إذا كانت هذه زيارتك الأولى يرجى الاطلاع على الرابط التالي الأسئلة ولكي تتمكن من كتابة مواضيع وإرسال رسائل خاصة لابد لك منالتسجيل
النتائج 1 إلى 2 من 2

الموضوع: حكم كشف المرأة وجهها عند أئمة المذاهب الثلاثة

  1. #1
    فيصل عساف
    Guest

    حكم كشف المرأة وجهها عند أئمة المذاهب الثلاثة

    حكم كشف المرأة وجهها عند أئمة المذاهب الثلاثة

    (أبي حنيفة ومالك والشافعي رحمهم الله تعالى)

    عجبت من قوم بلغ بهم العجب والغرور ، والبهت والكذب : أن ينفوا عن أئمة المذاهب قولهم بأن وجه المرأة وكفيها ليسا بعورة ، ويدعون أن هذا مما أخطأ في نسبته إليهم أتباعهم من الأئمة والعلماء ، وأن وقوع هذا الخطأ ليس بغريب ! فليس بغريب في زعمهم أن يخطئ علماء المذاهب في نسبة أقوال إلى أئمتهم !!

    عجبت من هذا السخف والوقاحة في التعالي والعجب ، بل في الكذب والافتراء !!

    1-لأن أقوال أئمة المذاهب في ذلك موجودة ، خلافا لافترائهم (كما سيأتي بيانه) !!

    2-ولأن أتباع المذاهب إذا اتفقوا أو تتابع غالبهم على نسبة قول إلى إمامهم فهم أعرف الناس بأقواله وآمنهم على مذهبه .

    3-ولأنه حتى لو لم يثبت عن إمامهم قول في مسألة ما ، فهم أعرف الناس بما يَتخرّج على مذهبه (أصوله وفروعه) ، بل كثير منهم مجتهد إمام ، فقولهم له وزنه الجليل في الفقه . ولا كانوا متهمين في أديانهم ولا في غيرتهم ، ولا كانوا منهزمين نفسيا للحضارة الغربية ؛ فبأي حجة يتجاهل هؤلاء المتعالمون المغرورون أقوالهم ، بحجة نفي صحة نسبتها إلى أئمة المذاهب .

    فمن يجهل قدرأبي جعفر الطحاوي ، والجصاص ، والقدوري ، والكاساني ، وابن الهمام في الحنفية ، وكلهم نص على ذلك .

    ومن يجهل قدر إسماعيل القاضي البغدادي ، وابن أبي زيد القيرواني والقاضي عبد الوهاب وابن عبد البر والمازري والقاضي عياض في المالكية .

    ومن يجهل قدر ابن المنذر (وقد نسبه في الأوسط إلى الإمام الشافعي والأوزاعي وأبي ثور ، وهو اختياره الذي نص عليه في الإقناع ) والجويني والغزالي والرافعي والنووي والسبكي وغيرهم من الشافعية .

    4-أعجب منهم كيف ينكرون نسبة هذا القول إلى الأئمة وهم لم يُسبقوا إلى هذا الإنكار قبل هذا العصر البئيس بأمثالهم ؟!!

    5-وأعجب منهم كيف ينكرون نسبة هذا القول إلى الأئمة الأربعة وهو قول جمهور السلف قبل الأئمة الأربعة وفي زمنهم ، فليس هذا القول بالقول الشاذ على مذاهب السلف حتى يُنكر عن أئمة المذاهب ، بل هو القول الأشهر عنهم :

    فجواز كشف الوجه والكفين ثابت عن عدد من السلف في تفسير قوله تعالى {وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا} : فقد صح عن عبد الله بن عمر (أخرجه ابن أبي شيبه وأبو بكر المروزي في جزء يحيى بن معين بإسناد صحيح)، وصح عن ابن عباس (ومحاولة رده برواية العين الواحدة محاولة في غاية الضعف) ، وأكبر دليل على ثبوته عن ابن عباس أنه هو الثابت عن كبار تلامذته : كسعيد بن جبير ومجاهد وعطاء بن أبي رباح وعكرمة ، فهل هؤلاء المعاصرون أعلم بابن عباس وبمقالاته في التفسير من هؤلاء الأئمة من تلامذته ؟! بل هو القول الثابت عن عموم التابعين وتابعيهم : كالشعبي وإبراهيم النخعي وقتادة ومكحول الشامي والسدي والأوزاعي ، وصح عن الحسن البصري جواز كشف الوجه خاصة .

    وهو ما رجحه إمام المفسرين ابن جرير الطبري ، حيث قال : « وأولى الأقوال في ذلك بالصواب: قول من قال: عني بذلك الوجه والكفان، يدخل في ذلك إذا كان كذلك الكحل، والخاتم، والسوار، والخضاب . وإنما قلنا ذلك أولى الأقوال في ذلك بالتأويل، لإجماع الجميع على أن على كل مصل أن يستر عورته في صلاته، وأن للمرأة أن تكشف وجهها وكفيها في صلاتها، وأن عليها أن تستر ما عدا ذلك من بدنها إلا ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أباح لها أن تبديه من ذراعها إلى قدر النصف فإذ كان ذلك من جميعهم إجماعا، كان معلوما بذلك أن لها أن تبدي من بدنها ما لم يكن عورة كما ذلك للرجال؛ لأن ما لم يكن عورة فغير حرام إظهاره. وإذا كان لها إظهار ذلك، كان معلوما أنه مما استثناه الله تعالى ذكره بقوله: {إلا ما ظهر منها}» .



