إذا كانت هذه زيارتك الأولى يرجى الاطلاع على الرابط التالي الأسئلة ولكي تتمكن من كتابة مواضيع وإرسال رسائل خاصة لابد لك منالتسجيل
النتائج 1 إلى 2 من 2

الموضوع: مفهوم الكرامة عند الأشاعرة

  1. #1
    Super Moderator
    رقم العضوية : 2
    تاريخ التسجيل : Jun 2016
    المشاركات: 3,273
    التقييم: 10
    الدولة : الأردن
    العمل : طالب علم
    الهوايه : المطالعة

    مفهوم الكرامة عند الأشاعرة

    الكرامة في اللغة :
    جاء في لسان العرب مادة (كرم): الكَريم من صفات الله وأَسمائه، وهو الكثير الخير الجَوادُ المُعطِي الذي لا يَنْفَدُ عَطاؤه، وهو الكريم المطلق، والكَريم الجامع لأَنواع الخير والشرَف والفضائل، والكَريم اسم جامع لكل ما يُحْمَد، فالله عز وجل كريم حميد الفِعال، ورب العرش الكريم العظيم؛... والكَرَم نقيض اللُّؤْم يكون في الرجل بنفسه وإن لم يكن له آباء، ويستعمل في الخيل والإبل والشجر وغيرها من الجواهر إذا عنوا العِتْق، وأَصله في الناس، قال ابن الأَعرابي: كَرَمُ الفرَس أن يَرِقَّ جلده ويَلِين شعره وتَطِيب رائحته، وقد كَرُمَ الرجل وغيره بالضم كَرَماً وكَرامة، فهو كَرِيم وكَرِيمةٌ وكِرْمةٌ ومَكْرَم ومَكْرَمة"[1].
    وفي مختار الصحاح [ كرم ]: الكَرَمُ بفتحتين ضد اللؤم، وقد كَرُمَ بالضم كَرَما فهو كَرِيمٌ، وقوم كِرَامٌ وكَرَمَاءُ ونسوةٌ كَرَائِمُ ورجل كَرَمٌ ...و المَكْرُمَةُ واحدة المَكَارِمِ، و المَكْرُم: المكرمة عند الكسائي، وعند الفراء هو جمع مكرمةٍ، و الأُكْرُومَةُ من الكرم كالأعجوبة من العجب، و التكَرُّمُ تكلف الكرم، وقال:
    تكرم لتعتاد الجميل فلن ترى*** أخا كرم إلا بأن يتكرما

    و أكْرَمَ الرجل أتى بأولاد كرام، و اسْتَكْرَمَ استحدث علقا كريما، و التكْرِيمُ و الإكْرامُ بمعنى، والاسم منه الكَرَامَةُ، ويقال: حمل إليه الكرامة..."[2]
    وفي تاج العروس : "الكرم محركة ضد اللؤم... وكارمه: فاخره في الكرم ( فكرمه كنصره )؛ أي ( غلبه فيه)؛ أي الكرم، ( وأكرمه ) إكراما ( وكرمه ) تكريما ( عظمه ونزهه ) والاسم منهما الكرامة، قال أبو المثلم: "ومن لا يكرم نفسه لا يكرم"، وقيل: الإكرام والتكريم أن يوصل إلى الانسان بنفع لا تلحقه فيه غضاضة، أو يوصل إليه بشئ شريف، وقال الشاعر :
    إذا ما أهان امرؤ نفسه *** فلا أكرم الله من أكرمه[3].

    الكرامة في كتب الاصطلاح :
    قال المناوي في مهمات التعاريف : "الكرامة اسم للإكرام ، وهو إيصال الشيء الكريم أي النفيس إلى المكرم..."[4] ،
    و قال الجرجاني : "الكرامة هي ظهور أمر خارق للعادة من قبل شخص غير مقارن لدعوى النبوة، فما لا يكون مقرونا بالإيمان والعمل الصالح يكون استدراجا، وما يكون مقرونا بدعوى النبوة يكون معجزة.[5]

