إذا كانت هذه زيارتك الأولى يرجى الاطلاع على الرابط التالي الأسئلة ولكي تتمكن من كتابة مواضيع وإرسال رسائل خاصة لابد لك منالتسجيل
النتائج 1 إلى 8 من 8

الموضوع: الحديث المرسل

  1. #1
    Super Moderator
    رقم العضوية : 2
    تاريخ التسجيل : Jun 2016
    المشاركات: 3,273
    التقييم: 10
    الدولة : الأردن
    العمل : طالب علم
    الهوايه : المطالعة

    الحديث المرسل

    تعريف المرسل
    وقبل البدء بتفصيل الآراء فيه ومناقشتها ، لابد من تعريفه لغة واصطلاحاً ، وبيان مواطن الخلاف والوفاق فنقول :
    المرسل في اللغة مشتق من الإرسال ، وهو الإطلاق ، تقول أرسلت الغنم ، أى أطلقتها ، وقال تعالى : (( إنا أرسلنا الشياطين على الكافرين )) فكأن المرسل أطلق الإسناد ولم يقيده بجميع رواته.
    وأما في الاصطلاح فقد اختلفت فيه العبارات ، وذهب كل فريق مذهباً – إلا في صورة واحدة ، وهى ما إذا كان الراوى للحديث عن رسول الله r تابعياً كبيراً ، كعبيد الله بن عدى بن الخيار ، وسعيد بن المسيب ، كما قال ابن الصلاح في علوم الحديث (ص27) فقد اتفق الجميع، على أن هذا الحديث هو حديث مرسل – وإليك عباراتهم فيه.
    الأولى :
    "هو ما رواه التابعى عن النبي r قولاً ، أو فعلاً ، أو تقريراً ، صغيراً كان التابعى كأبى حاتم ، ويحيى بن سعيد الأنصارى ، أو كبيراً كقيس بن أبى حازم ، وسعيد بن المسيب"
    وهذا هو المشهور عند المحدثين ، وبه قطعه الحاكم وغيره ، واختاره الغزالي في المنخول.
    قال ابن الصلاح : "والمشهور التسوية بين التابعين أجمعين" أى لا فرق بين كبير وصغير.
    الثانية :
    "هو قول غير الصحابى ، قال رسول r.
    وهذا هو المشهور عند الفقهاء ، والأصوليين ، ويندرج فيه المنقطع : وهو الذي سقط من إسناده رجل غير الصحابى والمعضل : وهو الذي سقط منه اثنان.
    وذهب إليه من أهل الحديث أبو بكر الخطيب ، وقطع به.
    الثالثة :
    "هو ما رواه الرجل عمن لم يسمع منه" ، وهو قول ابن القطان ويدخل فيه قول الصحابى والتابعى ، إذا رواه عنهما من لم يسمعه منهما ، وإليه تشير عبارة الغزالي في المستصفى
    (1/107) حيث قال : "وصورته أن يقول : قال رسول الله r ، من لم يعاصره ، أو قال من لم يعاصر أبا هريرة : قال أبو هريرة" .
    أما رواية التابعى الصغير كيحيى بن سعيد ، والزهرى ، فقد ذهب أناس إلى أنها لا تكون من المرسل ، قال ابن عبد البر : إن أقواماً لا يسمونه مرسلاً بل منقطعا ، لأن جل روايتهم عن التابعين .
    وقد عرفت أن المشهور هو التسوية بين الكبار والصغار.
    وأما إذا قيل في الإسناد : فلان عن رجل ، فقال إمام الحرمين في البرهان : هو مرسل .
    وقال الحاكم وابن القطان : لا يسمى مرسلاً ، بل منقطعا.
    قال العراقى : وكل من هذين القولين مخالف لما عليه أكثر المحدثين.
    واختار العلائى : أنه متصل في إسناده مجهول . قال شيخ الاسلام : لكنه مقيد بما إذا لم يسم المبهم في رواية أخرى .
    وعلى القول بأنه مرسل ، فإنه لا يحتج به من احتج بالمرسل . قال ابن الهمام في التحرير (3/106) : " وأعلم أن المحققين من أدرج " عن رجل" في حكمه – أى المرسل – من القبول عند قابل المرسل ، وليس كذلك ، فإن تصريحه به مجهولاً ، ليس كتركه" أ هـ .
    قال السخاوى في فتح المغيث (1/144) : وممن أخرج المبهمات في المراسيل أبو داود ، وكذا أطلق النووى في غير موضع على رواية المبهم مرسلاً وكل من هذين القولين خلاف ما عليه الأكثر ون ، من علماء الرواية وأرباب النقل كما حكاه الرشيد العطار في كتابه " الغرر المجموعة " عنهم ، على أنه متصل في إسناده مجهول ، واختاره العلائى في جامع التحصيل أهـ
    والآن وبعد أن عرفت مجمل العبارات في تعريف المرسل اصطلاحاً – فلا عليك إلا أن تعرف آراء الأئمة في قبوله ورده ، فأقول :
    1- ذهب الأئمة الثلاثة مالك ، وأبو حنيفه ، وأحمد في أشهر الروايتين عنهم ، وجماهير المعتزلة كأبى هاشم ، وتبعهم الإمام الأمدى في الأحكام ومنتهى السول إلى قبول مرسل العدل مطلقاً ، سواء أكان من أئمة النقل أم لا ، وسواء أكان في القرون الثلاثة الأولى أم بعدها ، وغالى بعض القائلين به حتى قدمه على المسند كصاحب التنقيح وغيره ، تبعاً لابن أبان.
    2- ذهب الإمام الشافعي – رضي الله عنه – وأحمد في أحد قوليه ، والظاهرية ، وجمهور الأئمة من حفاظ الحديث ونقاد الأثر – كما قاله الخطيب بل كلهم – كما قال ابن عبد البر في التمهيد – والقاضي أبو بكر ، وأبو زرعة الرازى ، وأبو حاتم ، وابنه عبد الرحمن ، ويحيى بن سعيد القطان – علماً بأن وفاته قبل وفاة الشافعي – واختاره الإمام الرازى وأتباعه ، ذهبوا إلى أنه غير مقبول مطلقاً .
    إلا أن الإمام الشافعي – رضي الله عنه – قبله – وستعرف مدى قبوله له عند تحرير مذهبه – بشروط سنذكرها.
    فمذهبه – رضي الله عنه – رده من حيث هو مطلقاً .
    3- ذهب عيسى بن أبان إلى أن مرسل العدل في القرون الثلاثة الأولى حجة مطلقاً ، وأما من بعدهم فلا يقبل إلا إذا كان من أئمة النقل.
    والمقصود بأئمة النقل من كانت له أهليه الجرح والتعديل.
    4- ذهب أبو بكر الرازى ، واختاره ، واختاره السرخسى في أصوله – إلى أن مرسل من كان من القرون الثلاثة حجة ما لم يعرف منه الرواية مطلقاً عمن ليس بعدلٍ ثقةٍ ، ومرسل من كان بعدهم ، لا يكون حجة ، إلا من اشتهر بأنه لا يروى إلا عمن هو عدل ثقة .
    5- ذهب الإمام ابن الحاجب في المختصر والمنتهى ، وتبعه ابن الهمام في التحرير – إلى أن مرسل العدل يقبل مطلقاً إن كان من أئمة النقل ، سواء أكان من أهل القرون الثلاثة الأولى ، أم لا ، وأما إذا لم يكن من أهل النقل فلا يقبل مرسله سواء أهل القرون الثلاثة الأولى ومن بعدهم.
    وقبل الخوض في الاستدلال لهذه المذاهب ورد الضعيف منها لابد من التنبيه لأمور مهمه يجدر بالباحث الاضطلاع عليها.
    الأول :
    قال الإمام ابن السبكي في الإبهاج (2/223) ورفع الحاجب عن ابن الحاجب ([1]) (1/ق 287 – أ) :
    " إن مذهب ابن الحاجب هو عين مذهب ابن أبان ، خلافاً لما توهمه بعض الشارحين ، وإلا فيلزم أن يكون اختار مذهباً لم يسبق إليه".
    ثم علل ذلك بقوله : " وكأن عيسى بن أبان اعتقد أن التابعين وتابعيهم كلهم من أئمة النقل، وإلا فيلزم أن يقبل التابعين وتابعييهم مطلقاً ، ورد من عداهم إن لم يكن من أئمة النقل ، وليس الأمر كذلك كما اعتقد" أ هـ.
    قلت : بل الأمر كذلك .
    ومذهب ابن الحاجب غير مذهب ابن أبان ، من حيث شرط كون الراوى من أئمة النقل في القرون الثلاثة ، فابن الحاجب يشترط ذلك ، وابن أبان لا يشترطه فيهم بل يقبله من عدلهم مطلقاً، وإليك الدليل على ذلك .
    قال السرخسى في أصوله (1/360) : " فأما مراسيل القرن الثانى والثالث حجة في قول علمائنا رحمهم الله " اهـ.
    فلم يذكر في ذلك مخالفاً ، ولم يشترط فيهم أن يكونوا من أئمة النقل ولم يعتقد فيهم كلهم أنهم كذلك .
    ثم قال في (1/363) : " فأما مراسيل من بعد القرون الثلاثة فقد كان أبو الحسن الكرخى – رحمه الله لا يفرق بين مراسيل أهل الإعصار ، وكان يقول : من تقبل روايته مسنداً تقبل روايته مرسلاً ، للمعنى الذي ذكرنا.
    وكان عيسى بن أبان – رحمه الله – يقول : من اشتهر في الناس بحمل العلم منه . تقبل روايته مرسلاً ومسنداً ، ومن لم يشتهر بحمل الناس العلم منه مطلقاً وإنما اشتهر بالرواية عنه فإن مسنده حجة ، ومرسله يكون موقوفاً إلى أن يعرض على من اشتهر بحمل العلم منه " اهـ.
    وهذا أكبر دليل على تفرقة ابن أبان بين أهل القرون الثلاثة الأولى ومن بعدهم ، والسرخسى أدرى بقول ابن أبان .
    وهذا خلاف مذهب ابن الحاجب الذي لا يفرق بينهم في اشتراط كونهم من أئمة النقل .
    وثانياً قال ابن الهمام في التحرير (3/102 تيسير التحرير) : "وابن أبان يقبل في القرون الثلاثة، وفيما بعدها ؛ إذا كان المرسل من أئمة النقل ، وروى الحفاظ مرسله كما رووا مسنده ، والحق اشتراط كونه من أئمة النقل مطلقاً" اهـ.
    قال شارحه : أى في القرون الثلاثة وما بعدها.
    فابن الهمام اختار مذهب ابن الحاجب ، وهو كونه من أئمة النقل مطلقاً في القرون الثلاثة وما بعدها ، بعد أن ذكر مذهب ابن ابان ، ولو كان هو عين مذهب ابن أبان لما ميز بينهما.
    وكذلك فعل صاحب المنار ، والتوضيح وإن لم يشرح بابن أبان ، والأسنوى وفى نهاية السول ، وغيرهم ممن سرد المذاهب في المرسل ولا داعى للإطالة بذكرهم .
    وثالثاً: ما الذي يمنع أن يختار ابن الحاجب مذهباً لم يسبق إليه ، وقد فعل مثل ذلك في غير هذا المكان ، ويفعله كل إمام في كل زمان .
    فالحق – والله أعلم – أن مذهب ابن الحاجب مذهباً لم يسبق إليه ، وهو خلاف مذهب ابن أبان ، خلافاً لما ذهب إليه ابن السبكي رضي الله عنه وأرضاه .
    الثانى :
    ذكر الأمدى في كتابيه الإحكام (2/112) ، ومنتهى السول (1/90) أن القاضي أبا بكر وافق الشافعي رضي الله عنه قبول المرسل بالشروط التي اشترطها الشافعي لقبوله .
    فقال بعد أن ذكر شروط الشافعي لقبول المرسل : "ووافقه على ذلك أصحابه ، والقاضي أبو بكر" اهـ .
    وهذا أيضاً غير صواب :
    فإن القاضي ممن يردون المرسل مطلقاً ، ولايقبلونه بحال ، ولقد اعترض على الشافعي في شروطه الأربعة التي ذكرها في الرسالة لقبول المرسل ، وسنذكرها عند تحرير مذهب الشافعي إن شاء الله ونذكر الرد عليها .
    ولقد قال ابن السبكي في الإبهاج (2/223) : " والشافعي رضي الله عنه صدر القائلين برد المراسيل إلا أنه نقل عنه أنه قبل بعضها في أماكن ، قال القاضي رحمه الله : ونحن لا نقبل المراسيل مطلقاً ولا في الأماكن التي قبلها فيها الشافعي ، حسماً للباب" اهـ.
    فإن كان مراد الأمدي أن القاضي وافق الشافعي على أصل الرد للمرسل من حيث هو ؛ فهذا صحيح .
    وإن كان مراده أن القاضي وافقه على القبول بالشروط التي ذكرها ، فهذا غير صحيح ، لأن القاضي سيعترض عليه في هذه الشروط ويختار الرد مطلقاً .