    أما أقوال أئمة المذاهب :

    فنبدأ بمذهب أبي حنيفة :


    يقول محمد بن الحسن الشيباني في كتاب الأصل ( ٢/ ٢٣٥-٢٣٦) : (( أما المرأة الحرة التي لا نكاح بينه وبينها ، ولا حرمة ، ممن يحل له نكاحها : فليس ينبغي له أن ينظر إلى شيء منها مكشوفا ؛ إلا الوجه والكف ، ولا بأس أن ينظر إلى وجهها وإلى كفها ، ولا ينظر إلى شيء غير ذلك منها .

    وهذا قول أبي حنيفة .

    وقال الله تبارك وتعالى { وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا } ، ففسر المفسرون أن ما ظهر منها : الكحل والخاتم ، والكحل زينة الوجه ، والخاتم زينة الكف ، فرخص في هاتين الزينتين .

    ولا بأس بأن ينظر إلى وجهها وكفها ؛ إلا أن يكون إنما ينظر إلى ذلك اشتهاء منه لها . فإن كان ذلك ، فليس ينبغي له أن ينظر إليه )) .



    ونثني بمذهب الإمام مالك :

    حيث هناك نصوص ظاهرة عن الإمام مالك منقولة عنه في المدونة والعتبية على أن الوجه والكفين ليسا بعورة ، لكن يمكن أن يكابر فيها هؤلاء المعاندون بغرور ، وقد فهمها علماء المالكية على وجهها ، أنها تدل على جواز كشف الوجه والكفين . وهو مذهب مالك الذي ينقله عنه أتباع مذهبه المتقدمون منهم والمتأخرون في مدرستيهم المشرقية والمغربية : كإسماعيل القاضي ، وابن أبي زيد القيرواني ، والقاضي عبد الوهاب البغدادي ، وابن عبد البر ، وابن رشد الجد والحفيد ، والمازري ، والقاضي عياض ، وغيرهم .

    أفكل هؤلاء متهمون في نقل أقوال الأئمة ؟!! وكأنهم تواطؤوا على الكذب على إمامهم ، أو تتابعوا على هذا الوهم الشنيع !! أم كان هؤلاء الأئمة واقعين تحت ضغط الهزيمة النفسية للغرب حتى يتتابعوا على هذا الغلط ؟! أم أنهم كانوا متأثرين بدعاة تحرير المرأة ودعاة السفور ؟! أم هل كانوا من الجهل واتباع الهوى أن يتهافتوا على نسبة قول إلى أئمتهم هو عند المعاصرين من أقوال دعاة المجون والسفور؟!!

    ومع ذلك فهذه بعض النقول عن الإمام مالك تنقض ترهات هؤلاء الكذبة :

    ورد في الموطأ للإمام مالك : «وسئل مالك: هل تأكل المرأة مع غير ذي محرم منها ، أو مع غلامها؟ قال: ليس بذلك بأس ، إذا كان ذلك على وجه ما يُعرف للمرأة أن تأكل معه من الرجال . وقد تأكل المرأة مع زوجها. ومع غيره ممن يؤاكله. أو مع أخيها على مثل ذلك. ويكره للمرأة أن تخلو مع الرجل، ليس بينه وبينها حرمة» .

    هذا كلام الإمام مالك في الموطأ من رواية الليثي وأبي مصعب الزهري .

    فانظر كيف فهم العلماء هذا الكلام : يقول القاضي عياض في إكمال المعلم : « وهذا ليس فيه إلا إبداء كفيها ووجهها، وذلك مباح منها النظر إليه لغير تلذذ ومداومة لتأمل المحاسن. قال ابن عباس: {وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلا مَا ظَهَرَ مِنْهَا}، قال: الوجه والكفان، وقاله عطاء . وذكر ابن بكير: أنه قول مالك وغيره، وإليه مال إسماعيل القاضى قال: لأنه الذى يبدو من المرأة فى الصلاة» .

    وتنبه أنه نقل عن ابن بكير (وهو يحيى بن عبد الله بن بكير : من تلامذة الإمام مالك الآخذين عنه ، ومن رواة الموطأ عنه ) أنه نقل عن الإمام مالك أن الوجه والكفين ليسا عورة .

    قال ابن القاسم للإمام مالك ، وهو يتكلم عن الظهار : « قلت: أرأيت المرأة إذا ظاهر منها زوجها هل يجب عليها أن تمنعه نفسها؟

    قال: قال مالك: نعم، تمنعه نفسها قال: ولا يصلح له أن ينظر إلى شعرها ولا إلى صدرها .

    قال: فقلت لمالك أفينظر إلى وجهها ، فقال : نعم ، وقد ينظر غيره أيضا إلى وجهها» . المدونة( 2/ 334-335)

    وهذا صريح أن الوجه ليس عورة عند الإمام مالك .