    وورد في كتاب الكليات : "وكل خارق ظهر على يد النبي عليه الصلاة والسلام بعينه فهو من باب الكرامات ، والأنبياء قبل البعثة لا يخرجون عن درجة الأولياء ، وظهور الكرامات على يد الأولياء جائز عندنا، ومعجزة النبي يراها المسلم والكافر ، والمطيع والعاصي وأما كرامة الولي فلا يراها إلا مثله ، ولا يراها الفاسق.[6]
    قال الشيخ بن عجيبة في أنواع الكرامة : «وهي نوعان: الكرامة الحسية: هي خرق الحس العادي، كالمشي على الماء، والطيران في الهواء، وطي الأرض، ونبع الماء، وجلب الطعام، والاطلاع على المغيبات وغير ذلك من خوارق العادات.

    والكرامة المعنوية : هي استقامة العبد مع ربه في الظاهر والباطن، وكشف الحجاب عن قلبه حتى عرف مولاه، والظفر بنفسه ومخالفة هواه، وقوة يقينه وسكونه وطمأنينته بالله، والمعتبر عند المحققين هي هذه الكرامة»[7].
    الكرامة عند الأشاعرة :
    - عند أبي الحسن الأشعري رحمه الله :


    "وكان يقول: إن المعجزات لا يجوز أن تظهر إلا على الصادقين، لأنها لإبانة الصادق من الكاذب، ومثلها من جنسها قد يجوز أن يظهر على من ليس بنبي من الأولياء ويكون كرامات لهم ودلالات على صدقهم في أحوالهم ومقاماتهم، غير أن الرسول يدعي ذلك فيظهر عند دعواه، ويباهي به قومه، ويتحدى قومه قدر الإمكان بالإتيان بمثله، والولي لا يتحدى بها ولا يظهرها، ولا يدعي فيها بل يرى رؤيتها، والنظر إليها وغلإعجاب بها، والدعوى فيها خطأ ومعصية"[8].

    - عند أبي بكر الباقلاني :
    قال الإمام النووي في بستان العارفين نقلا عن أبي بكر الباقلاني: "وقال أوحد وقته في فنه القاضي أبو بكر الباقلاني رضي الله تعالى عنه:
    المعجزات تختص بالأنبياء، والكرامات تكون للأولياء، كما تكون للأنبياء، ولا تكون للأولياء معجزة، لأن من شرط المعجزة اقتران دعوى النبوة بها.
    والمعجزة لم تكن معجزة لعينها؛ وإنما كانت معجزة لحصولها على أوصاف كثيرة، فمتى اختل شرط من تلك الشرائط لا تكون معجزة"
    وقد بسط القاضي أبو بكر الكلام في ذلك، في كتابه المصنّف في الفرق بيـن المعـجزات، والكرامات، والحيل، والكهانات، والسحر، والنيرنجيات، والكتاب طبع أول مرة، ونشره الأب رتشرد يوسف مكارثي اليسوعي عام 1958، في المكتبة الشرقية ببيروت1958م بعنوان: البيان عن الفرق بين المعجزات والكرامات، والحيل والكهانة والسحر والنرنجات[9]. والكتاب طبع ناقصا، وقد نقل الباقلاني عن الباقلاني قي كتابه النبوات[10]

