إذا كانت هذه زيارتك الأولى يرجى الاطلاع على الرابط التالي الأسئلة ولكي تتمكن من كتابة مواضيع وإرسال رسائل خاصة لابد لك منالتسجيل
النتائج 1 إلى 3 من 3

الموضوع: مقارنة بين النظم السياسي

  1. #1
    فيصل عساف
    Guest

    مقارنة بين النظم السياسي

    مقدمة
    تباينت النظم السياسية الوضعية منها والربانية في هياكلها الكلية، وفي كثير من فروعها وتطبيقاتها، تبعاً لاختلاف أسسها الجذرية ومنطلقاتها التي تنطلق منها، ومبادئها التي تنبعث عنها.
    وكما سبق بيانه في المقارنة بين المذاهب الاقتصادية نجد هنا أيضاً أنه ليس معنى تباين النظم السياسية، أنها تتنافر وتتباين في كل أجزائها وعناصرها وتطبيقاتها، بل قد تتلاقى وتتشابه في بعض كل ذلك، وتلاقيها وتشابهها في بعض الأجزاء والعناصر والتطبيقات لا يلغي تباينها في هياكلها الكلية، والمجمل العام لكل منها.
    وأنواع النظم السياسية ثلاثة أصول:
    النوع الأول: هو نظام الحكم الرباني، الذي هو صراط سوي وسط على قمة، فهو النوع الأول الأعلى.
    ولهذا الصراط وسط مرتفع تقع فيه مرتبة الإحسان، وصورته المثلى نجدها في حكم الرسول محمد صلى الله عليه وسلم وحكم الأنبياء الذين كان لهم حكم في أمتهم. ومرتبة الإحسان مرتبة ذات درجات.
    ودون مرتبة الإحسان تأتي مرتبة البر، وهي أيضاً ذات درجات، ومن
    أمثلتها حكم الخلفاء الراشدين، وحكم عمر بن عبد العزيز، وقد ترقى طائفة من تصرفاتهم إلى مرتبة الإحسان.
    ودون مرتبة البر تأتي مرتبة التقوى، والإخلال بواجبات هذه المرتبة إخلال بنظام الحكم الإسلامي.
    وقد سبق بيان أسس هذا النظام الإسلامي ومفاهيمه العامة.
    النوع الثاني: النظم المنحدرة عن يمين صراط الإسلام، وهي النظم المنحازة انحيازاً مسرفاً إلى الحكم الفردي أو الشبيه به، وله طابع الاستبداد، وتندرج هذه النظم تحت اسم النظم الاستبدادية (=الديكتاتورية) .
    والحكم الفردي الاستبدادي (الديكتاتوري) المطلق الذي لا قيود عليه يقع في أسفل المنحدر وحضيضه. ونظيره حكم العصابة.
    وفوقه قليلاً حكم الحزب المستبد الذي لا قيود عليه، وهو بطبيعة الحال مهما اتسعت قاعدة الحزب فإنه لا يمثل معظم أفراد الشعب المحكوم تمثيلاً حقيقياً قائماً على حرية اختيار، لأن الشعوب لا يمكن أن تتفق أكثريتها على أن تختار بحريتها أن تُحكم بحكم استبدادي (=ديكتاتوري) سواءٌ أكان المستبد فرداً أو عصابة أو حزباً.
    ويرتقي الحكم فوق ذلك درجات تناسب القيود التي توضع على الحاكم (فرداً أو عصابة أو حزباً) فتخفف من استبداده (=ديكتاتوريته) سواء أكانت هذه القيود ربانية، أو مبادئ إنسانية عامة متفقاً عليها، أو كانت موضوعة من قبل الشعب المحكوم لتحقيق المصالح العامة له أو لمبادئه.
    وكلما زادت القيود على تصرفات الحاكم، فقللت من استبداده، رعاية للمصلحة العامة الدينية أو الدنيوية، واحتراماً لإرادة الشعب المحكوم وحرياته المشروعة، ارتفع النظام حتى يكون قريباً من القمة التي يحتلها نظام الإسلام في الحكم، لكنه مهما سما فلن يصل إليها.
    ويتلخص الحكم الديكتاتوري: بأنه الحكم الاستبدادي المطلق الذي يكون الحاكم فيه هو المرجع في كل شيء يتعلق بالحكم، وتكون إرادة الحاكم فيه هي الإرادة التي يجب أن تنفذ دون معارض. ويكون الحاكم فيه هو الدستور، وهو القانون، وهو النظام، وهو الآمر الناهي في كل شيء.
    والقيود التي تضعها على أنفسها بعض الدول الديكتاتورية، أو الحكام الديكتاتوريين، إنما هي قيود ترضية للجماهير، أو قيود خداع وتضليل، أو قيودٌ حقيقية ألجأتهم إليها الضرورة التي لا يستطيعون بدونها أن يحكموا ويحموا أنفسهم، وإلا ثار عليهم أنصارهم، أو ثار الشعب ضدهم، فسقطوا عن سلطانهم.
    ونماذج الحكم الديكتاتوري كثيرة في التاريخ.
    النوع الثالث: النظم المنحدرة عن يسار صراط الإسلام، وهي النظم المنحازة انحيازاً مسرفاً إلى تفويض كل أمر الحكم، في وضع دستور الأمة، وقوانينها، وتشريعاتها، واختيار حكامها، للشعب المحكوم نفسه، أي: لأكثريته، دون نظر لأي اعتبار آخر.
    وتسمى النظم الشعبية (=الديمقراطية) .
    ويقع في أسفل المنحدر وحضيضه، النظام المسرف في تفويض الأمر للشعب، الذي يدخل فيه العالم والجاهل، والأحمق والعاقل، والراشد والسفيه، والذكي والغبي، والتقي والفاجر، والصالح لإبداء الرأي وغير الصالح.
    ولكن قلما يحدث هذا، لأن الديمقراطيات جلها بل كلها تستبعد عناصر لا تراها صالحة للمشاركة، كالصغار والمجانين وغير الراشدين، ونحو هؤلاء.
    وهذا النوع من الحكم شبيه بالفوضى، وشروره كثيرة، ويستبد به غالباً مجموعة من الشياطين، الذين يستطيعون تحريك أكثرية الجماهير من
    عواطفها الرعناء، لا من عقولها الواعية، ثم يسوقونها ليحققوا مآربها الخاصة عن طريقها وهي غافلة، ويكون مثل هذا النظام في واقع الحال نظاماً ديكتاتورياً بقناع شعبي ديمقراطي.
    وعندئذٍ يتشابه في الحقيقة أسفل المنحدر الواقع وراء يمين صراط الإسلام، مع أسفل المنحدر الواقع وراء يسار صراط الإسلام. وتتشابه أعمالهما في الواقع المطبق، أما الديكتاتوري فيقهر إرادة الشعب بسلطان القوة، كاشفاً وجهه الديكتاتوري. وأما الديمقراطي المزور فيقهر إرادة الشعب الحقيقية بسلطان غوغائية الجماهير غير الواعية، وقد وضع على وجهه الديكتاتوري الحقيقي قناعاً من وجه ديمقراطي.
    ويرتقي فوق هذا النوع من الحكم في اتجاه القمة الحكم الشعبي الديمقراطي الذي يستبعد من المشاركة في قضايا الحكم وقوانينه ونظمه واختيار الحكام غير الصالحين للمشاركة.
    وكلما كانت شروط المشاركة في قضايا الحكم أقرب إلى تحقيق الحق والعدل والمصلحة العامة الدينية والدنيوية، كان النظام أكثر ارتقاءً في الدرجات باتجاه القمة.
    ومهما يكن من أمر فما دام حكم الله المنزل في الدين الحق مستبعداً من النظام، فلن يصل نظام ديمقراطي إلى مستوى القمة، مهما صلحت القيود والشروط فيه، التي تستبعد الأهواء والرعونات وغير الصالحين.
    لأن الناس سيظلون بعيدين عن مطلوب الحق والعدل، متأثرين بنظراتهم الناقصات، وأهوائهم وشهواتهم ومصالح النخبة المختارة التي استطاعت أن تفوز بثقة جماهير الشعب.
    وتشير دراسات علم نفس الجماهير إلى أن عقل الجماهير في معظم الأحوال عقلٌ تبعيٌ إمعيٌ لا يفكر أفرادهم تفكيراً مستقلاً، وأن حركاته التبعية تشبه حركة القطيع من الأغنام، وإن كان فيهم أفراد ممتازون، لو انفردوا أو فرزوا لأعطوا الأفكار السليمة، ولصححوا مسيرة الجماهير بآراء صحيحة.
    وقد أدرك هذه الظاهرة علي بن أبي طالب رضي الله عنه، فقال فيما روي عنه:
    الغوغاء إذا اجتمعوا ضروا، وإذا افترقوا نفعوا.
    فقيل له: قد علمنا مضرة اجتماعهم، فما هي منفعة افتراقهم؟
    قال: يرجع أهل المِهَنِ إلى مِهَنِهم، فينتفع الناس بهم، كرجوع البناء إلى بنائه، والنساج إلى منسجه، والخباز إلى مخبزه.
    الديمقراطية الشعبية لدى الماركسيين:
    أما الديمقراطية الشعبية لدى الماركسيين، فالنظرة الفاحصة تكشف أنها ديكتاتورية صارمة جداً، مقنعة بدعاوى الديمقراطية الشعبية.
    وذلك لأن الماركسيين يخصصون ابتداءً هذه الديمقراطية بديمقراطية العمال والكادحين، الذين يرون أنهم هم أصحاب المصلحة الحقيقية من الثورة، ويعزلون عنها سائر طبقات الشعب، فليست هي إذن ديمقراطية عامة لكل الشعب.
    ثم يخصصون ثانياً ديمقراطية العمال والكادحين بالحزب الشيوعي الحاكم.
    فإذا نظرنا إلى الحزب الشيوعي الحاكم، ونظيره الأحزاب الاشتراكية السائرة على منهجه، وجدنا أنه ذو نظام هرمي صارم، كالنظام الهرمي الموجود في أشد أنظمة الجيوش العسكرية صرامة وإلزاماً واستبداداً. والديمقراطية فيه إن وجدت فهي محصورة ضمن الحلقات الصغرى جداً، ومن لا يرضى عنه صاعد الهرم وفق التسلسل فلا مشورة له ولا رأي، ويأتيه الطرد الصارم بأوامر عليا، وكل رأي لا يرضى عنه صاعد الهرم فهو مرفوض. فرجع الأمر كله إلى ديكتاتورية صارمة جداً، ضمن نظام بالغ الدقة، شديد المراقبة والمحاسبة من قمة الهرم.

