إذا كانت هذه زيارتك الأولى يرجى الاطلاع على الرابط التالي الأسئلة ولكي تتمكن من كتابة مواضيع وإرسال رسائل خاصة لابد لك منالتسجيل
النتائج 1 إلى 2 من 2

الموضوع: لمسات بيانية في سورة الليل

  1. #1
    Super Moderator
    رقم العضوية : 2
    تاريخ التسجيل : Jun 2016
    المشاركات: 3,273
    التقييم: 10
    الدولة : الأردن
    العمل : طالب علم
    الهوايه : المطالعة

    لمسات بيانية في سورة الليل

    قوله : ( والليل إذا يغشى - والنهار إذا تجلى - وما خلق الذكر والأنثى - إن سعيكم لشتى - )
    ما الحكم البياني في استخدام بالفعل المضارع (يغشى) مع الليل والفعل الماضي (تجلى) مع النهار؟
    سورة الليل تبدأ بقوله تعالى (والليل إذا يغشى) هو سبحانه أقسم بالليل وقت غشيانه ونلاحظ أن المفعول لفعل يغشى محذوف فلم يقل سبحانه ماذا يغشى الليل، هل يغشى النهار أو الشمس لأنه سبحانه أراد أن يطلق المعنى ويجعله يحتوي كل المعاني المحتملة.(والنهار إذا تجلى) أي كشف وظهر.
    واستعمال صيغة المضارع مع فعل يغشى هو لأن الليل يغشى شيئاً فشيئاً بالتدريج وهو ليس كالنهار الذي يتجلى دفعة واحدة بمجرد طلوع الشمس. أي أن عملية الغشيان تمتد ولذا احتاج الفعل لصيغة المضارع، أما النهار فيتجلى دفعة واحدة لذا وجب استخدام صيغة الماضي مع الفعل تجلى. والآيات هنا مشابهة لآيات سورة الشمس في قوله تعالى: (والنهار إذا جلاها، والليل إذا يغشاها) فصيغة الأفعال متعلقة بالتجلي والغشيان.
    - قوله ( وما خلق الذكر والأنثى )
    ما حكم (ما) في هذه الآية؟
    هناك احتمالان لمعنى (ما): الأول أن (ما) اسم موصول بمعنى الذي.
    ويعتقد الكثيرون أن (ما) تستخدم لغير العاقل فيقولون (ما) لغير العاقل و(من) للعاقل ولكن الحقيقة أن ما تستعمل لذات غير العاقل كما في قوله: (يأكل مما تأكلون منه ويشر مما تشربون) ولصفات العقلاء كما في قوله: (فانكحوا ما طاب لكم من النساء) (ونفس وما سواها) ويؤتى بها في التفخيم والتعظيم في صفات العقلاء، ولذلك قال تعالى (وما خلق الذكر والأنثى) ويعني به ذاته العلية.
    ويحتمل أن تكون مصدرية بمعنى (وخلق الذكر والأنثى) أي أنه سبحانه يقسم بخلق الذكر والأنثى وليس بالخالق ، وعليه فإن (ما) تحتمل أمرين إما أن الله عز وجل يقسم بذاته أو أنه يقسم بفعله الذي هو خلق الذكر والأنثى.
    فلو أراد تعالى أن ينص على أحد المعنيين لجاء بذلك ولقال سبحانه (والذي خلق الذكر والأنثى) وتأتي ما بمعنى اسم موصول كما سبق أو قال سبحانه (وخلق الذكر والأنثى) لتعطي معنى القسم بالفعل الذي هو خلق الذكر والأنثى، ولكن الصورة التي جاءت عليها الآية تفيد التوسع في المعنى فهي تفيد المعنيين السابقين معاً وكلاهما صحيح.
    فيبقى مجال الترجيح في المجيء هنا بـ (ما) والاحتمال هو مقصود لإرادة أن يحتمل التعبير المعنيين الخلق والخالق، كلاهما مما يصح أن يقسم به خلقه والخالق وربنا سبحانه يقسم بخلقه ويقسم بذاته. و لو أردنا أن نرجح لقلنا أن القسم هنا القسم بالخالق والله أعلم .
    (وما خلق الذكر والأنثى) لم يقسم بالمخلوق وإنما اقسم بالمصدر (أي خالق الذكر والأنثى) أما الليل والنهار فهما مخلوقان فإذا أردنا المخلوق نؤل المصدر بالمفعول أحياناً فيصبح تأويل بعد تأويل أحياناً يطلق على المصدر ويطلق على الذات مثال: (هذا خلق الله فأروني ماذا خلق الذين من دونه) أحياناً يراد بالمصدر الذات.
    والخلق ليس مثل الليل والنهار.
    مثال: زرعت زرعاً في اللغة العربية زرعاً هي المصدر وأحياناً يضع العرب المصدر موضع الذات كقوله (نخرج به زرعاً تأكل منه أنعامهم) فالزرع هنا أصبح الذات وليس المصدر.
    سؤال: يقول السيد مصطفى ناصف في السياق اللغوي أن السياق هو الحقيقة الأولى والكلمة خارج السياق لا تفي بشيء وفائدة السياق اللغوي انه يحول معنى الكلمة من التعدد والاحتمال إلى التحديد والتعيين.
    فلماذا لم يحدد ربنا في هذه الآية معنى (ما) ولم يترك المعنى هكذا بدون تحديد؟
    جواب: هناك مبدأ عام في اللغة العربية: الجمل في اللغة على نوعين:
    -ذات دلالة محددة معينة قطعية (أحل الله البيع وحرم الربا) ..
    -ذات دلالة احتمالية (اشتريت قدح ماء) هنا تدل الجملة على احد أمرين:
    إما أن أكون اشتريت القدح .
    وإما أن أكون اشتريت ماء بقدر قدح. .
    فإذا قلنا (اشتريت قدحاً ماءً) دلت الجملة على معنى واحد قطعي أني اشتريت الماء قطعاً ولا يحتمل أن تكون اشتريت القدح بتاتاً ...
    ومثال ذلك أيضاً لا النافية للجنس فهي قطعية كقولنا: لا رجل حاضر، فإذا قلنا: لا رجلاً حاضراً تحتمل الجملة إما نفي الجنس (الرجال) أو نفي الوحدة (ولا حتى رجل واحد حاضر)
    وفي تحديدنا لهذه المعاني للجمل يجب مراعاة ما يريد المتكلم البليغ هل يريد الاحتمال أو القطع.
    فالذي يريد الاحتمال له غرض من إرادة الاحتمال والذي يريد القطع له غرض من إرادة القطع وهنا تتفاوت البلاغة فالمتكلم البليغ يختار الجملة التي تؤدي المعنى الذي يريده.
    فالسياق لا يمكن أن يؤدي إلى بيان المقصود لأن المقصود قد يكون هو الاحتمال بحد ذاته في القرآن يحذف حرف الجر وقد يكون هناك أربع احتمالات ومع هذا حذف الحرف لأن هذا ما أراده الله تعالى .

