إذا كانت هذه زيارتك الأولى يرجى الاطلاع على الرابط التالي الأسئلة ولكي تتمكن من كتابة مواضيع وإرسال رسائل خاصة لابد لك منالتسجيل
صفحة 11 من 12 الأولىالأولى ... 9101112 الأخيرةالأخيرة
النتائج 101 إلى 110 من 114

الموضوع: الفتوحات المكية الجزء الأول

  1. #101
    Administrator
    رقم العضوية : 1
    تاريخ التسجيل : Jun 2016
    المشاركات: 1,380
    التقييم: 10

    معرفة هذا الشخص المحقق في منزل الأنفاس

    (الباب الخامس والثلاثون في معرفة هذا الشخص المحقق في منزل الأنفاس وأسراره بعد موته رضي الله عنه) العبد من كان في حال الحياة به * كحاله بعد موت الجسم والروح والعبد من كان في حال الحجاب به * نورا كإشراق ذات الأرض من يوح فحالة الموت لا دعوى تصاحبها * كما الحياة لها الدعوى بتصريح في حق قوم وفي قوم تكون لهم * تلك الدعاوي بإيماء وتلويح فإن فهمت الذي قلناه قمت به * وزنا تنزه عن نقص وترجيحوكنت ممن تزكيه حقائقه * ولا سبيل إلى طعن وتجريح وإن جهلت الذي قلناه جئت إلى * دار السؤال بصدر غير مشروح اعلم أيدك الله بروح القدس أن هذا الشخص المحقق في منزل الأنفاس أي شخص كان فإن حاله بعد موته يخالف سائر أحوال الموتى فلنذكر أولا حصر مآخذ أهل الله العلوم من الله كما قررناه في الباب قبل هذا ولنذكر ما لهم وآثار تلك المأخذ في ذواتهم فلنقل :اعلم يا أخي أن علم أهل الله المأخوذ من الكشف إنه على صورة الايمان سواء فكل ما يقبله الايمان عليه يكون كشف أهل الله فإنه حق كله والمخبر به وهو النبي صلى الله عليه وسلم مخبر به عن كشف صحيح وذوات العلماء بالله تعالى تكون على صفة الشئ الذي تأخذ منه العلم بالله أي شئ كان .واعلم أن الصفات على نوعين صفات نفسية وصفات معنوية فالصفات المعنوية في الموصوف هي التي إذا رفعتها عن الذات الموصوفة بها لم ترتفع الذات التي كانت موصوفة بها والصفات النفسية هي التي إذا رفعتها عن الموصوف بها ارتفع الموصوف بها ولم يبق له عين في الوجود العيني ولا في الوجود العقلي حيث ما رفعتها .ثم إنه ما من صفة نفسية للموصوف التي هي ليست بشئ زائد على ذاته إلا ولها صفة نفسية بها يمتاز بعضها عن بعض فإنه قد تكون ذات الموصوف مركبة من صفتين نفسيتين إلى ما فوق ذلك وهي الحدود الذاتية .وهنا باب مغلق لو فتحناه لظهر ما يذهب بالعقول ويزيل الثقة بالمعلوم وربما كان يؤول الأمر في ذلك إلى أن يكون السبب الأول من صفات نفس الممكنات كما أنك إذا جعلت السبب شرطا في وجود المشروط ورفعت الشرط ارتفع المشروط بلا شك ولا يلزم العكس فهذا يطرد ولا ينعكس فتركناه مقفلا لمن يجد مفتاحه فيفتحه .وإذا كان الأمر عندنا وعند كل عاقل بهذه المثابة فقد علمت إن الصفات معان لا تقوم بأنفسها وما لها ظهور إلا في عين الموصوف والصفات النفسية معان وهي عين الموصوف والمعاني لا تقوم بأنفسها فكيف تكون هي عين الموصوف لا غيره ؟؟ فيوصف الشئ بنفسه وصار قائما بنفسه من حقيقته ألا يقوم بنفسه فإن كل موصوف هو مجموع صفاته النفسية والصفات لا تقوم بأنفسها وما ثم ذات غيرها تجمعها وتظهر .وقد نبهتك على أمر عظيم لتعرف لما ذا يرجع علم العقلاء من حيث أفكارهم ويتبين لك أن العلم الصحيح لا يعطيه الفكر ولا ما قررته العقلاء من حيث أفكارهم وأن العلم الصحيح إنما هو ما يقذفه الله في قلب العالم وهو نور إلهي يختص به من يشاء من عباده من ملك ورسول ونبي وولي ومؤمن ومن لا كشف له لا علم له ولهذا جاءت الرسل والتعريف الإلهي بما تحيله العقول فتضطر إلى التأويل في بعضها لتقبله وتضطر إلى التسليم والعجز في أمور لا تقبل التأويل أصلا وغايته أن يقول له وجه لا يعلمه إلا الله لا تبلغه عقولنا .وهذا كله تأنيس للنفس لا علم حتى لا ترد شيئا مما جاءت به النبوة هذا حال المؤمن العاقل وأما غير المؤمن فلا يقبل شيئا من ذلك وقد وردت أخبار كثيرة مما تحيلها العقول منها في الجناب العالي ومنها في الحقائق وانقلاب الأعيان .فأما التي في الجناب العالي فما وصف الحق به نفسه في كتابه وعلى لسان رسله مما يجب الايمان به ولا يقبله العقل بدليله على ظاهره إلا إن تأوله بتأويل بعيد فإيمانه إنما هو بتأويله لا بالخبر ولم يكن له كشف إلهي كما كان للنبي فيعرف مراد الحق في ذلك الخبر فوصف نفسه سبحانه بالظرفية الزمانية والمكانية ووصفه بذلك رسوله صلى الله عليه وسلم وجميع الرسل وكلهم على لسان واحد في ذلك لأنهم يتكلمون عن الواحد والعقلاء أصحاب الأفكار اختلفت مقالاتهم في الله تعالى على قدر نظرهم .فالإله الذي يعبد بالعقل مجردا عن الايمان كأنه بل هو إله موضوع بحسب ما أعطاه نظر ذلك العقل فاختلفت حقيقته بالنظر إلى كل عقل وتقابلت العقول وكل طائفة من أهل العقول تجهل الأخرى بالله وإن كانوا من النظار الإسلاميين المتأولين فكل طائفة تكفر الأخرى .والرسل صلوات الله عليهم من آدم عليه السلام إلى محمد صلى الله عليه وسلم ما نقل عنهم اختلاف فيما ينسبونه إلى الله من النعوت بل كلهم على لسان واحد في ذلك والكتب التي جاءوا بها كلها تنطق في حق الله بلسان واحد ما اختلف منهم اثنان يصدق بعضهم بعضا مع طول الأزمان وعدم الاجتماع وما بينهم من الفرق المنازعين لهم من العقلاء ما اختل نظامهم وكذلك المؤمنون بهم على بصيرة المسلمون المسلمون الذين لم يدخلوا نفوسهم في تأويل فهم أحد رجلين إما رجل آمن وسلم وجعل علم ذلك إليه إلى أن مات وهو المقلد .وإمارجل عمل بما علم من فروع الأحكام واعتقد الايمان بما جاءت به الرسل والكتب فكشف الله عن بصيرته وصيره ذا بصيرة في شأنه كما فعل بنبيه ورسوله صلى الله عليه وسلم وأهل عنايته فكاشف وأبصر ودعا إلى الله عز وجل على بصيرة .كما قال الله تعالى في حق نبيه صلى الله عليه وسلم مخبرا له : أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني وهؤلاء هم العلماء بالله العارفون وإن لم يكونوا رسلا ولا أنبياء فهم على بينة من ربهم في علمهم به وبما جاء من عنده وكذلك وصف نفسه بكثير من صفات المخلوقين من المجئ والإتيان والتجلي للأشياء والحدود والحجب والوجه والعين والأعين واليدين والرضي والكراهة والغضب والفرح والتبشبش وكل خبر صحيح ورد في كتاب وسنة والأخبار أكثر من أن تحصى مما لا يقبلها إلا مؤمن بها من غير تأويل أو بعض أرباب النظر من المؤمنين بتأويل اضطره إليه إيمانه .فانظر مرتبة المؤمن ما أعزها ومرتبة أهل الكشف ما أعظمها حيث ألحقت أصحابها بالرسل والأنبياء عليهم السلام فيما خصوا به من العلم الإلهي لأن العلماء ورثة الأنبياء وما ورثوا دينارا ولا درهما بل ورثوا العلم .يقول صلى الله عليه وسلم : إنا معشر الأنبياء لا نورث ما تركنا صدقة فمن كان عنده شئ من هذه الدنيا فليوقفه صدقة على من يراه من الأقربين إلى الله فهو النسب الحقيقي أو يزهد فيه ولا يترك شيئا يورث عنه إن أراد أن يلحق بهم ولا يرث أحدا فالحمد لله الذي أعطانا من هذا المقام الحظ الوافر فهذا بعض ما ورد علينا من الله عز وجل في الله تعالى من الأوصاف .وأما في قلب الحقائق فلا خلاف بين العقلاء في أنه لا يكون ودل دليل العقل القاصر من جهة فكره ونظره لا من جهة إيمانه وقبوله إذ لا أعقل من الرسل وأهل الله إن الأعيان لا تنقلب حقيقة في نفسها وإن الصفات والأعراض في مذهب من يقول إنها أعيان موجودة لا نقوم بأنفسها ولا بد لها من محل قائم بنفسه أو غير قائم بنفسه لكنه في قائم بنفسه ولا بد .ومثال الأول السواد مثلا أو أي لون كان لا يقوم إلا بمحل يقال فيه لقيام السواد به : أسود .ومثال الثاني كالسواد المشرق مثلا فالسواد هو المشرق فإنه نعت له فهذا معنى قولي أو غير قائم بنفسه لكنه في قائم بنفسه وهذه مسألة خلاف بين النظار هل يقوم المعنى بالمعنى فمن قائل به ومانع من ذلك .وقد ثبت أن جميع الأعمال كلها أعراض وإنها تفني ولا بقاء لها وإنه ليس لها عين موجودة بعد ذهابها ولا توصف بالانتقال وإن الموت إما عرض موجود في الميت في مذهب بعض النظار وإما نسبة افتراق بعد اجتماع .وكذا جميع الأكوان في مذهب بعضهم وهو الصحيح الذي يقتضيه الدليل وعلى كل حال فإنه لا يقوم بنفسه ووردت الأخبار النبوية بما يناقض هذا كله مع كوننا مجمعين على إن الأعمال أعراض أو نسب فقال الشارع وهو الصادق صاحب العلم الصحيح والكشف الصريح : إن الموت يجاء به يوم القيامة في صورة كبش أملح يعرفه الناس ولا ينكره أحد فيذبح بين الجنة والنار .روى أن يحيى عليه السلام هو الذي يضجعه ويذبحه بشفرة تكون في يده والناس ينظرون إليه .وورد أيضا في الخبر أن عمل الإنسان يدخل معه في قبره في صورة حسنة أو قبيحة فيسأله صاحبه فيقول أنا عملك وأن مانع الزكاة يأتيه ماله شجاعا أقرع له زبيبتان وأمثال هذا في الشرع لا تحصى كثرة فأما المؤمنون فيؤمنون بهذا كله من غير تأويل وأما أهل النظر من أهل الايمان وغيرهم فيقولون حمل هذا على ظاهره محال عقلا وله تأويل فيتأولونه بحسب ما يعطيهم نظرهم فيه ثم يقول أهل الايمان منهم عقيب تأويلهم والله أعلم يعني في ذلك التأويل الخاص الذي ذهب إليه هل هو المراد لله أم لا وأما حمله على ظاهره فمحال عندهم جملة واحدة والايمان إنما يتعلق بلفظ الشارع به خاصة هذا هو اعتقاد أهل الأفكار .وبعد أن بينا لك هذه الأمور ومراتب الناس فيها فإنها من هذا الباب الذي نحن بصدده فاعلم أنه ما ثم إلا ذوات أوجدها الله تعالى فضلا منه عليها قائمة بأنفسها وكل ما وصفت به فنسب وإضافات بينها وبين الحق من حيث ما وصفت فإذا أوجد الموجد قيل فيه إنه قادر على الإيجاد ولولا ذاك ما أوجد وإذا خصص الممكن بأمر دون غيره مما يجوز أن يقوم به قيل مريد ولولا ذلك ما خصصه بهذا دون غيره وسبب هذا كله إنما تعطيه حقيقة الممكن فالممكنات أعطت هذه النسب فافهم إن كنت ذا لب ونظر إلهي وكشف رحماني وقد قررنا في الباب الذي قبل هذا أن مآخذ العلوم من طرق مختلفة وهي السمع والبصر والشم واللمس والطعم والعقل من حيث ضرورياته وهو ما يدركه بنفسه من غير قوة أخرى ومن حيث فكره الصحيح أيضا مما يرجع إلى طرق الحواس أو الضروريات والبديهيات لا غير فذلك يسمى علما والأمور العارضة الحاصل عنها العلوم أيضا ترجع إلى هذه الأصول لا تنفك عنها وإنما سميت عوارض من أجل أن العادة في إدراك الألوان إن اللمس لا يدركها وإنما يدركها البصر فإذا أدركها الأكمه باللمس وقد رأينا ذلك فقد عرض لحاسة اللمس ما ليس من حقيقتها في العادة أن تدركه وكذلك سائر الطرق إذا عرض لها درك ما ليس من شأنها في العادة أن يدرك بها يقال فيه عرض لها وإنما فعل الله هذا تنبيها لنا أنه ما ثم حقيقة كما يزعم أهل النظر لا ينفذ فيها الاقتدار الإلهي بل تلك الحقيقة إنما هي بجعل الله لها على تلك الصورة وإنها ما أدركت الأشياء المربوط إدراكها بها من كونها بصرا ولا غير ذلك يقول الله بل بجعلنا فيدرك جميع العلوم كلها بحقيقة واحدة من هذه الحقائق إذا شاء الحق فلهذا قلنا عرض لها إدراك ما لم تجر العادة بإدراكها إياه فتعلم قطعا أنه عز وجل قد يكون مما يعرض لها أن تعلم وترى من ليس كمثله شئ وإن كانت الإدراكات لم تدرك شيئا قط إلا ومثله أشياء كثيرة من جميع المدركات ولم ينف سبحانه عن إدراكه قوة من القوي التي خلقها إلا البصر فقال : لا تدركه الأبصار فمنع ذلك شرعا وما قال لا يدركه السمع ولا العقل ولا غيرهما من القوي الموصوف بها الإنسان كما لم يقل أيضا إن غير البصر يدركه بل ترك الأمر مبهما وأظهر العوارض التي تعرض لهذه القوي في معرض التنبيه أنه ربما وضع ذلك في رؤيتنا من ليس كمثله شئ كما رأينا أول مرئي وسمعنا أول مسموع وشممنا أول مشموم وطعمنا أول مطعوم ولمسنا أول ملموس وعقلنا أول معقول مما لم يكن له مثل عندنا وإن كان له أمثال في نفس الأمر ولكن في أولية الإدراك سر عجيب في نفي المماثلة له فقد أدرك المدرك من لا مثل له عنده فيقيسه عليه وكون ذلك المدرك يقبل لذاته المثل أو لا يقبله حكم آخر زائد على كونه مدركا لا يحتاج إليه في الإدراك إن كنت ذا فطنة بل نقول إن التوسع الإلهي يقتضي أن لا مثل في الأعيان الموجودة وأن المثلية أمر معقول متوهم فإنه لو كانت المثلية صحيحة ما امتاز شئ عن شئ مما يقال هو مثله فذلك الذي امتاز به الشئ عن الشئ هو عين ذلك الشئ وما لم يمتز به عن غيره فما هو إلا عين واحدة فإن قلت رأيناه مفترقا مفارقا ينفصل هذا عن هذا مع كونه يماثله في الحد والحقيقة يقال له أنت الغالط فإن الذي وقع به الانفصال هو المعبر عنه بأنه تلك العين وما لم يقع به الانفصال هو الذي توهمت أنه مثل وهذا من أغمض مسائل هذا الباب فما ثم مثل أصلا ولا يقدر على إنكار الأمثال ولكن بالحدود لا غير ولهذا انطلق المثلية من حيث الحقيقة الجامعة المعقولة لا الموجودة فالأمثال معقولة لا موجودة فنقول في الإنسان إنه حيوان ناطق بلا شك وأن زيدا ليس هو عين عمرو من حيث صورته وهو عين عمرو من حيث إنسانيته لا غيره أصلا وإذا لم يكن غيره في إنسانيته فليس مثله بل هو هو فإن حقيقة الإنسانية لا تتبعض بل هي في كل إنسان بعينها لا بجزئيتها فلا مثل لها وهكذا جميع الحقائق كلها فلم تصح المثلية إذا جعلتها غير عين المثل فزيد ليس مثل عمرو من حيث إنسانيته بل هو هو وليس زيد مثل عمرو في صورته فإن الفرقان بينهما ظاهر ولولا الفارق لالتبس زيد بعمرو ولم تكن معرفة بالأشياء فما أدرك المدرك أي شئ أدرك إلا من ليس كمثله شئ وذلك لأن الأصل الذي نرجع إليه في وجودنا وهو الله تعالى ليس كمثله شئ فلا يكون ما يوجد عنه إلا على حقيقة أنه لا مثل له فإنه كيف يخلق ما لا تعطيه صفته وحقيقته لا تقبل المثل فلا بد أن يكون كل جوهر فرد في العالم لا يقبل المثل إن كنت ذا فطنة ولب فإنه ليس في الإله حقيقة تقبل المثل فلو كان قبول المثل موجودا في العالم لاستند في وجوده من ذلك الوجه إلى غير حقيقة إلهية وما ثم موجد إلا الله ولا مثل له فما في الوجود شئ له مثل بل كل موجود متميز عن غيره بحقيقة هو عليها في ذاته وهذا هو الذي يعطيه الكشف والعلم الإلهي الحق فإذا أطلقت المثل على الأشياء كما قد تقرر فاعلم أني أطلق ذلك عرفا قال تعالى : أمم أمثالكم أي كما انطلق عليكم اسم الأمة كذلك ينطلق اسم أمة على كل دابة وطائر يطير بجناحيه وكما إن كل أمة وكل عين في الوجود ما سوى الحق تفتقر في إيجادها إلى موجد نقول بتلك النسبة في كل واحد إنه مثل للآخر في الافتقار إلى الله وبهذا يصح قطعا إن الله ليس كمثله شئ بزيادة الكاف أو بفرض المثل فإنك إذا عرفت أن كل محدث لا يقبل المثلية كما قررناه لك فالحق أولى بهذه الصفة فلم تبق المثلية الواردة في القرآن وغيره إلا في الافتقار إلى الله الموجد أعيان الأشياء ثم ارجع وأقول إن كل واحد من أهل الله لا يخلو أن يكون قد جعل الله علم هذا الشخص بالأشياء في جميع القوي أو في قوة بعينها كما قررنا إما في الشم وهو صاحب علم الأنفاس وإما في النظر فيقال هو صاحب نظر وإما في الضرب وهو من باب اللمس بطريق خاص ولذلك كني عن ذلك بوجود برد الأنامل فينسب صاحب تلك الصفة التي بها تحصل العلوم إليها فيقال هو صاحب كذا كما قررنا إن الصفة هي عين الموصوف في هذا الباب أعني الصفة النفسية فكما رجع المعنى الذي يقال فيه إنه لا يقوم بنفسه صورة قائمة بنفسها رجعت الصورة التي هي هذا العالم معنى لتحققه بذلك المعنى وتألفه به كما تألفت هذه المعاني فصار من تأليفها ذات قائمة بنفسها يقال فيها جسم وإنسان وفرس ونبات فافهم فيصير صاحب علم الذوق ذوقا وصاحب علم الشم شما ومعنى ذلك أنه يفعل في غيره ما يفعل الذوق فيه إن كان صاحب ذوق أو ما فعل الشم فيه إن كان صاحب شم فقد التحق في الحكم بمعناه وصار هو في نفسه معنى يدرك به المدرك الأشياء كما يدرك الرائي بالنظر في المرآة الأشياء التي لا يدركها في تلك الحالة إلا بالمرآة كان للشيخ أبي مدين ولد صغير من سوداء .وكان أبو مدين صاحب نظر فكان هذا الصبي وهو ابن سبع سنين ينظر ويقول أرى في البحر في موضع صفته كذا وكذا سفنا وقد جرى فيها كذا وكذا فإذا كان بعد أيام وتجئ تلك السفن إلى بجاية مدينة هذا الصبي التي كان فيها يوجد الأمر على ما قاله الصبي فيقال للصبي بما ذا ترى فيقول بعيني ثم يقول لا إنما أراه بقلبي ثم يقول لا إنما أراه بوالدي إذا كان حاضرا ونظرت إليه رأيت هذا الذي أخبركم به وإذا غاب عني لا أرى شيئا من ذلك .ورد في الخبر الصحيح عن الله تعالى في العبد الذي يتقرب إلى الله بالنوافل حتى بحبه يقول فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به الحديث فبه يسمع ويبصر ويتكلم ويبطش ويسعى فهذا معنى قولنا يرجع المحقق بمثل صورة معنى ما تحقق به فكان ينظر بأبيه كما ينظر الإنسان بعينه في المرآة فافهم وهكذا كل صاحب طريق من طرق هذه القوي وقد يجمع الكل واحد فيرى بكل قوة ويسمع بكل قوة ويشم بكل قوة وهو أتم الجماعة وأما أحوالهم بعد موتهم فعلى قدر ما كانوا عليه في الدنيا من التفرع لأمر ما معين أو أمور مختلفة على قدر ما تحققوا به في التفرع له وهم في الآخرة على قدر أحوالهم في الدنيا فمن كان في الدنيا عبدا محضا كان في الآخرة ملكا محضا ومن كان في الدنيا يتصف بالملك ولو في جوارحه أنها ملك له نقص من ملكه في الآخرة بقدر ما استوفاه في الدنيا ولو أقام العدل في ذلك وصرفه فيما أوجب الله عليه أن يصرفه فيه شرعا وهو يرى أنه مالك لذلك لغفلة طرأت منه فإن وبال ذلك يعود عليه ويؤثر فيه فلا أعز في الآخرة ممن بلغ في الدنيا غاية الذل في جناب الحق والحقيقة ولا أذل في الآخرة ممن بلغ في الدنيا غاية العزة في نفسه ولو كان مصفوعا في الدنيا ولا أريد بعز الدنيا أن يكون فيها ملكا إلا أن يكون صفته في نفسه العزة وكذلك الذلة وأما أن يكون في ظاهر الأمر ملكا أو غير ذلك فما نبالي في أي مقام وفي أي حال أقام الحق عبده في ظاهره وإنما المعتبر في ذلك حاله في نفسه .ذكر عبد الكريم بن هوازن القشيري في بعض كتبه وغيره عن رجل من الناس أنه دفن رجلا من الصالحين فلما جعله في قبره نزع الكفن عن خده ووضع خده على التراب ففتح الميت عينيه وقال له يا هذا أتذللني بين يدي من أعزني فتعجب من ذلك وخرج من القبر .ورأيت أنا مثل هذا لعبد الله صاحبي الحبشي في قبره ورآه غاسله وقد هاب أن يغسله في حديث طويل ففتح عينيه في المغتسل وقال له اغسل فمن أحوالهم بعد الموت أنهم أحياء بالحياة النفسية التي بها يسبح كل شئ ومن كانت له همة بمعبده في حال عبادته في حياته بحيث أن يكون يحفظها من الداخل فيها حتى لا يتغير عليه الحال إن كان صاحب نفس فإذا مات ودخل أحد بعده معبده ففعل فيه ما لا يليق بصاحبه الذي كان يعمره ظهرت فيه آية وهذا قد رويناه في حكاية عن أبي يزيد البسطامي كان له بيت يتعبد فيه يسمى بيت الأبرار .فلما مات أبو يزيد بقي البيت محفوظا محترما لا يفعل فيه إلا ما يليق بالمساجد فاتفق أنه جاء رجل فبات فيه قيل وكان جنبا فاحترقت عليه ثيابه من غير نار معهودة ففر من البيت فما كان يدخله أحد فيفعل فيه ما لا يليق إلا رأى آية فيبقى أثر مثل هذا الشخص بعد موته يفعل مثل ما كان يفعله في حياته سواء وقد قال بعضهم وكان محبا في الصلاة يا رب إن كنت أذنت لأحد أن يصلي في قبره فاجعلني ذلك فرؤي وهو يصلي في قبره . وقد مر رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة إسراءه بقبر موسى ع فرآه وهو يصلي في قبره ثم عرج به إلى السماء وذكر الإسراء وما جرى له فيه مع الأنبياء ورأى موسى في السماء السادسة وقد رآه وهو يصلي في قبره فمن أحوال هذا الشخص بعد موته مثل هذه الأشياء لا فرق في حقه بين حياته وموته فإنه كان في زمان حياته في الدنيا في صورة الميت حاله الموت فجعله الله في حال موته كمن حاله الحياة جزاء وفاقا .ومن صفات صاحب هذا المقام في موته إذا نظر الناظر إلى وجهه وهو ميت يقول فيه حي وإذا نظر إلى مجس عروقه يقول فيه ميت فيحار الناظر فيه فإن الله جمع له بين الحياة والموت في حال حياته وموته وقد رأيت ذلك لوالدي رحمه الله يكاد إنا ما دفناه إلا على شك مما كان عليه في وجهه من صورة الأحياء ومما كان من سكون عروقه وانقطاع نفسه من صورة الأموات وكان قبل أن يموت بخمسة عشر يوما أخبرني بموته وأنه يموت يوم الأربعاء وكذلك كان فلما كان يوم موته وكان مريضا شديد المرض استوى قاعدا غير مستند وقال لي يا ولدي اليوم يكون الرحيل واللقاء فقلت له كتب الله سلامتك في سفرك هذا وبارك لك في لقائك ففرح بذلك وقال لي جزاك الله يا ولدي عني خيرا كل ما كنت أسمعه منك تقوله ولا أعرفه وربما كنت أنكر بعضه هو ذا أنا أشهده ثم ظهرت على جبينه لمعة بيضاء تخالف لون جسده من غير سوء له نور يتلألأ لأقشعر بها الوالد ثم إن تلك اللمعة انتشرت على وجهه إلى أن عمت بدنه فقبلته ووادعته وخرجت من عنده وقلت له أنا أسير إلى المسجد الجامع إلى أن يأتيني نعيك فقال لي رح ولا تترك أحدا يدخل علي وجمع أهله وبناته فلما جاء الظهر جاءني نعيه فجئت إليه فوجدته على حالة يشك الناظر فيه بين الحياة والموت وعلى تلك الحالة دفناه وكان له مشهد عظيم فسبحان من يختص برحمته من يشاء فصاحب هذا المقام حياته وموته سواء وكل ما قدمناه في هذا الباب من العلم هو علم صاحب هذا المقام فإنه من علم الأنفاس ولهذا ذكرنا ما ذكرنا من ذلك والله يقول الحق وهو يهدي السبيل .
    لا اله الا الله محمد رسول الله