    المقارنة


    لما ثار دعاة الديمقراطية على الديكتاتورية والديكتاتوريين، توجه المفكرون القانونيون والسياسيون والاجتماعيون، يعرفون الديمقراطية ويشرحونها ويبينون أساسها الفلسفي، ويفصلون عناصرها.
    ويحسن أن أجعل استعراض تعريفها وعناصرها الرئيسية أساساً للمقارنة.
    أما الديكتاتورية فليس لها من العناصر إلا الاستبداد المطلق أو المخفف ببعض القيود، فهي لا تصلح أساساً للمقارنة التفصيلية، فالمستبد فرداً كان أو عصابة أو حزباً أو طبقة اجتماعية، لا بد أن يستغل الحكم لصالح نفسه، ويتبع فيه هواه وشهواته، ضد مصالح سائر الشعب، ولا يبقى للشعب إلا الترضيات والإرهاب اللذين يقعدانه عن الثورة على الحكم.
    وتكفي هذه المقولة لبيان عدم صلاحية الحكم الديكتاتوري لحكم الناس بالعدل، مهما صلح حال الحاكم، لأنه سيظل عرضة لهواه أو هوى أنصاره وأعوانه في الحكم، وعرضة لخطأ كثيرة يتحمل فيه وحده المسؤولية كلها.
    لكن الناس مفتونون بالديمقراطية لإغراءاتها الكثيرة، وإيجابياتها في بعض عناصرها. فلتكن إذن هي محور المقارنة.