    قوله ( وما خلق الذكر والأنثى - )

    ما المراد بالذكر والأنثى هنا؟
    قسم من المفسرين قالوا إن الذكر هنا هو الجنس البشري وقسم آخر قال انه كل ذكر أو أنثى من المخلوقات جميعاً بلا تحديد وهذا الذي يبدو على الأرجح لأن سياق الآيات كلها في هذه السورة في العموم والله اعلم.
    قوله : ( إن سعيكم لشتى - )
    ما علاقة القسم (والليل إذا يغشى...) بهذا الجواب؟
    منذ بداية السورة أقسم الله تعالى بأشياء متضادة: يغشى ، يتجلى، الذكر، الأنثى، الليل، النهار فجواب القسم شتى يعني متباين لأن سعينا متباين ومتضاد فمنا من يعمل للجنة ومنا من يعمل للنار فكما أن الأشياء متضادة فان أعمالنا مختلفة ومتباينة ومن هذا نلاحظ أنه سبحانه أقسم بهذه الأشياء على اختلاف السعي (إن سعيكم لشتى) واختلاف الأوقات (الليل والنهار) واختلاف الساعين (الذكر والأنثى) واختلاف الحالة (يغشى وتجلى) واختلاف مصير الساعين (فأما من أعطى ... وإما من بخل واستغنى)
    قوله : ( والليل إذا يغشى - والنهار إذا تجلى - وما خلق الذكر والأنثى - )
    لماذا هذا الترتيب؟ نلاحظ أن الله تعالى بدأ بالليل قبل النهار لأن الليل هو اسبق من النهار وجوداً وخلقاً لأن النهار جاء بعد خلق الأجرام وقبلها كانت الدنيا ظلام دامس والليل والنهار معاً اسبق من خلق الذكر والأنثى وخلق الذكر اسبق من خلق الأنثى (خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها) فجاء ترتيب الآيات بنفس ترتيب الخلق: الليل أولاً ثم النهار ثم الذكر ثم الأنثى وعلى نفس التسلسل.
    ما الحكم في عدم استخدام كلمة الزوجين في الآية ( وما خلق الزوجين الذكر والأنثى )؟
    كما يأتي في معظم الآيات التي فيها الذكر والأنثى كقوله تعالى: (فجعل منه الزوجين الذكر والأنثى) (سورة القيامة) وقوله: (وأنه خلق الزوجين الذكر والأنثى)(سورة النجم) وإنما قال: (وما خلق الذكر والأنثى) بحذف الزوجين؟
    إذا استعرضنا الآيات في سورة القيامة نرى أن الله سبحانه وتعالى فسر تطور الجنين من بداية (ألم يك نطفة ) إلى قوله ( فجعل منه الزوجين الذكر والأنثى ) فالآيات جاءت إذن مفصلة وكذلك في سورة النجم (وأنه هو اضحك وأبكى - إلى قوله - انه خلق الزوجين الذكر والأنثى).
    لقد فصل سبحانه مراحل تطور الجنين في سورة القيامة وفصل القدرة الإلهية في سورة النجم أما في سورة الليل فإن الله تعالى أقسم بلا تفصيل هذا من ناحية ومن ناحية أخرى قوله تعالى (إن سعيكم لشتى) يقتضي عدم التفصيل وعدم ذكر الزوجين.
    لماذا؟ لأن كلمة الزوج في القرآن تعني المثيل كقوله تعالى (وآخر من شكله أزواج) وكلمة شتى تعني مفترق لذا لا يتناسب التماثل مع الافتراق فالزوج هو المثيل والنظير وفي الآية (إن سعيكم لشتى) تفيد التباعد فلا يصح ذكر الزوجين معها.
    الزوج قريب من زوجته مؤتلف معها (لتسكنوا إليها) وكلمة شتى في الآية هنا في سورة الليل تفيد الافتراق.
    فخلاصة القول إذن إن كلمة الزوجين لا تتناسب مع الآية (وما خلق الذكر والأنثى)من الناحية اللغوية ومن ناحية الزوج والزوجة لذا كان من الأنسب عدم ذكر كلمة الزوجين في الآية.
    هل يستوجب القسم في السورة هذا الجواب (إن سعيكم لشتى)؟
    المقصود في السورة ليس القسم على أمر ظاهر أو مشاهد مما يعلمه الناس ولكن القسم هو على أمر غير مشاهد ومتنازع فيه والله تعالى أوضح القسم (فأما من أعطى واتقى وصدق بالحسنى فسنيسره لليسرى) هذا الأمر متنازع فيه وأكثر الخلق ينكرونه (وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين) عموم الخلق لا يعلمون (فأما من أعطى...) ويتنازعون فيه.
    والسعي هنا لا يدل على السعي في أمور الدنيا من التجارة والزراعة والصناعة وغيرها وأن السعي للآخرة.
    وكذلك قال تعالى (سعيكم) وكأنه يخاطب المكلفين فقط وليس عامة الناس ولذا أكد باللام أيضاً في (لشتى) ولم يقل إن السعي لشتى.
    - قوله : ( فأما من أعطى واتقى - وصدق بالحسنى - فسنيسره لليسرى - )
    لماذا لم يذكر المفعولين لفعل أعطى؟
    إذا تدارسنا سورتي الليل والشمس لوجدنا أن القسم في سورة الليل وجواب القسم مطلق ( والليل إذا يغشى - والنهار إذا تجلى - وما خلق الذكر والأنثى - ) كلها مطلقة فلم يقل ماذا يغشى الليل ولم يحدد الذكر والأنثى من البشر وكذلك جواب القسم في سورة الليل (إن سعيكم لشتى) مطلق أيضاً وكذلك (فأما من أعطى واتقى وصدق بالحسنى) أطلق العطاء والاتقاء والحسنى.
    أما في سورة الشمس ( والشمس وضحاها - والقمر إذا تلاها - والنهار إذا جلاها - والليل إذا يغشاها - والسماء وما بناها - والأرض وما طحاها - ونفس وما سواها - فألهمها فجورها وتقواها - قد افلح من زكاها - وقد خاب من دساها - كذبت ثمود بطغواها - ..) في هذه الآيات تحديد واضح فقد قال تعالى يغشاها وجلاها وكذلك حدد في (ونفس وما سواها) خصص بنفوس المكلفين من بني البشر وكذلك في (كذبت ثمود بطغواها) محددة ومخصصة لقوم ثمود.
