العقيدة الشيبانية
محمد بن أبي بكر الشيباني

بسم الله الرحمن الرحيم
سأحمَدُ ربي طاعةً وتعبُّدا … وَأَنْظِمُ عِقْداً في العقيدةِ أَوْحَدَا
وأَشهدُ أَنَّ اللهَ لا رَبَّ غيرَهُ … تَعَزَّزَ قِدْماً بِالبَقَا وتفرَّدا
هُوَ الأولُ المُبْدِي بغيرِ بدايةٍ … وآخرُ مَنْ يَبْقَى مُقِيْماً مُؤَبَّداً
سميعٌ بصيرٌ عَالِمٌ متكلِّمٌ … قديرٌ يُعيدُ العالَمِينَ كما بدا
مُرِيْدٌ أرادَ الكائناتِ لوقتِها … قديمٌ فأنشا ما أرادَ وأَوجدا
إلهٌ على عرشِ السماءِ قَدِ استوى … وَبَايَنَ مخلوقاتِهِ وتَوحَّدا
فلا جهةٌ تحوي الإلهَ ولا لَهُ … مكانٌ تعالى عنهما وتمجَّدا
إِذِ الكَوْنُ مخلوقٌ وربي خالقٌ … لقدْ كانَ قبلَ الكونِ رَبّاً وسيِّداً
ولا حَلَّ في شيءٍ تعالى ولم يَزَلْ … مَلِيّاً غنيّاً دائمَ العِزِّ سَرْمَدَا
وليسَ كمثلِ اللهِ شيءٌ ولا لَهُ … شبيهٌ تعالى رَبُّنَا أَنْ يُحَدَّدَا
ولا عينَ في الدنيا تراهُ لقولِهِ … سوى المصطفى إِذْ كَانَ بِالقُرْبِ أُفْرِدَا
وَمَنْ قَالَ في الدنيا يراهُ بِعَيْنِهِ … فذلكَ زنديقٌ طغى وَتَمَرَّدَا
وخالفَ كُتْبَ اللهِ وَالرُّسْلَ كُلَّهُمْ … وَزَاغَ عَنِ الشرعِ الشريفِ وأَبعدا
وذلكَ ممنْ قَالَ فيهِ إلهُنا … يُرَى وَجْهُهُ يومَ القيامةِ أسودا
ولكنْ يراهُ في الجِنَانِ عبادُهُ … كما صَحَّ في الأخبارِ نَرويهِ مُسْنَدَا
ونعتقدُ القرآنَ تنزيلَ رَبِّنَا … بِهِ جَاءَ جبريلُ النبيَّ محمدا
وأنزلَهُ وَحْياً إليهِ وأنهُ … هدى اللهِ يا طوبى بِهِ لِمَنِ اهتدى
كلامٌ قديمٌ مُنْزَلٌ غيرُ مُحْدَثٍ … بأمرٍ ونهيٍ والدليلُ تَأَكَّدَا
كلامُ إلهِ العالَمينَ حقيقةً … فَمَنْ شَكَّ في هذا فَقَدْ ضَلَّ واعتدى
ومنهُ بدا قولاً قديماً وأنهُ … يعودُ إلى الرحمنِ حقاً كما بدا
وَأَنَّ كلامَ اللهِ بعضُ صِفَاتِهِ … وَجَلَّتْ صفاتُ اللهِ أَنْ تَتَحَدَّدَا
فَمَنْ شَكَّ في تنزيلِهِ فَهْوَ كافرٌ … وَمَنْ زَادَ فِيْهِ قَدْ طَغَى وَتَمَرَّدَا
وَمَنْ قَالَ مخلوقٌ كلامُ إلهِنا … فَقَدْ خالفَ الإجماعَ جهلاً وأَلحدا
ونتلوهُ قُرْآناً كما جَاءَ مُعْرَباً … وَنَكْتُبُهُ في الصُّحْفِ حَرْفاً مُجَرَّدَا
ونؤمنُ بِالكُتْبِ التي هِيَ قَبْلَهُ … وَبِالرُّسْلِ حَقّاً لا نُفَرِّقُ كَالعِدَا
وإيمانُنَا قولٌ وفعلٌ ونيةٌ … ويزدادُ بالتقوى وينقصُ بِالرَّدَى
فلا مذهبَ التشبيهِ نرضاهُ مذهباً … ولا مَقْصِدَ التعطيلِ نرضاهُ مَقْصِدَا