    المقارنة الأولى

    تُعرّف الديمقراطية في الحكم بأنها "حكم الشعب نفسه، بنفسه، لنفسه" أو "حكم الشعب للشعب ومن الشعب".
    وهذا التعريف يفيد أن الشعب هو مصدر كل السلطات التشريعية، والتنفيذية والقضائية.
    فالشعب هو واضع دستور حكمه، وهو واضع القوانين، والشرائع والنظم، وهو الذي يختار حكامه بإرادته الحرة.
    وحين يطلق الشعب فالمراد أكثرية من له حق الانتخاب والمشاركة في الرأي والإرادة.
    والمراد من حكم الشعب نفسه، بنفسه، لنفسه، أن الشعب هو الذي يختار حكامه بإرادته الحرة، وهو الذي يوافق أو لا يوافق على دستور حكمه، والقوانين والشرائع والنظم التي يجب على حكامه المنتخبين أن يلتزموا بها.
    فالحكم الديمقراطي بمقتضى تعريف الديمقراطيين له يلاحظ فيه أمران:
    الأمر الأول: استبعاده حق الله الذي له الحكم كله أصلاً، وبأمره تأتي سلطة كل من له سلطة من بعده.
    وبسبب هذا يكون الحكم الديمقراطي مبايناً للحكم الإسلامي، لأننا قد عرفنا سابقاً أن الحكم الإسلامي قائم على أن الأصل في الحكم إنا هو لله وحده.
    الأمر الثاني: عدم إقرار الحكم الديمقراطي بأحكام الشرع ووجوب تنفيذها أولاً. وهي الأحكام الشاملة لأحكام الله وأحكام رسوله صلى الله عليه وسلم واستنباطات المجتهدين من فقهاء المسلمين الذين يستنبطون أحكام الشرع بالاجتهاد الذي أذن الله لهم به.
    وبسبب هذا أيضاً يكون الحكم الديمقراطي مبايناً للحكم الإسلامي، فالحكم الإسلامي - كما سبق بيانه - يفرض أولاً العمل بكل حكم شرعي ثابت بدليل قطعي، أو بدليل ظني اتفق عليه معظم فقهاء العصر الذين هم أهل للاجتهاد أو الترجيح، بالاستناد إلى الأدلة الشرعية.
    ثم يعطي لجماعة المسلمين المؤهلين أن يضعوا النظم الإدارية التي يرونها أصلح وأنفع وأكثر خيراً للناس، بشرط ألا يعارض شيء منها حكماً
    شرعياً ثابتاً، ولو كان حكم إباحة ورد فيه عن الشارع بيان.
    إذن: فالحكم الديمقراطي بموجب تعريفه وتطبيقاته حكم يعزل الدين عزلاً كلياً عن شؤون الحكم، ويستبعده عنها استبعاداً تاماً، فهو بهذا شبيه بالعلمانية.
    ويغفل بعض الإسلاميين، فينظرون إلى مفهوم جزئي من مفاهيم الديمقراطية، كحق الشعب في اختيار حكامه، وبعض الحريات المقررة فيها، فيقبلون بها قبولاً عاماً، ويدعون إليها دون تحفظ، ويقعون في غلطة التعميم الفاسد، ثم ينساقون في حكم غير إسلامي، ثم يصطدمون بصراعات كثيرة مع الديمقراطيين، حينما يدخلون في تفصيلات الحكم، كوضع دستور البلاد، وقوانينها وتشريعاتها وأنظمتها، وغير ذلك من أمور كثيرة تقرها الديمقراطية، ويرفضها الإسلام.
    مثالب عزل الديمقراطية للدين:
    يلاحظ الباحث الناظر في أنواع الحكم الديمقراطي وصوره ما يلي:
    أولاً: إن التزام هذا الحكم بإعطاء الشعب سلطات التشريع والتقنين والتنظيم كلها، دون أخذ شرائع الله المنزلة أولاً، يجعل الدساتير والقوانين والتشريعات خاضعة لأهواء الكثرة من الشعب، أو لأهواء الذي انتخبهم الشعب ليعبروا عن إرادته، أو يكونوا وكلاءه.
    فنجم عن ذلك تشريعات إباحة نشر الإلحاد والكفر بالله في الدول الديمقراطية، لأن أكثر الشعب أو أكثر المنتخبين من قبل الشعب يرغبون في ذلك، وتشريعات إباحة الزنا القائم على تراضي الطرفين، ولو كان ذلك في الشوارع العامة، والحدائق العامة، وعلى ضفاف الأنهر، دون توارٍ أو تستر. وإباحة اللواط، وجعله عملاً يحميه القانون، ما دام قائماً على تراضي الطرفين، حتى أقرت بعض هذه النظم أن من حق الذكر أن يعقد عقده على ذكر آخر، كما يتم الزواج بين رجل وامرأة، وإباحة سائر المشروبات الكحولية، لأن أكثرية الشعب ترغب بذلك. وإقرار الربا وما تُكتسب به من
    حقوق، وإقرار القمار، وكثير من الحريات الشخصية المهلكة، لأن أكثرية الشعب تريد ذلك.
    فمبدأ الديمقراطية: أن الشعب هو الذي يحكم نفسه، بنفسه، لنفسه. فهو صاحب السلطة في وضع الدستور، وكل القوانين والشرائع والنظم.
    وانتشر بسبب ذلك فساد عريض في الأرض، وهذا الفساد المنتشر منذر بدمارٍ ماحقٍ لهذه الشعوب.
    ثانياً: لما علمت شعوب الديمقراطية أنها هي صاحبة السلطات كلها، أرادت أن تمارس حقها. فاتجه كل الطامعين بالسلطة، من المؤهلين للحكم وغير المؤهلين، وكل أصحاب الأهواء والشهوات والنزعات والنزغات، يعملون بكل ما أوتوا من ذكاء خبيث وحيلة شيطانية للوصول إلى الحكم، وانطلقت في مضمار الحيل أساليب خداع الجماهير، وتزوير إرادتهم، بكل عمل غير أخلاقي.
    وصارت السياسة والعمل فيها صورة جامعة للكذب، والخداع، والنفاق، وإطلاق الافتراءات، وتجريح الآخرين بغير حق، وطلباً للمنافع والمصالح الخاصة، وصراعات شخصية وحزبية، بغية الوصول إلى الحكم لتحقيق المنافع الشخصية، والأهواء، والشهوات، والعلو في الأرض.
    وأسست الأحزاب كي يمارس الشعب الديمقراطية ممارسة منظمة، وقامت بينها الصراعات والصدمات، ودبت بسبب ذلك الفوضى في كثير من البلدان.
    وتعرضت الأحزاب لشراء ضمائرها أو ضمائر زعمائها، من قبل أصحاب الأهواء والمصالح، من الداخل أو من الخارج، ثم لما وصلت إلى الحكم، وجدت نفسها مضطرة لتحقيق أهواء ومصالح الذين اشتروا ضمائرها، على خلاف مصلحة الشعب الذي أوصلها بأصواته إلى سدة الحكم.
    وبعض هذه الأحزاب حققت مصالح المنظمات اليهودية العالمية التي اشترت ضمائرها، أو مصالح الدول الاستعمارية التي اشترت ضمائرها، أو مصالح طبقة خاصة من طبقات الشعب، كالرأسماليين أو غيرهم، حينما وصلت إلى سدة الحكم.
    وكانت التنظيمات الحزبية الديمقراطية المخادعة للشعب بالأكاذيب والتضليلات والوعود التي لا يراد تنفيذ شيءٍ منها، بمثابة قناع ديمقراطي تم عن طريق تزوير إرادة الشعب.