    يُـــــــــــــــــــــتبع ......

  2. #2
    Super Moderator
    رقم العضوية : 2
    تاريخ التسجيل : Jun 2016
    المشاركات: 3,273
    التقييم: 10
    الدولة : الأردن
    العمل : طالب علم
    الثالث :
    قال الشوكانى في إرشاد الفحول (ص 64) بعد أن ذكر اصطلاح المحدثين ، واصطلاح الأصوليين : "وإطلاق المرسل على هذا وإن كان اصطلاحاً ولا مشاحة فيه ، ولكن محل الخلاف هو المرسل باصطلاح أهل الحديث " اهـ .
    فزعم أن الخلاف فقط في السند الذي سقط منه الصحابى ، وهو الحديث الذي يرويه التابعى عن النبي r .
    وهذا غير صحيح أيضاً :
    فليس الخلاف محصوراً في المرسل باصطلاح المحدثين فقط ، بل في المرسل باصطلاحهم واصطلاح الفقهاء والأصوليين . فيدخل فيه المنقطع والمعضل . كما أشرنا إلى ذلك آنفاً .
    قال السرخسى في أصوله (1/363) : " فأما مراسيل القرن الثانى والثالث حجة في قول علمائنا رحمهم الله".
    وقال في (1/363) : "فأما مراسيل من بعد القرون الثلاثة فقد كان أبو الحسن الكرخى رحمه الله لا يفرق بين مراسيل أهل الإعصار ، وكان يقول : من تقبل روايته مسنداً تقبل روايته مرسلاً ، للمعنى الذي ذكرتا ، وكان عيسى بن أبان يقول : من اشتهر في الناس بحمل العلم منه تقبل روايته مرسلاً ومسنداً وإنما يعنى به محمد بن الحسن رحمه الله وأمثاله من المشهورين بالعلم " ا هـ. ، وقال ابن نجيم في فتح الغفار شرح المنار (2/96): "فيقبل مثل إرسال محمد بن الحسن وأمثاله" اهـ.
    وقال الآمدى في الإحكام (2/118) : "فإنه مهما كان المرسل للخبر في زماننا عدلاً ولم يكذبه الحفاظ ، فهو حجة".
    فهذا وأمثاله في كافة كتب الأصول صريح فيما قلناه ، ومحمد بن الحسن ليس من التابعين ومع ذلك فقد صرحوا بقبول مرسله ، فكيف ينحصر الخلاف في اصطلاح المحدثين ، وهو مرسل التابعى فقط ... ؟!
    فالحق أن الخلاف فيه وفى غيره سواء والله أعلم ، وسترى من خلال الأدلة مزيد وضوح لكون الخلاف غير محصور في التابعى .
    ولعل الشوكانى اغتر فيما ذهب إليه بقبول البقاعى الذي حكاه الأجهوري حيث قال : " احتجاج مالك وغيره بالمرسل إنما هو على القول الأول فيه ، وهو مرفوع التابعى " ا هـ .
    الرابع :
    نقل الغزالي في المنخول (ص 274) عن القاضي أنه قال : " والمختار عندى : أن الإمام العدل إذ قال : قال رسول الله r أو أخبرنى الثقة ، قبل.
    فأما الفقهاء والمتوسعون في كلامهم قد يقولون ذلك لا عن تثبت ؛ فلا يقبل.
    ومنهم من قال هذا هو منقول عن الحسن البصري والشافعي رضي الله عنهما .
    ولا يقبل في زماننا هذا وقد كثر الرواة ، وطال البحث ، وتشعبت الطرق فلابد من ذكر اسم الرجل " اهـ.
    ثم قال الغزالي : " والأمر على ما ذكره القاضي إلا في هذا الأخير ، فإنا لو صادفنا في زماننا متثبتاً في نقل الأحاديث مثل مالك – رضي الله عنه – قبلنا قوله : قال رسول الله r ولا يختلف ذلك باختلاف الإعصار " اهـ.
    وفى هذا الذي نقلناه عن الغزالي شيئان :
    الأول :
    أنه نسب إلى القاضي القول بقبول المرسل إذا كان المرسل عدلا ، أو أخبر أم المروي عنه ثقة. وهذا غير معروف عن القاضي أبداً .
    بل المعروف عنه أن يرد المراسيل مطلقاً حتى مراسيل الصحابة . إذا احتمل سماعهم من التابعى .
    والغزالي نفسه ذكر ذلك في المستصفى (1/107) فقال : المرسل مقبول عند مالك وأبى حنيفة والجماهير ، ومردود عند الشافعي والقاضي – وهو المختار – إلخ ... " اهـ.
    وكذلك ذكر الأمدى على ما بينا ، وذكر ابن السبكي عنه في الإبهاج (2/223) أنه قال : ونحن لا نقبل المراسيل مطلقاً ولا في الأماكن التي قبلها فيها الشافعي حسماً للباب اهـ.
    وحسبنا دليلاً على بطلان هذا النقل أن الغزالي نفسه ذكر نقيضه في المستصفى ولا حاجة إلى دليل بعد ذلك .
    ولو كان هذا المنقول عن القاضي حقاً ؛ لكان مذهباً جديداً في المسألة لم يقل به أحد ، ولنقل عنه ، إلا أن أحداً من الأصوليين لم ينقله عنه ، بل أجمعوا على نقل خلافه عن القاضي.
    وقول الغزالي : ومنهم من قال : هذا هو منقول عن الحسن البصري ، هو الصواب والله أعلم أن ترددنا بين الإمامين البصري والقاضي في نسبة هذا القول إلى واحد منهما ، وإلا فلا نعلم مذهباً للحسن بخصوصه.
    وأما نسبة هذا القول للشافعي فهى نسبة غير صحيحة وسنبين هذا عند تحرير مذهب الشافعي فليرجع إليه.
    والشئ الثانى :
    أن الغزالي هنا يتبنى هذا القول الذي نسبه القاضي وهو أنه يقبل مرسل العدل ويزيد عليه أن يطرد ذلك في كل العصور.
    وهذا عجيب من الغزالي ، وهو شافعي ، ومدون لآراء إمام الحرمين .
    وقد أعرض عنه في المستصفى وذكر أن المرسل لا تقوم به حجة ، وإن كان ظاهر كلامه يشير إلى قوة مذهب الخصم حيث قال : "المرسل مقبول عند مالك وأبى حنيفة والجماهير"أهـ. مع أن الجماهير على خلاف هذا ؛ إلا إن كان مراده بالجماهير جماهير الفقهاء فقط.
    ثم قال : " ومردود عند الشافعي والقاضي – وهو المختار – وصورته أن يقول التابعى ... إلخ " أهـ.
    وعلى كل فالرأي الذي استقر عليه الغزالي هو أن المرسل ليس بحجة ولا يعنينا بعد ذلك كونه قبله في بداية حياته العلمية .
    والآن وبعد أن عرفت مجمل العبارات في تعريف المرسل اصطلاحاً – فلا عليك إلا أن تعرف آراء الأئمة في قبوله ورده ، فأقول :
    1- ذهب الأئمة الثلاثة مالك ، وأبو حنيفه ، وأحمد في أشهر الروايتين عنهم ، وجماهير المعتزلة كأبى هاشم ، وتبعهم الإمام الأمدى في الأحكام ومنتهى السول إلى قبول مرسل العدل مطلقاً ، سواء أكان من أئمة النقل أم لا ، وسواء أكان في القرون الثلاثة الأولى أم بعدها ، وغالى بعض القائلين به حتى قدمه على المسند كصاحب التنقيح وغيره ، تبعاً لابن أبان.
    2- ذهب الإمام الشافعي – رضي الله عنه – وأحمد في أحد قوليه ، والظاهرية ، وجمهور الأئمة من حفاظ الحديث ونقاد الأثر – كما قاله الخطيب بل كلهم – كما قال ابن عبد البر في التمهيد – والقاضي أبو بكر ، وأبو زرعة الرازى ، وأبو حاتم ، وابنه عبد الرحمن ، ويحيى بن سعيد القطان – علماً بأن وفاته قبل وفاة الشافعي – واختاره الإمام الرازى وأتباعه ، ذهبوا إلى أنه غير مقبول مطلقاً .
    إلا أن الإمام الشافعي – رضي الله عنه – قبله – وستعرف مدى قبوله له عند تحرير مذهبه – بشروط سنذكرها.
    فمذهبه – رضي الله عنه – رده من حيث هو مطلقاً .
    3- ذهب عيسى بن أبان إلى أن مرسل العدل في القرون الثلاثة الأولى حجة مطلقاً ، وأما من بعدهم فلا يقبل إلا إذا كان من أئمة النقل.
    والمقصود بأئمة النقل من كانت له أهليه الجرح والتعديل.
    4- ذهب أبو بكر الرازى ، واختاره ، واختاره السرخسى في أصوله – إلى أن مرسل من كان من القرون الثلاثة حجة ما لم يعرف منه الرواية مطلقاً عمن ليس بعدلٍ ثقةٍ ، ومرسل من كان بعدهم ، لا يكون حجة ، إلا من اشتهر بأنه لا يروى إلا عمن هو عدل ثقة .
    5- ذهب الإمام ابن الحاجب في المختصر والمنتهى ، وتبعه ابن الهمام في التحرير – إلى أن مرسل العدل يقبل مطلقاً إن كان من أئمة النقل ، سواء أكان من أهل القرون الثلاثة الأولى ، أم لا ، وأما إذا لم يكن من أهل النقل فلا يقبل مرسله سواء أهل القرون الثلاثة الأولى ومن بعدهم.
    وقبل الخوض في الاستدلال لهذه المذاهب ورد الضعيف منها لابد من التنبيه لأمور مهمه يجدر بالباحث الاضطلاع عليها.
    الأول :
    قال الإمام ابن السبكي في الإبهاج (2/223) ورفع الحاجب عن ابن الحاجب ([1]) (1/ق 287 – أ) :
    " إن مذهب ابن الحاجب هو عين مذهب ابن أبان ، خلافاً لما توهمه بعض الشارحين ، وإلا فيلزم أن يكون اختار مذهباً لم يسبق إليه".
    ثم علل ذلك بقوله : " وكأن عيسى بن أبان اعتقد أن التابعين وتابعيهم كلهم من أئمة النقل، وإلا فيلزم أن يقبل التابعين وتابعييهم مطلقاً ، ورد من عداهم إن لم يكن من أئمة النقل ، وليس الأمر كذلك كما اعتقد" أ هـ.
    قلت : بل الأمر كذلك .
    ومذهب ابن الحاجب غير مذهب ابن أبان ، من حيث شرط كون الراوى من أئمة النقل في القرون الثلاثة ، فابن الحاجب يشترط ذلك ، وابن أبان لا يشترطه فيهم بل يقبله من عدلهم مطلقاً، وإليك الدليل على ذلك .
    قال السرخسى في أصوله (1/360) : " فأما مراسيل القرن الثانى والثالث حجة في قول علمائنا رحمهم الله " اهـ.
    فلم يذكر في ذلك مخالفاً ، ولم يشترط فيهم أن يكونوا من أئمة النقل ولم يعتقد فيهم كلهم أنهم كذلك .
    ثم قال في (1/363) : " فأما مراسيل من بعد القرون الثلاثة فقد كان أبو الحسن الكرخى – رحمه الله لا يفرق بين مراسيل أهل الإعصار ، وكان يقول : من تقبل روايته مسنداً تقبل روايته مرسلاً ، للمعنى الذي ذكرنا.
    وكان عيسى بن أبان – رحمه الله – يقول : من اشتهر في الناس بحمل العلم منه . تقبل روايته مرسلاً ومسنداً ، ومن لم يشتهر بحمل الناس العلم منه مطلقاً وإنما اشتهر بالرواية عنه فإن مسنده حجة ، ومرسله يكون موقوفاً إلى أن يعرض على من اشتهر بحمل العلم منه " اهـ.
    وهذا أكبر دليل على تفرقة ابن أبان بين أهل القرون الثلاثة الأولى ومن بعدهم ، والسرخسى أدرى بقول ابن أبان .
    وهذا خلاف مذهب ابن الحاجب الذي لا يفرق بينهم في اشتراط كونهم من أئمة النقل .
    وثانياً قال ابن الهمام في التحرير (3/102 تيسير التحرير) : "وابن أبان يقبل في القرون الثلاثة، وفيما بعدها ؛ إذا كان المرسل من أئمة النقل ، وروى الحفاظ مرسله كما رووا مسنده ، والحق اشتراط كونه من أئمة النقل مطلقاً" اهـ.
    قال شارحه : أى في القرون الثلاثة وما بعدها.
    فابن الهمام اختار مذهب ابن الحاجب ، وهو كونه من أئمة النقل مطلقاً في القرون الثلاثة وما بعدها ، بعد أن ذكر مذهب ابن ابان ، ولو كان هو عين مذهب ابن أبان لما ميز بينهما.
    وكذلك فعل صاحب المنار ، والتوضيح وإن لم يشرح بابن أبان ، والأسنوى وفى نهاية السول ، وغيرهم ممن سرد المذاهب في المرسل ولا داعى للإطالة بذكرهم .
    وثالثاً: ما الذي يمنع أن يختار ابن الحاجب مذهباً لم يسبق إليه ، وقد فعل مثل ذلك في غير هذا المكان ، ويفعله كل إمام في كل زمان .
    فالحق – والله أعلم – أن مذهب ابن الحاجب مذهباً لم يسبق إليه ، وهو خلاف مذهب ابن أبان ، خلافاً لما ذهب إليه ابن السبكي رضي الله عنه وأرضاه .
    الثانى :
    ذكر الأمدى في كتابيه الإحكام (2/112) ، ومنتهى السول (1/90) أن القاضي أبا بكر وافق الشافعي رضي الله عنه قبول المرسل بالشروط التي اشترطها الشافعي لقبوله .
    فقال بعد أن ذكر شروط الشافعي لقبول المرسل : "ووافقه على ذلك أصحابه ، والقاضي أبو بكر" اهـ .
    وهذا أيضاً غير صواب :
    فإن القاضي ممن يردون المرسل مطلقاً ، ولايقبلونه بحال ، ولقد اعترض على الشافعي في شروطه الأربعة التي ذكرها في الرسالة لقبول المرسل ، وسنذكرها عند تحرير مذهب الشافعي إن شاء الله ونذكر الرد عليها .
    ولقد قال ابن السبكي في الإبهاج (2/223) : " والشافعي رضي الله عنه صدر القائلين برد المراسيل إلا أنه نقل عنه أنه قبل بعضها في أماكن ، قال القاضي رحمه الله : ونحن لا نقبل المراسيل مطلقاً ولا في الأماكن التي قبلها فيها الشافعي ، حسماً للباب" اهـ.
    فإن كان مراد الأمدي أن القاضي وافق الشافعي على أصل الرد للمرسل من حيث هو ؛ فهذا صحيح .
    وإن كان مراده أن القاضي وافقه على القبول بالشروط التي ذكرها ، فهذا غير صحيح ، لأن القاضي سيعترض عليه في هذه الشروط ويختار الرد مطلقاً .