ولكنَّ بالقرآنِ نَهدي ونَهتدي … وَقَدْ فَازَ بالقرآنِ عبدٌ قَدِ اهتدى
ونؤمنُ أَنَّ الخيرَ وَالشَّرَّ كُلَّهُ … مِنَ اللهِ تقديراً على العبدِ عُدِّدَا
فما شَاءَ رَبُّ العرشِ كَانَ كما يشا … وَمَا لَمْ يَشَأْ لا كَانَ فِيْ الخَلْقِ مُوْجَدَا
ونؤمنُ أَنَّ الموتَ حَقٌّ وأننا … سنُبعثُ حقاً بعدَ مَوْتَتِنَا غَدَا
وَأَنَّ عذابَ القبرِ حَقٌّ وأنهُ … على الجسمِ والروحِ الذي فيهِ أُلْحِدَا
وميزانُ ربي والصراطُ حقيقةً … وَجَنَّتُهُ والنارُ لَمْ يُخْلَقَا سُدَى
وَأَنَّ حِسَابَ الخلقِ حَقٌّ وأنهُ … كما أَخبرَ القرآنُ عنهُ وشدَّدا
وحوضُ رسولِ اللهِ حَقّاً أَعَدَّهُ … لَهُ اللهُ دونَ الرسلِ مَاءً مُبَرَّدَا
ويَشربُ منهُ المؤمنونَ وَكُلُّ مَنْ … سُقِيْ منهُ كأساً لَمْ يَجِدْ بَعْدَهُ صَدَا
أباريقُهُ عَدُّ النجومِ وَعَرْضُهُ … كبُصرى وصَنعا في المسافةِ حُدِّدَا
ونَشهدُ أَنَّ اللهَ أَرسلَ رُسْلَهُ … إلى خَلْقِهِ يَهدي بهم كُلَّ مَنْ هَدَى
وَأَنَّ رسولَ اللهِ أفضلُ مَنْ مشى … على الأرضِ مِنْ أولادِ آدَمَ أو غدا
وأَرسلهُ رَبُّ السماواتِ رحمةً … إلى الثَّقَلَيْنِ الإنسِ والجنِّ مُرْشِدَا
وأَسرى به ليلاً إلى العرشِ رِفْعَةً … وأدناهُ منهُ قَابَ قَوسينِ مُصْعِدَا
وَخَصَّصَ موسى رَبُّنَا بكلامِهِ … على الطُّوْرِ ناداهُ وَأَسْمَعَهُ النِّدَا
وَكُلُّ نَبِيٍّ خَصَّهُ بفضيلةٍ … وَخَصَّ برؤياهُ النبيَّ محمدا
وأعطاهُ في الحشرِ الشفاعةَ مِثْلَ ما … رُوِيْ في الصَّحيحَينِ الحديثُ وَأُسْنِدَا
فَمَنْ شَكَّ فيها لَمْ يَنَلْهَا وَمَنْ يَكُنْ … شفيعاً لَهُ قَدْ فَازَ فوزاً وأُسعِدا
ويَشفعُ بعدَ المصطفى كُلُّ مُرْسَلٍ … لِمَنْ عَاشَ في الدنيا وَمَاتَ مُوَحِّدَا
وَكُلُّ نبيٍّ شافعٌ ومشفَّعٌ … وَكُلُّ وَلِيٍّ في جماعتِهِ غَدَا
ويَغفرُ دونَ الشركِ ربي لِمَنْ يَشَا … ولا مؤمنٌ إلا لَهُ كافرٌ فِدَا
ولم يَبْقَ في نَارِ الجحيمِ مُوَحِّدٌ … ولو قتلَ النفسَ الحرامَ تَعَمُّدَا
ونَشهدُ أَنَّ اللهَ خَصَّ رسولَهُ … بأصحابِهِ الأبرارِ فضلاً وَأَيَّدَا
فَهُمْ خيرُ خلقِ اللهِ بعدَ انبيائِهِ … بهم يَقتدي في الدِّيْنِ كُلُّ مَنِ اقْتَدَى
وأفضلُهم بعدَ النبيِّ محمدٍ … أبو بكرٍ الصديقِ ذو الفضلِ وَالنَّدَى
لقد صَدَّقَ المختارَ في كُلِّ قَوْلِهِ … وَآمَنَ قبلَ النَّاسِ حقاً وَوَحَّدَا
