إذا كانت هذه زيارتك الأولى يرجى الاطلاع على الرابط التالي الأسئلة ولكي تتمكن من كتابة مواضيع وإرسال رسائل خاصة لابد لك منالتسجيل
النتائج 1 إلى 4 من 4

الموضوع: انجازات الدولة العثمانية

  1. #1
    Super Moderator
    رقم العضوية : 2
    تاريخ التسجيل : Jun 2016
    المشاركات: 3,273
    التقييم: 10
    الدولة : الأردن
    العمل : طالب علم
    الهوايه : المطالعة

    انجازات الدولة العثمانية

    لقد أدت مؤسّسة الخلافة الإسلامية التي يُسارع بعض الإسلاميين في زمننا للتبرؤ من السعي لإعادتها، وذلك لنيل الرضا الغربي، عدّة وظائف حيوية لبلادنا حتى في أشد حالات التراجع والضعف في آخر أيامها، والدارس لتاريخ هذه الحقبة يرى بوضوح أن الدولة القُطرية عجزت في أزهى أوضاعها عن تحقيق إنجازات الخلافة في أضعف حالاتها، ولهذا ليس من دواعي الإعجاب أن تتأقلم الحركات الإسلامية مع واقع دولة التجزئة.

    1-الوحدة السياسية : في ظل الخلافة الإسلامية تحقّقت وحدة بلادنا العربية فعليا لا إسميا، ومن المفارقات أن آخر عهدنا بالوحدة العربية كان في ظل الخلافة العثمانية التي بناها الأتراك، وقد وصف ذلك أحد رواد القومية العربية الأستاذ أحمد الشقيري (1908-1980) أول رئيس لمنظمة التحرير الفلسطينية الذي عمل أربعين عاما في الدبلوماسية والعمل السياسي العربي، وذلك في كتابه الذي يؤرّخ مسيرة الوحدة العربية تحت عنوان”علم واحد وعشرون نجمة” وفي فصل”الوحدة العربية من بغداد إلى القسطنطينية”، حين قال: “في أوائل القرن السادس عشر للميلاد شهد التاريخ موكب الوحدة العربية ينتقل من بغداد على ضفاف دجلة إلى القسطنطينية على ضفاف البوسفور، وبدأت مرحلة جديدة في تاريخ الأمة العربية وامتدّت أربعمائة عام من غير زيادة ولا نقصان، كأنها في حساب مع الزمان، وقد يُعجب المواطن العربي أشد العجب حين يقرأ هذا العنوان الصارخ، يباغته من غير مقدمة ولا ديباجة، ويصيح في أذنه بأن الوحدة العربية قد ارتحلت من بغداد واستقرت في القسطنطينية…كيف يمكن أن تصبح القسطنطينية مقرا للوحدة العربية وهي التي بناها قسطنطين الأكبر في القرن الرابع للميلاد…وأصبحت فيما بعد عاصمة الإمبراطورية الرومانية الشرقية، هذه القسطنطينية كيف يتصور العقل أن تغدو عاصمة للوحدة العربية، بعد أن كانت في المدينة المنورة أيام الخلفاء الراشدين، وفي دمشق أيام الأمويين، وفي بغداد أيام العباسيين، ولكن الوقائع التاريخية تبدّد العجب مهما كان ثقيلا، بل إنها لتضع المواطن العربي أمام حقيقة أخرى، وهي أن القسطنطينية لم تكن عاصمة الوحدة العربية فحسب بل كانت آخر عواصمها، ومن بعدها بدأت مرحلة التجزئة والانفصال التي ما نزال نعيشها “إلى اليوم” ثم يستفيض في شرح التاريخ العثماني ومآثره كمواجهة الروم والدفاع عن الأمة ضد الإسبان ويعقّب بالقول إن “كل ذلك جعل الأمة العربية متعاطفة مع الدولة العثمانية، وراضية بوضع الخلافة بين يديها، ناسية أو متناسية الشرط الديني المعروف بأن يكون الخليفة عربيا وقرشيا وهاشميا، فإن الانتصارات التي حقّقها العثمانيون تحت راية الجهاد لم تترك مجالا للنقاش حول شروط الخلافة ومؤهّلات الخليفة، والنصر هو الفتوى حين تتقدم الفتوى، واكتشفت الجماهير العربية أن شريف مكة السيد بركات قد سلّم مفاتيح الكعبة إلى السلطان العثماني، ولا زيادة بعد ذلك لمستزيد، ولذلك لم يكن غريبا أن يعتبر العرب أن الدولة العثمانية هي دولتهم وأن الخلافة هي خلافتهم، وأنهم هم رعاياها المفتخرون بانتصاراتها”[1].

    ولم تستطع كل أنظمة التجزئة القُطرية أن تعيد ولو جزئيا هذه الوحدة حتى مع سيادة الشعارات القومية التي كفّت عن أداء دور عملي حاسم بعدما أدّت للحلفاء في الحرب الكبرى الأولى (1914-1918) خدمة انفصال العرب عن الأتراك، وإنه من المثير أن نسمع قائدا ميدانيا بريطانيا في الثورة العربية الكبرى (1916) كلورنس يؤكّد في رسائله السرية على أن ” نشاط (الشريف حسين) يبدو مفيداً لنا، لأنه يتماشى مع أهدافنا المباشرة: تفتيت الجبهة الإسلامية وهزيمة وتمزيق الإمبراطورية العثمانية…وإذا عولج العرب بطريقة مناسبة سيظلّون في حالة من التشرذم السياسي، نسيج من الإمارات الصغيرة المتحاسدة وغير القابلة للتماسك”[2].

    ويقول في مكان آخر:”مهما نتج عن هذه الحرب، فيجب أن تقضي نهائيا وإلى الأبد على السيادة الدينية للسلطان”[3]، ويؤكّد على طرح فكرة الخلافة العربية التي ستشعل الحرب الأهلية بين المسلمين و”سنقضي على خطر الإسلام…وسيتقلّص شأنه كما كانت البابوية في أفنيون”[4](وهي فترة ضعف ووهن في حياة البابوية تسمى بالأسر البابلي للكنيسة لأن مقر البابوية انتقل من روما بين سنتي 1309-1377 تلاها انقسام بابوي في الفترة 1378-1417).

    والعجيب أن بريطانيا التي دعمت فكرة الخلافة العربية ودعمت ثورة الشريف حسين امتنعت عن الاعتراف بخلافته بعدما حقّق لها مرادها بالانفصال عن الأتراك، وقد كشف الزعيم الوطني مصطفى كامل عن مخطط الإنجليز في دعم معارضي الخلافة -التي كانت عدة شعوب تتطلّع إليها “لمساندتها في كفاحها ضد الاستعمار البريطاني والفرنسي والروسي، وقد شملت هذه الشعوب المسلمين الهنود وتركمان آسيا الوسطى بالإضافة إلى شعوب شمال إفريقية والمغرب العربي”[5]-بقوله في المسألة الشرقية:” فأوعزوا إلى فئة من الدخلاء الذين لا وطن لهم ولا شرف ولا عقيدة بالطعن على جلالة الخليفة الأكبر والسلطان الأعظم وتشويه أعمال الدولة العليّة وأحوالها”[6]، والعجيب أن هذه الوجوه التي عدّت ضمن رواد النهضة العربية عملت بالتعاون مع بريطانيا وأصدرت الفتاوى للقتال إلى جانبها كانت لها مواقف مخزية فيما يتعلّق بالهجرة الصهيونية إلى فلسطين بين صامت ومرحّب ومستيقظ بعد فوات الأوان، والأعجب أننا ما زلنا نكرّر الأخطاء نفسها إلى يومنا هذا.

    2-الحماية العسكرية : تصدّت دولة الخلافة بنجاح كبير للحملات الصليبية التي واصلت أوروبا شنّها على بلاد الإسلام بعد هزيمة ممالك الفرنجة في المشرق، فصنعت بذلك التصدي أياما حاسمة لحقت بالحروب الأولى وانتصاراتها مثل معركة كوسوفو (1389) ومعركة نيقوبوليس (1396) وفتح القسطنطينية (1453) وفتح قبرص(1571) [7]، وتوغّل العثمانيون بسرعة البرق في الداخل الأوروبي ووصلوا أسوار فينا (1529-1683)، وتمكّنوا من حماية العالم العربي من الاحتلال أربعة قرون[8]، وصدّوا بكفاءة كبرى الحملات الصليبية الإسبانية والبرتغالية التي انطلقت مسعورة على الشمال الإفريقي والبحر الأحمر والخليج عقب سقوط غرناطة سنة 1492، ودخلت الولايات العثمانية في شمال إفريقيا فيما سماه الأستاذ أحمد توفيق المدني “حرب الثلاثمائة سنة” ضد إسبانيا ودول أوروبا للدفاع عن الوجود العربي الإسلامي حتى أن هذه الولايات أصبحت صداعا مزمنا للغرب الأوروبي والولايات المتحدة الناشئة، ووصلت السفن الحربية العثمانية إلى الهند وأندونيسيا[9]، ولم تضعف دفاعاتهم إلا في القرن الأخير من عمر الخلافة بدءا من سقوط القرم تحت الاحتلال الروسي والحملة الفرنسية على مصر سنة 1798، ومع ذلك ظل للدولة حضورها وأهميتها الدولية وكان استقلال حكام الأقاليم عن مركزها هو المقدّمة اللازمة لوقوعهم في براثن الاستعمار الغربي كما حدث في مصر (1882) وتونس (1881) ومشيخات الخليج في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، ويكفي أن الخلافة صدّت الخطر الصهيوني عن بلادنا “وأزالت هزيمة العثمانيين آخر العقبات أمام هجرة اليهود وشرائهم للأراضي”[10]، وفي الوقت الذي سلّم حكام العرب المرتبطون بالغرب فلسطين لقمة سائغة للصهاينة، نرى سلطان الدولة العثمانية يتكلّم عنها بحماسة القوميين العرب، مع أن فريقا كبيرا من هؤلاء أيضا لم يتردّد عمليا في الترحيب بالصهاينة في فلسطين، وذلك حين قال في مذكّراته السياسية: “لدينا عدد كاف من اليهود، فإذا كنا نريد أن يبقى العنصر العربي متفوقا، علينا أن نصرف النظر عن فكرة توطين المهاجرين في فلسطين”[11]، ولما حاول هرتزل إغراء السلطان ليمنحه، مقابل ميّزات لم يقاوم عشرها أي من حكام التجزئة، أجزاء أقل بكثير مما حصل اليهود عليه في ظل الدولة القطرية،أجابه: “لقد حاربت الكتيبتان السورية والفلسطينية في بلافنا (ملحمة وقعت أثناء الحرب مع روسيا سنة 1877) واستشهد رجالهما واحدا بعد الآخر لأن أحدا منهم لم يرض بالاستسلام وفضّلوا أن يموتوا في ساحة القتال”[12]،هذا مع أن معركة بلافنا كان قد مر عليها ما يقارب عشرين عاما زمن المقابلة ولكنها مع ذلك ظلّت حية في وجدان السلطان عبد الحميد في مشهد افتقدناه في حكام العرب أنفسهم مع شعوبهم، وفي الوقت الذي كان فيه هذا السلطان يخسر عرشه من أجل فلسطين كما وصفه الأستاذ “رفيق شاكر النتشة” في عنوان كتابه، كان رواد النهضة وقادة الثورة وأساتذة أجيالنا يقدّمون العروض السخية بالتعاون مع الصهيونية.

    وظلّت دولة الخلافة حتى آخر حرب دخلتها وهي الحرب الكبرى (العالمية)الأولى قادرة على مواجهة الدول الاستعمارية الكبرى وتحقيق انتصارات عليها كما شهدت بذلك معارك غاليبولي وفلسطين والكوت، هذا إذا لم نذكر انتصاراتها قبل ذلك على اليونان (1897)وصمودها أمام الزحف الروسي (1877) في بلافنا وغيرها، وفي هذا يقول كواترت: “إن هذه الإمبراطورية بقيت تكافح للمحافظة على نفوذها حتى أيامها الأخيرة في الوقت الذي كانت الإمبريالية الأوروبية في ذروة تسلّطها وحين كانت الإمبراطوريتان البريطانية والفرنسية تسيطران على معظم مناطق المعمورة، وفي أواخر القرن التاسع عشر لم يكن هناك سوى قلة قليلة من الدول المستقلة خارج القارة الأوروبية، ولعل أهمها، الدولة العثمانية والصين واليابان، وبصفتها دولا مستقلة كانت آنذاك محط آمال الشعوب الآسيوية المستعمَرَة في كفاحها ضد الإمبريالية الأوروبية”[13].

    ومن الجدير بالذكر أن مراقباً قديرا كالزعيم المصري الكبير مصطفى كامل باشا تعجّب، أثناء سرده التاريخي للضربات التي تلقّتها الدولة العثمانية من أعدائها، من بقائها حية هذه المدة الطويلة وليس من تراجعها[14]، وقد شاركه الرأي مؤرّخون محدثون كـ ثريا فاروقي[15]ونيكولاس دومانيس[16]، ورغم الضعف الذي أصاب الخلافة في آخر أيامها وانحسار ممتلكاتها فإنها لم تعترف للمحتلين بما سلبوه من أراضيها حتى لو كانت في مجاهل إفريقيا[17]، وظلّت الدول الاستعمارية الغربية حريصة على انتزاع اعتراف من ورثة الدولة العثمانية بالتخلي عن حقوق الخلافة فيما انتزعته من أراضيها، كما هي اليوم حريصة على انتزاع اعتراف فلسطيني بشرعية الكيان الصهيوني، وتم لها ذلك في معاهدة لوزان سنة 1923التي وافق فيها الحكم الكمالي على هذا التنازل عن كل أراضي العثمانيين ما عدا تركيا، ولهذا أشار بعض المؤرّخين إلى أن الدولة مكثت حاجزا، حقيقياً أو شكليا، في وجه الأطماع الأوروبية الاستعمارية عدة قرون[18].