  3. #3
    Super Moderator
    رقم العضوية : 2
    تاريخ التسجيل : Jun 2016
    المشاركات: 3,273
    التقييم: 10
    الدولة : الأردن
    العمل : طالب علم
    الثالث :
    قال الشوكانى في إرشاد الفحول (ص 64) بعد أن ذكر اصطلاح المحدثين ، واصطلاح الأصوليين : "وإطلاق المرسل على هذا وإن كان اصطلاحاً ولا مشاحة فيه ، ولكن محل الخلاف هو المرسل باصطلاح أهل الحديث " اهـ .
    فزعم أن الخلاف فقط في السند الذي سقط منه الصحابى ، وهو الحديث الذي يرويه التابعى عن النبي r .
    وهذا غير صحيح أيضاً :
    فليس الخلاف محصوراً في المرسل باصطلاح المحدثين فقط ، بل في المرسل باصطلاحهم واصطلاح الفقهاء والأصوليين . فيدخل فيه المنقطع والمعضل . كما أشرنا إلى ذلك آنفاً .
    قال السرخسى في أصوله (1/363) : " فأما مراسيل القرن الثانى والثالث حجة في قول علمائنا رحمهم الله".
    وقال في (1/363) : "فأما مراسيل من بعد القرون الثلاثة فقد كان أبو الحسن الكرخى رحمه الله لا يفرق بين مراسيل أهل الإعصار ، وكان يقول : من تقبل روايته مسنداً تقبل روايته مرسلاً ، للمعنى الذي ذكرتا ، وكان عيسى بن أبان يقول : من اشتهر في الناس بحمل العلم منه تقبل روايته مرسلاً ومسنداً وإنما يعنى به محمد بن الحسن رحمه الله وأمثاله من المشهورين بالعلم " ا هـ. ، وقال ابن نجيم في فتح الغفار شرح المنار (2/96): "فيقبل مثل إرسال محمد بن الحسن وأمثاله" اهـ.
    وقال الآمدى في الإحكام (2/118) : "فإنه مهما كان المرسل للخبر في زماننا عدلاً ولم يكذبه الحفاظ ، فهو حجة".
    فهذا وأمثاله في كافة كتب الأصول صريح فيما قلناه ، ومحمد بن الحسن ليس من التابعين ومع ذلك فقد صرحوا بقبول مرسله ، فكيف ينحصر الخلاف في اصطلاح المحدثين ، وهو مرسل التابعى فقط ... ؟!
    فالحق أن الخلاف فيه وفى غيره سواء والله أعلم ، وسترى من خلال الأدلة مزيد وضوح لكون الخلاف غير محصور في التابعى .
    ولعل الشوكانى اغتر فيما ذهب إليه بقبول البقاعى الذي حكاه الأجهوري حيث قال : " احتجاج مالك وغيره بالمرسل إنما هو على القول الأول فيه ، وهو مرفوع التابعى " ا هـ .
    الرابع :
    نقل الغزالي في المنخول (ص 274) عن القاضي أنه قال : " والمختار عندى : أن الإمام العدل إذ قال : قال رسول الله r أو أخبرنى الثقة ، قبل.
    فأما الفقهاء والمتوسعون في كلامهم قد يقولون ذلك لا عن تثبت ؛ فلا يقبل.
    ومنهم من قال هذا هو منقول عن الحسن البصري والشافعي رضي الله عنهما .
    ولا يقبل في زماننا هذا وقد كثر الرواة ، وطال البحث ، وتشعبت الطرق فلابد من ذكر اسم الرجل " اهـ.
    ثم قال الغزالي : " والأمر على ما ذكره القاضي إلا في هذا الأخير ، فإنا لو صادفنا في زماننا متثبتاً في نقل الأحاديث مثل مالك – رضي الله عنه – قبلنا قوله : قال رسول الله r ولا يختلف ذلك باختلاف الإعصار " اهـ.
    وفى هذا الذي نقلناه عن الغزالي شيئان :
    الأول :
    أنه نسب إلى القاضي القول بقبول المرسل إذا كان المرسل عدلا ، أو أخبر أم المروي عنه ثقة. وهذا غير معروف عن القاضي أبداً .
    بل المعروف عنه أن يرد المراسيل مطلقاً حتى مراسيل الصحابة . إذا احتمل سماعهم من التابعى .
    والغزالي نفسه ذكر ذلك في المستصفى (1/107) فقال : المرسل مقبول عند مالك وأبى حنيفة والجماهير ، ومردود عند الشافعي والقاضي – وهو المختار – إلخ ... " اهـ.
    وكذلك ذكر الأمدى على ما بينا ، وذكر ابن السبكي عنه في الإبهاج (2/223) أنه قال : ونحن لا نقبل المراسيل مطلقاً ولا في الأماكن التي قبلها فيها الشافعي حسماً للباب اهـ.
    وحسبنا دليلاً على بطلان هذا النقل أن الغزالي نفسه ذكر نقيضه في المستصفى ولا حاجة إلى دليل بعد ذلك .
    ولو كان هذا المنقول عن القاضي حقاً ؛ لكان مذهباً جديداً في المسألة لم يقل به أحد ، ولنقل عنه ، إلا أن أحداً من الأصوليين لم ينقله عنه ، بل أجمعوا على نقل خلافه عن القاضي.
    وقول الغزالي : ومنهم من قال : هذا هو منقول عن الحسن البصري ، هو الصواب والله أعلم أن ترددنا بين الإمامين البصري والقاضي في نسبة هذا القول إلى واحد منهما ، وإلا فلا نعلم مذهباً للحسن بخصوصه.
    وأما نسبة هذا القول للشافعي فهى نسبة غير صحيحة وسنبين هذا عند تحرير مذهب الشافعي فليرجع إليه.
    والشئ الثانى :
    أن الغزالي هنا يتبنى هذا القول الذي نسبه القاضي وهو أنه يقبل مرسل العدل ويزيد عليه أن يطرد ذلك في كل العصور.
    وهذا عجيب من الغزالي ، وهو شافعي ، ومدون لآراء إمام الحرمين .
    وقد أعرض عنه في المستصفى وذكر أن المرسل لا تقوم به حجة ، وإن كان ظاهر كلامه يشير إلى قوة مذهب الخصم حيث قال : "المرسل مقبول عند مالك وأبى حنيفة والجماهير"أهـ. مع أن الجماهير على خلاف هذا ؛ إلا إن كان مراده بالجماهير جماهير الفقهاء فقط.
    ثم قال : " ومردود عند الشافعي والقاضي – وهو المختار – وصورته أن يقول التابعى ... إلخ " أهـ.
    وعلى كل فالرأي الذي استقر عليه الغزالي هو أن المرسل ليس بحجة ولا يعنينا بعد ذلك كونه قبله في بداية حياته العلمية .
    والآن وبعد أن عرفنا المذاهب في المرسل وحررناها ، وعلمنا ما فيها ، وبينا ما اشتبه منها . يجب علينا أن نتعرض لذكر الأدلة التي استدل بها كل فريق ، والأجوبة التي أجيب بها عنها والاعتراضات التي وردت عليها ، وبعد ذلك نحرر مذهب الإمام الشافعي – رضي الله عنه – فنقول :
    استدل المحتجون بالمرسل مطلقاً بالآتى :
    1- إن الصحابة والتابعين أجمعوا على قبول المراسيل من العدل مطلقاً فإنهم قبلوا أخبار عبد الله بن عباس مع كثرة روايته ، وقد قيل إنه لم يسمع من رسول الله r سوى أربعة أحاديث لصغر سنه ، ومن أمثلته أنه لما روى عن رسول الله r " إنما الربا في النسيئة " روجع فيه فقال: أخبرني به أسامة بن زيد .
    وأيضا ما روي عن البراء بن عازب أنه قال : ما كل ما نحدثكم به سمعناه من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولكن سمعنا بعضه ، وحدثنا أصحابنا ببعضه.
    وأما التابعون فقد كان من عادتهم إرسال الأخبار ، ويدل على ذلك ما روى عن الأعمش أنه قال : قلت لإبراهيم النخعى : إذا حدثتنى فأسند ، فقال : إذا قلت لك حدثنى فلان عن عبد الله ، فهو الذي حدثنى ، وإذا قلت لك : حدثنى عبد الله فقد حدثنى جماعة عنه.
    وأيضاً ما روى عن الحسن أنه روى حديثاً ، فلما روجع فيه قال : حدثنى به سبعون بدرياً .
    ويدل على ذلك ما اشتهر من إرسال ابن المسيب ، والشعبى وغيرهما ، ولم يزل ذلك مشهوراً فيما بين الصاحبة والتابعين من غير نكير ، فكان إجماعاً .
    قلنا : أما استدلالكم بإرسال الصحابة وأنه كان مقبولاً ، فهو حق ونحن لا ننازعكم فيه ، فمرسلهم حجة عندنا وعندكم ، خارج عن محل النزاع . وكون مرسل الصحابى مجمعاً على قبوله ، لا يعنى ذلك قبول مرسل التابعى ، لأن الصحابة فيهم مزية خاصة وهى إجماع الأمة على عدالتهم ، وأوجبت قبول مرسلهم ، ولم يحدث مثل هذا الإجماع من الأمة على عدالة التابعين وأتباعهم ، بل اتفقت الأمة على أنه كان فيهم من ليس بثقة – فلا دلالة.
    وأما استدلالكم بأن التابعين كانوا يرسلون ، وأن إرسالهم شاع وذاع ولم ينكره أحد فكان بمثابة الإجماع – يلزم عليه أن يكون المخالف في رد المرسل خارقاً للإجماع ، واللازم باطل.
    قالوا : هذا الإجماع استدلالي ، والاستدلالي لا يقدح .
    قلنا : خرق الإجماع مطلقاً حرام ، سواء كان قطعاً أو استدلالياً .
    وثانياً : من قال لكم إن من سميتموهم كانوا يرسلون؟ ولئن أتيتم بصورة فتلك قد عرف أنها مسندة من وجه ، وإذن فالحجة عليكم لا لكم – كما قال ابن السبكي – لأنهم إنما احتجوا بالمسند لا بالمرسل . فلا إجماع أصلاً .
    قال ابن السبكي : "والذي نعرف ذكره قديماً للقائلين بالمراسيل ، دعواهم الإجماع على قبول مرسل الصحابي ، أما مرسل التابعي فلا نعرف عن إمام من أئمة النقل ممن يقبل المرسل دعوى الإجماع فيه ".
    قلت : والذي يدل على عدم الإجماع أيضاً قول ابن سيرين : " لا نأخذ بمراسيل الحسن وأبى العالية ، فإنهما لا يباليان عمن أخذا الحديث . فأين إجماع التابعين ؟!
    قالوا : قال أبو داود في رسالته إلى أهل مكة (ص5) : "وأما المرسل فقد كان يحتج به العلماء فيما مضى / مثل سفيان الثوري ، ومالك بن أنس ، والأوزاعي ، حتى جاء الشافعي فتكلم فيه ..." اهـ .
    قلنا : هذا مردود بكلام مسلم بن حجاج في صدر صحيحه (1/132) شرح النووي حيث قال : " والمرسل من الروايات في أصل قولنا وقول أهل العلم بالأخبار ليس بحجة " اهـ .
    فإن كان مراد أبى داود وقوع الإجماع على القبول قبل الشافعي – فهذا مردود بكلام مسلم ، وبما قدمنا ، وإن كان مراده الإخبار عن المذكورين وغيرهم بأنهم كانوا يعملون بالمرسل فنحن نقول به ، ولا دليل فيه لكم ، والمسألة اجتهادية.
    قالوا: قال محمد بن جرير الطبري: " إنكار المرسل بدعة حدثت بعد المائتين"
    قلنا : قال ابن السبكي في رفع الحاجب عن ابن الحاجب : مراده – إن ثبت هذا عنه – حدث القول به لما احتيج إليه ، لأن أحدا قبل ذلك لم يكن يعمل بالمراسيل فلما تطاول العمل به؛ احتيج إلى إنكاره ، فكانت بدعة واجبة .
    وهذا ككثير من الكلام في الصفات وأصول الديانات إنما احتاج الأئمة إلى إنكاره وقت وقوع قوم فيه ، وذلك بعد صدر الإسلام .
    ويوضح هذا أن ابن جرير ؛ مع إمامته في الفقه والحديث ، كان من أجلاء الشافعية ، فيبعد عليه نسبة إمامه – الذي هو أدرى بمواقع الإجماع والاختلاف من أمثاله – إلى خرق الإجماع .
    وأن أراد ابن جرير ؛ ما فهم من كلامه ، فهو محجوج بكلام مسلم بن حجاج الذي ذكرناه قبل قليل ، وبأن ابن مهدى وابن القطان قالا به قبل الشافعي .
    2- قالوا إذا قال العدل الثقة : قال رسول الله r كذا ، مظهراً للجزم فالظاهر من حاله أنه لا يستجيز ذلك إلا وهو عالم أو ظان أن النبي r قاله ، ولو كان ظاناً أو شاكا بأن النبي r لم يقله لما استجاز في دينه النقل الجازم عنه ، لما فيه من الكذب والتدليس على المستمعين ، وذلك يستلزم تعديل من روى عنه ، وإلا لما كان عالماً ، ولا ظاناً بصدقه في خبره.