  2. #102
    Administrator
    رقم العضوية : 1
    تاريخ التسجيل : Jun 2016
    المشاركات: 1,380
    التقييم: 10

    معرفة العيسويين وأقطابهم وأصولهم

    (الباب السادس والثلاثون في معرفة العيسويين وأقطابهم وأصولهم)
    كل من أحيا حقيقته * وشفى من علة الحجب
    فهو عيسى لا يناط به * عندنا شئ من الريب
    فلقد أعطت سجيته * رتبة تسمو على الرتب
    بنعوت القدس تعرفه * في صريح الوحي والكتب
    لم ينلها غير وارثه * صفة في سالف الحقب
    فسرت في الكون همته * في أعاجم وفي عرب
    فبها تحيا نفوسهمو * وبها إزالة النوب

    اعلم أيدك الله أنه لما كان شرع محمد صلى الله عليه وسلم تضمن جميع الشرائع المتقدمة وأنه ما بقي لها حكم في هذه الدنيا إلا ما قررته الشريعة المحمدية فبتقريرها ثبتت فتعبدنا بها نفوسنا من حيث إن محمدا صلى الله عليه وسلم قررها لا من حيث إن النبي المخصوص بها في وقته قررها فلهذا أوتي رسول الله صلى الله عليه وسلم جوامع الكلم فإذا عمل المحمدي وجميع العالم المكلف اليوم من الإنس والجن محمدي ليس في العالم اليوم شرع إلهي سوى هذا الشرع المحمدي فلا يخلو هذا العامل من هذه الأمة إن يصادف في عمله فيما يفتح له منه في قلبه وطريقه ويتحقق به طريقة من طرق نبي من الأنبياء المتقدمين مما تتضمنه هذه الشريعة وقررت طريقته وصحبتها نتيجته فإذا فتح له في ذلك فإنه ينتسب إلى صاحب تلك الشريعة فيقال فيه عيسوي أو موسوي أو إبراهيمي وذلك لتحقيق ما تميز له من المعارف وظهر له من المقام من جملة ما هو تحت حيطة شريعة محمد صلى الله عليه وسلم فيتميز بتلك النسبة أو بذلك النسب من غيره ليعرف أنه ما ورث من محمد صلى الله عليه وسلم إلا ما لو كان موسى أو غيره من الأنبياء حيا واتبعه ما ورث إلا ذلك منه ولما تقدمت شرائعهم قبل هذه الشريعة جعلنا هذا العارف وارثا إذ كان الورث للآخر من الأول فلو لم يكن لذلك الأول شرع مقرر قبل تقرير محمد صلى الله عليه وسلم لساوينا الأنبياء والرسل إذ جمعنا زمان شريعة محمد صلى الله عليه وسلم كما يساوينا اليوم الياس والخضر وعيسى إذا نزل فإن الوقت يحكم عليه إذ لا نبوة تشريع بعد محمد صلى الله عليه وسلم ولا يقال في أحد من أهل هذه الطريقة أنه محمدي إلا لشخصين إما شخص اختص بميراث علم من حكم لم يكن في شرع قبله فيقال فيه محمدي وإما شخص جمع المقامات ثم خرج عنها إلى لا مقام كأبي يزيد وأمثاله فهذا أيضا يقال فيه محمدي .
    وما عدا هذين الشخصين فينسب إلى نبي من الأنبياء ولهذا ورد في الخبر أن : العلماء ورثة الأنبياء ولم يقل ورثة نبي خاص والمخاطب بهذا علماء هذه الأمة وقد ورد أيضا بهذا اللفظ قوله صلى الله عليه وسلم:
    علماء هذه الأمة أنبياء سائر الأمم وفي رواية كأنبياء بني إسرائيل فالعيسويون الأول هم الحواريون أتباع عيسى فمن أدرك منهم إلى الآن شرع محمد صلى الله عليه وسلم وآمن به واتبعه واتفق أن يكون قد حصل له من هذه الشريعة ما كان قبل هذا شرعا لعيسى عليه السلام فيرث من عيسى عليه السلام ما ورثه من غير حجاب ثم يرث من عيسى عليه السلام في شريعة محمد صلى الله عليه وسلم ميراث تابع من تابع لا من متبوع وبينهما في الذوق فرقان ولهذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في مثل هذا الشخص أن له الأجر مرتين كذلك له ميراثان وفتحان وذوقان مختلفان ولا ينسب فيهما إلا إلى ذلك النبي عليه السلام فهؤلاء هم العيسويون الثواني وأصولهم توحيد التجريد من طريق المثال لأن وجود عيسى عليه السلام لم يكن عن ذكر بشري وإنما كان عن تمثل روح في صورة بشر ولهذا غلب على أمة عيسى بن مريم دون سائر الأمم القول بالصورة فيصورون في كنائسهم مثلا ويتعبدون في أنفسهم بالتوجه إليها فإن أصل نبيهم عليه السلام كان عن تمثل فسرت تلك الحقيقة في أمته إلى الآن ولما جاء شرع محمد صلى الله عليه وسلم ونهى عن الصور وهو صلى الله عليه وسلم قد حوى على حقيقة عيسى وانطوى شرعه في شرعه فشرع لنا صلى الله عليه وسلم أن نعبد الله كأنا نراه فأدخله لنا في الخيال وهذا هو معنى التصوير إلا أنه نهى عنه في الحس أن يظهر في هذه الأمة بصورة حسية ثم إن هذا الشرع الخاص الذي هو اعبد الله كأنك تراه ما قاله محمد صلى الله عليه وسلم لنا بلا واسطة بل قاله لجبريل عليه السلام وهو الذي تمثل لمريم بشرا سويا عند إيجاد عيسى عليه السلام فكان كما قيل في المثل السائر إياك أعني فاسمعي يا جارة فكنا نحن المرادين بذلك القول ولهذا جاء في آخر الحديث هذا جبريل أراد أن تعلموا إذا لم تسألوا وفي رواية جاء ليعلم الناس دينهم وفي رواية أتاكم يعلمكم دينكم فما خرجت الروايات عن كوننا المقصودين بالتعليم ثم لتعلم إن الذي لنا من غير شرع عيسى عليه السلام قوله : فإن لم تكن تراه فإنه يراك فهذا من أصولهم .
    وكان شيخنا أبو العباس العربي رحمه الله عيسويا في نهايته وهي كانت بدايتنا أعني نهاية شيخنا في هذا الطريق كانت عيسوية ثم نقلنا إلى الفتح الموسوي الشمسي ثم بعد ذلك نقلنا إلى هود عليه السلام ثم بعد ذلك نقلنا إلى جميع النبيين عليهم السلام ثم بعد ذلك نقلنا إلى محمد صلى الله عليه وسلم هكذا كان أمرنا في هذا الطريق ثبته الله علينا ولا حاد بنا عن سواء السبيل فأعطانا الله من أجل هذه النشأة التي أنشأنا الله عليها في هذا الطريق وجه الحق في كل شئ فليس في العالم عندنا في نظرنا شئ موجود إلا ولنا فيه شهود عين حق نعظمه منه فلا نرمي بشئ من العالم الوجودي وفي زماننا اليوم جماعة من أصحاب عيسى عليه السلام ويونس عليه السلام يحبون وهم منقطعون عن الناس فأما القوم الذين هم من قوم يونس فرأيت أثر قدم واحد منهم بالساحل كان صاحبه قد سبقني بقليل فشبرت قدمه في الأرض فوجدت طول قدمه ثلاثة أشبار ونصفا وربعا بشبري وأخبرني صاحبي أبو عبد الله بن خرز الطنجي أنه اجتمع به في حكاية وجاءني بكلام من عنده مما يتفق في الأندلس في سنة خمس وثمانين وخمسمائة وهي السنة التي كنا فيها وما يتفق في سنة ست وثمانين مع الإفرنج فكان كما قال ما غادر حرفا .
    وأما الذي في الزمان من أصحاب عيسى فهو ما رويناه من حديث عربشاه بن محمد بن أبي المعالي العلوي النوقي الخبوشاني كتابة قال حدثنا محمد بن الحسن بن سهل العباسي الطوسي أنا أبو المحاسن علي بن أبي الفضل الفارمدي إنا أحمد بن الحسين بن علي قال حدثنا أبو عبد الله الحافظ ثنا أبو عمر وعثمان بن أحمد بن السماك ببغداد إملاء ثنا يحيى بن أبي طالب ثنا عبد الرحمن بن إبراهيم الراسبي ثنا مالك بن أنس عن نافع عن ابن عمر قال كتب عمر بن الخطاب إلى سعد بن أبي وقاص وهو بالقادسية : أن وجه نضلة بن معاوية الأنصاري إلى حلوان العراق فليغز على ضواحيها .
    قال فوجه سعد نضلة في ثلاثمائة فارس فخرجوا حتى أتوا حلوان العراق وأغاروا على ضواحيها وأصابوا غنيمة وسبيا فأقبلوا يسوقون الغنيمة والسبي حتى رهقت بهم العصر وكادت الشمس أن تغرب فالجأ نضلة السبي والغنيمة إلى سفح الجبل ثم قام فاذن فقال :
    الله أكبر الله أكبر قال ومجيب من الجبل يجيبه كبرت كبيرا يا نضلة ثم قال :
    أشهد أن لا إله إلا الله فقال كلمة الإخلاص يا نضلة وقال :
    أشهد أن محمدا رسول الله فقال هو الدين وهو الذي بشرنا به عيسى بن مريم عليهما السلام وعلى رأس أمته تقوم الساعة ثم قال :
    حي على الصلاة قال طوبى لمن مشى إليها وواظب عليها ثم قال :
    حي على الفلاح قال قد أفلح من أجاب محمدا صلى الله عليه وسلم وهو البقاء لأمته قال :
    الله أكبر الله أكبر قال كبرت كبيرا قال :
    لا إله إلا الله قال أخلصت الإخلاص يا نضلة فحرم الله جسدك على النار قال فلما فرع من أذانه قمنا فقلنا من أنت يرحمك الله أملك أنت أم ساكن من الجن أم من عباد الله أسمعتنا صوتك فأرنا شخصك فإنا وفد الله ووفد رسول الله صلى الله عليه وسلم ووفد عمر بن الخطاب قال فانفلق الجبل عن هامة كالرحى أبيض الرأس واللحية عليه طمران من صوف فقال : السلام عليكم ورحمة الله وبركاته فقلنا وعليك السلام ورحمة الله وبركاته من أنت يرحمك الله قال أنا زريب بن برثملا وصي العبد الصالح عيسى بن مريم عليهما السلام أسكنني هذا الجبل ودعا لي بطول البقاء إلى نزوله من السماء فيقتل الخنزير ويكسر الصليب ويتبرأ مما نحلته النصارى ما فعل النبي صلى الله عليه وسلم قلنا قبض فبكى بكاء طويلا حتى خضب لحيته بالدموع ثم قال :
    فمن قام فيكم بعده قلنا أبو بكر قال ما فعل قلنا قبض قال فمن قام فيكم بعده قلنا عمر قال إذا فاتني لقاء محمد صلى الله عليه وسلم فاقرءوا عمر مني السلام وقولوا يا عمر سدد وقارب فقد دنا الأمر وأخبروه بهذه الخصال التي أخبركم بها يا عمر إذا ظهرت هذه الخصال في أمة محمد صلى الله عليه وسلم فالهرب الهرب إذا استغنى الرجال بالرجال والنساء بالنساء وانتسبوا في غير مناسبهم وانتموا إلى غير مواليهم ولم يرحم كبيرهم صغيرهم ولم يوقر صغيرهم كبيرهم وترك الأمر بالمعروف فلم يؤمر به وترك النهي عن المنكر فلم ينه عنه وتعلم عالمهم العلم ليجلب به الدنانير والدراهم وكان المطر قيظا والولد غيظا وطولوا المنابر وفضضوا المصاحف وزخرفوا المساجد وأظهروا الرشي وشيدوا البناء واتبعوا الهوى وباعوا الدين بالدنيا واستخفوا الدماء وتقطعت الأرحام وبيع الحكم وأكل الربا وصار التسلط فخرا والغنى عزا وخرج الرجل من بيته فقام إليه من هو خير منه وركبت النساء السروج قال ثم غاب عنا .
    فكتب بذلك نضلة إلى سعد وكتب سعد إلى عمر فكتب عمر إئت أنت ومن معك من المهاجرين والأنصار حتى تنزل هذا الجبل فإذا لقيته فأقرئه مني السلام فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال إن بعض أوصياء عيسى بن مريم عليه السلام نزل بذلك الجبل بناحية العراق فنزل سعد في أربعة آلاف من المهاجرين والأنصار حتى نزل الجبل أربعين يوما ينادي بالأذان في وقت كل صلاة فلم يجده لم يتابع الراسبي على قوله عن مالك ابن أنس والمعروف في هذا الحديث مالك بن الأزهر عن نافع وابن الأزهر مجهول قال أبو عبد الله الحاكم لم يسمع بذكر ابن الأزهر في غير هذا الحديث والسؤال عن النبي صلى الله عليه وسلم وعن أبي بكر هو من حديث ابن لهيعة عن ابن الأزهر قلنا هذا الحديث وإن تكلم في طريقه فهو صحيح عند أمثالنا كشفا .
    وقوله في زخرفة المساجد وتفضيض المصاحف ليسا على طريق الذم وإنما هما دلالة على اقتراب الساعة وفساد الزمان كدلالة نزول عيسى عليه السلام وخروج المهدي وطلوع الشمس من مغربها معلوم كل ذلك إنه ليس على طريق الذم وإنما الدلالات على الشئ قد تكون مذمومة ومحمودة هذا الوصي العيسوي بن برثملا لم يزل في ذلك الجبل يتعبد لا يعاشر أحدا .
    وقد بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم أترى ذلك الراهب بقي على أحكام النصارى لا والله فإن شريعة محمد صلى الله عليه وسلم ناسخة يقول صلى الله عليه وسلم لو كان موسى حيا ما وسعه إلا أن يتبعني وهذا عيسى إذا نزل ما يؤمنا إلا منا أي بسنتنا ولا يحكم فينا إلا بشرعنا فهذا الراهب ممن هو على بينة من ربه علمه ربه من عنده ما افترضه عليه من شرع نبينا محمد صلى الله عليه وسلم على الطريق التي اعتادها من الله وهذا عندنا ذوق محقق فإنا أخذنا كثيرا من أحكام محمد صلى الله عليه وسلم المقررة في شرعه عند علماء الرسوم وما كان عندنا منها علم فأخذناها من هذا الطريق ووجدناها عند علماء الرسوم كما هي عندنا ومن تلك الطريق نصحح الأحاديث النبوية ونردها أيضا إذا أعلمنا أنها واهية الطرق غير صحيحة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وإن قرر الشارع حكم المجتهد وإن أخطأ ولكن أهل هذه الطريقة ما يأخذون إلا بما حكم به رسول الله صلى الله عليه وسلم وهذا الوصي من الأفراد وطريقه في مآخذ العلوم طريق الخضر صاحب موسى عليه السلام فهو على شرعنا وإن اختلف الطريق الموصل إلى العلم الصحيح فإن ذلك لا يقدح في العلم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فيمن أعطى الولاية من غير مسألة :
    إن الله يعينه عليها وإن الله يبعث إليه ملكا يسدده يريد عصمته من الغلط فيما يحكم به قال الخضر وما فعلته عن أمري وقال عليه السلام :
    إن يكن في أمتي محدثون فمنهم عمر ثم إنه قد ثبت عندنا إن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن قتل الرهبان الذين اعتزلوا الخلق وانفردوا بربهم فقال ذروهم وما انقطعوا إليه فأتى بلفظ مجمل ولم يأمرنا بأن ندعوهم لعلمه صلى الله عليه وسلم أنهم على بينة من ربهم وقد أمر صلى الله عليه وسلم بالتبليغ وأمرنا أن يبلغ الشاهد الغائب فلولا ما علم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الله يتولى تعليمهم مثل ما تولى تعليم الخضر وغيره ما كان كلامه هذا ولا قرره على شرع منسوخ عنده في هذه الملة وهو الصادق في دعواه صلى الله عليه وسلم أنه بعث إلى الناس كافة كما ذكر الله تعالى فيه فعمت رسالته جميع الخلق وروح هذا التعريف أنه كل من أدركه زمانه وبلغت إليه دعوته لم يتعبده الله إلا بشرعه فإنا نعلم قطعا أنه صلى الله عليه وسلم ما شافه جميع الناس بالخطاب في زمانه فما هو إلا الوجه الذي ذكرنا وهذا الراهب من العيسويين الذين ورثوا عيسى عليه السلام إلى زمان بعثة محمد صلى الله عليه وسلم فلما بعث محمد صلى الله عليه وسلم تعبد الله هذا الراهب بشرعه صلى الله عليه وسلم وعلمه من لدنه علما بالرحمة التي آتاه من عنده كان ورثه أيضا حالة عيسوية من محمد صلى الله عليه وسلم فلم يزل عيسويا في الشريعتين ألا ترى هذا الراهب قد أخبر بنزول عيسى عليه السلام وأخبر أنه إذا نزل يقتل الخنزير ويكسر الصليب أتراه بقي على تحليل لحم الخنزير فلم يزل هذا الراهب عيسويا في الشريعتين فله الأجر مرتين أجر اتباعه نبيه وأجر اتباعه محمدا صلى الله عليه وسلم وهو في انتظار عيسى إلى أن ينزل .
    وهؤلاء الصحابة قد رأوه مع نضلة وما سألوه عن حاله في الإسلام والايمان ولا بما يتعبد نفسه من الشرائع لأن النبي صلى الله عليه وسلم ما أمرهم بسؤال مثله فعلمنا قطعا أن النبي صلى الله عليه وسلم لا يقر أحدا على الشرك وعلم إن لله عبادا يتولى الحق تعليمهم من لدنه علم ما أنزله على محمد صلى الله عليه وسلم رحمة منه وفضلا وكان فضل الله عظيما ولو كان ممن يؤدي الجزية لقلنا إن الشرع المحمدي قد قرر له دينه ما دام يعطي الجزية وهذه مسألة دقيقة في عموم رسالته وأنه بظهوره لم يبق شرع إلا ما شرعه ومما شرع تقريرهم على شرعهم ما داموا يعطون الجزية إذا كانوا من أهل الكتاب وكم لله تعالى من هؤلاء العباد في الأرض فأصل العيسويين كما قررناه تجريد التوحيد من الصور الظاهرة في الأمة العيسوية والمثل التي لهم في الكنائس من أجل أنهم على شريعة محمد صلى الله عليه وسلم ولكن الروحانية الحالية التي هم عليها عيسوية في النصارى وموسوية في اليهود من مشكاة محمد صلى الله عليه وسلم من قوله صلى الله عليه وسلم :
    اعبد الله كأنك تراه والله في قبلة المصلي وإن العبد إذا صلى استقبل ربه ومن كل ما ورد في الله من أمثال هذه النسب وليس للعيسوي من هذه الأمة من الكرامات المشي في الهواء ولكن لهم المشي على الماء والمحمدي يمشي في الهواء بحكم التبعية فإن النبي صلى الله عليه وسلم ليلة أسرى به وكان محمولا قال في عيسى عليه السلام لو ازداد يقينا لمشى في الهواء ولا شك أن عيسى عليه السلام أقوى في اليقين منا بما لا يتقارب فإنه من أولي العزم من الرسل ونحن نمشي في الهواء بلا شك وقد رأينا خلقا كثيرا ممن يمشي في الهواء في حال مشيهم في الهواء فعلمنا قطعا إن مشينا في الهواء إنما هو بحكم صدق التبعية لا بزيادة اليقين على يقين عيسى عليه السلام قد علم كل منا مشربه فمشينا بحكم التبعية لمحمد صلى الله عليه وسلم من الوجه الخاص الذي له هذا المقام لا من قوة اليقين كما قلنا الذي كنا نفضل به عيسى عليه السلام حاشى لله أن نقول بهذا كما إن أمة عيسى يمشون على الماء بحكم التبعية لا بمساواة يقينهم يقين عيسى عليه السلام فنحن مع الرسل في خرق العوائد الذين اختصوا بها من الله وظهر أمثالها علينا بحكم التبعية كما مثلناه في كتاب اليقين لنا أن لمماليك الخواص الذين يمسكون نعال أستاذيهم من الأمراء إذا دخلوا على السلطان وبقي بعض الأمراء خارج الباب حين لم يؤذن لهم في الدخول أترى المماليك الداخلين مع أستاذيهم أرفع منصبا من الأمراء الذي ما أذن لهم فهل دخلوا إلا بحكم التبعية لأستاذيهم بل كل شخص على رتبته فالأمراء متميزون على الأمراء والمماليك متميزون على المماليك في جنسهم كذلك نحن مع الأنبياء فيما يكون للاتباع من خرق العوائد ثم إن النبي صلى الله عليه وسلم ما مشى في الهواء إلا محمولا على البراق كالراكب وعلى الرفرف كالمحمول في المحفة فأظهر البراق والرفرف صورة المقام الذي هو عليه في نفسه بأنه محمول في نفسه ونسبة أيضا إلهية من قوله تعالى : الرحمن على العرش استوى ومن قوله : ويحمل عرش ربك فالعرش محمول فهذا حمل كرامة بالحاملين وحال راحة ومجد وعز للمحمولين وقد قررنا لك في غير موضع أن المحمول أعلى من غير المحمول في هذا المقام وأمثاله وأنه لا حول ولا قوة إلا بالله مما اختص به الحملة وإن كان جميع الخلق محمولين ولكن لم يكشف ذلك الحمل لكل أحد وإن كان الحمل على مراتب حمل عن عجز وحمل عن حقيقة كحمل الأثقال وحمل عن شرف ومجد فالعناية بهذه الطائفة أن يكونوا محمولين ظاهرا كما هو الأمر في نفسه باطنا لتبريهم من الدعوى كما قررناه في بابه وللعيسويين همة فعالة ودعاء مقبول وكلمة مسموعة ومن علامة العيسويين إذا أردت أن تعرفهم فتنظر كل شخص فيه رحمة بالعالم وشفقة عليه كان من كان وعلى أي دين كان وبأية نحلة ظهر وتسليم لله فيهم لا ينطقون بما تضيق الصدور له في حق الخلق أجمعين عند خطابهم عباد الله ومن علامتهم أنهم ينظرون من كل شئ أحسنه ولا يجري على ألسنتهم إلا الخير واشتركت في ذلك الطبقة الأولى والثانية فالأولى مثل ما روى عن عيسى عليه السلام أنه رأى خنزيرا فقال له : أنج بسلام فقيل له في ذلك فقال أعود لساني قول الخير .
    وأما الثانية فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال في الميتة حين مر عليها ما أحسن بياض أسنانها وقال من كان معه ما أنتن ريحها وأن النبي صلى الله عليه وسلم وإن كان قد أمر بقتل الحيات على وجه خاص وأخبر أن الله يحب الشجاعة ولو على قتل حية ومع هذا فإنه كان بالغار في منى وقد نزلت عليه سورة والمرسلات وبالمرسلات يعرف الغار إلى الآن دخلته تبركا فخرجت حية وابتدر الصحابة إلى قتلها فأعجزهم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن الله وقاها شركم كما وقاكم شرها فسماه شرا مع كونه مأمورا به مثل قوله تعالى في القصاص : وجزاء سيئة سيئة مثلها فسمى القصاص سيئة وندب إلى العفو فما وقعت عينه صلى الله عليه وسلم إلا على أحسن ما كان في الميتة فهكذا أولياء الله لا ينظرون من كل منظور إلا أحسن ما فيه وهم العمي عن مساوي الخلق لا عن المساوي لأنهم مأمورون باجتنابها كما هم ضم عن سماع الفحشاء كما هم البكم عن التلفظ بالسوء من القول وإن كان مباحا في بعض المواطن هكذا عرفناهم فسبحان من اصطفاهم واجتباهم وهداهم إلى صراط مستقيم أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده فهذا مقام عيسى عليه السلام في محمد صلى الله عليه وسلم لأنه تقدمه بالزمان ونقلت عنه هذه الأحوال قال تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم حين ذكر في القرآن من ذكر من النبيين وعيسى في جملة من ذكر عليهم السلام أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده وإن كان مقام الرسالة يقتضي تبيين الحسن من القبيح ليعلم كما قال تعالى لتبين للناس ما نزل إليهم فإن بين السوء في حق شخص فبوحي من الله كما قال في شخص بئس أين العشيرة والخضر قتل الغلام وقال فيه طبع كافر أو أخبر لو تركه بما يكون منه من السوء في حق أبويه وقال ما فعلت ذلك عن أمري فالذي للرجال من ذواتهم القول الحسن والنظر إلى الحسن والإصغاء بالسمع إلى الحسن فإن ظهر منهم وقتا ما خلاف هذا من نبي أو ولي مرجوم فذلك عن أمر إلهي ما هو لسانهم فهذا قد ذكرنا من أحوال العيسويين ما يسره الله على لساني والله يقول الحق وهو يهدي السبيل .
    لا اله الا الله محمد رسول الله

