وهذا الموطن له مواطن عديدة منها وليست موطناً واحداً :
1. العطف على مقدّر غير مذكور في الكلام أو العطف على المعنى:
حرف العطف والمعطوف موجود لكن المعطوف عليه غير مذكور وهو في القرآن كثير مثال قوله تعالى في سورة البقرة :
(أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّىَ يُحْيِي هََذِهِ اللّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللّهُ مِئَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَل لَّبِثْتَ مِئَةَ عَامٍ فَانظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِّلنَّاسِ وَانظُرْ إِلَى العِظَامِ كَيْفَ نُنشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْماً فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ {259}) الآية فيها أفعال أمر (انظر إلى طعامك) و(انظر إلى حمارك) و(انظر إلى العظام) أما قوله تعالى (ولنجعلك آية للناس) فهي ليست فعل أمر وليست معطوفة على ما قبلها وإنما هي عِلّة واللام للتعليل.
هي معطوفة لكن على ماذا؟ لو فتشنا في الآية كلها لا نجد المعطوف عليه وهذا إشارة إلى أن في هذا الموضع مطلوب هذا الأمر (لنجعلك آية للناس) لكن هنالك علل وأسباب أخرى غير مذكورة في هذه الآية وإنما اقتضى المقام هنا في الآية فقط ذكر هذه العِلّة (ولنجعلك آية للناس) فالله تعالى لم يُحيي عُزير ليجعله آية للناس فقط ولكن لأمور أخرى لم تذكر في الآية إذن قوله تعالى (ولنجعلك آية للناس) هي ليست العِلّة الوحيدة في إحيائه وإنما العِلل الأخرى لم تُذكر في الآية لدلالة التوسع في المعنى ولو أراد معنى واحداً لقال (ونجعلك آية للناس) بدون لام التعليل.

2. وكذلك قوله تعالى الأنعام :
(وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ {75}) فالآية تفيد أن الله تعالى يُري إبراهيم ? آيات أخرى إحداها أن يكون من الموقنين فالله تعالى يُعدّ إبراهيم ? لأمور أخرى منها ليكون من الموقنين فجاء بواو العطف وجاء بالعِلّة (ليكون من الموقنين) في هذه الآية بحسب ما يقتضيه السياق.

3. وكذلك قوله تعالى في سورة آل عمران :
(إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُهُ وَتِلْكَ الأيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاء وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ الظَّالِمِينَ {140}) فالمداولة بين الناس كثيرة وفي هذه الآية ذكر جزءاً من عِلل المداولة وهي ليست الجانب الوحيد المقصود ولذلك جاء قوله تعالى (وليعلم الله الذين آمنوا). ويمكن أن يذكر عللاً متعددة لكنه ذكر عِلّة واحدة حسب ما يقتضيه سياق الآيات في السورة. ومثل هذا قوله تعالى في سورة الزخرف (وَلَمَّا جَاء عِيسَى بِالْبَيِّنَاتِ قَالَ قَدْ جِئْتُكُم بِالْحِكْمَةِ وَلِأُبَيِّنَ لَكُم بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ {63}).
4. وكذلك قوله تعالى في سورة المؤمنون :
(فَأَنشَأْنَا لَكُم بِهِ جَنَّاتٍ مِّن نَّخِيلٍ وَأَعْنَابٍ لَّكُمْ فِيهَا فَوَاكِهُ كَثِيرَةٌ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ {19}) وهو يختلف عن قوله تعالى في سورة الزخرف (لَكُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ كَثِيرَةٌ مِنْهَا تَأْكُلُونَ {73}) لأنه في الدنيا نزرع الفاكهة ليس للأكل فقط وإنما نصنع منها العصير ونجففها ونتداول بها ونتداوى بها وغيرها من الأمور والأغراض وإحداها هو الأكل أما في فاكهة الجنة فليس في الجنة تجارة والفاكهة لا تكون إلا للأكل فقط فلم يأتي بالواو مع كلمة تأكلون في فاكهة الجنة وجاء بالواو في فاكهة الدنيا.
العطف على مغاير في الإعراب:
العطف على مغاير في الإعراب هو موطن آخر من مواطن التوسع في القرآن الكريم مثل أن يضاف منصوب يعطف عليه مرفوع أو فعل منصوب يضاف إليه مجزوم ولكل منهم حكمه وهذا لغرض التوسع في المعنى.