    أبو اسحاق الاسفراييني وإنكار الكرامات :
    أمّا عن إنكاره لكرامات الأولياء؛ فقد ذكر ذلك الجويني في الإرشاد فقال: "فالذي صار إليه أهل الحق جواز انخراق العادات في حق الأولياء، و أطبقت المعتزلة على منع ذلك، و الأستاذ أبو إسحاق رضي الله عنه يميل إلى قريب من مذاهبهم"[11].
    وذكر ذلك الذهبي عنه أيضا في السير نقلا عن القشيري، فقال: "وحكى أبو القاسم القشيري عنه أنّه كان يُنكر كرامات الأولياء، ولا يُجوّزها. وهذه زلة كبيرة"[12].
    ورد السبكي هذا الإنكار عن أبي إسحاق فقال: "ويزداد تعجبي عند نسبة إنكارها إلى الأستاذ أبي إسحاق الاسفراييني، وهو من أساطين أهل السنة والجماعة، على أن نسبة إنكارها إليه على الإطلاق كذب عليه. والذي ذكره الرجل في مصنفاته أن الكرامات لا تبلغ مبلغ خرق العادة"[13].
    واعتذر ابن خلدون في مقدمته لأبي إسحاق الاسفراييني بأن النقل عن الأستاذ في ذلك ليس صريحاً[14].
    جواز الكرامات و وقوعها عقلا و سمعا وتمييزها من المعجزات عند الإمام الجويني:
    قال الجويني في الإرشاد: "فالذي صار اليه أهل الحق جواز انخراق العادات في حق الأولياء، وأطبقت المعتزله على منع ذلك، و الأستاذ أبو إسحاق رضي الله عنه يميل إلى قريب من مذاهبهم.
    ثم مجوزو الكرامات تحزبوا أحزابا. فمن صائر إلى أن شرط الكرامة الخارقة للعادة أن تجري من غير إيثار و اختيار من الولي، و صار هؤلاء إلى أن الكرامة تفارق المعجزة من هذا الوجه، و هذا غير صحيح لما سنذكره. و صار صائرون إلى تجويز وقوع الكرامة على حكم الاختيار، و لكنهم منعوا وقوعها على قضيه الدعوى؛ فقالوا: لو ادعى الولي الولاية، و اعتضد إيثار دعوته بما يخرق العادة، فإن ذلك ممتنع، و هؤلاء يقدرون ذلك تمييزا بين الكرامة و المعجزة. و هذه الطريقة غير مرضيه أيضا، و لا يمتنع عندنا ظهور خوارق العوايد مع الدعوى المفروضة.
    و صار بعض أصحابنا إلى أن ما وقع معجزة لنبي، لا يجوز وقوعه كرامة لولي؛ فيمتنع عند هؤلاء أن ينفلق البحر، و تنقلب العصا ثعبانا، و يحيي الموتى كرامه لولي، إلى غير ذلك من آيات الأنبياء، و هذه الطريق غير سديدة أيضا. و المرضي عندنا، تجويز جمله خوارق العوايد في معارض الكرامات.
    و غرضنا من تزييف هذه الطرق و إثبات الصحيح عندنا، و الميز بين الكرامة و المعجزة، يستبين بذكرنا عمد نفاة الكرامة؛ و تفصينا عنها، و تعويلنا على القواطع في إثباتها.
    فمما تمسك به نفاة الكرامة أن قالوا: لو جاز انخراق العادة من وجه، لجاز ذلك من كل وجه، ثم يجر مقاد ذلك إلى ظهور ما كان معجزة لنبي على يد ولي، و ذلك يفضي إلى تكذيب النبي المتحدي بآيته، القائل لمن تحداه: لا يأتي أحد بمثل ما أتيت به. فلو جاز إتيان الولي بمثله، لتضمن ذلك نسبة الأنبياء إلى الافتراء.
    و هذا تمويه لا تحصيل له، إذ لا خلاف في أن الشي‏ء الواحد من خوارق العوائد يجوز أن يكون معجزه لنبي بعد نبي، ثم لا يكون ظهوره ثانيا مكذبا لمن تحدى به أولا. فإن قالوا: النبي يقيد دعواه في خطاب من تحداه، و يقول: لا يأتي أحد بمثل ذلك إلا من يدعي النبوة صادقا في دعواه.
