إذا كانت هذه زيارتك الأولى يرجى الاطلاع على الرابط التالي الأسئلة ولكي تتمكن من كتابة مواضيع وإرسال رسائل خاصة لابد لك منالتسجيل
صفحة 2 من 2 الأولىالأولى 12
النتائج 11 إلى 17 من 17

الموضوع: سورة طه

  1. #11
    Super Moderator
    رقم العضوية : 2
    تاريخ التسجيل : Jun 2016
    المشاركات: 3,273
    التقييم: 10
    الدولة : الأردن
    العمل : طالب علم
    أَفَلَا يَرَوْنَ أَلَّا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلًا وَلَا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا (89)

    أي: كيف يعبدون هذا العجل، وهو لا يردّ عليهم جواباً، ولا يملك له شيئاً، كما قال تعالى في آية أخرى:* وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْرَاهِيمَ * إِذْ قَالَ لأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا تَعْبُدُونَ * قَالُواْ نَعْبُدُ أَصْنَاماً فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ * قَالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ * أَوْ يَنفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ *[الشعراء: 69ـ73].
    فَمنْ كان لديه ذرة من عقل لا يُقدم على هذه المسألة؛ لذلك فالحق ـ سبحانه ـ يناقش هؤلاء:* كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ *[البقرة: 28].
    أي: أخبرونا بالطريق الذي يحملكم على الكفر، كأنها مسألة عجيبة لا يقبلها العقل ولا يُقرُّها. ألم يخطر ببال هؤلاء الذين عبدوا العجل أنه لا يردّ عليهم إنْ سألوه، ولا يملك لهم ضَرَّاً إنْ كفروا به، ولا نفعاً إن آمنوا به وعبدوه.
    ثم يقول الحق سبحانه: * وَلَقَدْ قَالَ لَهُمْ هَارُونُ مِن قَبْلُ *
    وَلَقَدْ قَالَ لَهُمْ هَارُونُ مِنْ قَبْلُ يَا قَوْمِ إِنَّمَا فُتِنْتُمْ بِهِ وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا أَمْرِي (90)

    وكان هارون ـ عليه السلام ـ خليفة لأخيه في غَيْبته، كما قال تعالى:* وَقَالَ مُوسَى لأَخِيهِ هَارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلاَ تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ *[الأعراف: 142].
    اخْلُفْنِي واعمل الصالح، فكان هذا تفويضاً من موسى لأخيه هارون أن يقضي في القوم بما يراه مناسباً، وأنْ يُقدِّر المصلحة كما يرى. وقد شُفِع هذا التفويض لهارون أمام أخيه بعد ذلك.
    فقوله تعالى: * وَلَقَدْ قَالَ لَهُمْ هَارُونُ مِن قَبْلُ ياقَوْمِ إِنَّمَا فُتِنتُمْ بِهِ * [طه: 90].
    وهكذا وعظهم هارون على قَدْر استطاعته، وبيّن لهم أن مسألة العِجْل هذه اختبار من الله. وكان تقديره في هذه القضية ألاَّ يدخل مع هؤلاء في معركة؛ لأن القومَ كانوا جميعاً ثلاثمائة ألف، عبد العجل منهم أثنا عشر ألفاً، ولو جعلها هارون ـ عليه السلام ـ معركة لأفْنى كل هذا العدد.
    لذلك اكتفى بالوعظ * ياقَوْمِ إِنَّمَا فُتِنتُمْ بِهِ وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَـانُ فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُواْ أَمْرِي * [طه: 90] كما أخذتم العهد عند موسى.
    قَالُوا لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَى (91)

    * لَن نَّبْرَحَ * [طه: 91]. أي سنظل عل هذا الحال، البعض يظن أنها للمكان فقط، إنما هي حَسْب ما تتعلق به، تقول: لا أبرح سائراً حتى أصِلَ لغرضي، ولا أبرح هذه المكان فقد تكون للمكان، وقد تكون للحال. كما ورد في القرآن:
    ـ للمكان والإقامة في قوله:* فَلَنْ أَبْرَحَ الأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي *[يوسف: 80].
    ـ وللحال في قوله تعالى:* وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ لا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ *[الكهف: 60] أي: لا أبرح السير.
    فالمعنى * لَن نَّبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ * [طه: 91] سنظلّ على عبادته حتى يرجع موسى، فلن نمكثَ هذه الفترة دون إلهٍ.
    ثم يقول الحق سبحانه: * قَالَ ياهَرُونُ مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّواْ *
    قَالَ يَا هَارُونُ مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا (92) أَلَّا تَتَّبِعَنِ أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي (93)

    هذا حوار دار بين موسى وأخيه هارون * مَا مَنَعَكَ * [طه: 92] وقد وردتْ هذه الكلمة في القرآن بأُسْلوبين: الأول: قوله تعالى:* مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ *[ص: 75] أي: ما منعك من السجود.
    والآخر:* مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ *[الأعراف: 12]. أي: ما منعك أن لا تسجد؛ لأن المانع قد يكون قَهْراً عنك، وأنت لا تريد أن تفعل، وقد يأتي آخر فيُقنِعك أن تفعل. فمَرّة يُرغِمك: أنت لا تريد أنْ تسجد يقول لك: اسجد. إذن: منعك أن تسجد يعني قهراً عنك، لكن أقنعك أن تسجد أنت باختيارك فقد منعك ألاَّ تسجد.
    إذن: مرة من النفس، ومرة من الغير، وهكذا يلتقي الأسلوبان.
    فقوله: * مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّواْ * أَلاَّ تَتَّبِعَنِ أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي * [طه: 92ـ93] أي: من اتباعي، لكن هل موسى عليه السلام هنا يستفهم؟ الحقيقة أنه لا يريد الاستفهام، فقد تخاطب إنساناً بذنب، وأنت لا تعلم ذنبه، إنما تخاطبه بصورة الذَّنْب لتسمع الردَّ منه، فيكون رَدًَاً على مَنْ يعترض عليه.
    ومن ذلك ما كان من سيدنا عمر ـ رضي الله عنه ـ عند الحجر الأسود، فلما قَبَّله قال: " اللهم إني أعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع، ولولا أنِّي رأيت رسول الله يُقبِّلك ما قبَّلتُك ".
    إذن: قبّله عمر؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قبَّله، إلا أنه جاء بهذا الكلام ليعطينا الجواب المستمر على مَرِّ التاريخ لكل مَنْ يسأل عن تقبيل الحجر.
    وهنا أثارها موسى شبهة؛ كي نسمع نحن الجواب، ولنسمع الردّ من صاحب الشأن باقياً سائراً في طول الأزمان.
    قَالَ يَبْنَؤُمَّ لَا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلَا بِرَأْسِي إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي (94)

    إذن: صاحبَ خطابَ موسى لأخيه هارون فعْل نزوعيٌّ وحركة، فهمناها من قول هارون: * يَبْنَؤُمَّ لاَ تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلاَ بِرَأْسِي * [طه: 94].
    ثم ذكر العلة * إِنِّي خَشِيتُ أَن تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَآئِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي * [طه: 94] يقصد قول أخيه:* اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلاَ تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ *[الأعراف: 142].
    فذكّره بالتفويض الذي أعطاه إياه. وقد اجتهد هارون حَسْب رؤيته للموقف، ونأى بالقوم عن معركة ربما انتهتْ بالقضاء على خَِلِية الإيمان في بني إسرائيل، اجتهد في إطار* وَأَصْلِحْ *[الأعراف: 142].
    إذن: أثار موسى هذه القضية مع أخيه، لا ليسمع هو الرد، وإنما ليُسمع الدنيا كلّها على مَرِّ التاريخ.
    ثم ينقل موسى الخطاب إلى رأس هذه الفتنة: * قَالَ فَمَا خَطْبُكَ ياسَامِرِيُّ *
    قَالَ فَمَا خَطْبُكَ يَا سَامِرِيُّ (95)

    أي: ما شأنك؟ وما قصتك؟
    والخَطْب: يُقال في الحدّث المهم الذي يُسمُّونه الحدَث الجلَل، والذي يُقال فيه " خطب " ، فليس هو الحدث العابر الذي لا يقف عنده أحد.
    ومن ذلك قوله تعالى:* مَا خَطْبُكُنَّ إِذْ رَاوَدتُّنَّ يُوسُفَ عَن نَّفْسِهِ *[يوسف: 51].
    وما حكاه القرآن من قول موسى ـ عليه السلام ـ لابنتَيْ شعيب:* مَا خَطْبُكُمَا *[القصص: 23].
    ثم يقول الحق سبحانه عن السامري: * قَالَ بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُواْ بِهِ *
    قَالَ بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ فَنَبَذْتُهَا وَكَذَلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي (96)

    مادة: بَصُر منها أبصرت للرؤية الحسية، وبصرت للرؤية العلمية أي: بمعنى علمتُ.
    فمعنى * بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُواْ بِهِ * [طه: 96] يعني: اقتنعتُ بأمر هم غير مقتنعين به، فأنا فعلتُ وهم قَلَّدوني فيما فعلتُ من مسألة العِجْل.
    وقد أدَّى به اجتهاده إلى صناعة العجل؛ لأنه رأى قومه يحبون الأصنام، وسبق أنْ طلبوا من موسى أن يجعل لهم إلهاً لما رأوا قوماً يعبدون الأصنام، فانتهز السامريُّ فرصة غياب موسى، وقال لهم: سأصنع لكم ما لم يستطع موسى صناعته، بل وأزيدكم فيه، لقد طلبتم مجرد صنم من حجارة إنما أنا سأجعل لكم عِجْلاً جَسَداً من الذهب، وله صوت وخُوَار مسموع.
    وقوله: * فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِّنْ أَثَرِ الرَّسُولِ فَنَبَذْتُهَا * [طه: 96] قبض على الشيء: أخذه بجُمْع يده. ومثلها: قَبصَ.
    وقوله: * مِّنْ أَثَرِ الرَّسُولِ * [طه: 96] للعلماء في هذه المسألة روايات متعددة. منها: أن السامري حين كان جبريل عليه السلام يتعَهَّده وهو صغير، كان يأتيه على جواد فلاحظ السامري أن الجواد كلما مَرَّ على شيء اخضرّ مكان حافره، ودَبَّتْ الحياة فيه، لذلك: فأصحاب هذا القول رأؤا أن العجل كان حقيقياً، وله صوت طبيعي ليس مجرد مرور الهواء من خلاله.
    ورَأْى آخر يقول: * مِّنْ أَثَرِ الرَّسُولِ * [طه: 96] الرسول كما نعلم هو المبلِّغ لشرع الله المباشر للمبلّغ، أما جبريل فهو رسول للرسول، ولم يَرَه أحد فأُطلِقت الرسول على حامل المنهج إلى المتكلّم به، لكنها قد تُطلق ويُراد بها التهكّم، كما جاء في قوله تعالى:* هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لاَ تُنفِقُواْ عَلَى مَنْ عِندَ رَسُولِ اللَّهِ *[المنافقون: 7] فيقولون: رسول الله تهكماً لا إيماناً بها.
    وكذلك في قوله تعالى:* وَقَالُواْ مَالِ هَـاذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الأَسْوَاقِ *[الفرقان: 7].
    إذن: قد يُرَاد بها التهكّم.
    لكن، ما المراد بأثر الرسول؟ الرسول جاء لِيُبلِّغ شرعاً من الله، وهذا هو أثره الذي يبقى من بعده. فيكون المعنى: قبضتُ قبضة من شرع الرسول، قبضة من قمته، وهي مسألة الإله الواحد الأحد المعبود، لا صنمَ ولا خلافه.
    وقوله تعالى: * فَنَبَذْتُهَا * [طه: 96] أي: أبعدتُها وطرحتها عن مُخيِّلتي، ثم تركتُ لنفسي العنان في أن تفكر فيما وراء هذا.
    بدليل أنه قال بعدها * وَكَذالِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي * [طه: 96] أي: زيَّنتها لي، وألجأتني إلى معصية. فلا يقال: سوَّلَتْ لي نفسي الطاعة، إنما المعصية وهي أن يأخذ شيئاً من أثر الرسول ووَحْيه الذي جاء به من الله، ثم يطرحه عن منهجه ويُبعده عن فِكْره، ثم يسير بِمَحْض اختياره.
    ثم يقول الحق سبحانه: * قَالَ فَاذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ *
    قَالَ فَاذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ فِي الْحَيَاةِ أَنْ تَقُولَ لَا مِسَاسَ وَإِنَّ لَكَ مَوْعِدًا لَنْ تُخْلَفَهُ وَانْظُرْ إِلَى إِلَهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفًا لَنُحَرِّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنْسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفًا (97)

    كان ردّ موسى ـ عليه السلام ـ على هذه الفعْلة من السامري: جزاؤك أن تذهب، ويكون قولك الملازم لك * لاَ مِسَاسَ * [طه: 97] والمِسَاس أي: المسّ. المعنى يحتمل: لا مساس مِنّي لأحد، أو لا مساسَ من أحد لي.
    ذلك لأن الذين يفترون الكذب ويدَّعُون أن لهم رسالة ولهم مهمة الأنبياء، حظُّهم من هذا كله أن تكون لهم سُلْطة زمنية ومكانة في قلوب الناس، وأن يكون لهم مذهب وأتباع وأشياع.
    لذلك تراهم دائماً ـ في سبيل الوصول إلى هذه الغاية ـ يتحللون من المنهج الحق، ويستبدلونه بمناهج حَسْب أهوائهم، فيميلون إلى تسهيل المنهج وتبسيطه، ويُعطون لأتباعهم حريةً ما أنزل الله بها من سلطان، كالذي خرج علينا يُبيح للناس الاختلاط بين الرجال والنساء.
    ومن العجيب أن تجد لهذه الأفكار أَنصاراً يؤمنون بها ويُطبِّقونها، لا من عامة الناس، بل من المثقفين وأصحاب المناصب. فكيف تحجب عنهم المرأة، وهي نصف المجتمع؟
    إذن: ما أجملَ هذ الدين ومَا أيسره على الناس، فقد جاء على وَفْق أهوائهم وشهواتهم، ووسَّع لهم المسائل، فالنفس تميل بطبعها إلى التدين؛ لأنها مفطورة عليه، لكن تريد هذا الدين سَهْلاً لا مشقةَ فيه، حتى وإنْ خالف منهج الله.
    لذلك تجد مثلاً مسيلمة وسجاح وغيرهما من مُدَّعِي النبوة يُخفِّفون عن أتباعهم تكاليف الشرع في الصلاة والصوم، أما الزكاة فهي ثقيلة على النفس فلا داعيَ لها. وإلاَّ فما الميْزة التي جاءوا بها ليتبعهم الناس؟ وما وسائل التشجيع لاتباع الدين الجديد؟
    وهكذا يصبح لهؤلاء سُلْطة زمنية ومكانة، وأتباع، وجمهور، إذن: الذي أفسد حياته أن يجد العِزَّ والمكانة في انصياع الناس له وتبعيتهم لأفكاره، فيعاقبه الله بهم، ويجعل ذُلَّه على أيديهم وفتنته من ناحيتهم، فهم الذين أعانوه على هذا الباطل، فإذا به يكرههم ويبتعد بنفسه عنهم، لدرجة أن يقول * لاَ مِسَاسَ * [طه: 97] كأنه يفِرُّ منهم يقول: إياك أنْ تقربَ مِنِّي أو تمسِّني.
    لقد تحول القُرْب والمحبة إلى بُعْد وعداوة، هذه الجمهرة التي كانت حوله وكان فيها عِزُّه وتسلُّطه يفرُّ منها الآن، فهي سبب كَبْوته، وهي التي أعانَتْه على معصية الله.
    وهكذا، كانت نهاية السامريّ أن ينعزل عن مجتمعه، ويهيم على وجهه في البراري، ويفرّ من الناس، فلا يمسّه أحد، بعد أنْ صدمه الحق، وواجهتْه صَوْلته.
    وما أشبهَ هذا الموقف بما يحدث لشاب متفوق مستقيم يُغريه أهل الباطل، ويجذبونه إلى طريقهم، وبعد أن انخرط في سِلْكهم وذاق لذة باطلهم وضلالهم إذَا به يصحو على صدمة الحق التي تُفيقه، ولكن بعد أن خسر الكثير، فتراه بعد ذلك يفِرُّ من هذه الصُّحْبة وينأى بنفسه عن مجرد الاقتراب منهم.
    لذلك من الذين اختاروا دينهم وَفْق أهوائهم عبدة الأصنام، فإن كانت العبادة أنْ يطيع العابدُ معبوده، فما أيسرَ عبادة الأصنام؛ لأنها آلهة بدون تكليف، وعبادة بدون مشقة، لا تقيد لك حركة، ولا تمنعك من شهوة، وإلا فماذا أعدَّتْ الأصنام من ثواب لمَنْ عبدها؟ وماذا أعدَّتْ من عذاب لمن كفر بها.