    يُـــــــــــــــــــــتبع ........

  4. #4
    Super Moderator
    رقم العضوية : 2
    تاريخ التسجيل : Jun 2016
    المشاركات: 3,273
    التقييم: 10
    الدولة : الأردن
    العمل : طالب علم
    قلنا : لا نسلم ما ذكرتموه من أن قول الراوى " قال رسول الله r " تعديل للمروى عنه.
    فإن العدل قد يروى عمن لو سئل عنه ؛ لتوقف فيه ، أو جرحه ، وقد رأيناهم رووا عمن إذا سئلوا عنه عدلوه مرة ، وجرحوه أخرى ، أو قالوا : لا ندرى.
    وقد جرى لطوائف من الأئمة منهم الزهرى ، أرسل حديثاً ثم قيل له : من حدثك به؟ قال : رجل على باب عبد الملك بن مروان.
    فالراوي عنه ساكت عن تعديله ، ولو كان السكوت عن الجرح تعديلاً لكان السكوت عن التعديل جرحاً ، ولوجب أن يكون الراوى إذا جرح من روى عنه مكذباً نفسه.
    ولأن شهادة الفرع ليست تعديلاً للأصل ما لم يصرح به .
    وافتراق الرواية والشهادة في بعض التعبدات ؛ لا يوجب فرقاً في هذا المعنى ، كما لم يوجب فرقاً في منع قبول رواية المجهول والمجروح .
    وإذا لم يجز أن يقال : لا يشهد العدل إلا على شهادة عدل . لم يجز ذلك في الرواية .
    ووجب فيها معرفة عين الشيخ والأصل الذي روى عنهما حتى ينظر في حالهما .
    فإن قالوا : كلامكم هذا يرد في غير الأئمة ، أما الأئمة فلا يرون إلا عن عدل ، ولا يسكتون إلا عنهم .
    قلنا : هذا جواب ساقط فإن الإمام قد يروى ويسكت عن غير العدل وقد ذكرنا ابن شهاب ، وهو من هو .
    ولقد روى شعبة وسفيان عن جابر الجعفى ، مع ظهور أمره في الكذب ، وسكتوا في بعض الروايات عن جرحه ، بل قال ابن حزم : وقد وثق سفيان الثورى جابراً الجعفى ، وجابر من الكذب ، والفسق ، والشر ، والخروج عن الإسلام – بحيث قد عرف ، ولكن خفى أمره على سفيان ، فقال بما ظهر منه إليه .
    وأيضاً فإن أكثر المراسيل عن الحسن ، والنخعي ، وعطاء ، ومكحول ، وابن المسيب ، والزهري ، ولقد أكثروا من الراوية عن المجاهيل .
    ثم غاية الأمر أن نسلم لهم أن الأئمة لا يروون إلا عن عدل ، ونقول : رب عدل في اجتهاد الراوى منهم ؛ غير عدل في اجتهادنا ، وهذا لأن أسباب الجرح والتعديل مختلف فيها ، فليبح باسمه ، ليعلم أهو عدل عندنا أم لا .
    وأما قولكم : إنه لو لم يكن ظاناً لعدالة المروى عنه ، أو عالما بها لما جاز له أن يجزم بالرواية عن النبي r ، لأنه والحالة هذه يكون مدلساً ملبساً – فهو غير صحيح أيضاً .
    وقد بينا لكم إمكان الرواية عن الكاذب ، بما ذكرناه من أمر سفيان وشعبة وغيرهما ، والجزم بالرواية في هذه الحالة مع إمكان الكذب قادح في الرواية عن النبي r. ولا تتهم الراوى بالتدليس ، إذا التدليس إنما يحصل لو أوهم عدالته ، وهو لم يجر منه غير ترك ذكره ، وترك ذكره سكوت عنه لا يدل على شيء وإن دل على عدالته عنده فلم يلزم من عدالته عنده أن يكون عدلاً ، ولهذا قال علماؤنا : لو قبل المرسل لقبل مع الشك في عدالة الراوي .
    فإن قيل : العنعنة كافية في الرواية مع أن قوله روى فلان عن فلان عن فلان ، يحتمل ما لم يسمعه فلان عن فلان ، بل بلغه بواسطة ، ومع الاحتمال يقبل ، ومثله في الشهادة لا يقبل.
    قلنا : العنعنة جرت العادة بها في الكتبة ، فإنهم استثقلوا أن يكتبوا عند كل اسمٍ روى فلان عن فلان سماعاً منه ، فأوجزوا ، وإنما يقبل في الرواية ذلك ، إذا علم بصريح لفظه أو عادته أنه يريد به السماع فإن لم يرد السماع فهو متردد بين المسند والمرسل ، فلا يقبل.
    ولئن سلمنا جدلاً أن الرواية تعديل ، فالتعديل المطلق لا يقبل ، ما لم يذكر السبب .
    سلمنا أن مطلق التعديل كافٍ ، لكن ذلك يكون إذا عين المروى عنه ، ولم يعرف بفسق ،وأما إذا لم يعنيه فلعله اعتقده عدلا في نظره ، ولو عينه لعرفنا فيه فسقاً لم يطلع المعدل عليه.
    ولهذا لم يقبل تعديل شاهد الفرع لشاهد الأصل مع عدم تعيينه .
    سلمنا لكم أن ما ذكرتموه دالٌ على التعديل ، لكنه معارض بما يدل على عدم التعديل من أوجه :
    الأول : أن الجهالة بعين الراوي أكد من الجهل بصفته ، وذلك لأن من جهلت ذاته فقد جهلت صفته ، ولا كذلك بالعكس ، ولو كان معلوم العين مجهول الصفة ، لم يكن خبره مقبولاً ، فإذا كان مجهول العين والصفة ، كان أولى بعدم القبول .
    فإن قالوا : ما كل من جهلت عينه جهلت صفته ، وهذا قد علمت عدالته على الجملة بالرواية عنه .
    قلنا : ذلك لا يجدي ، وردَّدنا قولنا بأنه لو عينه لكان من المحتمل أن نطلع على عيب ، ولأن من شرط قبول الرواية المعرفة بعدالة الراوي والمرسل لا تعرف عدالة الراوي له ، فلا يكون خبره مقبولاً لفوات الشرط .
    الثانى : هو أن الخبر كالشهادة في اعتبار العدالة ، وقد ثبت أن الإرسال في الشهادة مانع من قبولها ، فكذلك في الخبر .
    الثالث : أنه لو جاز العمل بالمراسيل ، لما كان لذكر أسماء الرواة ، والبحث عن عدالتهم معنى ، ولما كان للإسناد أية فائدة ، لكن التالي باطل ، فإن هذه الأمة قد خصها الله تعالى بالإسناد ، وهو من محاسنها ، ومازال سلف الأمة يتطلبونه ، ويركبون القفار في تحصيله ، ويسمون الأحاديث العارية عن الإسناد بتراء.
    ولقد جعل إسحق بن أبى فروة يوما يرسل ويقول : قال رسول الله r ، وعنده الزهرى، فقال : قاتلك الله يا ابن أبى فروة ، ما أجرأك على الله ، إلا تسند حديثك .
    قال حملة الشريعة : وترك الإسناد يذهب رواء الحديث وطلاوته وحلاوته . وقال عبد الله بن المبارك وغيره من العلماء : الإسناد يزين الحديث ,
    وقال غيره : الإسناد الدين ، لولا الإسناد لقال من شاء ما شاء.
    قال ابن السبكي : وهذا الاعتراض من معتمدات اصحابنا ، وهو حسن . فإن قالوا : بل تكون للإسناد فائدة ، وهى في أئمة النقل معرفة تفاوت درجاتهم .
    قلنا : لم يشرع الإسناد لهذا ، بل شرع ليتوثق به من كلام رسول الله r فإن قالوا : ذكره يرفع الخلاف الواقع في المرسل وهذه فائدة.
    قلنا : فليذكروه ليرتفع الخلاف .
    الرابع : أنه لو وجب العمل بالمراسيل في العصور الأولى ؛ لوجب العمل بها في عصرنا، فيما إذا قال إنسان عدل : قال رسول الله r . لكن التالي منتف ، فإن العدل في أيامنا لو قال : قال رسول الله r لما قبل منه ، حتى يذكر الإسناد إليه عليه الصلاة والسلام.
    ولئن التزموه كما فعله الآمدى مطلقاً – حيث قال : " فإنه مهما كان المرسل في زماننا عدلا ، ولم يكذبه الحفاظ فهم حجة " – وابن الحاجب على تفصيل بين أئمة النقل وغيرهم ؛ فقد خالفوا الواقع ، وقضوا على مزية الإسناد ، وأثبتوا حديث رسول الله r بدون حجة ، فإن عدم معارضة الحفاظ ليس دليلاً على صحة المرسل .
    وكم من مرسل ، أرسله العدول ، ولم يخالفه الحفاظ ، لم يعملوا به كما سنبين ذلك في القريب إن شاء الله ,
    3- قالوا : إن المفتى إذا قال للمستفتى : قضى رسول الله r بكذا ، كان عليه أن يعمل به ، وإن لم يذكر له إسناداً ، فكذلك إذا قال : قال رسول الله r كذا .
    قلنا : المفتى خاص ، وهذا عام ، لأن العمل بقول المفتى في المستفتى فقط ، ولا يتعداه إلى كل واحد ، بخلاف الرواية ، فإنها تشمل جميع الخلق .
    لا يقال : فأصل شرعية الفتوى يقتضى شرعاً عاما ، لأنا نقول الرواية تشمل جميع المكلفين، والفتوى ليست حجة على المجتهدين ، فكانت عمومها أقل من الرواية .
    فمن قاس الخبر المرسل على الفتوى ، فقد قاس مع الفارق ، وهو باطل .
    قال القاضي في التقريب : لا أختار لك التمسك به ، إذ الفتوى ثبتت بقاطع ، أى وقياس الرواية عليها قصاراه إن صح ، وبطل الفارق ، أمارة الظن ، فلا يصح .
    أما أولاً : فلأنه لا يكتفى بالظن في مسائل الأصول ,
    وأما ثانياً : فلأن الفرع غير مساوٍ للأصل ، إذ هو مظنون ، والأصل مقطوع ، فلا ينهض القياس ,
    4- قالوا : إذا أسند الرواية للراوى ، فإنما شهد عليه بأنه روى ذلك ، فإذا أرسل ؛ فإنما يشهد على رسول الله r أنه قال ذلك ، ومن علم أنه لا يستجيز الشهادة على غير رسول الله بالباطل ، مع قوله عليه السلام : " من كذب علىّ متعمداً فليتبوأ مقعده من النار " .
    قلنا : إذا ذكر الراوى ، وأسند إليه الحديث ، بحثنا عنه ، وتبينا حاله ، فإن كان من أهل القبول قبلنا حديثه ، وإلا فلا.
    أما إذا لم يذكر الراوى ، فلا نحيل كون الحديث كذباً ، ولا نتهمه بتعمد الكذب ، لأن ذلك يكون لو علم أن الذي رواه كاذباً ، وسكت عنه ، أما إذا لم يعلمه ، فلا يقدح ذلك فيه وإن كان يقدح في الرواية لاحتمال الكذب ، ولقد علمنا ما حدث لسفيان الثورى مع جابر الجعفى ، فقد قبل عنه ، وهو كذاب لخفاء أمره عليه ، ولم نتهم سفيان بتعمد الكذب على رسول الله r ، وهذا قريب من دليلهم الثانى الذي ذكرناه آنفاً .
    5- قال الذين غَلَوْا في المرسل وجعلوه أقوى من المسند كابن أبان وصاحب التنقيح ,
    قال الحسن : كنت إذا اجتمع لى أربعة من الصحابة على حديث أرسلته إرسالاً .
    وقال ابن سيرين : ما كنا نسند الحديث إلى أن وقعت الفتنة .