    وفي المرأة تموت وليس معها رجال من محارمها ، وإنما رجال أجانب ، فذكر أنهم ييممونها ، لكنه قال كما في المدونة : «وكذلك المرأة تموت مع الرجال ، إلا أن الرجال لا ييممون المرأة إلا على الكوعين فقط، ولا يبلغوا بها إلى المرفقين ». المدونة (1/ 261) .

    وقال أيضا كما في مجالس ابن القاسم (صـ90) : « وإن لم يجدوا الماء (ييممون) وجهها ويديها »

    وهذا منه مبني على أن ما يجوز أن يمم الرجال فيه النساء هو ما لا يتجاوز عورة المرأة أمام الرجال ، ولذلك ذكر أن الرجال لا يممون المرأة الأجنبية إلا إلى الكوعين (أي مقتصرين على الكفين) ، مع أن التيمم عند الإمام مالك إلى المرفقين .

    وفي العتبية : سئل الإمام مالك عن المرأة تخمر رأسها في الصلاة ونحرها مكشوف، فقال: «النحر موضع الخمار فلا أرى أن تفعل ذلك، وما زال يأخذ بقلبي أن القميص أوفق للمرأة وهو يزر. قال: ومن لباس النساء الدروع، وأنا أكره لباسهن القراقل وأظنه من لباس القبط، والدروع أحب إلي، فقلت له: أفتكره لباس القراقل في الصلاة وغيرها؟ فقال: أما أنا فأكره لباس القراقل، قال: ولم يكن من لباسهن، وقد كان يقال: من شر النساء المشبهة بالرجال» .

    وقد شرحه ابن رشد في البيان والتحصيل بقوله : « وهذا كما قال: إن النحر مما يلزم المرأة أن تستره في الصلاة، وإنه موضع الخمار، يدل على ذلك قول الله -عز وجل-: {وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ} [النور: 31] ، وقال تعالى: {وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلا مَا ظَهَرَ مِنْهَا} [النور: 31] ، والذي ظهر منها عند أهل العلم بالتأويل هو الوجه والكفان، فلا يجوز أن يبدو منها في الصلاة إلا ذلك» . البيان والتحصيل (1/ 396-397) .

    وقال في المدونة : « قال مالك: إذا صلت المرأة وشعرها باد أو صدرها أو ظهرها أو ظهور قدميها فلتعد الصلاة ما دامت في الوقت، قال: وبلغني عن مالك في المرأة تصلي متنقبة بشيء، قال: لا إعادة عليها وذلك رأيي، والتلثم مثله ولا أرى أن تعيد.

    قال: وقال مالك: إذا كانت الجارية بالغة أو قد راهقت لم تصل إلا وهي مستترة بمنزلة المرأة الحرة قال: وقال مالك في الأمة تصلي بغير قناع؟ قال: ذلك سنتها، قال: وكذلك المكاتبة والمدبرة والمعتق بعضها، قال: وأما أمهات الأولاد فلا أرى أن يصلين إلا بقناع كما تصلي الحرة بدرع أو قرقل يستر ظهور قدميها.

    قلت: والجارية التي لم تبلغ المحيض، الحرة ومثلها قد أمرت بالصلاة وقد بلغت اثنتي عشرة سنة أو إحدى عشرة سنة تؤمر أن تستر من نفسها في الصلاة ما تستر الحرة البالغ من نفسها في الصلاة؟

    قال: نعم» . المدونة (1/ 185) .

    ونقل عبد الملك بن حبيب (ت238هـ) في الواضحة عن الإمام مالك أنه قال : «وتصلي المرأة الحرة في الدرع الخصيف يستر ظهور قدميها في الركوع والسجود، وخمار يستر كتفيها وقصتها ودلاليها، ولا يظهر منها غير دور الوجه والكفين» . كما في النوادر والزيادات لابن أبي زيد (1/205) .

    وعبد الملك بن حبيب (ت238هـ) من تلامذة تلامذة مالك ، ومن أعرف الناس بمذهبه ، وإن كانت له أخطاء مذكورة في النقل عنه ، لكنها لا تقلل من معرفته بمذهب الإمام مالك . كما أنه هنا يوافق بقية النقول والأقوال عن الإمام مالك ، ولا يخالفها .



    ونختم بمذهب الإمام الشافعي :


    قال الشافعي في الأم (1/ 109) : «وعورة الرجل ما دون سرته إلى ركبتيه ، ليس سرته ولا ركبتاه من عورته ، وعلى المرأة أن تغطي في الصلاة كل بدنها ، ما عدا كفها ووجهها» .

    وقال أيضا (1/109) : «وعورة الرجل ما وصفت ، وكل المرأة عورة ؛ إلا كفيها ووجهها ، وظهر قدميها عورة . فإذا انكشف من الرجل في صلاته شيء مما بين سرته وركبته ، ومن المرأة في صلاتها شيء من شعرها قل أو كثر ، ومن جسدها سوى وجهها وكفيها وما يلي الكف من موضع مفصلها ، ولا يعدوه ، علما أم لم يعلما = أعادا الصلاة معا ؛ إلا أن يكون تنكشف بريح، أو سقطة» .

    ونقل عنه المزني في مختصره قوله : «وعلى المرأة إذا كانت حرة أن تستتر في صلاتها حتى لا يظهر منها شيء إلا وجهها وكفاها، فإن ظهر منها شيء سوى ذلك أعادت الصلاة» .