    قلنا: إن ساغ تقييد الدعوى بما ذكرتموه، فلا يمتنع أيضا أن يقول النبي لا يأتي بمثل ذلك متنبي و لا ممخرق مفتر، و لا من يروم تكذيبي؛ و تخرج الكرامات عن هذه الجهات و ليس تقييد أولى من تقييد.
    و مما احتجوا به، أن قالوا: لو جوزنا انخراق العوائد للأولياء، لم نأمن في وقتنا وقوعه، و ذلك يؤدي إلى أن يتشكك اللبيب في جريان دجله دما عبيطا، و انقلاب الأطواد ذهبا إبريزا، و حدوث بشر من غير إعلاق و ولادة، و تجويز ذلك سفسطة و تشكك في الضروريات.
    قلنا: هذا الذي ذكرتموه ينعكس عليكم في زمان الأنبياء فإن الذين كانوا في مدة الفترة، و هي ما بين العروج بعيسى عليه السلام إلى ابتعاث محمد صلى الله عليه و سلم، كان لا يسوغ منهم تجويز ما منعتم تجويزه في محاوله دفع الكرامات،و لما ابتعث النبي، و ظهرت الآيات، و انخرقت العادات، استل عن صدور العقلاء الأمن من وقوع خوارق العوائد.
    و هذا سبيلنا في الذي دفعنا إليه فنحن الآن على أمن من أن ما قدروه لا يقع، فإن قدر الله وقوعه قلب العادة، و أزال العلوم الضرورية بأن ما قدروه لا يقع. فقد بطل ما قالوه، و استبان بانفصالنا عنه أصل في الكرامة.
    فإن قيل: ما دليلكم على تجويزها؟ قلنا: ما من أمر يخرق العوائد إلا و هو مقدور للرب تعالى ابتداء، و لا يمتنع وقوع شي‏ء لتقبيح عقل لما مهدناه فيما سبق. و ليس في وقوع الكرامة ما يقدح في المعجزة؛ فإن المعجزة لا تدل لعينها، و إنما تدل لتعلقها بدعوى النبي الرسالة و نزولها منزلة التصديق بالقول. و الملك الذي يصدق مدعي الرسالة بما يوافقه و بما يطابق دعواه، لا يمتنع أن يصدر منه مثله إكراما لبعض أوليايه. و لا يقدح مرام الإكرام في قصد التصديق، إذا أراد التصديق، و لا خفاء بذلك على من تأمل.
    فإن قيل: فما الفرق بين الكرامة و المعجزة؟ قلنا: لا يفترقان في جواز العقل، إلا بوقوع المعجزة على حسب دعوى النبوءة.
    و استدل مثبتو الكرامات بما لا سبيل إلى دريه في مواقع السمع. فإن أصحاب الكهف و ما جرى لهم من الآيات لا سبيل إلى جحده، و ما كانوا أنبياء اجماعا. و كذلك خصت مريم عليها السلام‏ بضروب من الآيات؛ فكان زكريا صلوات الله عليه يصادف عندها فاكهة الشتاء في الصيف وفاكهة الصيف في الشتاء، و يقول معجبا: «أنى لك هذا». و تساقط عليها الرطب الجني، إلى غير ذلك من آياتها. و كذلك أم موسى عليها السلام، ألهمت في أمره بما لا خفاء به. و جرى من الآيات في مولد الرسول عليه السلام ما لا ينكره منتم إلى الإسلام و كان ذلك قبل النبوءة، والانبعاث و المعجزة لا تسبق دعوى النبوءة كما قدمناه.
    فإن تعسف بعضهم و زعم أن الآيات التي استدللنا بها كانت معجزات لنبي كل عصـر، فذلك اقتحام للجهالة. فإنا إذا بحثنا عن العصور الخالية، لم نلف الآيات التي تمسكنا بها مقترنة بدعوى، بل كانت تقع من غير تحد لمتحد. فإن قالوا: إنما وقعت للأنبياء دون دعواهم فشـرط المعجزة الدعوى، فإذا فقدت كانت خوارق العادات كرامة للأنبياء، و يحصل بذلك غرضنا في إثبات الكرامات، و لم يكن في وقت مولد الرسول نبي تستند إليه آياته. فقد وضحت الكرامات جوازا و وقوعا، عقلا و سمعا.[15]

