إبراهيم بن سيّار بن هانئ البصري، أبو إسحاق
النظَّام؛ لأنه كان ينظم الخرز في سوق البصرة، وقد طالع كثيراً من كتب الفلاسفة،
وخلط كلامهم بكلام المعتزلة، وله كتب كثيرة في الفلسفة والاعتزال.

وهو تلميذ أبي الهذيل العلاف، وكان في زمان شبابه قد عاشر قوماً من الثنوية (القائلين بإلهين اثنين: النور والظلام) وقوماً من السمنية القائلين بتكافؤ الأدلة، وخالط بعد كبره قوماً من ملاحدة الفلاسفة، ثم خالط هشام بن الحكم الرافضي، فأخذ عن هشام، وعن ملاحدة الفلاسفة قولهم بإبطال الجزء الذي لايتجزأ، ثم بنى عليه قوله بالطفرة (الانفجار) التي لم يسبق إليها وهْمُ أحد قبله.
وأخذ من الثنوية قولهم إن فاعل العدل لا يقدر على فعل الجور والكذب، وأخذ عن هشام بن الحكم قوله إن الألوان، والطعوم، والروائح، والأصوات أجسام، وبنى على هذه
البدعة القول بتداخل الأجسام، وقد اتهم بعض أهل السنة بالزندقة.

وهو من أئمة المعتزلة الكبار المشهورين المتميزين في بعض قضايا العقيدة وأصول الفقه. وهو زعيم فرقة «النظّامية» الاعتزالية إذ انفرد عن أصحابه بآراء خاصة، ومن أصحابه: الفضل الحَدْثي وأحمد بن خابط،
قال الراوندي: إنهما كانا يزعمان أن للخلق خالقين: أحدهما قديم وهو الباري تعالى،
والثاني: مُحْدَث وهو المسيح لقوله تعالى: وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ (المائدة 109) وكذّبه الكعبي في رواية الحدثي خاصة لحسن اعتقاده فيه.

وأهم آرائه الخاصة ثلاثة عشر رأياً، موجزها:

الأول ـ أنه زاد على القول بالقدر خيره وشره من البشر قوله: إن الله تعالى لا يوصف بالقدرة على الشرور والمعاصي، وليست هي مقدورة للباري تعالى، خلافاً لأصحابه، فإنهم قضوا بأنه قادر عليها، لكنه لا يفعلها لأنها قبيحة.

ورأى النظّام أن في تجويز القبيح منه تعالى قبحاً، فيجب أن يكون مانعاً، ففاعل العدل لا يوصف بالقدرة على الظلم.

الثاني ـ في الإرادة قال: إن الباري تعالى ليس موصوفاً بها على الحقيقة، لأنه خالقها ومنشئها على حسب ما علم، وإذا وصف بكونه مريداً لأفعال العباد فالمعنى أنه آمرٌ بها وناهٍ عنها.

الثالث ـ إن أفعال العباد كلها حركات فحسب، والحركة عنده مبدأ تغير ما، لا حركة النقلة.

الرابع ـ إن الروح جسم لطيف مشابك للبدن مداخل للقلب بأجزائه مداخلة المائية في الورد، والدهنية في السمسم، والسمنية في اللبن.

الخامس ـ إن كل ما جاوز حد القدرة من الفعل فهو من فعل الله تعالى، أي بخلق الله تعالى بإيجاب الخلقة، أي بما طبع الله تعالى الشيء عليه كالحجر ونحوه.

السادس ـ وافق الفلاسفة في نفي وجود الجزء الذي لا يتجزأ، سابقاً في هذا اكتشاف نظرية الذرة، وأن كل شيء قابل للتجزئة ما عدا الإلكترون.

السابع ـ إن الجواهر (مفردها: جوهر وهو ما خلقت عليه جبلّته، وهو في علم الفلسفة: ما قام بنفسه، ويقابله العَرَض: وهو ما يقوم بغيره) مؤلفة من أعراض اجتمعت، فالألوان والطعوم والروائح في رأيه أجسام، وفي رأي غيره أعراض.

الثامن ـ إن الله تعالى خلق الموجودات دفعة واحدة على ما هي عليه اليوم، معادن، ونباتاً، وحيواناً، وإنساناً، ولم يتقدم خلق آدم خلق أولاده.

التاسع ـ يقول في إعجاز القرآن بالصِّرْفة، أي إن الله تعالى منع العرب جبراً وتعجيزاً عن مضاهاة القرآن، حتى لو خلاهم لكانوا قادرين على أن يأتوا بسورة من مثله بلاغة وفصاحة ونظماً.

العاشر ـ يقول في الإجماع (اتفاق المجتهدين بعد النبي في عصر من العصور على مسألة شرعية) ليس بحجة في الشرع، وكذلك القياس (إلحاق أمر بأمر لعلة مشتركة) في الأحكام الشرعية لا يجوز أن يكون حجة، وإنما الحجة في قول الإمام المعصوم أي كالشيعة.

الحادي عشـر ـ يميل إلى مذهب الروافض في التشـنيع على كبار الصحابة، ويقول: لا إمامة إلا بالنص والتعيين ظاهراً مكشوفاً، وقد نص النبي على إمامة علي في مواضع. وانتقد عثمان ، وعاب علياً وعبدالله بن مسعود وغيرهما، وافترى على عمر بأنه ضرب فاطمة يوم البيعة حتى ألقت الجنين من بطنها.

الثاني عشر ـ يقول بالتحسين والتقبيح العقلي قبل ورود الشريعة، فعلى كل عاقل أن يعمل بما يستحسنه العقل، وترك ما يستقبحه العقل.

الثالث عشرـ قال في مسائل الوعد والوعيد زاعماً أن من خان في مائة وتسعة وتسعين درهماً بالسرقة أو الظلم لم يفسق بذلك حتى تبلغ خيانته نصاب الزكاة وهو مائتا درهم فصاعداً.