    فكأنما سورة الليل مبنية كلها على العموم والإطلاق في كل آياتها.
    وقد أقسم الله تعالى بثلاثة أشياء (الليل والنهار وخلق الذكر والأنثى) وذكر ثلاث صفات في المعطي (أما من أعطى واتقى وصدق بالحسنى) وثلاث صفات فيمن بخل (وأما من بخل واستغنى وكذب بالحسنى)
    في الآية (فأما من أعطى واتقى وصدق بالحسنى) لم يذكر المفعولين المعطى والعطية والمراد بهذا إطلاق العطاء فلم يذكر المعطى أو العطية لأنه أراد المعطي والمقصود إطلاق العطاء سواء يعطي العطاء من ماله أو نفسه فقد يعطي الطاعة والمال ونفسه كما نقول يعطي ويمنع لا نخصصه بنوع من العطاء ولا بصنف من العطاء.
    وقد يرد في القرآن الكريم مواضع فيها ذكر مفعول واحد المراد تحديده وحذف مفعول يراد إطلاقه كقوله تعالى (ولسوف يعطيك ربك فترضى) و (إنا أعطيناك الكوثر) أما في سورة الليل فحذف المفعولين دليل على العموم والإطلاق.
    فعل أعطى هو فعل متعدي ولازم فهل نقول على هذا الفعل أن السلوك الخاص به في الجملة سلوك لازم أي فعل متعدي أم حذف مفعول؟ قسم يقول أنه هذا حذف وقسم يقول عدم ذكر.
    حذف عندما يقتضي التعبير الذكر، مثل جملة الصفة لا بد أن يكون فيها ضمير يعود على الموصوف (يخافون يوماً تتقلب فيه القلوب والأبصار) ويمكن أن نحذف كما في قوله تعالى: (واتقوا يوما لا تجزي نفس عن نفس شيئا) هذا حذف.
    العائد للذكر فإذا حذف نقول محذوف كقوله: (ذرني ومن خلقت وحيدا) حذف الهاء في (خلقته).
    فيما عدى الذكر تنزيل المتعدي منزلة اللازم: لا يحتاج إلى مفعول (إن في ذلك لآيات لقوم يعلمون) أو لقوم يفقهون، يسمعون، لا يحتاج هنا إلى مفعول ولا يريد أن يقيد العلم بشيء.
    وفي قوله: (لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك من الله شيئاً) أراد أصل المسألة فلم يرد أن يقيد السمع أو البصر بشيء معين أما في (ولا يغني عنك من الله شيئاً) فيها ذكر وإطلاق، وهل المعنى لا يغني عنك إغناءً أو شيئاً من الأشياء؟ كل واحدة لها معنى وليست الأولى كالثانية.
    كذلك الفعل (اتقى). معنى اتقى هو احترز وحذر.
    والفعل اتقى هنا يراد به الإطلاق أيضاً ولم يقيده سبحانه بشيء فقد يقول (اتقوا النار أو اتقوا يوماً) ولكن هنا جاء الفعل مطلقاً. فأما من أعطى واتقى تدل على أنه اتقى البخل.
    الحسنى: اسم تفضيل وهو بمعنى تأنيث الأحسن كما نقول (العليا – الأعلى، الدنيا – الأدنى) والحسنى هو وصف مطلق لم يذكر له موصوف معين.
    وصدق بالحسنى معناها أنه صدق بكل ما ينبغي التصديق به قسم يقول إنها الجنة وقسم يقول الحياة الحسنى وآخر الكلمة الحسنى (لا إله إلا الله) أو العاقبة الحسنى في الآخرة وقسم يقول إنها العقيدة الحسنى ولكنها في الحقيقية تشمل كل هذه المعاني عامة، فكما حذف مفعولي أعطى واتقى للإطلاق أطلق الحسنى بكل معانيها بحذف المفعول وحذف الموصوف.
    ولو أراد سبحانه أن يعين الموصوف لذكره وحدد الفعل كما في قوله (ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها) ولكنه أطلق لتتناسب مع باقي الآيات في السورة، فإذا أراد أن يطلق حذف.
    لماذا الترتيب على النحو التالي: (فأما من أعطى واتقى وصدق بالحسنى فسنيسره للحسنى)؟
    هناك أكثر من سبب لذلك فقد قال قسم من المفسرين أن التقديم في سبب النزول لأن هذه الآيات نزلت في شخص فعل هذه الأفعال بهذا التسلسل وقالت جماعة أنها نزلت في أبي بكر الصديق رضي الله عنه وأخرى قالت إنها نزلت في علي بن أبي طالب رضي الله عنه .
    وترتيب العطاء ثم الاتقاء لأنه سبحانه بدأ بالأخص ثم ما هو أعم ثم ما هو أعم.
    كل معط في سبيل الله متقي ولكن ليس كل متق معطي فالمعطي إذن أخص من المتقي. وكل متق مصدق بالحسنى لكن ليس كل مصدق بالحسنى متق لذا فالمتقي أخص من المصدق بالحسنى وعلى هذا كان الترقي من الأخص إلى الأعم.
    إن سعيكم لشتى والسعي هو العمل وأقرب شيء للسعي هو العطاء.
    أما الإتقاء ففيه جانب سعي وجانب ترك كترك المحرمات وعلى هذا نلاحظ أن الآيات رتبت بحيث قربها من السعي أي بتسلسل العطاء ثم الاتقاء ثم التصديق وهو الأقل والأبعد عن السعي.
    - قوله ( وما خلق الذكر والأنثى - إن سعيكم لشتى - )
    المجتمع يتكون من الذكر والأنثى وأهم شيء يقدمه الإنسان للمجتمع هو العطاء ؛ فهو إذن الدعامة الأولى لبناء المجتمع فعلى الإنسان أن يكون معطياً لا آخذاً وهذا يعني التآزر والتكافل ثم يلي ذلك الإتقاء وهو أن يحذر من الإساءة إلى الآخرين كما يحذر أن يضع نفسه في موضع الإساءة (أي يقي نفسه ويحفظ مجتمعه الذي هو فيه) لذا يأتي الإتقاء بعد العطاء.
    أما التصديق بالحسنى فهي من صفات المجتمع المؤمن وهي من الصفات الفردية فالمصدق بالحسنى لا يفرط في حقوق الآخرين .
    وعلى هذا الأساس قدم الله تعالى ما هو أنسب للمجتمع عامة: العطاء ثم الإتقاء ثم التصديق بالحسنى.
    - قوله ( فأما من أعطى واتقى - وصدق بالحسنى - فسنيسره لليسرى - )
    ما معنى (فسنيسره لليسرى)؟