    الهوامش :
    ------------------------------------------------------
    1. لسان العرب، محمد بن مكرم بن منظور الأفريقي المصري، دار صادر – بيروت، الطبعة الأولى (12/ 510)
    2. مختار الصحاح، محمد بن أبي بكر بن عبدالقادر الرازي، تحقيق : محمود خاطر ، مكتبة لبنان ناشرون – بيروت، طبعة جديدة ، 1415 - 1995 (ص: 586)
    3. تاج العروس (ص: 7874)، وانظر: المحكم والمحيط الأعظم، لابن سيده المرسي، تحقيق عبد الحميد هنداوي (7/ 27)، و المحيط في اللغة، الصاحب بن عباد، بتحقيق الشيخ محمد حسن آل ياسين، (2/ 50).
    4. التوقيف على مهمات التعاريف، محمد عبد الرؤوف المناوي، دار الفكر المعاصر , دار الفكر - بيروت , دمشق، الطبعة الأولى ، 1410 (ص: 601)
    5. التعريفات، علي بن محمد بن علي الجرجاني، تحقيق : إبراهيم الأبياري، دار الكتاب العربي – بيروت، الطبعة الأولى ، 1405 (ص: 235)، ومثله في: التوقيف على مهمات التعاريف، محمد عبد الرؤوف المناوي، دار الفكر المعاصر , دار الفكر - بيروت , دمشق، الطبعة الأولى ، 1410 (ص: 601)
    6. كتاب الكليات ، أبو البقاء أيوب بن موسى الحسيني الكفوي، تحقيق : عدنان درويش - محمد المصري ، مؤسسة الرسالة - بيروت - 1419هـ - 1998م. (ص: 433)
    7. إيقاظ الهمم في شرح الحكم ، ابن عجيبة الحسني (ص:336).
    8. مجرد مقالات أبي الحسن الأشعري، لابن فورك، تحقيق وضبط أحمد عبد الرحيم السائح مكتبة الثقافة الدينية، الطبعة الثانية،1427هـ/2006م.( ص: 183)
    9. انظر كتاب التقريب والإرشاد الصغير للباقلاني، بتحقيق: عبد الحميد بن علي أبو زنيد، مؤسسة الرسالة، الطبعة الثانية 1418هـ/1998م، ص: 439 هامش:14
    10. انظر: النبوات لابن تيمية (1/ 544)
    11. الإرشاد للجويني، دار الكتب العلمية (ص:130)
    12. سير أعلام النبلاء 17/353.
    13. طبقات الشافعية للسبكي 2/315
    14. مقدمة ابن خلدون 1/402.
    كلمتان خفيفتان على اللسان .. ثقيلتان في الميزان .. حبيبتان إلى الرحمن

