إذا كانت هذه زيارتك الأولى يرجى الاطلاع على الرابط التالي الأسئلة ولكي تتمكن من كتابة مواضيع وإرسال رسائل خاصة لابد لك منالتسجيل
النتائج 1 إلى 2 من 2

الموضوع: التوسّع في المعنى في القرآن الكريم

  1. #1
    Super Moderator
    رقم العضوية : 2
    تاريخ التسجيل : Jun 2016
    المشاركات: 3,273
    التقييم: 10
    الدولة : الأردن
    العمل : طالب علم
    الهوايه : المطالعة

    التوسّع في المعنى في القرآن الكريم

    ما هو مفهوم التوسع في القرآن الكريم؟ التوسّع في المعنى هو أن يؤتى بتعبير يحتمل أكثر من معنى وتكون كل هذه المعاني مُرادة وهناك مواطن للتوسع في القرآن الكريم كما سبق شرحه في سورة البلد في معنى كلمة (حِلّ) وقلنا أنها تعني مستحل وحلال ومقيم أو حالّ وهذه المعاني كلها مرادة في الآية.
    وكذلك في قوله تعالى (فلا اقتحم العقبة) وقلنا أنّ (لا) محتمل أن تكون داخلة على المستقبل أو يراد بها الدعاء أو حرف الإستفهام محذوف أو غيرها.
    وللتوسع في القرآن الكريم أسباب ومواطن.
    مواطن التوسّع :
    الألفاظ المشتركة: يوجد في القرآن الكريم ألفاظ تشترك في المعنى مثل كلمة (جائر) على سبيل المثال هل هي اسم فاعل من (جأر أو جار)؟ وكذلك كلمة (سائل) هل هي من سأل أو سال؟ هناك كلمات إذن تحتمل أكثر من معنى كما في كلمة العين يذكر لها أكثر من معنى فهي تحتمل أن تكون الجاسوسة أو عين الماء أو أداة الإبصار.
    وكذلك تكثر في الحروف مثلاً (ما) هل هي استفهامية أو تعجبية أم ماذا؟ هل هي نافية؟ يمكن أن تقع في تعبيرات تحتمل عدة معاني في آن واحد فإذا أريدت كل هذه المعاني يدخل في باب التوسّع.
    نقول مثلاً : ما أغفلك عنّا؟ (ما) تحتمل أن تكون استفهامية أو تعجبية فإذا أردنا المعنيين صار توسّعاً.
    كذلك (إنّ) تكون نافية أو مشبّهة بليس أو ليست مشبّهة بليس كما في قوله تعالى (إن هو إلا رحمة للعالمين) وقوله تعالى (إن أنا إلا نذير) وقوله تعالى (وإن أدري أقريب أم بعيد ما توعدون) وقد تكون (إنّ) شرطية كما في قوله تعالى (وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا) وقد تكون (إنّ) مخففة من الثقيلة.
    وإذا قلنا: هو لا يكذب وإن أُكره على ذلك.
    قد نفهم أنها شرطية بمعنى لا يكذب حتى لو أُكره، وقد تكون نافية أي لا يكذب ولم يُكره على ذلك فلماذا يكذب؟ هذا هو التوسّع في المعنى بصورة مبسّطة.
    وإذا أرنا التوسع في المعنى لا ضرورة عندها لوجود قرينة لأن القرينة هي التي تساعد على تحيد معنى واحد من المعاني المرادة دون غيره.
    إذن إذا أُريد التوسع لا يؤتى بالقرينة وإذا أردنا تحديد معنى من المعاني يؤتى بالقرينة التي تدل عليه.
    ونأخذ أمثلة من القرآن الكريم:
    1. قال تعالى في سورة القمر (إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ {54}) كلمة (نََهَر) لها دلالات مختلفة منها السَعة في الرزق والمعيشة وفي كل ما تقتضيه السعادة سعة فيه.
    ومن دلالاتها أيضاً الضياء لأتهم يقولون أن الجنة ليس فيها ليل ومن معاني النَهَر في اللغة أيضاً مجرى الماء.
    الآية في سورة القمر تحتمل كل هذه المعاني وهي كلها مرادة.
    ومن الملاحظ في القرآن كلّه أنه حيثما جمع الجنّات جمع الأنهار إلا في هذه الآية، فقد ورد في القرآن قوله تعالى (جنات تجري من تحتها الأنهار) وجود كلمة تجري هنا تدل على أن المعنى المطلوب هو مجرى الماء.
    وفي آية أخرى قال تعالى (فيها أنهار من ماء غير آسن) وجود (غير آسن) في الآية تفيد جريان الماء لأن الماء لا يأسن إلا إذا في حالة الركود وغير آسن قرينة الجريان.
    أما في آية سورة القمر جاءت كلمة (نهر) بدون قرينة (في جنات ونهر) وهي وردت في المتقين وهم المؤمنون وزيادة لذا جاء بالنهر وزيادة كما قال المفسرون.
    والمعنى المُراد في الآية أن المتقين في جنات ونهر بمعنى في ماء وضياء وسعة وقد ورد في الحديث الشريف (الجنة نور يتلألأ وريحانة تهتز قصر مشيد) وهم في سعة من العيش والرزق والمنازل وما تقتضيه السعادة السعة فيه وهذا من التوسّع في المعنى ولم يؤتى بأي قرينة تدل على معنى واحد فلم يذكر تجري أو غير آسن أو أي قرينة أخرى تحدد معنى واحد للنَهَر وإنما كل المعاني مُرادة.
    2 . في سورة يوسف قال تعالى على لسان إخوة يوسف مخاطبين أباهم يعقوب (قَالُواْ تَالله تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّى تَكُونَ حَرَضاً أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهَالِكِينَ {85}).