    فكأن الحق ـ تبارك وتعالى ـ قال للسامري: ستُعاقب بنفس المجتمع الذي كنت تريد منه العِزّة والسُّلْطة والسيطرة والذكر، فتتبرأ أنت منهم وتفرّ من جوارهم، ولا تتحمل أنْ يمسَّك أحد منهم، فهم سبب بلائك، ومصدر فتنتك، كما قال تعالى:* الأَخِلاَّءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلاَّ الْمُتَّقِينَ *[الزخرف: 67].
    فأخلاءُ الباطل، وصُحْبَة السوء الذين يجتمعون على معصية الله في سهرات مُحرَّمة عليهم أنْ يحذروا هذا اللقاء. أما الخُلّة الحقيقية الصادقة فهي للمتقين، الذين يأتمرون بالحق، ويتواصَوْن بطاعة الله.
    وفَرْق بين مَنْ يقاسمك الكأس ومَنْ يكسرها ويُريقها قبل أنْ تذوقها، فَرْق بين مَنْ يلهيك عن الصلاة ومَنْ يحثُّك عليها، فَرْق بين مَنْ يُسعِدك الآن بمعصية ومَنْ يحملك على مشقّة الطاعة، فانظر وتأمَّلْ.
    ثم يقول: * وَإِنَّ لَكَ مَوْعِداً لَّن تُخْلَفَهُ * [طه: 97] أي: ما ينتظرك من عذاب الآخرة.
    * وَانظُرْ إِلَى إِلَـاهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفاً لَّنُحَرِّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفاً * [طه: 97].
    (عَاكِفاً) أي: مقيماً على عبادته، والاعتكاف: الإقامة في المسجد، والانقطاع عن المجتمع الخارجي.
    ومعنى * لَّنُحَرِّقَنَّهُ * [طه: 97] أي: نُصيِّره كالمحروق، بأنْ نبردَه بالمبرد حتى يصبح فُتاتاً وذرات متناثرة، بحيث يمكن أن نذروه في الهواء * ثُمَّ لَنَنسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفاً * [طه: 97] أي: نذروه كما يفعل الفلاحون حين يذرون الحبوب لفَصْل القِشْر عنها بآلة تسمى (المنسف) تشبه الغربال، وقد استبدلوا هذه الأدوات البدائية الآن بآلات ميكانيكية حديثة تُؤدِّي نفس الغرض.
    ذلك لأن إلهَ السَّامري كان هذا العجل الذي اتخذه من ذهب، فلا يناسبه الحرق في النار، إنما نريد له عملية أخرى، تذهب به من أصله، فلا نُبقِي له على أثر. وهذا هو إلهك الذي عبدته إنْ أفلح كان يدافع عن نفسه ويحمي رُوحَه.
    وبعد أن بَيَّن الحق ـ سبحانه ـ وَجْه البطلان فيما فعله السامري، ومَنْ تبعه من القوم،عاد لِيذكِّرهم بمنطقه الحق وجادة الطريق، وأن كلَّ ما فعلوه هراء في هراء:
    * إِنَّمَآ إِلَـاهُكُمُ اللَّهُ *
    إِنَّمَا إِلَهُكُمُ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا (98)

    الحق ـ تبارك وتعالى ـ حينما يقول: * لا إِلَـاهَ إِلاَّ هُوَ * [طه: 98] نقولها نحن هكذا، ونشهد بها، فقد تعلَّمناها من رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي سمعها من ربه ونقلها إلينا، فهي الشهادة بالوحدانية الحقّة، شهادة من الله لذاته أولاً:* شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لاَ إِلَـاهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلاَئِكَةُ وَأُوْلُواْ الْعِلْمِ *[آل عمران: 18].
    فهذه شهادة الذات للذات قبل أنْ يخلق شاهداً يشهد بها. ثم شهدتْ له بذلك الملائكة شهادةَ المشهد أنه لا إله غيره، ثم شهد بذلك أولو العلم شهادة استدلال بالمخلوقات التي رأوْها على أبدع نظام وأعجبه، ولا يمكن أن ينشأ هذا كله إلا عن إله قادر.
    وقد سلمتْ لله تعالى هذه الدَّعوْى؛ لأنها قضية صادقة شَهِد بها سبحانه لنفسه، وشَهِد بها الملائكة وأولو العلم ولم يَقُمْ لها معارض يدِّعِيها لنفسه.
    وإلا ـ والعياذ بالله ـ أين ذلك الإله الذي أخذ الله تعالى منه الألوهية؟ فإما أنْ يكون لا يعلم، أو عَلِم بذلك ولم يعترض، وفي كلتا الحالتين لا يستحق أن يكون إلهاً. والدَّعْوى إذا لم تُجْبَه بمعارض فقد سلمتْ لصاحبها، إلى أن يُوجَد المعارض.
    وكأن الحق سبحانه قال: لا إله إلا أنا، وأنا خالق الكون كله ومُدبِّر أمره، ولم يَأْتِ أحد حتى من الكفار يدَّعي شيئاً من هذا. وقد ضربنا لهذه المسألة مثلاً ـ ولله المثل الأعلى ـ: هَبْ أنه نزل عندك مجموعة ضيوف وزوار، وبعد انصرافهم وجدتَ حافظة نقود فسألتَ عن صاحبها، فلم يدَّعِها أحد إلى أنْ قال واحد منهم: هي لي، إذن: فهو صاحبها، وهو أحقُّ بها حيث لم يَقُمْ له معارض.
    لذلك يقول تعالى:* قُلْ لَّوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذاً لاَّبْتَغَوْاْ إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلاً *[الإسراء: 42].
    يعني إنْ كان هناك آلهة أخرى فلا بُدَّ أنْ يذهبوا إلى صاحب العرش، إما ليخضعوا له ويستلهموا منه القدرة على فِعْل الأشياء، أو ليُحاسبوه ويُحاكموه: كيف يدَّعي الألوهية وهم آلهة؟ ولم يحدث شيء من هذا كله، ولا أقام أحد دليلاً على أنه إله، والدَّعْوى إذا لم يَقُمْ عليها دليل فهي باطلة.
    وينفي الحق سبحانه وجود آلهة أخرى، فيقول في موضع آخر:* مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِن وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَـهٍ إِذاً لَّذَهَبَ كُلُّ إِلَـاهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلاَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ *[المؤمنون: 91].
    فهذا إله للسماء، وهذا إله للأرض، وهذا الجن، وهذا الإنس.. إلخ، وبذلك تكون الميْزة في أحدهم نقصاً في الآخر، والقدرة في أحدهم عجزاً في الآخر، وهذا لا يليق في صفات الألوهية.
    ونلحظ هنا في قوله تعالى: * إِنَّمَآ إِلَـاهُكُمُ اللَّهُ * [طه: 98] أن كلمة (إله) لا تعني (الله)، وإلا لو كان إلهاً بمعنى الله لأصبح المعنى: إنما الله الله.

    إذن: هناك فَرْق بين اللفظين: الله عَلَم على واجب الوجود الأعلى، أما الإله فهو المعبود المطاع فيما يأمر، فالمعنى: أن المعبود المطاع فيما يأمر به هو الله خالق هذا الوجود، وصاحب الوجود الأعلى.
    فالله تعالى هو المعبود المطاع بحقٍّ، لأن هناك معبوداً ومطاعاً لكن بالباطل، كالذين يعبدون الشمس والقمر والأشجار والأحجار ويُسمُّونهم آلهة، فإذا كانت العبادة إطاعة أمر ونهي المعبود، فبماذا أمرتْهم هذه الآلهة؟ وعن أيِّ شيء نهتْهم؟ وماذا أعدَّتْ لمن عبدها أو لمن كفر بها؟ إذن: هي معبودة، لكن بالباطل؛ لأنها آلهة بلا منهج.
    وكلمة * إِنَّمَآ * [طه: 98] لا تأتي إلا استدراكاً على باطل، وتريد أن تُصوِّبه، كأن تقول: إنما الذي حضر زيد، فلا تقولها إلا لمن ادَّعى أن الذي حضر غير زيد، فكأنك تقول: لا، فلان لم يحضر، إنما الذي حضر زيد.
    فلا بُدَّ أن قوله تعالى: * إِنَّمَآ إِلَـاهُكُمُ اللَّهُ * [طه: 98] جاء رداً على كلام قيل يدَّعي أن هناك إلهاً آخر، وإنما لا تُقال إلا إذا ادُّعِيَ أمر يخالف ما بعدها، فتنفي الأمر الأول، وتُثبت ما بعدها.
    وهنا يقول: * إِنَّمَآ إِلَـاهُكُمُ اللَّهُ * [طه: 98] لأن السامريَّ لما صنع لهم العجل قال:* هَـاذَآ إِلَـاهُكُمْ وَإِلَـاهُ مُوسَى *[طه: 88] فكذَّبه الله واستدرك بالحقِّ على الباطل: * إِنَّمَآ إِلَـاهُكُمُ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَـاهَ إِلاَّ هُوَ * [طه: 98].
    ثم أضاف الحق ـ تبارك وتعالى ـ ما يُفرِّق بين إله الحق وإله الباطل، فقال: * وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً * [طه: 98] لأنه سبحانه هو الإله الحق، وهذه أيضاً رَدٌّ على السامريّ وما اتخذه إلهاً من دون الله، فالعجل الذي اتخذه لا عِلمَ عنده، وكذلك السامري الذي أمر الناس بعبادته، فلو كان عنده علم لعرفَ أن عِجْله سيُحرق ويُنسَف وتذروه الرياح، ولعرفَ العاقبة التي انتهى إليها من قوله للقوم (لا مساس)، وأنه سينزل به عذاب الدنيا قبل عذاب الآخرة، فلو علم هذه الحقائق ما أقدمَ على هذه المسألة.
    ووسع علم الله لكل شيء يعني: مَنْ أطاع ومَنْ عصى، لكن من رحمته تعالى بنا ألاَّ يحاسبنا عَمَّا علم منّا، بل يعلمنا حين ندعوه أن نقول:* رَبَّنَا وَسِعْتَ كُـلَّ شَيْءٍ رَّحْمَةً وَعِلْماً *[غافر: 7] فسبقتْ رحمته تعالى سيئاتنا وذنوبنا، وسبقت عذابه ونقمته، وفي موضع آخر يقول عز وجل:* وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ *[الأعراف: 156].
    فلو وقفنا عند * وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً * [طه: 98] لأتعبتْنا هذه المسألة؛ لأنه سيجازينا عن السيئة وعن الحسنة، ومَنْ يطيق هذا؟
    ثم يُبيِّن الحق سبحانه حكمة القَصَص في القرآن، والقَصَص لون من التاريخ، وليس مطلق التاريخ، القصص تاريخ لشيء مشهود يهمني وتفيدني معرفته، وإلا فمن التاريخ أن نقول: كان في مكان كذا رجل يبيع كذا، وكان يفعل كذا أو كذا.

    إذن: فالقصص حدث بارز، وله تأثيره فيمَنْ سمعه، وبه تحدث الموعظة، ومنه تؤخذ العبرة.
    والتاريخ هو ربط الأحداث بأزمنتها، فحين تربط أيَّ حدث بزمنه فقد أرَّخْتَ له، فإذا كان حَدَثاً متميزاً نسميه قصة تُروَى، فإنْ كانت قصة شهيرة تعلو على القصص كله نسميها سيرة، لذلك خُصَّ باسم السيرة تاريخ قصة رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لأن القَصَص شيء مميز، أما السيرة فهي أميز، ورسول الله خاتم الأنبياء؛ لذلك نقول عن تاريخه سيرة ولا نقول قصة؛ لأن واقعه في الحياة كان سَيْراً على منهج الله، وعليه نزل القرآن، وكان خُلقه القرآن.
    والقصص يأتي مرة بالحدث، ثم تدور حوله الأشخاص، أو يأتي بشخصية واحدة تدور حولها الأحداث، فإذا أردتَ أن تؤرخ للثورة العرابية مثلاً وضعت الحدث أولاً، ثم ذكرتَ الأشخاص التي تدور حوله، فإنْ أردتَ التأريخ لشخصية عرابي وضعت الشخصية أولاً، ثم أدرت حولها الأحداث.
    وقَصص القرآن يختلف عن غيره من الحكايات والقصص التي نسمعها ونحكيها من وضع البشر وتأليفهم، فهي قصص مُخْتَرعة تُبنى على عُقْدة وَحلِّها، فيأخذ القاصُّ حدثاً، ثم ينسخ حوله أحداثاً من خياله.
    وبذلك يكونون قد أخذوا من القصص اسمه، وعدلوا عن مُسمَّاه، فهم يُسمُّون هذا النسيج قصة، وليست كذلك؛ لأن قصة من قصَّ الأثر اي: مشى على أثره وعلى أقدامه، لا يميل عنها ولا يحيد هنا أو هناك.
    فالقصة ـ إذن ـ التزام حدثيٌّ دقيق لا يحتمل التأليف أو التزييف، وهذا هو الفَرْق بين قَصَص القرآن الذي سماه الحق سبحانه وتعالى:* الْقَصَصُ الْحَقُّ *[آل عمران: 62] و* أَحْسَنَ الْقَصَصِ *[يوسف: 3] وبين قَصَص البشر وتآليفهم.
    القصص الحقُّ وأحسن القصص؛ لأنه ملتزم بالحقيقة لا يتجاوزها، وله غاية سامية أَسْمى من قَصَص دنياكم، فقَصَص الدنيا غايته وخلاصته ـ إن أفلح ـ أن يحميك من أحداث الدنيا، أما قصص القرآن فحمايته أوسع؛ لأنه يحميك في الدنيا والآخرة.
    فإنْ رأيتَ في قصص القرآن تكراراً فاعلم أنه لهدف وغاية، وأنها لقطات شتَّى لجوانب الحدَث الواحد، فإذا ما تجمعتْ لديك كل اللقطات أعطتك الصورة الكاملة للحدث.
    وهنا يقول تعالى: * كَذالِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ *
    كلمتان خفيفتان على اللسان .. ثقيلتان في الميزان .. حبيبتان إلى الرحمن

