يقوم التقليد الأعمى، على ثلاثة أصناف رئيسة، من الناس:
الأوّل- الـمُنتِـج: الذي أنتج الرأي السقيم. وهو ثلاثة أصناف:
1- الـمُؤسِّس: الذي أسّس الرأي السقيم بصورته البدائيّة.
2- الـمُطوِّر: الذي طوّر الرأي السقيم إلى صورته النهائيّة.
3- الـمُقرِّر: الذي قرّر الرأي السقيم، بالاستدلال عليه، والمنافحة عنه.
الثاني- الـمُتقبِّل: الذي تقبّل الرأي السقيم. وهو ثلاثة أصناف:
1- الـجاهل: الذي تقبّل الرأي السقيم؛ لأنّه جهل بطلانه، فوافق المنتجين.
2- الفاسق: الذي تقبّل الرأي السقيم؛ لأنّه وافق هواه، فوافق المنتجين.
3- الـخائف: الذي تقبّل الرأي السقيم؛ لأنّه ضعف وخاف، فوافق المنتجين.
الثالث- الـمُقلِّد: الذي قلّد أسلافه، فيما ورثه عنهم، من آراء المنتجين.
وللمقلّد ثلاث درجات رئيسة بارزة:
1- الـمُقلِّد الجاهل.
2- الـمُقلِّد المتعلِّم.
3- الـمُقلِّد العالِـم.
وقد يستغرب كثيرون من وصف (العالِـم) بالتقليد؛ فكيف يكون عالِـمًا، ويكون مقلِّدًا في الوقت نفسه؟!!!
والجواب: إنّ أكثر علماء الأديان والمذاهب، قديمًا وحديثًا، سواء أكانوا من المنسوبين إلى (الإسلام)، أم من المنسوبين إلى غيره: هم في الحقيقة مقلِّدون، نشأوا مقلِّدين، وكبروا مقلِّدين، وظلّوا مقلِّدين، وماتوا مقلِّدين.
فالعالِـم - الذي تراه اليوم شيخًا كبيرًا - كان في زمن من الأزمان طفلًا صغيرًا، لا يعلم شيئًا عن الأديان والمذاهب.
وحين بلغ ذلك الطفل عمرًا، يؤهّله لتلقّي الاعتقادات، بدأ بتقليد أبويه، أو من يقوم مقامهما؛ ثمّ أرسله أهله؛ ليتعلّم في المدارس الدينيّة، أو المدارس المذهبيّة؛ فكان مقلِّدًا لمعلّميه، الذين هم - في الحقيقة - مقلِّدون لأسلافهم، من الأهل والمعلّمين؛ فتحوّل ذلك الطفل، من درجة (الـجاهل الـمقلِّد) إلى درجة (الـمتعلّم الـمقلِّد).
ثمّ تحوّل - بعد سنوات من التعلّم - إلى درجة (العالـم المقلِّد)؛ لأنّ إيقانه بموروثاته: كان إيقانًا عاطفيًّا، وجدانيًّا، قائمًا على (الإلف)؛ وليس إيقانًا علميًّا، عقلانيًّا، قائمًا على (البرهان)؛ ولذلك جعله هذا (الإلف الطاغي) أسيرًا من (أسرى التقليد)، لا يستطيع الخروج من (سجن التقليد)، إلى (ساحة الأحرار)، إلّا إذا تخلّص من ذلك (الإلف الطاغي).
وأبرز الفروق - بين الجاهل المقلِّد والمتعلّم المقلِّد والعالـم المقلِّد - ثلاثة:
الأوّل- (الجاهل المقلِّد): يقلّد أسلافه في (الآراء) فقط؛ لأنّه لا يستطيع أن يعرف - عمومًا - ما وراء ذلك، من (أدلّة الآراء)، و(أصول الأدلّة).
الثاني- (المتعلّم المقلِّد): يقلّد أسلافه في (الآراء)، وفي (أدلّة الآراء) فقط؛ لأنّه يستطيع بتعلّمه أن يعرف الأدلّة، التي يستدلّ بها أسلافه على آرائهم؛ ولكنّ تعلّمه لا يكفيه - عمومًا - لمعرفة (أصول الأدلّة).
الثالث- (العالـم المقلِّد): يقلّد أسلافه في (الآراء)، وفي (أدلّة الآراء)، ويقلّدهم أيضًا في (أصول الأدلّة)؛ لأنّه بلغ من العلم مبلغًا، مكّنه من الإحاطة بالأصول التي اعتمد عليها أسلافه، في تصحيح الأدلّة وتضعيفها.
و(العالـم المقلِّد) صنفان:
1- عالِـم مقلِّد لـم يكفه علمه؛ لمعرفة بطلان آراء أسلافه، وبطلان أدلّتها، وبطلان أصول أدلّتها؛ فنشأ مقلِّدًا، وظلّ مقلِّدًا، ومات مقلِّدًا؛ وهو - في الحقيقة - لا يستحقّ وصف (العالِـم)، وإن سمّاه الناس عالـمًا؛ فلا خير في علم لا يكفي صاحبه؛ للتمييز بين الحقّ والباطل.
2- عالِـم مقلِّد، بلغ من العلم مبلغًا، مكّنه من الإيقان ببطلان آراء أسلافه، وبطلان أدلّتها، وبطلان أصول أدلّتها.
ولهذا الصنف من العلماء خياران رئيسان:
أ- أن يعمل بمقتضى علمه، فيُعلن براءته من أباطيل أسلافه.
ب- أن يبقى فـي الظاهر مستمسكًا، بأباطيل أسلافه؛ إمّا بسبب الـهوى، حين يكون الاستمساك بتلك الأباطيل موافقًا لـهواه؛ أو بسبب الـخوف، حين يـخاف بطش الـمُبطِلين؛ فيوافقهم فـي الظاهر على أباطيلهم.
فمن تغلّب على الإلف الطاغي، وخالف الهوى الباغي، واحتكم إلى الدليل العقلانيّ، واعتمد على الإيقان البرهانيّ، وتبرّأ من أباطيل الأسلاف، وتنزّه عن السفاهة والإسفاف؛ فإنّه واحد من (أحرار العلم).
ومن استسلم لذلّ (الأسر)، في (سجن التقليد)، واستسهله، واستساغه، واستعذبه، واستحلاه؛ فإنّه واحد من (عبيد التقليد)!!!
ومن لـم يجد مناصًا، من التقليد؛ فليتجنّب القول بغير علم، وليَصمُتْ!