    اليسرى في اللغة : هي تأنيث الأيسر مضاد الأعسر أو الأشق ، يقال الأمر اليسير والأمر العسير، فاليسرى هو اسم تفضيل من الدرجة الثالثة أي أعلى درجات التفضيل.
    الحكم النحوي لليسرى: إذا كان اسم التفضيل مجرداً من (أل) أو الإضافة أو مضاف إلى نكرة يصح التذكير (استخدام صيغة المذكر) فيقال أفضل رجل وأفضل امرأة ، أما إذا أضيف الاسم إلى معرفة جاز فيه المطابقة وعدم المطابقة، فإذا عرف بـ(أل) وجبت المطابقة إلا إذا لم يسمع أو لم يرد عند العرب. يقال: النار الكبرى.
    استخدام كلمة اليسرى جاء بالدرجة العليا من التفضيل من ناحية ونلاحظ انه ذكر الصفة ولم يذكر الموصوف ولو أراد أن يقيد أو يحدد أمراً محدداً لذكر وقال مثلاً الخلة اليسرى أو العاقبة اليسرى أو غيره تماما كما جاء في الاستخدام المطلق لكلمة الحسنى في الآية السابقة كما ورد ذكرها آنفاً.
    واليسرى يطلق على كل ما هو الأيسر سواء من أعمال الدنيا أو الآخرة ، واليسرى تدور حول ثلاث محاور:
    الأول: أن ييسر على غيره أمورهم ويسعى في حاجتهم ويعينهم ويغيثهم ويعطيهم بمعنى يسر الله لخير غيره.
    والمحور الثاني أنه تتيسر أموره كلها فتكون سهلة وميسرة عليه فيما يريد من أي ضيق وحالة تصيبه مصداقاً لقوله تعالى: (يجعل له من أمره يسرا)، والمحور الثالث هو الآخرة بمعنى أن الله تعالى ييسره لدخول الجنة بيسر وسهولة وهذه عاقبة المحورين الأولين.
    إذن هي ثلاثة محاور تندرج تحت (فسنيسره لليسرى) وهذا مفهوم الآية.
    ورد في القرآن (ونيسرك لليسرى) وهنا جاءت الآية (فسنيسرك لليسرى) لماذا هذا الاختلاف؟
    السين في اللغة تفيد الاستقبال عند النحاة بالإجماع ، وكثير منهم يذهب إلى أن السين تفيد التوكيد (يعني الاستقبال مع التوكيد) السين وسوف يفيدان التوكيد والاختلاف بينهما هو أيهما ابعد زمنا لكن الاثنين يفيدان الاستقبال مع التوكيد وقد بدأ بهذا الرأي الزمخشري ، فالسين إذن هي للاستقبال المؤكد.
    في الآية الكريمة (ونيسرك لليسرى) هي خطاب للرسول الكريم - صلى الله عليه وسلم - والرسول أموره كلها ميسرة دائماً في الحال وفي المستقبل لذا قال تعالى: ونيسرك لليسرى.
    أما في الآية (فسنيسرك لليسرى) فهي جاءت بعد الآية (فأما من أعطى واتقى وصدق بالحسنى) بمعنى أن التيسير لليسرى في هذه الآية مرتبط بالعطاء والإتقاء والتصديق بالحسنى، فإذا أعطينا واتقينا وصدقنا بالحسنى عندها سييسرنا الله لليسرى.
    ما ارتباط (فسنيسرك لليسرى) بما قبلها؟
    كما قلنا سابقاً التيسير لليسرى جاء على ثلاث محاور وقد قال تعالى: (فإما من أعطى) مرتبط بالمعنى الأول لأن الذي يعطي ييسر على الآخرين فأعانهم، الإعطاء هنا ينطبق على القسم المحور الأول من محاور التيسير. (واتقى) قال تعالى: (ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب) وقال تعالى: (ومن يتق الله يجعل له من أمره يسرا) اتقى هنا تأتي مرتبطة بالمحور الثاني من محاور التيسير أي أن الله تعالى ييسر له أموره كلها.
    (وصدق بالحسنى) مرتبط بالمحور الثالث لليسرى لأن الله تعالى يجعل له العاقبة الحسنى ويدخله الدار الحسنى (للذين استجابوا لربهم الحسنى) فمن يصدق بالحسنى سيدخل الجنة بيسر وسهولة، فالآية مرتبطة بكل متعلقات (فسنيسره لليسرى).
    - قوله ( فأما من بخل واستغنى - وكذب بالحسنى - فسنيسره للعسرى - ) .
    تقابل هذه الصفات ما قبلها في الآية التي سبقت.
    وقد أورد الله تعالى أمرين: الشيء ونقيضه فقال سبحانه: فأما من أعطى مقابلها فأما من بخل، واتقى مقابلها واستغنى، وكذب بالحسنى مقابل وصدق بالحسنى.
    والسورة كلها قائمة على التقابل: الليل والنهار، يغشى و تجلى، الذكر والأنثى.. استغنى مقابل اتقى لأن المستغني لا يحذر شيئاً ولا يحترس والاستغناء مدعاة للطغيان كما في قوله تعالى: (إن الإنسان ليطغى، أن رآه استغنى) والذي يطغى لا يحذر لأنه لو كان يحذر لما طغى أصلاً والمتقي يحذر ويحترس أما الطاغية فلا يحذر والطغيان مدعاة التعسير على الآخرين.
    كذب بالحسنى جاءت مقابل صدق بالحسنى، وكذلك جاءت (فسنيسره للعسرى) مقابل (فسنيسره لليسرى) ولم يقل نعسره للعسرى لأنها تفيد الثناء على عكس المقصود بالآية أنه يعسر الأمور على غيره وعلى نفسه وفي الآخرة يعسر عليه دخول الجنة.
    وفي العسرى كما في اليسرى لم يذكر سبحانه وتعالى موصوفاً فتركها مطلقة وأعسر العسرى هي النار أعاذنا الله منها جميعا.
    والسورة بكاملها تفيد الإطلاق (يغشى ولم يحدد ماذا يغشى، تجلى ولم يحدد ماذا تجلى، الذكر والأنثى ولم يحدد أهما للبشر فقط أو لسائر المخلوقات، سعيكم لشتى ولم يحدد من عمل صالحاً مثلاً إنما السعي على إطلاقه) فخط السورة إذن هو خط الإطلاق والعموم من أولها إلى آخرها. كما أنه لم يحدد الحسنى كذلك لم يحدد اليسرى ولم يحدد العسرى وحتى (من أعطى واتقى) لم يحدد العطاء والاتقاء.
    كلمتان خفيفتان على اللسان .. ثقيلتان في الميزان .. حبيبتان إلى الرحمن