    سبحان الله وبحمده .. سبحان الله العظيم

  2. #2
    Super Moderator
    رقم العضوية : 2
    تاريخ التسجيل : Jun 2016
    المشاركات: 3,273
    التقييم: 10
    الدولة : الأردن
    العمل : طالب علم
    يقول الإمام الشهرستاني في إثبات الكرامات : "وأما كرامات الأولياء فجائز عقلاً ووارد سمعاً ومن أعظم كرامات الله تعالى على عباده تيسير أسباب الخبر لهم وتعسير أسباب الشر عليهم وحيثما كان التيسير أشد وإلى الخير أقرب كانت الكرامة أوفر وما ينقل عن بعضهم من خوارق العادات وصح النقل وجب التصديق ولا يجوز الإنكار عليه أليس قد ورد في القرآن قصة عرش بلقيس وقول ذلك الولي " أنا آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك فلما رآه مستقراً عنده قال هذا من فضل ربي " أو لم تكن قصة أم موسى ومريم أم عيسى عليه السلام وما ظهر لهما من الخوارق من إلقاء موسى في اليم كرامةً لها ورزق الشتاء في الصيف ورزق الصيف في الشتاء وظهور النخلة في الصحراء من أعظم الكرامات لمريم عليها السلام وما ينقل عن صالحي هذه الأمة أكثر من أن يحصى وهي بآحادها إن لم تفدنا علماً بوقوعها فهي بمجموعها أفادتنا علماً قطعياً ويقيناً صادقاً بأن خوارق العادات قد ظهرت على أيدي أصحاب الكرامات.
    واعلم أن كل كرامة تظهر على يد ولي فهي بعينها معجزة لنبي إذا كان الولي في معاملاته تابعاً لذلك النبي وكل ما يظهر في حقه فهو دليل على صدق أستاذه وصاحب شريعته فلا تكون الكرامة قط قادحة في المعجزات بل هي مؤيدة لها دالة عليها راجعة عنها وعائدة إليها"[1].
    ويذهب الإمام الفخر الرازي في إثبات الكرامات إلى الرد على منكريها قائلا : "واحتج المنكرون للكرامات بوجوه، الشبهة الأولى: وهي التي عليها يعولون وبها يضلون أن ظهور الخارق للعادة جعله الله دليلا على النبوة، فلو حصل لغير نبي لبطلت هذه الدلالة، لأن حصول الدليل مع عدم المدلول يقدح في كونه دليلا...
    «والجواب» عن الشبهة الأولى: أن الناس اختلفوا في أنه هل يجوز للولي دعوى الولاية؟.
    فقال قوم من المحققين: أن ذلك لا يجوز، فعلى هذا القول يكون الفرق بين المعجزات والكرامات أن المعجزة تكون مسبوقة بدعوى النبوة والكرامة لا تكون مسبوقة بدعوى الولاية، والسبب في هذا الفرق أن الأنبياء عليهم السلام إنما بعثوا إلى الخلق ليصيروا دعاة للخلق من الكفر إلى الإيمان ومن المعصية إلى الطاعة فلو لم تظهر دعوى النبوة لم يؤمنوا به وإذا لم يؤمنوا به بقوا على الكفر وإذا ادعوا النبوة وأظهروا المعجزة آمن القوم بهم فإقدام الأنبياء على دعوى النبوة ليس الغرض منه تعظيم النفس بل المقصود منه إظهار الشفقة على الخلق حتى ينتقلوا من الكفر إلى الإيمان، أما ثبوت الولاية للولي فليس الجهل بها كفرا ولا معرفتها إيمانا فكان دعوى الولاية طلبا لشهوة النفس، فعلمنا أن النبي يجب عليه إظهار دعوى النبوة والولي لا يجوز له دعوى الولاية فظهر الفرق"[2].
    وقال في الفرق بين الكرامات وبين الاستدراجات : "إن صاحب الكرامة لا يستأنس بتلك الكرامة بل عند ظهور الكرامة يصير خوفه من الله تعالى أشد وحذره من قهر الله أقوى فإنه يخاف أن يكون ذلك من باب الاستدراج، وأما صاحب الاستدراج فإنه يستأنس بذلك الذي يظهر عليه ويظن أنه إنما وجد تلك الكرامة لأنه كان مستحقا لها وحينئذ يستحقر غيره ويتكبر عليه ويحصل له أمن من مكر الله وعقابه ولا يخاف سوء العاقبة فإذا ظهر شيء من هذه الأحوال على صاحب الكرامة دل ذلك على أنها كانت استدراجا لا كرامة. فلهذا المعنى قال المحققون: أكثر ما اتفق من الانقطاع عن حضرة الله إنما وقع في مقام الكرامات فلا جرم ترى المحققين يخافون من الكرامات كما يخافون من أنواع البلاء"[3].
