الأشياء قبل ورود الشرع فيها، قيل: على الوقف، فالسماع لا يقدم عليه. وقيل: على الإباحة، فالسماع مباح، وقيل: على المنع، فالسماع ممنوع. وقد اختلف فيه الصوفية بالثلاثة الأقوال، كاختلاف الفقهاء. وقال الشيخ أبو اسحق الشاطبي رحمه الله: (السماع ليس من التصوف بالأصل ولا بالعرض، إنما أخذ من عمل الفلاسفة)، انتهى بمعناه.
والتحقيق أنه شُبهة تُتَّقى لشبهها بالباطل وهو اللهو، إلا لضرورة تقتضي الرجوع إليه، فقد تباح لذلك. وقد ذكر المقدسي أن أبا مصعب سأل مالكا رضي الله عنهما فقال: لا ادري إلا أن أهل العلم ببلدنا لا ينكرون ذلك ولا يقعدون عنه، ولا ينكره إلا ناسك غبي، أو جاهل غليظ الطبع.
وقال صالح بن أحمد بن حنبل رحمهما الله: رأيت والدي يتسمع من وراء الحائط لسماع كان عند جيراننا، وقال ابن المسيب لقوم يعيبون الشعر: (نسكوا نسكا أعجميا). وقد صح عن مالك إنكاره وكراهته، وأخذ من المدونة جوازه، كل ذلك إن تجرد عن آلة وإلا فمتفق على تحريمه، غير ما للعنبري وإبراهيم بن سعد، وما فيهما معلوم. وقد بالغ الطرطوشي في المسألة وغيره، وتحقيقها آيل للمنع والله سبحانه اعلم.
قاعدة 130
السماع عند الصوفية رخصة تباح لضرورة

اعتقاد المرء فيما ليس بقربة بدعة. وكذلك أحداث حكم لمن يتقدم، وكل ذلك ضلال إلا أن يرجع لأصل استنبط منه، فيرجع حكمه إليه. والسماع لا دلالة على ندبه عند مبيحه جملة، وإن وقع فيه تفصيل عند قوم فالتحقيق انه عند مبيحه رخصة تباح للضرورة، أو في الجملة فيعتبر شرطها وإلا فالمنع، والله سبحانه اعلم.
قاعدة 131
من كان استماعه بالحقيقة استفاد التحقيق ومن كان استماعه بالنفس استفاد سوء الحال

التهيؤ للقبول، على قدر الإصغاء للمقول. فمن كان استماعه بالحقيقة استفاد التحقيق، ومن كان استماعه بالنفس استفاد سوء الحال، ومن كان استماعه بالطبع اقتصر نفعه على وقته، فمن ثم لا يزداد طالب العلم للدنيا ميلة إلا ازداد (من الله) إدبارا عن الحق، ولا يستفيد غالب الناس من المحافل العامة، كالكتاب والميعاد ونحوه، إلا استحلاؤه في الوقت. وينفع ذا الحقيقة ما يفيد من أي وجه خرج، فافهم، والله سبحانه اعلم.
قاعدة 132
ما خرج من القلب، دخل للقلب، وما قصر على اللسان لم يجاوز الآذان

ما خرج من القلب، دخل للقلب، وما قصر على اللسان لم يجاوز الآذان، ثم هو بعد دخوله القلب إما أن يلقى معارضا فيدفعه بجحود كحال الكفار، أو بإعراض كحال المنافقين، أو يحول بينه وبين مباشرة القلب حائل رقيق كأحوال العصاة، أو يمس سويداه، ويباشر حقيقته فيوجب الإقدام والإحجام على حكمه، كحال أهل الحق من المريدين. فأما العارف فيستفيد من كل ذي فائدة، كان من قلب أو غيره، فافهم.
قاعدة 133
الشعر كالكلام حسنه حسن وقبيحه قبيح

قال (الإمام) الشافعي رحمه الله تعال: (الشعر حسنه حسن، وقبيحه قبيح). فالمتمثل تابع في ذمه ومدحه للمتكلم به. ثم هو عند الاحتمال مصروف لنية قائله أصلا أو تمثلا لسامعه. فتعينت مراعاة أحوال أهله والمسموع عليه، فلا يوضع وصف دني على علي، لأنه إساءة أدب ولا بالعكس، لأنه إخلال بالحال. ومن ذلك ما روي أن أبا سعيد الخراز قال لمن رآه في النوم: (إن الحق أوقفني بين يديه وقال: أتحمل وصفي على ليلى وسعدى؟ لولا أني نظرت إليك في مقام أردتني به خالصا لعذبتك)، انتهى، فافهم والله سبحانه اعلم.
قاعدة 134
اعتراف المحقق بنقص رتبة هو فيها على الجملة