    ونقل المزني عن الشافعي أنه فسر الآية { وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا } ، بأنها الوجه والكفان ، فقال : «قال : وإذا أراد أن يتزوج المرأة فليس له أن ينظر إليها حاسرة وينظر إلى وجهها وكفيها وهي متغطية بإذنها وبغير إذنها قال الله تعالى {ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها} [النور: 31] قال الوجه والكفان » .

    وهذا صريح من قول الإمام الشافعي ، فأعجب ممن زعم أنه قرأ الأم ، فلا وجد فيه قولا للإمام الشافعي يثبت فيه أن الوجه والكفين ليسا بعورة .

    لقد اعتاد هؤلاء القوم على الغرور والعناد حتى أصبحت أشك في صحة عقولهم !!

    تنبيه : حول ادعاء أن كلام الإمام الشافعي خاص بعورة الصلاة (كما يزعمون) :

    أما ادعاء أن كلام الإمام الشافعي هو عن عورة المرأة في الصلاة خاصة ، كما يزعم هؤلاء الجهلة أو المدلسون ، فأستعين الله تعالى بالرد عليه ، على شدة وهائه وبالغ ضعفه .

    أولا : مما يدل على عدم صدق هؤلاء المعترضين أنهم قد تركوا كلام الإمام الشافعي في تفسير آية الزينة الظاهرة ، وأنها الوجه والكفان ، وهو تفسير للآية ليس مقيدا بصلاة ولا بغيرها ، وهو ليس واردا في باب الصلاة أصلا .

    فلماذا يتعامون عن هذا القول وكأنه ليس موجودا ، وهو التفسير الذي اعتمده الإمام البيهقي في تفسير الآية نقلا عن إمامه الشافعي ، كما كان قد نقله عنه تلميذه الجليل المزني ؟!

    هذا التعامي وحده كاف لإثبات مقدار الهوى الذي استولى على أبصارهم وبصائرهم ، وإلا لما اعترضوا ذلك الاعتراض السخيف ، مع وجود ما لا ينطبق على اعتراضهم .

    ثانيا : لم يفهم أحد من علماء الشافعية أن كلام الإمام الشافعي خاص ببيان عورة الصلاة ، فكل أئمة الشافعية (وهم العلماء والمرجع في فهم كلام إمامهم) فهموا كلامه على وجهه الصحيح ، وهو أنه يبين عورة المرأة مطلقا .

    حتى جاء هؤلاء المدلسون المخادعون أو الجهلة المغرورون ، فادعوا على كلام الإمام الشافعي فهما لم يسبقهم إليه أحد . وهذا وحده كاف لبيان سخافة فهمهم ، وعظيم جهلهم .

    المشكلة أنهم مع مخالفتهم لأئمة الشافعية ما زالوا يصفون من خالفهم بفهم كلام الإمام الشافعي الفهم الصحيح : أنه أساء فهم كلام الإمام الشافعي !! متجاهلين أنه لم يسئ وحده فهم كلام الإمام الشافعي ، بل عليهم أن يعترفوا أن كل أئمة الشافعية معه في سوء الفهم هذا !!

    بالله كيف تريدون مني أن أحترم هذا السخف والغرور !!!

    ثالثا : كلام الإمام الشافعي ليس فيه عبارة واحدة ندل على دعواهم ، فهو كان يتحدث عن عورة الرجل والمرأة التي يجب سترها ؛ لأن من شروط الصلاة ستر العورة . وليست الصلاة كالإحرام للحج ، ولا هناك نص واحد يخص الصلاة بلباس خاص كالإحرام للحج والعمرة ، وأتحداهم أن يأتوا بنص خاص في ذلك من الكتاب والسنة ، وهم أدعياء اتباع الكتاب والسنة .

    رابعا : ما زال العلماء يحتجون بما يجب ستره في الصلاة على معرفة ما يجب ستره مطلقا للرجل والمرأة ، وقد نقلت كلام إسماعيل القاضي من المالكية ، وكلام ابن جرير الطبري ، وكلام غيرهما كثير أكثر من أن يحصى في ذلك .

    وارجعوا إلى كلامهما في مقالي (إن تعاجزتم عن رؤية كلام غيرهما في كتب العلم) لتعرفوا معنى ما أقول .

    فلم يقل أحد من هؤلاء الأئمة إن ما يجوز كشفه في الصلاة يجب ستره في غيرها ، بل قالوا العكس ، قالوا : ما يجوز كشفه في الصلاة يدل جوازه على أنه ليس بعورة
    وهم قالوا ذلك لأسباب عديدة ، منها : أن الحشمة والتعفف الواجب خارج العبادة لا يمكن أن تُباح مخالفته في العبادة ، بل العبادة أولى بحال الحشمة والتعفف ؛ إلا بنص من الوحي يلزم التسليم له ، ولا وجود لمثله .

    خامسا : اعتاد العلماء والفقهاء أن لا يتكلموا عن بيان حدود عورة الرجل والمرأة في أبواب خاصة بالعورة ، وهذه كتب الفقه كلها ، هل تجدون فيها (كتاب العورة) كـ(كتاب الطهارة) و(الصلاة) و(الزكاة) ...؟!