    استخدمت كلمة (تفتأ) هنا بمعنى لا يزال وهي من أخوات كان (ما انفك، ما برح، ما زال، ما فتيء) ما زال تدل على الإستمرار والدوام (نقول ما زال المطر نازلاً) لكن يبقى السؤال لماذا اختار تعالى كلمة (تفت)9 دون غيرها من أخواتها التي قد تعطي نفس المعنى من الإستمرار والدوام؟ ونستعرض معنى كلمة فتيء في اللغة: من معانيها (سكّن) بمعنى مستمر لأنه عندما لا يسكن فهو مستمر، ومعناها أطفأ النار (يقال فتيء النار) ومن معانيها أيضاً نسي (فتئت الأمر أي نسيته).
    إذن كلمة (فتأ) لها ثلاثة معاني سكّن وأطفأ النار ونسي.
    وفاقد العزيز سكن بمجرد مرور الزمن فمن مات له ميت يسكن بعد فترة لكن الله تعالى أراد أن يعقوب لا ينسى ولا يكفّ بدليل قوله تعالى (وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ {84})، وفاقد العزيز كأنما هناك ناراً تحرق جنبيه ويقال (حرق قلبي) والنار التي بين جنبي يعقوب ? لم تنطفئ مع مرور الأيام ولم تزل النار ملتهبة مستعرة في قلب يعقوب ?، وهو لم ينسى وفاقد العزيز ينسى بعد فترة ولذا يدعو له المعزّون بالصبر والسلوان.
    إذن تفتأ جمعت كل هذه المعاني المرادة هنا في الآية ولا يؤدي أي لفظ آخر هذه المعاني مجتمعة غير هذه الكلمة.
    والقرآن الكريم لم يستعمل هذه الكلمة إلا في هذا الموضع في سورة يوسف واستعمل (يزال ولا يوال) كثيراً في آيات عديدة (ولا تزال تطّلع على خائنة منهم). ومن الغريب أن القياس أن يُقال (لا تفتأ) لأن استعمالها نفي أو شبه نفي. إذا لم تأتي بـ (لا) فهو نفي قطعاً كقول الشاعر (فلا والله أشربها حياتي) بمعنى لا أشربها قطعاً. وقولنا (والله أذهب) يعني لا أذهب.
    وهذه من مواطن النفي ولم تحذف الـ(لا) في جواب القسم إلا في هذا الموطن
    في القرآن الكريم.
    فقد ورد قوله تعالى (فلا وربّك لا يؤمنون) لم تحذف الـ(لا) هنا ونسأل عن السبب؟ لماذا حذف الـ(لا) في الآية؟ لأن هذا القول قاله إخوة يوسف لكن هل هم أقسموا على أمر يعلمونه حق العلم ؟ كلا هم أقسموا على أمر يتصورونه فالأمر إذن ليس مؤكداً ولم يحصل أصلاً فالذكر آكد من الحذف ولذا لم تذكر (لا) في جواب القسم ولقد جاء في الآية ما يفهم المعنى بدون الحاجة لذكر (لا) ولأن الذكر آكد من الحذف ولأن الأمر ليس مؤكداً عند إخوة يوسف.
    3. مثال آخر قوله تعالى في سورة التين (أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ {8} ) ما المقصود بأحكم الحاكمين؟ تحتمل أن تكون من الحُكم أو من القضاء.
    وقد ورد في القرآن الكريم (ان احكم بينهم بما أنزل الله) تعني القضاء، وقوله تعالى (يقصّ الحقّ وهو خير الفاصلين) بمعنى الحُكم.
    فهي تحتمل أن تكون من القضاء أو من الحكمة وهي تحتمل أن تكون أقضى القضاة وتحتمل أن تكون أقضى الحكماء، وأحكم القضاة وأحكم الحكماء، فهي إذن جمعت أربع معاني في كل كلمة احتمالين في الحكمة والقضاء.
    وهذا كله محتمل وجائز وليس هناك قرينة تحدد معنى واحداً من هذه المعاني دون غيره إذن المراد كل هذه المعاني وهذا توسّع في المعنى في باب الألفاظ المشتركة.
    التوسّع في المعنى في الصيغ المشتركة:
    في العربية أحياناً الصيغة الواحدة يجتمع بها أكثر من معنى مثل صيغة فعيل على سبيل المثال فهي قد تكون للمبالغة مثل (سميع) أو صفة مشبّهة مثل (طويل أو قصير) أو اسم مفعول مثل (قتيل أو أسير) إذن هذه الصيغة تحتمل عدة معاني.
    ومعروف في اللغة أن اسم المفعول من غير الثلاثي يشترك فيه المصدر واسم المكان واسم الزمان واسم المفعول وأحياناً يشترك فيه اسم الفاعل. مثال كلمة مختار، هل هي اسم اعل ؟ لا نعلم ما هي فقد تحتمل أن تكون مصدر بمعنى اختيار أو مكان الإختيار أو زمانه أو اسم فاعل أو اسم مفعول. فإذا قلنا (هذا مختارنا) يحتمل أن يكون هو الذي اخترناه أو اختيارنا أو زمان اختيارنا أو مكان اختيارنا.
    فالصيغة إذن تكون أحياناً مشتركة فإذا أردنا معاني الصيغ يكون توسع في المعنى وليس هناك قرينة.
    1 - مثال من القرآن الكريم في سورة القيامة قوله تعالى (إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ {12}).