    يُـــــــــــــــــــــــــتبع .....

  5. #5
    Super Moderator
    رقم العضوية : 2
    تاريخ التسجيل : Jun 2016
    المشاركات: 3,273
    التقييم: 10
    الدولة : الأردن
    العمل : طالب علم
    وقال الأعمش : قلت لإبراهيم إذا رويت لى حديثاً عن عبد الله فأسنده لى فقال : إذا قلت لك حدثنى فلان عن عبد الله فهو ذاك ، وإذا قلت لك قال عبد الله فهو غير واحد.
    فمن أجل هذا علمنا أن المرسل أقوى من المسند .
    قلنا : لم يشترطوا ذلك في كل مرسل لهم ، بل كانوا يرسلون الذي تحقق فيه ما قالوه وغيره ، ولذلك وجدنا لهم كثيراًَ من المراسيل التي لا تصح ، فلا نقبل المرسل .
    وثانياًَ : لو كان المرسل أقوى من المسند أو مساوياً له ؛ لجاز نسخ الخبر به إذا عارضه ، لكن التالي باطل بالاتفاق منا ومنكم ، فبطل المقدم وهو كونه مساوياً أو أقوى ، وثبت نقيضه ، وهو ليس مساوياً ولا أقزى ، بل هو ضعيف لا يحتج به لما قدمناه .
    6-احتج من قيد القبول المطلق بالقرون الثلاثة الأولى ، وقيده فيما بعدها بكونه من أئمة النقل – بقوله عليه الصلاة والسلام : " خير القرون قرنى ثم الذين يلونهم ، ثم الذين يلونهم ، ثم يفشو الكذب " فشهد رسول الله r للقرون الثلاثة بالخيرية ، فكانت عدالتهم ثابته بتلك الشهادة ، وشهد على من بعدهم بالكذب ، فلا يقبل إلا إذا كان عدلا من أئمة النقل .
    قلنا : فإن الحديث محمول على الغالب – ولا دلالة فيه لا على القبول ، ولا على التخصيص – وإلا فقد وجد في القرنين من هو متصف بالصفات المذمومة ووجد فيمن بعدهم من هو خير ، فإما أن يقبل الجميع ، أو يرد الجميع .
    روى الشافعي عن عمه ، حدثنا هشام بن عروة ، عن أبيه ، قال : إنى لأسمع الحديث استحسنه فما يمنعنى من ذكره إلا كراهية أن يسمعه سامع فيقتدى به وذلك أنى أسمعه من الرجل أثق به ، قد حدث عمن لا أثق به .
    وهذا كما قال ابن عبد البر ، يدل على أن الزمان ، أى زمان الصحابة والتابعين ، كان يحدث فيه الثقة وغيره .
    فلا دلالة في الحديث على قبول مرسلهم .
    وأما قبولهم لمن بعد القرون الثلاثة بالشرط المذكور ، فقد علمت الرد عليه ضمن الرد على القابل مطلقاً ، وبه يرد على ابن الحاجب ، وابن الهمام حيث عمما الشرط في أهل القرون الثلاثة ومن بعدهم .
    * * * *
    أما الذين ردوا الحديث المرسل ؛ فقد احتجوا بما يلى :
    1- بما ذكرناه من المعارضة والرد على القابلين له ، وفى ذلك كفاية لثبوت الرد وعدم القبول .
    2- قال النووى في شرح المهذب (1/99) : ودليلنا في رد المرسل مطلقاً أنه إذا كانت رواية المجهول المسمى لا تقبل لجهالة حالة ، فرواية المرسل أولى ، لأن المروى عنه محذوف مجهول العين والحال .
    3- قال ابن حجر في شرح النخبة (ص66) : " وإنما ذكر – المرسل – في قسم المردود للجهل بحال المحذوف ؛ لأنه يحتمل أن يكون صحابياً ، ويحتمل أن يكون تابعياً ، وعلى الثانى يحتمل أن يكون ضعيفاً ، ويحتمل أن يكون ثقة ، وعلى الثانى يحتمل أن يكون حمل عن صحابى ، ويحتمل أن يكون حمل عن تابعى آخر ، وعلى الثانى فيعود الاحتمال السابق ويتعدد ، أما بالتجويز العقلى فإلى ما لا نهاية له ، وأما بالاستقراء فإلى ستة أو سبعة ، وهو أكثر ما وجد من رواية بعض التابعين عن بعض" اهـ .
    4- روى في الحيلة عن مهدى عن ابن لهيعة ، أنه سمع شيخاً من الخوارج يقول بعدما تاب : " إن هذه الأحاديث دين ، فانظروا عمن تأخذون دينكم ، إنا كنا إذا هوينا أمراً صيرناه حديثاً " أ هـ .
    قال القاسمى : ولذا قال شيخنا : أن هذه والله قاصمة الظهر للمحتجين بالمرسل ، إذ بدعة الخوارج كانت في صدر الإسلام ، والصحابة متوافرون ، ثم في عصر التابعين فمن بعدهم ، وهؤلاء كانوا إذا استحسنوا أمراً جعلوه حديثاً ، واشاعوه ، فربما سمع الرجل الشئ فحدث به ، ولم يذكر من حدثه به تحسيناً للظن ، فيحمله عنه غيره ، ومجيء الذي يحتج بالمقاطيع فيحتج به ، مع كون أصله ما ذكرت ، فلا حول ولا قوة إلا بالله .
    فهذه جملة الأدلة التي استدل بها أهل المذاهب ، وما عدا ذلك من الأدلة لم أذكره لأنه ضعيف لا يعول عليه ولم أرد تضييع الوقت به ، وإما لأنه يندرج تحت عموم دليل من الأدلة التي ذكرناها . وجملة أدلة الرادين للمرسل تقدمت في ردهم على القائلين به .
    وختاماً لهذا البحث إليك ما قاله الإمام الترمذى في كتابه " العلل" عن الحديث المرسل ، قال في (5/753) من السنن :
    قال أبو عيسى : والحديث إذا كان مرسلاً فإنه لا يصح عند أكثر أهل الحديث قد ضعفه غير واحد منهم .
    حدثنا علي بن حجر ، أخبرنا بقية بن الوليد ، عن عتبة بن أبى الحكم قال : سمع الزهرى إسحاق بن عبد الله بن أبى فروة يقول: قال رسول الله r ، قال رسول الله r ، فقال الزهري: قاتلك الله يا ابن أبي فروة، تجيئنا بأحاديث ليست لها خطم ولا أزمة .
    حدثنا أبو بكر ، عن على بن عبد الله قال : قال يحيى بن سعيد : مرسلات مجاهد أحب إلىّ من مرسلات عطاء بن أبى رباح بكثير ، كان عطاء يأخذ كل ضرب ، قال على : قال يحيى : مرسلات سعيد بن جبير أحب إلىّ من مرسلات عطاء .
    قلت ليحيى : مرسلات مجاهد أحب إليك من مرسلات طاووس؟ قال : ما أقربهما .
    قال علي : وسعت يحيى بن سعيد يقول : مرسلات أبى إسحق عندى شبه لا شئ ، والأعمش ، والتيمى ، ويحيى بن أبى كثير ، ومرسلات ابن عيينة شبه الريح ، ثم قال : أي والله ، وسفيان بن سعيد.
    قلت ليحيى: فمرسلات مالك ؟ قال : هى أحب إلىّ ثم قال يحيى ليس في القوم أحد أصح حديثاً من مالك .
    حدثنا سوار بن عبد الله العنبرى قال : سمعت يحيى بن سعد القطان يقول : ما قال الحسن في حديثه قال رسول الله0 r إلا وجدنا له أصلاً ، إلا حديثاً أو حديثين .
    قال أبو عيسى : ومن ضعف المرسل فإنه ضعف من قبل أن هؤلاء الأئمة حدثوا عن الثقات وغير الثقات ، فإذا روى أحدهم حديثاً وأرسله لعله أخذه عن غير ثقة .. قد تكلم الحسن البصري في معبد الجهني ثم روى عنه .
    حدثنا بشر بن معاذ البصري ، حدثنا مرحوم بن عبد العزيز العطار ، حدثني أبى وعمى قالا : سمعنا الحسن يقول : إياكم ومعبد الجهني فإنه ضال مضل.
    قال أبو عيسى : ويروى عن الشعبي / حدثنا الحارث الأعور ، وكان كذاباً وقد حدث عنه ، وأكثر الفرائض التي ترونها ، عن علي وغيره – هي عنه ، وقد قال الشعبي : الحارث الأعور علمني الفرائض ، وكان من أفرض الناس .
    قال : وسمعت محمد بن بشار يقول : سمعت عبد الرحمن بن مهدى يقول ألا تعجبون من سفيان بن عينية ، لقد ترك لجابر الجعفى بقوله لما حكى عنه – أكثر من ألف حديث ، ثم هو يحدث عنه . قال محمد بن بشار : وترك عبد الرحمن بن مهدى حديث جابر الجعفى.
    وقد احتج بعض أهل العلم بالمرسل أيضاً .
    حدثنا أبو عبيدة بن أبى السفر الكوفي ، حدثنا سعيد بن عامر ، عن شعبة عن سليمان الأعمش قال : قلت لإبراهيم النخعي : أسند لي عن عبد الله بن مسعود ، فقال إبراهيم : إذا حدثتك عن رجل عن عبد الله ، فهو الذي سميت ، وإذا قلت : قال عبد الله ، فهو عن غير واحد عن عبد الله " اهـ .
    * * * *
    والآن وبعد أن انتهينا من سرد أدلة المذاهب في قبول المرسل ورده ، وبعد أن تبين لنا أن المذهب الحق ، والقول الصدق ، الذي يجب أن يصار إليه ، ويعول عليه ، والذى عليه أئمة الحديث ، ونقاد الأثر ، هو القول برد المرسل – يجب علينا أن نبين مذهب سيد المنكرين للمراسيل الإمام الشافعي رضي الله عنه وأرضاه .
    اعلم أنه قد وقع خبط مثير في فهم مذهب الإمام الشافعي رضي الله عنه في المرسل .
    فمنهم من قال : إنه يرده مطلقاً
    ومنهم من قال : لا يرد المراسيل ، ولكن يبقى فيها مزيد تأكيد يغلب الظن ، وإضرابه عنها بمثابة تقديم المسند عليها .
    ومنهم من قال : أنه يقبل مراسيل سعيد بن المسيب مطلقاً .
    ومنهم من قال : أنه لا يوجب العمل بمراسيل سعيد ، وإنما يستحبه .
    وليس واحداً من هذه الأقوال هو الصواب – كما سنبين ذلك إن شاء الله – ولكن قبل بيانه يجدر بنا أن نقدم قول الإمام في الرسالة فنقول :
    قال الإمام الشافعي في الرسالة (فقرة 1264) :
    " فمن شاهد أصحاب رسول الله من التابعين ، فحدث حديثاً عن النبي ، اعتبر عليه بأمور :
    منها : أن ينظر إلى ما أرسل من الحديث ، فإن شركه فيه الحفاظ المأمونون فأسندوه إلى رسول الله بمثل معنى ما روى – كانت هذه دلالة على صحة من قبل عنه وحفظه .
    وإن انفرد بإرسال حديث لم يشركه فيه من يسنده قبل ما ينفرد به من ذلك .
    ويعتبر عليه بأن ينظر : هل يوافقه مرسل غيره ممن قبل العلم عنه ، من غير رجاله الذين قبل عنهم ؟
    فإن وجد ذلك كانت دلالة يقوى له مرسله ، وهى أضعف من الأولى .
    وإن لم يوجد ذلك نظر إلى بعض ما يروى عن بعض أصحاب رسول الله قولاً له ، فإن وجد يوافق ما روى عن رسول الله كانت في هذه دلالة على أنه لم يأخذ مرسله إلا عن أصل يصح ، إن شاء الله .