  2. #2
    فيصل عساف
    Guest

    المقارنة الثانية و الثالثة و الرابعة

    المقارنة الثانية
    تنظيم تطبيق الديمقراطية الغربية يصور بثلاث صور:
    الصورة الأولى: الديمقراطية المباشرة، وهي التي يباشر فيها الشعب جميع السلطات التشريعية التنفيذية والقضائية، من غير وساطة ممثلين له.
    لكن هذه الديمقراطية المباشرة متعذرة التحقيق، إلا في أحوال نادرة، وبخصوص المؤهلين لممارستها فقط، وفي المجتمعات الصغرى، أو في الجمعيات والمؤسسات الخاصة والأحزاب والدوائر المحدودة.
    الصورة الثانية: الديمقراطية النيابية، وهي التي ينتخب فيها المؤهلون للانتخاب من الشعب نُوّاباً عنهم، يمارسون عنهم وضع التشريعات والقوانين والنظم، ويمارسون عنهم أيضاً انتخاب حكامهم. ولهذه الممارسات صور متعددة.
    الصورة الثالثة: الديمقراطية الجامعة بين المباشرة والنيابية، وهي التي يباشر فيها المؤهلون من الشعب بعض السلطات، كانتخاب رئيس الدولة، والموافقة على الدستور، وبعض القوانين. وينتخبون نواباً عنهم، يمارسون عنهم وضع التشريعات والقوانين والنظم، وغير ذلك من قضايا الدولة.
    موقف الإسلام من هذه الصورة التنظيمية
    أما موقف الإسلام بالنسبة إلى هذه الصور التطبيقية لتطبيق الديمقراطية، فلا نجد فيه حكماً شرعياً يمنع من تطبيق أيةٍ منها، إذا اقتضت المصلحة تطبيقها، فهي من الأمور التنظيمية المتروكة للمسلمين، ولكن تطبيق أية صورة منها مقيد بشرطين:
    الشرط الأول: عدم ممارسة الشعب أو ممثليه لشيءٍ لم يعطهم الإسلام حقاً في ممارسته.
    الشرط الثاني: كون المشارك في الانتخاب أو في إبداء الرأي والتصويت عليه مؤهلاً شرعاً لذلك. والأهلية الشرعية تتناول الكفاية للموضوع الذي يشارك فيه، والعدالة الشرعية.
    ونلاحظ أن الإسلام ربما اتفق هنا مع الديمقراطية، في تنظيم ممارس الشعب لحقه، وفي بعض الموضوعات التي يمارس فيه الشعب السلطة، لكن يختلف معها في الموضوعات الأخرى التي لم يعطه الله فيها حقاً، بل هي من حق الله ورسوله، ومسؤولية الفقهاء المجتهدين في الرد إليهما عن طريق الاجتهاد المأذون به شرعاً.

    المقارنة الثالثة

    تقوم الديمقراطية الغربية على تمجيد الفرد، وإعطائه الأولوية في الاعتبار، ويرى مفلسفوها أن مصالح المجموع إن هي إلا عبارة عن جملة مصالح الأفراد، فعن طريق تحقيق مصالح الفرد يتم تحقيق مصلحة المجموع.
    ويدعي الشرقيون الاشتراكيون أن ديمقراطيتهم تقوم على إيثار مصلحة المجموع، في حين أنهم لدى التطبيق إنما يحققون مصلحة الأفراد الحاكمين، ومصلحة الحزب الشيوعي، تحت قناع مصلحة العمال والكادحين.
    على أن تسميتهم نظامهم نظاماً ديمقراطياً غير صحيح إطلاقاً، فهم يقررون أنه حكم العمال والكادحين، وهو ديكتاتورية طبقة، ثم يجعلون الحزب الشيوعي هو الحزب الحاكم، فانتقل الحكم إلى ديكتاتورية الحزب، ثم إن نظام الحزب نظام هرمي صارم، فرجع الأمر إلى ديكتاتورية عصابة، وروسيا في عهد "ستالين" كان حكمها من قبيل ديكتاتورية الفرد، لأن "ستالين" كان الحاكم المستبد استبداداً مطلقاً.
    موقف الإسلام

    أما الإسلام فإنه مباين في هذه النقطة لكل من الديمقراطية الغربية، والديمقراطية الشرقية معاً.
    لأنه قائم على مبدأ الحق والعدل، والحق يشمل حق الله ورسوله، وحق الدولة الإسلامية، وحق الجماعة وحق الفرد.
    والعدل يوجب إعطاء كل ذي حق حقه، دون وكسٍ ولا شطط، فلا جنوح للفرد على حساب حق الجماعة أو حق الله ورسوله أو حق الدولة الإسلامية. ولا جنوح للجماعة على حساب حق الفرد أو حق الله ورسوله أو حق الدولة الإسلامية.
    وأحكام الإسلام في نظام الحكم وقيام الدولة الإسلامية، نظير أحكامه في سائر المجالات، قائمة على الحق والعدل، والخير، والمصالح العامة والخاصة، دون ظلم أو جور أو جنف، ودون تحيز أو محاباة، والحقوق موزعة بالعدل توزيعاً خلقياً طبيعياً، وتوزيعاً شرعياً، وما ليس له حكم شرعي، يتم توزيعه توزيعاً توفيقياً حكيماً.