    ما المقصود بالمستقر؟ هل هو بمعنى إلى ربك الإستقرار أو إلى مشيئته الإستقرار أي لا يستقرون إلى غيره أو هو موضع الإستقرار وهو الجنة أو النار فالله وحده هو الذي يحكم بين العباد، أو هو زمان الإستقرار بمعنى يبقون ما يشاء الله في المحشر ثم يأمر الله تعالى بالقضاء بينهم؟ والمقصود من هذه الآية كل المعاني المحتملة فالإستقرار إليه ومكان وزمان الإستقرار إليه فإليه المستقر إذن هي جمعت ثلاثة معاني : المصدر واسم المكان واسم الزمان وهي كلها مرادة مطلوبة وليس هناك قرينة تصرف إلى أحد هذه المعاني فأصبحت إذن من باب التوسّع في المعنى.
    2 - مثال آخر: ما المقصود بكلمة (حكيم) في قوله تعالى في سورة يس (يس والقرآن الحكيم) وقوله تعالى (ذلك نتلوه عليك من الآيات والذكر الحكيم)؟ يحتمل أن تكون بمعنى محكم (اسم مفعول) كما في قوله تعالى (كتاب أُحكمت آياته) (ومنه آيات محكمات) فهو محكم ، وقد يكون مبالغة في الحكم لأنه حاكم على غيره ومهيمن على غيره من الكتب والأحكام (مصدقاً لمل بين يديه من الكتاب ومهيمناً عليه) أو هو صفة مشبّهة من الحكمة فهو ينطق بالحكم ويأتي بها.
    كل هذه المعاني مُرادة ولم يأتي بقرينة تصرف إلى معنى من هذه المعاني وهذا ما يُسمى التوسع في المعنى.
    3. مثال آخر قوله تعالى (إن إبراهيم كان أمّة).
    ما المقصود بكلمة (أمّة)؟ في اللغة لها احتمالان والمشهور هو أنها الجيل من الناس ولها عنى آخر فهي على وزن فُعلة من أمّ يؤمّ. والفُعلة هكذا هي اسم مفعول له أوزان كثيرة نقول هو سُبّة إذا كان يُسبّ كثيراً أو صُرعة إذا كان يُصرع كثيراً ولُعنة الذي يُلعن كثيراً وضُحكة هو الذي يضحك منه الناس ويُهزأ به. وكذلك لدينا فُعَلَة وهي صيغة مبالغة مثل حُطَمَة وهي اسم فاعل فنقول هو صُرَعة أي الذي يَصرع كثيراً ، وهُمَزة الذي يسخر من الناس وضُحَكة هو الذي يضحك من الناس، فما المقصود بأمة في هذه الآية؟ والمقصود أن إبراهيم ? كان عنده من الخير ما عند أمّة أو جيل من الناس وهو أيضاً إمامهم وأمّة من معانيها إمام ومأموم وقد قال تعالى في آية أخرى (إني جاعلك للناس إماما) إذن أمّة في هذه الآية فيها احتمالين أن عنده من الخير ما عند جيل من الناس وهو يؤمّ الناس وإمام لهم ولو قال إمام لنصّ على معنى واحد دون الآخر لكن اختيار كلمة (أمّة) تدل أن المقصود والمُراد هو المعنيين لهذه الكلمة فصار هذا اتساعاً في المعنى.
    4 - مثال آخر قوله تعالى في سورة البقرة (ولا يُضارّ كاتب ولا شهيد) ونسأل كلمة (ضارّ) هل هي مبني للفاعل او المفعول؟ نقول هي تحتمل الإثنين ولو أراد التنصيص لفكّ الإدغام كما في قوله تعالى (ومن يشاقق الله ورسوله) وقوله (ومن يرتدد منكم عن دينه) بمعنى أنه لو أراد إسم الفاعل لقال (يُضارِر) ولو أراد إسم المفعول لقال (يُضارَر).
    والله تعالى أراد الإثنين معاً ومعنى الآية أنه نهى الكاتب والشهيد أن يضُرّا غيرهما إما بكتم الشهادة أو الإمتناع عن الحضور لها أو تحريفها وأراد المعنى الآخر وهو نهى أن يقع الضرر على الكاتب والشهيد ممن يضغطون عليهم لتغيير الشهادة أو تبديلها أو الإمتناع عنها.
    إذن المطلوب منع الضرر من الكاتب والشهيد ومنعه عنهما أيضاً في نفس الآية وبدل أن يقول ولا يُضارَر ولا يُضارِر كاتب ولا شهيد جاء بالصيغة التي تحتمل المعنيين وهي كلمة (يُضارّ).
    5. ومثل المثل السابق قوله تعالى (وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلاَدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ وَعلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لاَ تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلاَّ وُسْعَهَا لاَ تُضَآرَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلاَ مَوْلُودٌ لَّهُ بِوَلَدِهِ وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ فَإِنْ أَرَادَا فِصَالاً عَن تَرَاضٍ مِّنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا وَإِنْ أَرَدتُّمْ أَن تَسْتَرْضِعُواْ أَوْلاَدَكُمْ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِذَا سَلَّمْتُم مَّا آتَيْتُم بِالْمَعْرُوفِ وَاتَّقُواْ اللّهَ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ {233}).
    هل هي مبنية للفاعل أو المفعول؟ من المحتمل أن تضر الزوجة زوجها بزلدها ومن المحتمل أن يضُر الزوج زوجته بولده فأراد تعالى المعنيين لكيلا يقع الضرر من أحدهما على الآخر فجاء بصيغة تدل على المعنيين وهذا من باب التوسع في المعنى.
    ولقد تفرّد القرآن الكريم باختيار التعبير الأعلى في المعنى المُراد وفي المكان الذي يقتضيه هذا المعنى ومن هنا إعجازه الذي تحدّى به العرب أهل اللغة والفصاحة فعجزوا عن الإتيان ولو بسورة واحدة من مثله.
