بسم الله ، والصلاة والسلام على رسول ، أما بعد :
فقد طلب مني أحد الإخوة المناصرين لأقوال ابن تيمية أن أنقل له نصوص ابن تيمية في الحد ، وذلك لأن الأخ الفاضل أنكر أن ابن تيمية يقول بهذا ، فأحببت أن أنقل ما كتبته ، وأنشره هنا ليتسنى للجميع القراءة .
أسأل الله لنا ولكم التوفيق والهداية والسداد .
--------------------------------------------------
الحد ...
أولا : لنبدأ بتعريف وفهم ابن تيمية للحد ، فهو الأساس الذي سنفهم به عقيدته لمسألة الحد .
نص ابن تيمية على أن الأجسام لا يمكن أن تكون غير متناهية من حيث الأبعاد .. قال في التأسيس 1/285 :
بل الأجسام تستحيل مع قبول الانقسام ، فلا يقبل شيء منها انقساما لا يتناهى ، كما أنها إذا كثرت وعظمت تنتهي إلى حد تقف عنده ولا تذهب إلى أبعاد لا تتناهى . اهـ .
فهو هنا ينفي أن تمتد الأجسام إلى أبعاد لا تتناهى ، ويقول بأنه لا بد لها من حد تقف عنده .
وهذا نوافقه عليه طبعا .
ثم ابن تيمية عندما يذكر كلمة ( الحد ) في الذات الإلهية ، فإنه يقصد بها حدّ الذات ونهاياتها ، وعندما يذكر كلمة ( القدْر ) فإنه يقصد ( الحجم ) فإنه لم يخالف في قدر الله ( عظمته ) أحد ، كما نفى أن يكون معنى الحد في الصفات كالعلم والقدرة وووالخ والدليل :
رده على الإمام الخطابي الذي نفى الحد ونفى قول القائل ( حد لا كالحدود ) فرد عليه ابن تيمية قائلا :
قلتُ : أهل الإثبات المنازعون للخطابي وذويه يجيبون على هذا بوجوه .
ثم قال : أحدها : أن هذا الكلام الذي ذكره إنما يتوجه لو قالوا : إن له صفة هي ( الحد ) كما توهمه هذا الراد عليهم ( يقصد الخطابي ) وهذا لم يقله أحد ولا يقوله عاقل ، فإن هذا الكلام لا حقيقة له ، إذ ليس في الصفات التي يوصف بها شيء من الموصوفات كما وصف باليد والعلم صفة معينة يقال لها الحد .
ورغم غرابة رده هذا على الخطابي ، إذ أن الخطابي يتكلم في الشرق وابن تيمية يجيبه في الغرب ، مع ذلك فقد وضح لنا ابن تيمية أن الحد صفة لله ليست كصفة العلم والقدرة وووالخ ، بل هي من لوازم الذات كما سيأتي إن شاء الله .
ثم قال ابن تيمية في تعريفه للحد في التأسيس 1/442 : وإنما الحدّ ما يتميز الشيء به عن غيره من صفته وقدره .. اهـ
فدقق أيهاالقارئ اللبيب في قوله : ( ما يتميز الشيء به عن غيره من صفته وقدره ) فصفته هنا هي الصفة الخاصة كالعلم والقدرة وووالخ ، وقدره أي مساحته وحجمه بدليل أنه قال مباشرة : كما هو المعروف في لفظ الحد في الموجودات، فيقال : حد الإنسان ، وحد كذا ، وهي من الصفات المميزة له ، ويقال حد الدار والبستان ، وهي جهاته وجوانبه المميزة له ، ولفظ الحد في هذا أشهر في اللغة والعرف العام ونحو ذلك اهـ .. كذا قال !!
ثم قال مباشرة منتقدا الجهمية : ولما كان الجهمية يقولون بما مضمونه : إن الخالق لا يتميز عن الخلق ، فيجحدون صفاته التي تميز بها ، ويجحدون قدره ( أي حجمه ) فتأمل !