    المقارنة الرابعة


    أولاً: الديمقراطية الغربية تقوم على تقرير الحقوق والحريات للأفراد، ووجوب صيانتها وحمايتها، وعلى أن غاية الهيئة السياسية صيانة حقوق الإنسان الطبيعية، وهي: (الحرية - التملك - الأمن - مقاومة الظلم) .
    ويبرز الديمقراطيون الغربيون من هذه الحقوق والحريات ما يلي:
    1- المساواة المدنية أمام القانون، والقضاء، والوظائف العامة، والضرائب، دون تمييز بسبب العنصر، أو اللون، أو الجنس، أو اللغة، أو الدين، أو الرأي السياسي، أو أي رأي آخر، أو الأصل الوطني، أو الأصل الاجتماعي، أو الثروة، أو المبدأ، ودون تفريق بين الرجال والنساء.
    2- حق كل فرد في الحياة والحرية والأمن الشخصي.
    3- لكل فرد حرية التنقل واختيار محل إقامته داخل حدود الدولة، وأن يغادر أية بلد بما في ذلك بلده كما يحق له العودة إليه متى شاء.
    4- لكل فرد حق الأمن على نفسه وماله، فلا يجوز الاعتداء عليه إلا بمسوغ قانوني.
    5- يولد جميع الناس أحراراً متساوين في الكرامة والحقوق، فلا يجوز استرقاق استعباد أي شخص.
    6- من حق كل فرد أن لا يتدخل أحد في حياته أو أسرته أو مسكنه أو مراسلاته تدخلاً تعسفياً، وأن لا يكون عرضة لحملاتٍ على شرفه وسمعته.
    7- حرية التفكير، والعقيدة، والتعبير عن الرأي والتعليم والتعلّم واختيار المعلم، وتقديم العرائض والشكاوى مصونة لكل فرد، وهي من حقوقه.
    8- للأفراد حق عقد الاجتماعات وحضورها والتعبير عن آرائهم فيها، وحرية تكوين الجمعيات والجماعات، والانضمام إليها ولا يجوز أيضاً إلزامه بالانتماء إلى أية جمعية أو جماعة أو تنظيم أو حزب.
    9- الحرية الاقتصادية مصونة للجميع، وكل فرد حر في اختيار العمل الذي يريد، ولكل فردٍ الحق بأن يتملك ما يشاء من أدوات الإنتاج، أو المواد الاستهلاكية، وملكيته هذه حق مقدس لا يجوز المساس به، أو الاعتداء عليه، وله أن يوظف ملكيته كما يشاء، وبالطريق التي يريد.
    وحين تضطر الدولة لانتزاع ملكية فرد من أجل تحقيق المنفعة العامة الثابتة بصورة قانونية، فعليها أن تدفع له تعويضاً عادلاً، ولا تتجاوز في انتزاع الملكية الحدود المحققة للمنفعة العامة المؤكدة.
    10- لكل فرد حق الانتخاب، والترشيح مراقبة الحاكم والتصويت على عزل رئيس الدولة، وتولي الوظائف العامة وتكوين الأحزاب متى توافرت فيه الشروط القانونية لذلك.
    وقد يلاحظ أن بعض هذه العناصر لم تأخذ بها بعض الدول الديمقراطية الغربية، مراعاة لأحوال مجتمعاتها، وتدرجها في التطور.
    ثانياً: أما الديمقراطية الشرقية في الدول الاشتراكية، فهي في معظم أحوالها وتطبيقاتها، اسم دون مسمى، بل هي في حقيقة أمرها ديكتاتورية عنيفة، مع الإصرار على تسميتها ديمقراطية.
    فمن أمثلة ذلك ما يلي:
    1- يقرر دستور الاتحاد السوفياتي حرية مزاولة العقائد الدينية بشكل شخصي، لكن الدعاية للدين ممنوعة، أما الدعاية المضادة للدين فمعترف بها لسائر المواطنين (فأين المساواة؟) .
    أما في ممارسات الدولة فيضيق على كل من يلاحظ عليه انتماء صحيح للدين، وعقيدة مخالفة للماركسية، وقد يضطهد.
    2- حرية الكلام والصحافة والاجتماع والمواكب يكفلها القانون لتثبيت النظام الاشتراكي، وتدعيم الماركسية.
    وكذلك تكوين التنظيمات الاجتماعية والنقابات المهنية، والاتحادات التعاونية، ومنظمات الشباب، ومنظمات الرياضة والدفاع، والجمعيات الثقافية والفنية.
    ولكنها جميعاً تضبطها الدولة، وتشرف عليها، وتوجهها، وتنتقي عناصرها، وتسيرها في جداول محددة، فهي في الواقع مسلوبة الحرية. على أن هذه الحرية الموجهة المقيدة في هذه المجالات لا يكفلها القانون إذا لم تكن لتثبيت النظام الاشتراكي.
    فأين الحرية إذن؟ وأين المساواة بين أفراد الشعب؟
    3- الحريات الاقتصادية لا وجود لها في الديمقراطية الشرقية.
    موقف الإسلام:

    أما موقف الإسلام بالنسبة إلى الحقوق والحريات فله في كل قضية جزئية من هذه القضايا حكم خاص، يراعى فيه حق الله على عباده، وحق الدولة الإسلامية، وحق الدين وتأييده ونشره، وحق جماعة المسلمين، وحق الفرد المسلم، وحق الإنسان المنضوي تحت حكم الإسلام ولو لم يكن مسلماً. ويراعى فيه العدل والخير والمصلحة العامة والخاصة والتوفيق بين كل ذلك بالعدل.
    ولا يقبل الإسلام بالأحكام التعميمية الكلية، بل يعطي كل جزئية ما يناسبها من حكم.
    فمن مبادئه المقررة قبل أن تعلن الديمقراطيات مبادئها ما يلي:
    1- المساواة التامة أمام الله والدين وأحكام الشريعة والنظم العامة والقانون والقضاء، إلا ما يقضي به التكوين الفردي من الاستثناءات وتفاوت الحقوق والواجبات، كالصغار وفاقدي الأهلية، والضعفاء والعجزة والمرضى.
    2- مساواة أفراد المسلمين أمام الوظائف العامة بشروطها وأمام التكاليف المالية، ضمن النسب التي قررها الشرع أو حددها النظام.
    وبما أن الدولة الإسلامية دولة ملتزمة بدين، وله عقيدة ومبادئ وأحكام منهج حياة، فإن كل من دان به والتزم شروطه كان من حقه أن يكون متساوياً مع غيره من المسلمين في فرص العمل في وظائف الدولة، متى تحققت فيه شروط الوظيفة التي يطلبها.
    أما من لم يدن بالإسلام فأمر توظيفه في الدولة الإسلامية يتبع حاجة الدولة الإسلامية له، لكن ليس له حق طبيعي في ذلك. وحقه الطبيعي إنما هو في الحياة، وفي اختيار عمل يكسب به رزقه ضمن النظام العام، وضمن الحدود التي لا تضر بمصلحة الدولة أو مصلحة المجتمع، فمن حق
    الدولة الإسلامية التي قبلت أن يكون ضمن رعاياها أن تفرض عليه نظامها العام، ومن حقه عليها أن تحميه، وتعطيه حرية الكسب المشروع.
    3- حق كل فرد من أفراد المجتمع الإسلامي، ومن أفراد رعايا الدولة الإسلامية في الحياة والأمن الشخصي على نفسه وماله، ما لم يأت بما يوجب عليه القصاص أو يوجب عقابه أو تغريمه.
    4- حرية العقيدة وحرية العبادة المصونة، لكن لا يسمح لمواطن الدولة الإسلامية بنشر الإلحاد والكفر بالله ومقاومة الدين والطعن فيه أو في أحكامه الثابتة.
    5- كل فرد في الدولة الإسلامية حرٌّ في ممارسة ما أباح الله ورسوله فعله أو تركه بحكم شرعي جاء فيه بيان. وليس حراً في أن يجاهر بفعل المحرمات وترك الواجبات إذا كان من المسلمين، وليس له في ذلك رخصة مشروعة، وإلا كان عرضة للمؤاخذة أو العقاب من قبل الدولة الإسلامية.
    وإذا كان من غير المسلمين فليس حراً في المجاهرة بالمحرمات التي يفتتن بها المسلمون إذا انتشرت بينهم، كشرب الخمور علناً، وفتح مؤسسات تجارية لبيعها، وكإعلان الفحش، وممارسة المخالفات التي يتفق عليها الإسلام ودينه الذي يدين به.
    6- للمسلم حق التعبير عن رأيه الذي له أن يجتهد فيه ويقدم فيه رأياً. أما آراء الإلحاد والكفر بالله وما يخالف الأحكام الدينية المجمع عليها، فالتعبير بالرأي المخالف لها ردة عما سبق أن آمن به، بعد أن أعلن إسلامه، وأعطى عهده وميثاقه على الالتزام بكل عقائده الثابتة، وأحكامه المجمع عليها.
    ومن حق المسلم في التعبير عن رأيه حقه في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولو في مواجهة الحكام والسلاطين.
    7- المساكن في الإسلام مصونة، فلا يجوز لأحد التجسس على أي فرد وهو في مسكنه الخاص، ولو حامت حوله الشبهة بأنه يرتكب الكبائر
    الشخصية، ولو كان المتجسس أمير المؤمنين نفسه.
    وقد تستثنى حالات الاشتباه بالخيانة العظمى، التي تهدف إلى تقويض الدولة الإسلامية، ومناصرة أعدائها عليها.
    8- لكل فرد من المسلمين الحرية في التنقل واختيار مكان إقامته في الأمكنة المفتوحة لإقامة المواطنين داخل حدود بلاد المسلمين، ولكن قد يخضع سفره إلى غير بلاد المسلمين للموافقة أو المنع من قبل الدولة الإسلامية، إذا رأت أن المصلحة تقتضي منعه، لظروف سياسية أو دينية أو اجتماعية أو اقتصادية أو غير ذلك.
    9- عرض كل مسلم مصون، فلا يجوز التعرض له بقذف أو اتهام أو غيبة، وعلى القاذف من غير بينة حد القذف المعروف بنص القرآن.
    10- لكل فرد من رعايا الدولة الإسلامية حق اختيار نوع العمل الذي يكسب به رزقه، أو الصنعة أو الحرفة التي يمتهنها، أو المعرفة التي يريد أن يتخصص فيها بشرط أن يكون ما اختاره مأذوناً به شرعاً، فلا حرية في اختيار صنعة الخمور أو صنعة التماثيل وبشرط أن يؤدي ما فرض الإسلام عليه من عمل وعلم، كالعلم الديني الواجب عليه، والعمل الاجتماعي المسؤول عنه شرعاً، مثل الدعوة إلى الله على قدر حاله علماً وكفاية، والجهاد في سبيل الله يمختلف ألوان الجهاد على مقدار كفايته واستطاعته.
    ولكن للدولة الإسلامية أن تتدخل في تنظيم الأعمال والحرف، وتوجهها، وتحدد النسب التي تتطلبها من كل منها حاجة المجتمع، حتى لا يتوجه كل الناس إلى نوع واحد أو أنواع محدودة من الأعمال والحرف والصناعات، وتبقى الحاجة لسائر الأعمال ليس لها من يسدها، ونظير ذلك في العلوم، بيد أن الأمر إذا تحقق المطلوب فيه بصورة تلقائية حرة كان أجدى وأكثر نفعاً.
    والذي يحدد مثل هذا التدخل نظام عام، يصدر عن مجالس الشورى المتخصص، والنابغة من رغبة جماعة المسلمين.
    11- انتخاب أمير المؤمنين لا يكون على أساس العرق، أو اللون، أو النسب، أو اللسان، إنما يكون على أساس توافر أحسن الصفات لتولي الإمارة، وهي:
    أولاً: وبالدرجة الأولى: التقوى، والمعبر عنها في الفقه الإسلامي بالعدالة الشرعية، فمن كان اتقى الله، وأكثر براً وإحساناً، كان أولى لها، وكان أقرب أهلية ليكون خليفة خلفاء رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي اصطفاه الله للرسالة والحكم معاً.
    وشرط التقوى يتضمن شرط الإسلام، لأنه لا يمكن أن يكون متقياً من لم يكن مسلماً.
    ثانياً: العلم الكافي لإدارة دفة الحكم، لمصالح الدين والدنيا، وسياسة الرعية، وسياسة الأمور الخارجية الدولية، وتصريف شؤون السلم والحرب، وسائر قضايا الدولة.
    ثالثاً: القدرة الإدارية والسياسية والحنكة في تصريف أمور الأمة والدولة، ومواجهة الدول، ومعالجة الأولياء والأعداء، ومن هم على الحياد.
    وتتضمن هذه الصفات العقل والذكاء والفطنة والحكمة وحسن البيان.
    فأصلح الأمة للإمارة ممن توافرت فيهم أحسن درجات هذه الصفات مجتمعة، بحسب واقع الأمة في وقت الاختيار، هو الذي يختار للإمارة وينتخب لها، وللاجتهاد دور كبير في تحديد هذا الأصلح، وهو الذي يكون أرضى لله من سواه، ومسؤولية انتخاب أو اختيار الأصلح تكون على عاتق الذين يملكون من الأمة هذا الاختيار، وهم أهل الحل والعقد، كما سبق بيان ذلك، وهو لا يكون إلا بالغاً عاقلاً ذكراً، لأن القوامة في الإسلام للرجال، "الرجال قوامون على النساء". للراشدين منهم.
    واختيار غير الأصلح سواءٌ أكان ذلك عن إهمال أو اتباع لهوى هو خيانة لله ولرسوله وللمؤمنين.
    والأصل عدم تشريح الشخص نفسه للإمارات، وعلى جماعة المسلمين أن يختاروا أصلحهم للإمارة، ثم على إمام المسلمين أن يختار الأصلح للإمارات والولايات من دون إمارته العامة.
    والدليل على ذلك ما يلي:

    روى البخاري ومسلم عن أبي موسى الأشعري قال: دخلت على النبي صلى الله عليه وسلم أنا ورجلان من بني عمي، فقال أحدهما: يا رسول الله، أمِّرنا على بعض ما ولاك الله. وقال الآخر مثل ذلك. فقال: {إنا والله لا نولي على هذا العمل أحداً سأله ولا أحداً حرص عليه} .
    وفي رواية قال: "لا نستعمل على عملنا من أراده".
    وروى البخاري ومسلم عن عبد الرحمن بن سمرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا تسأل الإمارة فإنك إن أعطيتها عن مسألة وُكلت إليها، وإن أعطيتها عن غير مسألة أُعنت عليها ".
    ولكن قد يتعذر معرفة الأصلح بالنسبة إلى مجموع من له حق إبداء الرأي وانتخاب أمير المؤمنين.
    والحل أن يشرح أهل الحل والعقد في البلدان والمواطن من يرونه الأصلح بحسب رؤيتهم، فيقومون بالتشريح المطلوب، وعرض مرشحيهم على جمهور المسلمين.
    أو يشرح إمام المسلمين القائم من يكون خليفته من بعده، كما فعل أبو بكر رضي الله عنه، إذ رشح عمر بن الخطاب للإمارة من بعده، ثم يعرض ذلك على جمهور المسلمين للموافقة والبيعة أو الرفض.
    وفي كل الأحوال لا تتم الإمامة إلا بالبيعة الصحيحة.
    12- للدولة الإسلامية أن تتفق مع الدول الأخرى على إلغاء الاسترقاق، نظراً إلى أن الإسلام حريص من جهته على عتق الأرقاء، لكن المسلمين لا يملكون إلغاءه دون اتفاق دولي على ذلك، فهو من الأمور الزمنية المتروكة للمسلمين.
    الخلاصة
    فبين الإسلام والديمقراطية في أحكام الحقوق والحريات تلاقٍ في بعض النقاط والقضايا الجزئية، وتباين في نقاط وقضايا أخرى.
    لذلك فنظام الإسلام في الحكم نظام فذٌ على قمة، وبينه وبين كل من الديكتاتورية والديمقراطية تباين، ولا يمنع ذلك من التلاقي الجزئي والتشابه في بعض النقاط.

  3. #3
    فيصل عساف
    Guest
    مثالب الديمقراطية في الحقوق والحريات:

    للديمقراطية مثالب كثيرة، منها ما يلي:
    أولاً: لا تنظر الديمقراطية إلى حقوق الله على عباده، ولا تنظر بعدل إلى الحقوق العامة، وحقوق المجتمع على الأفراد فهي منحازة بإسراف لجانب الفرد وإطلاق حريته.
    ثانياً: تخضع الديمقراطية لدى وضع الدستور والقوانين والنظم لأهواء أعضاء المجالس النيابية، واللجان التي تفوض في وضعها، أو وضع مشروعاتها.
    وغالباً ما يحرك هذه المجالس أفراد معدودون، ويوجهونها حسب أهوائهم، وبوسائلهم وأحابيلهم الشيطانية.
    وتظفر بنصيب الأسد فيها غالباً بعض الطبقات الاجتماعية، التي تسخر التطبيقات والمؤسسات الديمقراطية لصالحها، أو يظفر بنصيب أسد فيها الأفراد المحركون لها، والموجهون لمسيرتها وآرائها ومناقشاتها.
    وتتدخل عناصر (الحيلة، والذكاء، والمال، والشهوات، ومطامع المناصب، وشراء الضمائر، وتزوير إرادات الجماهير بأساليب شتى، في استغلال المجالس وتجميع الأصوات وتحريك الجماهير الغوغائية والتغشية على الأفكار والبصائر وإبعاد كل رأي صحيح عن مجال رؤية الجماهير له، وصناعة الضجيج الإعلامي المشوه للحقائق والمزين للباطل) لإقرار المواد الدستورية أو القانونية أو التنظيمية التي تحقق مصالح أصحاب الأهواء الشياطين الماهرين بأساليب استغلال التنظيمات الديمقراطية ومؤسساتها وتطبيقاتها.
    ثم لأنواع المكر والكيد التي تمارسها الأحزاب السياسية الديمقراطية تأثير كبير في جعل الحق باطلاً، والباطل حقاً، وخداع جماهير الذين يدلون بأصواتهم للموافقة على مشاريع الدساتير والقوانين والنظم، أو انتخاب الذين يتحملون الأعباء التشريعية أو الإدارية.
    هذا إذا لم يتم تزوير الانتخاب بتبديل الصناديق التي ألقى المقترعون فيها أوراق انتخابهم، بصناديق أخرى مشابهة لها في الظاهر، وما في باطنها مزور تزويراً كليا.
    وكم حدث هذا في مزاعم انتخابات ديمقراطية وكانت الحصيلة (مئة في المئة) لصالح المزور أو الآمر به، أو "99. 9%" أو نحو ذلك.
    ثالثاً: إن الديمقراطية باعتبارها تنادي بأن الدين لله والوطن للجميع، وأن شأن الأقليات في الدولة كشأن الأكثرية في الحقوق والواجبات، تمكن الأقليات من التكاتف والتناصر، لاستغلال الوضع الديمقراطي، ضد الأكثرية ومبادئها وعقائدها ودينها. وتمكنها أيضاً من التسلل إلى مراكز القوة في البلاد، ثم إلى طرد عناصر الأكثرية رويداً رويداً من هذه المراكز، بوسائل الإغراء، وبالتساعد والتساند مع الدول الخارجية المرتبطة بالأقليات ارتباطاً عقدياً أو مذهبياً أو سياسياً أو قومياً، أو غير ذلك.
    وتصحو الأكثرية من سباتها بعد حين، لتجد نفسها تحت براثن
    الأقلية، محكومة حكماً ديكتاتورياً ثورياً من قبلها، مع أنها لم تصل إلى السلطة إلا عن طريق الديمقراطية.
    لقد كانت الديمقراطية بغلة ذلولاً أوصلت أعداء الأكثرية وحسادها والمتربصين الدوائر بها، إلى عربة ثيران ديكتاتورية الأقلية.
    رابعاً: الديمقراطية وفق مبادئها المعلنة حقل خصيب جداً، لتنمية أنواع الكذب والخداع والمكر والحيلة والدس الخبيث والغش والخيانة والغدر والغيبة والنميمة والوقيعة بين الناس وتفريق الصفوف ونشر المذاهب والآراء الضالة الفاسدة المفسدة، إلى سائر مجمع الرذائل الخلقية الفردية والجماعية. لتتخذ هذه الرذائل وسائل وأحابيل للشياطين، حتى يستأثروا بكل السلطات في البلاد، وكل خيراتها وثوراتها وحتى يتمكنوا من مطاردة الدين وأنصاره وحماته والمتمسكين به، وإماتة الحق والخير والفضيلة.
    خامساً: الحريات الشخصية في الديمقراطية حريات مسرفة، تفضي إلى شرور كثيرة وانتشار فواحش خطيرة في المجتمع ومآلها إلى الدمار الماحق.
    سادساً: الحريات الاقتصادية في الديمقراطية حريات مسرفة، تفضي إلى عدوان المحتالين على حقوق الشرفاء ونشر الاستغلال والاحتكار، وحيل سلب الأموال وتمكين الغشاشين والمقامرين والمرابين والمحتكرين والرائين والمحتالين ومستغلي السلطة الإدارية أو العسكرية من تحقيق مكاسب مالية وفيرة بالظلم والعدوان وهضم الحقوق وأكل أموال الناس بالباطل والغلول في الأموال العامة.
    سابعاً: حق كل مواطن في المساواة السياسية في الحكم، دون شرط الإسلام والعدالة الشرعية والأهلية للمشاركة في الرأي أو المساهمة في الاقتراع أو الانتخاب والاختيار، يفضي إلى نسف دعائم الدولة الإسلامية، وجعلها علمانية غير دينية، أو تمكين الأرذال من اعتلاء سلطة الحكم،
    وتحويل الدولة إلى دولة فساد وإفساد، وفسق وفجور، وفحش في الأقوال والأعمال، وشر كبير.
    وقد يلعب أعداء الأمة بالجماهير غير الواعية، فيركبون ظهورها، ويصلون بذلك إلى حكم الشعب رغم إرادته، عن طريق تزوير إرادته نفسها.
    ثامناً: حق الفرد في تشريح نفسه للحكم في الديمقراطية، يجعل طلاب مغانم الحكم يتنافسون عليه، ويتقاتلون من أجله، ويسلكون مسالك كثيرة غير شريفة للوصول إليه، ويبذلون أموالاً طائلة، أملاً بأن يعوضوها أضعافاً مضاعفة، متى ظفروا بالحكم.
    هذه بعض مثالب الديمقراطية ويمكن استخراج مثالب أخرى لها، قد يهتدي إليها الباحث المنقب المجرب.
    مثالب الديكتاتورية:


    كل ما سبق من مثالب الديمقراطية، فهو دون مثالب الديكتاتورية وشرورها وويلاتها، فالديكتاتورية ربوبية إنسانية يحكمها الهوى في معظم أحوالها.
    وإذا وازنا بين الشرين وجدنا الديمقراطية أهون شراً بنسبة كبيرة.
    نظام الحكم الإسلامي الصحيح:
    أما نظام الحكم الإسلامي فهو برئ من مثالب الديمقراطية ومثالب الديكتاتورية، وجامع الفضائل كلها، ومتميز بخصائص وفضائل لا يمكن أن توجد في غيره. أهمها الأحكام الربانية والأحكام الشرعية المقتبسة منها، التي يخضع لها الحكام والمحكومون على سواء، ويحاسب على الالتزام بها واتباع منهجها الحكام والمحكومون على سواء. ثم ما في نظام الإسلام من منح كل فرد حق الرقابة على تطبيق أحكام دين الله، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والنصيحة لله ولرسوله ولأئمة المسلمين
    وعامتهم. ضمن الشروط الشرعية لذلك والأساليب التي أوصى الإسلام بها.
    ولا أقصد بنظام الحكم الإسلامي كل واقع تطبيقي انتمى إلى الإسلام، ففي كثير من مظاهر الحكم التي انتمت إلى الإسلام مخالفات لمنهاجه، ولأحكامه، وإنما أعني بالدرجة الأولى النظام المبين في تعاليم الإسلامية الثابتة.
    أما التطبيق فالصورة المثلى له والتي بلغت درجة الإحسان هي صورة عصر الرسول صلى الله عليه وسلم.
    ثم عهد الخلفاء الراشدين الأمثل فالأمثل.
    ثم ما كان من صور الحكم على منهاج الرسول صلى الله عليه وسلم فخلفائه الراشدين من بعده، فالأنظمة المتقيدة بأدنى الواجبات.
    وليس نظام الحكم الإسلامي أمراً مثالياً خيالياً غير قابل للتطبيق، بل هو ميسور التنفيذ متى وجد المؤمنون به، والمتحمسون لإقامته، ووجدت الأمة الراضية بإقامته ولو خالف أهواءها.
    وليس بلازم أن نتصور تطبيق درجة الإحسان مرة واحدة بل يكفي أن نبدأ بمرتبة التقوى حتى نستوفي حقها، ثم ننتقل إلى مرتبة البر ودرجاتها، ثم إلى مرتبة الإحسان إن استطعنا.

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

المفضلات

المفضلات

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •  

RSS RSS 2.0 XML MAP html  PHP  info tags Maps maptags vbmaps

الساعة معتمدة بتوقيت جرينتش +3 . الساعة الآن : 18:35.
الموقع غير مسؤول عن أي اتفاق تجاري أو تعاوني بين الأعضاء
فعلى كل شخص تحمل مسئولية نفسه إتجاه مايقوم به من بيع وشراء وإتفاق وأعطاء معلومات موقعه
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي موقع الأشاعرة و لا نتحمل أي مسؤولية قانونية حيال ذلك (ويتحمل كاتبها مسؤولية النشر)
الساعة الآن 02:41 AM
Powered by vBulletin® Version 4.2.3
Copyright © 2020 vBulletin Solutions, Inc. Translate By soft