    سبحان الله وبحمده .. سبحان الله العظيم

  2. #2
    Super Moderator
    رقم العضوية : 2
    تاريخ التسجيل : Jun 2016
    المشاركات: 3,273
    التقييم: 10
    الدولة : الأردن
    العمل : طالب علم
    - قوله ( وما يغني عنه ماله إذا تردى - )
    لماذا جاءت هذه الآية عقب الآية السابقة: (فإما من بخل واستغنى وكذب بالحسنى) ولم تأت آية مثلها عقب الآية: (فأما من أعطى واتقى وصدق بالحسنى)؟
    في الآية ذكر الله تعالى أن الذي بخل، بخل بماله واستغنى من الغنى فلما بخل ذكر (ما يغني عنه ماله) و(ما يغني عنه ماله) وضع المفسرون لها احتمالين: الأول أن تكون نافية والثاني أن تكون استفهامية ومن باب التقريع والتوبيخ.
    ويسمى هذا في اللغة من باب الاتساع في المعنى، فلو أراد تعالى بالآية معنى الاستفهام لقال تعالى: (ماذا يغني عنه ماله) ولو أراد النفي لقال تعالى: (لم يغني عنه ماله) وإنما جاء سبحانه وتعالى بلفظ يتسع للمعنيين وهو يريدهما معا فكأنما يريد القول ماذا يغني عنه ماله ولم يغني عنه ماله، أي يريد الاستفهام للتوبيخ والتقريع والنفي أيضاً ولهذا يضع سبحانه وتعالى جملة فيها اتساع في المعنى وهذا الأسلوب يتكرر في القرآن فقد يستعمل سبحانه وتعالى ألفاظاً تحتمل معاني عدة قد تصل إلى أربع أو خمس معاني للفظ الواحد وهذا من البلاغة التامة حتى لا تتكرر الآية بمعنى مختلف في كل مرة وإنما يؤتى بها بلفظ معين يتسع لكل المعاني المقصودة.
    وهذا لا يعني تناقضاً أو عدم تحديد في القرآن كما قد يتبادر إلى أذهان المستشرقين لأن الله تعالى عندما يريد التقييد يأتي بحرف أو كلمة محددة تفيد المعنى المراد كما في قوله سبحانه: (اذكروا الله ذكراً كثيرا) فقد حدد هنا الذكر الكثير وفي موضع آخر (واذكروا الله كثيراً) لم يرد التقييد ولم يحدد إنما أطلق المعنى.
    فالقاعدة أن ننظر ماذا يريد المتكلم البليغ، هل يريد التحديد فهو يحدد.
    في الآية الكريمة: (ولا تشركوا به شيئا) سورة النساء، آية 36، فيها إطلاق والآية: (ولا يشرك بعبادة ربه أحدا) فيها تخصيص. في الآية الأولى لا ندري ما المقصود بـ (شيئا) هل شيئا من الأشياء التي يشرك بها كالأصنام أو الأشخاص أو غيره أو المقصود شيئا من الشرك (شرك أعلى أو شرك أصغر) ولو أراد أن يخصص لقال كما في الآية (ولا يشرك بعبادة ربه أحدا) سورة الكهف، آية 110، أحدا هنا لا تحتمل غير معناها لأنها محددة.
    لذا فإن الآية (ولا تشركوا به شيئا) تحتمل المعنيين والمراد منها أن لا نشرك بالله شيئا من الشرك أو شيئا من الأشياء كالأصنام والبشر وهذا يسمى اتساع في المعنى.
    مثال آخر في الآية: (فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم وبصدهم عن سبيل الله كثيرا) سورة النساء، آية 160، هل المعنى خلقا كثيرا أو صدا كثيرا أو زمنا كثيرا؟ إنها كل هذه المعاني الصد الكثير والخلق الكثير والوقت الكثير ولو أراد سبحانه أحد هذه المعاني فقط لجاء بلفظ يدل على المعنى المطلوب ولحدد وخصص.
    ما الحكم البياني في استخدام (إذا) بدلا عن (إن): (وما يغني عنه ماله إن تردى) بدل (وما يغني عنه ماله إذا تردى)؟
    إذا في كلام العرب تستعمل:
    · للمقطوع بحصوله كما في الآية: (إذا حضر أحدكم الموت) ولا بد أن يحضر الموت، (فإذا انسلخ الأشهر الحرم) ولا بد للأشهر الحرم من أن تنسلخ، وقوله تعالى: (وترى الشمس إذا طلعت) ولا بد للشمس من أن تطلع وكقوله: (فإذا قضيت الصلاة) ولا بد للصلاة أن تنقضي.
    · وللكثير الحصول كما في قوله تعالى: (إذا قمتم إلى الصلاة..) و (وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو ردوها) تفيد الحدوث الكثير.
    وإذا جاءت (إذا) و(إن) في نفس الآية تدل (إذا) على الكثير و(إن) على الأقل كما في قوله تعالى: (وإن تعجب فعجب قولهم ءإذا كنا ترابا أئنا لفي خلق جديد. ) سورة الرعد، آية 5، والآية: (يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم إلى الكعبين وإن كنتم جنبا فاطهروا) سورة المائدة، آية 6، فإقامة الصلاة أكثر حدوثا من الجنابة لذا استعملت (إذا) مع إقامة الصلاة و(إن) مع الجنب.
    والآية:( فإذا أحصن فإن أتين بفاحشة فعليهن ما على المحصنات من العذاب) سورة النساء، آية 25.
    فالمحصنات أكثر من اللواتي يأتين بفاحشة مبينة.
    (إذا) وردت في القرآن الكريم في 362 موقعاً ولم تأت في موقع غير محتمل البتة فإما أن تأتي بأمر مجزوم بوقوعه كما في الآيات التي تصف الآخرة كقوله: (إذا الشمس كورت، وإذا النجوم انكدرت...) وقوله: (إذا السماء انفطرت، وإذا الكواكب انتثرت..) لأن كل آيات الآخرة مقطوع بحصولها، او كثير الحصول كما ورد سابقاً.
    (إن) تستعمل لما قد يقع ولما هو محتمل أو مشكوك فيه أو نادر أو مستحيل كما في قوله: (أرأيتم إن جعل الله عليكم الليل سرمدا) الموقف هنا افتراضي، وقوله: (وإن يروا كسفا من السماء ساقطا..) لم يقع ولكنه احتمال.
    وقوله تعالى: (انظر إلى الجبل فإن استقر مكانه..) افتراضي واحتمال وقوعه.
    والتردي حاصل والتردي إما أن يكون من الموت أو الهلاك ، أو تردى في قبره، أو في نار جهنم فماذا يغني عنه ماله عندها؟وهذه ليست افتراضاً وإنما حصولها مؤكد وهي أمر حاصل في كل لحظة ولهذا السبب جاء بلفظ (إذا) بدل (إن) لأن (إذا) مؤكد حصولها) و(إن) مشكوك فيها أو محتمل حدوثها.
    وهذه إهابة بالشخص أن لا يبخل أو يطغى أو يكذب بالحسنى ، إذن لا مفر منه فلماذا يبخل ويعسر على الآخرين ويطغى ويكذب بالحسنى؟
    - قوله ( إن علينا للهدى - وإن لنا للآخرة والأولى - ) .
    ما هو المعنى العام للآيات وارتباطها بما سبقها وما تلاها من الآيات؟
    قوله : ( إن علينا للهدى - ) .
    هذا التعبير (إن علينا للهدى) يحتمل معنيين: الأول علينا أن نبين طريق الهدى بمعنى أن الله تعالى يتكفل ببيان طريق الهدى، والثاني أن الهدى يوصل صاحبه إلى الله.
    طريق الهدى في النتيجة يوصل إلى الله عز وجل (إن ربي على صراط مستقيم) (فمن شاء اتخذ إلى ربه سبيلا) من أراد أن يبتغي مرضاة ربه يسلك هذا الطريق ومثلها قوله تعالى (وعلى الله قصد السبيل) والقصد هو استقامة الطريق. فمعنى الآية علينا أن نبين الطريق المستقيم والطريق المستقيم يوصل إلى الله تعالى.