    سبحان الله وبحمده .. سبحان الله العظيم

  2. #12
    Super Moderator
    رقم العضوية : 2
    تاريخ التسجيل : Jun 2016
    المشاركات: 3,273
    التقييم: 10
    الدولة : الأردن
    العمل : طالب علم
    كَذَلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ مَا قَدْ سَبَقَ وَقَدْ آتَيْنَاكَ مِنْ لَدُنَّا ذِكْرًا (99)

    وفي موضع آخر قال تعالى:* وَكُـلاًّ نَّقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ *[هود: 120].
    فكأن فؤاده صلى الله عليه وسلم كان في حاجة إلى تثبيت؛ لأنه سيتناول كل أحداث الحياة، وسيتعرض لما تشيب لهَوْله الرؤوس، ألم يَقُلْ الحق تبارك وتعالى عن الرسل قبله:* وَزُلْزِلُواْ حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ *[البقرة: 214].
    ألم يُضطهد رسول الله والمؤمنون ويُضربوا ويُحاصروا في الشِّعْب بلا مأوى ولا طعام، حتى أكلوا الجلود وأوراق الشجر؟
    فهذه أحداث وشدائد تضطرب النفس البشرية حين تستقبلها، ولا بُدَّ لها من تأييد السماء لتثبت على الإيمان؛ لذلك يقصُّ الحق ـ تبارك وتعالى ـ على رسوله قصص مَنْ سبقوه في موكب الرسالات ليقول له: لست يا محمد بِدْعاً من الرسل، فقد تحملوا من المشاق كيت وكيت، وأنت سيدهم، فلا بُدَّ أنْ تتحمل من المشاقِّ ما يتناسب ومكانتك، فوطِّن نفسك على هذا.
    فقوله تعالى: * كَذالِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَآءِ مَا قَدْ سَبَقَ * [طه: 99] (كذلِكَ): أي: كما قصصنا عليك قصة موسى وهارون وفرعون والسامريّ نقصُّ عليك قصصاً آخر من أنباء مَنْ سبقُوك من الرسل.
    وأنباء: جمع نبأ، وهو الخبر الهام العظيم، فلا يُقال للأمر التافه نبأ. ومن ذلك قوله تعالى عن يوم القيامة:* عَمَّ يَتَسَآءَلُونَ * عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ *[النبأ: 1ـ2] إنما يُقال " خبر " في أي شيء.
    ثم يقول تعالى: * وَقَدْ آتَيْنَاكَ مِن لَّدُنَّا ذِكْراً * [طه: 99].
    وأكد الإتيان بأنه * مِن لَّدُنَّا * [طه: 99] أي: من عندنا، فلم يَقُلْ مثلاً: آتيناك ذِكْراً. وهذا له معنى؛ لأن كل الكتب التي نزلت على الرسل السابقين نزلت ورُويتْ بالمعنى، ثم صاغها أصحابها بألفاظ من عند أنفسهم، أمَّا القرآن فهو الكتاب الوحيد الذي نزل بلفظه ومعناه؛ لذلك قال * مِن لَّدُنَّا * [طه: 99] أي: مباشرة من الله لرسوله.
    والمتأمّل في تبليغ الرسول وتلقِّيه عن ربه يجد أنه يحافظ على لفظ القرآن، لا يُخْفى منه حرفاً واحداً، كما في قوله تعالى مثلاً:* قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ *[الإخلاص: 1] فكان يكفي في تبليغ هذه العبارة أن يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: الله أحد، لكنه يقول نصّ ما جاءه من ربه مباشرة.
    أرأيتَ لو قلت لولدك: اذهب إلى عمك وقُلْ له: أبي سيزورك غداً، ألاَ يكفي أن يقول الولد: أبي سيزورك غداً؟
    إذن: فالقرآن الذي بين آيدينا هو نفسه كلام الله المنزَّل على محمد صلى الله عليه وسلم لم يتغير فيه حرف واحد لا بالزيادة ولا بالنقصان؛ لأنه نصُّ الإعجاز، وما دام نص الإعجاز فلا بُدَّ أنْ يظلَّ كما قاله الله.
    ومعنى * ذِكْراً * [طه: 99] للذكْر معان متعددة، فيُطلق الذكر، ويُراد به القرآن، كما في قوله تعالى:

    * إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ *[الحجر: 9].
    ويُطلَق ويُراد به الصِّيت والشَّرف والجاه في الدنيا، كما في قوله تعالى:* لَقَدْ أَنزَلْنَآ إِلَيْكُمْ كِتَاباً فِيهِ ذِكْرُكُمْ *[الأنبياء: 10] أي: شرفكم ورِفْعتكم بين الناس، وقال:* وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ *[الزخرف: 44].
    وقد يقول قائل: كيف يكون القرآن ذكراً وشرفاً للعرب، وقد أبان عجزهم، وأظهر ما فيهم من عِيٍّ؟ وهل يكون للمغلوب صِيت وشَرف.
    نقول: كونهم مغلوبين للحق شهادة بأنهم أقوياء، فالقرآن أعجز العرب وهم أمة فصاحة وبلاغة وبيان، والحق ـ سبحانه وتعالى ـ حين يتحدى لا يتحدى الضعيف، إنما يتحدى القوي، ومن الفخر أن تقول: غلبت البطل الفلاني، لكن أيّ فخر في أن تقول: غلبت أيّ إنسان عادي؟
    وكذلك يُطلَق الذكْر على كل كتاب أنزله الله تعالى، كما قال لرسوله صلى الله عليه وسلم:* فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنْتُم لاَ تَعْلَمُونَ *[النحل: 43] أي: أهل الذكر قبلكم، وهم أهل التوراة وأهل الإنجيل.
    ويُطلَق الذكر، ويُراد به فعل العمل الصالح والجزاء من الله عليه، كما قال تعالى:* فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ *[البقرة: 152] أي: اذكروني بالطاعة أذكركم بالخير.
    ويأتي الذكْر بمعنى التسبيح والتحميد، وبمعنى التذكُّر والاعتبار، فله ـ إذن ـ معانٍ متعددة يُحدِّدها السياق.
    لكن، لماذا اختار كلمة (ذكر) ولم يقل مثلاً كتاباً؟
    قالوا: لأن الذكْر معناه أن تذكر الشيء بداية؛ لأنه أمر مهم لا يُنسَى، وهو ذِكْر لأنه يُسْتلهم، ومن الذكر الاعتبار والتذكير، والشيء لا يُذكر إلا إذا كان له أهمية، هذه الأهمية تتناسب مع الأمر من حيث مُدّة أهميته ومقدار أهميته، وكل ذكر لشيء في الدنيا قصارى أمره أنْ يعطيك خير الدنيا، أمّا القرآن فهو الذكر الذي يعطيك خير الدنيا والآخرة؛ لذلك فهو أهم ذكر يجب أنْ يظلَّ على بالك لا يُنسى أبداً.
    إذن: فالقرآن ذِكْر ذُكر أولاً، وذِكْر يُذكَر ثانياً، ويستلهم ذكراً يشمل الزمن كله في الدنيا وفي الآخرة.
    ثم يصف الحق تبارك وتعالى هذا الذكر، فيقول: * مَّنْ أَعْرَضَ عَنْهُ فَإِنَّهُ *
    مَنْ أَعْرَضَ عَنْهُ فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وِزْرًا (100)

    أعرض: نعرف أن الطول أبعد المسافات، وأن العرض أقصر المسافات؛ لذلك لما أراد الحق سبحانه أن يُصوِّر لنا اتساع مُلْكه سبحانه قال:* وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ *[آل عمران: 133] فأتى بالأوسع للأقل، فإن كان عَرْضها السموات والأرض، فما بالك بطولها؟ لا بُدَّ أنه لا نهاية له.
    والإنسان مِنّا له طول، وله عرض، ولا يميز العرض إلا الكتفان، ودائماً مرآهما من الخلف، لا من الأمام؛ لذلك نجد الخياط إذا أراد أنْ يقيس لك الثوب قاسه من الخلف، فعَرْض الإنسان مؤخرته من أعلى.
    وبذلك يكون أعرض عن كذا، يعني: تركه وذهب بعيداً عنه، أو: أعطاه ظهره وانصرف عنه.
    ومن ذلك ما نقوله (اديني عرض كتافك) يعني: در وجهك وانصرف عني، فإنْ كان جالساً نقول (انقُضْ طولك أو اطول) أي: قم وأَرِني طولك، كي تريني عرض أكتافك وتنصرف عني.
    والحق ـ سبحانه وتعالى ، يعطينا صورة من الإعراض للذين يكنزون الذهب والفضة، ولا ينفقونها في سبيل الله، فيقول:* يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَـاذَا مَا كَنَزْتُمْ لأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُواْ مَا كُنتُمْ تَكْنِزُونَ *[التوبة: 35].
    وهكذا ترى ترتيب العذاب حسْب ترتيب الإعراض، فأول ما واجهه السائل قَطَّب جبهته، وكشَّر وبدَتْ عليه ملامح الغضب والضيق، ثم أدار له جنبه، ثم أعطاه ظهره وانصرف عنه.
    والوِزْر: الحِمْل الثقيل، وليْتَه في الدنيا فيمكنك أن تتخلص منه، إما بأنْ يُوضع عنك، وإما أنْ تفوته بالموت، إنما الوِزْر هنا في الآخرة؛ لذلك فهو وزر ثقيل لا ينحط عنك ولا تفوته بالموت، فهو حِمْل لا نهايةَ له ولا أملَ في الخلاص منه. فهو ثقيل ممتد الإيلام، فقد يكون الحمل ثقيلاً إلا أنه مُحبَّب إلى النفس، كمَنْ يحمل شيئاً نافعاً له، أمّا هنا فحِمْل ثقيل مكروه.
    وبعد ذلك يستدرك به على العقوبة، فالذي يأثم يُقال: أتى وزراً.
    * خَالِدِينَ فِيهِ وَسَآءَ *
    خَالِدِينَ فِيهِ وَسَاءَ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حِمْلًا (101)

    ساء: قبح ذلك الحمل يوم القيامة؛ لأن الحمل قد لا يكون قبيحاً إنْ كان خيراً، وإن كان شراً فقد يحمله صاحبه في الدنيا ويزول عنه أمّا الوزر فحِمْل سيىء قبيح، لأنه في دار الخُلْد التي لا نهايةَ لها.
    فمتى يكون ذلك؟
    يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقًا (102)

    وهو يوم القيامة، والصور: هو البوق الذي يُنفخ فيه النفخة الأولى والثانية، كما جاء في قوله تعالى:* وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الأَرْضِ إِلاَّ مَن شَآءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنظُرُونَ *[الزمر: 68].
    وقوله تعالى: * وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمِئِذٍ زُرْقاً * [طه: 102].
    أي: نجمعهم ونسوقهم زُرْقاً، والزُّرْقة هي لونهم، كما ترى شخصاً احتقن وجهه، وازرقَّ لونه بسبب شيء تعرَّض له، هذه الزُّرْقة نتيجة لعدم السلام والانسجام في كيماوية الجسم من الداخل، فهو انفعال داخلي يظهر أثره على البشرة الخارجية، فكأن هَوْلَ القيامة وأحداثها تُحدِث لهم هذه الزرقة.
    والبعض يفسر * زُرْقاً * [طه: 102] أي: عُمْياً، ومن الزُّرْقة مَا ينشأ عنها العمى، ومنها المياه الزرقاء التي تصيب العين وقد تسبب العمى.
    يَتَخَافَتُونَ بَيْنَهُمْ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا عَشْرًا (103)

    أي: في هذه الحال التي يُحشرون فيها زرقاً * يَتَخَافَتُونَ بَيْنَهُمْ * [طه: 103] أي: يُسِرُّون الكلام، ويهمس بعضهم إلى بعض، لا يجرؤ أحد منهم أنْ يجهر بصوته من هَوْل ما يرى، والخائف حينما يلاقي من عدوه مَا لا قِبلَ له به يُخفِي صوته حتى لا يُنبهه إلى مكانه؛ أو: لأن الأمر مَهوُل لدرجة الهلع الذي لا يجد معه طاقة للكلام، فليس في وُسْعه أكثر من الهَمْس.
    فما وجه التخافت؟ وبِمَ يتخافتون؟
    يُسِرُّ بعضهم إلى بعض * إِن لَّبِثْتُمْ إِلاَّ عَشْراً * [طه: 103] يقول بعضهم لبعض: ما لبثنا في الدنيا إلا عشرة أيام، ثم يُوضِّح القرآن بعد ذلك أن العشرة هذه كلامهم السطحي، بدليل قوله في الآية بعدها:* إِذْ يَقُولُ أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً إِن لَّبِثْتُمْ إِلاَّ يَوْماً *[طه: 104].
    فانتهت العشرة إلى يوم واحد، ثم ينتهي اليوم إلى ساعة في قوله تعالى حكاية عنهم:* وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُواْ غَيْرَ سَاعَةٍ *[الروم: 55] فكُلُّ ما ينتهي فهو قصير.
    إذن: أقوال متباينة تميل إلى التقليل؛ كأن الدنيا على سَعة عمرها ما هي إلا ساعة:* كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُواْ إِلاَّ سَاعَةً مِّن نَّهَارٍ *[الأحقاف: 35].
    وما هذا التقليل لمدة لُبْثهم في الدنيا إلا لإفلاسهم وقِلَّة الخير الذي قدَّموه فيها، لقد غفلوا فيها، فخرجوا منها بلا ثمرة؛ لذلك يلتمسون لأنفسهم عُذْراً في انخفاض الظرف الزمني الذي يسَع الأحداث، كأنه لم يكُنْ لديهم وقت لعمل الخير؟؟
    ثم يقول الحق سبحانه: * نَّحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ *
    نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ إِذْ يَقُولُ أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا يَوْمًا (104)