  6. #6
    Super Moderator
    رقم العضوية : 2
    تاريخ التسجيل : Jun 2016
    المشاركات: 3,273
    التقييم: 10
    الدولة : الأردن
    العمل : طالب علم
    وكذلك إن وجد عوام من أهل العلم يفتون بمثل معنى ما روي النبي.
    قال الشافعي : ثم يعتبر عليه : بأن يكون إذا سمى من روى عنه لم يسمى ([2]) مجهولا ولا مرغوبا عن الرواية عنه ، فيستدل بذلك على صحته فيما روى عنه .
    ويكون إذا شَرِك أحداً من الحفاظ في حديث لم يخالفه فإن خالفه وجد حديثه أنقص – كانت في هذه دلالة على صحة مخرج حديثه.
    ومتى خالف ما وصفت أضر بحديثه، حتى لا يسع أحداً منهم قبول مرسله.
    قال: وإذا وجدت الدلائل بصحة حديثه بما وصفت أحببنا أن نقبل مرسلة.
    ولا نستطيع أن نزعم أن الحجة تثبت به ثبوتها بالمتصل.
    وذلك إن معنى المنقطع مغيب ، يحتمل أن يكون حمل عن من يرغب عن الرواية عنه إذا سمي ، وأن بعض المنقطعات – وإن وافقه مرسل مثله – فقد يحتمل أن يكون مخرجهما واحداً ، من حيث لو سمي لم يقبل ، وإن قول بعض أصحاب النبي – إذا قال برأيه لو وافقه – يدل على صحة مخرج الحديث دلالة قوية إذا نظر فيها ، ويمكن أن يكون إنما غلط به حين سمع قول بعض أصحاب النبي يوافقه ، ويحتمل مثل هذا فيمن وافقه من بعض الفقهاء .
    فأما من بعد كبار التابعين الذين كثرت مشاهدتهم لبعض أصحاب رسول الله – فلا أعلم منهم واحداً يقبل مرسله لأمور :
    أحدهما : أنهم أشد تجوزًا عليهم فيمن يروون عنه .
    والآخر : أنهم توجد عليهم الدلائل فيما أرسلوا بضعف مخرجه .
    والآخر : كثرة الإحالة كان أمكن للوهم وضعف من يقبل عنه .
    وقد خبرت بعض من خبرت من أهل العلم فرأيتهم أُتوا من خصلة وضدها .
    رأيت الرجل يقنع بيسير العمل ، ويريد إلا أن يكون مستفيدا إلا من جهة قد يتركه من مثلها أو أرجح ، فيكون من أهل التقصير في العلم .
    ورأيت من عاب هذه السبيل ورغب في التوسع في العلم ، من دعاه ذلك إلى القبول عن من لو أمسك عن القبول عنه كانت خيراً له .
    ورأيت الغفلة قد تدخل على أكثرهم فيقبل عن من يرد مثله وخيراً منه .
    ويدخل عليه ، فيقبل عن من يعرف ضعفه ، إذا وافق قولاً يقوله ! ويرد حديث الثقة ، إذا خالف قولاً يقوله !!
    ويدخل على بعضهم من جهات .
    ومن نظر في العلم بخبرة وقلة غفلة ، استوحش من مرسل كل من دون كبار التابعين ، بدلائل ظاهرة فيها .
    قال : فلم فرقت بين التابعين المتقدمين الذين شاهدوا أصحاب رسول الله ، وبين من شاهد بعضهم دون بعض ؟
    فقلت : لبعد إحالة من لم يشاهد أكثرهم .
    قال : فلم لم تقبل المرسل منهم ومن كل فقيه دونهم ؟
    قلت : لما وصفت اهـ .
    هذا نص الشافعي في الرسالة ، وبه يتبين أن مذهبه كالآتى :
    1- لا يقبل إلا مرسل كبار التابعين ، ويرد مرسل من عداهم من صغار التابعين ، وأنه لا يقبل مرسل الكبار إلا باعتضاده بأحد أمور وهى :
    أ- إذا أسند من جهة أخرى .
    ب- إذا أرسله من أخذ عن غير رجال الأول ممن يقبل عن العلم .
    ج- إذا وافق قول بعض الصحابة .
    د- إذا أفتى أكثر العلماء بمقتضاه .
    2- يشترط الإمام الشافعي في هذا التابعي الكبير أن يكون إذا سمى من روى عنه لم يسم مجهولا ولا مرغوباً عن الرواية عنه ، وإن يكون إذا شرك أحداً من الحفاظ لم يخالفه.
    3- مذهب الإمام رضي الله عنه أن الحديث المرسل إذا اعتضد بما أسلفنا لم يصل في الحجة إلى درجة الحديث المسند المتصل كما قال في الرسالة : " ولا نستطيع أن نزعم أن الحجة تثبت به ثبوتها بالمتصل " .
    وهذا يفيدنا عند الترجيح . فإذا عارض المرسل المعتضد مسند متصل قدم عليه . لأن حجة المرسل ضعيفة رغم الاعتضاد .
    فهذا كلام الإمام الشافعي ، وهذا مذهبه كما يفهم من نص الرسالة .
    إلا أنه رضي الله عنه قال في مختصر المزني في باب بيع اللحم بالحيوان آخر باب الربا (2/158 ط بولاق) : أخبرنا مالك ، عن زيد بن أسلم ، عن ابن المسيب ، أن رسول الله r نهى عن بيع اللحم بالحيوان .
    وعن ابن عباس ، أن جزوراً نحرت على عهد أبى بكر رضي الله عنه ، فجاء رجل بعناق ، فقال : أعطونى جزءاً بهذا العناق ، فقال أبو بكر : لا يصلح هذا .
    وكان القاسم بن محمد ، وابن المسيب ، وعروة بن الزبير ، وأبو بكر بن عبد الرحمن ، يحرمون بيع اللحم بالحيوان عاجلاً وآجلاً ، يعظمون ذلك ولا يرخصون فيه .
    قال : وبهذا نأخذ ، كان اللحم مختلفاً أو غير مختلف ، ولا نعلم أحداً من أصحاب النبي r خالف في ذلك أبا بكر .
    " وإرسال ابن المسيب عندنا حسن " اهـ .
    قال الإمام النووى في المجموع (1/99) : فقد اختلف أصحابنا المتقدمون في معنى قول الشافعي إرسال ابن المسيب عندنا حسن على وجهين حكاهما الشيخ أبو إسحق في كتابه اللمع ، وحكاهما أيضاً الخطيب البغدادى في كتابيه ،كتاب الفقيه والمتفقه ، والكفاية ، وحكاهما جماعة آخرون :
    أحدهما : معناه أنها حجة عنده بخلاف غيرها من المراسيل .
    قالوا : لأنها فتشت فوجدت مسندة .
    والوجه الثاني : أنها ليست بحجة عنده ، بل هي كغيرها على ما ذكرناه .
    وقالوا : إنما رجح الشافعي بمرسله ، والترجيح بالمرسل جائز .
    وقال الخطيب البغدادي في كتاب الفقيه والمتفقه : والصواب الوجه الثاني ، وأما الأول فليس بشيء .
    وكذا قال في الكفاية : الثانى هو الصحيح عندنا من الوجهين ، لأن في مراسيل سعيد ما لم يوجد مسنداً بحال من وجه يصح .
    قال : وقد جعل الشافعي لمراسيل كبار التابعين مزية على غيرهم كما استحسن مرسل سعيد ، هذا كلام الخطيب .
    وذكر الإمام الحافظ أبو بكر البيهقى نص الشافعي ثم قال : فالشافعي يقبل مراسيل كبار التابعين إذا انضم إليها ما يؤكدها ، فإن لم ينضم لم يقبلها سواء كان مراسيل ابن المسيب أو غيره ، قال : وقد ذكرنا مراسيل لابن المسيب لم يقبلها الشافعي حين لم ينضم إليها ما يؤكدها ، ومراسيل لغيره قال بها حيث انضم إليها ما يؤكدها ، قال : وزيادة ابن المسيب في هذا على غيره أنه أصح التابعين إرسالاً فيما زعم الحفاظ اهـ .
    قال النووي: فهذا كلام البيهقي والخطيب ، وهما إمامان حافظان فقيهان شافعيان مضطلعان من الحديث والفقه والأصول والخبرة التامة بنصوص الشافعي ومعاني كلامه ، ومحلهما من التحقيق والإتقان ، والنهاية في الفرقان ، بالغاية القصوى ، والدرجة العليا ,
    وأما قول الإمام أبو بكر القفال المروزي في أول كتابه " شرح التلخيص " : قال الشافعي في الرهن الصغير : مرسل ابن المسيب عندنا حجة فهو محمول على التفصيل الذي قدمناه عن البيهقي والخطيب والمحققين والله أعلم ا هـ .
    قلت : قال الشافعي في الرهن الصغير من الأم (3/164) : فالسنة تدل على إجازة الرهن ، ولا أعلم مخالفا إجازته .
    أخبرنا محمد بن إسماعيل بن أبى فديك ، عن أبى ذئيب ، عن ابن شهاب عن سعيد بن المسيب ، أن رسول الله r قال : " لا يغلق الرهن من صاحبه الذي رهنه ، له غنمه وعليه غرمه " .
    وقال في (3/167) : قال – أي الخصم - : فكيف قبلتم عن ابن المسيب منقطعاً ولم تقبلوه عن غيره ؟
    قلنا لا نحفظ أن ابن المسيب روى منقطعاً ، إلا وجدنا ما يدل على تسديده ، ولا أثره عن أحد فيما عرفنا عنه إلا ثقة معروف ، فمن كان بمثل حاله قبلنا منقطعة ، ورأينا غيره يسمى المجهول ، ويسمى من يرغب عن الرواية عنه ، ويرسل عن النبي r وعن بعض من لم يلحق من أصحابه – المستنكر الذي لا بوجد له شئ يسدده ففرقنا بينهم لافتراق أحاديثهم ، ولم نحاب أحداً ، ولكنا قلنا في ذلك بالدلالة البينة على ما وصفنا من صحة روايته ، وقد أخبرنى غير واحد من أهل العلم عن يحيى بن أبى أنيسة ، عن ابن شهاب ، عن ابن المسيب ، عن أبي هريرة ، عن النبي r مثل حديث ابن أبى ذئيب .
    ثم قال الشافعي : والسنة ثابتة عندنا والله تعالى أعلم بما قلنا ، وليس مع السنة حجة ولا فيها إلا اتباعها مع أنها أصبح الأقاويل مبتدأ ومخرجا . اهـ .
    فهذا الكلام من الشافعي – رضي الله عنه – يدل دلالة قوية على ما ذكره القفال المروزي الذي نقله عنه النووي أنفا ، والجواب عليهما أجاب به النوى من الحمل على التفصيل السابق .
    علما بأن ابن الرفعة قد أشار إلى أن الرهن الصغير من القديم وإن كان من كتب الأم ، وتعلق في ذلك بأن الماوردي وغيرة ، قالوا عند الكلام في أجال الراهن وعتقه : إنه من القديم . قال :وكذلك نسب الماوردي هنا قبول رواية ابن المسيب إلى القديم .تكملة المجموع للسبكي (11/142) .
    فإن صح أن الرهن الصغير من القديم فذاك ولا داعي للحمل والتأويل ، وإلا فالقول قول النووي في الحمل على تفصيل الخطيب والبيهقي.
    وأما نسبة القول بقبول مرسل سعيد إلى القديم فهو الصحيح .
    قال النووي : قلت : ولا يصح تعلق من قال : إن مرسل سعيد حجة ، بقوله إرساله حسن، لأن الشافعي رحمه الله لم يعتمد عليه وحده ، بل اعتمده لما انضم إليه قول أبى بكر الصديق ومن حضره ، وانتهى إليه قوله من الصحابة رضي الله عنهم ، مع ما انضم إليه من قول أئمة التابعين الأربعة الذين ذكرهم ، وهم أربعة من فقهاء المدينة السبعة ، وهو مذهب مالك وغيره . فهذا عاضد ثان للمرسل ، فلا يلزم من هذا الاحتجاج بمرسل ابن المسيب إذا لم يعتضد اهـ .
    ومن خلال هذا الكلام الذي نقلناه عن الأئمة ، عن معنى قول الشافعي إرسال ابن المسيب حسن ، أو حجة على ما نقله المروزى استنباطا من كلامه في الرهن الصغير ـ يتبين لنا أن الإمام الشافعي - رضي الله عنه – لا يحتج بمرسل سعيد ، وإنما يرجح به ، والترجيح بالمرسل جائز ، وأن الشافعي يسوى بين مرسل سعيد وغيره من كبار التابعين فلا يقبله إلا بالشروط التي قدمناها آنفا عن نص الرسالة ويتبين لنا أن الشافعي رضي الله عنه لا يرد المرسل مطلقا - وإن كان يرده من حيث هو - ولا يحتج بمرسل سعيد مطلقا .
    قال النووي في المجموع (1/103): " مع أنه قد شاع في ألسنة كثيرين من المشتغلين بمذهبنا ، بل أكثر أهل زماننا - أن الشافعي رحمه الله لا يحتج بالمرسل مطلقا إلا مرسل ابن المسيب فإنه يحتج به مطلقا "
    وهذان غلطان ، فإنه لا يرده مطلقا ، ولا يحتج بمرسل ابن المسيب مطلقا بل الصواب ما قدمناه - أي عن البيهقي والخطيب - والله أعلم " اهـ .
    وقال الماوردي : ومذهب الشافعي في الجديد أن مرسل سعيد وغيره ليس بحجة اهـ . تكملة المجموع (11/141) .
    وقال الإمام الجليل عبد الرحمن بن أبى حاتم في كتاب المراسيل في قول الشافعي رضي الله عنه : ليس المنقطع بشيء ما عدا منقطع ابن المسيب فلا بأس أن يعتبر به "اهـ .تكملة المجموع (11/139) أي أنها يعتبر بها ولا يحتج . فلا فرق بيتها وبين غيرها من مراسيل كبار التابعين من حيث الاحتجاج . فلا بد لها من عاضد .
    وذلك رد مرسله في دية الذمي الذي أورده أبو داود في مراسيله بسند جيد عن ابن المسيب قال : قال رسول الله r : " دية كل ذي عهد في عهده ألف دينار ".
    رد هذا المرسل الذي أرسله سعيد لأنه لم يعتضد ، بأن صرح لنا باسم المتروك ، بل عارضة أن سعيدا نفسه ، قال فيها رواه الدارقطني : كان عمر رضي الله عنه يجعل دية اليهودي والنصراني أربعة آلاف درهم ، والمجوسي ثمان مائة درهم ، وهذا وإن كان عند قوم منقطعا ، لأن ابن المسيب لم يسمع من عمر ، لكنه ينتهض معارضا لمرسله . لأن المرسل في نفسه ليس بحجة , فإن لم ينضم إلية ما يقوية ولكن ما يضعفه ، كان أضعف .
    فهذا مرسل لسعيد رددناه لأننا لم نجده مسندا بحال . وهذا مؤيد لكلام البيهقى في أن لسعيد مراسيل لم تسند ، ومؤيد لكون مراسيل ابن المسيب وغيره سواء في الاحتجاج ، وإن كان يرجح بمراسيل ابن المسيب ويعتبر بها ، والسبب في ذلك كما قال البيهقى عن الحفاظ أنه أصح التابعين إرسالا .
    ولأنه عرف من حال صاحبها أنه لا يروى إلا مسندا عن ثقة . فحملت مراسيله على ما عرف من عادته ، وما ظهر أنه على خلاف عادته كمرسله في دية الذمى لم نقبله .