    ما الحكم البياني في التقديم والتأخير في الآية (إن علينا للهدى) بدل القول إن الهدى علينا؟
    التقديم في هذه الآية يفيد القصر. إن معرفة وتقديم الخبر يفيد القصر.
    طريق الهدى يبينه الله تعالى فقط وليس هناك معه جهة أخرى، أي أن الهدى يعود إلينا (أي الله تعالى) حصراً وأي هدى من غير طريق الله فهو غير مقبول ومرفوض ولا يوصل إلى الله عز وجل.
    فالجهة التي تبين طريق الهدى هو الله تعالى حصراً.
    وقول: إن الهدى علينا يتضمن المعنى السابق لكنه لا ينفي كون جهة أخرى توصل إلى الهدى ولكن الله تعالى حصر الهدى به جل وعلا.
    ما الحكم البياني في استخدام التوكيد بـ(إن) وبـ(اللام)؟
    التوكيد يكون بحسب الحاجة وبحسب إنكار المخاطب للأمر.
    إذا كان المخاطب يقبل الأمر لا يوجد داعي للتوكيد لكن أكثر الناس يرفضون هذا الأمر لقوله تعالى: (وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين) (وإن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل الله) وهذا الشيء ينازع فيه كثير من الناس في زمن الرسول أو الآن ويرفضون الفكرة وينسبون الهدى لأنفسهم وأنهم هم الذين يبينونه وينازعون فيه لذا وجب التوكيد، لذا المسألة تحتاج إلى توكيد بالمعنيين: الهدى علينا حصراً والمعنى الآخر: طريق الهدى هو الطريق الذي يوصل إلى الله.
    ولو جاءت الآية (إن الهدى لعلينا) هذا يؤكد المعنى الثاني ويؤدي إلى فوات معنى الحصر الأول.
    في عموم القرآن هناك ارتباط بين الآيات وما يسبقها أو يليها، (إن علينا للهدى)مرتبطة بما قبلها (إن سعيكم لشتى) لأنه لو ابتغى الناس الهدى عند الله لما تشتت سعيهم ومرتبطة بالآية (فأما من أعطى واتقى وصدق بالحسنى) لأنها من الهدى الذي ييسره الله تعالى.
    - قوله ( وإن لنا للآخرة والأولى - ) .
    وهذه الآية مرتبطة أيضاً بما قبلها (فأما من أعطى واتقى وصدق بالحسنى) (وأما من بخل واستغنى وكذب بالحسنى) لأن الذي يعطي ويتقي يريد الآخرة فقال الله تعالى (إن لنا للآخرة) والذي يبخل يريد الدنيا فقال تعالى (والأولى) فالآخرة والأولى لله وحده فيجب أن نتبع هدى الله تعالى في الأولى والآخرة.
    ومرتبطة كذلك بالآية (فسنيسره لليسرى) (فسنيسره للعسرى) لأن التيسير والتعسير إما أن يكونا في الدنيا أو في الآخرة ولله الآخرة والأولى. إذن علينا أن نتبع ما أراد الله منا.

    ما الحكم البياني في تقديم الآخرة على الأولى؟
    التقديم والتأخير في القرآن عموماً مرتبط بسياق الآيات فأحياناً يقدم المفضول على الأفضل وقد يقدم المتأخر على المتقدم.
    ولو نظرنا في سياق الآيات في هذه السورة لوجدنا أن الله تعالى قدم الآخرة لتقدم طالبها (فأما من أعطى واتقى وصدق الحسنى) وأخّر الأولى لتأخر طالبها (فأما من بخل واستغنى وكذب بالحسنى).
    في سورة القصص وردت الآية: ( فله الحمد في الأولى والآخرة) أي تقدم ذكر الأولى على الآخرة وفي سورة الليل تقدم ذكر الآخرة على الأولى فما الفرق بين الآيتين؟
    في سورة القصص سياق الآيات (70 – 73) هو في نعم الدنيا من الآية: (وهو الله لا إله إلا هو له الحمد في الأولى والآخرة وله الحكم واليه ترجعون، قل أرأيتم إن جعل الله عليكم الليل سرمداً إلى يوم القيامة من إله غير الله يأتيكم بضياء أفلا تسمعون، قل أرأيتم إن جعل الله عليكم النهار سرمداً إلى يوم القيامة من إله غير الله يأتيكم بليل تسكنون فيه أفلا تبصرون، ومن رحمته جعل لكم الليل والنهار لتسكنوا فيع ولتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون) فالسياق كله في الدنيا وما أودع الله تعالى من النعم في الأولى.
    فلذا ناسب تقديم الأولى على الآخرة في سورة القصص. وقال تعالى: (وله الحمد) أيضاً الذي يدل على أن النعم يجب أن تقابل بالحمد والشكر والاختيار ناسب السياق للآيات وهو تذكير للإنسان بنعم الله تعالى في الدنيا ، أما في سورة الليل فقال تعالى (إن لنا للآخرة والأولى) لم يذكر الحمد وقدم الآخرة كما سبق وفصلنا.
    والتوكيد بـ(اللام) في كلمة (للآخرة) فيه اختلاف مع آية سورة النجم (فلله الآخرة والأولى) فما الحكم البياني في هذا التوكيد في سورة الليل؟ التوكيد في سورة الليل جاء مناسباً لسياق الآيات، فسياق الآيات في سورة الليل جاء كله في الأموال وامتلاكها والتصرف فيها (فأما من أعطى) والمعطي لا بد أن يكون مالكاً لما يعطيه، (وأما من بخل واستغنى) والبخيل هو أيضاً مالك للمال لأنه لو لن يكن يملكه فبم يبخل؟ وكذلك الذي استغنى وهو من الغنى ثم ذكر المال (وما يغني عنه ماله إذا تردى) و (الذي يؤتي ماله يتزكى) فالسورة كلها في ذكر الأموال وتملكها والتصرف فيها فلذا ناسب التوكيد باللام هنا لأن الآخرة والأولى من الملك لله حصراً.
    أما في سورة النجم فسياق الآيات ليس في المال ولا في التملك أصلاً فلم يؤكد باللام.