    الحق ـ تبارك وتعالى ـ يقصُّ على رسوله صلى الله عليه وسلم في الدنيا ما سيكون من أمر هؤلاء المجرمين في الآخرة، فإذا ما وقعتْ القيامة جاءت الصورة كما حكاها الله لرسوله هي هي؛ ذلك لأن الله تعالى وسع كل شيء علماً.
    وهذا القول الذي حكاه القرآن عنهم أمر في اخيتارهم، وقد سمعوا ذلك من رسول الله، وبوسعهم ألاَّ يقولوا، لكن إذا جاءت القيامة فسوف يقولونه بالحرف الواحد لا يُغيِّرون منه شيئاً.
    وقوله: * أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً * [طه: 104] يعني: أحسنهم حُكْماً.
    ثم يقول الحق تبارك وتعالى: * وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ *
    وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنْسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا (105)

    تكلمنا عن (يسألونك) في قوله تعالى:* يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ *[البقرة: 219].
    والسؤال استفهام يعني: طلب فَهْم يحتاج إلى جواب، والسؤال إما أن يكون من جاهل لعالم، كالتلميذ يسأل أستاذه ليعلم الجواب، أو: من عالم لجاهل، كالأستاذ يسأل تلميذه ليعرف مكانته من العلم وإقراره بما يعلم.
    وهذه المسألة حَلَّتْ لنا إشكالاً كان المستشرقون يُوغلون فيه، يقولون: بينما الحق ـ تبارك وتعالى ـ يقول:* فَيَوْمَئِذٍ لاَّ يُسْأَلُ عَن ذَنبِهِ إِنسٌ وَلاَ جَآنٌّ *[الرحمن: 39] يقول في آية أخرى:* وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَّسْئُولُونَ *[الصافات: 24] فالأولى تنفي السؤال، والثانية تُثبته؛ لذلك اتهموا القرآن بالتضارب بين آياته.
    وهؤلاء معذورون، فليست لديهم المَلَكة العربية لفَهْم الأداء القرآني، وبيان هذه الإشكال أن السؤال يرِدُ في اللغة إمَّا لتعلمَ ما جهلتَ، وإما لتقرير المجيب بما تعلم أنت ليكون حجة عليه.
    فالحق سبحانه حين يقول:* وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَّسْئُولُونَ *[الصافات: 24] أي: سؤالَ إقرار، لا سؤالَ استفهام، فحين ينفي السؤال ينفي سؤال العلم من جهة المتكلم، وحين يثبت السؤال فهو سؤال التقرير.
    والحدث مرة يُنفَى، ومرة يُثبت، لكن جهة النفي مُنفكَّة عن جهة الإثبات، فمثلاً الحق سبحانه يقول لرسوله صلى الله عليه وسلم:* وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ *[الأنفال: 17].
    فنفى الرمي في الأولى، وأثبته في الثانية، والحدث واحد، المثَبت له والمنفيّ عنه واحد هو محمد صلى الله عليه وسلم. فكيف نخرج من هذا الإشكال؟ أرمَى الرسول أم لم يَرْمِ؟
    ولتوضيح هذه المسألة ضربنا مثلاً بالأب الذي جلس بجوار ولده كي يذاكر دروسه، فأخذ الولد يذاكر، ويُقلِّب صفحات الكتاب، وحين أراد الأب اختبار مدى ما حصَّل من معلومات لم يجد عنده شيئاً، فقال للولد: ذاكرت وما ذاكرت. ذاكرت يعني: فعلت فِعْل المذاكر، وما ذاكرت لأنك لم تُحصِّل شيئاً.
    فرسول الله صلى الله عليه وسلم حينما رمى، أيمكنه أنْ يُوصل هذه الرمية إلى أعين الجيش كله؟ إذن: فرسول الله أخذ قبضة من التراب ورمى بها ناحية الجيش، إنما قدرة الله هي التي أوصلتْ حفنة التراب هذه وذَرَّتْها في أعيُنِ الأعداء جميعاً.
    ومن ذلك أيضاً قوله تعالى:* وَلَـاكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ *[الجاثية: 26] فنفتْ عنهم العلم، وفي آية أخرى:* يَعْلَمُونَ ظَاهِراً مِّنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا *[الروم: 7] فأثبتتْ لهم عِلْماً.
    نعود إلى قوله تعالى: * وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ * [طه: 105] وحينما استعرضنا (يَسْألُونَكَ) في القرآن الكريم وجدنا جوابها مسبوقاً بـ (قُلْ) كما في قوله تعالى:* يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَآ إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ *[البقرة: 219].
    وقوله تعالى* يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ *[البقرة: 189] وهكذا في كل الآيات، ما عدا قوله تعالى هنا * وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنسِفُهَا رَبِّي نَسْفاً * [طه: 105] فاقترن الفعل (قُلْ) بالفاء، لماذا؟
    قالوا: لأن السؤال في كُلِّ هذه الآيات سؤال عن شيء وقع بالفعل، فكان الجواب بقُلْ.

    مثل:* وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى *[البقرة: 222] أما * وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ * [طه: 105] قال في الجواب * فَقُلْ يَنسِفُهَا رَبِّي نَسْفاً * [طه: 105]؛ لأنه حَدَثٌ لم يقع بَعْد.
    والحق ـ سبحانه وتعالى ـ يُخبر رسوله صلى الله عليه وسلم أنه سيُسَأل هذا السؤال، فكأن الفاء هنا دَلَّتْ على شرط مُقدّر، بمعنى: إنْ سألوك بالفعل فقُلْ: كذا وكذا.
    إذن: السؤال عن الجبال لم يكُنْ وقت نزول الآية، أمَّا الأسئلة الأخرى فكانت موجودة، وسُئِلت لرسول الله قبل نزول آياتها.
    وقد تأتي إجابة السؤال بدون (قُلْ) كما في قوله تعالى:* وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ *[البقرة: 186] ولم يقُلْ هنا (قُلْ أو فقُلْ) لأنها تدُّل على الواسطة بين الله تعالى وبين عباده، وكأن الحق ـ سبحانه ـ يُوضّح أنه قريب من عباده حتى عن الجواب بقُلْ.
    وقد تتعجب: كيف تأتي في القرآن كل هذه الأسئلة لرسول الله مع أن القرآن كتاب منهج جاء بتكاليف قد تشقُّ على الناس؛ لأنه يلزمهم بأمور تخالف ما يشتهون، فكان المفروض ألاَّ يسألوا عن الأمور التي لم ينزل فيها حكم.
    نقول: دَلَّتْ أسئلتهم هذه على عِشْقهم لأحكام الله وتكاليفه، فالأشياء التي كانت عاداتٍ لهم في الجاهلية يريدون الآن أنْ يُؤدُّوها على طريقة الإسلام على أنها عبادة، لا مجرد عادة جاهلية.
    مع أن النبي صلى الله عليه وسلم نهاهم عن السؤال فقال: " دعوني ما تركتكم، إنما أهلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم ".
    ومع ذلك سألوا وأرادوا أنْ تُبنَى حياتهم على منهج القرآن من الله، لا على أنه إِلْف عادة كانت له في الجاهلية، إذن: هذه الأسئلة ترسيمُ للأمر من جانب الحق سبحانه وتعالى.
    وقوله تعالى: * فَقُلْ يَنسِفُهَا رَبِّي نَسْفاً * [طه: 105] تكلمنا عن هذا المعنى في قوله تعالى:* لَّنُحَرِّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفاً *[طه: 97] فالمراد: نُفتِّتها ونذروها في الهواء، وأكَّد النسف، فقال* نَسْفاً *[طه: 97] ليؤكد أن الجبل سيتفتت إلى ذرات صغيرة يذروها الهواء.
    فقد يتصوَّر البعض أنْ الجبال تُهَدُّ، وتتحول إلى كُتَل صخرية كما نُفجِّر نحن الصخور الآن إلى قطع كبيرة؛ لذلك أكّد على النسف، وأن الجبال ستكون ذرات تتطاير؛ لذلك قال في آية أخرى:* وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنفُوشِ *[القارعة: 5] أي: كالصوف المندوف.
    لكن، لماذا ذكر الجبال بالذات؟
    قالوا: لأن الإنسان يرى أنه ابْنُ أغيار في ذاته، وابن أغيار فيما حوله مِمَّا يخدمه من حيوان أو نبات، فيرى الحيوان يموت أو يُذبَح، ويرى النبات يذبل ثم يجفّ ويتفتَّت، والإنسان نفسه يموت وينتهي.
    إذن: كل ما يراه حوله بيِّن فيه التغيير والانتهاء، إلا الجبال يراها راسية ثابتة، لا يلحقها تغيير ظاهر على مرِّ العصور.
    لذلك يُضرب بها المثل في الثبات، كما في قوله الحق سبحانه وتعالى:* وَقَدْ مَكَرُواْ مَكْرَهُمْ وَعِندَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِن كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ *[إبراهيم: 46].
    فالجبال مظهر للثبات، فقد يتساءل الإنسان عن هذا الخلْق الثابت المستقر، ماذا سيفعل الله به؟
    ثم يقول الحق سبحانه: * فَيَذَرُهَا قَاعاً صَفْصَفاً *
    فَيَذَرُهَا قَاعًا صَفْصَفًا (106)

    * قَاعاً صَفْصَفاً * [طه: 106]: أرضاً مستوية مَلْساء لا نباتَ فيها ولا بناء، والضمير في * فَيَذَرُهَا * [طه: 106] يعود على الأرض لا على الجبال؛ لأن الجبال لا تكون قاعاً صفصفاً، أمّا الأرض مكان الجبال فتصير ملساء مستوية، لا بناءَ فيها ولا جبال، فالأرض شيءٌ والجبال فوقها شيء آخر.
    ومن ذلك أيضاً قوله تعالى:* قُلْ أَإِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَندَاداً ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ * وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِن فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَآ أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَآءً لِّلسَّآئِلِينَ *[فصلت: 9ـ10].
    فالضمير في* وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَآ أَقْوَاتَهَا *[فصلت: 10] لا يعود على الأرض، إنما على الجبال. لأن الجبال في الحقيقة هي مخازن القُوت ومصدر الخِصْب للأرض، التي هي مصدر القوت، فالإنسان مخلوق من الأرض، واستبقاء حياته من الأرض، فالنبات قوت الإنسان وللحيوان، والنبات والحيوان قوت للإنسان.
    إذن: لا بُدَّ للأرض من خُصُوبة تساعدها وتُمدّها بعناصر الغذاء، ولو أن الخالق ـ عز وجل ـ جعل الأرض هكذا طبقةً واحدة بها المخصّبات لانتهتْ هذه الطبقة بعد عدة سنوات، ولأجدبتْ الأرض بعد ذلك.
    إذن: خلق اللهُ الجبالَ لحكمة، وجعلها مصدراً للخصب الذي يمد الأرض مَدَداً دائماً ومستمراً ما بقيتْ الحياة على الأرض، ومن هذا تتضح لنا حكمة الخالق ـ سبحانه ـ في أن تكون الجبال صَخْراً أصمّ، فإذا ما تعرضت لعوامل التعرية على مَرَّ السنين تتفتتْ منها الطبقة الخارجية نتيجة لتغيُّر الظروف المناخية من حرارة وبرودة.
    ثم تأتي الأمطار وتعمل في الصخر عمل المَبْرَد، وتُكوِّن ما يسمى بالغِرْيَن، فتحمل هذا الفتات إلى الوِدْيان ومجاري الأنهار، وتُوزِّعه على طبقة الأرض، فتزيدها خِصْباً تدريجياً كل عام، وإلاَّ لو كانت الجبال هَشَّة غير متماسكة لانهالتْ في عدة أعوام، ولم تُؤَدِّ هذا الغرض. لذلك نقول: إن الجبال هي مصدر القوت، وليست الأرض.
    ألاَ ترى أن خصوبة الوادي والدلتا جاءت من طمي النيل، والغِرْين الذي يحمله الماء من أعالى أفريقيا. وهذا الغِرْيَن الذي يُنحَتُ من الجبال هو الذي يُسبب الزيادة في رقعة اليابسة، وتستطيع أن تلاحظ هذه الظاهرة في المدن المطِلَّة على البحر، فبعد أن كانت على شاطئه أصبحت الآن داخل الياسبة.
    وقد مثَّلْنَا سابقاً للجبل بأنه مُثلث قاعدته إلى أسفل، والوادي مُثلث قاعدته إلى أعلى، فكل نحْتٍ في الجبل زيادة في الوادي، وكأن الخالق ـ عز وجل ـ جعل هذه الظاهرة لتتناسبَ مع زيادة السكان في الأرض.
    وقد حُذِف العائد في * فَيَذَرُهَا * [طه: 106] اعتماداً على ذِهْن السامع ونباهته إلى أنه لا يكون إلا ذلك، كما في قوله تعالى:* قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ *[الإخلاص: 1] فلم يذكر عائد الضمير (هو) لأنه إذا قيل لا ينصرف إلا إلى الحق سبحانه وتعالى، وإنْ لم يتقدم اسمه.
    وكما في قوله تعالى:* حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ *[ص: 32] والمراد: الشمس التي غابت، ففاتتْ سليمان ـ عليه السلام ـ الصلاة، ولم تذكر الآية شيئاً عن الشمس.
    كذلك في:* مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِن دَآبَّةٍ *[فاطر: 45] أي: على الأرض ولم تذكرها الآية، كذلك هنا (فَيذَرُهَا) أي الأرض.
    كلمتان خفيفتان على اللسان .. ثقيلتان في الميزان .. حبيبتان إلى الرحمن

    سبحان الله وبحمده .. سبحان الله العظيم

  3. #13
    Super Moderator
    رقم العضوية : 2
    تاريخ التسجيل : Jun 2016
    المشاركات: 3,273
    التقييم: 10
    الدولة : الأردن
    العمل : طالب علم
    لَا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلَا أَمْتًا (107)

    أي: كأنها مُسْتوية على " ميزان الماء " لا ترى فيها اعوجاجاً ولا (أَمْتاً) يعني: منخفض ومرتفع، فهي مستوية استواءً تاماً، كما نفعل نحن في الجدار، ونحرص على استوائه.
    لذلك نرى المهندس إذا أراد استلام مبنى من المقاول يعتمد إما على شعاع الضوء؛ لأنه مستقيم ويكشف له أدنى عَيْب في الجدار أو على ذرات التراب؛ لأنها تسقط على استقامتها، وبعد عدة أيام تستطيع أن تلاحظ من ذرات التراب ما في الجدار من التواءات أو نتوءات.
    ثم يقول الحق سبحانه: * يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدَّاعِيَ *
    يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدَّاعِيَ لَا عِوَجَ لَهُ وَخَشَعَتِ الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ فَلَا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًا (108)