  3. #103
    Administrator
    رقم العضوية : 1
    تاريخ التسجيل : Jun 2016
    المشاركات: 1,380
    التقييم: 10

    معرفة الأقطاب العيسويين وأسرارهم

    (الباب السابع والثلاثون في معرفة الأقطاب العيسويين وأسرارهم)
    فاعلم أيدك الله بروح القدس أن :
    القطب من ثبتت في الأمر أقدامه * والعيسوي الذي يبديه قدامه
    والعيسوي الذي يوما له رفعت * بين النبيين في الإشهاد أعلامه
    وجاءه من أبيه كل رائحة * كالمسك في شمها بالوحي أعلامه
    له الحياة فيحي من يشاء بها * فلا يموت ولا تفنيه أيامه
    فلو تراه وقد جاءته آيته * تسعى لتظهر في الأكوان أحكامه
    مواجها بلسان أنت قلت لهم * بأنك الله وهو الله علامة
    جوابه قيل ما قد قيل فاعف ولا * تنظر لجرم الذي أرداه إجرامه
    صلى عليه إله الخلق من رجل * أعطى وأعطى الذي أعطاه إكرامه

    اعلم أيدك الله بروح القدس إنا قد عرفناك إن العيسوي من الأقطاب هو الذي جمع له الميراثان الميراث الروحاني الذي يقع به الانفعال والميراث المحمدي ولكن من ذوق عيسى عليه السلام لا بد من ذلك وقد بينا مقاماتهم وأحوالهم فلنذكر في هذا الباب نبذا من أسرارهم فمنها أنهم إذا أرادوا أن يعطوا حالا من الأحوال التي هم عليها وهي تحت سلطانهم لما يرون في ذلك الشخص من الاستعداد إما بالكشف وإما بالتعريف الإلهي فيلمسون ذلك الشخص أو يعانقونه أو يقبلونه أو يعطونه ثوبا من لباسهم أو يقولون له ابسط ثوبك ثم يغرفون له مما يريدون أن يعطوه والحاضر ينظر أنهم يغرفون في الهواء ويجعلونه في ثوبه على قدر ما يحد لهم من الغرفات ثم يقولون له ضم ثوبك مجموع الأطراف إلى صدرك أو ألبسه على قدر الحال التي يحبون أن يهبوه إياها فأي شئ فعلوا من ذلك سرى ذلك الحال في ذلك الشخص المأمور المراد به من وقته لا يتأخر .
    وقد رأينا ذلك لبعض شيوخنا جاء لأقوام من العامة فيقول لي هذا شخص عنده استعداد فيقرب منه فإذا لمسه أو ضربه بصدره في ظهره قاصدا أن يهبه ما أراد سرى فيه ذلك الحال من ساعته وخرج مما كان فيه وانقطع إلى ربه .
    وكان أيضا له هذه الحال مكي الواسطي المدفون بمكة تلميذ أزدشير كان إذا أخذه الحال يقول لمن يكون حاضرا معه عانقني أو تعرف الحاضر أمره فإذا رآه متلبسا بحاله عانقة فيسري ذلك الحال في هذا الشخص ويتلبس به شكى جابر بن عبد الله لرسول الله صلى الله عليه وسلم أنه لا يثبت على ظهر الفرس فضرب في صدره بيده فما سقط عن ظهر فرس بعد .
    ونخس رسول الله صلى الله عليه وسلم مركوبا كان تحت بعض أصحابه بطيئا يمشي به في آخر الناس فلما نخسه لم يقدر صاحبه على إمساكه وكان يتقدم على جميع الركاب .
    وركب رسول الله صلى الله عليه وسلم فرسا بطيئا لأبي طلحة يوم أغير على سرح رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم في حق ذلك الفرس إنا وجدناه لبحرا فما سبق بعد ذلك .
    وشكى لرسول الله صلى الله عليه وسلم أبو هريرة أنه ينسى ما يسمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له يا أبا هريرة ابسط رداءك فبسط أبو هريرة رداءه فاغترف رسول الله صلى الله عليه وسلم غرفة من الهواء أو ثلاث غرفات وألقاها في رداء أبي هريرة وقال له ضم رداءك إلى صدرك فضمه إلى صدره فما نسي بعد ذلك شيئا يسمعه وهذا كله من هذا المقام .
    فانظر في سر هذا الأمر أنه ما ظهر شئ من ذلك إلا بحركة محسوسة لإثبات الأسباب التي وضعها الله ليعلم أن الأمر الإلهي لا ينخرم وأنه في نفسه على هذا الحد فيعرف العارف من ذلك نسب الأسماء الإلهية وما ارتبط بها من وجود الكائنات وأن ذلك تقتضيه الحضرة الإلهية لذاتها فنصرف العالم المحقق بهذه الأمور والتنبيهات الإلهية على إن الحكمة فيما ظهر وأن ذلك لا يتبدل وأن الأسباب لا ترفع أبدا وكل من زعم أنه رفع سببا بغير سبب فما عنده علم لا بما رفع به ولا بما رفع فلم يمنح عبد شيئا أفضل من العلم والعمل به وهذه أحوال الأدباء من عباد الله تعالى ومن أسرارهم أيضا أنهم يتكلمون في فصول البلاغة في النطق ويعلمون إعجاز القرآن ولم يعلم منهم ولا حصل لهم من العلم بلسان العرب والتحقق به على الطريقة المعهودة من قراءة كتب الأدب ما يعلم أنهم حصل لهم ذلك من هذه الجهة بل كان ذلك لهم من الهبات الإلهية بطريق خاص يعرفونه من نفوسهم إذا أعطوا العبارة عن الذي يرد عليهم في بواطنهم من الحقائق وهم أميون وإن أحسنوا الكتابة من طريق النقش ولكن هم عوام الناس فينطقون بما هو خارج في المعتاد عن قوتهم إذ لم يكونوا من العرب وإن كانوا من العرب فلم يكونوا إلا بالنسب لا باللسان فيعرف الإعجاز فيه منه فمن هنالك يعرف إعجاز القرآن وذلك قول الحق .
    قيل لي في بعض الوقائع : أتعرف ما هو إعجاز القرآن ؟ قلت : لا . قال : كونه إخبارا عن حق التزم الحق يكن كلامك معجزا فإن المعارض للقرآن أول ما يكذب فيه أنه يجعله من الله وليس من الله فيقول على الله ما لا يعلم فلا يثمر ولا يثبت فإن الباطل زهوق لا ثبات له ثم يخبر في كلامه عن أمور مناسبة للسورة التي يريد معارضتها بأمور تناسبها في الألفاظ مما لم يقع ولا كانت فهي باطل والباطل عدم والعدم لا يقاوم الوجود .
    والقرآن إخبار عن أمر وجودي حق في نفس الأمر فلا بد أن يعجز المعارض عن الإتيان بمثله فمن التزم الحق في أفعاله وأقواله وأحواله فقد امتاز عن أهل زمانه وعن كل من لم يسلك مسلكه فأعجز من أراد التصور على مقامه من غير حق ومن أسرارهم أيضا علم الطبائع وتأليفها وتحليلها ومنافع العقاقير يعلم ذلك منها كشفا .
    خرج شيخنا أبو عبد الله الغزال كان بالمرية رحمه الله في حال سلوكه من مجلس شيخه أبي العباس بن العريف وكان ابن العريف أديب زمانه فهو بالأحرش بطريق الصماد حية إذ رأى أعشاب ذلك المرج كلها تخاطبه بمنافعها فتقول له الشجرة أو النجم خذني فإني أنفع لكذا وأدفع من المضار كذا حتى ذهل وبقي حائرا من نداء كل شجرة منها تحببا له وتقربا منه فرجع إلى الشيخ وعرفه بذلك . فقال له الشيخ : ما لهذا خدمتنا أين كان منك الضار النافع حين قالت لك الأشجار إنها نافعة ضارة ؟ فقال : يا سيدي التوبة قال له الشيخ إن الله فتنك واختبرك فإني ما دللتك إلا على الله لا على غيره فمن صدق توبتك أن ترجع إلى ذلك الموضع فلا تكلمك تلك الأشجار التي كلمتك إن كنت صادقا في توبتك فرجع أبو عبد الله الغزال إلى الموضع فما سمع شيئا مما كان قد سمعه فسجد لله شكرا ورجع إلى الشيخ فعرفه فقال الشيخ الحمد لله الذي اختارك لنفسه ولم يدفعك إلى كون مثلك من أكوانه تشرف به وهو على الحقيقة يشرف بك فانظر همته رضي الله عنه وإذا علم أسرار الطبائع ووقف على حقائقها علم من الأسماء الإلهية التي علمها الله آدم عليه السلام نصفها وهي علوم عجيبة لما أطلعنا الله عليها من هذه الطريقة رأينا أمرا هائلا وعلمنا من سر الله في خلقه وكيف سر الاقتدار الإلهي في كل شئ فلا شئ ينفع إلا به ولا يضر إلا به ولا ينطق إلا به ولا يتحرك إلا به وحجب العالم بالصور فنسبوا كل ذلك إلى أنفسهم وإلى الأشياء والله يقول يا أيها الناس أنتم الفقراء إلى الله وكلامه حق وهو خبر ومثل هذه الأخبار لا يدخلها النسخ فلا فقر إلا إلى الله ففي هذه الآية تسمى الله بكل شئ يفتقر إليه ومن هذا الباب يكون الفقير من يفتقر إلى كل شئ ولا يفتقر إليه شئ فيتناول الأسباب على أوضاعها الحكمية لا يخل بشئ منها وهذا الذوق عزيز ما رأينا أحدا عليه فيمن رأيناه ولا نقل إلينا سماعا لا في المتقدم ولا في المتأخر لكن رأينا ونقل إلينا عن جماعة إثبات الأسباب وليس من هذا الباب فإن الذي نذكره ونطلبه سريان الألوهية في الأسباب أو تجليات الحق خلف حجاب الأسباب في أعيان الأسباب أو سريان الأسباب في الألوهية هذا هو الذي لم نجد له ذائقا إلا قول الله تعالى فهي الآية اليتيمة في القرآن لا يعرف قدرها إذ لا قيمة لها وكل ما لا قيمة له ثبت بالضرورة أنه مجهول القدر ولو اعتقدت فيه النفاسة ومن أسرارهم أيضا معرفة النشأتين في الدنيا وهي النشأة الطبيعية والنشأة الروحانية وما أصلهما ومعرفة النشأتين في الدار الآخرة الطبيعية والروحانية وما أصلهما ومعرفة النشأتين نشأة الدنيا ونشأة الآخرة فهي ستة علوم لا بد من معرفتها ومن أسرارهم أنه ما منهم شخص كمل له هذا المقام إلا ويوهب ستمائة قوة إلهية ورثها من جده الأقرب لأبيه فيفعل بها بحسب ما تعطيه فإن شاء أخفاها وإن شاء أظهرها والإخفاء أعلى فإن العبودة إنما تأخذ من القوي ما تستعين بها على أداء حق أوامر سيدها لثبوت حكم عبوديتها وكل قوة تخرجه عن هذا الباب بالقصد فليس هو مطلوبا لرجال الله فإنهم لا يزاحمون ذا القوة المتين فإن الله ما طلب منهم أن يطلبوا العون منه إلا في عبادته لا أن يظهروا بها ملوكا أربابا كما زعمت طائفة من أهل الكتاب ممن اتخذوا عيسى ربا قالوا : إن محمدا يطلب منا أن نعبده كما عبدنا عيسى فأنزل الله تعالى :
    قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم أن لا نعبد إلى الله ولا تشرك به شيئا ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله
    * ومن أسرارهم أيضا أنهم لا يتعدون في معارجهم من حيث أبيهم السماء الثانية إلا أن يتوجهوا إلى الجد الأقرب فربما ينتهي بعضهم إلى السدرة المنتهى وهي المرتبة التي تنتهي إليها أعمال العباد لا تتعداها ومن هناك يقبلها الحق وهي برزخها إلى يوم القيامة الذي يموت فيه صاحب ذلك العمل ويكفي هذا القدر من علم أسرار هذه الجماعة والله يقول الحق وهو يهدي السبيل انتهى الجزء العشرون .
    لا اله الا الله محمد رسول الله

  4. #104
    Administrator
    رقم العضوية : 1
    تاريخ التسجيل : Jun 2016
    المشاركات: 1,380
    التقييم: 10

    معرفة من اطلع على المقام المحمدي ولم ينله من الأقطاب

    (الباب الثامن والثلاثون في معرفة من اطلع على المقام المحمدي ولم ينله من الأقطاب)
    بين النبوة والولاية فارق * لكن لها الشرف الأتم الأعظم
    يعنو لها الفلك المحيط بسره * وكذلك القلم العلي الأفخم
    إن النبوة والرسالة كانتا * وقد انتهت ولها السبيل الأقوم
    وأقام بيتا للولاية محكما * في ذاته فله البقاء الأدوم
    لا تطلبنه نهاية يسعى لها * فيكون عند بلوغه يتهدم
    صفة الدوام لذاته نفسية * فهو الولي فقهره متحكم
    يأوي إليه نبيه ورسوله * والعالم الأعلى ومن هو أقدم