    في الآية جاءت كلمة (الأولى) مقابل (الآخرة) ولم ترد مثلاً كلمة (الدنيا) مقابل (الآخرة) ما الحكم في استخدام الأولى بدل الدنيا؟
    الحقيقة أولاً وللعلم لم يرد في القرآن الكريم كله ولا مرة واحدة لفظ الدنيا مع الآخرة إنما ورد دائماً كلمتي الأولى والآخرة.
    ولهذا أسبابه البيانية:
    الأولى أعم من الدنيا في الاستعمال القرآني وفي اللغة أيضاً.
    القرآن يستعمل الدنيا لما يحيا فيه الإنسان ويعيش كقوله تعالى: (ربنا آتنا في الدنيا حسنة) و (اشتروا الحياة الدنيا بالآخرة) و (متاع الدنيا قليل)، أما الأولى فتستعمل عامة لما يعلمه الإنسان وما لا يعلمه من أمر السموات والأرض فكلها الأولى.
    فالأولى إذن أوسع من الدنيا. ولما أراد الله تعالى أن يذكر سعة الملك في سورة الليل ناسب أن يأتي بكلمة الأولى التي هي أعم وأوسع.
    الثاني أن كلمة الدنيا نفسها هي مؤنث الأدنى ومن معانيها الأقرب والأخس والدون والأقل كما في قوله تعالى (أتستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير) فلما أراد الله تعالى أن يذكر في سورة الليل سعة ملكه وعظمته لم يناسب ذكر كلمة الدنيا التي قد تحتمل في معانيها (الدون أو الأقل).
    إذن كلمة الدنيا لا تناسب هنا من حيث الدلالة اللغوية واشتقاقها ومن حيث السياق أيضاً.
    - قوله ( فأنذرتكم ناراً تلظى - لا يصلاها إلا الأشقى - الذي كذب وتولى - ) .
    هذه الآيات مرتبطة بقوله تعالى (إن علينا للهدى* وإن لنا للآخرة والأولى) لأن هذا من الهدى ، أنذرنا هو من الهدى الذي ينبه الله تعالى منه (إن علينا للهدى) وهذا في الآخرة فهي مرتبطة بـ (وإنا لنا للآخرة).
    وفي سورة الليل ذكر الله تعالى الإنذار ولم يذكر التبشير ولذلك اقتصر على ذكر النار ولم يذكر الجنة لأن ذكرها تبشير وليس هنا مقام التبشير.
    كما ذكر للأشقى صفتين: التكذيب والتولي، (الذي كذب وتولى) كذب: بمعنى كذب بكل مفردات الإيمان، وتولى بمعنى أدبر عن الطاعات واشتغل بالمعاصي.
    فجاءت كذب مقابل (وصدق بالحسنى) وتولى وقابل (أعطى واتقى) لأن عدم العطاء من التولي.
    وهذه الآية (لا يصلاها إلا الأشقى الذي كذب وتولى) توكيد للآية السابقة (وأما من بخل واستغنى وكذب بالحسنى) وهي أعم منها أيضاً لأن التولي أعم من البخل والاستغناء فالتولي لا يقتصر على البخل والاستغناء إنما هو تولي عن كل الطاعات وإدبار عنها عموماً.
    وكذّب أعم من (كذّب بالحسنى) لأنه كذّب بالحسنى وبغير الحسنى.
    إذن لما عمّ السوء وانتشر أصبحت العاقبة أشد من الأولى و لما كان هذا أعم كانت العاقبة أسوأ لأن الأول بخل واستغنى وكذب بالحسنى وهذا كذب عموما وتولي عام لذا كان يجب أن تكون العقوبة أسوأ، أولاً وصفه بالأشقى وذكر أن له ناراً تلظى أما في الآيات السابقة اكتفى بـ (فسنيسره للعسرى) وهذه العاقبة أخف.
    ما الحكمة في الإتيان بفعل (فأنذرتكم) بصيغة الماضي وقد ورد هذا الفعل بصيغة المضارع في آيات أخرى في القرآن؟: جاء الفعل بصيغة المضارع لأن الله تعالى أنذرهم هنا بشيء واحد ألا وهو ناراً تلظى بمعنى شيء واحد وانتهى، كما في قوله أيضاً (فقل أنذرتكم صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود) و(إنا أنذرناكم عذاباً قريبا).
    أما في قوله تعالى (إنما أنذركم بالوحي) فالإنذار هنا مستمر طالما الوحي مستمر بالنزول ولا ينتهي لذا جاءت صيغة الفعل المضارع.
    ما الحكم البلاغي في مجيء الآية (فأنذرتكم ناراً تلظى) بدون توكيد على خلاف ما جاء في سورة النبأ (إنا أنذرناكم عذاباً قريبا).
    سورة النبأ فيها توكيد لأن الإنذار في سورة النبأ متسع ومتكرر من أول السورة إلى أوسطها إلى آخرها (كلا سيعلمون ثم كلا سيعلمون) (إن جهنم كانت مرصاداً للطاغين مآبا،...جزاء وفاقا..فذوقوا ..) (إنا أنذرناكم عذاباً قريبا) فهو إنذار متسع طويل وفيه بسط ومتصل ومكرر فهو أدعى للتوكيد من سورة الليل. أما في سورة الليل فلم يرد الإنذار إلا في آية واحدة لذا لا تحتاج إلى توكيد.
    - قوله ( وسيجنبها الأتقى - الذي يؤتي ماله يتزكى - ) .
    لماذا لم ترد الآية على نفس سياق ما قبلها (ولا يجنبها إلا الأتقى) لا تصح لأن في هذا جلالة على أنه لن يجنبها إلا الأتقى بمعنى أن المتقون لن يجنبوها وفي هذا ظلم للمتقين وحاشا لله أن يكون هذا. وهذا من رحمة الله تعالى بعباده لأن معنى الآية أن الله تعالى يجنب الأتقى وغير الأتقى أيضاً فرحمته سبقت غضبه.
    في العذاب حصر (لا يصلاها إلا الأشقى الذي كذب وتولى) وفي الرحمة أطلق سبحانه هو الرحيم.
    إجمالاً في هذه الآية والتي قبلها ذكر مقابل الأشقى الأتقى الذي يؤتي ماله يتزكى.
    فالصفة العليا (الأتقى) الذي يؤتي ماله (الوصف الأعلى للإنفاق ولم يقل من ماله إنما قال ماله ولم يقل المال) والتزكي (أعلى درجات التصديق).
    في السيئة بدأ من الخاص إلى العموم (أما من أعطى واتقى وصدق بالحسنى) وفي الحسنة ترقى من الأفضل إلى الأفضل (الأتقى الذي يؤتي ماله يتزكى) أعطى مقابل يؤتي ماله، واتقى مقابل الأتقى وصدق بالحسنى مقابل يتزكى لأن صدق بالحسنى هي أعلى الدرجات لأن فيها الإخلاص.