وفي القرآن الكريم أمثلة عديدة على هذا النوع من التوسع في المعنى منها قوله تعالى في سورة المنافقون (وَأَنفِقُوا مِن مَّا رَزَقْنَاكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُن مِّنَ الصَّالِحِينَ {10})
(أكن) عطف مجزوم على منصوب (فأصّدق) هذا يسمى في النحو عطف على المعنى والفاء في كلمة (فأصدق) تُسمّى فاء السببية في النحو التي تقع بعد الطلب (لأن لولا حرف تحضيض) فلو أسقطنا الفاء وأردنا الطلب نجزم على جواب الطلب (لولا أخرتني أصدّق) كما في قوله تعالى :
(وألق ما في يمينك تلقف ما صنعوا) أما لما نجيء بالفاء ننصب. معناها إن تؤخرني أكن من الصالحين على تقدير شرط ؛ أي جواب شرط مقدّر وفي هذه الآية أراد تعالى معنيين ولم يُرد السبب في المعطوف والمعطوف عليه وأراد تعالى أن يجمع بين السبب وبين الشرط. لو قال تعالى (فأصدّق وأكون) لكان عطف سبب على سبب لكنه أراد أن يجمع المعنيين السبب والشرط أي الإشتراط على النفس والإشتراط فيه توثيق فعطف مجزوم على منصوب لإرادة معنيين.
لكن يبقى السؤال لماذا أراد المعنيين؟ لو نظرنا إلى الآية فقد جاء فيها أمرين الصدقة أن يكون من الصالحين وهما ليسا بدرجة واحدة فكون الإنسان من الصالحين أكبر وأعظم من الصدقة وهو الأعم وهو الذي يدخل الجنة ولأنهما ليسا بدرجة واحدة فكيف يفرّق بينهما؟ بعطف المجزوم على المنصوب فقال فأصدّق ثم اشترط على نفسه أن يكون من الصالحين. ولماذا قدّم الصدقة؟ لأن السياق في السورة هو في الصدقة :
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ {9})
فقدّم الصدقة مراعاة لمقتضى السياق وجزم (أكن) مراعاة للأهمية.
ومن ذلك قوله تعالى في سورة التوبة :
(وَأَذَانٌ مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الأَكْبَرِ أَنَّ اللّهَ بَرِيءٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ فَإِن تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُواْ أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللّهِ وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ {3})
ورسولُهُ جاءت على غير إرادة إنّ أي مرفوعة وليست منصوبة وهي ليست معطوفة على ما قبلها (اللهَ) فجاءت كلمة (ورسوله) مرفوعة لأن براءة الرسول ? ليست كبراءة الله تعالى وإنما هي تابعة لها فبراءة الله تعالى أولاً فلم يجعل براءة الله تعالى وبراءة الرسول ? بمرتبة واحدة فجعل براءة الرسول أقل توكيداً من براءة الله تعالى ودونها وتبعاً لها.
وكذلك ما جاء في قوله تعالى في سورة المائدة :
(إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَالَّذِينَ هَادُواْ وَالصَّابِئونَ وَالنَّصَارَى مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وعَمِلَ صَالِحاً فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ {69}) برفع الصابئون لأنهم أبعد المذكورين عن الله وهم ليسوا من أهل الكتاب فجاءت مرفوعة على غير لإرادة إنّ وأقل توكيداً ويمكن الرجوع إلى صفحة لمسات بيانية في آي القرآن الكريم لقراءة ما جاء في هذه الآية مفصّلاً.
وكذلك قوله تعالى :
(لَّيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلآئِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّآئِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُواْ وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاء والضَّرَّاء وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ {177}) وهذا يسمى القطع بمعنى أخص الصابرين وهذه كلها تخص التوسع في المعنى في العطف على مغاير حتى يفهمنا تعالى أن هذا ليس بمنزلة الأولى وقد يكون أقل منه أو أعلى منه.
العطف على مغاير في المعنى:
موطن آخر من مواطن التوسع في المعنى هو العطف على مغاير في المعنى مثل قوله تعالى في سورة يونس :
(وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِن كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُم مَّقَامِي وَتَذْكِيرِي بِآيَاتِ اللّهِ فَعَلَى اللّهِ تَوَكَّلْتُ فَأَجْمِعُواْ أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءكُمْ ثُمَّ لاَ يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اقْضُواْ إِلَيَّ وَلاَ تُنظِرُونِ {71}) لا يقال في اللغة أجمع للشركاء وإنما يستخدم فعل أجمع للأمور المعنوية أما فعل جمع فيستخدم للأمور المادية والمعنوية فالمقصود في الآية أجمعوا أمرهم وجمعوا شركاءهم لأن كما أسلفنا لا يكون فعل أجمع مع الشركاء أو الأمور المادية أما جمع فتأتي مع الأمرين.