    الداعي: المنادي، كالمؤذِّن الذي كثيراً ما دعا الناس إلى حضرة الله تعالى في الصلاة، فمنهم مَنْ أجاب النداء، ومنهم مَنْ تأبَّى وأعرض، أما الداعي في الآخرة، وهو الذي ينفخ في الصور فلن يتأبَّى عليه أحد، ولن يمتنع عن إجابته أحد.
    وقوله: * لاَ عِوَجَ لَهُ * [طه: 108] لأننا نرى داعي الدنيا حين يُنادِي في جَمْع الناس، يتجه يميناً ويتجه يساراً، ويدور ليُسمع في كُلِّ الاتجاهات، فإذا لم يَصِلْ صوته إلى كل الآذان استيعاباً يستعمل مُكبِّر الصوت مثلاً، أما الداعي في الآخرة فليس له عوج هنا أو هناك؛ لأنه يُسمِع الجميع، ويصل صوته إلى كل الآذان، دون انحراف أو ميْل.
    ثم يقول تعالى: * وَخَشَعَتِ الأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَـانِ فَلاَ تَسْمَعُ إِلاَّ هَمْساً * [طه: 108] هذا الهمْسُ الذي قال عنه في الآيات السابقة:* يَتَخَافَتُونَ بَيْنَهُمْ *[طه: 103].
    ونعرف أن كل تجمُّع كبير لا تستطيع أنْ تضبط فيه جَلبة الصوت، فما بالك بجَمْع القيامة من لَدُنْ آدم عليه السلام حتى قيام الساعة، ومع ذلك: * وَخَشَعَتِ الأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَـانِ فَلاَ تَسْمَعُ إِلاَّ هَمْساً * [طه: 108] فلماذا كتمت هذه الأصوات التي طالما قالتْ ما تحب، وطالما كان لها جلبة وضجيج؟
    الموقف الآن مختلف، والهَوْل عظيم، لا يجرؤ أحد من الهَوْل على رَفْع صوته، والجميع كُلٌّ منشغل بحاله، مُفكّر فيما هو قادم عليه، فإنْ تحدّثوا تحدّثوا سِرّاً ومخافتة: ماذا حدث؟ ماذا جرى؟
    وكذلك نحن في أوقات الشدائد لا نستطيع الجهر بها، كما حدث لما مات سعد زغلول ـ رحمه الله ـ وكان أحمد شوقي وقتها في لبنان، فسمع الناسَ يتخافتون، ويهمس بعضهم إلى بعض بأن سعداً قد مات، ولا يجرؤ أحد أن يجهر بها لِهَوْل هذا الحادث على النفوس، فقال شوقي:يَطأُ الآذَانَ هَمْساَ والشِّفَاهَا قُلْتُ يا قَوْم اجمعُوا أحْلامكُمْ كُلُّ نَفْسٍ في وَريديْها رَدَاهَاثم يقول الحق تبارك وتعالى: * يَوْمَئِذٍ لاَّ تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ *
    يَوْمَئِذٍ لَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا (109)

    والشفاعة تقتضي مشفوعاً له وهو الإنسان. وشافعاً وهو الأعلى منزلةً، ومشفوعاً عنده: والمشفوع عنده لا يسمح بالشفاعة هكذا ترتجلها من نفسك، إنما لا بُدَّ أنْ يأذنَ لك بها، وأنْ يضعَك في مقام ومرتبة الشفاعة، وهذا شَرْط في الشافع.
    وقوله تعالى: * وَرَضِيَ لَهُ قَوْلاً * [طه: 109] هذه للمشفوع له، أن يقول قولاً يرضى الله عنه ـ وإنْ قصَّر في جهة أخرى ـ وخَيْر ما يقوله العبد ويرضى عنه الله أن يقول: لا إله إلا الله محمد رسول الله، فهذه مَقُولة مَرْضيَّة عند الله، وهي الأمل الذي يُتعلق به، والبُشّْرى لأهل المعاصي؛ لأنها كفيلة أن تُدخِلهم في شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم.
    فإذا كان لديك خَصْلة سيئة، أو نقطة ضعف في تاريخك تراها عقبةً فلا تيأس، وانظر إلى زاوية أخرى في نفسك تكون أقوى، فأكثِرْ بها الحسنات، لأن الحسنات يُذهِبْن السيئات.
    يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا (110)

    معنى * مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ * [طه: 110] ما أمامهم، ويعلم ما خلفهم، أما أنت فلا تحيط به عِلْماً، ولا تعرف إلا ما يُخبرك به، إلا أن تكون هناك مقدمات تستنبط منها، لأن ما ستره الحق في الكون كثير، منه ما جعل له مقدمات، فمَنْ ألمَّ بهذه المقدمات يصل إليها.
    ومع ذلك لا يقال له: عَلِم غيباً. إنما اكتشف غيباً بمقدمات أعطاها له الحق سبحانه وتعالى، كما نعطي التلميذ تمريناً هندسياً، ونذكر له المعطيات، فيستدل بالمعطيات على المطلوب.
    والكون ملىء بالأشياء والظواهر التي إنْ تأملناها وبحثْناها ولم نُعرِض عنها وجدنا فيها كثيراً من الأسرار، فبالنظر في ظواهر الكون اكتشفوا عصر البخار ويسَّروا الحركة على الناس، وبالنظر في ظواهر الكون اكتشف أرشميدس قانون الأجسام الطافية، واكتشفوا البنسلين.. إلخ.
    هذه كلها ظواهر موجودة في كون الله، كانت تنتظر مَنْ يُنقِّب عنها ويكتشفها؛ لذلك ينعى علينا الحق تبارك وتعالى:* وَكَأَيِّن مِّن آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ *[يوسف: 105].
    فلو التفتوا إليها الالتفات الحق لانتفعوا بها.
    لكن هناك أشياء استأثر الله تعالى بعلمها، وقد يعطيها لمن أحبَّ من عباده، ويُطلِعهم عليها، أو تظل في علم الله لا يعرفها أحد.
    ثم يقول الحق سبحانه: * وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ *
    ثلاثة أرباع الحزب32
    وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا (111)

    الوجه أشرف وأكرم شيء في تكوين الإنسان، وهو الذي يُعطِي الشخص سِمَته المميزة؛ لذلك يحميه الإنسان ويحفظه، ألاَ ترى لو أصاب وجهك غُبَار أو تراب أو طين مثلاً تمسحه بيدك، لم تزِدْ على أنك جعلْتَ ما في وجهك في يدك لماذا؟ لأنه أشرف شيء فيك.
    لذلك، كان السجود لله تعالى في الصلاة علامة الخضوع والخشوع والذلَّة والانكسار له عز وجل، ورضيتَ أن تضع أشرف جزءٍ فيك على الأرض وتباشر به التراب، والإنسان لا يعنُو بوجهه إلا لمَنْ يعتقد اعتقاداً جازماً بأنه يستحقُّ هذا السجود، وأن السجود له وحده يحميه من السجود لغيره، كما قال الشاعر:والسُّجُودُ الذِي تَجْتَوِيِه مِن أُلُوفِ السُّجُودِ فيهِ نَجَاةُفاسْجُدْ لواحد يكْفك السجود لسواه، واعمل لوجه واحد يكْفك كل الأوْجُه.
    وقوله: * وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْماً * [طه: 111] حمل: يعني أخذه عبئاً ثقيلاً عليه. والظلم في أصله أنْ تأخذَ خيراً ليس لك لتنتفع به وتزيد ما عندك، فأنت في الظاهر تزداد كما تظن، إنما الحقيقة أنك تُحمِّل نفسك وِزْراً وحملاً ثقيلاً، سوف تنوء به، وازددْتَ إثماً لا خيراً.
    والظلم مراتب ودرجات، أدناها أنْ تأخذ ما ليس لك وإن كان حقيراً لا قيمة له، أو تظلم غيرك بأنْ تتناوله في عِرْضه، ثم ترقى الظلم إلى أنْ تصلَ به إلى القمة، وهو الشرك بالله، كما قال سبحانه:* إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ *[لقمان: 13].
    وهو عظيم؛ لأنك أخذتَ حقّاً لله تعالى، وأعطيته لغيره.
    إذن: فحاول أن تَسْلَم من هذه الآفة؛ لأن الله قال فيها:* إِنَّ اللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآءُ *[النساء: 48].
    ثم يقول الحق سبحانه: * وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ *
    وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا يَخَافُ ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا (112)

    الصالحات: هي الأعمال التي تعود بالخير عليك أو على غيرك، وأضعفُ الإيمان في عمل الصالح أن تترك الصالح في ذاته على صلاحه فلا تفسده، كأن تجد بئراً يشرب منه الناس فلا تطمسه ولا تلوثه. فإنْ رقيت العمل الصالح فيمكنك أن تزيد من صلاحه، فتبنى حوله جداراً يحميه أو تجعل له غطاءً.. إلخ.
    ومن رحمة الله بنا أنه سبحانه حينما حثَّنا على العمل الصالح قال: * مِنَ الصَّالِحَاتِ * [طه: 112] ومن هنا للتبعيض، فيكفي أنْ تفعل بعض الصالحات؛ لأن طاقة الإنسان لا تسع كل الصالحات ولا تقوى عليها، فحسْبُك أن تأخذ منها طرفاً، وآخر يأخذ طرفاً، فإذا ما تجمعتْ كل هذه الأطراف من العمل الصالح من الخلق كوَّنَتْ لنا الصلاح الكامل.
    كما سبق أن ذكرنا أن ليس بوسع أحد منا أن يجمع الكمال المحمدي في أخلاقه، والرسول صلى الله عليه وسلم يقول: " الخير فيَّ ـ حقاً ـ وفي أمتي إلى يوم القيامة ".
    ففي كل فرد من أفراد الأمة خصلة من خصال الخير، بحيث إذا تجمعت خصال الكمال في الخلق أعطتنا الكمال المحمدي.
    وقوله: * وَهُوَ مُؤْمِنٌ * [طه: 112] لأن الإيمان شرط في قبول العمل الصالح، فإنْ جاء العمل الصالح من غير المؤمن أخذ أجره في الدنيا ذِكْراً وشُهْرة وتخليداً لذكراه، فقد عمل ليقال وقد قيل، وانتهتْ المسألة.
    ثم يقول تعالى: * فَلاَ يَخَافُ ظُلْماً وَلاَ هَضْماً * [طه: 112] والظلم هنا غير الظلم في قوله تعالى:* وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْماً *[طه: 111] فالظلم هنا من الإنسان لنفسه أو لغيره، إنما * فَلاَ يَخَافُ ظُلْماً وَلاَ هَضْماً * [طه: 112] أي: ظُلْماً يقع عليه، بألاَّ يأخذ حقه على عمله، بمعنى أننا لا نعاقبه على سيئة لم يعملها، ولا نضيع عليه ثواب حسنة عملها؛ لأن الحق سبحانه لا يظلم الناس مثقال ذرة.
    * وَلاَ هَضْماً * [طه: 112] الهَضْم يعني النقصان، فلا ننقصه أجره وثوابه، ومنه هضم الطعام، فكمية الطعام التي نأكلها تُهضَم ثم تُمتصّ، وتتحول إلى سائل دموي، فتأخذ حَيِّزاً أقل، ومنه نقول: فلان مهضوم الحق. يعني: كان له حق فلم يأخذه.
    لكن، ما فائدة عطف (هَضْماً) على (ظُلْماً) فنَفْي الظلم نَفْي للهضم؟ نقول: لأنه مرة يُبطل الثواب نهائياً، ومرة يُقلِّل الجزاء على الثواب.
    ثم يقول الحق سبحانه: * وَكَذالِكَ أَنزَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً *
    وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا وَصَرَّفْنَا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْرًا (113)

    (كَذَلِكَ) أي: كالإنزال الذي أنزلناه إلى الأمم السابقة، فكما أرسلنا إليهم رُسُلاً أرسلنا إلى الأمم المعاصرة لك رسلاً، إلا أنْ فارق الرسالات أنهم بُعِثُوا لزمان محدود، في مكان محدود، وبُعثْتَ للناس كافّة، وللزمان كافة إلى أنْ تقوم الساعة.
    ونفهم من كلمة * أَنزَلْنَاهُ * [طه: 113] أن المُنزَّل أعلى من المُنزَّل عليه، فالإنزال من شيء عالٍ، وكأن الحق ـ تبارك وتعالى ـ يلفت أنظارنا ويُصعِّد هممنا، فيقول: لا تهبطوا إلى مستوى تشريع الأرض؛ لأنه يُقنِّن للحاضر ويجهل المستقبل، ويتحكم فيه الهوى فتغيب عنه أشياء فيحتاج إلى استدراك.
    لذلك، حين ينادينا إلى منهجه العلوي يقول:* قُلْ تَعَالَوْاْ *[الأنعام: 151] يعني: اعلوا وخُذُوا منهجكم من أعلى، لا من الأرض.
    * قُرْآناً * [طه: 113] يعني: مقروء، كما قال* كِتَاباً *[الأنبياء: 10] يعني: مكتوب، ليُحفظ في الصدور وفي السطور. وقال * قُرْآناً عَرَبِيّاً * [طه: 113] مع أن النبي صلى الله عليه وسلم مُرْسَل إلى الناس كافة في امتداد الزمان والمكان، والقرآن نزل معجزة للجميع.
    قالوا: لأنه صلى الله عليه وسلم هو المباشر لهذه الأمة العربية التي ستستقبل أول دعوة له، فلا بُدَّ أنْ تأتي المعجزة بلسانها، كما أن معجزة القرآن ليستْ للعرب وحدهم، إنما تحدٍّ للإنس والجن على امتداد الزمان المكان.
    كما قال سبحانه:* قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هَـاذَا الْقُرْآنِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ *[الإسراء: 88].
    فالقرآن تحدٍّ لكل الأجناس: الروسي، والأمريكي، والياباني، والدنيا كلها، ومعهم الجن أيضاً. لكن لماذا والجن أيضاً داخل في مجال التحدي؟
    قالوا: لأن العرب قديماً كانوا يعتقدون أن لكل شاعر أو خطيب مفوه شيطاناً يمُدُّه ويُوحِي إليه؛ لذلك أدخل الجن أيضاً في هذا المجال.
    وقد يقول قائل: وكيف نتحدّى بالقرآن غير العرب وهو بلسان عربي، فهو حجة على العرب دون غيرهم؟
    نقول: وهل إعجاز القرآن من حيث أسلوبه العربي وأدائه البياني فقط؟ لا، فجوانب الإعجاز في القرآن كثيرة لا تختلف فيها اللغات، فهل تختلف اللغات في التقنين لخير المجتمع؟ ألم يأْتِ القرآن بمنهج في أمة بدوية أمية يغزو أكبر حضارتين معاصرتين له، هما حضارة فارس في الشرق، وحضارة الروم في الغرب؟ ألم تكُنْ هذه الظاهرة جديرةً بالتأمل والبحث؟
    ثم الكونيات التي تحدَّث القرآن عنها منذ ما يزيد على أربعة عشر قرناً، وما زال العلم الحديث يكتشفها الآن.
    إذن: طبيعي أن يأتي القرآن عربياً؛ لأنه نزل على رسول عربي، وفي أمة عربية، والحق سبحانه يقول:* وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ *[إبراهيم: 4].
    فهم الذين يستقبلون الدعوة، وينفعلون لها، ويقتنعون بها، ثم ينساحون بها في شتَّى بقاع الأرض، ومن العجيب أنهم بدعوة القرآن أقنعوا الدنيا التي لا تعرف العربية، أقنعوها بالمبادىء والمناهج التي جاء بها القرآن؛ لأنها مبادىء ومناهج لا تخلتف عليها اللغات.