    واعتاد العلماء الكلام عن بيان عورة الرجل والمرأة في كتاب الصلاة غالبا ، أو النكاح ؛ لأنهما الكتابان اللذان يحتاجان بيان حدود العورة . فالصلاة من شروطها ستر العورة ، ولذلك يبينون ما هي العورة التي يجب سترها للصلاة في كتاب الصلاة . وعند بيان المحارم وغير المحارم في كتاب النكاح ، لبيان محرمات النكاح وغير المحرمات ، يأتي الحديث عما يجوز النظر إليه من ذوات المحارم وغير ذوات المحارم ، فيتحدثون عن عورة الرجل والمرأة كذلك .

    إذن : لم يكن الكلام عن عورة المرأة في كتاب الصلاة ناشئا عن تقييد حدود هذه العورة بالصلاة ، وإنما لأنه هو الموطن اللائق لبيان شرط من شروط الصلاة ، وهو شرط ستر العورة .

    بل هذا ابن عبد البر يحتج بعورة المرأة في الصلاة على عورتها مطلقا ، فيذكر قول أبي بكر بن عبد الرحمن : ((كل شيء من المرأة عورة ، حتى ظفرها)) ، فتعقبه ابن عبد البر بقوله : (( قول أبي بكر هذا خارج عن أقاويل أهل العلم ؛ لإجماع العلماء على أن للمرأة أن تصلي المكتوبة ويداها ووجهها مكشوف ، ذلك كله منها تباشر الأرض به . وأجمعوا على أنها لا تصلى متنقبة ولا عليها أن تلبس فقازين في الصلاة . وفي هذا أوضح الدلائل على أن ذلك منها غير عورة ، وجائز أن يُنظر إلى ذلك منها كل من نظر إليها بغير ريبة ولا مكروه . وأما النظر للشهورة : فحرام تأملها من فوق ثيابها لشهوة ، فكيف بالنظر إلى وجهها مسفرة . وقد روي نحو قول أبي بكر بن عبد الرحمن (عن أحمد) بن حنبل قال الأثرم سئل أحمد بن حنبل عن المرأة تصلي وبعض شعرها مكشوف وقدمها قال لا يعجبني إلا أن تغطيشعرها وقدميها)) التمهيد (6/ 266) .

    فابن عبد البر يرد على من جعل المرأة كلها عورة بإجماعهم أنها ليست كذلك في الصلاة ، ويبين أنه يجوز النظر إلى وجه المرأة بغير شهوة .

    ويؤكد ذلك الكلام التالي .

    السادس : ألم يلفت نظر هؤلاء المتعالمين الجهلة أو الكذابين الخونة أن الفقهاء غالبا لا يعقدون فصلا خاصا لبيان العورات ، وإنما يتحدثون عن العورات أثناء بعض الأبواب ، كباب شروط الصلاة ، أو كتاب النكاح ، كما سبق ؟!

    هل يُتصور أن لا يتحدث الإمام الشافعي مثلا عن عورة المرأة بشيء في كتابه الأم ، وهو الكتاب الكبير في الفقه ، والذي دخل في أدق تفاصيل مسائل الفقه وفروعها ؟!

    فعلى رأي هؤلاء الأدعياء يكون الإمام الشافعي لم يذكر في بيان عورة المرأة كلمة واحدة !! لأنه عندهم إنما ذكر عورتها في الصلاة خاصة ، لا عورتها في أحوالها عامة !!

    فهل موضوع بيان عورة المرأة بهذه التفاهة وعدم الأهمية حتى يُغفله الإمام الشافعي كل هذا الإغفال ؟!

    بالطبع هذا لم يحصل إلا في توهمات هؤلاء القوم المغرورين ؛ لأن الإمام الشافعي بين ذلك في موضعه اللائق به ، وهو عندما أراد بيان شرط من شروط الصلاة المتفق عليها ، وهو شرط ستر العورة .

    يُــتبــــــــــــــــــــــــــــع ....

  2. #2
    فيصل عساف
    Guest
    ويؤكد بطلان توهم هؤلاء القوم الأمر التالي :

    السابع : على رأي هؤلاء الذين ينفون وجود نص لأئمة المذاهب يبين عورة المرأة ، لكي يتحقق لهم تخطيء وتجهيل علماء أتباعهم ممن نسب إليهم هذا القول = يكون هؤلاء الأئمة لم يتكلموا عن الحجاب الشرعي ؛ لأن الحجاب الشرعي هو ما ستر العورة .

    وأي خدمة يقدمونها لمحاربي الحجاب أكبر من هذا الادعاء !!

    فخصوم الحجاب يزعمون أن الحجاب الشرعي عادة وليس عبادة ، وسيجدون لتأييد قولهم الباطل هذا دليلا قويا وصيدا ثمينا في نفي أولئك القوم لوجود نص عن أئمة المذاهب في بيان حدود عورة المرأة ، ليقولوا : أكبر دليل على أن الحجاب عادة وليس عبادة : أن فقهاء المذاهب لم يبينوا ما يجب ستره من المرأة ، وهؤلاء المنافحون عن الحجاب هم بأنفسهم يثبتون ذلك !!

    وهكذا يصبح هؤلاء الجهلة المغترون أو المتعصبون المدلسون عونا لدعاة السفور ، في حين أنهم يحسبون أنفسهم ممانعين رافضين لدعواتهم !!