فهل عرفت الآن أخي القارئ ماذا يريد ابن تيمية من لفظ الحد والقدْر ؟؟

والآن مع ابن تيمية في بعض نصوصه في الحد ، وأريدك أخي القارئ أن تركز على ما أضعه من كلمات وجمل بين قوسين .
قال ابن تيمية في التأسيس 2/163: وهذا المحفوظ عن ( السلف والأئمة ) من إثبات ( حدّ ) لله في نفسه ، فقد بينوا مع ذلك أن العباد لا يحدّونه ولا يدركونه ، ولهذا لم يتناف كلامهم في ذلك كما يظنه بعض الناس ، فإنهم نفوا أن ( يحدّ أحد ) الله كما ذكره حنبل عنه في كتاب السنة ، والمحنة ، وقد رواه الخلال في كتاب السنة : أخبرني عبدالله بن حنبل حدثني أبي حنبل بن إسحاق قال : قال عمي : نحن نؤمن بالله عز وجل على عرشه كيف شاء وكما شاء بلا حد ولا صفة يبلغها واصف أو يحده أحد ...الخ ..اهـ .
فهنا يقرر ابن تيمية الحد لله ويثبته له ولكنه ينفي علم البشر بهذا الحد ، هذا ما ينفيه فقط !!!

قال ابن تيمية في التأسيس 2/109 : وأما ( سلف الأمة وأئمتها ومن اتبعهم )، فألفاظهم فيها أنه فوق العرش ، وفيها إثبات الصفات الخبرية التي يعبر هؤلاء المتكلمون عنها بأنها أبعاض وأنها تقتضي التركيب والانقسام ، وقد ثبت عن ( أئمة السلف ) أنهم قالوا : لله حد ، وأن ذلك لا يعلمه غيره .. اهـ .
ولا أدري من أولئك السلف الذين قالوا بهذا ؟!!!

قال ابن تيمية في التأسيس 2/171 : وكان القاضي أبو يعلى ينكر الحد ثم رجع إلى الإقرار به ، وكذلك لفظ الجهة ..اهـ
وكما هو معلوم أن القاضي يعتبر أحد مراجع ابن تيمية العظام !!!
لكن دعونا نكمل ، ثم قال ابن تيمية موضحا مذهب القاضي أبي يعلى :
فقال في كتاب إبطال التأويلات لأخبار الصفات ، في كلامه على حديث العباس بن عبدالمطلب ولااستواء على العرش :
فإذا ثبت أنه على العرش ، فالعرش في جهة وهو على عرشه ، وقد منعنا في كتابنا هذا في غير موضع إطلاق الجهة عليه ، والصواب جواز القول بذلك ، ( لأن أحمد ) قد أثبت هذه الصفة التي هي الاستواء على العرش ، وأثبت أنه في السماء ، وكل من أثبت هذا أثبت الجهة ، وهم أصحاب (ابن كرام ) وابن منده الأصبهاني ... اهـ .
القاضي كان ينفي الحد والجهة عن الله في هذا الكتاب ، ثم فجأة عاد للقول بها أيضا في هذا الكتاب !!!!! لماذا ؟؟ فقط لأن أحمد أثبتها !!!! سبحانك ربي ما أحلمك .
دعونا نكمل : قال القاضي ( وهذا نقل ابن تيمية ) : وإذا ثبت استواؤه وأنه في جهة ، وأن ذلك من صفات الذات ، فهل يجوز اطلاق الحد عليه ؟
قال : وقد أطلق أحمد القول بذلك في رواية المروذي .
أقول ( القائل ابن تيمية ) : ينقل القاضي أبو يعلى عن أحمد أنه قد أثبت كون الله له حد كما رواه عنه المروذي ، ثم قال : فقد أطلق أحمد القول بإثبات الحد لله .
أقول : أي كما في رواية المروذي المذكور ، قال ( القاضي ) : وقد نفاه في رواية أحمد ، فقال : نحن نؤمن بأن الله على العرش كيف شاء وكما شاء بلا حد ولا صفة يبلغها واصف أو يحده أحد .
فقد نفى الحد عنه على الصفة المذكورة ( وهو الحد الذي يعلمه خلقه ) .. اهـ .