    والغريب بعد كل هذا أن يحاول التغريب وصم العثمانيين، الذين تصدّوا للاحتلال، بصفة الاحتلال وهي الصفة الأقرب إلى زعماء التغريب أنفسهم الذين عملوا كالأزرار التي كانت تشغل لتلبية حاجات المستعمرين كلما ضغطوا عليها، وأحيانا وصموا الدولة العثمانية بالتعاون مع الاستعمار على احتلال أراضيها هي (!) وكأنها واحد من زعامات التجزئة التغريبية الذين كانوا يسيرون في ركب المستعمر ضد بلادهم وإخوانهم، وغاب عن المتغرّبين أن بلادنا لم تكن مجرد أخ أو جار للعثمانيين بل جزءا لا يتجزّأ من دولتهم الكبرى، فكيف لهم أن يعاونوا الغرب ضد أنفسهم، ولعل أكثر الحوادث التي استدلوا بها هي الموقف العثماني من الاحتلال البريطاني من مصر (1882) والإعلان عن عصيان أحمد عرابي باشا، ولكن عليهم أن يهدّئوا من روعهم قليلا وألا يفرحوا بهذا الاستدلال كثيرا وأن ينظروا لآراء جملة من عمالقتهم، كأستاذ جيلهم أحمد لطفي السيد والشيخ محمد عبده وأحمد فارس الشدياق، في أحمد عرابي ثم يلتفتوا إلى غيرهم ليعيبوهم، السلطان عبد الحميد لم يعط شرعية للجيش البريطاني في أي وقت، ويجب أن نذكر أيضا أن السلطان في بداية المواجهة مع الإنجليز منح أحمد عرابي رتبة الباشوية، وفي تقويم الزعيم مصطفى كامل باشا أن هذه الخطوة أيضا تمّت بخداع بريطاني، ويعجب من ثناء عرابي على إنسانية بريطانيا وإنصافها واعتدالها بعد مذبحة الاسكندرية ويرجو منها تحرير أهل البلاد وتحقيق راحتهم وحفظهم، ويخلُص إلى أن بريطانيا خدعت في المسألة المصرية كلا من السلطان والخديوي وعرابي وحزبه[19]، ولعل هذا هو سبب العداء العثماني للإنجليز فيما بعد وقد أجمع مؤرّخو الأحداث على أن مكانة بريطانيا في الدولة العثمانية تغيّرت جذريا بعد احتلال مصر وأصبح السلطان عبد الحميد يتبع سياسة وصفت بأنها Anti-British [20].

    المهم أن مجمل الأحداث يكشف أن جميع خطوات السلطان فيما فعله مع عرابي كانت لتفادي دخول الإنجليز مصر، سواء بتشجيعه على المقاومة أو بالمزايدة على موقفهم لإبعاد شبح احتلالهم، ولذلك رفض مشاركة الجيش العثماني للجيش الإنجليزي في عملية الاحتلال، وكان في هذا الموقف بين نارين: إما تأكيد سلطته على مصر بمعاونة الإنجليز وإما التخلي عنها لصالحهم، أي أنهم داخلون في كل الأحوال فاختار النأي بالخلافة عنهم ورفض مشاركتهم فوقع الاحتلال، وكان من الصعب أن يوافقهم في ضوء سياسة الجامعة الإسلامية كما يقول الأستاذ الدكتور “عبد العزيز الشناوي” رحمه الله[21]، وقد لام مصطفى كامل باشا السلطان على هذا الموقف وفضّل لو دخلت الخلافة لتأكيد حضورها[22]، هاجس السلطان عبد الحميد كان هو عدم التصديق على التدخّل الأجنبي أو منحه الشرعية الإسلامية ومن هنا كان رفضه، هذا الموقف يضعنا في مقارنة مع دولة التجزئة التي سارت في ركاب المحتلين لتدمير إخوتها وجيرانها، الفرق شاسع ويدعو للبكاء حتى في ظل ضعف الخلافة وتراجعها ولكنها كانت صامدة صمود الأبطال، ثم جاهد السلطان بكل ما يستطيع لتعكير صفو الاحتلال في مصر وأنفق أموالا طائلة على ذلك، ساند الزعيم مصطفى كامل باشا ضد الاحتلال بلا تحفّظ إلى درجة أحرجت الزعيم أحيانا من فرط تأييد السلطان له وإنعامه عليه بشكل “ما وقع في تاريخ ألقاب الدولة مثل هذا فينعم على امرئ برتبتين في شهرين ولكني أعتقد أن السلطان أراد أن يطعن الاحتلال بسهم صائب لأن في عطف جلالته على خصوم هذا الاحتلال لدليلا قاطعا على كرهه له ورغبته في جلائه”[23]، زمن غير زماننا أصبحت حتى عيوبه من مفاخرنا اليوم.

    3-الحماية الاقتصادية : تصدّت دولة الخلافة ، حتى في أضعف حالاتها ، للتمدّد الاقتصادي الرأسمالي الغربي، وفي هذا يقول المؤرّخ “دونالد كواترت” : “في نهاية القرن التاسع عشر، امتدت السيطرة السياسية الأوروبية في مناطق كثيرة للمرة الأولى، وفي الشرق الأوسط تمكّنت الإمبراطورية العثمانية من الحفاظ على استقلالها السياسي وقاومت بفعالية ملحوظة التمدّد الاقتصادي الأوروبي”[24]وذلك في الكتاب الذي عرض فيه أوجه من هذه المقاومة تحت عنوان”تفكك المجتمع والمقاومة الشعبية في الإمبراطورية العثمانية 1881-1908:ردود الفعل على التمدّد الاقتصادي الأوروبي”، وسرد في كتاب آخر مقاومة “الصناعة العثمانية في زمن الثورة الصناعية”[25]، وفي الوقت الذي وقع فيه معظم أجزاء العالم تحت الهيمنة الغربية فانقسم إلى مستعمرات وأشباه مستعمرات، كانت المناطق التي تحتفظ باستقلالها السياسي معدودة جدا ومنها دولة الخلافة[26]، وحتى عندما أفلست الدولة العثمانية سنة 1875 تمكّنت من تجاوز هذه الحالة بطريقة مختلفة عما حدث لقُطر مثل مصر التي أعلنت إفلاسها في العام التالي والتي حاول حكامها كثيرا “الاستقلال” عن مركز الدولة فكانت النتيجة أن أدى إفلاسها واستقلالها إلى الاحتلال البريطاني، وفي هذا يقول “تيودور رتشتن” في كتاب تاريخ المسألة المصرية أن الباب العالي استطاع “أن يخرج من عراكه مع دائنيه فائزا منتصراً، واضطر حملة السندات التركية وهم صاغرون أن يقنعوا بالقليل الذي قسم لهم، غير أن القضاء الذي لم يجر بما كانوا يتوقعونه لتركيا قد عزموا على أن يجرّوه على الأقل بما توقعوه لمصر”[27]، ويؤكّد “روجر أوين” أن ما أصاب مصر كان من أسبابه غموض علاقتها بالدولة العثمانية[28]، وهو الاستقلال الذي حرص عليه الخديوي إسماعيل، ويؤكّد ذلك الباحث الاقتصادي المعروف “شارل عيساوي” في كتابه التاريخ الاقتصادي للشرق الأوسط وشمال إفريقيا[29].

    4-التكامل الاقتصادي الداخلي : وفرّت دولة الخلافة العثمانية لبلادها، ومنها البلاد العربية، تكاملا اقتصاديا داخليا لم نقدّره حق قدره إلا عندما خسرناه لصالح الارتباط باقتصاديات الدول الرأسمالية الكبرى بصفتنا دولا مجزّأة وضعيفة عجزت عن تحقيق ما كفلته الخلافة حتى آخر أيامها، وفي هذا يقول هرشلاغ في كتابه: “ظلّت الأجزاء الباقية من الإمبراطورية تشكّل وحدة تجارية واحدة، لا تؤثّر فيها الحدود أو الحواجز الجمركية والقيود التي ستقوم بينها بعد تحطيم الإمبراطورية في الحرب، وكان هذا التدفّق الداخلي الحُر للسلع ذا أهمية كبيرة لتركيا وللأقاليم التابعة لها على السواء”[30]، وقد أكّد هذه الحقيقة كل من كتب في تاريخ الاقتصاد العربي مثل شارل عيساوي والدكتور يوسف الصايغ وروجر أوين، إضافة للدكتور عبد الرحيم عبد الرحمن عبد الرحيم في بحث خاص عن العلاقات الاقتصادية والاجتماعية بين الولايات العربية إبان العصر العثماني1517-1789 [31].

    5-مشاريع التنمية الوحدوية : أقامت الخلافة حتى في ساعات ضعفها وتراجعها مشاريع تنموية كانت تؤذن بتغييرات جذرية لو أنها أخذت فرصتها كاملة، وذلك مثل سكة حديد الحجاز وسكة حديد بغداد، ويَعجب الدكتور “عبد العزيز الشناوي” من إساءة تفسير هذه المشاريع عند بعض المتنطّعين الذين اتهموا الدولة بأنها تعمل بواسطتها لإحكام قبضتها على ولاياتها فيعلّق بأنه إذا لم تُنجز الدولة مشاريع كهذه اتهمت بعزل أقطارها عن العالم وعندما أنجزتها اتهمت بمحاولة التحكّم بهذه الأقطار(!) وهل من المطلوب من أية دولة أن تتنازل عن أراضيها[32]، ورغم قلة ذات يدها فقد تأسّست سكة الحجاز من مال المسلمين، أما سكة بغداد وغيرها من المشاريع الاستثمارية فقد كانت الخلافة توجّه المال الأجنبي المستثمر فيها لصالحها ولا تقف موقف المتلقي المتفرج على الأجنبي وهو يقيم ما حلا له من مشاريع لصالحه كما حدث فيما بعد في دول الاستقلال والتجزئة[33]، ومع حلول هذه الدول دُمّرت هذه المشاريع وقُطّعت أوصالها، وعجزت حكومات سايكس-بيكو عن إعادة إحيائها، وقد جاء في الموسوعة السياسية للدكتور “عبد الوهاب الكيالي” في بند سكة حديد الحجاز:”وقد كانت سكة الحديد هذه هدفا عسكريا مقصودا أثناء الحرب العالمية الأولى وقام الثوار العرب (بقيادة لورنس!!) بنسفها في أماكن عدة.. وعلى الرغم من الاجتماعات والمخططات واللجان المختلفة والمتعاقبة والتي شملت سورية والأردن والسعودية فإن هذه السكة بقيت معطّلة حتى أصبحت رمزا للتجزئة العربية وللضرر الفادح الذي ينتج عن تخريبها، إذ تكمن في وجودها المصلحة المشتركة والروابط التي من شأنها أن تفرض إصلاح السكة وتشغيلها”[34].

    6-الاكتفاء الذاتي : في زمن الخلافة تحقّق الاكتفاء الغذائي والصناعي الذاتي لسكان أقطارها، وفي ذلك تقول الدكتورة “ثريا فاروقي” إن الأقاليم العثمانية كانت تتمتع بالاكتفاء الذاتي في السلع الضرورية اليومية والمواد الحربية في الفترة الممتدة من منتصف القرن السادس عشر إلى النصف الثاني من القرن الثامن عشر، وإن الدولة العثمانية كانت قادرة على الأداء دون استيراد البضائع الضرورية التي يحتاجها معظم السكان مثل الحبوب وبقية المواد الغذائية، بالإضافة إلى تصنيع الحديد والنحاس والأقمشة وكل الأشياء اللازمة للاستعمال اليومي بكميات كافية[35]، أما المواد الحربية فكان العثمانيون مكتفين ذاتيا إلى حد كبير، واستمر هذا الأمر في الناحية الغذائية حتى أواخر أيامها[36]، وقد كان القطاع الزراعي مجالا نجحت فيه مقاومة الدولة للتمدّد الغربي الذي حاول توجيه الزراعة نحو الإنتاج الأحادي كزراعة القطن فقط أو الحمضيات وحدها تلبية لمصالحه[37]، ونتيجة التكامل الذي توفّر بين أراضيها كانت العاصمة تأكل من إنتاج الأقاليم والحجاز من الإنتاج المصري والكويت من البصرة…وهكذا، فلما أتت دول التجزئة أصبحنا معتمدين بنسب مخيفة على الخارج لتأمين غذائنا رغم بقاء الأراضي كما هي بل لقد ازدادت ثرواتنا التي كان من الممكن أن تزيد إنتاجنا الغذائي ولكن هذا لم يتحقّق نتيجة انكفاء كل قطر على نفسه وعدم تعاونه مع إخوته واستقوائه بالغريب على أهله وتفضيله حل مشاكله بالتعامل مع الخارج على تعامله مع أهله، ومن المفارقات المضحكة المبكية أن المال العربي المستثمر في دول الغرب تستفيد منه هذه الدول في منح القروض للدول الفقيرة وبينها دول عربية أيضا ولكن الفائدة تعود على الغربي في شكل إعادة تدوير لإنقاذ الاقتصاديات الغربية المأزومة وفوائد وتصريف بضاعة[38]، وقبل كل شيء الفضل الذي سيُسجّل له وفاءا وارتباطا بعيدا عن صاحب المال الأصلي الذي فضّل أن يأتمنه بدل ائتمان عصبته الأقربين.