    وأثبت سيف الدين الآمدي الكرامات في مناقشاته حيث يقول : "فإن قيل: ما ذكرتموه من امتناع تقدّم المعجزة على الدّعوى يفضى إلى إبطال كثير مما نقل من معجزات أنبيائكم، وذلك ككلام عيسى فى المهد، وتساقط الرّطب الجنى عليه من النخلة اليابسة قبل نبوّته، وكذلك ما نقلتموه من معجزات نبيّكم قبل مبعثه:كتسليم الحجر عليه والشّجر، والمدر، وشقّ بطنه، وغسل قلبه، إلى غير ذلك.
    فنقول: كل خارق ظهر على يد النّبيّ قبل بعثته فهو من باب الكرامات.
    والأنبياء قبل البعثة لا يخرجون عن درجة الأولياء، وظهور الكرامات على أيدى الأولياء جائز عندنا..."[4].
    وقال في سياق الرد على شبه القائلين بإحالة البعثة في الشبهة الثالثة والعشـرين: "سلمنا امتناع الاطراد، ولكن إما أن تقولوا بجواز ظهور الكرامات والخوارق للعادات على أيدى الأولياء، أو لا تقولوا به.
    فإن لم تقولوا به فهو خلاف المعقول فإنه إذا جاز ظهور الخارق مع التحدى، وثبت كونه مقدورا لله تعالى فعدم التحدى لا يخرجه عن جوازه، وعن كونه مقدورا.
    ولهذا فإنا لو فرضنا وقوعه لم يعرض عنه لذاته محال. ثم هو خلاف أصلكم، ومذهبكم، وما دل عليه نصوص كتابكم، وما اشتهر عن كثير من الأولياء، والصالحين.
    أما الكتاب : فما أخبر به عن قصة أهل الكهف وما ظهر لهم من الآيات وخوارق العادات، وما أخبر به عن أم موسى، وإلقاء موسى فى اليم، وما أخبر به عن مريم من ضروب الكرامات، ووجود، فاكهة الصيف عندها فى الشتاء، وفاكهة الشتاء فى الصيف، ولم يصر أحد من المسلمين ولا أحد من أرباب المقالات إلى أنهم كانوا أنبياء.
    وأما السنة : فقوله عليه الصلاة والسلام: «إن من أمتى مخاطبون، ومكلمون وإن عمر منهم».
    وأما الاجماع : فهو أن الصحابة لم يزالوا متفاوضين فى كرامات الأولياء وما كان منها لمن تقدم من الصلحاء، وعباد بنى إسرائيل، ولم يزالوا على ذلك فى كل عصر إلى حين ظهور المخالفين من غير نكير فكان اجماعا.
    وأما ما اشتهر من ذلك عن الأولياء بالأخبار اليقينية الصادقة: فكالمشهور عن عمر رضى الله عنه من قصة سارية حيث حذره من الكمين وعمر على منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم وسارية بنهاوند، وغيره من الحكايات المنقولة عن الأولياء وما ظهر على أيديهم من الغرائب والعجائب مما آحادها وإن كانت آحادا فنازلة منزلة التواتر فى إفادة اليقين"[5].
    ويضيف رحمه الله : "وعن الثالثة والعشرين : القائلة بجواز ظهور الكرامات على أيدى الأولياء فنقول قد اختلف المتكلمون فى ذلك:
    فذهب أكثر المعتزلة: إلى إنكار ذلك.
    والّذي عليه مذهب أهل الحق من الأشاعرة: جوازه لما سبق فى الاعتراض من الأدلة وإبطال شبه المنكرين، ووافقهم على ذلك أبو الهذيل ، وعباد الصيمرى، ثم اختلف أصحابنا.
    فذهب الأستاذ أبو إسحاق : إلى أن الكرامات الظاهرة على أيدى الأولياء لا تبلغ مبلغ المعجزات الخارقة للعادة تفرقة بينها، وبين المعجزات.
    وذهب الباقون : إلى جواز ذلك. ثم اختلف هؤلاء :
    فمنهم من قال إن الكرامات لا تقع مع القصد، والاختيار بل لو قصد الولى إيقاعها لما وقعت تفرقة بينها، وبين المعجزات.
    وذهب الأكثرون منهم إلى جواز وقوعها مع الاختيار. ثم اختلف هؤلاء فى جواز وقوعها مع الدعوى من الولى.
    فذهب الأكثرون : إلى المنع من ذلك تفرقة بينها وبين المعجزات.
    وقال القاضى أبو بكر : ذلك غير ممتنع فى العقل لكن بشـرط ألا يكون ادعاؤه لذلك على طريق التعظيم، والخيلاء فإن ذلك ليس من شعار الأولياء، والصالحين، والفرق مع ذلك بين المعجزات والكرامات، هو أن المعجزات مع دعوى النبوة، والكرامة"[6].