    ثبت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : إن الرسالة والنبوة قد انقطعت فلا رسول بعدي ولا نبي الحديث بكماله .
    فهذا الحديث من أشد ما جرعت الأولياء مرارته فإنه قاطع للوصلة بين الإنسان وبين عبوديته وإذا انقطعت الوصلة بين الإنسان وبين عبوديته من أكمل الوجوه انقطعت الوصلة بين الإنسان وبين الله .
    فإن العبد على قدر ما يخرج به عن عبوديته ينقصه من تقريبه من سيده لأنه يزاحمه في أسمائه وأقل المزاحمة الاسمية فأبقى علينا اسم الولي وهو من أسمائه سبحانه وكان هذا الاسم قد نزعه من رسوله وخلع عليه وسماه بالعبد والرسول ولا يليق بالله أن يسمى بالرسول فهذا الاسم من خصائص العبودية التي لا تصح أن تكون للرب وسبب إطلاق هذا الاسم وجود الرسالة والرسالة قد انقطعت فارتفع حكم هذا الاسم بارتفاعها من حيث نسبتها بها من الله ولما علم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن في أمته من يجرع مثل هذا الكأس وعلم ما يطرأ عليهم في نفوسهم من الألم لذلك رحمهم فجعل لهم نصيبا ليكونوا بذلك عبيد العبيد فقال للصحابة :
    ليبلغ الشاهد الغائب فأمرهم بالتبليغ كما أمره الله بالتبليغ لينطلق عليهم أسماء الرسل التي هي مخصوصة بالعبيد .
    وقال صلى الله عليه وسلم : رحم الله امرءا سمع مقالتي فوعاها فأداها كما سمعها يعني حرفا حرفا وهذا لا يكون إلا لمن بلغ الوحي من قرآن أو سنة بلفظه الذي جاء به وهذا لا يكون إلا لنقلة الوحي من المقرئين والمحدثين ليس للفقهاء ولا لمن نقل الحديث على المعنى كما يراه سفيان الثوري وغيره نصيب ولا حظ فيه فإن الناقل على المعنى إنما نقل إلينا فهمه في ذلك الحديث النبوي ومن نقل إلينا فهمه فإنما هو رسول نفسه ولا يحشر يوم القيامة فيمن بلغ الوحي كما سمعه وأدى الرسالة كما يحشر المقرئ والمحدث الناقل لفظ الرسول عينه في صف الرسل عليهم السلام .
    فالصحابة إذا نقلوا الوحي على لفظه فهم رسل رسول الله صلى الله عليه وسلم والتابعون رسل الصحابة وهكذا الأمر جيلا بعد جيل إلى يوم القيامة فإن شئنا قلنا في المبلغ إلينا أنه رسول الله وإن شئنا أضفناه لمن بلغ عنه وإنما جوزنا حذف الوسائط لأن رسول الله كان يخبره جبريل عليه السلام وملك من الملائكة ولا نقول فيه رسول جبريل وإنما نقول فيه رسول الله كما قال الله تعالى : محمد رسول الله والذين معه وقال عز وجل : ما كان محمد أبا أحد من رجالكم ولكن رسول الله مع قوله : نزل به الروح الأمين على قلبك ومع هذا فما أضافه الله إلا إلى نفسه فهذا القدر بقي لهم من العبودية وهو خير عظيم أمتن به عليهم ومهما لم ينقله الشخص بسنده متصلا غير منقطع فليس له هذا المقام ولا شم له رائحة وكان من الأولياء المزاحمين الحق في الاسم الولي فنقصه من عبوديته بقدر هذا الاسم فلهذا اسم المحدث بفتح الدال أولى به من اسم الولي فإن مقام الرسالة لا يناله أحد بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا بقدر ما بيناه فهو الذي أبقاه الحق تعالى علينا ومن هنا تعرف مقام شرف العبودية وشرف المحدثين نقلة الوحي بالرواية .
    ولهذا اشتد علينا غلق هذا الباب وعلمنا إن الله قد طردنا من حال العبودية الاختصاصية التي كان ينبغي لنا أن نكون عليها وأما النبوة فقد بينا هنالك فيما تقدم في باب معرفة الأفراد وهم أصحاب الركاب ثم إنه تعالى من باب طردنا من العبودية ومقامها قال تعالى: قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين ومن نحن حتى
    تقع القسمة بيننا وبينه وهو السيد الفاعل المحرك الذي يقولنا في قولنا : إياك نعبد وأمثال ذلك مما أضافه إلينا وقد علمنا أن نواصينا بيده في قيامنا وركوعنا وسجودنا وجلوسنا وفي نطقنا يقول العبد : الحمد لله رب العالمين يقول الله حمدني عبدي تفضلا منه فإنه من قوله بهذه اللفظة وما قدره حتى بقول السيد قال عبدي وقلت له هذا حجاب مسدل فينبغي للعبد أن يعرف أن لله مكرا خفيا في عباده وكل أحد يمكر به على قدر علمه بربه فيأخذ هذا التكريم الإلهي ابتداء من الله مدرجا في نعمة فإذا صلى وتلا قال : الحمد لله يقولها حكاية من حيث ما هو مأمور بها لتصح عبوديته في صلاته ولا ينتظر الجواب ولا يقول ليجاب بل يشتغل بما كلفه سيده به من العمل حتى يكون ذلك الجواب والإنعام من السيد لا من كونه قال فإن القائل على الحقيقة خالق القول فيه فنسلم من هذا المكر وإن كان منزلة رفيعة ولكن بالنظر إلى من هو في غير هذه المنزلة ممن نزل عنها فما ورثنا من رسول الله صلى الله عليه وسلم من هذا المقام الذي أغلق بابه دوننا إلا ما ذكرناه من عناية الحق بمن كشف له عن ذلك ورزقه علم نقل الوحي بالرواية من كتاب وسنة فما أشرف مقام أهل الرواية من المقرئين والمحدثين جعلنا الله ممن اختص بنقله من قرآن وسنة فإن أهل القرآن هم أهل الله وخاصته والحديث مثل القرآن بالنص فإنه صلى الله عليه وسلم ما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى وممن تحقق بهذا المقام معنا أبو يزيد البسطامي كشف له منه بعد السؤال والتضرع قدر خرق الإبرة فأراد أن يضع قدمه فيه فاحترق فعلم أنه لا ينال ذوقا وهو كمال العبودية وقد حصل لنا منه صلى الله عليه وسلم شعرة وهذا كثير لمن عرف فما عند الخلق منه إلا ظله ولما أطلعني الله عليه لم يكن عن سؤال وإنما كان عن عناية من الله ثم إنه أيدني فيه بالأدب رزقا من لدنه وعناية من الله بي فلم يصدر مني هناك ما صدر من أبي يزيد بل اطلعت عليه وجاء الأمر بالرقي في سلمة فعلمت إن ذلك خطاب ابتلاء وأمر ابتلاء لا خطاب تشريف على أنه قد يكون بعض الابتلاء تشريفا فتوقفت وسألت الحجاب فعلم ما أردت فوضع الحجاب بيني وبين المقام وشكر لي ذلك فمنحني منه الشعرة التي ذكرناها اختصاصا إلهيا فشكرت الله على الاختصاص بتلك الشعرة غير طالب بالشكر الزيادة وكيف أطلب الزيادة من ذلك وأنا أسأل الحجاب الذي هو من كمال العبودية فسرت في العبودية وظهر سلطانها وحيل بيني وبين مرتبة السيادة لله الحمد على ذلك وكم طلبت إليها وما أجبت وهكذا إن شاء الله أكون في الآخرة عبدا محضا خالصا ولو ملكني جميع العالم ما ملكت منه إلا عبوديته خاصة حتى يقوم بذاتي جميع عبودية العالم وللناس في هذا مراتب فالذي ينبغي للعبد أن لا يزيد على هذا الاسم غيره فإن أطلق الله ألسنة الخلق عليه بأنه ولي الله ورأى أن الله قد أطلق عليه اسما أطلقه تعالى على نفسه فلا يسمعه ممن يسميه به إلا على أنه بمعنى المفعول لا بمعنى الفاعل حتى يشم فيه رائحة العبودية فإن بنية فعيل قد تكون بمعنى الفاعل وإنما قلنا هذا من أجل ما أمرنا أن نتخذه سبحانه وكيلا فيما هو له مما نحن مستخلفون فيه فإن في مثل هذا مكرا خفيا فتحفظ منه ويكفي من التنبيه الإلهي العاصم من المكر كونك مأمورا بذلك فامتثل أمره واتخذه وكيلا لا تدعى الملك فإن الله تولاك فإنه قال وهو يتولى الصالحين .
    واسم الصالح من خصائص العبودية ولهذا وصف محمد صلى الله عليه وسلم نفسه بالصلاح فإنه ادعى حالة لا تكون إلا للعبيد الكمل فمنهم من شهد له بها الحق عز وجل بشرى من الله فقال في عبده يحيى عليه السلام : نبيا من الصالحين وقال في نبيه عيسى عليه السلام : وكهلا ومن الصالحين وقال في إبراهيم عليه السلام : وإنه في الآخرة لمن الصالحين من أجل الثلاثة الأمور التي صدرت منه في الدنيا وهي قوله عن زوجته سارة إنها أخته بتأويل وقوله إني سقيم اعتذارا وقوله بل فعله كبيرهم إقامة حجة فبهذه الثلاثة يعتذر يوم القيامة للناس إذا سألوه أن يسأل ربه فتح باب الشفاعة فلهذا ذكر صلاحه في الآخرة إذ لم يؤاخذه بذلك كما قال الله تعالى لمحمد صلى الله عليه وسلم : ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر وقال : عفا الله عنك لم أذنت لهم فقدم البشرى قبل العتاب وهذه الآية عندنا بشرى خاصة ما فيها عتاب بل هو استفهام لمن أنصف وأعطى أهل العلم حقهم .
    وأما سليمان وأمثاله عليهم السلام فأخبرنا الحق أنه قال : وأدخلني برحمتك في عبادك الصالحين وإن كانوا صالحين في نفس الأمر عند الله فهم بين سائل في الصلاح ومشهود له به مع كونه نعتا عبوديا لا يليق بالله فما ظنك بالاسم الولي الذي قد تسمى الله به بمعنى الفاعل فينبغي أن لا ينطلق ذلك
    الاسم على العبد وإن أطلقه الحق عليه فذلك إليه تعالى ويلزم الإنسان عبوديته وما يختص به من الأسماء التي لم تنطلق قط على الحق لفظا فيما أنزله على نبيه صلى الله عليه وسلم فلما أنزل الله تعالى على عبده محمد صلى الله عليه وسلم هذه الآية ليعرف الناس بها فكان الله حكى عن نبيه صلى الله عليه وسلم ما لا بد له أن يقوله ويتلفظ به فجعله تعالى قرآنا يتلى إذ كان ذلك من خصائص العبيد في نفس الأمر فقال تعالى :
    إن ولي الله الذي نزل الكتاب وهو يتولى الصالحين فشهد له بالصلاح إذا كان الحق حاكيا في هذه الآية وإن كان آمرا فيكون من المشهودين لهم بالصلاح فعرفنا إن الله تولاه وأخبرنا أن الله يتولى الصالحين فشهد لنفسه بالصلاح بالوجه الذي ذكرناه ولم ينقل ذلك عن غيره بل نقل ما يقاربه من قول عيسى عليه السلام : إني عبد الله آتاني الكتاب وجعلني نبيا وجعلني مباركا أينما كنت وأوصاني بالصلاة والزكاة ما دمت حيا وبرا بوالدتي ولم يجعلني جبارا شقيا والسلام علي يوم ولدت ويوم أموت ويوم أبعث حيا .
    يقول الله تعالى : تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض أي فكذلك أنت فكان من فضله نيل مثل هذا المقام فاحفظ يا ولي نفسك في التخلق بأسماء الله الحسنى فإن العلماء لم يختلفوا في التخلق بها فإذا وفقت للتخلق بها فلا تغب في ذلك عن شهود آثارها فيك ولتكن فيها ومعها بحكم النيابة عنها فتكون مثل اسم الرسول لا تشارك الحق في إطلاق اسم عليك من أسمائه بذلك المعنى وألزم الأدب وقل رب زدني علما والله يقول الحق وهو يهدي السبيل .
    لا اله الا الله محمد رسول الله

  5. #105
    Administrator
    رقم العضوية : 1
    تاريخ التسجيل : Jun 2016
    المشاركات: 1,380
    التقييم: 10

    معرفة المنزل الذي يحط إليه الولي إذا طرده الحق تعالى من جواره

    (الباب التاسع والثلاثون في معرفة المنزل الذي يحط إليه الولي إذا طرده الحق تعالى من جواره)
    إذا حط الولي فليس إلا * عروج وارتقاء في علو
    فإن الحق لا تقييد فيه * ففي عين النوى عين الدنو
    فحال المجتبى في كل حال * سمو في سمو في سمو
    فلا حكم عليه بكل وجه * ولا تأثير فيه للعلو

    اعلم أيدك الله بروح منه إن الله تعالى يقول لإبليس اسجد لآدم فظهر الأمر فيه وقال لآدم وحواء : لا تقربا هذه الشجرة فظهر النهي فيهما والتكليف مقسم بين أمر ونهي وهما محمولان على الوجوب حتى تخرجهما عن مقام الوجوب قرينة حال وإن كان مذهبنا فيهما التوقيف .
    فتعين امتثال الأمر والنهي وهذا أول أمر ظهر في العالم الطبيعي وأول نهي وقد أعلمناك أن الخاطر الأول وأن جميع الأوليات لا تكون إلا ربانية ولهذا تصدق ولا تخطئ أبدا ويقطع به صاحبه فسلطانه قوي ولما كان هذا أول أمر ونهي لذلك وقعت العقوبة عند المخالفة ولم يمهل فإذا جاءت الأوامر بالوسائط لم تقو قوة الأول وهي الأوامر الواردة إلينا على ألسنة الرسل وهي على قسمين :
    - إما ثوان وهو ما يلقي الله إلى نبيه في نفسه من غير واسطة الملك فيصل إلينا الأمر الإلهي وقد جاز على حضرة كونية فاكتسب منه حالة لم يكن عليها فإن الأسماء الإلهية تلقته في هذه الحضرة الكونية فشاركته بأحكامها في حكمه .
    - وإما أن ينزل عليه بذلك الأمر الملك فيكون الأمر الإلهي قد جاز على حضرتين من الكون جبريل وأي ملك كان وأي نبي كان فيكون فعله وأثره في القوة دون الأول والثاني فلذلك لم تقع المؤاخذة معجلة فأما إمهال إلى الآخرة وإما غفران فلا يؤاخذ بذلك أبدا وفعل الله ذلك رحمة بعباده كما أنه تعالى خص النهي بآدم وحواء والنهي ليس بتكليف عملي فإنه يتضمن أمرا عدميا وهو لا تفعل ومن حقيقة الممكن أنه لا يفعل فكأنه قيل له لا تفارق أصلك .
    والأمر ليس كذلك فإنه يتضمن أمرا وجوديا وهو أن يفعل فكأنه قيل له أخرج عن أصلك فالأمر أشق على النفس من النهي إذ كلف الخروج عن أصله فلو أن إبليس لما عصى ولم يسجد لم يقل ما قال من التكبر والفضيلة التي نسبها إلى نفسه على غيره فخرج عن عبوديته بقدر ذلك فحلت به عقوبة الله وكانت العقوبة لآدم وحواء لما تكلفا الخروج عن أصلهما وهو الترك وهو أمر عدمي بالأكل وهو أمر وجودي فشرك الله بين إبليس وآدم وحواء في ضمير واحد وهو كان أشد العقوبة على آدم فقيل لهم اهبطوا بضمير الجماعة ولم يكن الهبوط عقوبة لآدم وحواء وإنما كان عقوبة لإبليس فإن آدم أهبط لصدق الوعد بأن يجعل في الأرض خليفة بعد ما تاب عليه واجتباه وتلقى الكلمات من ربه بالاعتراف فاعترافه عليه
    السلام في مقابلة كلام إبليس أنا خير منه .
    فعرفنا الحق بمقام الاعتراف عند الله وما ينتجه من السعادة لنتخذه طريقا في مخالفتنا وعرفنا بدعوى إبليس ومقالته لنحذر من مثلها عند مخالفتنا وأهبطت حواء للتناسل وأهبط إبليس للاغواء فكان هبوط آدم وحواء هبوط كرامة وهبوط إبليس هبوط خذلان وعقوبة واكتساب أوزار فإن معصيته كانت لا تقتضي تأبيد الشقاء فإنه لم يشرك بل افتخر بما خلقه الله عليه وكتبه شقيا ودار الشقاء مخصوصة بأهل الشرك فأنزله الله إلى الأرض ليسن الشرك بالوسوسة في قلوب العباد فإذا أشركوا وتبرأ إبليس من المشرك ومن الشرك لم ينفعه تبريه منه فإنه هو الذي قال له أكفر كما أخبر الله تعالى فحار عليه وزر كل مشرك في العالم وإن كان موحدا فإنه من سن سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها .
    فإن الشخص الطبيعي كإبليس وبني آدم لا بد أن يتصور في نفسه مثال ما يريد أن يبرزه فما سن الشرك ووسوس به حتى تصوره في نفسه على الصورة التي إذا حصلت في نفس المشرك زالت عنه صورة التوحيد فإذا تصورها في نفسه بهذه الصورة فقد خرج التوحيد عن تصوره في نفسه ضرورة فإن الشريك متصور له في نفسه إلى جانب الحق الذي في نفسه متخيلا أعني من العلم بوجوده فما تركه في نفسه وحده فكان إبليس مشركا في نفسه بلا شك ولا ريب ولا بد أن يحفظ في نفسه بقاء صورة الشريك ليمد بها المشركين مع الأنفاس فإنه خائف منهم أن تزول عنهم صفة الشرك فيوحدوا الله فيسعدوا فلا يزال إبليس يحفظ صورة الشرك في نفسه ويراقب بها قلوب المشركين الكائنين في الوقت شرقا وغربا وجنوبا وشمالا ويرد بها الموحدين في المستقبل إلى الشرك ممن ليس بمشرك فلا ينفك إبليس دائما على الشرك فبذلك أشقاه الله لأنه لا يقدر أن يتصور التوحيد نفسا واحدا لملازمته هذه الصفة وحرصه على بقائها في نفس المشرك فإنها لو ذهبت من نفسه لم يجد المشرك من يحدثه في نفسه بالشرك فيذهب الشرك عنه ويكون إبليس لا يتصور الشريك لأنه قد زالت عن نفسه صورة الشريك فيكون لا يعلم أن ذلك المشرك قد زال عن إشراكه فدل إن الشريك يستصحب إبليس دائما فهو أول مشرك بالله وأول من سن الشرك وهو أشقى العالمين فلذلك يطمع في الرحمة من عين المنة .
    ولهذا قلنا إن العقوبة في حق آدم إنما كانت في جمعه مع إبليس في الضمير حيث خاطبهم الحق بالهبوط بالكلام الذي يليق بجلاله ولكن لا بد أن يكون في الكلام الصفة التي يقتضيها لفظ الضمير فإن صورة اللفظ يطلب المعنى الخاص وهذه طريقة لم تجعل العلماء بالها من ذلك وإنما ذكرنا مسألة آدم تأنيسا لأهل الله تعالى إذا زالوا فحطوا عن مقامهم أن ذلك الانحطاط لا يقضي بشقائهم ولا بد بل يكون هبوطهم كهبوط آدم فإن الله لا يتحيز ولا يتقيد وإذا كان الأمر على هذا الحد وكان الله بهذه الصفة من عدم التقييد فيكون عين هبوط الولي عند الزلة وما قام به من الذلة والحياء والانكسار فيها عين الترقي إلى أعلى مما كان فيه لأن علوه بالمعرفة والحال وقد يزيد من العلم بالله ما لم يكن عنده ومن الحال وهو الذلة والانكسار ما لم يكن عليهما وهذا هو عين الترقي إلى مقام أشرف فإذا فقد الإنسان هذه الحالة في زلته ولم يندم ولا انكسر ولا ذل ولا خاف مقام ربه فليس من أهل هذه الطريقة بل ذلك جليس إبليس بل إبليس أحسن حالا منه لأنه يقول لمن يطيعه في الكفر إني برئ منك إني أخاف الله رب العالمين .
    ونحن إنما نتكلم على زلات أهل الله إذا وقعت منهم قال تعالى : ولم يصروا على ما فعلوا وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم الندم توبة وإنما الإنسان الولي إذا كان في المقام الذي كان والحال التي كان عليها ملتذا بها فلذته إنما كانت بحاله فإن الله يتعالى أن يلتذ به فلما زل وعرته حالة الذلة والانكسار زالت ضرورة الحالة التي كان يلتذ بوجودها وهي حالة الطاعة والموافقة فلما فقدها تخيل أنه انحط من عين الله وإنما تلك الحالة لما زالت عنه انحط عنها إذ كانت حالة تقتضي الرفعة وهو الآن في معراج الذلة والندم والافتقار والانكسار والاعتراف والأدب مع الله تعالى والحياء منه فهو يترقى في هذا المعراج فيجد هذا العبد في غاية هذا المعراج حالة أشرف من الحالة التي كان عليها فعند ذلك يعلم أنه ما انحط وأنه ترقي من حيث لا يشعر أنه في ترق وأخفى الله ذلك عن أوليائه لئلا يجترءوا عليه في المخالفات كما أخفى الاستدراج فيمن أشقاه الله فقال : سنستدرجهم من حيث لا يعلمون فهم كما قال الله تعالى فيهم : وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا كذلك أخفى سبحانه تقريبه وعنايته فيمن أسعده الله بما شغله الله به من البكاء على ذنبه ومشاهدته زلته ونظره إليها في كتابه وذهل عن إن ذلك الندم يعطيه الترقي عند الله فإنه ما بشره بقبول التوبة فهو متحقق وقوع الزلة حاكم عليه الانكسار والحياء مما وقع فيه وإن لم يؤاخذه الله بذلك الذنب فكان الاستدراج حاصلا في الخير والشر وفي السعداء والأشقياء .
    ولقيت بمدينة فاس رجلا عليه كآبة كأنه يخدم في الأتون فسألت أبا العباس الحصار وكان من كبار الشيوخ عنه فإني رأيته يجالسه ويحن إليه فقال لي هذا رجل كان في مقام فانحط عنه فكان في هذا المقام وكان من الحياء والانكسار بحالة وجبت عليه السكوت عن كلام الخلق فما زلت ألاطفه بمثل هذه الأدوية وأزيل عنه مرض تلك الزلة بمثل هذا العلاج وكان قد مكنني من نفسه فلم أزل به حتى سرى ذلك الدواء في أعضائه فأطلق محياه وفتح له في عين قلبه باب إلى قبوله ومع هذا فكان الحياء يستلزمه وكذلك ينبغي أن تكون زلات الأكابر غالبا نزولهم إلى المباحات لا غير وفي حكم النادر تقع منهم الكبائر قيل لأبي يزيد البسطامي رضي الله عنه أيعصي العارف ؟ فقال : وكان أمر الله قدرا مقدورا يريد أن معصيتهم بحكم القدر النافذ فيهم لا أنهم يقصدون انتهاك حرمات الله هم بحمد الله إذا كانوا أولياء عند الله تعالى وجل معصومون في هذا المقام فلا تصدر منهم معصية أصلا انتهاكا لحرمة الله كمعاصي الغير فإن الايمان المكتوب في القلوب يمنع من ذلك فمنهم من يعصي غفلة ومنهم من يخالف على حضور عن كشف إلهي قد عرفه الله فيه ما قدره عليه قبل وقوعه فهو على بصيرة من أمره وبينة من ربه وهذه الحالة بمنزلة البشرى في قوله : ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر فقد أعلمه بالذنوب الواقعة المغفورة فلا حكم لها ولا لسلطانها فيه فإنه إذا جاء وقت ظهورها يكون في صحبتها الاسم الغفار فتنزل بالعبد ويحجب الغفار حكمها فتكون بمنزلة من يلقي في النار ولا يحترق كإبراهيم عليه السلام فكان في النار ولا حكم لها فيه بالحجاب الذي هو المانع كذلك زلة العارف صاحب مقام الكشف للأقدار تحل به النازلة وحكمها بمعزل عنها فلا تؤثر في مقامه بخلاف من تحل فيه وهو على غير بينة ولا بصيرة بما قدر عليه فهذا يستلزمه الحياء والندم والذلة وذلك ليس كذلك وهنا أسرار إلهية لا يسعنا التعبير عنها وبعد أن فهمناك مراتبهم في هذا المقام وفرقنا لك بين معصية العارفين وبين معاصي العامة من علماء الرسوم ومقلديهم .
    فاعلم أنه حكي عن بعضهم أنه قال اقعد على البساط يريد بساط العبادة وإياك والانبساط أي التزم ما تعطيه حقيقة العبودة من حيث إنها مكلفة بأمور حدها له سيدها فإنه لولا تلك الأمور لاقتضي مقامها الإدلال والفخر والزهو من أجل مقام من هو عبد له ومنزلته كما زها يوما عتبة الغلام وافتخر فقيل له ما هذا الزهو الذي نراه في شمائلك مما لم يكن يعرف قبل ذلك منك ؟ فقال : وكيف لا أزهو وقد أصبح لي مولى وأصبحت له عبدا فما قبض العبيد من الإدلال وأن يكونوا في الدنيا مثل ما هم في الآخرة إلا التكليف فهم في شغل بأوامر سيدهم إلى أن يفرغوا منها فإذا لم يبق لهم شغل قاموا في مقام الإدلال الذي تقتضيه العبودية وذلك لا يكون إلا في الدار الآخرة فإن التكليف لهم مع الأنفاس في الدار الدنيا فكل صاحب إدلال في هذه الدار فقد نقص من المعرفة بالله على قدر إدلاله ولا يبلغ درجة غيره ممن ليس له إدلال أبدا فإنه فاتته أنفاس كثيرة في حال إدلاله غاب عما يجب عليه فيها من التكليف الذي يناقض الاشتغال به الإدلال فليست الدنيا بدار إدلال ألا ترى عبد القادر الجيلي مع إدلاله لما حضرته الوفاة وبقي عليه من أنفاسه في هذه الدار ذلك القدر الزماني وضع خده في الأرض واعترف بأن الذي هو فيه الآن هو الحق الذي ينبغي أن يكون العبد عليه في هذه الدار وسبب ذلك أنه كان في أوقات صاحب إدلال لما كان الحق يعرفه به من حوادث الأكوان وعصم الله أبا السعود تلميذه من ذلك الإدلال فلازم العبودية المكلفة مع الأنفاس إلى حين موته فما حكي أنه تغير عليه الحال عند موته كما تغير على شيخه عبد القادر .
    وحكى لنا الثقة عندنا قال سمعته يقول طريق عبد القادر في طرق الأولياء غريب وطريقنا في طرق عبد القادر غريب رضي الله عن جميعهم ونفعنا بهم والله يعصمنا من المخالفات وإن كانت قدرت علينا فالله أسأل أن يجعلنا في ارتكابها على بصيرة حتى يكون لنا بها ارتقاء درجات والله يقول الحق وهو يهدي السبيل .
    لا اله الا الله محمد رسول الله

  6. #106
    Administrator
    رقم العضوية : 1
    تاريخ التسجيل : Jun 2016
    المشاركات: 1,380
    التقييم: 10

    في معرفة منزل مجاور لعلم جزئي من علوم الكون

    (الباب الأربعون) في معرفة منزل مجاور لعلم جزئي من علوم الكون وترتيبه وغرائبه وأقطابه
    نظم يتضمن ما ترجمنا عليه

    مجاور علم الكون علم إلهي * يقول الذي يعطاه كشف حقيقي
    وما هو من علم البرازخ خالص * وما هو علوي وما هو سفلي
    له في العلى وجه غريب محقق * وفي السفل وجه بالحقائق علوي
    وليس الذي يدريه ملك مخلص * ولا هو جني ولا هو إنسي
    ولكنها الأعيان لما تألفت * بدا لك شكل مستفاد كياني
    فقل فيه ما تهواء يقبله أصله * فلست تراه وهو للعين مرئي
    فما هو محكوم وليس بحاكم * فما هو غيبي وما هو حسي
    تنزه عن حصر الجهات ضياؤه * فلا هو شرقي ولا هو غربي
    فسبحان من أخفى عن العين ذاته * ويسرى مثال منه فينا اتصالي
    نراه إذا كنا وما هو عينه * ولكنه كشف صحيح خيالي
    تجلى لرأي العين في كل صورة * فذلك مقصودي بقولي مثالي