    7-التعايش الاجتماعي : يقول المؤرّخ كواترت في كتاب الدولة العثمانية: “قدّمت الدولة العثمانية للعالم نموذجا للتعايش بين مختلف الطوائف والأعراق”[39]، ويقول “فيليب كورتن” في كتابه “الغرب والعالم” إن كل الدول الكبرى تعد متعدّدة القوميات إلى حد ما “لكن الإمبراطورية العثمانية كانت أكثر تنوعا من معظمها”[40]، وقال كواترت أيضا:”هذا لا يعني أن رعايا الدولة من مسيحيين ويهود لم يضطهدوا من حين لآخر بالرغم من مبدأ التسامح الثابت الذي أصرّت الدولة على التقيد به، والحق أن هذا المبدأ العام بقي لعدة قرون يحكم العلاقات بيين مختلف شرائح المجتمع العثماني، بيد أن الشقاق بدأ يذر قرنه في السنوات الأخيرة من حياة الإمبراطورية”[41]، ولعله ليس من أبواب الصدف أن هذه السنوات هي التي تدخّل الغرب فيها بثقله في حياتنا فأفسد ما بين الأتراك والأرمن، والعرب والأتراك، والعرب واليهود، فلم يكن التعايش الأرمني التركي لحظة عابرة في تاريخ الشعبين ولهذا أطلق العثمانيون صفة الملة الصادقة على الأرمن، ولم يكن الانسجام الإسلامي اليهودي وليد اللحظة بل امتد إلى قرون التعايش في الأندلس ثم المحنة المشتركة على يد الإسبان والهروب الجماعي إلى الأملاك العثمانية الذي ما يزال اليهود يذكرون معروفه إلى هذا اليوم ثم ظل هذا الانسجام إلى أن جاء الانتداب البريطاني، وقد أقرّت بذلك لجنة بيل الملكية البريطانية سنة 1937[42]، وقد صدر في سنة 2011 كتاب بعنوان :”إخوة عثمانيون:المسلمون والمسيحيون واليهود في فلسطين في بداية القرن العشرين”[43]من تأليف ميشيل كامبوس ملخّصه أن الحياة المشتركة في الظل العثماني في فلسطين لم تكن تتجّه إلى الصراع الحتمي، ويقول الدكتور “رؤوف عباس” إن الوجود اليهودي في الدولة العثمانية يعبّر تعبيرا صادقا عن مكانة اليهود في ظل الحضارة العربية الإسلامية” كما يكشف عن قدرة تلك الدولة متعددة الأعراق والثقافات والديانات على أن تحقّق نموذجا للتعايش يقوم على احترام خصوصية كل ديانة، مع ترابط مصالح الطوائف جميعها في إطار دولة ربطت بين العصور الوسطى والعصر الحديث، وعصف بها عصر القوميات، والتوسّع الإمبريالي”[44].

    أما عن التآلف العربي التركي فيكفي أن نذكر أن القاهرة كانت المدينة الثانية بعد عاصمة الخلافة في الدولة تليها مدينة حلب، ولنتساءل هل كان من الممكن أن تكون القاهرة المدينة التالية للندن في الإمبراطورية البريطانية؟ أم هل كان الفرنسيون محتفين بحلب كما اهتم العثمانيون بها، فهل كانت تلي باريس في الأهمية ضمن الإمبراطورية الاستعمارية الفرنسية؟ ثم وضع السلطان عبد الحميد اهتمامه ببيروت وأصبحت مدينة عصرية في ظل حكمه وسماها الإمبراطور الألماني درة تاج آل عثمان[45]، وذلك ضمن المكانة الخاصة التي حظي بها العرب في سياسة الجامعة الإسلامية التي تبناها، وأصبح أقرب المقربين إليه من رجال العرب، ويذكر المؤرخ فيليب مانسل”أن عبد الحميد الثاني عَمِد إلى توفير المال وتركيز الاهتمام على الأقاليم العربية بحيث فضّلها على العديد من المناطق التركية”[46]، ومن هذه المشاريع سكك الحديد التي سبق الحديث عنها، ولقد كان لقب العرب في الدولة العثمانية “الملة النجيبة” [47]، فلما دخلت أصابع الغرب وقامت ثورة العرب أصبح التركي “يلتعج فؤاده وترتمض جوانحه”عند سماعه اسم الحجاز،كما يذكر الجنرال التركي “علي فؤاد” في مذكّراته التي عاصرت الأحداث[48].

    كلمتان خفيفتان على اللسان .. ثقيلتان في الميزان .. حبيبتان إلى الرحمن

    سبحان الله وبحمده .. سبحان الله العظيم

  2. #2
    Super Moderator
    رقم العضوية : 2
    تاريخ التسجيل : Jun 2016
    المشاركات: 3,273
    التقييم: 10
    الدولة : الأردن
    العمل : طالب علم
    وعن أوضاع الأقليات، في القرن الثامن عشر على سبيل المثال، يتحدّث المؤرخ “نورمان لويس” فيقول إن أمراء الإسماعيليين في سوريا كانوا يحتفظون باستقلال جزئي عن السلطات العثمانية التي لم يكن تحت تصرفها العدد الكافي من الجنود للتدخّل المباشر في شؤون الجبال، وأن اهتمام الولاة كان منصبّا على تحصيل الضرائب وهي مهمة أوكلت عموما لزعماء الإسماعيليين والعلويين والدروز الذين لم تكن السلطة العثمانية تفرضهم فرضا من خارج مناطقهم وكان فلاحوهم المنتمون إلى نفس الطوائف يتقبّلون سلطتهم بلا جدال[49]، وقد وصف المؤرّخ “دومانيس” عملية القضاء على الدولة العثمانية بأنها أنهت واحدة من أكثر الدول متنوعة الثقافات استمرارا واستقرارا في تاريخ العالم[50].
    8- مركز الوحدة الإسلامية الجامعة : كان مركز الخلافة الإسلامية هو البؤرة التي يتجمّع حولها كل المسلمين في العالم حتى لو لم يكونوا تحت سلطانها السياسي، فكانت في زمن قوتها قبلة لطلب المعونة ضد الأعداء، وظلّت تؤلّف أملا لتحرّك المسلمين ضد عدوان الغرب عليهم حتى آخر لحظاتها، ورغم عدم شمول السيادة العثمانية جميع العالم الإسلامي أصبح الخلفاء العثمانيون يتولون “المسؤولية العليا للسلطة الزمنية على المسلمين إلى حدود بعيدة كالسنغال وسومطرة” كما يقول المؤرّخ نيكولاس دومانيس[51]، ويقول المؤرّخ كواترت إن العثمانيين في عهد قوتهم قاموا بدعم حكام سواحل الهند في صراعهم مع البرتغاليين ، وأرسلوا أكثر من أسطول لمساندة الماليزيين في مقاومة التسلط الأوروبي على الملاحة والتجارة، وظلوا على اتصال لقرون ببعض دول آسيا الوسطى وإيران والهند وأفغانستان، ومن ذلك اتصالهم من حين لآخر بحكام سمرقند وبخارى وبلخ وخيفا (وهي إمارة على حدود إيران)، وكانت هذه الإمارات ترسل مندوبيها إما للتشاور مع العثمانيين أو لطلب المعونة عندما تتعرّض لهجوم إيراني أو روسي، كما أرسلت دولة المغول في الهند بعثات إلى البلاط العثماني طلبا للمعونة في حروبها، وأرسلت دول هندية أخرى طلبات للحصول على مساعدة السلطان ضد البرتغاليين والإنجليز، وطلب سلطان مراكش كذلك العون من العثمانيين ضد الفرنسيين وأبدى استعداده لمساعدة اسطنبول ضد روسيا.
    وظلّت الدولة العثمانية “أقوى دولة إسلامية صامدة في وجه الإمبريالية الأوروبية”، وبعد وقوع كثير من المسلمين تحت الاحتلال البريطاني والفرنسي والروسي قام السلطان العثماني بمناشدة المسلمين جميعا التصدي للهيمنة الأوروبية باستخدام سلاح الخلافة الإسلامية وذلك بإحياء فكرة الجامعة الإسلامية حول الخلافة والتي وجدت آذاناً صاغية لدى مسلمي الهند وآسيا الوسطى الذين وقعوا تحت هيمنة بريطانيا وروسيا، بدءاً من عهد السلطان عبد العزيز (1861-1876) ثم تعمقت هذه الجهود في عهد السلطان عبد الحميد الثاني (1876-1909) الذي بدأ جهوده بالاتصال بمسلمي أفغانستان والهند وظل على اتصال بهم طوال سنوات حكمه، واعترف بخلافته عدة زعماء دول إسلامية كخانات الأوزبك والقرم وسلاطين سومطرة واعترف بعض أمراء آسيا الوسطى والأفغان بسلطته الزمنية بسك النقود أو الدعاء على المنابر[52].

    ورغم أن السلطان السياسي للدولة العثمانية لم يصل كثيرا من البلاد الإسلامية أو انحسر عن بلاد أخرى، فقد اهتم السلطان عبد الحميد بإقامة صلات بالمسلمين في كل مكان، واشتد هذا الاهتمام نتيجة رفع لواء الجامعة الإسلامية لمناهضة العدوان الغربي على العالم الإسلامي ووصل مبعوثوه إلى كل من أندونيسيا وماليزيا وسنغافورة والصين وتركستان والحبشة وأنحاء أخرى من إفريقيا بالإضافة إلى الهند التي تعلّق مسلموها كثيرا بمنصب الخلافة مما كان يثير حفيظة بريطانيا التي تحتل بلادهم، كما حاول العثمانيون في ذلك الزمن التقارب مع إيران بعد انقضاء الدولة الصفوية ونجح السلطان في استقطاب مراجعها وعلمائها فساء ذلك السفير البريطاني في طهران واصفا بحنق بعض كبار المراجع بالعمالة للسلطان، وهو وصف مضحك إذ كيف يمكن أن نصف شخصا “بالعمالة” لقومه وأهل دينه؟ وهل تكون العمالة إلا للغريب؟ ولا شك أن “العمالة” لخليفة المسلمين أفضل من العمالة للأجنبي، وتدل الحوادث اليومية على عدم وجود تشنج طائفي كالذي عرفناه في الزمن الأمريكي، وكان السلطان يفضّل الردود العلمية على الردود المسلحة، فيقوم ببناء المدارس عندما تصله شكاوى من تحول بعض أبناء السنة إلى مذاهب أخرى مفضّلا الحوار العلمي على الاشتباك المسلح، كما اتصلت الخلافة بزعماء عمان الإباضيين لإبعاد النفوذ الإنجليزي عن المنطقة وقد توثّقت هذه الاتصالات بعد احتلال مصر سنة 1882 كما جاء في ندوة العلاقات العمانية العثمانية المنعقدة في استانبول في أكتوبر 2012، وكان عضو مجلس المبعوثان فيما بعد “سليمان الباروني” أبرز أعلام الأباضية من رجال الجامعة الإسلامية، كما شملت سياسة الجامعة الإسلامية الطوائف الصغرى كالدروز الذين حرص السلطان على تأليف قلوبهم والحصول على تأييدهم كما يتحدّث الأمير شكيب أرسلان النصير الأكثر تحمسا للجامعة الإسلامية بين ساسة العرب في زمنه.
    وعندما ضعفت الدولة العثمانية وأصبحت غير قادرة على حماية حدودها التي أصابها الهجوم العسكري الأجنبي ظلّت ملاذا للمسلمين الذين وقعت بلادهم تحت الاحتلال ولم يعودوا قادرين على الاستمرار في الحياة تحت حكمه، وقد استقبلت دولة الخلافة في قرنها الأخير ما بين 5-7 ملايين مهاجر تركوا بلادهم في القوقاز والبلقان ولجأوا إليها[53]، ومن أمثلة ذلك أنه عندما احتل الروس القوقاز وهزموا الإمام شامل (1859) لم يستطع كثير من المسلمين العيش في ظل الاحتلال الروسي، لاسيما بعدما شن الروس حرب الإبادة ضدهم في السنوات التالية، ولم تكن الخلافة الإسلامية في ذلك الوقت في وضع يسمح لها بنصرتهم نتيجة الضعف العام الذي كان يسري في أوصالها، ولكن مع ذلك لم تتخل عنهم، ولم تتحالف مع عدوهم لحصارهم وخنق حياتهم، بل على العكس رحّبت بهم، وفتحت لهم أراضيها للجوء إليها رغم قلة الإمكانات وشح الموارد، ومات كثير منهم في رحلة اللجوء، ولكن الدولة العثمانية ألّفت هيئة خاصة لاستقبالهم والقيام على طلباتهم، وبسطت لهم كل ما يمكنها عمله للمساعدة، وعدّتهم مكسبا سكانيا لها وقوة عسكرية تضاف إليها وليسوا أعداءً عليها قتل من تستطيع منهم، ووزّعت عليهم الأراضي والبيوت ليستأنفوا حياتهم، ووطّنت قسما منهم في أراضيها الأوروبية إلى أن اندلعت أعمال العنف في بلغاريا سنة 1876 فطالبت روسيا بترحيل أهل القوقاز المستوطنين هناك ودعمتها في ذلك الدول الكبرى وأصدرت قرارا متغطرسا يمنع استيطان الشركس في الأملاك العثمانية الأوروبية “منعا مطلقا” (!) وتوقّعت أن ترضخ الخلافة لمطالبها الآمرة، ولكن العثمانيين رفضوا ذلك بكل إباء رغم الضعف والهزيمة، إلى أن أُجبر المسلمون على مغادرة بلغاريا بالقوة المسلّحة بعد اندلاع الحرب مع روسيا سنة 1877 فبلغت الهجرة الثانية إلى الأراضي العثمانية ذروتها في السنة التالية، فاستوعبتهم الدولة في الأناضول وسوريا الكبرى، واستمر الشركس بالتدفّق على الأراضي العثمانية هربا من التجنيد الروسي أو دفع الضرائب لروسيا أو بسبب عدم قبولهم الحكم القيصري، ويقول المؤرّخ نورمان لويس في ذلك إن الدولة العثمانية شجّعت القوقازيين على القدوم إليها “واهتم السلطان عبد الحميد اهتماما شخصيا بالقضية” وتم إصدار الأوامر للموظفين الرسميين في العاصمة والولايات للقيام بكل ما هو ممكن للحد من مشاكل حركة واستيطان المهاجرين الجدد، فمنحوا الأراضي والأموال وغير ذلك من المساعدات، وأُعفوا من دفع الضرائب، كما منحوا الأولوية في تأجير أراضي الدولة، وأسكن السلطان بعضهم في أراضيه، واستفادت منهم الدولة في حماية إنشاء خط الحجاز، وفي النهاية استمرّت معظم مستوطناتهم الجديدة[54].