    التوسّع في المعنى في الجمع بين الألفاظ والصيغ المشتركة ذات الدلالات المختلفة:
    من مواطن التوسّع في القرآن الكريم الجمع بين الألفاظ والصيغ ذات الدلالات المختلفة.
    ونأخذ مثال من غير القرآن أولاً لو قلنا أعطيته عطاءً حسناً.
    فعل أعطى مصدره الإعطاء وليس العطاء كصيغة أفعل افعال مثل أكرم إكرام لو قلنا أعطيته إعطاءً لكان واضحاً لأن مصدر الفعل أعطى إعطاءً أما العطاء فهو اسم المصدر بمعنى الإعطاء أو المال والعطاء يحتمل معنيين إعطاء حسن ومال حسن أما قولنا أعطيته إعطاء لدلّ المعنى على المصدر فقط أي الإعطاء الحسن فقط.
    1. ونأخذ مثالاً من القرآن قوله تعالى (من ذا الذي يقرض الله قرضاً حسناً) الفعل أقرض مصدره إقراضاً والفعل الثلاثي قرَض مصدره قرضاً.
    فجاء بالفعل الرباعي (يقرض) ولم يأت بمصدره إنما جاء بمصدر الفعل الثلاثي (قرضاً).
    ولو رجعنا إلى معنى القرض في اللغة فهو يعني المال والإقراض إذن القرض في الآية تحتمل المعنيين، فلو كان القصد الإقراض لكان إعرابها مفعول مطلق، ولو كان المقصود المال لكان إعرابها مفعول به.
    والمعنى المُراد من الآية الكريمة (من ذا الذي يقرض الله إقراضاً حسناً أي خالص النية لله محتسباً الأجر من الله، ومالاً حسناً أي طيباً حلالاً) فهناك إذن إقراض حسن ومال حسن ولما قال تعالى قرضاً حسناً جمع بين الأمرين معاً إقراضاً حسناً ومالاً حلالاً طيباً.
    2. مثال آخر في القرآن الكريم قوله تعالى في سورة النساء (يريد الشيطان أن يضلّهم ضلالاً بعيدا): أضلّ يُضلّ مصدره الإضلال والضلال مصدر فعل ضلّ.
    وقد جاء في آية أخرى أيضاً (فقد ضلّ ضلالاً بعيدا)، وقد جاء بالفعل من بناء ولم يأتي بمصدره وإنما جاء بمصدر الفعل الثلاثي (ضلّ) نسأل لماذا؟ لأن الشيطان يريد أن يبدأ مرحلة أن يضل الإنسان ولكن لا يريد أن يتابع وإنما يريد الإنسان أن يتم ويكمل المرحلة فيبتدع من وسائل الضلال ما لا يعلمه الشيطان.
    لو جاء في الآية إضلال لكان هذا كله من الشيطان وحده ولا يتابع فالشيطان يضع الإنسان على طريق الضلال ويذهب إلى مكان آخر أما إذا جاء بكلمة ضلال فهي تعني أن الشيطان فهو يبدأه ويكمله الإنسان فأراد سبحانه المعنيين أن الشيطان يبدأ بالضلال والإنسان يُكمل ما بدأه الشيطان ويبتدع من طرق الضلال ما يبتدع.
    إذن معنى الإضلال هو من الشيطان وحده أما الضلال فالشيطان يبدأ والإنسان يُكمل الطريق فالشيطان والإنسان مشتركين في عملية الضلال.
    3. ومثال آخر في قوله تعالى (وتبتّل إليه تبتيلا) القياس أن يقال تبتّل تبتّلاً أنما في الآية جاء بالفعل ولم يأت بمصدره وإنما جاء بمصدر فعل آخر ليجمع بين أمرين.
    (صيغة تفعّل تفيد التدرج مثل تجرّع الماء أي جرعة جرعة وتحسّر فيها التدرج والتكلف) ومثلها تجسّس وتحسّس وكسر وكسّر أي جعله كسرة كسرة وقطع وقطّع تفيد التكثير لأن صيغة فعّل تفيد التكثير.
    فهو الآن في قوله تعالى (وتبتّل إليه تبتيلا) جمع بين المعنيين التدرج والتكلف والمبالغة والتكثير ووضعهما وضعاً تربوياً عجيباً يبدأ بالتدرج ثم ينتهي بالتكثير فالتبتّل هو الإنقطاع إلى الله في العبادة وقد علّمنا تعالى أن نبدأ بالتدرج في العبادة شيئاً فشيئاً ثم ندخل في التكثير ولا ندخل في العبادة الكثيرة مباشرة لأن التدرج في العبادة يؤدي إلى الكثرة فيها فيما بعد وهذه هي الطريقة التربوية للعبادة تبدأ بالتدرج وتحمل نفسك على العبادة شيئاً فشيئاً ثم تنتهي بالتكثير والكثرة في العبادة.
    والتدرج والتكلف جاء بالصيغة الفعلية الدالة على الحدوث والتجدد (تبتّل)ثم جاء بالصيغة الإسمية الدالة على الثبوت (تبتيلا) فبدل أن يقول تبتّل إليه تبتّلاً وبتّل نفسك إليه تبتيلا وهذه صياغة فنية تربوية عجيبة وقد جمع في الآية عدة أمور بيانية في التعبير.
    والعرب قديماً كانوا يفهمون هذه البلاغة بالفطرة لكنهم عجزوا عن الإتيان بالصيغة التي جاء بها القرآن الكريم وهذا هو التحدي والإعجاز في القرآن.
    4. مثال آخر قوله تعالى (مالك الملك) هو مالك من التملّك ومن المِلك (الملكية) والمُلك من الحكم.
    مع فرعون قال تعالى (أليس لي ملك مصر) بمعنى له الحكم وليس له المِلك.