    اعلم أيدك الله بروح القدس أن هذا المنزل منزل الكمال وهو مجاور منزل الجلال والجمال هو من أجل المنازل والنازل فيه أتم نازل اعلم أن خرق العوائد على ثلاثة أقسام :
    - قسم منها يرجع إلى ما يدركه البصر أو بعض القوي على حسب ما يظهر لتلك القوة مما ارتبطت في العادة بإدراكه وهو في نفسه على غير ما أدركته تلك القوة مثل قوله تعالى : يخيل إليه من سحرهم أنها تسعى وهذا القسم داخل تحت قدرة البشر وهو على قسمين :
    منه ما يرجع إلى قوة نفسية
    ومنه ما يرجع إلى خواص أسماء إذا تلفظ بتلك الأسماء ظهرت تلك الصور في عين الرائي أو في سمعه خيالا وما ثم في نفس الأمر أعني في المحسوس شئ من صورة مرئية ولا مسموعة وهو فعل الساحر وهو على علم أنه ما ثم شئ مما وقع في الأعين والأسماع .
    - والقسم الآخر الذي هو قوة نفسية يكون عنها فيما تراه العين أو أي إدراك كان ما كان من الأمر الذي ظهر عن خواص الأسماء والفرق بينهما إن الذي يفعله بطريق الأسماء وهو الساحر يعلم أنه ما ثم شئ من خارج وإنما لها سلطان على خيال الحاضرين فتخطف أبصار الناظرين فيرى صورا في خياله كما يرى النائم في نومه وما ثم في الخارج شئ مما يدركه .
    وهذا القسم الآخر الذي للقوة النفسية :
    منهم من يعلم أنه ما ثم شئ في الخارج
    ومنهم من لا يعلم ذلك فيعتقد إن الأمر كما رآه .
    ذكر أبو عبد الرحمن السلمي في كتاب مقامات الأولياء في باب الكرامات منه أن عليما الأسود وكان من أكابر أهل الطريق إن بعض الصالحين اجتمع به في قصة أدته إلى أن ضرب عليم الأسود إلى أسطوانة كانت قائمة في المسجد من رخام فإذا هي كلها ذهب فنظر إليها الرجل أسطوانة ذهب فتعجب فقال له يا هذا إن الأعيان لا تنقلب ولكن هكذا تراها لحقيقتك بربك وهي غير ذلك فخرج من كلامه فيما يظهر لمن لا علم له بالأشياء ببادي الرأي أو من أول نظر أن الأسطوانة حجر كما كانت وليست ذهبا إلا في عين الرائي ثم إن الرجل أبصرها بعد ذلك حجرا كما كانت أول مرة .
    قال تعالى في عصا موسى عليه السلام : وما تلك بيمينك يا موسى قال هي عصاي ثم قال :
    ألقها يا موسى فألقاها من يده في الأرض فإذا هي حية تسعى فلما خاف موسى عليه السلام منها على مجرى العادة في النفوس أنها تخاف من الحيات إذا فاجأتها لما قرن الله بها من الضرر لبني آدم وما علم موسى مراد الله في ذلك ولو علمه ما خاف .
    فقال الله تعالى له : خذها ولا تخف سنعيدها سيرتها الأولى أي ترجع عصا كما كانت أو ترجع تراها عصا كما كانت فالآية محتملة فإن الضمير الذي في قوله عز وجل : سنعيدها سيرتها الأولى إذا لم تكن عصا في حال كونها في نظر موسى حية لم يجد الضمير على من يعود كما إن الإنسان إذا عودك أمرا ما وهو أنه كان يحسن إليك ثم أساء إليك فتقول له قد تغيرت سيرتك معي ما أنت هو ذاك الذي كان يحسن إلي ومعلوم أنه هو فيقال له سيعود معك إلى سيرته الأولى من الإحسان إليك وهو في صورته ما تغير ولكن تغير عليك فعله معك .
    وقدم الله هذا لموسى عليه السلام توطئة لما سبق في علمه سبحانه أن السحرة تظهر لعينه مثل هذا فيكون عنده علم من ذلك حتى لا يذهل ولا يخاف إذا وقع منهم عند إلقائهم حبالهم وعصيهم وخيل إلى موسى
    أنها تسعى يقول له فلا تخف إذا رأيت ذلك منهم يقوى جأشه فلما وقع من السحرة ما وقع مما ذكر الله لنا في كتابه وامتلأ الوادي من حبالهم وعصيهم ورآها موسى فيما خيل له حيات تسعى : أو جس في نفسه خيفة موسى
    فلم يكن نسبة الخوف إليه في هذا الوقت نسبة الخوف الأول فإن الخوف الأول كان من الحية فولى مدبرا ولم يعقب حتى أخبره الله تعالى وكان هذا الخوف الآخر الذي ظهر منه للسحرة على الحاضرين لئلا تظهر عليه السحرة بالحجة فيلتبس الأمر على الناس ولهذا قال الله له لا تخف إنك أنت الأعلى ولما ظهر للسحرة خوف موسى مما رآه وما علموا متعلق هذا الخوف أي شئ هو علموا أنه ليس عند موسى من علم السحر شئ فإن الساحر لا يخاف مما يفعله لعلمه أنه لا حقيقة له من خارج وأنه ليس كما يظهر لا عين الناظرين فأمر الله موسى أن يلقي عصاه وأخبر أنها تلقف ما صنعوا فلما ألقى موسى عصاه فكانت حية علمت السحرة بأجمعها مما علمت من خوف موسى أنه لو كان ذلك منه وكان ساحرا ما خاف ورأوا عصاه حية حقيقة علموا عند ذلك أنه أمر غيب من الله الذي يدعوهم إلى الايمان به وما عنده من علم السحر خبر فتلقفت تلك الحية جميع ما كان في الوادي من الحبال والعصي أي تلقفت صور الحيات منها فبدت حبالا وعصيا كما هي وأخذ الله بأبصارهم عن ذلك فإن الله يقول : تلقف ما صنعوا وما صنعوا الحبال ولا العصي وإنما صنعوا في أعين الناظرين صور الحيات وهي التي تلقفت عصا موسى فتنبه لما ذكرت لك فإن المفسرين ذهلوا عن هذا الإدراك في أخبار الله تعالى فإنه ما قال تلقف حبالهم وعصيهم فكانت الآية عند السحرة خوف موسى وأخذ صور الحيات من الحبال والعصي وعلموا إن الذي جاء به موسى من عند الله فآمنوا بما جاء به موسى عن آخرهم وخروا سجدا عند هذه الآية وقالوا آمنا برب العالمين رب موسى وهرون حتى يرتفع الالتباس فإنهم لو وقفوا على العالمين لقال فرعون أنا رب العالمين إياي عنوا فزادوا رب موسى وهرون أي الذي يدعو إليه موسى وهارون فارتفع الإشكال فتوعدهم فرعون بالعذاب فآثروا عذاب الدنيا على عذاب الآخرة وكان من كلامهم ما قص الله علينا وأما العامة فنسبوا ما جاء به موسى إلى أنه من قبيل ما جاءت به السحرة إلا أنه أقوى منهم وأعلم بالسحر بالتلقف الذي ظهر من حية عصا موسى عليه السلام فقالوا هذا سحر عظيم ولم تكن آية موسى عند السحرة إلا خوفه وأخذ صور الحيات من الحبال والعصي خاصة فمثل هذا خارج عن قوة النفس وعن خواص الأسماء لوجود الخوف الذي ظهر من موسى في أول مرة فكان الفعل من الله ولما واقع السحرة اللبس على أعين الناظرين بتصيير الحبال والعصي حيات في نظرهم أراد الحق أن يأتيهم من بابهم الذي يعرفونه كما قال تعالى :
    وللبسنا عليهم ما يلبسون فإن الله يراعي في الأمور المناسبات فجعل العصا حية كحيات عصيهم في عموم الناس ولبس على السحرة بما أظهر من خوف موسى فتخيلوا أنه خاف من الحيات وكان موسى في نفس الأمر غير خائف من الحيات لما تقدم له في ذلك من الله في الفعل الأول حين قال له :
    خذها ولا تخف فنهاه عن الخوف منها وأعلمه أن ذلك آية له فكان خوفه الثاني على الناس لئلا يلتبس عليهم الدليل والشبهة .
    والسحرة تظن أنه خاف من الحيات فلبس الله عليهم خوفه كما لبسوا على الناس وهذا غاية الاستقصاء الإلهي في المناسبات في هذا الموطن لأن السحرة لو علمت إن خوف موسى من الغلبة بالحجة لما سارعت إلى الايمان ثم إنه كان لحية موسى التلقف ولم يكن لحياتهم تلقف ولا أثر لأنها حبال وعصى في نفس الأمر فهذا المنزل الذي ذكرناه في هذا الباب أنه مجاور لعلم جزئي من علوم الكون هو هذا العلم الجزئي علم المعجزات لأنه ليس عن قوة نفسية ولا عن خواص أسماء فإن موسى عليه السلام لو كان انفعال العصا حية عن قوة همّية أو عن أسماء أعطيها ما ولى مدبرا ولم يعقب خوفا فعلمنا إن ثم أمورا تختص بجانب الحق في علمه لا يعرفها من ظهرت على يده تلك الصورة .
    فهذا المنزل مجاور لما جاءت به الأنبياء من كونه ليس عن حيلة ولم يكن مثل معجزات الأنبياء عليهم السلام لأن الأنبياء لا علم لهم بذلك وهؤلاء ظهر ذلك عنهم بهمتهم أو قوة نفسهم أو صدقهم قل كيف شئت فلهذا اختصت باسم الكرامات ولم تسم معجزات ولا سميت سحرا فإن المعجزة ما يعجز الخلق عن الإتيان بمثلها إما صرفا وإما أن تكون ليست من مقدورات البشر العدم قوة النفس وخواص الأسماء وتظهر على أيديهم وإن السحر هو الذي يظهر فيه وجه إلى الحق وهو في نفس الأمر ليس حقا مشتق من السحر الزماني وهو اختلاط الضوء والظلمة فما هو بليل لما خالطه من ضوء الصبح وهو ليس بنهار لعدم طلوع الشمس للأبصار فكذلك هذا الذي يسمى سحرا ما هو باطل محقق فيكون عدما .
    فإن العين أدركت أمرا ما لا تشك فيه وما هو حق محض فيكون له وجود في عينه فإنه ليس في نفسه كما تشهده العين ويظنه الرائي وكرامات الأولياء ليست من قبيل السحر فإن لها حقيقة في نفسها وجودية وليست بمعجزة فإنه على علم وعن قوة همة وأما قول عليم لحقيقتك بربك تراها ذهبا فإن الأعيان لا تنقلب وذلك لما رآه قد عظم ذلك الأمر عند ما رآه فقال له العلم بك أشرف مما رأيت فاتصف بالعلم فإنه أعظم من كون الأسطوانة كانت ذهبا في نفس الأمر فأعلمه إن الأعيان لا تنقلب وهو صحيح في نفس الأمر أي أن الحجرية لم ترجع ذهبا فإن حقيقة الحجرية قبلها هذا الجوهر كما قبل الجسم الحرارة فقيل فيه إنه حار فإذا أراد الله أن يكسو هذا الجوهر صورة الذهب خلع عنه صورة الحجر وكساه صورة الذهب فظهر الجوهر أو الجسم الذي كان حجرا ذهبا كما خلع عن الجسم الحار الحرارة وكساه البرد فصار باردا فما انقلبت عين الحرارة برودة والجسم البارد بعينه هو الذي كان حارا فما انقلبت الأعيان كذلك حكاية عليم الجوهر الذي قبل صورة الذهب عند الضرب هو الذي كان قد قبل صورة الحجر والجوهر هو الجوهر بعينه فالحجر ما عاد ذهبا ولا الذهب عاد حجرا كما إن الجوهر الهيولاني قبل صورة الماء فقيل هو ماء بلا شك فإذا جعلته في القدر وأغليتها على النار إلى أن يصعد بخارا فتعلم قطعا إن صورة الماء زالت عنه وقبل صورة البخار فصار يطلب الصعود لعنصره الأعظم كما كان إذ قامت به صورة الماء يطلب عنصره الأعظم فيأخذ سفلا .
    فهدا معنى قول عليم في هذا المنزل المختص بالأولياء والهمة المجاورة لعلم المعجزة أن الأعيان لا تنقلب وقوله لحقيقتك بربك أي إذا اطلعت إلى حقيقتك وجدت نفسك عبدا محضا عاجزا ميتا ضعيفا عدما لا وجود لك كمثل هذا الجوهر ما لم يلبس الصور لم يظهر له عين في الوجود فهذا العبد يلبس صور الأسماء الإلهية فتظهر بها عينه فأول اسم يلبسه الوجود فيظهر موجودا لنفسه حتى يقبل جميع ما يمكن أن يقبله الموجود من حيث ما هو موجود فيقبل جميع ما يخلع عليه الحق من الأسماء الإلهية فيتصف عند ذلك بالحي والقادر والعليم والمريد والسميع والبصير والمتكلم والشكور والرحيم والخالق والمصور وجميع الأسماء كما اتصف هذا الجسم بالحجر والذهب والفضة والنحاس والماء والهواء ولم تزل حقيقة الجسمية عن كل واحد مع وجود هذه الصفات كذلك لا يزول عن الإنسان حقيقة كونه عبدا إنسانا مع وجود هذه الأسماء الإلهية فيه .
    فهذا معنى قوله لحقيقتك بربك أي لارتباط حقيقتك بربك فلا تخلو عن صورة إلهية تظهر فيها كذلك هذا الجسم لا يخلو عن صورة يظهر فيها وكما تتنوع أنت بصور الأسماء الإلهية فينطلق عليك بحسب كل صورة اسم غير الاسم الآخر كذلك ينطلق على هذا الجوهر اسم الحجرية والذهبية للوصف لا لعينه فقد تبينت فيما ذكرناه الثلاثة الأقسام في خرق العوائد وهي المعجزات والكرامات والسحر وما ثم خرق عادة أكثر من هذا ولست أعني بالكرامات إلا ما ظهر عن قوة الهمة لا إني أريد بهذا الاصطلاح في هذا الموضع التقريب الإلهي لهذا الشخص فإنه قد يكون ذلك استدراجا ومكرا وإنما أطلقت عليه اسم الكرامة لأنه الغالب والمكر فيه قليل جدا .
    فهذا المنزل مجاور آيات الأنبياء عليهم السلام وهو العلم الجزئي من علوم الكون لا يجاور السحر فإن كرامة الولي وخرق العادة له إنما كانت باتباع الرسول والجري على سنته فكأنها من آيات ذلك النبي إذ باتباعه ظهرت للمتحقق بالاتباع فلهذا جاورته فأقطاب هذا المنزل كل ولي ظهر عليه خرق عادة عن غير همته فيكون إلى النبوة أقرب ممن ظهر عنه خرق العادة بهمته والأنبياء هم العبيد على أصلهم فكذلك أقطاب هذا المنزل فكلما قربت أحوالك من أحوال الأنبياء عليهم السلام كنت في العبودة أمكن وكانت لك الحجة ولم يكن للشيطان عليك سلطان كما قال تعالى : إن عبادي ليس لك عليهم سلطان
    وقال : يسلك من بين يديه ومن خلفه رصدا فلا أثر للشيطان فيهم فكذلك من قرب منهم ولما عاينت هذا المشهد قلت القصيدة التي أولها :
    تنزلت الأملاك ليلا على قلبي * ودارت عليه مثل دائرة القلب
    حذرا من إلقاء اللعين إذا يرى * نزول علوم الغيب عينا على القلب

    وذلك حفظ الله في مثل طورنا * وعصمته في المرسلين بلا ريب
    القصيدة بكمالها وهي مذكورة في أول الباب الثلاثين وثلاثمائة من هذا الكتاب وترتيب هذا الباب هو ما ذكرناه من مراتب خرق العوائد وأما ما فيه من الغرائب فإلحاق البشر بالروحانيين في التمثل وإلحاق الروحانيين بالبشر في الصورة وظهور صورة عنهم شبيه الصورة التي يتمثلون بها قال تعالى :
    فتمثل لها بشرا سويا يسمى روحا مثل ما هو جبريل روح فيحيي الموتى كما يحيي جبريل .
    قال ابن عباس ما وطئ جبريل عليه السلام قط موضعا من الأرض إلا حيي ذلك الموضع ولهذا أخذ السامري قبضة من أثره حين عرفه لما جاء لموسى وقد علم إن وطأته يحيا بها ما وطئه من الأشياء فقبض قبضة من أثر الرسول فرمى بها في العجل الذي صنعه فحيي ذلك العجل وكان ذلك إلقاء من الشيطان في نفس السامري لأن الشيطان يعلم منزلة الأرواح فوجد السامري في نفسه هذه القوة وما علم بأنها من إلقاء إبليس فقال :
    وكذلك سولت لي نفسي وفعل ذلك إبليس من حرصه على إضلاله بما يعتقده من الشريك لله تعالى فخرج عيسى على صورة جبريل في المعنى والاسم والصورة الممثلة فالتحقق البشر بالروحاني والتحق الروحاني بصورة البشر في نازلة واحدة ويكفي هذا القدر من هذا الباب فإنه باب واسع لمريم وآسية لحقائق الرسل عليهم السلام فيه مجال رحب فإنه منزل الكمال من حصله ساد على أبناء جنسه وظهر حاكما على صاحب الجلال والجمال وهو من مقامات أبي يزيد البسطامي والأفراد والله يقول الحق وهو يهدي السبيل انتهى الجزء الحادي والعشرون .
    لا اله الا الله محمد رسول الله

  7. #107
    Administrator
    رقم العضوية : 1
    تاريخ التسجيل : Jun 2016
    المشاركات: 1,380
    التقييم: 10

    معرفة أهل الليل واختلاف طبقاتهم وتباينهم في مراتبهم

    (الباب الحادي والأربعون في معرفة أهل الليل واختلاف طبقاتهم وتباينهم في مراتبهم وأسرار أقطابهم)
    ألا إن أهل الليل أهل تنزل * وأهل معاريج وأهل تنقل
    فمن صاعد نحو المقام بهمة * ومن نازل يبغي اللحوق بأسفل
    بحكم التداني والتدلي هما وعن * وجود الترقي والتلقي بمعزل
    فإن قلت فيهم إنهم خير عصبة * صدقت فقد حلوا بأكرم منزل
    وإن قلت فيهم إنهم شر فتية * صدقت فليسوا بالنبي ولا الولي
    فهم لا همو ليسوا بهم وبغيرهم * ولكنهم في معقل متزلزل
    عزيز الحمى بين المشاهد والنهي * وبين جنوب في الهبوب وشمال
    فما منهمو إلا إمام مسود * إذا أصبحوا نالوا المنى بالتأمل
    لهم نظرة لا يعرف الغير حكمها * لهم سطوة في كل تاج مكلل