    ثم يقول تعالى: * وَصَرَّفْنَا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ * [طه: 113] أي: حينما ينذر القرآن بشيء يُصرف هذا الإنذار على أوجه مختلفة، ويُكرَّر الإنذار لينبه أهل الغفلة.
    يعني: لوَّنا فيه كل أساليب الوعد والوعيد، فكل أسلوب يصادف هوى في نفس أحد المستقبلين، فخطابنا الأهواء كلها بكل مستوياتها، فالعالم والجاهل ومتوسط الفكر، الكل يجد في القرآن مَا يناسبه؛ لأنه يُشرِّع للجميع، للفيلسوف وللعامي، فلا بُدَّ أنْ يكون في القرآن تصريفٌ لكل ألوان الملكات ليقنع الجميع.
    وفي القرآن وَعْد ووعيد، فلكل منهما أهْل، ومَنْ لم يَأْتِ بالإغراء بالخير يأتي بأن ينزعه بالقوة والجبروت، كما قال الشاعر:أَنَاةٌ فَإِنْ لم تُغْنِ عَقَّبَ بعدَها وَعِيداً فَإنْ لم يُغْن أغنَتْ عَزَائمهُوفي الأثر: " إن الله ليزع بالسلطان ما لايزع بالقرآن ".
    والإنذار والتخويف نعمة من الله، كما ورد في سورة الرحمن، حيث يقول تعالى:* مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ * بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لاَّ يَبْغِيَانِ * فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ *[الرحمن: 19ـ21] فهذه نعم من الله.
    أما قوله:* يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِّن نَّارٍ وَنُحَاسٌ فَلاَ تَنتَصِرَانِ * فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ *[الرحمن: 35ـ36] فما النعمة في النار والشُّواظ؟
    النعمة أن ينذرك الله بها ويحذرك منها، قبل أنْ تقعَ فيها، ويعظك بها وأنت ما زلتَ في فترة المهلة والتدارك، فلا يأخذك على غِرَّة ولا يتركك على غفلتك. كما تُحذِّر ولدك: إنْ أهملتَ دروسك فسوف تفشل في الامتحان فيحتقرك زملائك، ويحدث لك كيت وكيت، فلم يترك ولده على غَفْلته وإهماله، إلى أنْ يداهمه الامتحان ويُفاجِئه الفشل، أليستْ هذه نعمة؟ أليستْ نصيحة مهمة؟
    والتصريف: يعني التحويل والتغيير بأساليب شتَّى لتناسب استقبال الأمزجة المختلفة عند نزول القرآن لعلها تصادف وَعْياً واهتماماً * لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْراً * [طه: 113].
    * لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ * [طه: 113] الاتقاء عادة يكون للشر والمعاصي المهلكة، أو يُحدِث لهم الذكْر والشرف والرفعة بفعل الخيرات، وهذا من ارتقاءات الطاعة.
    ذلك لأن التكليف قسمان: قسم ينهاك عن معصية، وقسم يأمرك بطاعة، فينهاك عن شُرْب الخمر، ويأمرك بالصلاة، فهم يتقون الأول، ويُحدِث لهم ذِكْراً يوصيهم بعمل الثاني. وما دام القرآن نازلاً من أعلى فلا بُدَّ أن يقول بعدها: * فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ *
    فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا (114)

    * تَعَالَى * [طه: 114] تنزّه وارتفع عن كل ما يُشبه الحادث، تعالى ذاتاً، فليستْ هناك ذاتٌ كذاته، وتعالى صفاتاً فليست هناك صفة كصفته، فإنْ وُجِدَتْ صفة في الخَلْق تشبه صفة في الخالق سبحانه، فخُذْها في ضوء* لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ *[الشورى: 11].
    فالحق سبحانه لا يضنُّ على عبده أنْ يُسميه خالقاً إنْ أوجد شيئاً من عدم، إنما لما تكلم عن خَلْقه سبحانه، قال:* فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ *[المؤمنين: 14].
    فأنت خالق، لكن ربَّك أحسَنُ الخالقين، فأنت خلقتَ من موجود أمّا ربك عز وجل فقد خلق من العدم، أنت خلقتَ شيئاً جامداً على حالة واحدة، والله خلق خَلْقاً حياً نامياً، يُحسُّ ويتحرك ويتكاثر، وسبق أنْ مثَّلنا لذلك ـ ولله المثل الأعلى ـ بصانع الأكواب الزجاجية من الرمال، وأوضحنا الفرق بين خَلْق وخَلْق.
    وقوله تعالى: * فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ * [طه: 114] تلفتنا إلى ضرورة التطلع إلى أعلى في التشريع. فما الذي يُجبرك أنْ تأخذ تشريعاً من عبد مثلك؟ ولماذا يأخذ هو تشريعك؟ إذن: لا بُدَّ أن يكون المشرِّع أعلى من المشرَّع له.
    ومن ألفاظ تنزيه الله التي لا تُقال إلا له سبحانه كلمة (سبحان الله) أسمعتَ بشراً يقولها لبشر؟ وهناك كفرة وملاحدة ومنكرون للألوهية ومعاندون، ومع ذلك لم يقُلْها أحد مَدْحاً في أحد.
    كذلك كلمة (تعالى وتبارك) لا تُقال إلا لله، فنقول: (تباركت ربنا وتعاليت) أي: وحدك لا شريك لك.
    فقوله: * فَتَعَالَى اللَّهُ * [طه: 114] علا قَدْره وارتفع التنزيه ارتفاعاً لا يوصل إليه، أمّا التعالي في البشر فيما بينهم فأمْر ممقوتٌ؛ أما تعالى الحق سبحانه فمن مصلحة الخلق، وهذه اللفتة يُعَبِّر عنها أهل الريف، يقولون (اللي ملوش كبير يشتري له كبير)؛ لأن الكبير هو الذي سيأخذ بيد الضعيف ويدكّ طغيان القوى، فإذا لم يكُنْ لنا كبير نختلف ونضيع.
    إذن: من مصلحة الكون كله أنْ يكونَ الله متعالياً، والحق ليس متعالياً علينا، بل متعالٍ من أجلنا ولصالحنا، فأيُّ مُتعالٍ أو جبار من البشر عندما يعلم أن الله أعلى منه يندكّ جبروته وتعاليه، وأيّ ضعيف يعلم أن له سنداً أعلى لا يناله أحد، فيطمئن ويعيش آمناً وبذلك يحدث التوازن الاجتماعي بين الناس.
    ونحن نحب عبوديتنا لله عز وجل، وإنْ كانت العبودية كلمة بغيضة مكروهة حين تكون عبودية الخَلْق للخَلْق فيأخذ السيد خَيْر عبده، إلا أن العبودية لله شرف وكرامة؛ لأن العبد لله هو الذي يأخذ خَيْر سيده، فأنا عبد لله وعبوديتي له لصالحي أنا، ولن أزيد في مُلْكه شيئاً، ولن ينتفع من ورائي بشيء؛ لأنه سبحانه زوال مُلْكه وزوال سلطانه في الكون قبل أن يخلق الخَلْق، فبقدرته وعظمته خلق، وقبل أنْ توجد أنت أيها الإنسان الطاغي المتمرد أوجد لك الكون كله بما فيه.

    فأنت بإيمانك لن تزيد شيئاً في مُلْك الله، كما جاء في الحديث القدسي: " يا عبادي إنكم لن تملكوا نفعي فتنفعوني، ولن تملكوا ضري فتضروني.. " فأنا إنْ تصرَّفْتُ فيكم فلمصلحتكم، لا يعود عليَّ من ذلك شيء.
    وقوله تعالى: * الْمَلِكُ الْحَقُّ * [طه: 114] لأن هناك ملوكاً كثيرين، أثبتَ الله لهم الملْك وسمَّاهم مُلُوكاً، كما قال سبحانه:* وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ *[يوسف: 50] وقال:* أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَآجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ *[البقرة: 258].
    إذن: في الدنيا ملوك، لكنهم ليسوا مُلوكاً بحق، الملك بحق هو الله؛ لأن ملوك الدنيا ملوك في مُلْك موهوب لهم من الله، فيمكن أن يفوت مُلْكَه، أو يفوته المْلكُ، وأيُّ مُلْك هذا الذي لا يملكه صاحبه؟ أيّ مُلْك هذا الذي يُسلب منك بانقلاب أو بطلقة رصاص؟
    إذن: الملِك الحق هو الله، وإن ملَّك بعض الخلق شئون بعض لمصلحتهم، فهو سبحانه الذي يهَب الملْك، وهو الذي ينزعه إن أراد:* تُؤْتِي الْمُلْكَ مَن تَشَآءُ وَتَنزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَآءُ وَتُعِزُّ مَن تَشَآءُ وَتُذِلُّ مَن تَشَآءُ *[آل عمران: 26].
    فالحق سبحانه له الملْك الحق، ويهَبُ من مُلْكه لمَنْ يشاء، لكن يظل المَلِك وما مَلَكه في قبضة الله؛ لأنه سبحانه قيُّوم على خَلْقه لا يخرج أحد عن قيوميته.
    وقد نسمع مَنْ يسبُّ الملوك والرؤساء، ومَنْ يخوض في حقهم، وهو لا يدري أن مُلْكهم من الله، فهو سبحانه الذي ملّكهم وفوَّضهم، ولم يأخذ أحد منه مُلْكاً رَغْماً عن الله، فلا تعترض على اختيار الله واحترم مَنْ فوَّضه الله في أمرك، واعلم أن في ذلك مصلحة البلاد والعباد، ومَنْ يدريك لعلَّ الطاغية منهم يصبح غَداً واحداً من الرعية.
    إذن: الحق سبحانه ملَّك بعض الناس أمْر بعض: هذا يتصرف في هذا، وهذا يملك هذا لتسير حركة الكون، فإذا كانت القيامة، قال عز وجل:* لِّمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ *[غافر: 16] هذا هو الملْك الحق.
    كلمتان خفيفتان على اللسان .. ثقيلتان في الميزان .. حبيبتان إلى الرحمن

    سبحان الله وبحمده .. سبحان الله العظيم

  4. #14
    Super Moderator
    رقم العضوية : 2
    تاريخ التسجيل : Jun 2016
    المشاركات: 3,273
    التقييم: 10
    الدولة : الأردن
    العمل : طالب علم
    ومن عظمته في التعالى أنه يريحك هو سبحانه بعمله لك، فيقول لك: نَمْ مِلْءَ جفونك، فأنا لا تأخذني سِنَة ولا نوم، نَمْ فلكَ رب قيوم قائم على أمرك يرعاك ويحرسك.
    ومن معاني * الْمَلِكُ الْحَقُّ * [طه: 114] أي: الثابت الذي لا يتغير، وكُلُّ ظاهرة من ظواهر القوة في الكون تتغير إلا قوة الحق ـ تبارك وتعالى ـ لذلك يُلقِي سبحانه أوامره وهو واثق أنها ستُنفذ؛ لأنه سبحانه مِلكٌ حقّ، بيده ناصية الأمور كلها، فلو لم يكُنْ سبحانه كذلك، فكيف يقول للشيء: كُنْ فيكون؟ فلا يعصاه أحد، ولا يخرج عن طَوْعه مخلوق، فيقول له: كُنْ فلا يكون.
    فالحق ـ تبارك وتعالى ـ أنزل القرآن عربياً، وصرَّف فيه من الوعيد لعلهم يتقون أو يحدث لهم ذكراً؛ لأنه من حقه أن يكون له ذلك؛ لأنه مَلِك حق ليس له هوى فيما شرع؛ لذلك يجب أن تقبل تشريعه، فلا يطعن في القوانين إلا أن تصدر عن هوى، فإنْ قنَّن رأسمالي أعطَى الامتياز للرأسماليين، وإنْ قنَّن فقير أعطى الامتياز للفقراء، والله عز وجل لا ينحاز لأحد على حساب أحد.

    وأيضاً يجب في المقنِّن أن يكون عالماً بمستجدَّات الأمور في المستقبل، حتى لا يستدرك أحد على قانون فيُغيِّره كما يحدث معنا الآن، وتضطرنا الأحداث إلى تغيير القانون؛ لأننا ساعة شرعناه غابتْ عنا هذه الأحداث، ولم نحتط لها؛ لذلك لا استدراكَ على قانون السماء أبداً.
    وطالما أن الحق سبحانه وتعالى هو * الْمَلِكُ الْحَقُّ * [طه: 114] فلا بُدَّ أنْ يضمن للخلق أنْ يصلهم الكتاب والمنهج كما قاله سبحانه، لا تغيير فيه؛ لذلك قال عز وجل:* إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ *[الحجر: 9].
    نحن الذين سنحفظه؛ لأن البشر جُرِّبوا في حِفْظ مناهج السماء، ولم يكونوا أمناء عليها، فغيَّروا في التوراة وفي الإنجيل وفي الكتب المقدَّسة، إما بأن يكتموا بعض ما أنزل الله، وإما أنْ ينسُوا بعضه، والذي ذكروه لم يتركوه على حاله بل حرَّفوه. وإنْ قُبِل منهم هذا كله فلا يُقبَل منهم أنْ يفتَرُوا على الله فيُؤلِّفون من عندهم، ويقولون:* هُوَ مِنْ عِنْدِ اللًّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِندِ اللَّهِ *[آل عمران: 78].
    ذلك لأن الحفْظ للمنهج كان موكولاً للبشر تكليفاً، والتكليف عُرْضَة لأنْ يُطَاع، ولأن يُعْصَى، كما قال تعالى:* إِنَّآ أَنزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُواْ لِلَّذِينَ هَادُواْ وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُواْ مِن كِتَابِ اللَّهِ *[المائدة: 44].
    أي: طلب منهم أن يحفظوها بهذا الأمر التكليفي، فعَصَوْه نسياناً، وكتماناً، وتحريفاً، وزيادة؛ لذلك تولّى الحق ـ تبارك وتعالى ـ حفْظ القرآن؛ لأنه الكتاب الخاتم الذي لا استدراكَ عليه، وضمن سبحانه للقرآن ألاَّ يُحرَّف بأيِّ وجه من أَوْجُه التحريف.
    فاطمئنوا إلى أن القرآن كتاب الله الذي بين أيديكم هو كلام الله الذي جاء من علمه تعالى في اللوح المحفوظ الذي قال عنه:* فِي كِتَابٍ مَّكْنُونٍ * لاَّ يَمَسُّهُ إِلاَّ الْمُطَهَّرُونَ *[الواقعة: 78ـ79].
    ثم نزل به الروح الأمين، وهو مُؤتَمن عليه لم يتصرَّف فيه، ثم نزل على قلب سيد المرسلين الذي قال الله عنه:* وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الأَقَاوِيلِ * لأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ *[الحاقة: 44ـ45].
    إذن: حُفِظ القرآن عِلْماً في اللوح المحفوظ، وحُفِظ في أمانة مَنْ نزل به من السماء، وحُفِظ في مَنْ استقبله وهو النبي صلى الله عليه وسلم، فلا حجةَ لنا بعد أن جمع الحق ـ سبحانه وتعالى ـ للقرآن كُلَّ ألوان الحفظ.
    لذلك كان ولا بُدَّ حين يُنزِل الله القرآن على رسوله أن يقول له: * فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ * [طه: 114] فليست هناك حقيقة بعد هذا أبداً، وليس هناك شيء ثابت ثبوتَ الحق سبحانه وتعالى.