    يُــــــــــــــــــــــتبع ......

  7. #7
    Super Moderator
    رقم العضوية : 2
    تاريخ التسجيل : Jun 2016
    المشاركات: 3,273
    التقييم: 10
    الدولة : الأردن
    العمل : طالب علم
    ومما يجدر بنا ذكره أن مراسيل أبى سلمة بن عبد الرحمن كمراسيل ابن المسيب عند الشافعي كما نقله الماوردي في الحاوى في باب الشفعة حيث قال: إن مرسل أبى سلمة بن عبد الرحمن عند الشافعي حسن
    الآن وبعد أن بينا مذهب الشافعي ، وأنه يقبل المرسل إذا اعتضد وكان من مراسيل كبار التابعين ، لابد أن نذكر الاعتراضات التي وردت على هذه الشروط التي قبل بها الشافعي المرسل ونذكر الرد عليها .
    وقد علمنا أن العاضد عند الشافعي هو :
    1- مسند من وجه آخر .
    2- إرسال رجل آخر يخالف الأول من الشيوخ .
    3- موافقة قول بعض الصحابة .
    4- موافقة قول عامة أهل العلم
    هذه هى المرجحات التي ذكرها الإمام في الرسالة .
    وقد ذكر الماوردي مرجحات أخرى وهى :
    1- القياس .
    2- فعل الصحابى .
    3- أن ينتشر في الناس من غير دافع له .
    4- أن يعمل به أهل العصر
    5- أن لا يوجد دليل سواه .
    نقل هذا السبكي عن الماوردي في تتمة المجموع ثم قال : وفى بعضها أو أكثرها مشاحة اهـ وسنذكرها ونجيب عنها إن شاء الله .
    وهناك اعتراض من قبل القاضي على قول الشافعي رضي الله عنه : " وإذا وجدت الدلائل بصحة حديثه بما وصفت أحببنا أن نقبل مرسله ، ولا نستطيع أن نزعم أن الحجة تثبت بها ثبوتها بالمتصل " اهـ .
    ولنبدأ بالاعتراضات التي وجهها القاضي على العاضد الذي ذكره الشافعي لقبول المرسل فنقول :
    قال القاضي : إذا أسند المرسل من وجه آخر فالعمل حينئذ بالمسند لا بالمرسل ويكون الشافعي قد قبل المسانيد لا المراسيل .
    قال الإمام النووي في المجموع (1/102) والجواب : أن بالمسند يتبين صحة المرسل ، وأنه مما يحتج به ، فيكون في المسألة حديثان صحيحان ، حتى لو عارضهما حديث صحيح من طريق واحد ، وتعذر الجمع ، قدمناهما عليه والله أعلم اهـ.
    وأجاب الإمام ابن السبكي في رفع الحاجب (1/ق291- ب)بقوله : قبول المرسل إذا اعتضد بمسند لا يعترض بما ذكره القاضي ، فإنه غير وارد ، لأن الاحتجاج إنما يكون بالمسند لو نهض بنفسه حجة ، ولعل الشافعي أراد بالمسند المنضم إلى المرسل مسندا لاينهض بنفسه حجة ، وإذا انضم إلى المرسل قام المرسل حجة ، وهذا ليس عملاً بالمسند بل بالمرسل إذا زالت التهمة عنه ، وهذا لأنه لم يرد المراسل بالتشهي ، بل للتهمة ، فإذا زالت وجب قبوله ، ولا يكون ذلك منه قبولا لشيء من المراسيل، لأن المرسل بقيد انضمامه غير المرسل من حيث هو ، والذى رده المرسل من حيث هو .
    وقد اتفق العلماء قاطبة على أن الحجيج لو وقفوا يوم العاشر غلطا أجزأهم .
    واستندوا إلى ما روى مرسلا أن النبي r قال : " عرفة الذي يعرف الناس فيه ".
    لأنه روى مسندا " عرفة يوم يعرف الإمام " ، وفى سنده محمد بن إسماعيل قاضى فارس، تفرد به عن سفيان . اهـ .
    قلت : وهذه هي الصورة التي صور بها الرازي اعتضاد المرسل بمسند من وجه آخر ليكون الاحتجاج بالمجموع .
    قال المحلى في شرح جمع الجوامع (2/170): لأنه يحصل من اجتماع الضعيفين قوة مفيدة للظن ، ومن الشائع ضعيفان يغلبان قويا اهـ ([3]) .
    قال ابن السبكي : ولئن سلمنا أنه أراد بالمسند المنضم مسندا يحتج به ، فلم قلتم أن الاحتجاج إذ ذاك إنما هو بالمسند ؟ بل الإسناد يعرفنا أن الإرسال وقع عن عدل يحتج به، ويوجب لنا الاحتجاج كالمسند، للناظر الاحتجاج بما شاء منهما .
    وهذا قبول للمرسل أيضا بشرائطه ، وليس هو من مذاهب القوم في شئ .
    ويحتمل أن يقال : إن الشافعي لم يرد بالمسند أن يقع للحديث إسناد من وجه آخر ، وإنما مراده أن عدلاً يخبرنا باسم الذي أهمل المرسل ذكره ، فيصير كالمسند ، لمعرفتنا بالمتروك اسمه ، ولذلك قال كما نقله القاضي عنه : المرسل إذا أسنده حافظ مأمون ، أى أن الحافظ المأمون سمى لنا الرجل المتروك .
    فإذاً الإسناد واحد ، ولنا تسميته مرسلاً باعتبار رواية المرسل ، ومسنداً باعتبار إسناد المسند ، فإذا قبلنا المسند الذي هو مرسل ، هذا غير ما تقدم فافهمه ، وهو مثل مرسل سعيد وأبى سلمة أن النبي r قال : " الشفعة فيما لم يقسم فإذا وقعت الحدود فلا شفعة " .
    رواه الشافعي عن مالك عن سعيد وأبى سلمة ، واحتج به ، لأنه روى بهذا الإسناد مسنداً.
    فروى أبو عاصم الضحاك ، أن مجلد الشيباني ، وابن أبى قتيلة ، وعبد المالك بن الماجشون ، عن مالك ، عن الزهري ، عن سعيد وأبى سلمة ، عن أبى هريرة عن النبي r أنه قاله .
    وما هذا شأنه مرسل مسند باعتبارين اهـ.
    قال القاضي : أليس قد قبلتم مراسيل ابن المسيب ، فما الفرق بينه وبين غيره ؟
    قلنا: قد عرفناك الفرق قبل قليل، وقلنا إن مرسله ومرسل غيره في الاحتجاج سواء.
    فإن قيل : أليس قد قال الشافعي : لا يحفظ أن ابن المسيب روى منقطعا إلا وجدنا ما يدل على تسديده فمن كان بمثل حاله قبلنا منقطعة ، فالشافعي يقبل مسند لا مرسله ؟
    قلت : قال السبكي في تكملة المجموع (1/144) : وتأويله ممكن على بعد ، وليس كما يتوهمه الضعفاء من أنه تتبعها فوجدها مسندة ، فيكون الاحتجاج بالمسند ، فإن ذلك يوهم أن الإسناد حاصل عنده في هذا المرسل بعينه ، وليس كذلك ، بل لما كان حال صاحبها أنه لايروى إلا مسنداً عن ثقة ، حمل هذا على ما عرف من عادته فيحتج به لذلك اهـ .
    قال ابن السبكي في رفع الحاجب : ولذلك ما ظهر فيه أنه على خلاف العادة كمرسله في دية الذمي لا نقبله .
    قال القاضي على قول الشافعي : أو اعتضد بمرسل آخر ، قال : إذا اعتضد المرسل الضعيف بمرسل آخر ضعيف ، فقد انضم غير مقبول إلى مثله ، فلا يفيد .
    قلت : قد أجاب ابن الحاجب عن هذا الاعتراض بقوله : ولا يرد فإن الظن قد يحصل أو يقوى بالانضمام اهـ .
    وقد قدمنا قول المحلى : لأنه يحصل من اجتماع الضعيفين قوة مفيدة للظن ، ومن الشائع ضعيفان يغلبان قوياً اهـ .
    واعترض القاضي قول الشافعي : ومنها أن يعضده مذهب العامة ، وهو ما أشار إليه بفتوى أكثر أهل العلم ، قال القاضي : فأقول له : إن عنيت بالعامة الأمة فكأنك شرطت الإجماع في قبول المرسل ، وإذا ثبت الإجماع استغنى عن المرسل ، أن أردت مذهب العوام ، فأنت أجل قدراً من ذلك ، إذ لا عبرة بخلافهم ولا وفاقهم ، وإن أردت معظم العلماء فمصير المعظم مع وجود الخلاف لايصير ما ليس بحجة حجة .
    قال ابن السبكي في الإبهاج (2/225) قلت : الشافعي لم يرد الإجماع ، ولا قول العوام ، وإنما أراد أكثر أهل العلم ، ولاشك أن الظن يقوى عنده ، وإذا قوى الظن وجب العمل به اهـ .
    وينفس هذا الجواب يجاب على اعتراض القاضي فيها إذا عضد المرسل قول الصحابى ، إذ قال قول الصحابي ليس بحجة فإذا انضم إلى ما ليس بحجة لايصيره حجة .
    * * *
    ولقد اعترض على الماوردي في العواضد الخمسة التي ذكرها بمثل ما اعترض على الإمام الشافعي ـ رضي الله عنه ـ، والجواب على تلك الاعتراضات مماثل للأجوبة السابقة . وأهم هذه الاعتراضات الاعتراض عليه بقوله : أو قياس ـ أي معاضدة قياس .
    قال السبكي : وأما القياس ، فإن كان صحيحاً ، فهو حجة في نفسه غير مفتقر إلى المرسل ، ولا يصير المرسل به حجة ، كما لو اقترن بالقياس الصحيح قياس فاسد ، وإن كان ذلك القياس لا يجوز التمثيل به لو انفرد فقد انضم ما ليس بحجة .
    والجواب على هذا ما أجبنا به على اعتراض القاضي فيها إذا اعتضد المرسل بالمسند .
    ثم قال السبكي : وغاية ما يتخيل أن الشافعي لم يلاحظ في ذلك إلا قوة الظن ، فإن المرسل يثير ظناً ضعيفاً ، وليس كالقياس الفاسد وما لا يثير ظناً أصلاً، فإذا اقترن المرسل المفيد للظن بأمر مقو للظن جاز أن ينتهي إلى حد يتمسك به ، ثم ذلك الحد ليس مما يضبط بعبارة شاملة . بل هو موكول إلى نظر المجتهد .