    اعلم أيدك الله بروح منه أن الله جعل الليل لأهله مثل الغيب لنفسه فكما لا يشهد أحد فعل الله في خلقه لحجاب الغيب الذي أرسله دونهم كذلك لا يشهد أحد فعل أهل الليل مع الله في عبادتهم لحجاب ظلمة الليل التي أرسلها الله دونهم فهم خير عصبة في حق الله وهم شر فتية في حق أنفسهم ليسوا بأنبياء تشريع لما ورد من غلق باب النبوة ولا يقال في واحد منهم عندهم إنه ولي لما فيه من المشاركة مع اسم الله فيقال فيهم أولياء ولا يقولون ذلك عن أنفسهم وإن بشروا .
    فجعل الليل لباسا لأهله يلبسونه فيسترهم هذا اللباس عن أعين الأغيار يتمتعون في خلواتهم الليلية بحبيبهم فيناجونه من غير رقيب لأنه جعل النوم في أعين الرقباء سباتا أي راحة لأهل الليل إلهية كما هو راحة للناس طبيعية فإذا نام الناس استراح هؤلاء مع ربهم وخلوا به حسا ومعنى فيما يسألونه من قبول توبة وإجابة دعوة ومغفرة حوبة وغير ذلك فنوم الناس راحة لهم وإن الله تعالى ينزل إليهم بالليل إلى السماء الدنيا فلا يبقى بينه وبينهم حجاب فلكي ونزوله إليهم رحمة بهم ويتجلى من سماء الدنيا عليهم كما ورد في الخبر فيقول :
    كذب من ادعى محبتي فإذا جنه الليل نام عني أليس كل محب يطلب الخلوة بحبيبه هو أنا ذا قد تجليت لعبادي هل من داع فاستجيب له هل من نائب فأتوب عليه هل من مستغفر فاغفر له حتى ينصدع
    الفجر فأهل الليل هم الفائزون بهذه الحظوة في هذه الخلوة وهذه المسامرة في محاريبهم فهم قائمون يتلون كلامه ويفتحون أسماعهم لما يقول لهم في كلامه إذا قال يا أيها الناس يصفون ويقولون نحن الناس ما تريد منا يا ربنا في ندائك هذا فيقول لهم عز وجل على لسانهم بتلاوتهم كلامه الذي أنزله اتقوا ربكم إن زلزلة الساعة شئ عظيم يا أيها الناس يقولون لبيك ربنا يقول لهم اتقوا ربكم الذي جعل لكم الأرض فراشا والسماء بناء وأنزل من السماء ماء فأخرج به من الثمرات رزقا لكم فلا تجعلوا لله أندادا وأنتم تعلمون .
    فيقولون يا ربنا خاطبتنا فسمعنا وفهمتنا ففهمنا فيا ربنا وفقنا واستعملنا فيما طلبته منا من عبادتك وتقواك إذ لا حول لنا ولا قوة إلا بك ومن نحن حتى تنزل إلينا من علو جلالك وتنادينا وتسألنا وتطلب منا يا أيها الناس يقولون لبيك إن وعد الله حق فلا تغرنكم الحياة الدنيا فيقولون يا ربنا أسمعتنا فسمعنا وأعلمتنا فعلمنا فاعصمنا وتعطف علينا فالمنصور من نصرته والمؤيد من أيدته والمخذول من خذلته يا أيها الإنسان فيقول الإنسان منهم لبيك يا رب ما غرك بربك الكريم فيقول كرمك يا رب فيقول صدقت يا أيها الذين آمنوا فيقولون لبيك ربنا اتقوا الله حق تقاته اتقوا الله وقولوا قولا سديدا يقولون وأي قول لنا إلا ما تقولنا وهل لمخلوق حول أو قوة إلا بك فاجعل نطقنا ذكرك وقولنا تلاوة كتابك يا أيها الذين آمنوا فيقولون لبيك ربنا فيقول تعالى عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم فيقولون ربنا أغريتنا بأنفسنا لما جعلتها محلا لإيمانك فقلت وفي أنفسكم أفلا تبصرون وقلت سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق والآيات ليست مطلوبة إلا لما تدل عليه وأنت مدلولها فكأنك تقول في قولك عليكم أنفسكم أي ألزمونا وثابروا علينا وألظوا بنا ثم قلت لا يضركم من ضل أي حار وتلف حين طلبنا بفكره فأراد أن يدخلنا تحت حكم نظره وعقله إذا اهتديتم بما عرفتكم به مني في كتابي وعلى لسان رسولي فعرفتموني بما وصفت لكم به نفسي فما عرفتموني إلا بي فلم تضلوا فكانت لكم هدايتي وتقريبي نورا تمشون به على صراطنا المستقيم .
    فلا يزال دأب أهل الليل هكذا مع الله في كل آية يقرءونها في صلاتهم وفي كل ذكر يذكرونه به حتى ينصدع الفجر .
    قال محمد بن عبد الجبار النفري وكان من أهل الليل أوقفني الحق في موقف العلم وذكر رضي الله عنه ما قال له الحق في موقفه ذلك فكان من جملة ما قال له في ذلك الموقف يا عبدي الليل لي لا للقرآن يتلى الليل لي لا للمحمدة والثناء يقول الله تعالى :
    إن لك في النهار سبحا طويلا فاجعل الليل لي كما هو لي فإن في الليل نزولي فلا أراك في النهار في معاشك فإذا جاء الليل وطلبتك ونزلت إليك وجدتك نائما في راحتك وفي عالم حياتك وما ثم إلا ليل ونهار فلا في النهار وجدتك وقد جعلته لك ولم أنزل فيه إليك وسلمته لك وجعلت الليل لي فنزلت إليك فيه لأناجيك وأسامرك وأقضي حوائجك فوجدتك قد نمت عني وأسات الأدب معي مع دعواك محبتي وإيثار جنابي فقم بين يدي وسلني حتى أعطيك مسألتك وما طلبتك لتتلو القرآن فتقف مع معانيه فإن معانيه تفرقك عني فآية تمشي بك في جنتي وما أعددت لأوليائي فيها فأين أنا إذا كنت أنت في جنتي مع الحور المقصورات في الخيام كأنهن الياقوت والمرجان متكئا على فرش بطائنها من استبرق وجنى الجنتين دان تسقى من رحيق مختوم مزاجه من تسنيم وآية توقفك مع ملائكتي وهم يدخلون عليك من كل باب سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار وآية تستشرف بك على جهنم فتعاين ما أعددت فيها لمن عصاني وأشرك بي من سموم وحميم وظل من يحموم لا بارد ولا كريم وترى الحطمة وما أدراك ما الحطمة نار الله الموقدة التي تطلع على الأفئدة إنها عليهم مؤصدة أي مسلطة في عمد ممددة أين أنا يا عبدي إذا تلوت هذه الآية وأنت بخاطرك وهمتك في الجنة تارة وفي جهنم تارة ثم تتلو آية فتمشي بك في القارعة وما أدراك ما القارعة يوم يكون الناس كالفراش المبثوث وتكون الجبال كالعهن المنفوش يوم تذهل كل مرضعة عما أرضعت وتضع كل ذات حمل حملها وترى الناس سكارى وما هم بسكارى ولكن عذاب الله شديد وترى في ذلك اليوم من هذه الآية يفر المرء من أخيه وأمه وأبيه وصاحبته وبنيه لكل امرئ منهم يومئذ شأن يغنيه .
    وترى العرش في ذلك اليوم تحمله ثمانية أملاك وفي ذلك اليوم تعرضون فأين أنا والليل لي فها أنت يا عبدي في النهار في معاشك وفي الليل فيما تعطيه تلاوتك من جنة ونار وعرض فأنت بين آخرة ودنيا وبرزخ فما تركت لي وقتا تخلو بي فيه إلا جعلته لنفسك والليل لي يا عبدي لا للمحمدة والثناء ثم تتلو آية أولئك الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين فتشاهدهم في تلاوتك وتفكر في مقاماتهم وأحوالهم وما أعطيت المؤمنين والمؤمنات والقانتين والقانتات والصادقين والصادقات والصابرين والصابرات والخاشعين والخاشعات والمتصدقين والمتصدقات والصائمين والصائمات فوقفت بالثناء والمحمدة مع كل طائفة أثنيت عليهم في كتابي فأين أنا وأين خلوتك بي ما عرفني ولا عرف مقدار قولي الليل لي وما عرف لما ذا نزلت إليك بالليل إلا العارف المحقق الذي لقيه بعض إخوانه فقال له يا أخي اذكرني في خلوتك بربك فأجابه ذلك العبد فقال إذا ذكرتك فلست معه في خلوة .
    فمثل ذلك عرف قدر نزولي إلى السماء الدنيا بالليل ولما ذا نزلت ولمن طلبت فإنا أتلو كتابي عليه بلسانه وهو يسمع فتلك مسامرتي وذلك العبد هو الملتذ بكلامي فإذا وقف مع معانيه فقد خرج عني بفكره وتأمله فالذي ينبغي له أن يصغي إلي ويخلي سمعه لكلامي حتى أكون أنا في تلك التلاوة كما تلوت عليه وأسمعته أكون أنا الذي أشرح له كلامي وأترجم له عن معناه فتلك مسامرتي معه فيأخذ العلم مني لا من فكره واعتباره فلا يبالي بذكر جنة ولا نار ولا حساب ولا عرض ولا دنيا ولا آخرة فإنه ما نظرها بعقله ولا بحث عن الآية بفكره وإنما ألقى السمع لما أقوله له وهو شهيد حاضر معي أتولي تعليمه بنفسي فأقول له يا عبدي أردت بهذه الآية كذا وكذا وبهذه الآية الأخرى كذا وكذا هكذا إلى أن ينصدع الفجر فيحصل من العلوم على يقين ما لم يكن عنده فإنه مني سمع القرآن ومني سمع شرحه وتفسير معانيه وما أردت بذلك الكلام وبتلك الآية والسورة فيكون حسن الأدب معي في استماعه وإصاخته فإن طالبته بالمسامرة في ذلك فيجيبني بحضور ومشاهدة يعرض على جميع ما كلمته به وعلمته إياه فإن كان أخذه على الاستيفاء وإلا فنجبر له ما نقصه من ذلك فيكون لي لا له ولا لمخلوق فمثل هذا العبد هو لي والليل بيني وبينه فإذا انصدع الفجر استويت على عرشي أدبر الأمر أفصل الآيات ويمشي عبدي إلى معاشه وإلى محادثة إخوانه وقد فتحت بيني وبينه بابا في خلقي ينظر إلي منه وانظر إليه منه والخلق لا يشعرون فأحدثه على ألسنتهم وهم لا يعرفون ويأخذ مني على بصيرة وهم لا يعلمون فيحسبون أنه يكلمهم وما يكلم سواي ويظنون أنه يجيبهم وما يجيب إلا إياي .
    كما قال بعض أصحاب هذه الصفة :
    يا مؤنسي بالليل إن هجع الورى * ومحدثي من بينهم بنهاري
    وإذ قد أبنت لك عن أهل الليل كيف ينبغي أن يكونوا في ليلهم فإن كنت منهم فقد علمتك الأدب الخاص بأهل الله وكيف ينبغي لهم أن يكونوا مع الله .
    واعلم أنه تختلف طبقاتهم في ذلك .
    - فالزاهد حاله مع الله في ليله من مقام زهده
    - والمتوكل حاله مع الله من مقام توكله
    وكذلك صاحب كل مقام ولكل مقام لسان هو الترجمان الإلهي فهم متباينون في المراتب بحسب الأحوال والمقامات وأقطاب أهل الليل هم أصحاب المعاني المجردة عن المواد المحسوسة والخيالية فهم واقفون مع الحق بالحق على الحق من غير حد ولا نهاية ووجود ضد .
    ومن أهل الليل من يكون صاحب عروج وارتقاء ودنو فيتلقاه الحق في الطريق وهو نازل إلى السماء الدنيا فيتدلى إليه فيضع كنفه عليه وكل همة من كل صاحب معراج يتلقاها الحق في ذلك النزول حيث وجدها فمن الهمم من يلقاها الحق في السماء الدنيا ومنها من يلقاها في الثانية وفيما بينهما وفي الثالثة وفيما بينهما وفي الرابعة وفيما بينهما وفي الخامسة وفيما بينهما وفي السادسة وفيما بينهما وفي السابعة وفيما بينهما وفي الكرسي وفيما بينهما وفي العرش في أول النزول وفيما بينهما وهو مستوي الرحمن فيعطي لتلك الهمة من المعاني والمعارف والأسرار بحسب المنزل الذي لقيته فيه ثم تنزل معه إلى السماء الدنيا فتقف الهمم بين يديه ويستشرف الحق على من بقي من الهمم من أهل الليل في محاريبهم وما عرجت فيلقي إليهم الحق تعالى بحسب ما يسألونه في صلاتهم ودعائهم وهم في بيوتهم وفي محاريبهم فتسمع تلك الهمم التي لقيته في طريقها ما يكون منه جل جلاله إلى أولئك العبيد فيستفيدون علوما لم تكن عندهم فإنه قد يخطر لاؤلئك الذين ما صعدت هممهم من السؤال للحق في المعارف والأسرار ما لم يكن في قوة هذه الهمم أن تسألها لقصورها عنها فإذا سمعوا الجواب من الحق الذي يجيب به أولئك القوم الذين في محاريبهم وما اخترقت هممهم سماء ولا فلكا فيحصل لهم من العلم بالله بقدر ما سأل عنه أولئك الأقوام وثم همم أخر ارتقت فوق العرش إلى مرتبة النفس فقد تجد الحق هناك وجود تنزيه ما هو وجودها له مثل وجودها له في عالم المساحة والمقدار فيشاهدون مقاما أنزه ومنزلا أقدس وبينية لا يحدها التقدير ولا يأخذها التصوير فبينيتها بينية تمييز علوم ومراتب فهوم ومن الهمم من يلقاه في العقل الأول ومن الهمم ما تلقاه في المقربين من الأرواح المهيمة ومن الهمم ما تلقاه في العماء ومن الهمم من تلقاه في الأرض المخلوقة من بقية طينة آدم عليه السلام .
    فإذا لقيته هذه الهمم في هذه المراتب أعطاها على قدر تعطشها من المقام الذي بعثها على الترقي إلى هذه المراتب وينزلون معه إلى السماء الدنيا وعلى الحقيقة هو ينزلهم إلى السماء الدنيا وينزل معهم فيستفيدون من العلوم التي يهبها الحق لتلك الهمم التي ما تعدت العرش هكذا كل ليلة ثم تنزل هذه الهمم وقد عرفت ما أكرمها به الحق فاجتمعت بالهمم التي ما برحت من مكانها فوجدتها على طبقات فمنهم من وجد عندهم من العلوم التي لم تتقيد بترق وكان الحق أقرب إليها من حبل الوريد حين كان مع أولئك في العماء وفي السماء الدنيا وما بينهما قال تعالى :
    وهو معكم أينما كنتم فهو مع كل همة حيث كانت ويجدون همما أرضية قد تقدست عن الأينية وعن مراتب العقول فلم تتقيد بحضرة فتنال من العلوم التي تليق بهذه الصفة التي وهبهم الحق منها ما حصلوا عليه من المعارف ما يبهت أولئك الهمم وهي من علوم الإطلاق الخارجة عن الحصر الأيني الفلكي وعن الحصر الروحاني العقلي فهم مع كونهم في ظلمة الطبيعة على نور أضاءت به تلك الظلمة لوجود المشاهدة وهؤلاء هم الذين يعرفون أن إدراك الأشياء المرئية إنما هو من اجتماع نور البصر مع نور الجسم المستنير شمسا كان أو سراجا أو ما كان فتظهر المبصرات فلو فقد الجسم المستنير ما ظهر شئ ولو فقد البصر ما أضاء شئ مما يدركه البصر مع النور الخارج أصلا ألا ترى صاحب الكشف إذا أظلم الليل وانغلق عليه باب بيته ويكون معه في تلك الظلمة شخص آخر وقد تساويا في عدم الكشف للمبصرات فيكون أحدهم ممن يكشف له في أوقات فيتجلى له نور يجتمع ذلك النور مع نور البصر فيدرك ما في ذلك البيت المظلم مما أراد الله أن يكشف له منه كله أو بعضه يراه مثل ما يراه بالنهار أو بالسراج ورفيقه الذي هو معه لا يرى إلا الظلمة غير ذلك لا يراه فإن ذلك النور ما تجلى له حتى يجتمع بنور بصره فينفر حجاب الظلمة فلو لم يكن الأمر كما ذكرناه لكان صاحب هذا الكشف مثل صاحبه لا يدرك شيئا أو يكون رفيقه مثله يدرك الأشياء فيكون إما من أهل الكشف مثله أو يدركه بنور العلم فإن المكاشف يدركه بنور الخيال كما يدركه النائم ورفيقه إلى جانبه مستيقظ لا يرى شيئا كذلك صاحب الكشف ولو سألت صاحب الكشف هل ترى ظلمة في حال كشفك لقال لا بل يقول أنارت البقعة حتى قلت إن الشمس ما غابت فأدركت المبصرات كما أدركها نهارا وهذه المسألة ما رأيت أحدا نبه عليها إلا أن كان وما وصل إلي فالكون كله في أصله مظلم فلا يرى إلا بالنورين فإنه يحدث هذا الأمر ونظيره الذي يؤيده إيجاد العالم فإنه من حيث ذاته عدم ولا يكتسب الوجود إلا من كونه قابلا وذلك لإمكانه واقتدار الحق المخصص المرجح وجوده على عدمه فلو زال القبول من الممكن لكان كالمحال لا يقبل الإيجاد وقد اشترك المحال والممكن قبل الترجيح بالوجود في العدم كما أنه مع قبوله لو لم يكن اقتدار الحق ما وجد عين هذا المعدوم الذي هو الممكن فلم تظهر الأعيان المعدومة للوجود إلا بكونها قابلة وهو مثل نور البصر وكون الحق قادرا وهو مثل نور الجسم النير فظهرت الأعيان كما ظهرت المبصرات بالنورين فكما إن الممكن لا يزال قابلا والحق مقتدرا ومريدا فينحفظ على الممكن إبقاء الوجود إذ له من ذاته العدم كذلك الباصر لا يزال نور بصره في بصره والشمس متجلية في نورها فتحفظ الأبصار المتعلق بالمبصرات وهي من ذاتها أعني المبصرات غير منورة بل هي مظلمة فاعقل إن كنت تعقل فهذا الأمر أصل ضلال العقلاء وهم لا يشعرون لما لم يعقلوه وهو سر من أسرار الله تعالى جهله أهل النظر ومن هذه المسألة يتبين لك قدم الحق وحدوث الخلق لكن على غير الوجه الذي يعقله أهل الكلام وعلى غير الوجه الذي تعقله الحكماء باللقب لا بالحقيقة فإن الحكماء على الحقيقة هم أهل الله الرسل والأنبياء والأولياء إلا أن الحكماء باللقب أقرب إلى العلم من غيرهم حيث لم يعقلوا الله إلا إلها وأهل الكلام من النظار ليس كذلك فأقطاب أهل الليل من يكون الليل في حقهم كالنهار كشفا وشغلا .
    قال تعالى : وإنكم لتمرون عليهم مصبحين وبالليل أفلا تعقلون أي تعلمون منهم في الصباح ما تعلمون منهم في الليل إذ كان ليلا عند غيرهم ممن ليس له مقام الكشف بالليل كما لصاحب النور فالليل والصباح عنده سواء فهذا معنى قوله أفلا تعقلون فإن ادعت لك نفسك أنك من أهل الليل فانظر هل لها قدم وكشف فيما ذكرت لك فهو المحك والمعيار ولكل ليل في القرآن أمور وعلوم لا يعرفها إلا أهل الليل خاصة والله يقول الحق وهو يهدي السبيل .
    لا اله الا الله محمد رسول الله

  8. #108
    Administrator
    رقم العضوية : 1
    تاريخ التسجيل : Jun 2016
    المشاركات: 1,380
    التقييم: 10

    معرفة الفتوة والفتيان ومنازلهم وطبقاتهم وأسرار أقطابهم

    (الباب الثاني والأربعون في معرفة الفتوة والفتيان ومنازلهم وطبقاتهم وأسرار أقطابهم)
    وفتيان صدق لا ملالة عندهم * لهم قدم في كل فضل ومكرمة
    مقسمة أحوالهم في جليسهم * فهم بين توقير لقوم ومرحمه
    وإن جاء كفؤ آثروه ببرهم * ولا تلحق الفتيان في ذاك مندمة
    لهم من خفايا العلم كل شعيرة * وما هو موسوم لديهم بسمسمه
    كنجل قسي والذي كان قبله * ومن كان منهم ممن الله أعلمه
    بذلك حاز والسبق في كل حلبة * فليس يجيبون السفيه بلفظ مه
    بميمنة خصوا تعالى مقامها * وليس لها ضد يسمى بمشامه
    فكلتا يدي ربي يمين كريمة * وإن كريم القوم من كان أكرمه
    إذا خلع الولي على أهله ترى * ملابسهم بين الملابس معلمه