هنا أيضا يوفق ابن تيمية بين قولين للقاضي ينسبهما للإمام أحمد ، أحدهما يقول بالحد ، والآخر ينفي الحد ، فيقول ابن تيمية أن النفي المذكور هو نفي علم العباد به ، وأما الإثبات فهو إثبات صحيح في أصله .
ثم علق ابن تيمية على كلام القاضي الذي يقول بحد واحد لله من جهة العرش فقط ، هنا علق ابن تيمية على كلام القاضي الذي نقل الرواية عن أحمد فقال : فالموضع الذي قال : إنه على العرش بحد ، معناه ما ( حاذى العرش من ذاته ) فهو ( حد ) له وجهة له .
والموضع الذي قال ( القاضي ) : هو على العرش بغير حد ، معناه ( دقق هنا أيها القارئ الكريم ) معناه ما عدا الجهة المحاذية للعرش وهي الفوق والخلف والأمام والميمنة والميسرة . وكان الفرق بين جهة التحت المحاذية للعرش وبين غيرها ما ذكرنا أن جهة التحت تحاذي العرش بما قد يثبت من دليل ، والعرش محدود ، فجاز أن يوصف ( ما حاذاه من الذات ) أنه ( حد ) وجهة ، وليس كذلك فيما عداه ، لأنه لا يحاذي ما هو محدود بل هو مار في الميمنة والميسرة والفوق والأمام والخلف إلى غير نهاية .. اهـ .
انتهى كلام القاضي ..
فالقاضي هنا يقول بأن الله محدود من جهة العرش فقط لأن الخبر ورد بذلك فقلنا به ، ولكن ذات الله تعالى ليست محدودة من بقية الجهات بل هي مارة في الجهات الخمس بلا نهاية !!!!!!
نعوذ بالله من الخذلان .
وسنقرأ الآن هل ابن تيمية يوافق القاضي على محدودية الله من جهة واحدة فقط وهي جهة تحت ، أم لا ؟؟
فقال ابن تيمية في التأسيس 2/174 : قلتُ : هذا الذي ذكره في تفسير كلام أحمد ليس بصواب ، بل كلام أحمد كما قال أولا ، حيث نفاه نفى تحديد الحادّ له وعلمَه به ، وحيث أثبته أثبته في نفسه ، ولفظ الحد يقال على حقيقة المحدود : صفة أو ( قدْرا ) أو مجموعهما ، ويقال على العلم والقول الدال على المحدود .. اهـ .
فابن تيمية هنا يرد على القاضي ويخالفه في إثباته حدا واحدا لله فقط ، ويرد عليه فهمه لكلام الإمام أحمد ، فالخلاف بينهما هو في الجهات الخمس الباقية ، فالقاضي يرى أن ذات الله ممتدة فيها إلى ما لا نهاية ، ولكن ما رأي ابن تيمية بهذا ؟؟ هل يوافق ؟؟ دعونا نسمع منه .
قال مباشرة : وأما ما ذكره القاضي من إثبات الحد من ناحية العرش فقط فهذا قد اختلف فيه كلامه ، وهو قول طائفة من أهل الإثبات ، والجمهور (على خلافه ) و( هو الصواب ) .
فابن تيمية يضعف رأي القاضي في امتداد ذات الله في الجهات الخمس ، ويرجح عليه قولا ينسبه للجمهور ويحكم بصحته وهو المحدودية في الجهات الخمس الباقية !!!
فتأمل .
ويقول أيضا في تعليقه على كلام القاضي السابق : وهذا معنى قول أحمد : حد لا يعلمه إلا هو . ولو كان مراد أحمد رحمه الله الحد من جهة العرش فقط لكان ذلك معلوما لعباده ، فإنهم قد عرفوا ( أن حده من هذه الجهة هو العرش ) فعلم أن الحد الذي لا يعلمونه ( مطلق لا يختص بجهة العرش ) ..اهـ .
فابن تيمية كما ترى يقول بأن حد الله من جهة تحت هو العرش ، وأن هذا الحد معلوم للعباد . طيب وما الحد الذي لا يعلمه العباد يا ابن تيمية ؟؟
قال : مطلق لا يختص بجهة العرش !!! يعني في الجهات الباقية أيضا ولكن نحن نجهل نهاية حده إلى أين يصل ، كما فهمنا نهاية حده من جهة تحت !!!!