    كما لجأ المسلمون من البوسنة إلى الدولة العثمانية بعد احتلال النمسا بلادهم سنة 1878 فأسكنهم السلطان في قيسارية بفلسطين، ولجأ كذلك مسلمو جزيرة كريت إلى دولة الخلافة بعد تظاهر النصارى في الجزيرة مع الدول الكبرى عليهم فسكنوا في مصر وليبيا ودمشق (حي المهاجرين) وغيرها من أصقاع الدولة العثمانية.

    والسؤال الهام بعد كل ذلك: أين كل ما سبق من وضع اللاجئين والمشرّدين في ظل الاستقلال والتجزئة، والذي بدأ ببيع بلادهم للأعداء والتآمر عليهم في السر وانتهى اليوم بالاصطفاف مع هؤلاء الأعداء علنا ضد أولئك المشردين الذين يتسابق حكام العرب في إرضاء الكيان الصهيوني الحقير بقمعهم ومنعهم من العودة إلى أملاكهم؟

    كما كان غيرهم من المسلمين المبتلين بالاحتلال دون أن يهاجروا من أوطانهم يرون في التمسّك بالولاء للخلافة نجاة من الهيمنة الأجنبية، وفي ذلك يقول الدكتور رؤوف عباس الذي لا يبخل بنقد السلطان عبد الحميد الثاني :”كانت مصر في مطلع القرن (العشرين) تتبنى فكرة الجامعة الإسلامية التي كانت خطا أساسيا في حركة الحزب الوطني طالما كانت هذه الفكرة تعني الحفاظ على سلامة أراضي الدولة العثمانية ووحدتها، وتتمسّك بانتماء مصر إلى دولة الخلافة الإسلامية، لأن الحزب الوطني بنى نضاله على أساس أن الوجود البريطاني في مصر وجود غير شرعي، لأن مصر تخضع للسيادة العثمانية، فكان التمسّك بالتبعية للدولة العثمانية هو طوق النجاة من الاحتلال البريطاني، ومن ثم كان التشيّع لفكرة الجامعة الإسلامية التي يرعاها السلطان العثماني عبد الحميد الثاني يواكب التمسّك بالتبعية العثمانية”[55].

    وكانت الدولة من جانبها تقوم بما يمكنها لحماية المسلمين في الخارج كما تمليه عليها سياستها العليا، وفي ذلك يقول المؤرخان شو “إن السلطان عبد الحميد سعى للقيام بدور خليفة كل المسلمين، وبدأ باستعمال حقه القديم في تعيين الموظفين الدينيين في الأقاليم العثمانية السابقة التي أصبحت تحت الحكم الأجنبي، وذلك ليحافظ على نفوذه بين المسلمين في تلك الأقاليم، وهكذا كان يقوم شخصيا بتعيين القضاة والمدرّسين والعلماء الآخرين المرسلين إلى مصر وقبرص والقرم والبوسنة والهرسك وبلغاريا، وكانت الحكومة العثمانية تحتج وتتدخل رسميا متى سمعت أخبارا عن جور أو اضطهاد للمسلمين أينما كانوا، وقد استدعي القادة المسلمون المؤثّرون من جميع أنحاء العالم إلى اسطنبول في زيارات مطوّلة لمد جسور التواصل وهو ما يمكن استخدامه وما استخدم فعلا لدعم مكانة السلطان-الخليفة، وقد وُجّهت تحذيرات شديدة للبريطانيين والروس والفرنسيين أن أي عدوان على الدولة العثمانية أو على المسلمين الواقعين تحت حكم الأوروبيين يمكن أن يؤدي إلى انتفاضة إسلامية موحّدة ضدهم بدعم كامل من العثمانيين، وقد أصبحت سياسة الجامعة الإسلامية سلاحا استخدمه السلطان لمواجهة إمبريالية الدول الغربية الكبرى والحركات القومية للأقليات التي تهدّد الدولة”[56].

    9-المكانة الدولية : إذا كانت قوة الدولة ومن ثم مكانتها الدولية هي حصيلة إمكاناتها الداخلية كما تقول العلوم السياسية، فلن نعجب بعد استعراض الإمكانات العثمانية السابقة أن تكون الدولة العثمانية دولة عظمى تتربّع على هرم العالم زمنا طويلا، وعن هذا يقول المؤرّخ “بيتر مانسفيلد” إن الجهاد المقدس لتعزيز راية الإسلام “كان من أهم ما قامت به الإمبراطورية العثمانية، وظلّت تعد –وعلىى مدى قرنين من الزمن- القوة العسكرية الأضخم، مقارنة مع معارضيها”[57]، ولا يستنكف حتى من ينقدها على الاعتراف بمكانتها العظمى[58]، وفي ذلك يقول دونالد كواترت عند حديثه عن موقع العثمانيين من العالم المحيط بهم إنه “على الصعيد العالمي كانت الدولة العثمانية سنة 1500 من أقوى دول العالم، وربما لا يتفوّق عليها سوى الصين، وقد كانت آنذاك “مصدر خوف العالم” وأدّت دورا حاسما في بقاء وانقضاء دول كثيرة ومختلفة جدا (كالمماليك والصفويين والبندقية وامبراطورية الهابسبورغ وروسيا القيصرية)…كما أنها أدّت دورا في السياسة الدولية بعدما أصبحت قوة مرهوبة الجانب إلى درجة أن فيليب الثاني ملك إسبانيا دعا إلى حرب صليبية لإيقاف المد العثماني”، وحتى عندما تراجعت القوة العثمانية وأصبحت الصين كذلك دولة مستضعفة في القرن التاسع عشر، ظلت الدولة العثمانية قوة يحسب حسابها في السياسات الخارجية لدول أوروبا العظمى، وكان أقصى ما تراجعت إليه هو التحول إلى دولة من المرتبة الثانية إذا جاز التعبير بعدما كانت قوة عظمى[59].

    وفي ذلك يقول “فيليب كورتن” إنه في القرن السادس عشر “أصبح الأتراك متساوين عسكريا مع أية قوة غربية متفوّقة، وعلى الساحة العالمية، كانت الإمبراطورية العثمانية إحدى أبرز الإمبراطوريات في صناعة المدافع”[60]، وظل التكافؤ ملحوظا إلى نهاية القرن الثامن عشر وفي هذا يقول “روجر أوين” في حديثه عن اقتصاد الشرق سنة 1800 إن القاعدة العامة هي أن مستوى التقنية العثمانية كان منخفضا بالمقارنة مع السائد في أوروبا الغربية، غير أن الترسانات البحرية والعسكرية العثمانية كانت لا تزال تضاهي معظم السفن والأسلحة التي كان أعداؤها الأوروبيون يستخدمونها، وأن جماعات من الحرفيين ظلّت تنتج سلعا على درجة عالية من الجودة[61]، إلى أن اتسعت الهوة بين الغرب والعالم كله وليس العثمانيين وحدهم بعد الثورة الصناعية.

    10-الصمود العثماني مقارنة بتراجع الإمبراطوريات :
    وفي هذا الموضوع السابق أي تزامن الصعود الغربي مع التراجع العثماني تُوَجّه بعض الانتقادات غير الموضوعية إلى واحدة من أطول الدول عمرا في التاريخ وتطالبها بالخروج عن سنة التراجع بعد القوة وبالتصدي لدول غربية كانت في طور النشوء المندفع لما كان العثمانيون في القمة[62]ولما تقدّم الزمن على الجميع اكتملت قوة الغربب وكانت الدولة العثمانية في طور التراجع[63]وهي سنّة كانت من سوء طالع العثمانيين ولكننا لو تدبّرنا لوجدنا أنه لم تخرج عنها أية دولة معروفة، وفي ضوء عدم الاتفاق حتى اليوم على سبب الطفرة الغربية والذي يصفه المؤرخ “زاكري كارابل” بأنه “يبقى واحدا من الألغاز الغامضة الكبرى في تاريخ العالم الحديث”[64] لا يمكننا من باب أولى أن نلوم العثمانيين على عدم حل هذا اللغز في زمنهم الماضي ومن ثم تحقيق هذه الطفرة بالتزامن مع الغرب، لاسيما أنهم بذلوا جهودا جاهدة للإصلاح واكتساب القوة وقد كافحت الخلافة عوامل الضعف بكل جهدها ولكن زمن الهدوء المطلوب للتعافي كان غير متيسّر لها في ظل التآمر الغربي عليها والذي لم يمنحها فسحة لالتقاط الأنفاس[65]، وكان السلطان عبد الحميد الثاني يتمنى تحقيق الهدوء في دولته بعيدا عن المؤامرات الغربية لمدة عشر سنوات فقط ليتفرّغ للبناء كما تفرّغت اليابان البعيدة عن وكر الذئاب الأوروبية[66]ولهذا حقّقت الكثير، فكيف كان الحال سيصبح لو أن الدولة العثمانية بإنجازاتها العديدة رغم التوتر، نعمت بالهدوء كاليابان آنذاك مثلا؟ ومع ذلك فقد أنجزت الدولة الكثير أيضا (يمكن مراجعة دراسة سابقة بعنوان: سياسات آخر أيام الخلافة في ذكرى إلغائها، قضايانا بين الوحدة والتجزئة) وتصدت للعدوان حتى آخر رمق[67]ودخلت الحرب الكبرى الأولى لتواجه أوروبا المصمّمة على تقسيمها[68]ولتستعيد ما احتلته دول الغرب من أراضيها ولتكسر القيود التي كبّلها الغرب بها كالامتيازات الأجنبية، أي لتسترجع استقلالها السياسي والاقتصادي والاجتماعي ولتستعيد مكانها المساوي لبقية الدول العظمى ثانية[69]، وقد أثارت عجب المنصفين من صمودها لا من تراجعها كما سبق ذكره.

    ولو طالعنا تواريخ الإمبراطوريات لوجدنا أنه حتى الكبرى منها كبريطانيا وفرنسا وإسبانيا والبرتغال وروسيا فضلا عن الأقل حجما كهولندا والسويد وبلجيكا لم تقاوم عوامل التراجع حتى ضمن أوضاع مؤاتية لم تواجه فيه تكتلات معادية مصممة على القضاء عليها بالعنف كما حدث مع الخلافة العثمانية، فرأينا مثلا أوسع امبراطوريات التاريخ وهي إمبراطورية بريطانيا التي لا تغيب عنها الشمس تتراجع نتيجة عوامل الضعف الداخلي لاسيما الاقتصادي في مواجهة الصعود الأمريكي الذي ضيّق الخناق عليها بأساليب سياسية غالبا وليست عسكرية، مع تقديم الدعم الاقتصادي أحيانا كمشروع مارشال الذي غطى خسائر الحرب الكبرى الثانية، أي أنها تراجعت رغم توفر هذا الدعم الاقتصادي من الجبهة الغربية الواسعة وغياب المنافسة العسكرية وعدم شن الحرب عليها من كل الجهات المحيطة بها كما حدث مع العثمانيين لقرون طويلة ومع ذلك ظلوا صامدين زمنا استثنائيا، وكانت نهاية الإمبراطورية البريطانية في حرب محدودة هي حرب السويس 1956 التي لم تستطع الخروج منها منتصرة رغم تحالفها مع الإمبراطورية الفرنسية والكيان الصهيوني، وذلك نتيجة المنافسة السياسية وحدها من الأمريكيين والسوفييت دون التدخل العسكري، ثم وجدنا امبراطورية عظمى أخرى كالاتحاد السوفييتي تنهار بعد زمن وجيز من قيامها يقدر بعمر فرد واحد نتيجة الاستنزاف السياسي والاقتصادي والفكري الذي مارسه المعسكر المنافس دون الدخول في حروب كبيرة معها بعد الحرب الكبرى الثانية التي كانت فيها في جبهة واحدة مع الإمبرياليات الغربية، بل لقد كانت حرب أفغانستان وحدها كفيلة بدق آخر مسمار في نعش السوفييت، فأين هذا من الحروب الصليبية الكبرى التي شنت على العثمانيين ومع ذلك صمدوا قرونا في مواجهتها دون دعم إلا ما ندر ولم يكن حاسما إلا في زمن محدود من عمرها وذلك ضمن المنافسات بين القوى الأوروبية.