    اعلم أن للفتوة مقام القوة وما خلق الله من الطبيعة أقوى من الهواء وخلق الإنسان أقوى من الهواء إذا كان مؤمنا كذا ورد في الخبر النبوي عن الله تعالى مع الملائكة لما خلق الأرض وجعلت تميد الحديث بكماله وفي آخره يا رب فهل خلقت شيئا أشد من الريح قال نعم المؤمن يتصدق بيمينه ما تعرف بذلك شماله وقال تعالى إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين فنعت الرزاق بالقوة لوجود الكفران بالمنعم من المرزوقين فهو يرزقهم مع كفرهم به ولا يمنع عنهم الرزق والإنعام والإحسان بكفرهم مع أن الكفر بالنعم سبب مانع يمنع النعمة فلا يرزق الكافر مع وجود الكفر منه لما رزقه إلا من له القوة فلهذا نعته بذي القوة المتين فإن المتانة في القوة تضاعفها فما اكتفى سبحانه بالقوة حتى وصف نفسه بأنه المتين فيها إذ كانت لقوة لها طبقات في التمكن من القوي فوصف نفسه بالمتانة وهذه صفة أهل الفتوة فإن الفتوة ليس فيها شئ من الضعف إذ هي حالة بين الطفولة والكهولة وهو عمر الإنسان من زمان بلوغه إلى تمام الأربعين من ولادته يقول الله تعالى في هذا المقام الله الذي خلقكم من ضعف ثم جعل من بعد ضعف قوة وذلك حال الفتوة وفيها يسمى فتى وما قرن معها شيئا من الضعف ثم قال سبحانه وتعالى ثم جعل من بعد قوة ضعفا وشيبة يعني ضعف الكهولة إلى آخر العمر وشيبة يعني وقارا أي سكونا لضعفه عن الحركة فإن الوقار من الوقر وهو الثقل فقرن مع هذا الضعف الثاني الشيبة التي هي الوقار فإن الطفل وإن كان ضعيفا فإنه متحرك جدا واختلف في حركته هل هي من الطبيعة أو من الروح روى أن إبراهيم عليه السلام لما رأى الشيب قال يا رب ما هذا قال الوقار قال اللهم زدني وقارا .
    فهذا حال الفتوة ومقامها وأصحابها يسمون الفتيان وهم الذين حازوا مكارم الأخلاق أجمعها ولا يتمكن لأحد أن يكون حاله مكارم الأخلاق ما لم يعلم المحال التي يصرفها فيها ويظهر بها فالفتيان أهل علم وافر وقد أفردنا لها بابا في داخل هذا الكتاب حين تكلمنا على المقامات والأحوال فمن ادعى الفتوة وليس عنده علم بما ذكرناه فدعواه كاذبة وهو سريع الفضيحة فلا ينبغي يسمى فتى إلا من علم مقادير الأكوان ومقدار الحضرة الإلهية فيعامل كل موجود على قدره من المعاملة ويقدم من ينبغي أن يقدم ويؤخر ما ينبغي أن يؤخر وتفاصيل هذا المقام وحكم الطائفة فيه استوفيناه في رسالة الأخلاق التي كتبنا بها للفخر محمد بن عمر بن خطيب الري رحمه الله فلنذكر منها في هذا الباب الأصل الذي ينبغي أن يعول عليه وذلك أنه ليس في وسع الإنسان أن يسع العالم بمكارم أخلاقه إذ كان العالم كله واقفا مع غرضه أو إرادته لا مع ما ينبغي فلما اختلفت الأغراض والإرادات وطلب كل صاحب غرض أو إرادة من الفتى أن يعامله بحسب غرضه وإرادته والأغراض متضادة فيكون غرض زيد في عمر وأن يعادي خالدا ويكون غرض خالد في زيد أن يعادي عمرا أو غرضه أن يواليه ويحبه
    ويوده فإن تفتى مع عمر وعادى خالد أو ذمه خالد وأثنى عليه زيد بالفتوة وكريم الخلق وإن لم يعاد خالدا ووالاه وأحبه أثنى عليه خالد وذمه زيد فلما رأينا أن الأمر على هذا الحد وأنه لا يعم ولم يتمكن عقلا ولا عادة أن يقوم الإنسان في هذه الدنيا أو حيث كان في مقام يرضى المتضادين انبغى للفتى أن يترك هوى نفسه ويرجع إلى خالقه الذي هو مولاه وسيده ويقول أنا عبد وينبغي للعبد أن يكون بحكم سيده لا بحكم نفسه ولا بحكم غير سيده يتبع مراضيه ويقف عند حدوده ومراسمه ولا يكن ممن جعل مع سيده شريكا في عموديته فيكون مع سيده بحسب ما يحد له ويتصرف فيما يرسم له ولا يبالي وافق أغراض العالم أو خالفهم فإن وافق ما وافق منها فذلك راجع إلى سيده فخرج له توقيع من ديوان سيده على يدي رسول قام الدليل له والعلم بأنه خرج إليه من عند سيده وأن ذلك التوقيع توقيع سيده فقام له إجلالا وأخذ توقيع سيده ومع التوقيع مشافهة فشافه العبيد بما أمره السيد أن يشافههم به وذلك هو الشرع المقرر والتوقيع هو الكتاب المنزل المسمى قرآنا والرسول هو جبريل عليه السلام وحاجب الباب الذي يصل إليه الرسول الملكي من عند الله بالتوقيع والمشافهة هو النبي المبشر محمد صلى الله عليه وسلم أو أي نبي كان من الأنبياء في زمان بعثتهم فلزم العبيد مراسم سيدهم التي ضمنها توقيعه والتي جاءت بها المشافهة فلم يكن لهم في نفوسهم ملك ولا تدبير فمن وقف عند حدود سيده وامتثل مراسيمه ولم يخالفه في شئ مما جاءه به على حد ما رسم له من غير زيادة بقياس أو رأى ولا نقصان بتأويل فعامل جنسه من الناس بما أمر أن يعاملهم به من مؤمن وكافر وعاص ومنافق وما ثم إلا هؤلاء الأصناف الأربعة وكل صنف من هؤلاء على طبقات فالمؤمن منه طائع وعاص وولي ونبي ورسول وملك وحيوان ونبات ومعدن والكافر منه مشرك وغير مشرك والمنافق منه ينقص في الظاهر عن درك الكافر فإن المنافق له الدرك الأسفل من النار والكافر له الأعلى والأسفل وأما العاصي فينقص في الظاهر عن درجة المؤمن المطيع بقدر معصيته فهذا الواقف عند مراسم سيده هو الفتى فكل إنسان لا بد أن يكون جليسا لأكبر منه أو أصغر منه أو مكافئا له إما في السن وإما في الرتبة أو فيهما فالفتى من وقر الكبير في العلم أو في السن والفتى من رحم الصغير في العلم أو في السن والفتى من آثر المكافئ في السن أو في العلم ولست أعني بقولي في العلم إلا المرتبة خاصة فأتينا بالعلم لشرفه فإن الملك قد يكون صغيرا في السن صغيرا في العلم ويكون شخص من رعيته كبيرا في السن كبيرا في العلم فإن عرف الملك قدر ما رسم له الحق في شرعه من توقير الكبير وشرف العلم عامله الملك بذلك وإن لم يفعل فيكون الملك سيئ الملكة فينبغي للفتى أن يعرف شرف المرتبة التي هي السلطنة وأنه نائب الله في عباده وخليفته في بلاده فيعامل من أقامه الله فيها وإن لم يجر الحق على يده بما ينبغي للمرتبة من السمع والطاعة في المنشط والمكره على حد ما رسم له سيده وما هو عليه مما أقام الله ذلك السلطان فيه من الأخلاق المحمودة أو المذمومة في الجور والعدل .
    فينبغي للفتى أن يوفي السلطان حقه الذي أوجبه الله له عليه ولا يطلب منه حقه الذي جعله الله له قبل السلطان مما له أن يسامحه فيه إن منعه منه فتوة عليه ورحمة به وتعظيما لمنزلته إذ كان له أن يطلبه به يوم القيامة فالفتى من لا خصم له لأنه فيما عليه يؤديه وفيما له يتركه فليس له خصم فالفتى من لا تصدر منه حركة عبثا جملة واحدة ومعنى هذا أن الله سمعه يقول وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما باطلا وهذه الحركة الصادرة من الفتى مما بينهما وكذلك حركة كل متحرك خلقه الله بين السماء والأرض فما هي عبث فإن الخالق حكيم فالفتى من يتحرك أو يسكن لحكمة في نفسه ومن كان هذا حاله في حركاته فلا تكون حركته عبثا لا في يده ولا في رجله ولا شمه ولا أكله ولا لمسه ولا سمعه ولا بصره ولا باطنه فيعلم كل نفس فيه وما ينبغي له وما حكم سيده فيه ومثل هذا لا يكون عبثا وإذا كانت الحركة من غيره فلا ينظرها عبثا فإن الله خلقها أي قدرها وإذا قدرها فما تكون عبثا ولا باطلا فيكون حاضرا مع هذا عند وقوعها في العالم فإن فتح له بالعلم في الحكمة فيها فبخ على بخ وهو صاحب عناية وإن لم يفتح له في العلم بالحكمة فيها فيكفيه حضوره في نفسه إنها حركة مقدرة منسوبة إلى الله وأن الله فيها سرا يعلمه الله فيؤديه هذا القدر من العلم إلى الأدب الإلهي وهذا لا يكون إلا للفتيان أصحاب القوة الحاكمين على طبائع النفوس والعادات ولا يكون في هذا المقام من هذه الطائفة إلا الملامية فإن الله قد ولاهم على نفوسهم وأيدهم بروح منه عليها فلهم التصريف التام والكلمة الماضية والحكم الغالب فهم السلاطين في صور العبيد يعرفهم الملأ الأعلى فليس أحد مما سوى الإنس والجان إلا ويقول بفضله إلا بعض الثقلين فإن الحسد يمنعهم من ذلك .
    فطبقات الفتيان هو ما ذكرناه من يعلم منهم علم الله في الحركات ومن لا يعلم علم الله في ذلك على التعيين وإن علم إن ثم أمر ألم يطلعه الله عليه وأما منزلتهم فهو الذي قلنا في أول الباب في قوله ثم جعل من بعد ضعف قوة وينظر إلى هذا الإيجاد من الحقائق الإلهية الآية لأخرى وهي قوله إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين فهم يعاملون الخلق بالإحسان إليهم مع إساءتهم لهم كإعطاء الله الرزق للمرزوقين الكافرين بالله ونعمه فلهم القوة العظمى على نفوسهم حيث لم يغلبهم هواهم ولا ما جبلت النفس عليه من حب الثناء والشكر والاعتراف قال تعالى حاكيا سمعنا فتى يذكرهم يقال له إبراهيم فأطلق الله على ألسنتهم فتوة إبراهيم بلسانهم لما كانت الفتوة بهذه المثابة لأنه قام في الله حق القيام ولما أحالهم على الكبير من الأصنام على نية طلب السلامة منهم فإنه قال لهم فاسألوهم إن كانوا ينطقون يريد توبيخهم ولهذا رجعوا إلى أنفسهم وهو قوله تعالى وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه في كل حال وإنما سمي ذلك كذبا لإضافة الفعل في عالم الألفاظ إلى كبيرهم والكبير الله على الحقيقة والله هو الفاعل المكسر للأصنام بيد إبراهيم فإنه يده التي ببطش بها كذا أخبر عن نفسه فكسر هذه الأصنام التي زعموا أنها آلهة لهم ألا ترى المشركين يقولون فيهم ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى فاعترفوا إن ثم إلها كبيرا أكبر من هؤلاء كما هو أحسن الخالقين وأرحم الراحمين فهذا الذي قاله إبراهيم عليه السلام صحيح في عقد إبراهيم عليه السلام وإنما أخطأ المشركون حيث لم يفهموا عن إبراهيم ما أراد بقوله بل فعله كبيرهم فكان قصد إبراهيم بكبيرهم الله تعالى وإقامة الحجة عليهم وهو موجود في الاعتقادين وكونهم آلهة ذلك على زعمهم والوقف عليه حسن عندنا تام وابتدأ إبراهيم بقوله هذا قولي فالخبر محذوف يدل عليه مساق القصة فاسألوهم إن كانوا ينطقون فهم يخبرونكم ولو نطقت الأصنام في ذلك الوقت لنسبت الفعل إلى الله لا إلى إبراهيم فإنه مقرر عند أهل الكشف من أهل طريقنا إن الجماد والنبات والحيوان قد فطرهم الله على معرفته وتسبيحه بحمده فلا يرون فاعلا إلا الله ومن كان هذا في فطرته كيف ينسب الفعل لغير الله فكان إبراهيم على بينة من ربه في الأصنام أنهم لو نطقوا لأضافوا الفعل إلى الله لأنه ما قال لهم سلوهم إلا في معرض الدلالة سواء نطقوا أو سكتوا فإن لم ينطقوا يقول لهم لم تعبدون ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنكم من الله شيئا ولا عن نفسه ولو نطقوا لقالوا إن الله قطعنا قطعا لا يتمكن في الدلالة أن تقول الأصنام غير هذا فإنها لو قالت الصنم الكبير فعل ذلك بنا لكذبت ويكون تقريرا من الله بكفرهم وردا على إبراهيم عليه السلام فإن الكبير ما قطعهم جذاذا ولو قالوا في إبراهيم إنه قطعنا لصدقوا في الإضافة إلى إبراهيم ولم تلزم الدلالة بنطقهم على وحدانية الله ببقاء الكبير فيبطل كون إبراهيم قصد الدلالة فلم تقع ولم يصدق وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه فكانت له الدلالة في نطقهم لو نطقوا كما قررنا وفي عدم نطقهم لو لم ينطقوا ومثل هذا ينبغي أن يكون قصد الأنبياء عليهم السلام فهم العلماء صلوات الله عليهم ولهذا رجعوا إلى أنفسهم فقالوا إنكم أنتم الظالمون ثم نكسوا على رؤوسهم لقد علمت ما هؤلاء ينطقون فقال الله لمثل هؤلاء أتعبدون ما تنحتون فكان من فتوته إن باع نفسه في حق أحدية خالقه لا في حق خالقه لأن الشريك ما ينفي وجود الخالق وإنما يتوجه على نفي الأحدية فلا يقوم في هذا المقام إلا من له القطبية في الفتوة بحيث يدور عليه مقامها ومن الفتوة قوله تعالى وإذ قال موسى لفتاه فأطلق عليه باللسان العبراني معنى يعبر عنه في اللسان العربي بالفتى وكان في خدمة موسى عليه السلام وكان موسى في ذلك الوقت حاجب الباب فإنه الشارع في تلك الأمة ورسولها ولكل أمة باب خاص إلهي شارعهم هو حاجب ذلك الباب الذي يدخلون منه على الله تعالى ومحمد صلى الله عليه وسلم هو حاجب الحجاب لعموم رسالته دون سائر الأنبياء عليهم السلام فهم حجبته صلى الله عليه وسلم من آدم عليه السلام إلى آخر نبي ورسول وإنما قلنا إنهم حجبته لقوله صلى الله عليه وسلم آدم فمن دونه تحت لوائي فهم نوابه في عالم الخلق وهو روح مجرد عارف بذلك قبل نشأة جسمه قيل له متى كنت نبيا فقال كنت نبيا وآدم بين الماء والطين .
    أي لم يوجد آدم بعد إلى أن وصل زمان ظهور جسده المطهر صلى الله عليه وسلم فلم يبق حكم لنائب من نوابه من سائر الحجاب الإلهيين وهم الرسل
    والأنبياء عليهم السلام إلا عنت وجوههم لقيومية مقامه إذ كان حاجب الحجاب فقرر من شرعهم ما شاءه بإذن سيده ومرسله ورفع من شرعهم وأمر يرفعه ونسخه فربما قال من لا علم له بهذا الأمر إن موسى عليه السلام كان مستقلا مثل محمد بشرعه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لو كان موسى حيا ما وسعه إلا أن يتبعني وصدق صلى الله عليه وسلم فالفتى أبدا في منزل التسخير .
    كما قال عليه السلام خادم القوم سيدهم فمن كانت خدمته سيادته كان عبدا محضا خالصا وتفضل الفتيان بعضهم على بعض بحسب المفتى عليه من المنزلة عند الله بوجه ومن الضعف بوجه فأعلاهم من تفتى على الأضعف من ذلك الوجه وأعلاهم أيضا من تفتى على الأعلى عند الله من ذلك الوجه الآخر فالمتفتي على الأضعف كصاحب السفرة وهو الشخص الذي أمره شيخه أن يقرب السفرة إلى الأضياف فأبطأ عليهم من أجل النمل الذي كان فيها فلم ير من الفتوة أن ينفض النمل من السفرة فإن من الفتوة أن يصرفها في الحيوان فوقف إلى أن خرجت النمل من السفرة من ذاتها من غير أن يكون لهذا الشخص في إخراج النمل تعمل قهري فإن الفتيان لهم الفتوة وليس لهم القهر إلا على نفوسهم خاصة ومن لا قوة له لا فتوة له كما أنه من لا قدرة له لا حلم له فقال له الشيخ لقد دققت فهذه مراعاة الأضعف لكنه ما تفتى مع الأضياف حيث أبطأ عن المبادرة إلى كرامتهم فلهذا ربطنا في أول الباب أنه لا يتمكن لأحد إرسال المكارم في العموم لاختلاف لأغراض فينظر الفتى في حق الشخصين المختلفي الأغراض اللذين إذا أرضى الواحد منهما أسخط الآخر وصورة نظره في حق الشخصين أيهما أقرب إلى حكم الوقت والحال في الشرع فالذي هو أقرب إلى حكم الوقت والحال في الشرع صرف الفتوة معه فإن اتسع الوقت إلى أن يتفتى مع الآخر بوجه يرضى الله فعل أيضا وإن لم يتسع فقد وفي المقام حقه وكان من الفتيان بلا شك وإن كان في رتبة الفعل بالهمة والفعل بالحس فعل الفتوة مع الواحد حسا ومع الآخر بالهمة .
    دخل رجل على شيخنا أبي العباس العريبي وأنا عنده فتفاوضا في إيصال معروف فقال الرجل يا سيدنا الأقربون أولى بالمعروف فقال الشيخ من غير توقف إلى الله .
    وأخبرني أبو عبد الله محمد بن القاسم ابن عبد الكريم التميمي الفاسي قال مخبرا عن أبي عبد الله الدقاق كان بمدينة فاس وتذاكروا الفعل بالهمة فقال أبو عبد الله الدقاق فزت بواحدة مالي فيها شريك ما اغتبت أحدا قط ولا اغتبت أحد بحضرتي قط فهذا من الفعل بالهمة حيث تفتى على من عادته أن يغتاب فيكتسب الأوزار أن لا يقدر على الغيبة في مجلسه بحضوره من غير أن يكون من الشيخ نهي له عن ذلك وتفتى أيضا على الذي يذكر بما يكره بحضوره بأنه لا يذكر في فيه بما يكره وكان سيد وقته في هذا الباب خرج مناقبه شيخنا أبو عبد الله بن عبد الكريم المذكور آنفا في كتاب المستفاد في ذكر الصالحين والعباد بمدينة فاس وما يليها من البلاد فقد علمت على الحقيقة أن الفتى من بذلك وسعه واستطاعته في معاملة الخلق على الوجه الذي يرضي الحق والله يقول الحق وهو يهدي السبيل .
    لا اله الا الله محمد رسول الله

  9. #109
    Administrator
    رقم العضوية : 1
    تاريخ التسجيل : Jun 2016
    المشاركات: 1,380
    التقييم: 10

    معرفة جماعة من أقطاب الورعين وعامة ذلك المقام

    (الباب الثالث والأربعون في معرفة جماعة من أقطاب الورعين وعامة ذلك المقام)
    أنا ختم الولاية دون شك * لورث الهاشمي مع المسيح
    كما أنى أبو بكر عتيق * أجاهد كل ذي جسم وروح
    بأرماح مثقفة طوال * وترجمة بقرآن فصيح
    أشد على كتيبة كل عقل * تنازعني على الوحي الصريح
    لي الورع الذي يسمو اعتلاء * على الأحوال بالنبأ الصحيح
    وساعدني عليه رجال صدق * من الورعين من أهل الفتوح
    يوالون الوجوب وكل ندب * ويستثنون سلطنة المبيح

    الكلام على الورع وأهله وتركه يرد في داخل الكتاب في ذكر المقامات والأحوال منه إن شاء الله تعالى والذي يتعلق بهذا الباب الكلام على معرفة طائفة من أقطابه وعموم مقامه .
    فاعلم إن أبا عبد الله الحارث بن أسد المحاسبي كان من عامة هذا المقام وأبا يزيد البسطامي وشيخنا أبا مدين في زماننا كانا من خاصته فأعلى أقطاب الورعين اجتناب الاشتراك في
    إطلاق اللفظ إذ كان الورع اجتناب المحرمات وكل ما فيه شبهة من جانب المحرم فيجتنب لذلك الشبه وهو المعبر عنه بالشبهات أي الشئ الذي له شبه بما جاء النص الصريح بتحريمه من كتاب أو سنة أو إجماع بالحال الذي يوجب له هذا الاسم مثل أكل لحم الخنزير لمن ليس له حال الاضطرار فهو عليه حرام فلهذا قلنا بالحال الذي يوجب له هذا الاسم .
    كما أن المضطر ليس بمخاطب بالتحريم فأكل لحم الخنزير في حق من حاله الاضطرار هو له حلال بلا خلاف ولما كان التحريم معناه المنع من الالتباس به ورأوا أن لذلك أحوالا وأنه ما ثم في الوضع شئ محرم لعينه لهذا قيده الشارع بالأحوال وقد انسحب عليه التحريم للحال .
    فما هو محرم لعينه أولى بالاجتناب فلا بد من اجتنابه باطنا علما وقد يحل هذا المحرم لعينه في ظاهر الحال ما يلزمه وهذا هو التحريم الذي لا يحل أبدا من حيث معناه ولا يصح أن تجئ آية شرعية تحله وهو الاتصاف بأوصاف الحق تعالى التي بها يكون إلها فواجب شرعا وعقلا اجتناب هذه الأسماء الإلهية معنى وإن أطلقت لفظا فينبغي أن لا تطلق لفظا على أحد إلا تلاوة فيكون الذي يطلقها تاليا حاكيا كما قال تعالى :
    لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم فسماه عزيزا رؤفا رحيما فنسميه بتسمية الله إياه ونعتقد أنه صلى الله عليه وسلم في نفسه مع ربه عبد ذليل خاشع أواه منيب فاطلاق الألفاظ التي تطلق على الحق من الوجه الصحيح الذي يليق بالجناب الإلهي لا ينبغي أن تطلق على أحد من خلق الله إلا حيث أطلقها الحق لا غير وإن أباح ذلك فالورع ما هو مع المباح ولا سيما في هذه المسألة خاصة فلا يطلقها مع كون ذلك قد أبيح له فإذا أطلقها على من أطلقها عليه الحق أو الرسول صلى الله عليه وسلم فيكون هذا المطلق تاليا أو مترجما ناقلا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك الإطلاق .
    ثم من الورع عند هؤلاء الرجال أن ينزلوا إلى ما اختصت به الأنبياء والرسل من الإطلاق فيتورعوا أن يطلقوا عليهم أو على أحد ممن ليس بنبي ولا رسول اللفظ الذي اختصوا به فيطلقون على الرسل الذين ليسوا برسل الله لفظ الورثة والمترجمين فيقولون وصل من السلطان الفلاني إلى السلطان الفلاني ترجمان يقول كذا وكذا فلم يطلقوا على المرسل ولا على المرسل إليه اسم الملك ورعا وأدبا مع الله وأطلقوا عليه اسم السلطان فإن الملك من أسماء الله فاجتنبوا هذا اللفظ أدبا وحرمة وورعا وقالوا السلطان إذ كان هذا اللفظ لم يرد في أسماء الله وأطلقوا على الرسول الذي جاء من عنده اسم الترجمان ولم يطلقوا عليه اسم الرسول لأنه قد أطلق على رسول الله صلى الله عليه وسلم فجعلوه من خصائص النبوة والرسالة الإلهية أدبا مع رسل الله عليهم السلام وإن كان هذا اللفظ قد أبيح لهم ولم ينهوا عنه ولكن لم يوجب عليهم فكان لزوم الأدب أولى مع من عرفنا الله أنه أعظم منا منزلة عنده وهذا لا يعرفه إلا الأدباء الورعون .
    ثم إن لهؤلاء مرتبة أخرى في الورع وهي أنهم رضي الله عنهم يجتنبون كل أمر تقع فيه المزاحمة بين الأكوان ويطلبون طريقا لا يشاركهم فيها من ليس من جنسهم ولا من مقامهم فلا يزاحمون أحدا في شئ مما يتحققون به في نفوسهم ويتصفون به ويحبون من الله أن يدعوا به في الدنيا والآخرة وهو ما يكونون عليه من الأخلاق الإلهية فيكونون مع تحققهم بمعانيها وظهور أحكامها على ظواهرهم من الرحمة بعباد الله والتلطف بهم والإحسان إليهم والتوكل على الله والقيام بحدود الله ويظهرون في العالم أن جميع ما يرى عليهم إن ذلك فعل الله لا فعلهم وبيد الله لا بيدهم وأن المثنى عليه بذلك الفعل إنما ينبغي أن يتعلق ذلك الثناء بفاعله وفاعله هو الله جل جلاله لا نحن فيتبرءون من أفعالهم الحسنة غاية التبري ومن الأوصاف المستحسنة كذلك وكل وصف مذموم شرعا وعرفا يضيفونه إلى أنفسهم أدبا مع الله تعالى وورعا شافيا .
    كما قال الخضر في العيب فأردت وفي الخير فأراد ربك وكما قال الخليل عليه السلام وإذا مرضت ولم يقل أمرضني وكما قال تعالى في معرض التعليم لنا وما أصابك من سيئة فمن نفسك هذا وإن كان الحق في هذا الخبر يحكى قولهم ولكن فيه تنبيه في التعليم وكما قال عليه السلام في دعائه وهو مما يؤيد ما ذهبنا إليه في التنبيه في هذه الآية فقال :
    والخير كله بيديك فأكد بكل وهي كلمة تقتضي الإحاطة في اللسان وقال والشر ليس إليك وإن كان لم يؤكده واكتفى بالألف واللام ونفى أضافه الشر أدبا مع الله .
    وحقيقة وهذه المسألة من أغمض المسائل الإلهية عند أهل الله خاصة وأما أهل النظر فقد اعتمدت كل طائفة منهم على ما اقتضاه دليلها في زعمها وهؤلاء الرجال الغالب عليهم فهم مقاصد الشرع فجروا معه على مقصده وذلك من بركة الورع والاحترام الذي احترموا به الجناب الإلهي حقيقة لا مجازا فتح الله لهم بأدبهم عين الفهم في كتبه وفيما جاءت به رسله مما لا تستقل العقول بإدراكه وما تستقل لكن أخذوه عن الله لا عن نظرهم ففهموا من ذلك كله بهذه العناية ما لم يفهم من لم يتصف بهذه لصفة ولم يكن له هذا المقام ولما كان هذا حال الورعين سلكوا في أمورهم وحركاتهم مسالك العامة فلم يظهر عليهم ما يتميزون به عنهم واستتروا بالأسباب الموضوعة في العالم التي لا يقع الثناء بها على من تلبس بها فلم ينطق على هؤلاء الرجال في العموم اسم صلاح يخرجهم عن صلاح العامة ولا توكل ولا زهد ولا ورع ولا شئ مما يقع عليه اسم ثناء خاص يخرجون به عن العامة ويشار إليهم فيه مع أنهم أهل ورع وتوكل وزهد وخلق حسن وقناعة وسخاء وإيثار .
    فأمثال هذا كله اجتنب رجال الله من هؤلاء الطبقة فسموا ورعين في اصطلاح أهل الله لأن الورع الاجتناب وتدبر ما أحسن قول من أوتي جوامع الكلم صلى الله عليه وسلم كيف قال في هذا المقام يعلم رجاله كيف يكونون فيه :
    دع ما يريبك إلى ما لا يريبك وقال استفت قلبك وإن أفتاك المفتون فأحالهم على قلوبهم لما علم ما فيها من سر الله الحاوية عليه في تحصيل هذا المقام ففي القلوب عصمة إلهية لا يشعر بها إلا أهل المراقبة وفيه ستر لهم فإن هؤلاء الرجال لو سألوا وعرف منهم البحث والتفتيش في مثل هذا عند الناس وعند العلماء الذين سألوا في ذلك بالضرورة كان يشار إليهم ويعتقد فيهم الذين الخالص كبشر الحافي وغيره وهو من أقطاب هذا المقام عرف به وسلم له حكي أن أخت بشر الحافي سألت أحد أئمة الدين في الغزل الذي تغزله في ضوء مشاغل الظاهرية إذا مروا بها ليلا وهي على سطحها فعرفت بهذا السؤال أنها من أهل الورع ولو عملت على حديث استفت قلبك لعلمت أنها ما سألت حتى رابها فكانت تدع ذلك الغزل أو لا تغزل بعد ذلك وتترك الغزل فأفتاها الإمام المسؤول وهو أحمد بن حنبل وأثنى عليها بذلك حتى نقل إلينا وسطر في الكتب فأعطانا صلى الله عليه وسلم الميزان في قلوبنا ليكون مقامنا مستورا عن الأغيار خالصا لله مخلصا لا يعلمه إلا الله ثم صاحبه وهو قوله :
    ألا لله الدين الخالص فكل دين وقع فيه ضرب من الاشتراك المحمود أو المذموم فما هو بالدين الخالص الذي لله إن كان الذي وقع به الاشتراك محمودا كمثلة أخت بشر الحافي وإن وقع الاشتراك بالمذموم فليس بدين أصلا فإنه ليس ثم دين إلهي يتعلق به لسان ذم فلما رأى رجال هذا المقام مراعاة النبي صلى الله عليه وسلم ما يحصل في قلب العبد مما قاله وما أحال به لإنسان على نفسه باجتنابه طلبا للتستر تعملوا في تحصيل ذلك وسلكوا عليه وعلموا إن النجاة المطلوبة من الشارع لنا إنما هي في ستر المقام فأعطاهم العمل على هذا والتحقق به الحقيقة الإلهية التي استندوا إليها في ذلك وهو اجتنابه التجلي منه سبحانه لعموم عباده في الدنيا فاقتدوا بربهم في احتجاجه عن خلقه فعلم هؤلاء الرجال أن هذه الدار دار ستر وأن الله ما اكتفى في التعريف بالدين حتى نعته بالخالص فطلبوا طريقا لا يشوبهم فيها شئ من الاشتراك حتى يعاملوا الموطن بما يستحقه أدبا وحكمة وشرعا واقتداء فاستتروا عن الخلق بحنن الورع الذي لا يشعر به وهو ظاهر الدين والعلم المعهود فإنهم لو سلكوا غير المعهود في الظاهر في العموم من الدين لتميزوا وجاء الأمر على خلاف ما قصدوه فكانت أسماؤهم أسماء العامة فهؤلاء الرجال يحمدهم الله وتحمدهم الأسماء الإلهية القدسية ويحمدهم الملائكة ويحمدهم الأنبياء والرسل ويحمدهم الحيوان والنبات والجماد وكل شئ يسبح بحمد الله وأما الثقلان فيجهلونهم إلا أهل التعريف الإلهي فإنهم يحمدونهم ولا يظهرونهم وأما غير أهل التعريف الإلهي من الثقلين فهم فيهم مثل ما هم في حق العامة يذكرونهم بحسب أغراضهم فيهم لا غير فلهم المقام المجهول في العامة أما ثناء الله عليهم فلتعملهم استخلاصهم لله فخلصوا له دينه فأثنى عليهم حيث لم يملكهم كون ولا حكم على عبوديتهم رب غير الله وأما ثناء الأسماء الإلهية عليهم فكونهم تلقوها وعلموا تأثيرها وما أثروا بها في كون من الأكوان فيذكرون بذلك الأمر الذي هو لذلك الاسم الإلهي فيكون حجابا على ذلك الاسم فلما لم يفعلوا ذلك وأضافوا الأثر الصادر على أيديهم للاسم الإلهي الذي هو صاحب الأثر على الحقيقة حمدتهم الأسماء الإلهية بأجمعها وأما ثناء الملائكة فلأنهم ما زاحموهم فيما نسبوه إلى أنفسهم بالنسبة لا بالفعل في قولهم نحن نسبح بحمدك ونقدس لك فقال هؤلاء الرجال لا حول ولا قوة إلا بك فلم يدعوا في شئ مما هم علمه من تعظيم الله ونسبوا ذلك إلى الله فأثنت عليهم الملائكة فإنها مع هذه الحال لم تجرح الملائكة وتأدبت معها حيث لم تتعرض للطعن عليها بما صدر منها في حق أبيها آدم عليه السلام واعتذرت عن الملائكة لإيثارهم جناب الحق وإصابتهم العلم فإنه وقع ما قالوه في بني آدم لا شك من الفساد وسفك الدماء ولهذا سر معلوم .
    وأما ثناء الأنبياء والرسل عليهم السلام فلكونهم سلموا لهم ما ادعوه أنه لهم من النبوة والرسالة وآمنوا بهم وما توقفوا مع كونهم على أحوالهم من أجزاء النبوة قد اتصفوا بها ولكن مع هذا لم يتسموا بأنبياء ولا برسل وأخلصوا في اتباع آثارهم قدما بقدم .
    كما روى عن الإمام أحمد بن حنبل المتبع المقتدى سيد وقته في تركه أكل البطيخ لأنه ما ثبت عنده كيف كان يأكله رسول الله صلى الله عليه وسلم فدل ذلك على قوة تباعه كيفيات أحوال الرسول صلى الله عليه وسلم في حركاته وسكناته وجميع أفعاله وأحواله وإنما عرف هذا منه لأنه كان في مقام الوراثة في التبليغ والإرشاد بالقول والعمل والحال لأن ذلك أمكن في نفس السامع فهو وأمثاله حفاظ الشريعة على هذه الأمة وأما ثناء الحيوان والنبات والجماد عليهم فإن هؤلاء الأصناف عرفوا الحركات التي تسمى عبثا من التي لا تسمى عبثا فكل من تحرك فيهم بحركة تكون عبثا عند المتحرك بها لا عند المحرك يعلم الناظر منهم المشاهد لتلك الحركة البعثية أنه صاحب غفلة عن الله ورأت هذه الطائفة أنها لا تتحرك في حيوان ولا نبات ولا جماد بحركة تكون عبثا ويلحق بهذا الباب صيد الملوك ومن لا حاجة له بذلك إلا للفرجة واللهو واللعب فأثنى من ذكرناه من هؤلاء الأصناف على هذه الطائفة فالله يقول وإن من شئ إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم إنه كان حليما بإمهالكم حيث لم يؤاخذكم سريعا بما رددتم من ذلك غفورا حيث ستر عنكم تسبيح هؤلاء فلم تفقهوه وقال تعالى في حال من مات ممقوتا عند الله فما بكت عليهم السماء والأرض فوصف السماء والأرض بالبكاء على أهل الله ولا يشك مؤمن في كل شئ أنه مسبح وكل مسبح حي عقلا .
    و ورد أن العصفور يأتي يوم القيامة فيقول يا رب سل هذا لم قتلني عبثا وكذلك من يقطع شجرة لغير منفعة أو ينقل حجرا لغير فائدة تعود على أحد من خلق الله فلما أعطى الله هذه المعارف لهؤلاء الأصناف لذلك وصفتها بالثناء على هؤلاء الرجال وعرفت ذلك منهم كشفا حسيا مثل ما كان للصحابة سماع تسبيح الحصاء وتسبيح الطعام لأنهم ليس بينهم وبين الحركة العبثية دخول بل يجتنبون ذلك جملة واحدة ولما جهل أكثر الثقلين هذه العلوم لذلك لا يعرفون مراتب هؤلاء الرجال فلا يمدحونهم ولا يتعرضون إليهم ولهذا أخبر تعالى أن كل شئ في العالم يسجد لله تعالى من غير تبعيض إلا الناس فقال ألم تر أن الله يسجد له من في السماوات ومن في الأرض والشمس والقمر والنجوم والجبال والشجر والدواب ولم يبعض وكثير من الناس فبعض فإن فهمت ما ذكرناه لك من صفة أصحاب هذا المقام وسلكت طريقهم كنت من المفلحين الفائزين والله يقول الحق وهو يهدي السبيل انتهى الجزء الثالث والعشرون .
    لا اله الا الله محمد رسول الله