    يُــــــــــــــــــــــــتبع ....

  8. #8
    Super Moderator
    رقم العضوية : 2
    تاريخ التسجيل : Jun 2016
    المشاركات: 3,273
    التقييم: 10
    الدولة : الأردن
    العمل : طالب علم
    وهاهنا تتفاوت رتب العلماء ، ويفارق المجتهدون من سواهم من الجامدين على أمور كلية يطردونها في كل ورد وصدر .
    وإنما جمد على ذلك أكثر المتأخرين لبعدهم عن التكيف بفهم نفس الشريعة ، والتمييز بين مراتب الظنون ، وما يقتضى نفس الشارع في اعتباره و إلغائه ، وهذه رتبة عزيزة سبق إليها المتقدمون .
    ولو حاول محاول ضبط ما يحصل من اجتماع تلك الأمور بالموازنة بينه وبين الظن المستفاد من قياس صحيح من أول درجات القياس أوخبر واحد فما ساواه لذلك اعتبر ، وما نقص عنه ألغى ـ لم يكن مبعداً ، لكنه ليس كمال المعنى المشار إليه ، بلهو غاية ما تحيط به العبارة لمن يبغى ضبط ذلك بقواعد كلية ، ويؤتى الله وراء ذلك لبعض عبارة ما يقصر عنه الوهم ومن جد وجد ، ومن ذاق اعتقد ، ومن لم يجعل الله له نوراً فما له من نور .
    قال ابنه معقباً عليه : وقد تضمن كلامه ما أشرنا إليه من تأييد العمل بالمرسل في هذا الموضع ، لانضمام ظن إلى ظن حصل بهما ظن متهيئا مثله في العمل بأوائل الأقيسة الصحيحة وخبر الواحد ، وإياه أراد الشافعي إن شاء الله .
    وكذلك اعترض السبكي قول الماوردي : أولا يوجد دليل سواه .
    قال السبكي : إن المرسل إذا لم يكن في نفسه دليلاً ، ولم يوجد دليل سواه ـ كانت المسألة لا دليل فيها أصلاً . ولا يجوز إثبات حكم بشيء لا يعتقده دليلاً ، لأنا لم نجد غيره .
    وإن قيل : إنه هذه الحالة دليل ، وفى غيرها ليس بدليل ، فنقول : إنه في غير هذه الحالة إذا كان هناك دليل غيره ، فإما أن يكون موافقاً أو مخالفاً ، إن كان موافقاً فالحكم ثابت بلا إشكال ،ولا غرض في إسناده إلى المرسل مع ذلك الدليل وحده ، أو إليه مع المرسل .
    وإن كان مخالفا ، فإما أن يكون راجحا عليه ، أو مرجوحاً .
    فإن كان راجحاً قدم المرسل مع القول بأنه حجة ، وإن كان مرجوحاً لم يقدم عليه ، وحينئذ ينبغى لمن يعمل به عند عدم الدليل مطلقاً أن يعمل به لرجحانه ، وهو يصير إلى أن المرسل حجة ، والتفريع على خلافه .
    ولا ينفع التعليل بأنه حجة ضعيفة في أن يدفع بأدنى معارض ، وإن كان مرجوحاً لأن ذلك بحيث جدلي لا طائل تحته اهـ .
    قال ابن السبكي : قلت : قد يقال إذا لم يوجد دليل سواه فيكون فائدته أن لا يرد ، ولا يكون الحال كمالا دليل فيها أصلاً .
    ويظهر فائدة ذلك فيما إذا روى شيئا على خلاف البراءة الأصلية ، فقد يقال : يجيب الانكفاف إلى استتام البحث ، ولا يحدث إثبات حكم ، ولكن الوقف هناك من باب الاحتياط .
    وهذا كما قال إمام الحرمين في المجهول إذا روى خبراً – إنه يجب الإنكفاف ، ويبحث عن حاله.
    وبهذا يندفع قول الشيخ الإمام – أي والده - : لا يجوز إثبات حكم بما لا يعتقده دليلا . فنقول : لا يثبت حكماً ، وإنما نكف عما كنا عاملين به إلى استتام البحث .
    فإن أراد الماوردي وإمام الحرمين بالعمل بالمرسل إذا لم يوجد دليل غير هذا ، فلا بأس به ، وإلا فالحق ما قاله الشيخ الإمام اهـ .
    ثم عقب ابن السبكي على قول أبيه فقال : وقوله في غير هذه الحالة أن الحكم ثابت ، ولا غرض في إسناده – صحيح ، ولكن اجتماع دليلين حسن .
    وقوله في المخالف المرجوح ينبغى العمل بالمرسل حينئذ والتفريع على خلافه – قد يقال عليه : ليس التفريع على خلافه ، لأن الماوردي يدعى أن الشافعي يستثنى هذه المواضع من رد المراسيل . وأما كونه حجة ضعيفة على القول به ، فلابد من ذلك فإن الحجج متفاوتة .
    فهذه جملة الاعتراضات والأجوبة عليها بالنسبة لما ذكره الشافعي للعاضد الذي يقبل به المراسل .
    وهناك استشكال ذكره القاضي على قول الشافعي، في المواضع التي يقبل فيها المرسل حيث قال : أستحب قبولها ، ولا أستطيع أن أقول إن الحجة تثبت بها ثبوتها بالمتصل ,
    قال القاضي : فقد نص بذلك على أن القبول عند تلك الشروط مستحب لا واجب .
    قال السبكي في تقرير الاعتراض : لأنه لا تخيير في إثبات الأحكام ، بل إما أن يظهر موجبها فتجب ، أولا فتحرم ، فإن كان المرسل إذا اقترن بشيء من ذلك حجة ، وجب العمل به ، وإن لم يكن حجة حرم العمل به اهـ .
    وأجاب عليه ابن السبكي بقوله : قلت : وهذا كلام ضعيف ، فلم يرد الشافعي بالاستحباب قسيم الوجوب .
    ولا في الأدلة ما يكون الأخذ به مستحباً ، لأنه لا تخيير في إثبات الأحكام ، بل إما أن يظهر موجبها فيجب أو لا فيحرم .
    فإن كان المرسل عن الاقتران بشئ من ذلك حجة ، وجب الأخذ به وإلا حرم ولا تعلق للاستحباب بما نحن فيه .
    وإنما كان المرسل عند الاقتران بشئ من ذلك حجة ، وجب الأخذ به . وإلا حرم ولا تعلق للاستحباب بما نحن فيه .
    وإنما مراده أن الحجة فيها ضعيفة . ليست كحجة المتصل . وإذا انتهضت الحجة وجب الأخذ لا محالة . لكن الحجج متفاوتة ، وينفعك ذلك عند التعارض ، فإذا عارضه متصل ؛ كان المتصل مقدماً عليه " اهـ .
    وقال الإمام السبكي في الجواب : ويحتمل أن يكون مراد الشافعي أنه لا يجب العمل به بمجرد اقترانه بمرسل آخر ، وقول صحابي ، أو فتياً الأكثر ، ولا يرد معها ، ويطلب دليل آخر مجرد ، كما لو لم يرد أصلاً ، بل يجب النظر في ذلك ، وفيما يعارضه أو يوافقه من بقية الأدلة، كالقياس ، وشبهه والعمل بما يترجح من الظن والله أعلم .

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

المفضلات

المفضلات

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •  

RSS RSS 2.0 XML MAP html  PHP  info tags Maps maptags vbmaps

الساعة معتمدة بتوقيت جرينتش +3 . الساعة الآن : 18:35.
الموقع غير مسؤول عن أي اتفاق تجاري أو تعاوني بين الأعضاء
فعلى كل شخص تحمل مسئولية نفسه إتجاه مايقوم به من بيع وشراء وإتفاق وأعطاء معلومات موقعه
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي موقع الأشاعرة و لا نتحمل أي مسؤولية قانونية حيال ذلك (ويتحمل كاتبها مسؤولية النشر)
الساعة الآن 12:16 PM
Powered by vBulletin® Version 4.2.3
Copyright © 2018 vBulletin Solutions, Inc. Translate By soft