    أما لله تعالى مالك الملك تعني أن الملك ملكه وهو يملكه ملكاً كما يملك المالك، فالمُلك هو مِلك الله تعالى يتصرف به تصرّف المالك لأنه ملكه وحده سبحانه فإذن جمع تعالى بين الملكية وبين الحكم.
    والمالك يتصرف في ملكه ما لا يتصرف فيه الملِك لأن الملِك له تصرف عام آخر أما المالك فله تصرف خاص.
    وقوله تعالى (مالك الملك) جمع الأمرين الملكية والتحكم كما نقرأ في سورة الفاتحة (ملك يوم الدين) في قراءة و(مالك يوم الدين) في قراءة أخرى.
    5. (وأنبتها نباتاً حسناً) في الثناء على مريم قال تعالى وأنبتها نباتاً حسناً ولم يقل إنباتاً حسناً لأنه تعالى أراد أن يُثني عليها وعلى معدنها الكريم.
    يقال أنبت إنباتاً ومريم عليها السلام أنبتها تعالى فنبتت نباتاً حسناً فطاوعت وقبلت أي أن لها فضل في هذا ولو قال تعالى إنباتاً لكان كله عملية لله وحده وليس لمريم أي فضل بمعنى أنه تعالى أنبتها كما يشاء هو لكن الله تعالى أراد أن يثني على مريم ويجعل لها فضلاً في هذا الإنبات فقال تعالى (وأنبتها نباتاً حسناً) أي أنه تعالى أنبتها فنبتت نباتاً حسناً وطاوعت أمر ربها وقبلت وكان من معدنها ما جعلها تنبت نباتاً حسناً.
    وقد أراد تعالى أن يجمع بين الأمرين أنه تعالى أنبتها كما يشاء وأراد من باب الثناء أن يجعل لها فضلاً في هذا من طيب معدنها وطواعيتها فقال (وأنبتها نباتاً حسناً).
    من مواطن التوسع في المعنى: العدول من تعبير إلى تعبير:
    هذا في القرآن الكريم كثير وهو ترك تعبير إلى تعبير آخر ويحتمل أكثر من وجه إعرابي وأكثر من معنى.
    كما في قوله تعالى (ولا تشركوا به شيئا) فما المقصود بـ(شيئا)؟ هل هو شيء من الأشياء مما يُشرك الناس به من أوثان وغيرها وعنده يُعرب مفعول به أو لا تشركوا به شيئاً من الشرك لأن الشرك أنواع الشرك الأصغر والشرك الأكبر وتعرب حينها مفعول مطلق، فما المقصود؟ كلمة (شيئا) تحتمل المعنيين أي لا تشركوا بالله شيئاً من الأشياء ولا شيئاً من الشرك فنهانا سبحانه عن الشرك به شيئاً من الأشياء أو شيئاً من الشرك لأن هناك من أنواع الشرك ما هو أخفى من دبيب النمل. والمفعول المطلق المصدر ينوب عنه أشياء كثيرة فقد تنوب عنه صفته والضمير والمصدر.
    (شيئاً) أحياناً الإسم العادي المادي نفسه مثال لما نقول طعنه سكيناً عند النحاة هو مفعول مطلق بمعنى طعنه بسكين فالمفعول المطلق (سكينا) ينوب عن المصدر وهو الآلة.
    وكذلك قوله تعالى (ولا تظلمون فتيلا) الفتيل هو الخيط في شق النواة فهل المقصود شيئاً ماديا (مفعول به) أو شيئاً من الظلم وإن كان فتيلا؟ إذا أردنا المصدر تعرب مفعول مطلق بمعنى (ولا تظلمون شيئاً من الظلم وإن كان قليلاً) وهنا أراد تعالى الأمرين والمعنيين معاً بمعنى أنه لا يظلمنا لا قليلاً من الأشياء ولا شيئاً من الظلم وإن كان قليلا.
    ولو أراد تعالى التحديد والتخصيص بمعنى واحد لفعل كما في قوله تعالى (ولا يشرك بعبادة ربه أحدا) هنا حدد معنى واحداً أما عندما يريد أكثر من معنى ويريد التعميم يأتي بصيغة تحتمل عدة معاني وهذا ما يُسمى التوسع في المعنى في القرآن الكريم.
    مثال آخر قوله تعالى (فليضحكوا قليلاً وليبكوا كثيرا) : ما المقصود ضحكاً قليلاً أو وقتاً قليلاً؟ أو بكاء كثيراً أو وقتاً كثيراً؟ الآية تحتمل كل هذه المعاني أراد تعالى معنى المصدر والظرف في آن معاً هو أراد فليضحكوا ضحكاً قليلاً وقتاً قليلاً وليبكوا بكاء كثيراً وقتاً كثيراً ولو أراد معنى واحداً لحدد الظرف أو المصدر لكنه جمع بين الظرف والمصدرية في الآية الواحدة.
    والإعراب يختلف هنا لو أراد ضحكاً قليلاً تكون قليلاً مفعول مطلق ولو أراد وقتاً قليلاً لكانت ظرفاً وكذلك لو أراد بكاء كثيراً لكانت كثيراً مفعول مطلق ولو أراد وقتاً كثيراً لكانت ظرفاً إذن أراد تعالى أن يجمع بين الحدث القليل والزمن القليل (فليضحكوا قليلاً) والحدث الكثير والزمن الكثير (وليبكوا كثيراً).
    ونلاحظ أنه في التقييد حكمة وفي التكثير حكمة أيضاً.
    ومثال آخر قوله تعالى (بل كانوا لا يفقهون إلا قليلا) هل المقصود قليل من الفقه أو قليل من المسائل والأمور.