    ثم يقول تعالى * وَلاَ تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِن قَبْلِ أَن يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ * [طه: 114] وهذه مُقدِّمات ليطمئن رسول الله على حِفْظ القرآن؛ لأنه صلى الله عليه وسلم كان ينزل عليه الوحي، فيحاول إعادته كلمة كلمة. فإذا قال الوحي مثلاً:* قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ *[الجن: 1] فيأخذ الرسول من تكرارها في سِرَّه ويُردِّدها خلف جبريل عليه السلام مخافة أنْ ينساها لشدة حِرْصه على القرآن.
    فنهاه الله عن هذه العجلة * وَلاَ تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ * [طه: 114] أي: لا تتعجل، ولا تنشغل بالتكرار والترديد، فسوف يأتيك نُضْجها حين تكتمل، فلا تَخْشَ أنْ يفوتك شيءٌ منه طالما أنني تكفَّلْتُ بحِفْظه؛ لذلك يقول له في موضع آخر:* سَنُقْرِئُكَ فَلاَ تَنسَى *[الأعلى: 6].
    فاطمئن ولا تقلق على هذه المسألة؛ لأن شغلك بحفظ كلمة قد يُفوِّت عليك أخرى.
    والعَجَلة أنْ تُخرِج الحدث قبل نُضْجه، كأن تقطف الثمرة قبل نُضْجها وقبل أوانها، وعند الأكل تُفَاجأ بأنها لم تَسْتَوِ بعد، أو تتعجل قَطْفها وهي صغيرة لا تكفي شخصاً واحداً، ولو تركتها لأوانها لكانت كافية لعدة أشخاص.
    والقرآن كلام في مستوى عَالٍ من البلاغة، وليس كلاماً مألوفاً له يسهُل عليه حِفْظه؛ لذلك كان حريصاً على الحِفْظ والتثبيت.
    وفي آية أخرى يُوضِّح الحق سبحانه هذه المسألة:* لاَ تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ * إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ * فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ *[القيامة: 16ـ18] أي: لما تكتمل الآيات فلكَ أنْ تقرأها كما تحب.
    وهذه الظاهرة من معجزات النبي صلى الله عليه وسلم، نبي ينزل عليه عدة أرباع من القرآن، أو السورة كاملة، ثم حيث يُسري عنه الوحي يعيدها كما أُنزِلتْ عليه، ولك أن تأتي بأكثر الناس قدرة على الحفظ، واقرأ عليه المدة عشر دقائق مثلاً من أي كتاب أو أي كلام، ثم اطلب منه إعادة ما سمع فلن يستطيع.
    أما النبي صلى الله عليه وسلم فكان يأمر الكَتبة بكتابة القرآن، ثم يمليه عليهم كما سمعه، لا يُغير منه حرفاً واحداً، بل ويُملي الآيات في موضعها من السور المختلفة فيقول: " ضعوا هذه في سورة كذا، وهذه في سورة كذا ".
    ولو أن السورة نزلت كاملة مرة واحدة لكان الأمر إلى حَدٍّ ما سهلاً، إنما تنزل الآيات متفرقة، فإذا ما قرأ صلى الله عليه وسلم في الصلاة مثلاً قرأ بسورة واحدة نزلتْ آياتها متفرقة، هذه نزلت اليوم، وهذه نزلت بالأمس، وهكذا، ومع ذلك يقرؤها مُرتَّبة آية آية.
    وقوله تعالى بعدها:* ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ *[القيامة: 19] وخاطب النبي في آية أخرى:* وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ *[النحل: 44] فالبيان من الله تعالى والتبيين من النبي صلى الله عليه وسلم.

    ومعنى: * مِن قَبْلِ أَن يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ * [طه: 114] أي: انتظر حتى يسري عنك، لكن كيف يعرف الرسول ذلك؟ كيف يعرف أن الحالة التي تعتريه عند نزول الوحي قد زالتْ؟ والصحابة يصفون حال النبي صلى الله عليه وسلم عند نزول الوحي عليه فيقولون: كنا نسمع حول رأسه كغطيط النحل، وكان جبينه يتفصد عرقاً، ويبلغ منه الجهد مبلغاً، وإن نزل الوحي وهو على دابة كانت تنخ برسول الله؛ لأن الله تعالى قال:* إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلاً ثَقِيلاً *[المزمل: 5].
    إذن: هناك آيات مادية تعرض لرسول الله عند نزول الوحي؛ لأن الوَحْي من مَلَك له طبيعته التكوينية التي تختلف وطبيعة النبي البشرية، فلكي يتم اللقاء بينهما مباشرة لا بُدَّ أنْ يحدث بينهما نوعٌ من التقارب في الطبيعة،ـ فإمّا أن يتحول الملَك من صورته الملائكية إلى صورة بشرية، أو ينتقل رسول الله من حالته البشرية إلى حالة ملائكية ارتقائية حتى يتلقّى عن الملك.
    لذلك، كانت تحدث لرسول الله تغييرات كيماوية في طبيعته، هذه التغييرات هي التي تجعله يتصبَّبُ عَرَقاً حتى يقول: " زملوني زملوني " أو " دثروني دثروني " لما حدث في تكوينه من تفاعل.
    فكان الوحي شاقاً على رسول الله خاصة في أوله، فأراد الحق ـ سبحانه ـ أنْ يُخفِّف عن رسوله هذه المشقة، وأنْ يُريحه فترة من نزول الوحي ليريحه من ناحية وليُشوِّقه للوحي من ناحية أخرى، فقال تعالى:* أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ * وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ * الَّذِي أَنقَضَ ظَهْرَكَ *[الشرح: 1ـ3] والوِزْر هو الحِمْل الثقيل الذي كان يحمله رسول الله في نزول الوحي عليه.
    فلما فتر الوحي عن رسول الله شمتَ به الأعداء، وقالوا: إن ربَّ محمد قد قلاه. سبحان الله، أفي الجَفْوة تذكرون أن لمحمد رباً؟ ألستم القائلين له: كذاب وساحر؟ والآن أصبح له رب لأنه قلاه؟
    وما فهم الكفار أن فتور الوحي لحكمة عالية، أرادها ربُّ محمد، هي أنْ يرتاح نفسياً من مشقة هذه التغيرات الكيماوية في تكوينه، وأنْ تتجدد طاقته، ويزداد شوقه للقاء جبريل من جديد، والشَّوْق إلى الشيء يُهوِّن الصعاب في سبيله. كما يسير المحب إلى حبيبه، لا تمنعه مشاقّ الطريق.
    فردَّ الله على الكافر:* وَالضُّحَى * وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى * مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى * وَلَلآخِرَةُ خَيْرٌ لَّكَ مِنَ الأُولَى * وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى *[الضحى: 1ـ5].
    فنفى عن رسوله ما قاله الكفار، ثم عدَّل عبارتهم: إن ربَّ محمد قد قلاه فقال:* مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى *[الضحى: 3] هكذا بكاف الخطاب؛ لأن التوديع قد يكون للحبيب.
    أمَّا في قوله:* وَمَا قَلَى *[الضحى: 3] فلم يأْتِ هنا بكاف الخطاب حتى مع النفي، فلم يقُلْ (وما قلاك)؛ لأن النفي مع ضمير المخاطب يُشْعِر بإمكانية حدوث الكُره لرسول الله.

    كما لو قلت: أنا لم أرَ شيخ الأزهر يشرب الخمر، أمدحتَ شيخ الأزهر بهذا القول أم ذَمَمْته؟ الحقيقة أنك ذممته؛ لأنك جعلته مظنة أن يحدث منه ذلك.
    فهذا التعبير القرآني يعطي لرسول الله منزلته العالية ومكانته عند ربه عز وجل.
    لكن، ما الحكمة في أن الحق ـ تبارك وتعالى ـ أقسم في هذه المسألة بالضحى وبالليل إذا سَجَى؟ وما صلتهما بموضوع غياب الوحي عن رسول الله؟
    الله عز وجل يريد بقوله:* وَالضُّحَى * وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى *[الضحى: 1ـ2] أن يرد هؤلاء إلى ظاهرة كونية مُشَاهدة ومُعْتَرف بها عند الجميع، وهي أن الله خلق النهار وجعله مَحلاً للحركة والنشاط والسعي، وخلق الليل وجعله مَحَلاً للراحة والسكون، فيرتاح الإنسان في الليل ليعاود نشاطه في الصباح من جديد.
    وهكذا أمر الوحي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما أجهده الوحي احتاج إلى وقت يرتاح فيه، لا لتنتهي المسألة بلا عودة، بل ليُجدِّد نشاط النبي، ويُشوِّقه للوحي من جديد؛ لذلك بشَّره بقوله:* وَلَلآخِرَةُ خَيْرٌ لَّكَ مِنَ الأُولَى *[الضحى: 4] أي: انتظر يا محمد، فسوف يأتيك خير كثير.
    فالحق سبحانه يُرجِعهم إلى ظواهر الكون، وإلى الطبيعة التي يعيشون عليها، فأنتم ترتاحون من عَناء النهار بسكون الليل، فلماذا تنكرون على محمد أن يرتاح من عناء الوحي ومشقته؟ وهل راحتكم في سكون الليل تعني دوام الليل وعدم عودة النهار؟
    وقوله تعالى: * وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْماً * [طه: 114] هذا توجيه للنبي صلى الله عليه وسلم للاستزادة من العلم، فما دُمْتَ أنت يا رب الحافظ فزِدْني منه، ذلك لأن رسول الله سيحتاج إلى علم تقوم عليه حركة الحياة من لَدُنْه إلى أن تقوم الساعة، عِلْمٌ يشمل الأزمنة والأمكنة، فلا بُدَّ له أنْ يُعَدَّ الإعدادَ اللازم لهذه المهمة.
    ثم يقول الحق سبحانه: * وَلَقَدْ عَهِدْنَآ إِلَى ءَادَمَ *
    وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا (115)

    كأن الحق ـ تبارك وتعالى ـ يُعزِّي رسوله صلى الله عليه وسلم ويُخفِّف عنه ما يعانيه من كفر القوم وعنادهم بقوله له: اقبلهم على عِلاَّتهم، فهُمْ أولاد آدم، والعصيان أمر وارد فيهم، وسبق أن عهدنا إلى أبيهم فنسى، فإذا نسى هؤلاء فاقبل منهم فهم أولاد " نسَّاي ".
    لذلك، إذا أوصيتَ أحداً بعمل شيء فلم يَقُمْ به، فلا تغضب، وارجع الأمر إلى هذه المسألة، والتمس له عُذْراً.
    وقوله: * عَهِدْنَآ إِلَى ءَادَمَ * [طه: 115] أي: أمرنا ووصَّيْنا ووعظنا، وقلنا كل شيء.
    * مِن قَبْلُ * [طه: 115] هذه الكلمة لها دَوْر في القرآن، وقد حسمتْ لنا مواقف عدة، منها قوله هنا عن آدم والمراد: خُذْ لهم أُسْوة من أبيهم الذي كلّفه الله مباشرة، ليس بواسطة رسول الله، وكلّفه بأمر واحد، ثم نهاه أيضاً عن أمر واحد: كُل من كُلِّ الجنة إلا هذه بأمر واحد، ثم نهاه أيضاً عن أمر واحد: كُل من كُلِّ الجنة إلا هذه الشجرة، هذا هو التكليف، ومع ذلك نسى آدم ما أُمِر به.
    إذن: حينما يأتي التكليف بواسطة رسول، وبأمور كثيرة، فمَنْ نسى من ولد آدم فيجب أنْ نعذره ونلتمس له عذراً، ولكثرة النيسان في ذرية آدم قال تعالى:* وَإِنِّي لَغَفَّارٌ *[طه: 82] بالمبالغة؛ لأن الجميع عُرْضَة للنسيان وعُرْضة للخطأ، فالأمر ـ إذن ـ يحتاج إلى مغفرة كثيرة.
    كذلك جاءتْ (من قبل) في قوله تعالى:* فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَآءَ اللَّهِ مِن قَبْلُ *[البقرة: 91].
    فكان لها دور ومَغْزى، فلو قال الحق سبحانه: فَلِمَ تقتلون أنبياء الله؟ فحسْب، فربما جرَّأهم على الاعتداء على رسول الله أنْ يقتلوه، أو يفهم منها رسول الله أنه عُرْضة للقتل كما حدث مع سابقيه من الأنبياء. لذلك قيَّدها الحق ـ تبارك وتعالى ـ وجعلها شيئاً من الماضي الذي لن يكون، فهذا شيء حدث من قبل، وليس هذا زمانه.
    وقوله: * فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً * [طه: 115] أي: نسي العَهْد، هذه واحدة. * وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً * [طه: 115] ليس عنده عزيمة قوية تُعينه على المضيِّ والثبات في الأمر.
    فالحق ـ تبارك وتعالى ـ يريد أن يعطينا فكرة بأنه سبحانه حين يأمر بأمْر فيه نفع لك تتهافت عليه، أمّا إذا أمر بشيء يُقيِّد شهواتك تأبَّيْتَ وخالفتَ، ومن هنا احتاج التكليف إلى عزيمة قوية تعينك على المضيّ فيه والثبات عليه، فإنْ أقبلتَ على الأمر الذي يخالف شهوتك نظرتَ فيه وتأملتَ: كيف أنه يعطيك شهوة عاجلة زائلة لكن يعقبها ذلٌّ آجل مستمر، فالعَزْم هنا ألاَّ تغريك الشهوة.
    ألا ترى أن الله تعالى سمَّى الرسل أصحاب الدعوات والرسالات الهامة في تاريخ البشرية* أُوْلُواْ الْعَزْمِ *[الأحقاف: 35] لأنهم سيتحملون مشاقَ ومهامَ صعبة تحتاج إلى ثبات وصبر على التكليف.