    وعندما كان الأديب إبراهيم المويلحي يسخر من ضعف الدولة العثمانية في نهاية القرن التاسع عشر كان أقصى مآخذه مع اعترافه بكونها دولة عظمى أنها “في ميزان الدول العظمى أخفهن على الإطلاق كفة وأقلهن رجحانا”[70]، فما هو قول أديبنا لو عاش ورأى كيف تقسّمت هذه الدولة إلى دول أصغر وأضعف وأصبحت هذه الدول المجزّأة في ميزان الدول قاطبة، وليس الدول العظمى وحدها، أخفهن على الإطلاق وأقلهن رجحانا؟

    ولعل هذه المقارنة تبدو بشكل أوضح عند وضع مكانة الدولة العثمانية حتى مع ضعفها بمكانة تركيا الكمالية والتي حقّقت مكانة لم تحقّقها كثير من الدول المجزأة التي قامت على أنقاض العثمانيين، وفي هذا تقول الدكتورة “تهاني شوقي عبد الرحمن” في تأريخها لنشأة تركيا الحديثة وذلك نقلا عن مراجع أخرى إنه ” مما يجدر ذكره أن الدولة العثمانية كانت رغم ضعفها، تُعَد من الدول الكبرى، بعكس الحال بعد إعلان دولة تركيا الحديثة، فإن العالم الغربي كان ينظر إليها كدولة صغرى، حتى بعد أن أثبتت إمكانية تعايشها بجانب دولة كبرى كالاتحاد السوفيتي تقع على تخومها”[71].


    1 - ڈاسترضاء الغرب بالتخلي عن مشروع الخلافة سيكرّر خطيئة القومية العربية التي عجزت عن تحقيق مشروعها الوحدوي

    وبعد هذا الاستعراض السريع والمختصر لبعض منجزات الخلافة الإسلامية يتبيّن لنا أنه ليس من الإنصاف قط أن نقفز على كل ما سبق في وقت نحن أحوج ما نكون فيه لمثل هذه الإنجازات بعدما أذاقتنا الدولة القُطرية الانقسام والذل والهوان والفقر أو البطر مع توفّر الإمكانات بيدها، وليس من مستلزمات النهوض أن تنقلب الأحزاب الإسلامية على تراثها فتتمسّك بالتجزئة وتكرّسها وتقوم بطمأنة الأعداء على وجودها وسلوكها، وكأن هذا الواقع الفاسد الذي تثبته ليس هو سبب مصيبتنا وتطلّعنا المستمر لتغييره أو حتى إصلاحه، فما هي قيمة شعار الإسلام هو الحل إذا جاء مكرّسا المشكلة؟ وما الفرق بينهم وبين غرمائهم ممن بشّر ونادى بشعارات كالوحدة العربية مثلا ولكنه لم يحقّقها حتى عندما حكم الحزب الواحد قطرين متجاورين وكان ذلك من مآخذ هذه الأحزاب الإسلامية على القوميين؟

    2 - أنصار التغريب الذين عارضوا أتاتورك وأنصفوا دور الخلافة

    وكما تنقل الدكتورة “ماجدة مخلوف” فقد تنبّه بعض المثقفين الأتراك ممن كانوا يتفقون مع أتاتورك في التوجّه الفكري الغربي إلى أهمية الخلافة فعارضوا إلغاءها رغم مجاهرة بعضهم بالإلحاد مثل رضا نور، وكانت وجهة نظرهم أن الخلافة لا تُهدم بل تُصلّح وتُقوّى، وأنها مهمة للعالم الإسلامي الذي أصبح بإلغائها مسكينا بلا قائد ولا أمل، وأنها مهمة حتى للجمهورية التركية في مواجهة السياسات الأوروبية، ودونها ستنحدر مكانة تركيا إلى دولة صغيرة بلا أهمية، ولهذا رأى حسين جاهد يالجين أن”كل تركي يحمل في قلبه شعورا بالقومية الحقيقية، يجد نفسه مدفوعا إلى التعلّق بالخلافة بكل ما أوتي من قوة”[72]، ومن يتمعّن في وضع تركيا بعد زوال الخلافة وقد أصبحت ذيلا للغرب، وفي وضع المسلمين الذين أصبحوا بلا قيادة أو أمل، يكبر النظرة الثاقبة لأولئك المثقفين الأتراك الذين عارضوا إجراءات أتاتورك رغم توجّهاتهم الغربية.

    3 - وجوب تمسّك أنصار الحل الإسلامي بفكرة الوحدة والنأي بأنفسهم عن واقع التجزئة وإلا لن يكون حلهم حلا

    لقد أثبتت تجاربنا أن الدولة القُطرية عجزت عن تحقيق أي أمل من آمال شعوبها غير الترف الاستهلاكي عند بعضها وليس كلّها، فقد عجزت عن الدفاع عن نفسها، وعن استثمار ثرواتها البشرية والمعدنية، وعن توزيع عادل للثروة التي انبثقت بين أيديها من الأرض، وعن تحقيق تنمية حقيقية منتجة خارج الإطار الاستهلاكي السفيه الذي غرقنا به، وعن الخروج من دائرة المديونية الدولية التي استنفدتنا، وعن تحقيق حضور سياسي دولي يفرض حقوقنا في الساحة الدولية، وعن إخراج نفسها من دائرة الهيمنة الخارجية التي وصلت حد تنصيب الحكام وعزلهم بإرادة أجنبية، وعن مواجهة الاحتلال والمشاريع الغربية المتعارضة مع مصالح الأمة في فلسطين والعراق والسودان والصومال ولبنان وغيرها ووقفت منها موقف المتلقي الذليل الخانع، وغير هذا كله من مظاهر الفشل والتبعية الشاملة لمراكز القرار الغربية والتي هي عيوب ملازمة لبنية دول التجزئة وليست طارئة عليها كما كان الضعف طارئا على دولة الخلافة في آخر أيامها بعد قرون من القوة والتمكين جعل سلاطينها بتعبير أحد المؤلفين هو جاسون جودوين “سادة الآفاق” وهو عنوان كتابه في الموضوع[73]،وبعد كل هذا يأتي أصحاب “الحل الإسلامي” لتكريس الدولة القُطرية في تأكيد لما قاله المفكر الراحل عبد الوهاب المسيري “رحمه الله” حين قال إن أصحاب المشروع الإسلامي تبنوا المشروع الغربي ذاته مع وضع لافتة عليها البسملة فوقه وتزويده بزخارف تجميلية كالفصل بين الجنسين.

    ولهذا ليس من دواعي الفخر للحركات الإسلامية أن تقيّد نفسها بقيود واقع الدولة القُطرية التي جعلت المال في جهة والكثافة السكانية في جهة أخرى والإمكانات الزراعية في جهة ثالثة ودفعت الإمكانات العلمية للهجرة والهروب إلى جهات رابعة، وأمامها من مشاكل الجهل والتخلّف والتبعية والفقر والبطر والاعتماد على الخارج والانقسامات بأنواعها ما لا يمكن لدول التجزئة أن تحلّها مهما كان حذق حكامها ومهارتهم، وإن الالتزام بما فرضته اتفاقيات التجزئة الاستعمارية علينا واللهاث لاستخراج شهادات حسن السلوك الديمقراطي من الغرب لن يحقّق لنا نهضة أو تقدما أو إنجازا أو تغييرا في واقع ماض صنعه الولاء نفسه للسادة الغربيين أنفسهم، بل سيضيف فصلا جديدا إلى تاريخ الفشل والتراجع ولكنه هذه المرة بقيادة إسلامية، وذلك حسبما طلبت الشعوب بدلا من القيادات القطرية والقومية والقبلية والعلمانية، وإنه لمن السذاجة الاعتقاد أن جميع مشاكلنا ستحل لو تمكّن المواطن من إسقاط ورقة في صندوق الانتخابات وتربّعت بعض السيدات على كراسي اتخاذ القرار في بلادنا، وقد تلبسنا هذا الاعتقاد في بداية القرن العشرين وظننا أن الدستور والحياة النيابية هما الحل الأمثل لجميع مشاكل الدولة العثمانية فلما طبّق الدستور وانتخب مجلس المبعوثان سارت في طريق الانحلال والتقسيم بسرعة البرق تماما كما توقّع السلطان عبد الحميد[74]وهو الذي لم تبق كلمة في قاموس الظلم والاستبداد إلا وأُلصقت به وبحكمه.

    4 - إمكان إصلاح عيوب الماضي دون جلد ذواتنا كما أصلح غيرنا عيوبهم وتمسّكوا بمؤسّساتهم
    كلمتان خفيفتان على اللسان .. ثقيلتان في الميزان .. حبيبتان إلى الرحمن

    سبحان الله وبحمده .. سبحان الله العظيم

  3. #3
    Super Moderator
    رقم العضوية : 2
    تاريخ التسجيل : Jun 2016
    المشاركات: 3,273
    التقييم: 10
    الدولة : الأردن
    العمل : طالب علم
    وهذا يقودنا إلى قضية الاستبداد التي ما برح المثقفون المتغرّبون يلوّحون بها وكأنها وحيدة العصر وفريدة الدهر، ويتفننون في مداراة وجوههم خجلا منها ومن كل تاريخنا، ونحن نسألهم على فرض صحة كل ما يقولونه: لماذا لا يخجل الفرنسيون من الإرهاب الذي مارسته الثورة الفرنسية في الداخل ويرفضون الاعتراف بجرائمها في الخارج ومازالوا يحتفلون بذكراها إلى اليوم ويعدونها أساس نظامهم؟ ولماذا لا يخجل الإنجليز من العنف الذي صاحب ثورتهم ومازالوا يحتفون بشخصية كرومويل إلى اليوم؟ ولماذا لا يخجل الأمريكان من الحرب الأهلية التي استهلكت من الخسائر البشرية أكثر من مجموع حروب أمريكا الدولية مجتمعة بما فيها الحربين العالميتين؟ ولماذا يقدّسون إلى اليوم شخصية رئيسهم لنكولن تقديسا يضاهي تقديس شخصية المسيح رغم العنف المفرط الذي أرهب ودمّر به سكان الجنوب رغم أن ثلاثة أرباعهم لم يكونوا يمتلكون عبدا واحدا ولم يكن لهم مصلحة في مؤسّسة الرق؟[75]، ولماذا يعدونه منظّرا للديمقراطية الأمريكية رغم القرار الذي اتخذه في الحرب الأهلية بممارسة سياسة الأرض المحروقة في مسيرة قائده شيرمان في ولاية جورجيا سنة 1864 حين دمر تدميرا شاملا مساحة واسعة من أراضيها يبلغ طولها ثلاثمائة ميل وعرضها ستين ميلا مما أدى إلى اقتلاع عشرات الآلاف من المواطنين البيض من بيوتهم وأملاكهم هذا إذا نسينا ما فعلته الديمقراطية الأمريكية بسكان البلاد الأصليين؟ ولماذا لا يخجل الغربيون من تاريخ الاستعمار والإبادة والامبريالية وهي أسوأ أشكال الاستبداد ومع ذلك مارسته ديمقراطياتهم بلا وازع من فكر أو ضمير؟ ولماذا لا يخجل الألمان من الطريقة الاستبدادية العنيفة التي حقّق بها بسمارك الوحدة الألمانية؟ ولماذا ولماذا ولماذا…إلخ

    ما أقصده إن العيوب البشرية موجودة عند كل الناس، وعندما حكمنا ما وُصف باستبداد الخلفاء لم تكن بقيّة الشعوب في جنات النعيم، وكما أصلح كثير من الدول الأوروبية أنظمتها الملكية التي كانت في الماضي استبداديات عاتية، وحافظت عليها، ومازالت ملكة بريطانيا تحكم إلى اليوم قريبا من ثلث البشرية المنضوي تحت رابطة الكومنولث، دون سماع أحاديث عن استحالة التوفيق بين كل هذه الشعوب المتباينة كالكلام الذي يُثار في وجه إحياء الخلافة الإسلامية، فإن بإمكاننا أن نصلح من العيوب التي شابت مؤسّسة الخلافة على مر الزمن، وهذا ما طالب به عقلاء المتغربين في زمن أتاتورك كما رأينا، وذلك دون الالتفات إلى أحاديث التثبيط والعجز، وكيف لا نتمكّن من هذا ونحن نملك تراث الخلافة الراشدة الذي له الأولوية على ما عداه ويمكن أن نستمد منه كثيرا من أصول العدل والمشاركة ولا نخسر في الوقت نفسه المنجزات الهائلة التي حقّقتها هذه المؤسّسة على مر التاريخ وسبق إيجاز أبرزها، وهذا لا يستدعي التواري خجلا من تاريخ ليس هو أسوأ من غيره بل إنه يخلو من كثير من عيوب الآخرين الذين تحكّموا بالعالم فأبادوا سكان الأمريكتين وأستراليا، واستعبدوا سكان إفريقيا، واستعمروا آسيا، كل هذا بقرارات ديمقراطية وباسم العقل والعلم والحرية والإنسانية.
    5 - استبداد الخلافة لا يقارن باستبداد التجزئة التغريبية

    والنقطة الثانية التي أود الإشارة إليها في مسألة الاستبداد إلى أن مسألة الاستبداد قد ضُخّمت كثيراً في نهاية عهد الخلافة، والمتمعّن في التاريخ يجد أن الدولة لم تكن بهذه المركزية التي رأيناها فيما بعد لدى دول الاستقلال والتجزئة والتي بموجبها أحصيت أنفاس المواطنين وذهب الآلاف منهم إلى المعتقلات وغرف التحقيق والإعدام، وقد أكّد المؤرّخ دونالد كواترت في كتاب الدولة العثمانية أن السلطة العثمانية كانت تتطور باطراد وأن “السلطة المركزية لم تعد بيد السلطان أو كبير وزرائه”[76]، وهو أمر أكّده باحث آخر هو “باكي تزكان” في كتابه “الإمبراطورية العثمانية الثانية:التحوّل السياسي والاجتماعي في مستهل العصر الحديث” الذي صدر سنة 2010[77]، ولإثبات ما أقوله عن آخر أيام الخلافة سأروي جانبا من علاقة أحد معارضي السلطان عبد الحميد بالدولة في زمن أوج ما وصف باستبداده، وسنرى أنها لم تكن علاقة نادرة:كان يوسف ضياء باشا الخالدي (1842-1906) نائباً عن فلسطين في مجلس النواب الأول 1877-1878 “وبرز في مقاومته ونقده لسياسة السلطان عبد الحميد وفي ازدرائه (أي السلطان) للدستور…وصفه يوجين شيلر، القنصل الأمريكي في العاصمة العثمانية، بقوله: لقد أثار يوسف زوبعة في البرلمان بجرأته…إنه ينتقد السلطان والموظفين الفاسدين والأتراك بشكل عام بألفاظ فظة” فـ “قرر(السلطان) حل البرلمان…وبعد يومين، تقرّر نفي عشرة أعضاء بارزين من المعارضة” ويخيل للمرء للوهلة الأولى أن النفي سيكون إلى ما وراء الشمس حيث غرف التحقيق والتعذيب التي لا يصل مخلوق إليها فإذا بنا نفاجأ أنه “نُفي” إلى وطنه ليتقلب في المناصب الرسمية (!)