    وهكذا يفعل الجهل بأصحابه !! وحينها نقول مرحبا للمثل السائر : على نفسها جنت براقش !!



    عندما لا يفهمون أو لا يريدون أن يفهموا :

    1-عندما يجيز جمهور الشافعية وأكثرهم نظر الأجنبي إلى الوجه والكفين لغير شهوة ، كيف يحرم هؤلاء كشفهما ؟!

    كيف يجوز النظر ، ويحرم إظهار المنظور إليه ؟!

    كيف تحرم الوسيلة ، والغاية مباحة ؟!

    وهذه الأسئلة سيجيبكم عليها القاضي عياض والعلماء الذين سبقوه ممن نقل قولهم والعلماء الذين لحقوه ممن وافقه من المالكية والشافعية والحنابلة : أنه على الرجل غض البصر عند خوفه الفتنة على نفسه ، وليس على المرأة سترهما .

    2-تفريق بعض الشافعية بين ما أسموه بـ(عورة الصلاة) و(عورة النظر) لا علاقة له بتحديد عورة المرأة التي أمرت النصوص في الكتاب والسنة المرأة بسترها ؛ بدليل :

    - أن الشافعية متفقون على تفسير آية الزينة الظاهرة {وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا} بأنها الوجه والكفان (وهذا هو نص تفسير الإمام الشافعي نفسه) ، وهذه الآية تبين ما يجوز إبداؤه من الزينة أمام الرجال الأجانب ، ولا خصوصية للصلاة بها .

    ولا أدري كيف يستمر هؤلاء القوم على الإصرار بنسبة التفريق بين عورة الصلاة وعورة غيرها إلى العلماء الذين يفسرون الزينة الظاهرة التي يجوز إبداؤها بالوجه والكفين ، وهي آية لا علاقة لها بالصلاة ، وهي آية جاءت لبيان ما يجوز إبداؤه من المرأة أمام الرجال الأجانب ، فهي نص في الباب : فيما يجوز إبداؤه (وإن اختلف العلماء في تحديد هذا القدر الجائز ، ولذلك حصرت الكلام فيمن فسر الجائز إبداؤه بالوجه والكفين وهم جماهير الأئمة من السلف والخلف) .

    - أن الصلاة ليس لها إحرام كإحرام الحج على النساء والرجال ، وإنما شرطها شرط ستر العورة ؛ ولذلك ما زال الفقهاء يذكرون إجماع الفقهاء على أن المرأة لا يجب عليها ستر وجهها وكفيها في الصلاة ويحتجون بهذا الإجماع على أنهما ليسا بعورة .

    حتى أحدث هؤلاء القوم هذا القول المستحدث ، ونسبوه للعلماء ، وادعوا للصلاة إحراما سموه (عورة الصلاة) ، مدلسين أو جاهلين أن الصلاة ليس لها شرط خارج عن شرط ستر العورة ! وأكرر عليهم التحدي : اذكروا نصا واحدا في الكتاب والسنة يوجب شيئا غير ستر العورة في الصلاة ، حتى تعلموا أنكم لم تفهموا كلام العلماء عندما ذكروا (عورة الصلاة) و(عورة النظر) .

    - أن عورة النظر هي كاسمها متعلقة بالناظر ، لا بالمنظور إليه ؛ أي بما يجوز للرجل أن يراه من المرأة الأجنبية ، ولذلك اختلف فيه الفقهاء فيها . فهو حكم متعلق بالرجل ، لا بالمرأة . وذلك مأخوذ من قوله تعالى { قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ } ، فمن العلماء من أخذ بظاهر الآية ، وحرم النظر مطلقا ، ومنهم من قيد التحريم بخوف الفتنة ، استدلالا بجواز كشف الوجه والكفين المأخوذ من آية الزينة الظاهرة ، وقالوا : ما دام جائزا كشفهما جاز النظر إليهما من غير ريبة ، كما جاز للمرأة أن تنظر إلى ما ليس بعورة من الرجل بغير ريبة ، مع أن المرأة مأمورة بغض البصر أيضا { وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ } . فلو دلت آية غض بصر الرجال على وجوبه مطلقا ، لدل ذلك على وجوبه مطلقا على النساء ، ولا تقولون به . ولو وجب على النساء ستر وجوههن لأنه يحرم النظر إليهن مطلقا ، لوجب على الرجال ستر وجوههم عند النساء للسبب نفسه !!

    ومن الواضح أن القول الأول (تحريم نظر الرجل مطلقا إلى المرأة ، ولو بغير فتنة) قول مرجوح ، ودليله ضعيف ، ولذلك ما كان عليه إلا القلة .

    - صرح الجويني ومن وافقه (وهم قلة من الشافعية) ، بنص الجويني نفسه ، ممن يحرمون النظر مطلقا ، أنهم يوجبون ستر الوجه والكفين لا لكونهما عورة ، وإنما سدًّا للذريعة ، وهذا نص الجويني ، حيث يقول –كما سبق نقل كلامه كاملا - : ((وذهب العراقيون وغيرهم إلى تحريمه من غير حاجة . قال: وهو قوي عندي، مع اتفاق المسلمين على منع النساء من التبرج والسفور وترك التنقب ، ولو جاز النظر إلى وجوههنّ ، لكُنَّ كالـمُرد ، ولأنهنّ حبائل الشيطان ، واللائق بمحاسن الشريعة حسم الباب وترك تفصيل الأحوال )) .