وهذا نص صريح واضح لكل ذي لب .

قال ابن تيمية في الدرء 2/19 بعد أن ذكر بعض النصوص عن أحمد وابن المبارك في مسألة الحد : فهذا وأمثاله مما نقل عن الأئمة كما قد بسط في غير هذا الموضع ، وبينوا أن ما أثبتوه له ( من الحد ) لا يعلمه غيره .
ثم قاس ابن تيمية جهلنا بالحد بمسألة الكيفية فقال : كما قال مالك وربيعة وغيرهما : الاستواء معلوم والكيف مجهول ، فبين أن كيفية استوائه مجهولة للعباد ، فلم ينفوا ثبوت ذلك في نفس الأمر ، ولكن نفوا علم الخلق به ، والأئمة ينفون علم الخلق ( بقدْره ) وكيفيته ..اهـ !!!!
فالحد ثابت عن ابن تيمية والأئمة بنظره ، ولكن المنفي فقط هو علمنا بهذا الحد !!!!

قال ابن تيمية رادا على الإمام الرازي في التأسيس 1/52 : وأما وصفه (بالحد ) و( النهاية ) الذي تقول أنت ( اي الرازي ) أنه معنى التجسيم ، فهم فيه كسائر أهل الإثبات على ثلاثة أقوال : منهم من يثبت ذلك كما هو منقول عن ( السلف والأئمة ) ومنهم من ينفي ذلك ، ومنهم من لا يتعرض له بنفي ولا إثبات ..اهـ
فابن تيمية ينسب ثبوت الحد والنهاية لله للسلف والأئمة ، وهو منهم وآخذ برأيهم بلا شك ولا ريب !!!
بل ينسبه لأكثر أهل السنة والحديث حيث يقول في التأسيس 1/397 : ثم إن كثيرا من أئمة أهل السنة والحديث أو أكثرهم يقولون : إنه فوق سماواته على عرشه بائن من خلقه ( بحد )
بل الأخطر أن ابن تيمية يجعل الحد من لوازم ذاته عز وجل !!
قال في التأسيس 1/544 : ويقال له ( أي للرازي ) أتعني بالحيز ما هو من لوازم المتحيز ، وهو ( نهايته وحدّه ) الداخل في مسماه ، أم تريد بالحيز شيئا موجودا منفصلا عنه كالعرش ؟؟
فإن أريد بالحيز المعنى الأول وهو ( ما هو من لوازم كل متحيز ) فإن حيزه بهذا التفسير ( داخل في مسمى ذاته ونفسه وعينه ) ثم قال : ( ولا نسلم أنه ممتنع ) ، و( القدْر ) والحيز الداخل في مسمى المتحيز الذي هو من لوازمه ( أبلغ من صفاته الذاتية ) فإن كل وجود متحيز بدون الحيز الذي هو ( جوانبه المحيطة به ) يمتنع أن يكون هو إياه .
ثم قال : يقال له ( للرازي ) : كل جسم فإنه مختص بحيزه ، وحيزه الذي هو جوانبه ونهايته وحدوده الداخل في مسماه ، وأما اختصاصه بحيز وجودي ينفصل عنها فذاك شيء آخر لا يلزم كما قد بيناه . .
فهو هنا أيضا يثبت أن الله له حيز ، وحيز الله هو نهايته وحده الداخل في مسماه !!!!!!
ويقول بكل جسارة وجرأة بأن الحيز والقدر ( الحجم ) ألزم لذات الله من صفاته الذاتية ، يعني ألزم من صفة العلم والإرادة والقدرة ووووالخ !!!
فاعجب ما شاء لك أن تعجب أيها القارئ .
والآن أنا انتهيت من نقل بعض نصوصه وليس جميعها ، والحمد لله هي مفهومة للغاية إلا على العميان والجهال .
-------------------------------------------------
كتبه : عصام بن عبد اللطيف الشيباني
غايتنا وجه الله لا سواه