    الآية تحتمل المعنيين قليل من الفقه وقليل من المسائل ومثل هذه الآية قوله تعالى (وبصدّهم عن سبيل الله كثيرا) هل المقصود كثير من الصدّ أو كثير من الخلق أو كثير من الوقت؟ الآية تحتمل كل هذه المعاني والسياق هو الذي يحدد كيف نتناول هذه الآيات وهو الذي يحدد المراد من الآية.
    ومثال آخر قوله تعالى (وادعوه خوفاً وطمعا) يحتمل أن يكون مفعول لأجله أو حال بمعنى خائفين طامعين ويمكن أن يكون مفعول مطلق لفعل محذوف تقديره ندعوه خائفين وندعوه ونحن نخاف خوفاً وندعوه من أجل الطمع أي ينبغي أن يكون الطمع دافع لنا، وفي حالة طمع (حال) ونحن نطمع طمعاً (مفعول مطلق) للطمع وطامعين وحال طمع فجمعها سبحانه في الآية (وادعوه خوفاً وطمعا) والتعابير كلها مرادة.
    وقوله تعالى (إليه يصعد الكلِم الطيب والعمل الصالح يرفعه) : ما المقصود؟ تحتمل خياران الأول: العملَ الصالح والثاني العملُ الصالح.
    فلماذا اختار العملُ الصالح يرفعه؟ ولم يقل العملَ الصالح؟ نفهم الآية أولاً قوله تعالى (والعملُ الصالح يرفعه) جملة إسمية من الذي يرفع؟ هو مرفوع يرفعه الله تعالى ؟ هل هو يرفع الكلم الطيب إلى الله تعالى؟ يحتمل المعنيين في هذا التعبير ويكون لدينا معنيين مقبولين: العمل الصالح هو الذي يرفع الكلم الطيب عند الله صاعداً إليه والله تعالى هو الذي يرفع العمل الصالح.
    ولو قال تعالى (والعملَ الصالح يرفعه) لا يمكن إلا أن يكون لها معنى واحداً هو أن الله تعالى يرفع العملَ الصالح) ولتحدد المعنى وهذا هو العدول من النصب إلى الرفع وهو عدول بياني لكسب معنيين وليس مصادفة أو اعتباطاً.
    من مواطن التوسع في المعنى أيضاً الحذف:
    الحذف يؤدي إلى إطلاق معنى المعنى وتوسعه وهو قسمان:
    قسم لا يؤدي إلى توسع في المعنى
    ولا إلى إطلاق لأن المحذوف يتعين فيتقدّر ذلك المحذوف (ماذا أنزل ربكم قالوا خيرا) المحذوف أنزل وكذلك قوله تعالى (والحافظين فروجهم والحافظات) المحذوف كلمة فروجهن، وقوله تعالى (والذاكرين الله كثيراً والذاكرات) وقوله تعالى (ولئن سألتهم من خلق السموات والأرض ليقولن الله) هذا الحذف هنا ليس فيه توسع ولا إطلاق في المعنى لأن المحذوف محدد ومعيّن.
    كلمتان خفيفتان على اللسان .. ثقيلتان في الميزان .. حبيبتان إلى الرحمن

    سبحان الله وبحمده .. سبحان الله العظيم

  2. #2
    Super Moderator
    رقم العضوية : 2
    تاريخ التسجيل : Jun 2016
    المشاركات: 3,273
    التقييم: 10
    الدولة : الأردن
    العمل : طالب علم
    وهناك قسم آخر من الحذف يؤدي إلى التوسع في المعنى وهذا يحتمل عدة تقديرات 2 أو 3 أو 4 أو 5 تقديرات قد يكون بعضها مراد وقد تكون كلها مرادة بقدر ما يحتمل السياق. وعلى سبيل المثال قوله تعالى (وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابَ النَّارِ أَن قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقّاً فَهَلْ وَجَدتُّم مَّا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقّاً قَالُواْ نَعَمْ فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَن لَّعْنَةُ اللّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ {44}) قال تعالى على لسان أصحاب الجنة (ما وعدنا ربنا) بالتخصيص لهم ولم يقل (ما وعدكم ربكم) مع أصحاب النار وذلك لأن الكافرين لا ينكرون فقط ما وعدهم ربهم لكنهم ينكرون ما وعدهم وما وعد غيرهم وكل ما يتعلق بالبعث والحساب والقيامة فهم ينكرون ما يتعلق بهم وبغيرهم فالسؤال لم يكن عن ما وعدهم ربهم فقط ولكن السؤال عن الوعد بصورته العامة لذا قال تعالى (ما وعد ربكم) ولو قال ما وعدكم لكان جزءاً من المعنى المُراد وليس كله فأهل قريش كانوا يؤمنون بالله لكنهم ينكرون الساعة والبعث.
    إذن الحذف هنا أدى إلى توسع في المعنى لأنه شمل ما وعدهم ووعد غيرهم والوعد العام بالحساب والبعث.
    مثال آخر قوله تعالى (فاصدع بما تؤمر وأعرض عن المشركين) (ما) تحتمل أمرين تحتمل أن تكون مصدرية بمعنى فاصدع بأمرنا وتحتمل أن تكون اسم موصول فلو قال تعالى (فاصدع بما تؤمر به) لكان اسماً موصولاً قطعاً.
    فما المقصود؟ تحتمل أن تكون فاصدع بأمرنا وتحتمل أنو تكون فاصدع بالذي تؤمر به والأمران مرادان في الآية أن يصدع بأمره ويصدع بما أمره به ولو ذكر أحد الأمرين لتحدد المعنى بشيء واحد أو بقسم من المعنى، وهذا الحذف هنا يدل على التوسع في المعنى.