    فهنا لم يقل يجب منعهن من ترك التنقب لأن الوجه والكفين عورة إذا خرجت المرأة من بيتهما أو عند الأجانب ، بل قال : لأنهنّ حبائل الشيطان ، واللائق بمحاسن الشريعة حسم الباب ، وترك تفصيل الأحوال . فهذا كلام صريح أنه منع النساء من كشف الوجه اجتهادا وسياسة ، لا اتباعا لنص يوجب ستر العورة .

    وأنى للجويني أن يقول غير ذلك ، وهو نفسه يفسر الزينة الظاهرة التي أجاز الله تعالى إبداءها عند الرجال الأجانب بالوجه والكفين ؟! فكيف يوجب ما لم يوجبه الله تعالى ، وكيف يحرم ما عنده أن الله أباحه ؛ إلا اجتهادا في درء المفاسد .

    ويجتمع في القطع بذلك لمن كان محتاجا لمزيد إفهام : أن الجويني نفسه صرح أن عورة الصلاة هي غاية عورة المرأة ، التي ليس بعدها عورة لها ، حيث ذكر عورة المرأة أمام المحارم ، فقال : (( فما هو عورة من الرجل يجب أن يكون مستوراً [منها] أبداً، وعليها وراء ذلك رعاية [هيئة، وأخذ ريبة] وإذا لابست الصلاة ، راعينا نهايته ، ولا تكلف ذلك في تصرفاتها ، فيشق عليها)) .

    فيذكر الجويني في هذا النص أن عورة المرأة أمام المحارم هي عورة الرجل أمام الرجل (من السرة إلى الركبة) ، وأن عليها مع ذلك ما يزيد على هذا الحد أمام المحارم ، مما يدخل في حفظ كرامتها وإبعادها عن الريبة . ثم قال –وهنا موطن الشاهد - : ((وإذا لابست الصلاة ، راعينا نهايته)) ، أي : راعينا نهاية ما يجب ستره من العورة . فهذا نص واضح أن عورة المرأة عند الجويني التي نصت عليها الشريعة هي عورة الصلاة ، وهي المرأة كلها ما عدا وجهها وكفيها ، وأن هذه هي أعلى صور الستر الواجب بنص الشرع عنده .

    ونخلص من ذلك : أن عورة النظر ليست هي عورة المرأة ، وإنما هو ما يحرم على الرجل النظر إليه من المرأة ، وأن الخلط بينهما خلط بين حكمين منفصلين ، فلا دليل أحدهما هو دليل الآخر ، ولا سبب الحكم بأحدهما هو سبب الحكم بالآخر .

    أما هؤلاء القوم الذين يريدون إغلاق باب الاجتهاد على اختيارهم وحدهم فإنهم يجعلون عورة النظر هي عورة المرأة ، وهنا مكمن الخطأ .

    وحتى يتبين الفرق بصورة أوضح ، لمن لم يظهر له الفرق مما سبق ، تنبه لما يلي :

    3-عامة من رأى من المتأخرين منع النساء من كشف الوجه مع تصريحهم بأن وجهها وكفيها ليسا بعورة ، يصرحون بأنهم قالوا ذلك سدا للذريعة ، أو لفساد الزمان ، ويقصدون بذلك إذا خرجت للطرقات ومشت في الأسواق ؛ لأنه لا يمكنهم أن يفسروا الزينة الظاهرة التي يجوز إبداؤها بالوجه والكفين ثم يحرمون مطلقا إبداءهما . وقد ينص على هذا القيد بعضهم ، أو يظهر ذلك من مثل قولهم : يحرم كشف الوجه بسبب فساد الزمان ، ففساده لا يضرها لو كانت في بيتها ، ولا يُلزمها في بيتها بستر وجهها .

    وهنا يظهر الفرق بين عورة الصلاة (التي هي عورة المرأة) وعورة النظر : فعند هؤلاء العلماء سيكون حكم عورة النظر يختلف عن حكم عورة المرأة :

    - فعورة النظر : يختلف حكمها باختلاف كثرة الفساد وقلته ، وباختلاف احتمال وقوع الفتنة بها من عدم وقوعها .

    - أما عورة المرأة : فلا تختلف باختلاف ظهور الفساد وخفائه ؛ لأن عورة المرأة حددها الشرع ، وأما عورة النظر فيحددها الواقع والمصالح والمفاسد والاجتهاد في ذلك من العلماء .

    فمثلا : عند من يرى أن عورة المرأة لا توجب ستر الوجه والكفين إلا بسبب الفساد ، لن يمنع المرأة أن تكشف وجهها في بيتها بمحضر أجنبي عنها (وبغير خلوة به) إذا كان الأجنبي من أهل الصلاح ، كما ثبت عن الإمام مالك في الموطأ ، أنه أجاز ذلك ، وسبق نقله عنه ، مع تفسير القاضي عياض لكلامه .