اعتراف المحقق بنقص رتبة هو فيها على الجملة يقضي بذمها على نحو ما حكي في اعترافه، لأن إخباره راجع لأمانته، فلا يذكر غير ما حقق ذمه وإلا فهو كذاب. ثم هو فيها إما معذور أو مسيء والأولى به العذر فيعذر ولا يقتدى به.
منع الشيء لما يعرض فيه أو بسببه، لا يقضي بنقض أصل حكمه

منع الشيء لما يعرض فيه أو بسببه، لا يقضي بنقص أصل حكمه. وقد جزم محققو المتأخرين من الصوفية وأكثر الفقهاء بمنع السماع لعارض الوقت من الابتداع والضلال بسببه. حتى قال الحاتمي رحمه الله: (السماع في هذا الزمان لا يقول به (مسلم)، ولا يقتدى بشيخ يعمل بالسماع ولا يقول به).
وقال الشيخ أبو الحسن الشاذلي رضي الله عنه: (سألت أستاذي عن السماع فقال لي: (أنهم ألفوا آباءهم ضالين، فهم على آثارهم يهرعون).
وقال ابن نجيد رحمه الله: (زلة في السماع، شر من كذا وكذا سنة تغتاب الناس).
وقيل للجنيد: كنت تسمع، فلم تركت السماع.
قال: (ممن؟ قيل له:من الله. قال: فمع من؟) انتهى. ومجرى الحكم في المنع كالذكر بالجمع فتأكد لفقد حكم الأصل).
فالقائل بسد الذرائع، يمنع بالجملة وغيره يمنع ما يتصور فيه الباطل ليس إلا. والله سبحانه اعلم.
قاعدة 136
الضرورات الداعية للسماع ثلاثة

ما أبيح للضرورة قيد بقدرها، ووقف به على وجهها، وروعي فيه شرطه صحة وكمالا، ومع ذلك السماع الضرورة الداعية له ثلاثة:
أولهما: تحريك القلب، ليعلم ما فيه بمثيره، وقد يكتفي عن هذا بمطالعة وجوه الترغيب والترهيب، ومفاوضة أخ أو شيخ.
ثانيهما: الرفق بالبدن بإرجاعه للإحساس، ومثيرات الطباع حتى لا يهلك فيها بما يرد عليه من قوى الواردات. وقد يستغني عن ذلك بملابسة العاديات البشرية في الجملة كالنكاح والمزاح ونحوه.
ثالثهما: التنازل للمريدين حتى تتفرغ قلوبهم لقبول الحق في قالب الباطل، إذا ليس لهم قوة لقبول الحق (في قالب الباطل إذ ليس لهم قدرة على قبول الحق) من وجهه بلا واسطة من الطبع. ولهذا الوجه، نحا الششتري رحمه الله، بأزجاله فيما ظهر لي. والله سبحانه اعلم.
قاعدة 137
استجلاب النفوس بمساعدة طبعها أهدى لتقريب نفعها

استجلاب النفوس بمساعدة طبعها أهدى لتقريب نفعها فمن ثم وقعت المنفعة بالأزجال والقصص في تعريف الطريق والإشارة إلى حقائقها. لكن رائحة البساط مصاحبة لما خرج منه فلا تستفاد فائدته إلا معه. فلذلك لا تجد مولعا بالشعر صرفا له حقيقة في ديانته وإن كان فمع حيرة ودعوى، لأنه مصحوب بها في أصل (وجوده) غالبا. وقد قال أبو عثمان رحمه الله: من أمن السنة على نفسه قولا وفعلا، نطق بالحكمة، ومن أمن الهوى على نفسه قولا وفعلا نطق بالبدعة. والله سبحانه اعلم.
قاعدة 138
شروط السماع (عند القائل به) ثلاثة

إذا وقف أمر على شرطه في صحته أو كماله، روعي ذلك الشرط فيه لما كان مشروطا به على حسبه وإلا كان العمل فيه خارجا عن حقيقته أو كماله.
وشرط السماع (عند القائل به) ثلاث:
أولهما: مراعاة آلاته التي يقع فيها ومعها وبها وهي: الزمان، والمكان، والإخوان.
ثانيها: خلو الوقت عن معارض ضروري، أو حاجي شرعا، أو عادة إذ ترك الأولى للرخص، تفريط في الحق، وإخلال بالحقيقة.
ثالثها: وجود الصدق من الجميع، وسلامة الصدر في الحال، فلا يتحرك متحرك إلا بغلبة. وإن فهم منه غيرها، سلم له الأدنى وأدبه الأعلى، وذكره القرين. ولا يزال الصوفية بخير ما تنافروا، فإذا اصطلحوا قل دينهم إذ لا يكون صلحهم إلا مع إغضاء عن العيوب، فانه لا يخلو المرء من عيب بحال، وما سلم من النفاق، ومن عمل على الوفاق، والمخالفة تمنع الموافقة.
قاعدة 139