    “وصل يوسف الخالدي إلى ميناء يافا…وانتقل منها إلى القدس، فتسلّم رئاسة البلدية مرة أخرى (!) وفي تشرين الأول أكتوبر 1878 أرسله رؤوف باشا على رأس أربعين فارسا لإحلال النظام في الكرك (!)….وسافر يوسف إلى فيينا في أواخر أيلول سبتمبر 1879 (!)،بعد أن استقال من رئاسة البلدية…..وفي السنة التالية أصدر في فيينا ديوان لبيد العامري (!)….وعن تعيين يوسف ضياء مدرّسا في جامعة فيينا جاء في جريدة الجوائب التي كانت تصدر في الآستانة، العدد رقم 984 الصادر في 7/1/1880، ما يلي: إن حضرة عزتلو ضياء أفندي الخالدي الذي كان مبعوث القدس الشريف بالآستانة…” ثم تذكر أخباره وسعيه في نفع بلاده حتى في بلاد الغربة وتعقّب على ذلك قائلة: ” فيظهر من ذلك أن الغربة لم تلهه عن السعي عن نفع بلاده”، وهذا على عكس كثير من المعارضين في أيامنا إذ ما أن يدخلوا بلاد الغربة حتى ينتهزوا أية فرصة للتحريض على التدخّل الأجنبي في بلادهم واحتلالها بل والعدوان عليها بقصفها بقنابل يقع دويّها وقع صوت الموسيقى في أسماعهم.

    “وفي سنة 1881 عاد يوسف ضياء إلى فلسطين وعين قائمقاما في يافا (!)، ثم مرجعيون في السنة التالية (!)، وبعدها عُيّن حاكما على مقاطعة موطكي في الشمال الغربي من بتليس التي يسكنها الأكراد (!)، وهناك أتقن اللغة الكردية (!) فوضع بعد ذلك قاموسا وصدر في الآستانة سنة 1892-1893 تحت اسم الهدية الحميدية في اللغة الكردية (!). ويظهر أن يوسف تصالح مع الباب العالي والسلطان عبد الحميد فعاد إلى الآستانة للعيش فيها” ولنر كيف كان هذه المصالحة: “ذكره الكاتب البريطاني أمري في مذكراته ،ص69-70، بقوله:إن يوسف ضياء، كشاب متحمس، تمتع في الماضي بحرية واسعة في البرلمان في نقد الدولة وسياستها…وحتى في قصر السلطان، وبحضوري، كان هذا الباشا الصريح يردّد على مسامع عزت باشا (كاتب السلطان) الحديث عن شرور نظام عبد الحميد، وهذا (أي عزت باشا) يسمعه بخنوع ويطلب منه فقط ألا يرفع صوته عالياً” (!!)،هذا هو السلطان المستبد الدموي الأحمر الذي ضاقت الأرض بظلمه: ينفي عدوه إلى موطنه ويقلّبه في الوظائف والسفريات حيث يتعلم اللغات و ينشر ما شاء له من مؤلفات ودواوين شعر تدل على مدى “الاضطهاد” الذي “يعاني منه” وتكتب أخباره بتفخيم صحف العاصمة حيث مركز الاستبداد الذي يفترض أنه أرسله إلى المقصلة أو رماه في البحر مع حجر ثقيل (!)، ولما يصالح المنفي ظالمه يدخل قصره وينقده بصوت عال فلا يجد ردعا إلا ممن يرجوه بأدب جم أن يخفض صوته المرتفع (!!) فإذا علمنا أن هذا الأسلوب من “العقوبات الرادعة” هو الذي كان متّبعا في خلافة عبد الحميد، علمنا مدى الاستغفال الذي أقنعنا بمظالمه وتمنينا في نفس الوقت لو كنا من معارضيه ليرسلنا في رحلات نفي سياحية كالتي حصل عليها يوسف ضياء باشا الخالدي، وقد اقتبست النصوص السابقة من كتاب أعلام فلسطين في أواخر العهد العثماني ولم أتدخّل قدر الإمكان لأنقل الحقيقة كما سطرت مع عدم إخفاء علامات تعجبي من سير هذه “العقوبات الرادعة” الهزلية[78].

    ومن الأدلة على أن هذا التسامح مع المعارضة هو الذي كان سائدا أننا كلما قرأنا عن معارض ارتبط ذكره بما منح له، فالأستاذ أحمد الشقيري رحمه الله يذكر أنه ولد في”معتقل” والده الشيخ أسعد الشقيري في قلعة تبنين في لبنان زمن السلطان عبد الحميد[79]، وإنه لاعتقال طريف هذا الذي يعيش صاحبه مع أسرته وينجب ما شاء له من الأبناء، والأطرف أن هذا الشيخ المعتقل ، بعدما “حرّرته” بريطانيا من الاستبداد العثماني انتهز الفرصة “لينتقم” من ظالمه السابق انتقاما طريفاً، على عكس المعارضين المعاصرين الذين حملتهم دبابات الاحتلال الأمريكي، إذ أنه كان “يتحدث بحرارة المؤمن المنافح عن أيام الباب العالي في إستانبول وعن الموقف الشهير الذي وقفه السلطان عبد الحميد في رفضه استقبال هرتسل مؤسس الصهيونية”[80]، ويذكر الأمير شكيب أرسلان في رحلته الحجازية أثناء حديثه عن الوصول للطائف: “وقد أنزلتني إمارة الطائف في دار شاهقة كانت تخص أحد أمراء الأكراد ممن نفي إلى الطائف أيام السلطان عبد الحميد”[81]، وفي حوادث سنة 1905 من “تاريخ العراق بين احتلالين” خبر نفي بعض العلماء منهم ثابت الآلوسي ومحمود شكري الآلوسي إلى بلاد الترك ولكن “لم يطل أمر إبعادهم ولا تجاوزوا الموصل وإنما تشبّث أهل الموصل من علماء وأعيان كما تشبّث الأستاذ الحاج علي علاء الدين الآلوسي الذي كان في استنبول في إرجاعهم فعادوا بعد مدة قصيرة”[82].

    فهل هذه النماذج وغيرها مما يضيق المقام بها تناسب ما علق بأذهاننا عن الاستبداد العثماني الأحمر الذي يضع المعارضين على الخوازيق أو يرميهم في البحر مع حجارة ثقيلة؟وهل تقارن هذه “العقوبات” بما ساد بعدها من مركزية دويلات مؤتمرات الصلح واتفاقيات سايكس بيكو؟ ألسنا بحاجة إلى إعادة النظر في تاريخنا لنبني عليه ما يناسبنا لا ما يملى علينا من مصالح غيرنا؟

    لقد اتّصفت دول التغريب الليبرالي والثوري باستبداد يهزأ بالاستبداد الحميدي، وسفكت من الدماء ما أغرق البلاد والعباد، ومع ذلك رضي الغرب عنها ودعمها وتحالف معها، ولعل النموذج الكمالي الذي افتتح دورة التغريب كان نذيرا بما سيصيب أمتنا على يديها:”وتفرّغ مصطفى كمال إلى معالجة حركات الداخل، فضرب الأكراد وأخضعهم بعنف، ثم حارب الأرمن وقد أعلنوا الجمهورية، فضربهم بقساوة، وقاد ضدّهم حرب إبادة وتهجير، فقتل الألوف وهجّر الباقين، وكانت مذابح الأرمن وتهجيرهم من أبشع مظاهر الاضطهاد التي تعرّض لها شعب، وخاض الحرب ضد اليونان”[83].
    ●هل تحقّقت التنمية الحداثية بالتخلّي عن الخلافة الإسلامية

    يقول المؤرّخ “نيكولاس دومانيس” إن التحديث اتخذ أهمية أكبر من الإمبراطورية عند أتاتورك وكثير من القوميين، ولهذا قام بإلغاء الدولة العثمانية رسمياً[84]، ولكن بمجرد النظر السريع على “إنجازات” القرن الذي قاده التغريب بعد سقوط الخلافة، يتبيّن أن الحداثة التي أُنجزت هي تقليد كاريكاتوري خال من المضمون الحقيقي للحداثة الغربية في كل البلاد التي كانت الخلافة تحكمها وتاقت إلى تقليد الغرب بالانسلاخ عن الماضي، ومازالت تركيا التي قُبلت في الحلف الأطلسي منذ بدايته لتؤدي خدماتها للغرب ممنوعة من الانضمام إلى مزاياه في الاتحاد الأوروبي، ولم يتحقّق في الدول التي قامت على أنقاض الخلافة أي إنجاز من الإنجازات العليا التي حقّقتها الدولة العثمانية في الماضي لاسيما أن مشروع التغريب قام على أساس التجزئة التي ألغت آليا كل ما تحقّقه الوحدة السياسية من تنمية وحدوية أو تكامل اقتصادي فضلا عن الإنجازات الأخرى كالدفاع العسكري والاكتفاء الذاتي والتي لا تتحقّق إلا في مجالات جغرافية واسعة غير متوفّرة عند دولة التجزئة، أما التعايش والتسامح الاجتماعيين فرغم كونهما من ألوية التغريب الدعائية العالية فإن ما جاءت به دولة التجزئة من خصومات وطنية وطائفية وقومية أدت إلى إشعال حروب بين مكونات الأمة الواحدة ما يكفي لسحب مآخذ المتغربين على تاريخنا المليء بنماذج التعايش والتسامح التي لم يستطع التغريب تحقيق بعضها فضلا عن اللحاق بها أو حتى كف شروره عنها، هذا بالإضافة إلى التبعية الاقتصادية فلا تنتج هذا الدول حاجاتها ولا تزرع طعامها ولا تستطيع الدفاع عن وجودها وتتكل على الأجنبي للقيام بهذه المهام وهو ما يجعلها بعيدة حتى عن النموذج الغربي المستقل الذي قامت بمحاكاته فلا هي أصبحت مثله ولا احتفظت بشخصيتها، ولهذا كلّه تراجعت المكانة الدولية لبلادنا المقسّمة المجزّأة بعدما كان مكاننا بين الدول العظمى حتى آخر أيام الخلافة فإذا بأقوانا بعد ذلك يصبح ضعيفا وصغيرا بين الأمم كما مر الحديث عن تركيا الكمالية.

    إن مدرسة التغريب في البلاد التي كانت تابعة للخلافة الإسلامية لا تستطيع ادعاء أنها أقامت بديلاً مستقلا قابلا للحياة فضلا عن نموذج نهضوي رغم الفرص الكبيرة التي حصلت عليها بعد سقوط الخلافة، فقد حكم المتغربون كثيرا من البلاد العربية بمساندة الدول الكبرى التي ساندت أيضا الحكم التقليدي في بلاد عربية أخرى لم تنجز شيئا أيضا، ولم تؤد جميع “مزايا” الاختراعات الغربية والاندماج بالغرب (التعليم والصحة والمواصلات وزيادة السكان والتصنيع والزراعة) والتي يحتج بها أنصار الاندماج في الغرب[85]، إلى بناء بديل مستقل:

    1- فإما أن هذه المزايا سهّلت حصول الغرب على ثرواتنا، كالمواصلات الحديثة لنقل النفط الذي لا يفيد مالكيه إلا بتمويل ترف سفيه ويحرّك مصانع الغرب واقتصاداته وتعود الفوائض المالية التي يدفعها للدول المنتجة إلى خزائنه ، وزيادة الرقعة الزراعية لزراعة المواد الأولية لمصانع الغرب بدل إنتاج الطعام لأمتنا، وذلك في بلاد يزيد اتصالها بالغربب عن الاتصال فيما بينها ولا تستطيع إطعام أنفسها.

    2- أو أنها مزايا تحوّلت إلى أعباء على دولة التجزئة كزيادة عدد السكان الذين يعيش كثير منهم في الفقر والمرض في وقت تؤلّف كثرة السكان مصدر قوة للدول الكبرى.

    3- أو أنها مزايا عجز النظام الرسمي عن الإفادة منها كالتعليم إذ لا يجد تصريفا إلا في الأعمال الخدمية والمكتبية فيهاجر المتعلمون جاهزين إلى الغرب، أو التصنيع الذي ما زال يحبو ولم ولن يصل درجة تنافسية في زمن دخل العالم الثورة الصناعية الثالثة ونحن لم ننجز الأولى، وكلما رفعنا رأسنا قليلا ضُربت نهضاتنا، ولا ننسى أن الاندماج بالنظامم الغربي العالمي هو الذي يحمي بالقوة المسلحة الظروف السياسية للضعف والتجزئة ويمنع الخروج عليها وإيجاد بديل عنها وهو ما يجعل كل مزايا الحياة الحديثة سطحية ومستعارة وغير قائمة على أسس ذاتية قابلة للاستمرار لاسيما عندما ينضب النفط في دوله أو يوجد بديل عنه.