    وقال الخلال في أحكام النساء من كتابه الجامع : (( أخبرنا عبد الله بن أحمد، قال: حدثنا هارون - يعني: ابن معروف - قال: حدثنا ضمرة، قال: ابن شوذب ، ذكره عن مطر قال : لقد كُن النساء يجلسن مع الرجال في المجالس، أما اليوم؛ فإن الأصبع من أصابع المرأة تفتن)).

    وهذا أثر حسن الإسناد إلى مطر الوراق (وهو من صغار التابعين الفقهاء الزهاد : ت129هـ) ، يبين فيه حال السلف الذين أدركهم ، ويبين فيه الفرق بين حكم مؤبد لوروده في الشرع وحكم يختلف باختلاف الأحوال . وقوله ((الأصبع)) يبين أن هذا مما كان لا يُستر في مجالس الرجال والنساء ، بل هو يبين أن ما كان يُكشف أكثر من الأصبع بكثير ، وهو محمول على الوجه ؛ لأنه أراد بيان شدة الفرق بين من أدركهم في سالف عصره ومن أدركوه في آخره ، وأن أدنى ما كان يُكشف أصبح مثارا للفتنة .

    والمقصود الآن هو بيان أن هناك فرقا بين عورة المرأة التي حددها الشرع وعورة النظر التي حدد بعضها الشرع وحدد بعضها الاجتهاد المنوط باختلاف الأحوال .

    فإن قيل : فإن كان الفساد ألزم باختلاف الحال منذ الجيل الأول ، فكيف تبيحون ما حرمه الجيل الأول ؟

    قلنا :

    أولا : يجب أن نفرق بين تحريم الشرع بنصه وتحريم الاجتهاد ، هذا ضروري للتفقه وحسن التفكر في المسألة .

    ثانيا : لم يتفق الجيل الأول على التحريم ، ولا من جاء بعدهم . هذا لو كان كلام مطر الوراق يدل على التحريم ، وهو لا يقطع به . فهذا الإمام مالك ، وهو بعد زمن مطر الوراق يجيز للمرأة أن تجالس مع زوجها أجنبيا ويؤاكلانه في سُفرة واحدة ، وعلل القاضي عياض ذلك بقوله : ((وهذا ليس فيه إلا إبداء كفيها ووجهها، وذلك مباح منها النظر إليه لغير تلذذ ومداومة لتأمل المحاسن)) .

    وهذا الجويني يميل إلى التحريم ، ويبيحه القاضي عياض من المالكية ، ويقره النووي في شرح مسلم ، ويوافقه ابن مفلح من الحنابلة .

    وما دام الأمر اجتهاديا ، لا يرجع إلى نص يوجب ستر الوجه والكفين ، فسيبقى اجتهاديا ، لا يجوز الحجر فيه على الرأي المخالف .

    وليست سياسة منع انتشار الفساد بمنع المباح هي السياسة الوحيدة ، بل هناك سياسات أخرى ، بها ساس العالم الإسلامي الذي يبيح كشف الوجه والكفين أحواله منذ قرون .

    ثم لا يصح أن نتصور أن حكما شرعيا لم يصلح ولن يصلح تطبيقه أبدا إلا في زمن الصحابة ! فأي استدراك على الشرع أكبر من ذلك ؟! وأي نسبةٍ للنقص والفشل إلى شرع الله (حاشاه) أشد من أن نقول : إن عورة المرأة في الشرع لم يصح أن تُكشف إلا في الجيل الأول ، ثم تبين أن هذا الحكم لم يعد يُصلح حال الناس منذ ألف وثلاثمائة سنة حتى اليوم !!

    كل الذي نريده من القوم أمرين :

    1-أن يدعوا الكذب بمثل نفي وجود كلام لأئمة المذاهب يستثني الوجه والكفين من عورة المرأة ، وبمثل ادعاء اتفاق العلماء أو عامتهم أن الوجه والكفين عورة ، وأن خلاف ذلك قول شاذ غير معتبر .

    2-أن يعترفوا بأن الأمر بوجوب ستر الوجه والكفين عندهم أمر اجتهادي ، فلا ينكرون على من خالفهم . فهو أمر اجتهادي : إما لأنهم يظنونه هو الواجب شرعا (ظنا لا قطعا) ، وإما لأنهم يعدونه عورة النظر اجتهادا وسياسة ، لا لكونه مما يجب ستره بنص الشرع ، ليكون هذا منهم واضحا في أنه رأي واختيار ، وليس حكما شرعيا مؤبدا .

    الشريف حاتم بن عارف العوني

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

المفضلات

المفضلات

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •  

RSS RSS 2.0 XML MAP html  PHP  info tags Maps maptags vbmaps

الساعة معتمدة بتوقيت جرينتش +3 . الساعة الآن : 18:35.
الموقع غير مسؤول عن أي اتفاق تجاري أو تعاوني بين الأعضاء
فعلى كل شخص تحمل مسئولية نفسه إتجاه مايقوم به من بيع وشراء وإتفاق وأعطاء معلومات موقعه
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي موقع الأشاعرة و لا نتحمل أي مسؤولية قانونية حيال ذلك (ويتحمل كاتبها مسؤولية النشر)
الساعة الآن 05:17 AM
Powered by vBulletin® Version 4.2.3
Copyright © 2019 vBulletin Solutions, Inc. Translate By soft