وفاداهُ يومَ الغَارِ طَوْعاً بنفسِهِ … وواساهُ بالأموالِ حتى تَجَرَّدَا
وَمِنْ بَعْدِهِ الفاروقُ لا تَنْسَ فَضْلَهُ … لقد كَانَ للإسلامِ حِصْناً مُشَيَّدَا
لقد فَتَحَ الفاروقُ بالسيفِ عَنْوَةً … جميعَ بلادِ المسلمينَ وَمَهَّدَا
وأَظهرَ دِيْنَ اللهِ بعدَ خَفَائِهِ … وأطفأَ نَارَ المشركينَ وأخمدَا
وعثمانُ ذو النورَينِ قد مَاتَ صائماً … وقد قَامَ بالقرآنِ دَهْراً تَهَجُّدَا
وَجَهَّزَ جيشَ العُسْرِ يوماً بِمَالِهِ … وَوَسَّعَ للمختارِ وَالصَّحْبِ مَسْجِدَا
وبايعَ عنهُ المصطفى بِشِمَالِهِ … مُبايعةَ الرضوانِ حَقّاً وَأَشْهَدَا
ولا تَنْسَ صِهْرَ المصطفى وَابْنَ عَمِّهِ … فقد كَانَ حَبْراً للعلومِ وَسَيِّدَا
وَفَادَى رسولَ اللهِ طَوْعاً بنفسِهِ … عَشِيَّةَ لَمَّا بالفراشِ تَوَسَّدَا
وَمَنْ كَانَ مولاهُ النبيُّ فقد غدا … عَلِيٌّ لَهُ بِالحَقِّ مَوْلَى وَمُنْجِدَا
وطلحتُهم ثُمَّ الزبيرُ وَسَعْدُهُمْ … كذا وسعيدٌ بالسعادةِ أُسْعِدَا
وَكَانَ ابْنُ عوفٍ بَاذِلَ المَالِ مُنْفِقاً … وَكَانَ ابْنُ جَرَّاحٍ أميناً مؤيَّدا
ولا تنسَ باقي صَحْبِهِ وَاهْلَ بيتهِ … وأنصارَهُ والتابعينَ على الهُدَى
فَكُلُّهُمُ أثنى الإلهُ عليهمُ … وأَثنى رسولُ اللهِ أيضاً وَأَكَّدَا
فَلَا تَكُ عَبْداً رافضيّاً فتعتدي … فويلٌ وويلٌ في الوَرَى لِمَنِ اعتدى
فَحُبُّ جميعِ الآلِ والصحبِ مَذهبي … غَداً بِهِمُ أرجو النعيمَ المُؤَبَّدَا
ونسكتُ عن حربِ الصحابةِ فالذي … جَرَى بَيْنَهُمْ كَانَ اجتِهاداً مُجَرَّداً
وقد صَحَّ في الأخبارِ أَنَّ قَتيلَهم … وقاتلَهم في جنةِ الخُلْدِ خُلِّدَا
فهذا اعتقادُ الشافعيِّ إِمَامِنَا … وَمَالِكِ والنعمانِ أيضاً وأحمدَا
فمن يعتقدْهُ كُلَّهُ فَهْوَ مُؤْمِنٌ … ومن زَاغَ عنهُ قَدْ طَغَى وتمرَّدا
فيا رَبِّ أَبْلِغْهُمْ جميعاً تَحِيَّةً … مبارَكةً تَتْلُو سلاماً مُمَجَّدَا
وَخُصَّ الإمامَ الشَّافعيَّ برحمةٍ … وَأَسْكِنْهُ في الفردوسِ قَصْراً مُشَيَّدَا
لَقَدْ كَانَ بحراً للعلومِ وعارِفاً … بأحكامِ دينِ اللهِ أيضاً وَسَيِّدَا
ونسألُ ربي أَنْ يُثَبِّتَ دِيْنَنَا … علينا ويهديَنَا الصراطَ كَمَنْ هَدَى
ويعفوَ عنا مِنَّةً وتكرُّماً … وَيَحْشُرَنَا في زُمْرَةِ المصطفى غَدَا
عَلِيْهِ صَلَاةُ اللهِ مَا هَبَّتِ الصَّبَا … وَمَا لَاحَ طَيْرٌ فَوْقَ غُصْنٍ وَغَرَّدَا