    وفي كل الأحوال لم تكن مساندة الغرب للآخرين كما فعل استثنائيا مع اليابان جزءا من برنامجه العام وليس إدخالهم في جنته الحصرية من متطلبات حضارته النفعية، كما أن تكرار نموذجه التنموي ليس من الممكنات أصلا لأنه يستحيل على كوكب الأرض أن يوفر موارد لمستوى من المعيشة قائم على أن يستهلك الغربيون وهم 20% من سكانه، 80 % من موارده، أي لم يتبق سوى 20% من الموارد المتاحة لبقية السكان الذين يؤلفون 80% من العالم، ولهذا قيل إننا بحاجة لعدة كواكب كالأرض للحصول على موارد ومكبات نفايات كافية لتعميم مستوى المعيشة الغربي، ولكننا نسينا أن مثل هذه الكواكب سيكون فيها من السكان الذين سيقاومون الاستعمار الاستغلالي كما قاوم العالم الثالث استعمار الغرب أيضا، ولهذا فلن تحل معضلة الموارد ويتكرر نموذج الغرب حتى بهذا الحل المستحيل.

    ●التغني بمشاريع التغريب الاحتلالية وطمس مشاريع العثمانيين

    وفي محاولة لنحت أي إنجاز ولو من العدم فإن التغريب ما زال يحيي ذكرى لحظة تأسيس مشروعه النهضوي بجلب المطبعة على يد الحملة الفرنسية التي أذاقت مصر الأمرّين مع أن الفرنسيين أخذوا مطبعتهم معهم وهم منسحبون من مصر، ويتناسى المتغربون كل جرائم الاحتلال مقابل هذه الجزئية التي تمكّنت بلادنا من تعويض خسارتها وأسست مطابعها الخاصة على يد محمد علي باشا، وعلى كل حال كانت الطباعة قد دخلت الدولة العثمانية قبل الفرنسيين بزمن، أي أن إنجازهم ليس رائدا، ومع ذلك يجد من يفخر له ويحتفي به ويدق له الطبول ويرفع لواءه إلى سدرة المنتهى، أما مشاريع البنية التحتية الكبرى التي أقامها العثمانيون لتمتين روابط بلادنا كسكّة حديد الحجاز وسكة حديد بغداد والتي حافظوا عليها من اعتداءاتنا نحن حتى آخر لحظات بقائهم بيننا ولم يأخذوها أو يدمروها مع انسحابهم وتركوها لنا، فقد قام التغريب في دولنا بتدميرها بمشورة الاستعمار وما زلنا عاجزين عن إعادة ما كان قائما قبل قرن من الزمان ولا نجد من يبكي على آخر أيام وحدتنا الفعلية التي لم نستطع حتى اليوم تعويضها ولم يفعل التغريب سوى إحالتها إلى عالم الأموات بعدما كانت في عالم الأحلام والأغاني، دون أي مراسم عزاء، فأيهما الأحق بالتقدير والأسف عليه: جزئية سحبها المتحضّرون معهم ونفسوها علينا فتمكنا من تعويضها، أم مشاريع كبرى دمرناها بأيدينا ولم نستطع تعويضها؟

    ●الاستنتاج: إنجازات الدولة العثمانية بصفتها آخر نسخ الخلافة الإسلامية تدحض محاولات تدجين الفكر السياسي الإسلامي والتعلّق بحلول التجزئة الاستعمارية أو الاستعارات التغريبية

    قدّمت الخلافة الإسلامية نموذجا تاريخيا طويلا قام بإنجازات عديدة للشعوب الكثيرة التي انضوت تحت لوائه والتي تدهورت أحوال كثير منها بعد انهيار هذا النظام، ولما حل الاستعمار ببلادنا لم يجد وسيلة لتزكية جرائمه إلا العيب على من سبقه في حكم أوطاننا فقام بإلصاق صفاته بها على طريقة “رمتني بدائها وانسلّت”، ففي الوقت الذي حمت فيه الخلافة البلاد العربية من الاحتلال، قام التغريب بوصمها هي بصفة الاحتلال مجاراة منه لسادة الغرب الذين يريدون تلميع ظهورهم في عالمنا على حساب تاريخنا الذي يُراد تشويهه لتكتمل دائرة الإطراء الاستعماري الذاتي، وفي الوقت الذي قدّمت الخلافة فيه نموذجا لافتا من التسامح، رماه الاستشراق والأنظمة التغريبية الدموية بالاستبداد، ولكن بلادنا عرفت حقيقة الاستبداد عند أنظمة التغريب هذه التي أذاقتها صنوف العذاب فأصبحت تترحّم على الاستبداد العثماني الهزلي الذي كان غاية ما يقوم به هو ملاحقة “الضحية “بمخبر سري” ساذج يمسك الصحيفة المثقوبة بالمقلوب ويتجسّس من خلالها على تحركات “المطلوبين” الذين يسرحون ويمرحون في الآفاق وأحياناً يقدم المستبدون لهم معاشات كي تظل معارضتهم نظيفة وبعيدة عن الاستغلال الغربي الذي يودي بهم إلى الخيانة[86]، وفي الوقت الذي عشنا فيه مئات السنين بألفة وانسجام، لم تنقطع هذه الحياة إلا بقطع الطريق عليها من قبل اللصوص وقطاّع الطرق الغربيين الذين نشروا الانقسامات الدموية في بلادنا ثم راحوا يرموننا بالطائفية، وقد عجزت أيديولوجيات التغريب عن التقريب حتى بين أنصار الأفكار الموحّدة سواء الوطنية أو القومية، فليس هناك اليوم مشروع سياسي آخر يملك رصيدا تاريخيا هائلا طُبّق عمليا في بلادنا وظروفنا ويمكن البناء عليه كرصيد الخلافة الإسلامية، وهو ليس مشروعا قائما على تلبّس أمراض الآخرين واستنساخ حلولهم استنساخا ببغائيا، وللأسف فقد لحق بالمتغربين أخيرا أنصار الحل الإسلامي الذين تشرّبوا أسباب الفرقة وتخلّوا عن نموذجهم الاستيعابي لصالح تقليد الحل الغربي المفتت باسم الهويات المتعددة التي يصر الغربيون على الإعلاء من صوتها على حساب الصوت الموحّد، وهذا ما أتاح المجال في هذا الوقت لأن يُرمى الحل الإسلامي بصفة التفتيت على الرغم من المشاهد عيانا هو أن الغرب هو الذي يصر على تجسيد “الهويات المتعددة للشرق الأوسط
    ------------------------------------------------------------------------------
    كلمتان خفيفتان على اللسان .. ثقيلتان في الميزان .. حبيبتان إلى الرحمن

    سبحان الله وبحمده .. سبحان الله العظيم

  4. #4
    Super Moderator
    رقم العضوية : 2
    تاريخ التسجيل : Jun 2016
    المشاركات: 3,273
    التقييم: 10
    الدولة : الأردن
    العمل : طالب علم
    الهوامش●

    [1] –أحمد الشقيري، الأعمال الكاملة، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، 2006، ج 3 ص 2525-2531.

    [2] –Phillip Knightley and Colin Simpson, The Secret Lives of Lawrence of Arabia, McGraw-Hill Book Company, New York, 1969, pp. 60-61.

    [3] -نفس المرجع ، ص 66.

    [4] -نفس المرجع ، ص 70-71.

    [5] – دونالد كواترت،الدولة العثمانية1700-1922،مكتبة العبيكان، الرياض،2004 ، تعريب:أيمن الأرمنازي، ص 46-47.

    [6] – مصطفى كامل باشا،المسئلة الشرقية،مطبعة اللواء، القاهرة، 1909، ج2 ص 121.

    [7] -بسام العسلي، الأيام الحاسمة في الحروب الصليبية، دار النفائس، بيروت، 1978، ص 233-302.

    [8] -زين نور الدين زين، نشوء القومية العربية مع دراسة تاريخية في العلاقات العربية التركية، دار النهار للنشر، بيروت، 1986، ص 22.

    [9] -يلماز أوزتونا، تاريخ الدولة العثمانية،مؤسسة فيصل للتمويل، استانبول، 1988، ج 1 ص 327 و 365.

    [10] – مايكل أورين،القوة والإيمان والخيال،كلمات عربية وكلمة،القاهرة وأبو ظبي، 2008،ترجمة:آسر حطيبة، ص 409.

    [11] -السلطان عبد الحميد الثاني، مذكراتي السياسية 1891-1909، مؤسسة الرسالة، بيروت، 1979، ص 34.

    [12] –Marvin Lowenthal (Ed), The diaries of Theodor Herzl, The Universal Library, New York, 1962, p. 152.

    [13] -دونالد كواترت، ص 46.

    [14] -مصطفى كامل باشا، ج 1 ص 13.

    [15] -ثريا فاروقي، الدولة العثمانية والعالم المحيط بها، دار المدار الإسلامي، بيروت، 2008، ترجمة: د. حاتم الطحاوي، ص 103.

    [16] –Robert Aldrich (Ed), The Age of Empires, Thames & Hudson, London, 2007, p. 37.

    [17] -يلماز أوزتونا، ج 2 ص 865.

    [18] –د. عبد الوهاب الكيالي (تحرير)، موسوعة السياسة، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، 1993، ج 3 ص 220.

    [19] -مصطفى كامل باشا، ج 2 ص 107.

    [20] -دكتور حسان حلاق، موقف الدولة العثمانية من الحركة الصهيونية 1897-1909، دار النهضة العربية، بيروت،1999، ص 168.

    [21] – أستاذ دكتور عبد العزيز محمد الشناوي،الدولة العثمانية دولة إسلامية مفترى عليها،مكتبة الأنجلو المصرية، القاهرة، 1986، ج 4 ص2213-2214 و 2219.

    [22] -مصطفى كامل باشا، ج 2 ص 99.

    [23] -مصطفى كامل باشا في 34ربيعاً، مطبعة اللواء، القاهرة، 1910، ج 9 ص 177-178.

    [24] –Donald Quataert, Social Disintegration and Popular Resistance in the Ottoman Empire 1881-1908, New York University Press, New York, 1983, p. 1.

    [25] –Donald Quataert, Ottoman manufacturing in the age of the Industrial Revolution, Cambridge University Press, Cambridge, 1993.

    [26] -دونالد كواترت، ص 46.

    –Sevket Pamuk, The Ottoman Empire and the European Capitalism 1820-1913, Cambride University Press, Cambridge, 1987, p. 132.

    [27] –تيودور رتشتين،تاريخ المسألة المصرية 1875-1910،لجنة التأليف والترجمة والنشر،القاهرة، 1950،ترجمة:عبد الحميد العبادي ومحمد بدران، ص 11.

    [28] – روجر أوين،الشرق الأوسط في الاقتصاد العالمي 1800-1914،مؤسسة الأبحاث العربية، بيروت، 1990،ص 177.

    [29] –Charles Issawi, An Economic History of the Middle East and North Africa, Routledge, London, 2010, p. 66.

    [30] – ز.ي.هرشلاغ،مدخل إلى التاريخ الاقتصادي الحديث للشرق الأوسط،دار الحقيقة،بيروت،1973،ترجمة:مصطفى الحسيني، ص 104.

    [31] -عبد الرحيم عبد الرحمن عبد الرحيم، العلاقات الاقتصادية والاجتماعية بين الولايات العربية إبان العصر العثماني 1517-1789، المجلة العربية للعلوم الإنسانية، جامعة الكويت، العدد التاسع-المجلد الثالث-شتاء 1983، ص 11-46.

    [32] -أستاذ دكتور عبد العزيز محمد الشناوي، ج3 ص 1361.

    [33] -ز. ي. هرشلاغ، ص 69.

    [34] -د. عبد الوهاب الكيالي، ج 3ص 210.

    [35] -ثريا فاروقي، ص 19 و 54-55.

    [36] -محمد شعبان صوان، السلطان والمنزل:الحياة الاقتصادية في آخر أيام الخلافة العثمانية ومقاومتها لتمدد الرأسمالية الغربية، دار الوافد الثقافية، بيروت، ودار ابن النديم، الجزائر، 2013، ص 65-69.

    [37] –Sevket Pamuk, p. 144.

    [38] –الدكتور رمزي زكي، الاقتصاد العربي تحت الحصار، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، 1989، ص 271.

    [39] -دونالد كواترت، ص 38.

    [40] -فيليب كورتن، العالم والغرب:التحدي الأوروبي والاستجابة فيما وراء البحار في عصور الإمبراطوريات، مكتبة العبيكان، الرياض، 2007، ترجمة: رضوان السيد، ص 273.

    [41] -دونالد كواترت، ص 38.

    [42]–الدكتور حسن صبري الخولي، سياسة الاستعمار والصهيونية تجاه فلسطين في النصف الأول من القرن العشرين، دار المعارف بمصر، 1973، ج 1 ص 647.

    [43] –Michelle U. Campos, Ottoman Brothers: Muslims, Christians, and Jews in Early Twentieth-Century Palestine, Stanford University Press, Stanford-California, 2011.

    [44] -رءوف عباس، صفحات من تاريخ الوطن، دار الكتب والوثائق القومية، القاهرة، 2011، ص 180.

    [45] – سوسن آغا قصاب وخالد عمر تدمري، بيروت والسلطان، منشورات تراب لبنان بالتعاون مع بلدية بيروت، 2002، ص 7.

    [46] -نفس المرجع ، ص 7.

    [47] -يلماز أوزتونا، ج 2 ص 813.

    [48] –الجنرال علي فؤاد، كيف غزونا مصر، منشورات دار الكتاب الجديد، 1962، تعريب:الدكتور نجيب الأرمنازي، ص 76.

    [49] – Norman N. Lewis, Nomads and Settlers in Syria and Jordan, 1800-1980, Cambridge University Press, 2009, pp. 96-101, p. 59.

    [50] – Robert Aldrich, p. 43.

    [51] -نفس المرجع ، ص 26.