  10. #110
    Administrator
    رقم العضوية : 1
    تاريخ التسجيل : Jun 2016
    المشاركات: 1,380
    التقييم: 10

    الباب الرابع والأربعون في البهاليل وأئمتهم في البهللة

    (الباب الرابع والأربعون في البهاليل وأئمتهم في البهللة)
    إذا كنت في طاعة راغبا * فلا تكسها حلة الآجل
    وكن كالبهاليل في حالهم * مع الوقت يجرون كالعاقل
    وحوصل من السنبل الحاصل * ولا تصبرن إلى قابل
    فحوصلة الرزق قد هيئت * ليحصل ما ليس بالحاصل
    ولا تبكين على فائت * يفتك الذي هو في العاجل
    وسوف فلا تلتفت حكمها * ولا السين وارحل مع الراحل
    عساك إذا كنت ذا عزمة * ومت حصلت على طائل
    وقل للذي لم يزل وانيا * تخبطت في شرك الحابل

    وما ظفرت كفكم بالذي * تريد فيا خيبة السائل
    فلو كان فعلك في أمره * كفعل الفتى الحذر الواجل
    لميزت بيني وبين الذي * يجلي لك الحق كالباطل

    يقول الله تعالى وترى الناس سكارى وما هم بسكارى وذلك أن لله قوما كانت عقولهم محجوبة بما كانوا عليه من الأعمال التي كلفهم الحق تعالى في كتابه وعلى لسان رسوله صلى الله عليه وسلم التصرف فيها شرعا وشرعها لهم ولم يكن لهم علم بأن لله تعالى الحق فجأة لمن خلا به في سره وأطاعه في أمره وهيأ قلبه لنوره من حيث لا يشعر ففجأه الحق على غفلة منه بذلك وعدم علم واستعداد لهائل أمر فذهب بعقله في الذاهبين وأبقى تعالى ذلك الأمر الذي فجأه مشهودا له فهام فيه ومضى معه فبقي في عالم شهادته بروحه الحيواني يأكل ويشرب ويتصرف في ضروراته الحيوانية تصرف الحيوان المفطور على العلم بمنافعه المحسوسة ومضاره من غير تدبير ولا روية ولا فكر ينطق بالحكمة ولا علم له بها ولا يقصد نفعك بها لتتعظ وتتذكر أن الأمور ليست بيدك وأنك عبد مصرف بتصريف حكيم وسقط التكليف عن هؤلاء إذ ليس لهم عقول يقبلون بها ولا يفقهون بها تراهم ينظرون إليك وهم لا يبصرون خذ العفو أي القليل مما يجري الله على ألسنتهم من الحكم والمواعظ وهؤلاء هم الذين يسمون عقلاء المجانين يريدون بذلك أن جنونهم ما كان سببه فساد مزاج عن أمر كوني من غذاء أو جوع أو غير ذلك وإنما كان عن نجل إلهي لقلوبهم وفجأة من فجآت الحق فجأتهم فذهبت بعقولهم فعقولهم محبوسة عنده منعمة بشهوده عاكفة في حضرته متنزهة في جماله فهم أصحاب عقول بلا عقول وعرفوا في الظاهر بالمجانين أي المستورين عن تدبير عقولهم فلهذا سموا عقلاء المجانين قيل لأبي السعود بن الشبل البغدادي عاقل زمانه ما تقول في عقلاء المجانين من أهل الله .
    فقال رضي الله عنه هو ملاح والعقلاء منهم أملح قيل له فبما ذا نعرف مجانين الحق من غيرهم فقال مجانين الحق تظهر عليهم آثار القدرة والعقلاء يشهد الحق بشهودهم أخبرني بذلك عنه صاحبه أبو البدر التماسكي رحمه الله وكان ثقة ضابطا عارفا بما ينقل لا يجعل فاء مكان واو .
    فقال الشيخ من شاهد ما شاهدوا وأبقى عليه عقله فذلك أحسن وأمكن فإنه قد أقيم وأعطى من القوة قريبا مما أعطيت الرسل وإن تغيروا في وقت الفجأة فقد علمنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما فجأه الوحي جئت منه رعبا فأتى خديجة ترجف بوادره فقال :
    زملوني زملوني وذلك من تجلى ملك فكيف به بتجلي ملك فلما تجلى ربه للجبل جعله دكا وخر موسى صعقا وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا جاءه الوحي ونزل الروح الأمين به على قلبه أخذ عن حسه وسجى ورغا كما يرغو البعير حتى ينفصل عنه وقد وعى ما جاءه به فيلقيه على الحاضرين ويبلغه للسامعين فمواجده صلى الله عليه وسلم من تجليات ربه على قلبه أعظم سطوة من نزول ملك ووارد في الوقت الذي لم يكن يسعه فيه غير ربه ولكن كان منتظرا مستعدا لذلك الهول ومع هذا يؤخذ عن نفسه فلولا أنه رسول مطلوب بتبليغ الرسالة وسياسة الأمة لذهب الله بعقول الرسل لعظيم ما يشاهدونه فمكنهم الله القوي المتين من القوة بحيث يتمكنون من قبول ما يرد عليهم من الحق ويوصلونه إلى الناس ويعملون به فاعلم إن الناس في هذا المقام على إحدى ثلاث مراتب :
    - منهم من يكون وارده أعظم من القوة التي يكون في نفسه عليها فيحكم الوارد عليه فيغلب عليه الحال فيكون بحكمه يصرفه الحال ولا تدبير له في نفسه ما دام في ذلك الحال فإن استمر عليه إلى آخر عمره فذلك المسمى في هذه الطريقة بالجنون كأبي عقال المغربي .
    - ومنهم من يمسك عقله هناك ويبقى عليه عقل حيوانيته فيأكل ويشرب ويتصرف من غير تدبير ولا روية فهؤلاء يسمون عقلاء المجانين لتناولهم العيش الطبيعي كسائر الحيوانات .
    وأما مثل أبي عقال فمجنون مأخوذ عنه بالكلية ولهذا ما أكل وما شرب من حين أخذ إلى أن مات وذلك في مدة أربع سنين بمكة فهو مجنون أي مستور مطلق عن عالم حسه ومنهم من لا يدوم له حكم ذلك الوارد فيزول عنه الحال فيرجع إلى الناس بعقله فيدبر أمره ويعقل ما يقول ويقال له ويتصرف عن تدبير وروية مثل كل إنسان وذلك هو النبي وأصحاب الأحوال من الأولياء .
    - ومنهم من يكون وارده وتجليه مساويا لقوته فلا يرى عليه أثر من ذلك حاكم لكن يشعر عند ما يبصران ثم أمرا ما طرأ عليه
    شعورا خفيا فإنه لا بد لهذا أن يصغي إليه أي إلى ذلك الوارد حتى يأخذ عنه ما جاءه به من عند الحق فحاله كحال جليسك الذي يكون معك في حديث فيأتي شخص آخر في أمر من عند الملك إليه فيترك الحديث معك ويصغي إلى ما يقول له ذلك الشخص فإذا أوصل إليه ما عنده رجع إليك فحادثك فلو لم تبصره عينك ورأيته يصغي إلى أمر شعرت أن ثم أمرا شغله عنك في ذلك كرجل يحدثك فأخذته فكرة في أمر فصرف حسه إليه في خياله فجمدت عينه ونظره وأنت تحدثه فتنظر إليه غير قابل حديثك فتشعر أن باطنه متفكر في أمر آخر خلاف ما أنت عليه .
    - ومنهم من تكون قوته أقوى من الوارد فإذا أتاه الوارد وهو معك في حديث لم تشعر به وهو يأخذ من الوارد ما يلقى إليه ويأخذ عنك ما تحدثه به أو يحدثك به .
    وما ثم أمر رابع في واردات الحق على قلوب أهل هذه الطريقة وهي مسألة غلط فيها بعض أهل الطريق في الفرق بين النبي والولي فقالوا الأنبياء يصرفون الأحوال والأولياء تصرفهم الأحوال فالأنبياء مالكون أحوالهم والأولياء مملوكون لأحوالهم والأمر إنما هو كما فصلناه لك وقد بينا لك لما ذا يرد الرسول ويحفظ عليه عقله مع كونه يؤخذ ولا بد عن حسه في وقت وارد الحق على قلبه بالوحي المنزل فافهم ذلك وتحققه وقد لقينا جماعة منهم وعاشرناهم واقتبسنا من فوائدهم ولقد كنت واقفا على واحد منهم والناس قد اجتمعوا عليه وهو ينظر إليهم وهو يقول لهم أطيعوا الله يا مساكين فإنكم من طين خلقتم وأخاف عليكم أن تطبخ النار هذه الأواني فتردها فخارا فهل رأيتم قط آنية من طين تكون فخارا من غير أن تطبخها نار يا مساكين لا يغرنكم إبليس بكونه يدخل النار معكم وتقولون الله يقول :
    لأملأن جهنم منك وممن تبعك منهم أجمعين إبليس خلقه الله من نار فهو يرجع إلى أصله وأنتم من طين تتحكم النار في مفاصلكم يا مساكين انظروا إلى إشارة الحق في خطابه لإبليس بقوله لأملأن جهنم منك وهنا قف ولا تقرأ ما بعدها فقال له جهنم منك وهو قوله :
    خلق الجان من مارج من نار فمن دخل بيته وجاء إلى داره واجتمع بأهله ما هو مثل الغريب الوارد عليه فهو رجع إلى ما به افتخر قال :
    أنا خير منه خلقتني من نار فسروره رجوعه إلى أصله وأنتم يا مناحيس تتفخر بالنار طينتكم فلا تسمعوا من إبليس ولا تطيعوا واهربوا إلى محل النور تسعدوا يا مساكين أنتم عمي ما تبصرون الذي أبصره أنا تقولون سقف هذا المسجد ما يمسكه إلا هذه الأسطوانات أنتم تبصرونها أسطوانات من رخام وأنا أبصرها رجالا يذكرون الله ويمجدونه بالرجال تقوم السماوات فكيف هذا المسجد ما أدري إما أنا هو الأعمى لا أبصر الأسطوانات حجارة وإما أنتم هم العمي لا تبصرون هذه الأسطوانات رجالا والله يا إخوتي ما أدري لا والله أنتم هم العمي .
    ثم استشهدني دون الجماعة فقال يا شاب ألست أقول الحق قلت بلي ثم جلست إلى جانبه فجعل يضحك وقال يا ناس الأستاه المنتنة تصفر بعضها لبعض وهذا الشاب منتن مثلي هذه المناسبة جعلته يجلس إلى جانبي ويصدقني أنتم الساعة تحسبونه عاقلا وأنا مجنون هو أجن مني بكثير وإنما أنتم كما أعماكم الله عن رؤية هذه الأسطوانات رجالا أعماكم أيضا عن جنون هذا الشاب ثم أخذ بيدي وقال قم امش بنا عن هؤلاء فخرجت معه فلما فارق الناس ترك يدي من يده وانصرف عني وهو من أكبر من لقيته من المعتوهين كنت إذا سألته ما الذي ذهب بعقلك يقول لي أنت هو المجنون حقا ولو كان لي عقل كنت تقول لي ما الذي ذهب بعقلك أين عقلي حتى يخاطبك قد أخذه معه ما أدري ما يفعل به وتركني هنا في جملة الدواب آكل وأشرب وهو يدبرني قلت له فمن يركبك إذا كنت دابة قال أنا دابة وحشية لا أركب .
    ففهمت أنه يريد خروجه عن عالم الإنس وأنه في مفاوز المعرفة فلا حكم للانس عليه وكذلك كان محفوظا من أذى الصبيان وغيرهم كثير السكوت مبهوتا دائم الاعتبار يلازم المسجد ويصلي في أوقات فربما كنت أسأله عند ما أراه يصلي أقول له أراك تصلي يقول لي لا والله إنما أراه يقيمني ويقعدني ما أدري ما يريد بي أقول له فهل تنوي في صلاتك هذه أداء ما افترض الله عليك فيقول لي أي شئ تكون النية أقول له القصد بهذه الأعمال القربة إليه فيضحك ويقول أنا أقول له أراه يقيمني ويقعدني فكيف أنوي القربة إلى من هو معي وأنا أشهده ولا يغيب عني هذا كلام المجانين ما عندكم عقول .
    ثم لتعلم إن هؤلاء البهاليل كبهلول وسعدون من المتقدمين وأبي وهب الفاضل وأمثالهم منهم المسرور ومنهم المحزون وهم في ذلك بحسب الوارد الأول الذي ذهب بعقولهم فإن كان وارد قهر قبضهم كيعقوب الكوراني كان بالجسر الأبيض رأيته وكان على هذا القدم وكذلك مسعود الحبشي رأيته بدمشق ممتزجا بين القبض والبسط الغالب عليه البهت وإن كان وارد لطف بسطهم رأيت من هذا الصنف جماعة كأبي الحجاج الغليري وأبي الحسن علي السلاوي والناس لا يعرفون ما ذهب بعقولهم شغلهم ما تجلى لهم عن تدبير نفوسهم فسخر الله لهم الخلق فهم مشتغلون بمصالحهم عن طيب نفس فأشهى ما إلى الناس أن يأكل واحد من هؤلاء عنده أو يقبل منه ثوبا تسخيرا إلهيا فجمع الله لهم بين الراحتين حيث يأكلون ما يشتهون ولا يحاسبون ولا يسألون وجعل لهم القبول في قلوب الخلق والمحبة والعطف عليهم واستراحوا من التكليف ولهم عند الله أجر من أحسن عملا في مدة أعمارهم التي ذهبت بغير عمل لأنه سبحانه هو الذي أخذهم إليه فحفظ عليهم نتائج الأعمال التي لو لم يذهب بعقولهم لعملوها من الخير كمن بات نائما على وضوء وفي نفسه أن يقوم من الليل يصلي فيأخذ الله بروحه فينام حتى يصبح فإن الله يكتب له أجر من قام ليلة لأنه الذي حبسه عنده في حال نومه .
    فالمخاطب بالتكليف منهم وهو روحهم غائب في شهود الحق الذي ظهر سلطانه فيهم فما لهم أذن واعية لحفظ السماع من خارج وتعقل ما جاء به ولقد ذقت هذا المقام ومر على وقت أؤدي فيه الصلوات الخمس إماما بالجماعة على ما قيل لي بإتمام الركوع والسجود وجميع أحوال الصلاة من أفعال وأقوال وأنا في هذا كله لا علم لي بذلك لا بالجماعة ولا بالمحل ولا بالحال ولا بشئ من عالم الحس لشهود غلب على غبت فيه عني وعن غيري وأخبرت أني كنت إذا دخل وقت الصلاة أقيم الصلاة وأصلي بالناس فكان حالي كالحركات الواقعة من النائم ولا علم له بذلك فعلمت إن الله حفظ على وقتي ولم يجر على لساني ذنب كما فعل بالشبلي في ولهه لكنه كان الشبلي يرد في أوقات الصلوات على ما روى عنه فلا أدري هل كان يعقل رده أو كان مثل ما كنت فيه فإن الراوي ما فصل .
    فلما قيل للجنيد عنه قال الحمد لله الذي لم يجر عليه لسان ذنب إلا أني كنت في أوقات في حال غيبتي أشاهد ذاتي في النور الأعم والتجلي الأعظم بالعرش العظيم يصلي بها وأنا عرى عن الحركة بمعزل عن نفسي وأشاهدها بين يديه راكعة وساجدة وأنا أعلم أني أنا ذلك الراكع والساجد كرؤية النائم واليد في ناصيتي وكنت أتعجب من ذلك واعلم أن ذلك ليس غيري ولا هو أنا ومن هناك عرفت المكلف والتكليف والمكلف اسم فاعل واسم مفعول فقد أبنت لك حالة المأخوذين عنهم من المجانين الإلهيين إبانة ذائق بشهود حاصل والله يقول الحق وهو يهدي السبيل .
    لا اله الا الله محمد رسول الله

صفحة 11 من 12 الأولىالأولى ... 9101112 الأخيرةالأخيرة

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

المفضلات

المفضلات

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •  

RSS RSS 2.0 XML MAP html  PHP  info tags Maps maptags vbmaps

الساعة معتمدة بتوقيت جرينتش +3 . الساعة الآن : 18:35.
الموقع غير مسؤول عن أي اتفاق تجاري أو تعاوني بين الأعضاء
فعلى كل شخص تحمل مسئولية نفسه إتجاه مايقوم به من بيع وشراء وإتفاق وأعطاء معلومات موقعه
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي موقع الأشاعرة و لا نتحمل أي مسؤولية قانونية حيال ذلك (ويتحمل كاتبها مسؤولية النشر)
الساعة الآن 02:22 AM
Powered by vBulletin® Version 4.2.3
Copyright © 2019 vBulletin Solutions, Inc. Translate By soft