مخالفة الحقّ هي السبب الأكبر، في كلّ صور التخالف بين الناس، ولو أنّ كلّ الناس عملوا بمقتضى الحقّ - في كلّ خطوة من خطواتهم - لما تخالفوا أبدًا.
ولكنّ مخالفة أكثر الناس للحقّ - في كثير من أحوالهم وأحيانهم - أمر واقع، لا يُمكن إنكاره، وإنّما تكون المخالفة؛ لثلاثة أسباب رئيسة، هي:
1- الجهل: هو الخلل في صفة العلم، والناس ليسوا سواء في العلم، فمنهم العالم، ومنهم المتعلّم، ومنهم الجاهل.
والعلم والجهل أمران نِسبيّان، فقد تعلم ما يجهله غيرك، وقد تجهل ما يعلمه غيرك، وقد تعلم اليوم ما كنت تجهله أمس، وقد تجهل اليوم ما كنت تعلمه أمس.
والنسيان والسهو والغفلة أمور لا يكاد يخلو منها إنسان، وهي أبرز صور الجهل العارض؛ فإن خلا منها أحدنا يومًا، أُصيب بها، أو ببعضها، في يوم آخر، وإن خلا منها ساعة، أُصيب بها، أو ببعضها، في ساعة أخرى، وإن خلا منها إنسان، أُصيب بها غيره.
والجهل على درجات، كما أنّ العلم على درجات، والناس متفاوتون في درجات العلم، ودرجات الجهل، ولكنّهم مشتركون عمومًا في الاتّصاف ببعض الجهل، وببعض العلم.
والجهل سبب رئيس، من أسباب مخالفة الحقّ؛ فإنّ من يجهل الحقّ، سيخالفه، غالبًا، كرجل أخذ مال غيره، وهو يحسبه ماله؛ وكامرأة أخذت طفل غيرها، وهي تحسبه طفلها؛ وكقاضٍ يجهل براءة البريء، فيحكم عليه بالإدانة، أو يجهل إجرام المجرم، فيحكم عليه بالبراءة.
ولك أن تتصوّر ما يُمكن أن يفعله جهل المجنون، وجهل الأحمق، وجهل الطفل، وجهل السكران، وجهل النعسان، وجهل الناسي، وجهل الساهي، وجهل الغافل، وجهل غير المتعلّم، وجهل العالم والمتعلّم، حين يجهلان بعض ما يعلمه غيرهما من الحقّ.
2- الهوى: هو الخلل في صفة الرغبة، والناس ليسوا سواء في الرغبة، فمنهم من يرغب في فعل الخير، ومنهم من يرغب في فعل الشرّ، ومنهم من يميل إلى الحقّ، ومنهم من يميل إلى الباطل، ومنهم المذبذب بينهما.
والرغبة الحسنة، والرغبة السيّئة أمران نِسبيّان، فقد ترغب اليوم في فعل الخير، وترغب غدًا في فعل الشرّ. وقد يميل قلبك اليوم نحو الحقّ، ويميل غدًا نحو الباطل؛ وقد تكون - في غالب أحوالك وأحيانك - راغبًا في الحقّ، والخير، والـمعروف؛ وقـــد تكـون - فـي الغالب - راغبًا فـي الشـــرّ، والباطل، والـمنكـر.
والهوى سبب رئيس، من أسباب مخالفة الحقّ؛ فإنّ من يميل قلبه عن العمل بالحقّ، إلى العمل بالباطل، سيخالف الحقّ، في عمله، غالبًا.
وللهوى عدّة درجات، أبرزها:
أ- الهوى العارض: وهو هوى لا يكاد يخلو منه إنسان، ولكنّ صاحبه لا يلبث أن يعود برغبته إلى الحقّ.
ب- الهوى الغالب: وهو هوى تغلّب على صاحبه، فخضع له في معظم أحواله وأحيانه، ولكنّه - في أحيان قليلة - يعود برغبته إلى الحقّ، فيندم على اتّباعه هواه، ثمّ لا يلبث أن يعود برغبته إلى الباطل.
ج- الهوى الدائم: وهو هوى استفحل، واستحكم، فاستحوذ على صاحبه، حتّى صدّه عن الموعظة والنصيحة، وهذه حال من أدمن على الشرّ والباطل، فاستحبّهما على الخير والحقّ، فأعرض عن كلّ ناصح.
د- الهوى الطاغي: وهو هوى الطغاة والبغاة، الذين لا يكتفون بما هم عليه من اتّباع الهوى، بل يسعون إلى إفساد من سواهم من الناس، وصدّهم عن نصح الناصحين، ووعظ الواعظين، ويعادون أهل الحقّ والخير، ويحاربونهم؛ للقضاء عليهم؛ ليكون لهم السلطان في الأرض.
3- الضعف: هو الخلل في صفة القدرة، والناس ليسوا سواء في القدرة، فمنهم القويّ، ومنهم الضعيف، ومنهم المريض، ومنهم العاجز.
والقدرة والضعف أمران نِسبيّان، فقد تقدر على ما يضعف عنه غيرك، وقد تضعف عمّا يقدر عليه غيرك، وقد تقدر اليوم على ما كنت تضعف عنه أمس، وقد تضعف اليوم عمّا كنت تقدر عليه أمس.
والمرض والتعب والجوع والعطش أمور لا يكاد يخلو منها إنسان، وهي أبرز صور الضعف العارض؛ فإن خلا منها أحدنا يومًا، أُصيب بها، أو ببعضها، في يوم آخر، وإن خلا منها ساعة، أُصيب بها، أو ببعضها، في ساعة أخرى، وإن خلا منها إنسان، أُصيب بها غيره.
والضعف على درجات، كما أنّ القدرة على درجات، والناس متفاوتون في درجات القدرة، ودرجات الضعف، ولكنّهم مشتركون - عمومًا - في الاتّصاف ببعض القدرة، وببعض الضعف.
والضعف سبب رئيس، من أسباب مخالفة الحقّ؛ فإنّ من يضعف عن العمل بالحقّ، سيخالفه، غالبًا.
وللضعف عدّة صور، أبرزها:
أ- الضعف البدنيّ، كضعف الطفل، والهرِم، والمريض، والتعبان.
ب- الضعف الماليّ، كضعف الفقير، والمسكين، والمدين.
ج- الضعف الآليّ، كضعف الأعزل، في مواجهة المسلَّح.
د- الضعف العدديّ، كضعف الواحد، في مواجهة الجمع.
ه- الضعف القسريّ، كضعف السجين، والأسير، والكسير، والجريح.
و- الضعف النوعيّ، كضعف المرأة، في مواجهة الرجل.
ز- الضعف الاجتماعيّ، كضعف العبد، واللقيط، والطريد.
ح- الضعف النفسيّ (الخوف): وينشأ بسبب صورة، أو أكثر، من صور الضعف المذكورة آنفًا، كخوف الرجل الأعزل، من مواجهة الرجال المسلَّحين، فربّما حمله خوفه على مطاوعتهم، في الباطل، وإن كان كارهًا.