    [52] -دونالد كواترت، ص 161-163.

    [53] -نفس المرجع ، ص 217.

    – Robert Aldrich, p. 41.

    [54] – Norman N. Lewis, pp. 96-101.

    [55] -رءوف عباس ، ص 243.

    [56] –Stanford J. Shaw & Ezel Kural Shaw, History of the Ottoman Empire and Modern Turkey, Cambridge University Press, 2002, Vol. II, p. 260.

    [57] -بيتر مانسفيلد، تاريخ الشرق الأوسط، النايا للدراسات والنشر والتوزيع، دمشق، 2011، ترجمة: أدهم مطر، ص 58.

    [58] -د. عبد الوهاب الكيالي، ج 3ص 217.

    [59] -دونالد كواترت، ص 147-149، مع وجوب الرجوع للأصل الإنجليزي الذي لم تنقله الترجمة العربية نقلاً كاملاً :

    –Donald Quataert, The Ottoman Empire 1700-1922, Cambridge University Press, 2005, p. 76.

    [60] -فيليب كورتن، ص 270.

    [61] -روجر أوين، ص 69.

    [62] -بيتر مانسفيلد، ص 58.

    [63] -زين نور الدين زين، ص 132.

    -د. وهيب أبي فاضل، موسوعة عالم التاريخ والحضارة، نوبليس، 2007، ج 2 ص 182.

    [64] -زاكري كارابل، أهل الكتاب:التاريخ المنسي لعلاقة الإسلام بالغرب، دار الكتاب العربي، بيروت، 2010، ترجمة: د.أحمد إيبش، ص 239.

    [65] -بيتر مانسفيلد، ص 112.

    -جستن مكارثي، الطرد والإبادة مصير المسلمين العثمانيين (1821-1922 م)، قدمس للنشر والتوزيع، دمشق، 2005، ترجمة: فريد الغزي، ص22 و 27-28.

    [66] -السلطان عبد الحميد الثاني، ص 96.

    [67] -د. جيرمي سولت، تفتيت الشرق الأوسط: تاريخ الاضطرابات التي يثيرها الغرب في العالم العربي، دار النفائس، دمشق،2011، ترجمة: د. نبيل صبحي الطويل، ص 47.

    [68] -دونالد كواترت، ص 123-124.

    [69] – Jonathan S. McMurray, Distant Ties: Germany, the Ottoman Empire, and the Construction of the Baghdad Railway, Praeger, London, 2001, pp. 109-113.

    [70] -روجر آلن (تحرير)، إبراهيم المويلحي: الأعمال الكاملة، المجلس الأعلى للثقافة، القاهرة، 2007، ص 29.

    [71] -د. تهاني شوقي عبد الرحمن، نشأة دولة تركيا الحديثة 1918-1938 م، دار العالم العربي، القاهرة، 2011، ص 316.

    [72] –الدكتورة ماجدة مخلوف، الخلافة في خطاب أتاتورك، دار الآفاق العربية، القاهرة، 2002، ص 42.

    [73] –Jason Goodwin, Lords of the Horizons: A History of the Ottoman Empire, Henry Holt and Company, New York, 1999.

    [74] – Marvin Lowenthal, p. 152.

    [75] –New Standard Encyclopedia, Ferguson Publishing Company, Chicago, 1999, Vol. 16, p. 571.

    [76] -دونالد كواترت ، ص 87.

    [77] –Baki Tezcan, The Second Ottoman Empire: Political and Social Transformation in the Early Modern World, Cambridge University Press, Cambridge, 2010.

    [78] –عادل مناع، أعلام فلسطين في أواخر العهد العثماني، مؤسسة الدراسات الفلسطينية، بيروت، 1997، ص 147-149.

    [79] –أحمد الشقيري، ج 1 ص 122.

    [80] -نفس المرجع ، ج 1 ص 112.

    [81] –الأمير شكيب أرسلان، الرحلة الحجازية، دار النوادر، دمشق، 2007، ص 212.

    [82] –عباس العزاوي المحامي، موسوعة تاريخ العراق بين احتلالين، الدار العربية للموسوعات، بيروت، 2004، ج 8 ص 180-181.

    [83] -د. وهيب أبي فاضل، موسوعة عالم التاريخ والحضارة، نوبليس، 2007، ج 5 ص 78.

    [84] –Robert Aldrich, p. 43.

    [85] -سعد محيو، مأزق الحداثة العربية من احتلال مصر إلى احتلال العراق، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت،2010، ص 237.

    [86] -مذكرات السلطان عبد الحميد، دار القلم، دمشق، 1991، ترجمة: الدكتور محمد حرب، ص 64-65.

    [87] – برنارد لويس، الهويات المتعددة للشرق الأوسط، دار الينابيع، دمشق،2006 ، ترجمة: حسن بحري،ص205.

    ●المراجع

    1- أحمد الشقيري، الأعمال الكاملة، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت،2006 .

    2- برنارد لويس، الهويات المتعددة للشرق الأوسط، دار الينابيع، دمشق، 2006، ترجمة: حسن بحري.

    3- بسام العسلي، الأيام الحاسمة في الحروب الصليبية، دار النفائس، بيروت،1978.

    4- بيتر مانسفيلد، تاريخ الشرق الأوسط، النايا للدراسات والنشر والتوزيع، دمشق، 2011، ترجمة: أدهم مطر.

    5- د. تهاني شوقي عبد الرحمن، نشأة دولة تركيا الحديثة 1918-1938 م، دار العالم العربي، القاهرة، 2011.

    6- تيودور رتشتين، تاريخ المسألة المصرية 1875-1910، لجنة التأليف والترجمة والنشر،القاهرة، 1950، ترجمة:عبد الحميد العبادي ومحمد بدران.

    7- ثريا فاروقي، الدولة العثمانية والعالم المحيط بها، دار المدار الإسلامي، بيروت، 2008، ترجمة: د. حاتم الطحاوي.

    8- جستن مكارثي، الطرد والإبادة مصير المسلمين العثمانيين (1821-1922 م)، قدمس للنشر والتوزيع، دمشق، 2005، ترجمة: فريد الغزي.

    9- د. جيرمي سولت، تفتيت الشرق الأوسط: تاريخ الاضطرابات التي يثيرها الغرب في العالم العربي، دار النفائس، دمشق، 2011، ترجمة: د. نبيل صبحي الطويل.

    10- دكتور حسان حلاق، موقف الدولة العثمانية من الحركة الصهيونية 1897-1909، دار النهضة العربية، بيروت،1999.

    11- الدكتور حسن صبري الخولي، سياسة الاستعمار والصهيونية تجاه فلسطين في النصف الأول من القرن العشرين، دار المعارف بمصر،1973.

    12- دونالد كواترت،الدولة العثمانية 1700-1922،مكتبة العبيكان، الرياض،2004،تعريب:أيمن الأرمنازي.

    13- رءوف عباس، صفحات من تاريخ الوطن، دار الكتب والوثائق القومية، القاهرة، 2011.

    14- الدكتور رمزي زكي، الاقتصاد العربي تحت الحصار، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، 1989.

    15- روجر آلن (تحرير)، إبراهيم المويلحي: الأعمال الكاملة، المجلس الأعلى للثقافة، القاهرة، 2007.

    16- روجر أوين، الشرق الأوسط في الاقتصاد العالمي 1800-1914، مؤسسة الأبحاث العربية، بيروت، 1990.

    17- ز.ي.هرشلاغ، مدخل إلى التاريخ الاقتصادي الحديث للشرق الأوسط، دار الحقيقة، بيروت،1973، ترجمة:مصطفى الحسيني.

    18- زاكري كارابل، أهل الكتاب: التاريخ المنسي لعلاقة الإسلام بالغرب، دار الكتاب العربي، بيروت، 2010، ترجمة: د. أحمد إيبش.

    19- زين نور الدين زين، نشوء القومية العربية مع دراسة تاريخية في العلاقات العربية التركية، دار النهار للنشر، بيروت، 1986.

    20- سعد محيو، مأزق الحداثة العربية من احتلال مصر إلى احتلال العراق، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، 2010.

    21- سوسن آغا قصاب وخالد عمر تدمري، بيروت والسلطان،منشورات تراب لبنان بالتعاون مع بلدية بيروت،2002.

    22- الأمير شكيب أرسلان، الرحلة الحجازية، دار النوادر، دمشق، 2007.

    23- عادل مناع، أعلام فلسطين في أواخر العهد العثماني، مؤسسة الدراسات الفلسطينية، بيروت، 1997.

    24- عباس العزاوي المحامي، موسوعة تاريخ العراق بين احتلالين، الدار العربية للموسوعات، بيروت، 2004 .

    25- السلطان عبد الحميد الثاني، مذكراتي السياسية 1891-1909، مؤسسة الرسالة، بيروت، 1979.

    26- عبد الرحيم عبد الرحمن عبد الرحيم، العلاقات الاقتصادية والاجتماعية بين الولايات العربية إبان العصر العثماني 1517-1789، المجلة العربية للعلوم الإنسانية، جامعة الكويت، العدد التاسع-المجلد الثالث-شتاء 1983.

    27- الدكتور عبد العزيز الشناوي، الدولة العثمانية دولة إسلامية مفترى عليها، مكتبة الأنجلو مصرية، القاهرة، 1986.

    28- عبد الوهاب الكيالي، موسوعة السياسة، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت،1993.

    29- الجنرال علي فؤاد، كيف غزونا مصر، منشورات دار الكتاب الجديد،1962، تعريب:الدكتور نجيب الأرمنازي.

    30- فيليب كورتن، العالم والغرب: التحدي الأوروبي والاستجابة فيما وراء البحار في عصور الإمبراطوريات، مكتبة العبيكان، الرياض، 2007، ترجمة: رضوان السيد.

    31- الدكتورة ماجدة مخلوف، الخلافة في خطاب أتاتورك، دار الآفاق العربية، القاهرة،2002.

    32- مايكل أورين، القوة والإيمان والخيال،كلمات عربية وكلمة، القاهرة وأبو ظبي،2008، ترجمة:آسر حطيبة.

    33- مذكرات السلطان عبد الحميد، دار القلم، دمشق، 1991، ترجمة: الدكتور محمد حرب.

    34- محمد شعبان صوان، السلطان والمنزل: الحياة الاقتصادية في آخر أيام الخلافة العثمانية ومقاومتها لتمدد الرأسمالية الغربية، دار الروافد الثقافية، بيروت، ودار ابن النديم، الجزائر، 2013.

    35- مصطفى كامل باشا، المسئلة الشرقية، مطبعة اللواء، القاهرة، 1909.

    36- د. وهيب أبي فاضل، موسوعة عالم التاريخ والحضارة، نوبليس، 2007.

    37- يلماز أوزتونا، تاريخ الدولة العثمانية، مؤسسة فيصل للتمويل، استانبول،1990.

    38- Phillip Knightley and Colin Simpson, The Secret Lives of Lawrence of Arabia, McGraw-Hill Book Company, New York, 1969.

    39- Sevket Pamuk,The Ottoman Empire and the European capitalism 1820-1913,Cambridge University Press,Cambridge,1987.

    40- Donald Quataert, Social Disintegration and Popular Resistance in the Ottoman Empire 1881-1908,New York University Press, New York,1983.

    41- Donald Quataert, The Ottoman Empire 1700-1922, Cambridge University Press, 2005.

    42- Charles Issawi, An Economic History of the Middle East and North Africa, Routledge, London, 2010.

    43- Donald Quataert, Ottoman manufacturing in the age of the Industrial Revolution, Cambridge University Press, Cambridge, 1993.

    44- Marvin Lowenthal (Ed),The diaries of Theodor Herzl, The Universal Library, New York, 1962.

    45- Jason Goodwin, Lords of the Horizons: A History of the Ottoman Empire, Henry Holt and Company, New York, 1999.

    46- Jonathan S. McMurray, Distant Ties: Germany, the Ottoman Empire, and the Construction of the Baghdad Railway, Praeger, London, 2001.

    47- Michelle U. Campos, Ottoman Brothers: Muslims, Christians, and Jews in Early Twentieth-Century Palestine, Stanford University Press, Stanford-California, 2011.

    48- New Standard Encyclopedia, Ferguson Publishing Company, Chicago, 1999.

    49- Baki Tezcan, The Second Ottoman Empire : Political and Social Transformation in the Early Modern World, Cambridge University Press, Cambridge, 2010.

    50- Norman N. Lewis, Nomads and Settlers in Syria and Jordan, 1800-1980, Cambridge University Press, 2009.

    51- Robert Aldrich (Ed), The Age of Empires, Thames & Hudson, London, 2007.

    52- Stanford J. Shaw & Ezel Kural Shaw, History of the Ottoman Empire and Modern Turkey, Cambridge University Press, 2002, Vol. II.
    كلمتان خفيفتان على اللسان .. ثقيلتان في الميزان .. حبيبتان إلى الرحمن

    سبحان الله وبحمده .. سبحان الله العظيم

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

المفضلات

المفضلات

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •  

RSS RSS 2.0 XML MAP html  PHP  info tags Maps maptags vbmaps

الساعة معتمدة بتوقيت جرينتش +3 . الساعة الآن : 18:35.
الموقع غير مسؤول عن أي اتفاق تجاري أو تعاوني بين الأعضاء
فعلى كل شخص تحمل مسئولية نفسه إتجاه مايقوم به من بيع وشراء وإتفاق وأعطاء معلومات موقعه
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي موقع الأشاعرة و لا نتحمل أي مسؤولية قانونية حيال ذلك (ويتحمل كاتبها مسؤولية النشر)
الساعة الآن 02:42 PM
Powered by vBulletin® Version 4.2.3
Copyright © 2018 vBulletin Solutions, Inc. Translate By soft