    سيجنبها: استخدم الفعل بصيغة المبني للمجهول فلماذا لم يستخدم الفعل (سيتجنبها)؟
    الآية فيه تحذير وإنذار عظيم إلى الناس لأن الأتقى لا يتجنبها بنفسه وإنما الأمر يعود إلى خالق الخلق وخالق النار ، فالله تعالى هو الذي يجنب عباده النار ولا أحد يستطيع أن يتجنبها بنفسه أبداً.
    ونظير هذه الآية ما جاء في قوله تعالى (فمن زحزح عن النار وأدخل الجنة فقد فاز) (وإن منكم إلا واردها كان على ربك حتماً مقضياً ثم ننجي الذين اتقوا ونذر الظالمين فيها جثيا) سورة مريم.
    لا يستطيع الناس أن ينجوا بأنفسهم من النار ولو كان أحدهم الأتقى الذي يؤتي ماله يتزكى إنما ألمر يعود لخالق الناس وخالق النار سبحانه.
    جاء في كثير من الآيات في القرآن الكريم قوله تعالى (ينجي الله) (ننجي الذين اتقوا) فما الحكمة في الآية هنا (سيجنبها الأتقى)؟ هناك فرق بين التجنيب والتنجية.
    التنجية قد تكون بعد الوقوع في الشيء ومعاناته كما في قوله (وإذ نجيناكم من آل فرعون يسومونكم سوء العذاب) بمعنى أنهم ذاقوا العذاب ثم نجاهم الله تعالى فكانت النجاة بعد الوقوع في المكروه.
    وكذلك قوله تعالى (ثم ننجي الذين اتقوا ونذر الظالمين فيها جثيا) بعدما وقعوا في النار ينجي الله تعالى الذين اتقوا.
    وكذلك في قصة سيدنا يونس - عليه السلام - (فاستجبنا له ونجيناه من الغم وكذلك ننجي المؤمنين) سورة الأنبياء، آية 88، كان قد وقع في الكرب ثم نجاه الله تعالى منه .
    إذن النجاة تقع بعد الوقوع (ننجي الذين اتقوا). أما التجنيب فهي التنحية بمعنى أنه لا يقع في المكروه أصلاً (سيجنبها الأتقى) والأتقى في المرتبة الأعلى فهو لا يقع في التجربة أصلاً.
    إذن مع اتقوا يستعمل القرآن لفظ (التنجية) ومع الأتقى يستعمل (التجنيب).
    - قوله ( وما لأحد عنده من نعمة تجزى - إلاّ ابتغاء وجه ربه الأعلى - ولسوف يرضى - ) .
    عندما يؤتي ماله ليس لأحد فضل عليه يؤديه له وإنما يفعله لوجه الله تعالى وعمله غير مشوب بشائبة فهو لا يرد معروفاً لأحد وإنما ابتغاء وجه الله من غير توقع رد جميل وإنما هو خالص لوحه الله وهذا هو منتهى الإخلاص.
    ليس لأحد فضل فيجازيه عليه وإنما يفعله خالصاً لوجه الله تعالى.
    ولسوف يرضى: فيها احتمالين أن تكون للشخص الذي يرضى بثوابه في الآخرة (الأتقى الذي أعطى ماله) أو هو الذي يبتغي وجه ربه الأعلى إذن سيرضى الله عنه، وهي الحالتين معاً سيرضى بثوابه فيما أعج الله تعالى له من كرامة ورضوان الله أعلى شيء ( ورضوان من الله أكبر) أكبر من الجنات.
    وقالوا في الأثر: تحتاجون لعلمائكم في الجنة كما كنتم تحتاجون إليهم في الدنيا قالوا كيف يا رسول الله قال يطلع الله على أهل الجنة فيقول سلوني سلوني ولا يعرفون ما يسألونه فيذهبون إلى علمائهم فيقولون ماذا نسأل ربنا فقالوا اسألوه رضوانه وهو أعلى شيء.
    الخطوط التعبيرية في السورة: خط العموم، خط المقابلة، خط التفضيل.
    كلمتان خفيفتان على اللسان .. ثقيلتان في الميزان .. حبيبتان إلى الرحمن

    سبحان الله وبحمده .. سبحان الله العظيم

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

المفضلات

المفضلات

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •  

RSS RSS 2.0 XML MAP html  PHP  info tags Maps maptags vbmaps

الساعة معتمدة بتوقيت جرينتش +3 . الساعة الآن : 18:35.
الموقع غير مسؤول عن أي اتفاق تجاري أو تعاوني بين الأعضاء
فعلى كل شخص تحمل مسئولية نفسه إتجاه مايقوم به من بيع وشراء وإتفاق وأعطاء معلومات موقعه
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي موقع الأشاعرة و لا نتحمل أي مسؤولية قانونية حيال ذلك (ويتحمل كاتبها مسؤولية النشر)
الساعة الآن 05:24 AM
Powered by vBulletin® Version 4.2.3
Copyright © 2018 vBulletin Solutions, Inc. Translate By soft