    وقال الإيجي في المواقف : "قال الإمام الرازي في الأربعين المعتزلة ينكرون كرامات الأولياء ، ووافقهم الأستاذ أبو إسحاق منا ، وأكثر أصحابنا يثبتونها ، وبه قال أبو الحسين البصري من المعتزلة.
    لنا: أما جوازها فظاهر على أصولنا ؛ وهي أن وجود الممكنات مستند إلى قدرته الشاملة لجميعها فلا يمتنع شيء منها على قدرته ولا يجب غرض في أفعاله، ولا شك أن الكرامة أمر ممكن إذ ليس يلزم من فرض وقوعها محال لذاته.
    وأما وقوعها : فلقصة مريم رضي الله عنها حيث حملت بلا ذكر ووجد الرزق عندها بلا سبب وتساقط عليها الرطب من النخلة اليابسة، وجعل هذه الأمور معجزات لزكريا أو إرهاصا لعيسى مما لا يقدم عليه منصف، وقصة آصف وهي إحضاره عرش بلقيس من مسافة بعيدة في طرفة عين،ولم يكن ذلك معجزة لسليمان عليه السلام إذ لم يظهر على يده مقارنا لدعواه النبوة، وقصة أصحاب الكهف وهي أن الله سبحانه وتعالى أبقاهم ثلاثمائة سنة وأزيد نياما أحياء بلا آفة ولم يكونوا أنبياء إجماعا وشيء منها أي من هذه الأمور الخارقة الواقعة في تلك القصص لم يكن معجزة لفقد شرطه كما أشرنا إليه وهو مقارنة الدعوى والتحدي.
    احتج من لم يجوز الخوارق أصلا بما مر بجوابه ومن جوزها وأنكر الكرامة احتج بأنها لا تتميز عن المعجزة فلا تكون المعجزة حينئذ دالة على النبوة وينسد باب إثباتها
    والجواب : إنها تتميز بالتحدي مع ادعاء النبوة في المعجزة وعدمه أي عدم التحدي مع ذلك الادعاء في الكرامة"[7].
    وختاما يقول ابن عطاء الله السكندري: "فاعلم أن الكرامة لا تكون كرامة حتى يصحبها الرضا عن الله، ومن لازم الرضا عن الله، ترك التدبير معه، وإسقاط الاختيار بين يديه"[7] .
    الهوامش:
    --------------------------------------------------------------
    1. نهاية الإقدام في علم الكلام(ص:174)
    2. تفسير الرازي = مفاتيح الغيب (21/ 436- 437)
    3. تفسير الرازي = مفاتيح الغيب أو التفسير الكبير (21/ 438).
    4. أبكار الأفكار في أصول الدين، للإمام سيف الدين الآمدي، تحقيق: أ. د. أحمد محمد المهدي، مطبعة دار الكتب والآثار القومية بالقاهرة، الطبعة الثانية، 1424هـ- 2004م، (4/21)
    5. أبكار الأفكار في أصول الدين (4/42)
    6. أبكار الأفكار في أصول الدين(4/59)
    7. كتاب المواقف، عضد الدين عبد الرحمن بن أحمد الإيجي، تحقيق : د.عبد الرحمن عميرة، دار الجيل – بيروت، الطبعة الأولى ، 1997م، (3/465)
    8. التنوير في إسقاط التدبير، لتاج العارفين ابن عطاء الله السكندري رضي الله عنه، ومثله في الطبقات الكبرى، الإمام الشعراني (ت973هـ)، تحقيق: عبد الغني محمد علي الفاسي، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، ط2، 2006م، (ص:294 ).
    إعداد الباحث: د. يوسف الحزيمري
    كلمتان خفيفتان على اللسان .. ثقيلتان في الميزان .. حبيبتان إلى الرحمن

    سبحان الله وبحمده .. سبحان الله العظيم

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

المفضلات

المفضلات

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •  

RSS RSS 2.0 XML MAP html  PHP  info tags Maps maptags vbmaps

الساعة معتمدة بتوقيت جرينتش +3 . الساعة الآن : 18:35.
الموقع غير مسؤول عن أي اتفاق تجاري أو تعاوني بين الأعضاء
فعلى كل شخص تحمل مسئولية نفسه إتجاه مايقوم به من بيع وشراء وإتفاق وأعطاء معلومات موقعه
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي موقع الأشاعرة و لا نتحمل أي مسؤولية قانونية حيال ذلك (ويتحمل كاتبها مسؤولية النشر)
الساعة الآن 01:52 PM
Powered by vBulletin® Version 4.2.3
Copyright © 2018 vBulletin Solutions, Inc. Translate By soft