ومثل ذلك ما جاء في قوله تعالى (والذين تبوؤا الدار والإيمان) الإيمان لا يتبؤأ إنما يتبوأ الدار فهنا عطف على الدار لكن ليس بنفس المعنى فالمقدّر له عامل آخر.
وتقول العرب : "شراب ألبان وتمر" والمقصود أن التمر للأكل واللبن للشراب، إذن يذكر أمر ويُعطف عليه أمر ويُفهم بأن هناك محذوفاً يقتضيه المعنى وهذا من مواطن التوسع في المعنى في القرآن الكريم.
موطن آخر من مواطن التوسع في المعنى هو أن يكون هناك جُمل تحتمل في بنائها أكثر من دلالة وكلها مُرادة:
مثال قوله تعالى في سورة الملك (وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ {13} أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ {14}).
ما المقصود بقوله تعالى (ألا يعلم من خلق)؟ هل يقصد الخالق أم المخلوق؟ بمعنى ألا يعلم الخالق بعباده ويعلم ما يُسرّون وما يجهرون به (هنا تكون فاعل)؟ ويحتمل أن يكون المعنى ألا يعلم الذين خلقهم؟ (وهنا تكون مفعول به) إذن (من خلق) تحتمل المعنيين الخالق والمخلوق.
ومن ذلك قوله تعالى في سورة الرعد :
(وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْلاَ أُنزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِّن رَّبِّهِ قُلْ إِنَّ اللّهَ يُضِلُّ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ {27}) من فاعل المشيئة؟ الله تعالى أم المخلوق؟ تحتمل أن يكون المعنى يضل من يشاء فيبقيه على ضلاله ويهدي من يشاء فييسر له طريق الهداية ويحتمل أن يكون المعنى من يشاء الله أن يضله ويهدي إليه من أناب تحتمل (من يشاء) المعنيين والله تعالى يقول للشيء إذا أراده كن فيكون.
وكذلك قوله تعالى في سورة غافر :
(الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ كَبُرَ مَقْتاً عِندَ اللَّهِ وَعِندَ الَّذِينَ آمَنُوا كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ {35}) ما المقصود بقوله تعالى (على كل قلب) هل المقصود على قلب كل متكبر جبار (اي قلوب المتكبرين جميعا) أو على كل قلب المتكبر الجبار؟ لو أراد أحد هذين المعنيين لقال تعالى "على قلب كل متكبر جبار" وإنما قال (على كل قلب متكبر جبار) والمراد هنا معنيين أحدهما يطبع الله تعالى على كل القلب فلا يترك من القلب شيئاً ويطبع على قلوب كل المتكبرين الجبارين.
كذلك قوله تعالى في سورة فصلت :
(وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ {34}) الإستواء لابد أن يكون له طرفين فنقول لا يستوي فلان وفلان. ويمكن القول لا تستوي الحسنة والسيئة بحذف (لا) كما قال تعالى (وما يستوي الأعمى والبصير) فلماذا جاء بـ (لا) هنا؟ النحاة يقولون أن (لا) مزيدة للتوكيد لكن لها دلالة أخرى غير الزيادة في التوكيد فلو قال لا تستوي الحسنة والسيئة فالمعنى واحد واضح لكن زيادة (لا) تفيد أن الحسنات لا تستوي بين بعضها لأن بعض الحسنات أفضل وأعظم من بعض، وكذلك السيئات لا تستوي فيما بينها فهناك سيئات أعظم من سيئات وكذلك الحسنات لا تستوي مع السيئات وهكذا باستخدام (لا) في الآية أفادت هذه المعاني الثلاثة.
وكذلك قوله تعالى (وما يستوي الأحياء ولا الأموات) تدل على معاني ثلاث هي أن الأحياء لا يستوون فيما بينهم والأموات لا يستوون فيما بينهم والأحياء والأموات لا يستوون أيضاً وهذه المعاني كلها مُرادة وكذلك قوله تعالى (ولا الظلمات ولا النور).