    ونظير ذلك قوله تعالى (أنسجد لما تأمرنا) تحتمل معنى أنسجد لما تأمرنا به وأنسجد لكل ما تأمرنا به ولأمرك ، فالحذف هنا أطلق المعنى ووسّعه.
    ومثال ذلك أيضاً قوله تعالى في سورة الضحى (ألم يجدك يتيماً فآوى) احتملت المعاني آواك وآوى بك خلقاً كثيراً وآوى لك ولأجلك من آوى.
    مثال آخر من الحذف وقد يكون الحذف للتوسع في المعنى يعطي أكثر من احتمالين كما في قوله تعالى (ألم يؤخذ عليهم ميثاق الكتاب أن لا يقولوا على الله إلا الحق) هذه الآية غريبة في التوسع فيها لأن احتمالات الحذف فيه متعددة، محتمل أن يكون المحذوف حرف الباء (بأن يقولوا على الله) بمعنى ألم يؤخذ عليهم ميثاق الكتاب بهذا الأمر وهذا حذف قياسي.
    ومحتمل أن يكون المحذوف حرف في (ألم يؤخذ عليهم ميثاق الكتاب في أن يقولوا على الله) ومحتمل أن يكون المحذوف حرف على (ألم يؤخذ عليهم ميثاق الكتاب على أن لا يقولوا على الله) وهذا من باب التوافق والتعاهد سيكون أشدّ توافقنا وتعاهدنا على هذا فأصبح اشتراطاً عليه، ومحتمل أن يكون المحذوف حرف اللام (لئلا يقولوا على الله) وهنا للتعليل فيمكن أن تكون كل هذه المعاني مرادة وكلها مرادة لأنه لو أراد سبحانه معنى منها لذكر أي حرف وحدد المعنى.
    والتوسع في هذه الآية ليس بحذف حرف الجر فقط ولكن هناك توسع آخر هو في عدم الحذف أصلاً فيمكن أن لا يكون هناك حذف أصلاً، وهناك احتمال أن يكون هناك احتمال حذف فلو سألنا ما هو ميثاق الكتاب؟ الجواب: (أن لا يقولوا على الله إلا الحق)وهذه الجملة قد تكون عطف بيان أو بدل وهناك احتمالان آخران (أن) يحتمل أن تكون مصدرية أو تفسيرية وكذلك هناك إحتمالان لـ (لا) تحتمل أن تكون نافية أو ناهية إذن هناك تسعة احتمالات في هذه الآية الواحدة إحتمال حذف حرف الجر (الباء، في، على، اللام) واحتمال عدم الحذف (عطف بيان أو بدل) واحتمال أن (تفسيرية أو مصدرية) واحتمال لا ناهية أو نافية، فهذه تسعة احتمالات لمعاني
    في آن واحد وهذا توسع عجيب في هذه الآية الكريمة وقد تكون كل هذه المعاني مُرادة ولو أراد معنى محدداً لجاء بما يدل عليه.
    مثال آخر قوله تعالى (قل إني أمرت أن أكون أول من أسلم) هل المقصود (بأن أكون أول من أسلم) بحذف الباء أو (لأن أكون أول من أسلم) بحذف اللام وقد استعمل القرآن الكريم الحالتين في آيات أخرى ولو أراد اللام تخصيصاً ونصاً لقالها لكنه تعالى أراد المعنيين وهما مرادان والحذف في هذه الآية يدل على المعنيين معاً.
    وكذلك قوله تعالى (وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاء قُلِ اللّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ فِي يَتَامَى النِّسَاء الَّلاتِي لاَ تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَن تَنكِحُوهُنَّ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْوِلْدَانِ وَأَن تَقُومُواْ لِلْيَتَامَى بِالْقِسْطِ وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللّهَ كَانَ بِهِ عَلِيماً {127}).
    نذكر أن القاعدة في كتب النحو أنه إذا أدى الحذف إلى التباس في المعنى فلا يصح الحذف، لا يجوز الحذف مع فعل رغب أبداً لأن الحذف يؤدي إلى التباس في المعنى فإما أن يقال رغب فيه بمعنى أحبّه أو يرغب عنه بمعنى تركه وانصرف عنه هذا في اللغة أما في هذا الآية فالله تعالى أراد المعنيين معاً أراد معنى ترغبون في أن تنكحوهن لجمالهن وغناهن وترغبون عن أن تنكحوهن لدمامتهن وفقرهن وهكذا حذف الحرف ليدل على المعنيين ولو ذكر حرفاً لخصص المعنى وحدده، لكن المعنيين مرادين والحكم يتعلق بالأمرين معاً الذي يرغب في أن ينكحهن والذي يرغب عن أن ينكحهن.
    التضمين هو نوع آخر من مواطن التوسع في المعنى في القرآن الكريم:
    التضمين في النحو هو إشراب لفظ معنى لفظ آخر فيأخذ حكمه.
    أو كلمة تؤدي مؤدّى كلمتين مثال: فعل يتعدّى بحرف وفعل يتعدّى بآخر والتضمين هو تعدية الفعل بحرف الفعل الثاني.
    مثال على ذلك قوله تعالى فعل سمع يتعدّى بنفسه في الأصل فنقول سمع الصوت وقوله تعالى (يومئذ يسمعون الصيحة بالحق)، لكننا في الصلاة وبعد الرفع من الركوع نقول: سمع الله لمن حمد فعل سمع هنا عُدّي باللام لأن المقصود هو فعل استجاب فكأنما أخذنا اللام من فعل الإستجابة وعدّينا فعل سمع بهذه اللام لتعطي معنى الإستجابة وليس الإستماع فليس كل سماع إستجابة.