التغزل، والندب، والإشارة، والتعريج، دليل البعد عن وجود المشاهدة

التغزل، والندب، والإشارة، والتعريج، دليل البعد عن وجود المشاهدة، إذ الجلال والجمال مانع من قيام النفس (بقوته المانعة من التوسع والاتساع إلا بما يقتضيه الحال) والشعر من محامدها. ومن ظهر نور الحق على قلبه، لم يبق فيه نصيب لغيره، فيكون ما جاء عنه أشهى إليه من الماء البارد. (بل لا يجد في نفسه بقية تقبل ما سواه، ولا تتسع لرؤية غيره. ورؤية المحبوب توجب العمى عن غيره ما سدة وهو لا فلا يذكر إلا بذكره). ولهذا قل شعر المحققين من الأكابر، كالجنيد، والشيخ أبي محمد عبد القادر، والشاذلي، ونحوهم، ولهم أسوة في الأكابر من الصحابة، إذ كانوا اعلم الناس به. ولكنهم لم يذكروه إلا في محل لا يشير بشيء من الحقائق، وإن كانت مضمنة فيه، فعلى قدره. والله اعلم.
قاعدة 140
عقوبة الشيء ومثوبته من نوعه (الجزاء من جنس العمل)

عقوبة الشيء ومثوبته من نوعه (سيجزيهم جزاء وفاقا) من زنى زني بأهله. ومن ثم عوقب مؤثر السماع والقول بإطلاق أقوال الناس فيه، وأثيب بإطلاق ثناء الناس عليه. فلا يزال بين مادح وذام، بوجه لا يمكن انفكاكه حتى ينفك عما هو به، كما جرب من سنة الله. ومنه حكاية يوسف بن الحسين في قوله: (إيلام في الرأي). ومن عقوبة ابن الجلاء في ذكره استحسان وجه شاب بإنساء القرآن، إذ البصيرة كالبصر، والله اعلم.
قاعدة 141
منع السماع في حق من علم غلبة عقله به

حفظ العقول واجب، لحفظ الأموال والأعراض، فمن ثم قيل: (يمنع السماع باتفاق في حق من علم غلبة عقله به). ولا يجوز قطع الخرق، وإن دخل فيه على المكارمة لإضاعة المال، ولا يجوز أن يدخل مع القوم من ليس منهم، وإن كان عابدا أو زاهدا، لا يقول بالسماع ولا يراه. وكذا العارف لأن حاله أتم، فيؤدي لاغتيابه الجماعة بالنقص (وصورة الهوى) واغتيابهم له.
قال الشيخ أبو العباس الحضرمي رضي الله: كان يصحب بعض المشايخ فقيه، فإذا حضر السماع صرفه ولا يسمح بحضوره مع كونه في عداد أصحابه. وقال: (إن السماع فيه طريق لكن لمن له به معرفة). والله سبحانه اعلم.

قاعدة 142
يعذر الواجد بحالة لا يملك نفسه فيها، وله حكم المجنون في حاله

يعذر الواجد بحالة لا يملك نفسه فيها، وله حكم المجنون في حاله، بسقوط اعتبار أفعاله، وعدم جري الأحكام عليه إن تحقق وجود الحالة منه، ويلزمه استدراك الفائت كالسكران لتسببه في الأصل. وينتفي جواز الاقتداء به كتواجد النوري في قيامه للسيف إيثارا، وإلا فهو إعانة على قتل نفسه، وكحالة أبي حمزة في بقائه في البئر حتى خرج بمهلكة، وكحالة الشبلي في حلق لحيته وإلقائه المال في البحر عند شعوره ببخله، إلى غير ذلك مما لا يوافق الشرع من ظاهر أعمالهم التي حمل عليها غالب الوجد كما هو ظاهر من حكاياتهم، فلهم فيها حكم المجانين، ومن ذلك الرقص ونحوه. وبالجملة فلا عتب على معذور لم يقصد المخالفة بوجه لا يمكنه غير ما فعل لعدم ضبط حركاته.
وقد قال صلى الله عليه وسلم للمجنونة (إن شئت صبرت ولك الجنة أو دعوت الله فشفاك)، فرضيت على أن لها الجنة. فهذا خير من التعصب بالنكير، وعكسه وهو أقرب للحق إذ لا عصمة، والله سبحانه اعلم.
قاعدة 143
لا يستفيد الواجد علما أو عملا أو حالا إلا إن لاحظ المعنى أثناء وجده

الواجد إن لاحظ معنى في وجده أفاده علما أو عملا أو حالا، مع ميله للسكون والاستلقاء ظاهرا فوجده من الحقيقة والمعنى.
وإن لاحظ الوزن والألحان، فطبيعي سيما إن وضع له اضطراب واحتراق في النفس، وإن لاحظ نفس الحركة ليس إلا فشيطاني، سيما إن أعقبه اضطراب وهوشة في البدن، واشتعال ناري فلزم اعتبار ذلك بوجه من التحقيق تام، وإلا فترك سببه أولى وأفضل لكل ذي دين يريد السلامة.