لكنّها في الحقيقة ليست موجودة، في مؤلّفاته.
وتبرئة العالِـم من تلك الألفاظ المنسوبة إليه تعني أيضًا تبرئته من المعاني المفهومة من تلك الألفاظ.
2- التبرئة الـمعنويّة: هي تبرئة العالـم من إرادة معانٍ سقيمة، نسبها إليه بعض أصحابه، أو بعض خصومه؛ لكنّها في الحقيقة ليست مرادة، في مؤلّفاته.
والتبرئة المعنويّة كفيلة بالقضاء على كثير من صور (التخطئة العلميّة)، التي تتفاوت في درجاتها، أعني: التكفير، والتفسيق، والتضليل، والتبديع... إلخ.
فكثيرون هم المؤلّفون المتّهَمون بالابتداع والضلال؛ بسبب أنّ خصومهم فسّروا أقوالهم تفسيرات سقيمة، غير موافقة للمعاني التي قصدوها.
وقد تكون تفسيرات خصومهم سليمة، تكشف عن الدلالات التي تدلّ عليها أقوال أولئك المؤلّفين المتّهَمين؛ ولكنّ تلك الدلالات غير مقصودة أصلًا، والخطأ إنّما حصل في تعبير أولئك المؤلّفين المتّهَمين، عن مرادهم، فجاء خصومهم، وفهموا أقوالهم على النحو السليم، الذي تقتضيه قواعد العربيّة.
ولذلك وجب على من أراد تبرئة المؤلّفين المتّهَمين - من إرادة تلك المعاني السقيمة - أن ينظر فـي سياق الكلام، وينظر في سائر مؤلّفاتهم؛ لتكون المعاني الشائعة - الـمطّرِدة فيها - هي القرائن الدالّة على مقاصدهم الحقيقيّة.
ومن قبيل التبرئة المعنويّة: أنّ العالِـم قد يذكر في كتابه بعض الروايات المكذوبة؛ لتبيين حالها، وتحذير الناس من الاعتماد عليها.
لكنّ بعض المؤلّفين المتعصّبين يفترون عليه، فينسبون إليه تصحيح تلك الروايات المكذوبة، أو يُوهمون أتباعهم من الجهّال، بأنّه يصحّحها، وأنّه ما أوردها في كتابه إلّا للاحتجاج بها.
فالواجب تبرئة العالِـم تبرئة معنويّة، من هذه النسبة الباطلة؛ ببيان أنّ تصحيح تلك الروايات المكذوبة لـم يكن من مراده، وإنّما كان مراده من إيرادها هو التحذير من الاعتماد عليها.
فالفرق كبير بين الإيراد والاعتماد؛ كأن يُورِد العالِـم في كتابه: رواية من الروايات الـحديثيّة، أو رواية من الروايات التاريـخيّة، أو رأيًا من الآراء العلميّة؛ ويكون مفنّدًا لـما أورده، أو متوقّفًا فيه؛ وليس شرطًا أن يكون مؤيّدًا، أو معتمدًا، أو مـحتجًّا، بما أورده.
ومن (الـمُضحِكات الـمذهبيّة) أنّك تـجد كثيرًا من مؤلّفي (الغلاة) يُوهمون أتباعهم بأنّ الروايات - التي يحتجّون بها؛ لإثبات عقائدهم الخاصّة - هي روايات متّفق على تصحيحها؛ بدلالة أنّ بعض كتب المخالفين قد أوردت كثيرًا من تلك الروايات!!!
وحين تنظر في تلك الكتب - التي يحتجّون بما فيها من روايات - تجد أنّ أبرزها تلك الكتب المخصَّصة؛ لبيان الأحاديث الضعيفة والموضوعة!!!
فيقولون مثلًا: الحديث الفلانيّ ذكره ابن عديّ في كتابه (الكامل)، أو ذكره ابن طاهر المقدسيّ في كتابه (تذكرة الموضوعات)، أو ذكره ابن الجوزيّ في كتابه (الموضوعات)، أو ذكره ابن الجوزيّ في كتابه (العلل المتناهية)، أو ذكره ضياء الدين الموصليّ في كتابه (المغني عن الحفظ والكتاب)، أو ذكره ابن القيّم في كتابه (المنار المنيف)، أو ذكره السيوطيّ في كتابه (اللآلئ المصنوعة)، أو ذكره ابن عراق الكنانيّ في كتابه (تنزيه الشريعة المرفوعة)، أو ذكره الشوكانيّ في كتابه (الفوائد المجموعة).
والعامّة غالبًا جهّال، لا يعرفون شيئًا، عن الفرق بين الإيراد والاعتماد؛ ولا يعرفون أنّ هذه الكتب قد ألّفها أصحابها؛ للكشف عمّا يرون أنّه من الأحاديث الضعيفة والموضوعة!!!
فإمّا أن يكون (مؤلّفو الغلاة) كاذبين، مخادعين، مغالطين، يدلّسون على العامّة، ويُوهمونهم بأنّ تلك الروايات: صحيحة، معتبرة، متواترة؛ لأنّ مخالفيهم قد أوردوها في كتبهم!!!
وإمّا أن يكونوا جاهلين، غافلين، مقلّدين، لا يعرفون بطلان ما يكتبون، فهم بمنزلة العامّة، في الجهل والغفلة، ومع ذلك تصدّوا للتأليف تقليدًا!!!