    ومثل ذلك استخدام فعل نصر مع الحرف من كما في قوله تعالى (ونصرناه من القوم) في الأصل يقال (نصر على) لأن فعل نصر يتعدّى بـ (على) و(نجّى من) وفعل نجّى يتعدّى بـ (من)، وقد استخدم القرآن هاتين الحالتين في مواطن كثيرة وفي آيات كثيرة (فانصرنا على القوم الكافرين) وقوله تعالى (فأنجاه الله من النار).
    لكن في هذه الآية قال تعالى (ونصرناه من القوم) عدّى الفعل نصر بما يتعدّى به فعل نجّى أي بحرف (من) وذلك للدلالة على أن المعنى المطلوب هو معنى النصر والنجاة في آن معاً لأن الله تعالى نصره ونجّاه وعاقب القوم وحاسبهم وعذّبهم فجاء فعل نصر بمعنى نجّى فكسب معنى النصر والنجاة أما في حالة (فأنجاه الله من النار) جاء الفعل نجّى متعد بـ (من) لأن المعنى هو النجاة فقط ولا يمكن أن تعاقب النار ولا يُنتصر منها.
    إذن لقد عدّى فعل نصر بالحرف الذي عدّى فيه فعل نجّى وهذا يسمى التضمين وهو من مواطن التوسع في المعنى في القرآن الكريم.
    مثال آخر قوله تعالى (عَيْناً يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيراً {6}) الأصل أن يقال يشرب منها.
    وهذه الآية فيها احتمالان: تحتمل أن يكون هناك تضمين بمعنى يرتوي بها (يشرب بمعنى يروى أو يشرب إلى أن يروى) وهذا هو الإحتمال الشائع عند المفسرين وقالوا هذا جزاء المقرّبين.
    لأنه لو أراد غير هذا المعنى لحدده كما قال في آية أخرى (إِنَّ الْأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِن كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُوراً {5}).
    في هذه الآية عدّى فعل يشرب بالباء ليحتمل معنى يرتوي وهناك إحتمال آخر أنهم نازلون بها كما يقال نزلنا في المكان وشربنا به فتصير إذن ظرفية.
    إذن تحتمل التعدية بالباء لفعل يشربون أن تكون بمعنى الشرب حتى الإرتواء ومعنى التمتع بلذّة النظر إلى العين والإستقرار عندها وهذه متعة أخرى.
    كذلك قوله تعالى في سورة المطففين (الذين إذا اكتالوا على الناس يستوفون).
    في الأصل يقال اكتال من ولا يقال اكتال على. وقد عدّى فعل اكتال في هذه الآية بحرف على للدلالة على التسلط لأن هؤلاء المطففين لم يكتالوا من الناس بل تسلطوا عليهم بالإكتيال ولو كان الإكتيال طبيعياً لقال اكتالوا من الناس.
    (يقال كالوا الناس) كما في قوله تعالى (وإذا كالوهم أو وزنوهم) فعل كال وفعل وزن الأصل أن يتعدى بنفسه أو باللام وممكن الحذف يقال : كال له أو وزن له.
    فلماذا لم يقل كالوا لهم؟ اللام هنا تفيد الإستحقاق في أصل معناها في اللغة ثم تتشعب إلى معاني متعددة أخرى لكن هؤلاء المطففين لم يعطوا الناس حقوقهم فكيف يقول (كالوا لهم) فحذف لام الإستحقاق فقال كالوهم لأنهم ظلموا الناس ولو يعطوهم حقوقهم وعدّى الفعل اكتال بالحرف على للدلالة على الظلم والتسلط.
    وكذلك قوله تعالى (فليحذر الذين يخافون عن أمره) لا يقال في الأصل خالف عن الأمر وإنما يقال خالف الأمر.
    فعل خالف يتعدّى بنفسه. لكن يخالفون عن جاءت بمعنى الإبتعاد عن الأمر أو العدول عن الأمر ولو كان قليلاً.
    والمعنى من الآية أنه ينبغي على الإنسان أن يحذر من مجرد الإبتعاد ولو في أمر واحد أو قليل فكيف بالمخالفة للأمر فهذا من باب أولى وهو أمر كبير عظيم هذا تحذير عظيم.
    فالله تعالى يحذرنا من الفتنة بمجرد الإبتعاد عن أمره ولو كان قليلاً فكيف المخالفة لأمره تعالى إذن صار المعنى يحتمل المخالفة والإبتعاد.
    وكذلك قوله تعالى (من بعد أن أظفركم عليهم) يقال في الأصل ظفر به وليس ظفر على لكن تعدية الفعل أظفر بحرف على للدلالة على الإستعلاء.
    وكذلك قوله تعالى (ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم) عدّى فعل تأكلوا بالحرف إلى ليدلّ على معنى لا تجمعوها وتضموها إلى أموالكم آكلين لها بمعنى الإستحواذ والجمع.
    كلمتان خفيفتان على اللسان .. ثقيلتان في الميزان .. حبيبتان إلى الرحمن

    سبحان الله وبحمده .. سبحان الله العظيم

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

المفضلات

المفضلات

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •  

RSS RSS 2.0 XML MAP html  PHP  info tags Maps maptags vbmaps

الساعة معتمدة بتوقيت جرينتش +3 . الساعة الآن : 18:35.
الموقع غير مسؤول عن أي اتفاق تجاري أو تعاوني بين الأعضاء
فعلى كل شخص تحمل مسئولية نفسه إتجاه مايقوم به من بيع وشراء وإتفاق وأعطاء معلومات موقعه
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي موقع الأشاعرة و لا نتحمل أي مسؤولية قانونية حيال ذلك (ويتحمل كاتبها مسؤولية النشر)
الساعة الآن 06:18 AM
Powered by vBulletin® Version 4.2.3
Copyright © 2018 vBulletin Solutions, Inc. Translate By soft