ومن قبيل التبرئة المعنويّة: أن يصحّح العالم حديثًا معيّنًا، يحتجّ به مخالفوه؛ ولكنّ تصحيحه لا يعني أنّه يصحّح التفسير، الذي اختاره مخالفوه؛ وإنّما يفسّر الحديث، على نحو آخر، مغاير لتفسيرهم؛ فلذلك لا يجوز أن يُنسَب إلى العالم المصحّح ما لم يقصده؛ فإنّه صحّح المتن، ولم يصحّح تفسير المخالفين.
3- التبرئة التطبيقيّة: هي تبرئة العالِـم من تطبيقات سقيمة، يلتزم بها بعض مقلّديه، أو بعض مـحبّيه؛ لكنّه في الحقيقة لـم يدعُ إليها أحدًا، في مؤلّفاته.
والأمثلة على هذه الحالة أكثر من أن تُحصى، فكثيرة هي التطبيقات التي اخترعها الناس، واستمسكوا بها، وتعصّبوا لها، كلّ التعصّب، حتّى بلغوا درجة لا يبالون فيها أن يخالفوا علماء المذهب، الذين يعظّمونهم، ويدّعون تقليدهم.
ويكفي أن تعرف أن بعض المصريّين المعاصرين - من الرجال والنساء - يُرسلون إلى ضريح (الشافعيّ) - المتوفّى في مصر، قبل اثني عشر قرنًا - رسائل يطلبون منه فيها ما لا يجوز أن يُطلَب إلّا من مالك الملك، الحيّ القيّوم؛ ويشتكون إليه من أهليهم، وجيرانهم، وظالميهم، والمعتدين عليهم.
ولا أحد يستطيع أن يدّعي أنّ هذا التطبيق السقيم يستند إلى فتوى منسوبة إلى (الشافعيّ)، أو إلى بعض علماء المذهب الشافعيّ.
فيجب كلّ الوجوب تبرئة العلماء من التطبيقات السقيمة، التي أحدثها بعض الـجُهّـال، مــن العـامّــــة، واسـتمسـكــوا بـها، كمــا يستمسكون بالعبادات المفروضة، أو أشدّ من ذلك!!!
4- التبرئة الـمذهبيّة: هي تبـرئة الـمذهب الذي ينتسب إليه العالـم، من القول السقيم، الذي لـم يُجمِع عليه علماء المذهب.
فكما لا يصحّ أن يُنسَب القول السليم إلى مذهب معيّن، إلّا إذا أجمع عليه علماء المذهب؛ فكذلك لا يصحّ أن يُنسَب القول السقيم إلى مذهب معيّن، إلّا إذا أجمع عليه علماء المذهب.
ومثال على ذلك: (الـمذهب الـحنبليّ)؛ فإنّ بعض الـمؤلّفين - قديـمًا وحديثًا - ينسبون إلى هذا الـمذهب أقوالًا عَقَديّة سقيمة، لـم يُـجمِع عليها (الـحنابلة)، بل هي أقوالٌ لبعضهم.
فقد يكون القول السقيم قول جمهور الحنابلة، أي: أكثرهم، أو أغلبهم، أو معظمهم. وقد يكون القول السقيم قول كثير من الحنابلة، لا قول أكثرهم. وقد يكون القول السقيم قول آحاد من الحنابلة، لا قول كثير منهم. وقد يكون القول السقيم قول واحد من الحنابلة، انفرد به عن سائرهم.
فالمؤلّفون - الذين اعتمدوا على أسلوب (التعميم)، في غير محلّه - قد أخطأوا؛ لأنّهم - بذلك التعميم - نسبوا القول السقيم إلى علماء، لـم يقولوا به.
وليس (التعميم الباطل) محصورًا في مزاعم المخالفين، بل يُمكن أن يزعم أحد العلماء المنتسبين إلى مذهب معيّن: أنّ علماء مذهبه قد أجمعوا كلّهم على القول الذي اختاره وارتضاه؛ ويكون الإجماع المزعوم غير واقع في الحقيقة!!!
ولذلك تجب التبرئة المذهبيّة من مزاعم الموافقين، كما تجب التبرئة المذهبيّة من مزاعم المخالفين؛ من أجل تبرئة العلماء، الذين لـم يقولوا بالقول السقيم.
وليست التبرئة المذهبيّة محصورة، في المذاهب الفقهيّة، والمذاهب العَقَديّة، بل تشمل (المذاهب العلميّة) أيضًا.
فلا يُقال، مثلًا: أجمع علماء القراءات، ولا أجمع علماء التفسير، ولا أجمع علماء الحديث، ولا أجمع علماء الأصول، ولا أجمع علماء الأخلاق، ولا أجمع علماء التاريخ، إلّا إذا كان الإجماع حاصلًا، في الواقع، بحيث ينتفي المخالف، ولو كان فردًا واحدًا.
وكذلك لا يـجوز أن يُقال: أجمعت الأمّة، أو أجمع علماء الأمّة؛ إلّا عند انتفاء الـمخالف، ولو كان واحدًا.
وقبيـــحٌ بـمُدّعي الإجـمـاع أن يُقصي الـمُخالفيـن؛ تعصُّـبًا، أو احتقـارًا، أو تكفيـرًا؛ فإنّ من أقصى غيــــرَه، أقصاه غيــــرُه.
ومَثَـلُ الـمذاهب الـمنسوبة، إلـى (الإسلام) - فـي هذا الـمقــام - كمثـل المذاهب الـمنسوبة إلى (علم النحو).
فثمّة فرق كبير بين أن يُقال: هذا قول النحويّين البصريّين؛ وبين أن يُقال: هذا قول جمهور النحويّين البصريّين؛ أو يُقال: هذا قول كثير من النحويّين البصريّين؛ أو يُقال: هذا قول آحاد من النحويّين البصريّين؛ أو يُقال: هذا قول أحد النحويّين البصريّين.