    ومن ذلك أيضاً قوله تعالى:* خُذُواْ مَآ ءَاتَيْنَاكُم بِقُوَّةٍ *[البقرة: 63] أي: عزيمة تدفع إلى الطاعات، وتمنع من المعاصي.
    ومسألة نسيان العبد للمنهيات التي يترتب عليها عقاب وعذاب أثارتْ عند الناس مشكلة في القضاء والقدر، فتسمع البعض يقول: ما دام أن الله تعالى كتب عليَّ هذا الفعل فَلِمَ يعاقبني عليه؟
    ونعجب لهذه المقولة، ولماذا لم تَقُلْ أيضاً: لماذا يثيبني على هذا الفعل، ما دام قد كتبه عليَّ؟ لماذا توقفتَ في الأولى و(بلعْت) الأخرى، بالطبع؛ لأن الأولى ليست في صالحك. إذن، عليك أن تتعامل مع ربك معاملة واحدة، وتقيس الأمور بمقياس واحد.
    والعهد الذي أخذه الله على آدم أنْ يأكل رَغَداً من كل نعيم الجنة كما يشاء إلا شجرة واحدة حذَّره من مجرد الاقتراب منها هو وزوجه:* وَلاَ تَقْرَبَا هَـاذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الْظَّالِمِينَ *[البقرة: 35].
    وهذه المسألة تلفتنا إلى أن المحللات كثيرة لا تُعَدُّ ولا تُحْصَى أمّا المحرمات فقليلة معدودة محصورة؛ لذلك حينما يُحدِّثنا الحق سبحانه عن التكليف يقول:* قُلْ تَعَالَوْاْ أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ *[الأنعام: 151] فالمحرَّمات هي التي يمكن حصرها، أما المحللات فخارجة عن نطاق الحَصْر.
    ونلحظ أن الله تعالى حينما يُحذِّرنا من المحرمات لا يُحذِّرنا من مباشرتها، بلْ مِن مجرد الاقتراب منها* وَلاَ تَقْرَبَا هَـاذِهِ الشَّجَرَةَ *[البقرة: 35] ولم يقُلْ: لا تأكلا منها؛ ليظل الإنسان بعيداً عن منطقة الخطر ومظنّة الفِعْل.
    وحينما يُحدِّثنا ربُّنا عن حدوده التي حدَّهَا لنا يقول في الحدّ المحلَّل:* تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلاَ تَعْتَدُوهَا *[البقرة: 229] وفي الحدِّ المحّرم يقول:* تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلاَ تَقْرَبُوهَا *[البقرة: 187] ذلك لأن مَنْ حامَ حول الحِمَى يوشك أنْ يقع فيه.
    وقد كان للعلماء كلام طويل حول ما نسيه آدم عليه السلام، فمنهم مَنْ قال: نسى (كُل من هذه ولا تقرب هذه)، وعلى هذا الرأي لم يَنْسَ آدم لأنه نفَّذ الأمر فأكل مِمّا أحله الله له، أما كونه أكل من الشجرة التي نهاه الله عنها فليس في هذه أيضاً نسيان؛ لأن إبليس ذكّره بهذا النهي فقال:* مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَـاذِهِ الشَّجَرَةِ إِلاَّ أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ *[الأعراف: 20].
    فحينما أكل آدم من الشجرة لم يكُنْ ناسياً ما نهاه الله عنه. إذن: ما المقصود بالنسيان هنا؟
    المقصود أن آدم ـ عليه السلام ـ نسى ما أخبره الله به من عداوة إبليس ـ لعنه الله ـ حين قال له:* إِنَّ هَـاذَا عَدُوٌّ لَّكَ وَلِزَوْجِكَ فَلاَ يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى *[طه: 117].
    والفكر البشري لا بُدَّ أن تفوتَهُ بعض المسائل، ولو كان عند الإنسان يقظه وحَذَر ما انطلى عليه تغفيل إبليس، فتراه يُذكِّر آدمَ بالنهي ولم يَدَعْهُ في غفلته ثم يحاول إقناعه: إنْ أكلتُما من هذه الشجرة فسوف تكونَا ملَكين، أو تكونَا من الخالدين.

    وما دُمْتَ أنت يا أبليس بهذا الذكاء، فلماذا لم تأكل أنت من الشجرة وتكون مَلَكاً أو تكون من الخالدين؟ لماذا تضاءلت فصْرتَ أرنباً تقول:* أَنظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ *[الأعراف: 14].
    إذن: هذا نموذج من تغفيل إبليس لآدم وذريته من بعده، يلفتنا الله تعالى إليه يقول: تيقظوا واحذروا، فعداوته لكم مُسْبقة منذ سجد الجميع لآدم تكريماً، وأَبَى هو أن يسجد.
    فكان على آدم أنْ يُحذِّر عدوه، وأنْ يتحصَّن له بسوء الظن فيه، فينظر في قوله ويفكر في كلامه ويفتش في اقتراحه.
    والبعض يقول: إن خطأ آدم ناتج عن نسيان، فهو خطأ غير مُتعَمَّد، والنسيان مرفوع، كما جاء في الحديث الشريف: " إن الله تجاوز عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه ".
    فهل كان النسيان قديماً لا يُرْفَع، ورُفِع لهذه الأمة إكْراماً لها؟ فأصحاب هذا القول يلتمسون العُذْر لآدم عليه السلام، لكن كيف وقد كلَّفه ربُّه مباشرة، وكلَّفه بأمر واحد، فالمسألة لا تحتمل نسياناً، فإذا نسي آدم مع وحدة التكليف وكَوْنه من الله مباشرة، فهذا على آية حال جريمة.
    ثم يقص الحق سبحانه علينا قصة آدم مع إبليس: * وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلاَئِكَةِ اسْجُدُواْ لأَدَمََ *
    وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى (116)

    الحق ـ تبارك وتعالى ـ يقصُّ علينا قصة آدم عليه السلام، لكن نلاحظ أنه سبحانه أعطانا مُجْمل القصة ومُوجزها في قوله تعالى:* وَلَقَدْ عَهِدْنَآ إِلَى ءَادَمَ مِن قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً *[طه: 115] وأصلْ القصة وترتيبها الطبيعي أنه سبحانه يقول: خلقْتُ آدم بيدي وصوَّرته، وكذا وكذا، ثم أمرْتُ الملائكة بالسجود له ثم قلت له: كذا....
    وعَرْض القصة بهذه الطريقة أسلوبٌ من أساليب التشويق يصنعه الآن المؤلفون والكُتَّاب في قصصهم، فيعطوننا في بداية القصة لقطة لنهايتها؛ لإثارة الرغبة في تتبُّع أحداثها، ثم يعود فيعرض لك القصة من بدايتها تفصيلاً، إذن: هذا لوْنٌ من ألوان الإثارة والتشويق والتنبيه.
    ومن ذلك أسلوب القرآن في قصة أهل الكهف، حيث ذكر القصة مُوجَزة فقال:* أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُواْ مِنْ آيَاتِنَا عَجَباً * إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ فَقَالُواْ رَبَّنَآ آتِنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً وَهَيِّىءْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَداً * فَضَرَبْنَا عَلَى آذَانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَداً * ثُمَّ بَعَثْنَاهُمْ لِنَعْلَمَ أَيُّ الحِزْبَيْنِ أَحْصَى لِمَا لَبِثُواْ أَمَداً *[الكهف: 9ـ12].
    ثم أخذ في عَرْضها تفصيلاً:* نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نبَأَهُم بِالْحَقِّ *[الكهف: 13].
    وقد جاء هذا الأسلوب كثيراً في قَصَص القرآن، ففي قصة لوط ـ عليه السلام ـ يبدأ بنهاية القصة وما حاق بهم من العذاب:* كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ بِالنُّذُرِ * إِنَّآ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ حَاصِباً إِلاَّ آلَ لُوطٍ نَّجَّيْنَاهُم بِسَحَرٍ *[القمر: 33ـ34].
    ثم يعود إلى تفصيل الأحداث:* وَلَقَدْ أَنذَرَهُمْ بَطْشَتَنَا فَتَمَارَوْاْ بِالنُّذُرِ * وَلَقَدْ رَاوَدُوهُ عَن ضَيْفِهِ فَطَمَسْنَآ أَعْيُنَهُمْ فَذُوقُواْ عَذَابِي وَنُذُرِ *[القمر: 36ـ37].
    ومن أبرز هذه المواضع قوله تعالى في قصة موسى وفرعون:* ثُمَّ بَعَثْنَا مِن بَعْدِهِم مُّوسَى بِآيَاتِنَآ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَظَلَمُواْ بِهَا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ *[الأعراف: 103] أي: من بعد موكب الرسالات إلى فرعون وملَئِه فظلموا بها، فانظر كيف كان عاقبة المفسدين، هذا مُجمل القصة، ثم يأخذ في قَصِّ الأحداث بالتفصيل:* وَقَالَ مُوسَى يافِرْعَوْنُ إِنِّي رَسُولٌ مِّن رَّبِّ الْعَالَمِينَ *[الأعراف: 104].
    وهكذا أسلوب القرآن في قصة آدم عليه السلام، يعطينا مُجْمل القصة، ثم يُفصِّلها: * وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلاَئِكَةِ اسْجُدُواْ لأَدَمََ فَسَجَدُواْ * [طه: 116] يعني: إذكر إذ قُلْنا للملائكة* اسْجُدُواْ لأَدَمَ *[البقرة: 34].
    وقبل أن نخوضَ في قصة أبينا آدم ـ عليه السلام ـ يجب أن نشير إلى أنها تكررتْ كثيراً في القرآن، لكن هذا التكرار مقصود لحكمة، ولا يعني إعادة الأحداث، بل هي لقطاتٌ لجوانب مختلفة من الحدَث الواحد تتجمع في النهاية لتعطيك القصة الكاملة من جميع زواياها.
    كما أن الهدف من قَصَص القرآن تثبيت النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأنه سيمرُّ بكثير من الأحداث والشدائد، سيحتاج في كل منها إلى تثبيت، وهذا الغرض لا يتأتَّى إذا سردنا القصة مرة واحدة، كما في قصة يوسف عليه السلام مثلاً.

    قوله تعالى: * وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلاَئِكَةِ اسْجُدُواْ لأَدَمََ فَسَجَدُواْ * [طه: 116] البعض يعترض يقول: كيف تسجد الملائكة لبشر؟ نعم، هم سجدوا لآدم، لكن ما سجدوا من عند أنفسهم، بل بأمر الله لهم، فالمسألة ليستْ سجوداً لآدم، بقدر ما هي إطاعة لأمر الله. ولقائل هذا الكلام: أأنت مَلِكيٌّ أكثر من الملك؟ يعني: أأنت ربانيّ أكثر من الربّ؟
    وما معنى السجود؟ السجود معناه: الخضوع، كما جاء في قوله تعالى:* وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّواْ لَهُ سُجَّدَاً *[يوسف: 100] أي: سجودَ تعظيم وخضوع، لا سجودَ عبادة.
    وآدم ـ عليه السلام ـ هو خليفة الله في الأرض، لكنه ليس الوحيد عليها، فعلى الأرض مخلوقات كثيرة منها المحسّ، كالشمس والقمر والنجوم والهواء والماء والأرض والجبال، وكُلّ ما فيه مصلحة لهذا الخليفة، ومنها ما هو خفيّ كالملائكة التي تدير خفى هذا الكون، فمنهم الحفظة والكتبة، ومنهم المكلَّفون بالريح وبالمطر.. إلخ من الأمور التي تخدم الخَلْق. فلا بُدَّ ـ إذن ـ أن يخضع الجميع لهذا المخدوم الآتي.
    وقد يحلو للبعض أن يقول: لقد ظَلَمنا آدمُ حين عصى ربه، فأنزلنا من الجنة إلى الأرض. نقول: يجب أن نفهم عن الله تعالى، فالحق ـ تبارك وتعالى ـ لم يخلق آدم للجنة التي هي دار الخُلْد، إنما خلقه ليكون خليفة له في الأرض، كما قال سبحانه:* إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً *[البقرة: 30].
    فأوّل بلاغ من الله عن آدم أنه خالقه للأرض لا للجنة. والجنة، وإن كانت تُطلَق على دار الخُلْد ودار النعيم الأُخْروي فهي تُطلَق أيضاً على حدائق وبساتين الدنيا، كما جاء في قول الحق سبحانه:
    * إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَآ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُواْ لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ *[القلم: 17].
    وقوله:* وَاضْرِبْ لهُمْ مَّثَلاً رَّجُلَيْنِ جَعَلْنَا لأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍ *[الكهف: 32].
    إذن: تُطلَق الجنة على شيء في الدنيا يضمُّ كل ما تطلبه النفس وسمَّوْها الجنة؛ لأنها تستر بشجرها وكثافتها مَنْ يدخل فيها، أو جنة لأنها تكفي الإنسان ولا تُحوجه إلى شيء غيرها.
    كلمتان خفيفتان على اللسان .. ثقيلتان في الميزان .. حبيبتان إلى الرحمن

    سبحان الله وبحمده .. سبحان الله العظيم

  5. #15
    Super Moderator
    رقم العضوية : 2
    تاريخ التسجيل : Jun 2016
    المشاركات: 3,273
    التقييم: 10
    الدولة : الأردن
    العمل : طالب علم
    فلا تظلموا آدم بأنه أخرجكم من الجنة؛ لأنه لم يكُنْ في جنة الخُلْد، إنما في مكان أعدَّه الله له، وأراد أنْ يُعطيه في هذا المكان درساً، ويُدرِّبه على القيام بمهمته في الحياة وخلافته في الأرض.
    أرأيتَ ما نفعله الآن من إقامة معسكرات للتدريب في شتى مجالات الحياة، وفيها نتكفّل بمعيشة المتدرب وإقامته ورعايته.
    إنها أماكن مُعدَّة للتدريب على المهام المختلفة: رياضية، أو علمية، أو عسكرية.. الخ.
    هكذا كانت جنة آدم مكاناً لتدريبه قبل أنْ يباشر مهمته كخليفة لله في الأرض، فأدخله الله في هذه التجربة العملية التطبيقية، وأعطاه فيها نموذجاً للتكليف بالأمر والنهي، وحذَّره من عدوه الذي سيتربص به وبذريته من بعده، وكشف له بعض أساليبه في الإضلال والإغواء.
    وهذه هي خلاصة منهج الله في الأرض، وما من رسول إلا وجاء بمثل هذا المنهج: أمر، ونهي، وتكليف، وتحذير من الشيطان ووسوسته حتى يُخرِجنا عن أمر الله ونَهْيه.
    وبعد هذا (الكورس) التدريبي في الجنة عَلِم آدم بالتطبيق العملي أن الشيطان عدوه، وأنه سيُغريه ويخدعه، ثم بعد هذه التجربة أنزله الله ليباشر مهمته في الأرض، فيكون من عدوه على ذِكْر وحذر.
    والبعض يقف طويلاً عند مسألة عصيان آدم: كيف يعصي الله وهو نبي؟ ويذكرون قوله تعالى:* وَعَصَى ءَادَمُ رَبَّهُ فَغَوَى *[طه: 121].
    نقول: ما دام أن آدم ـ عليه السلام ـ هو خليفة الله في أرضه، ومنه أَنْسَالُ الناس جميعاً إلى أنْ تقوم الساعة، ومن نَسله الأنبياء وغير الأنبياء، من نسله الرسل والمرسل إليهم. إذن: فهو بذاته يمثل الخَلْق الآتي كله بجميع أنواعه المعصومين وغير المعصومين.
    كما أن آدم ـ عليه السلام ـ مرَّ بهذه التجربة قبل أن يُنبأ، ومَرَّ بها بعد أن نُبىء، بدليل قوله تعالى:* وَعَصَى ءَادَمُ رَبَّهُ فَغَوَى * ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى *[طه: 121ـ122].
    فكان الاجتباء والعصمة بعد التجريب، ثم لما أُهبِط آدم وعدوه إلى الأرض خاطبه ربه:* فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَن تَبِعَ هُدَايَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ *[البقرة: 38].
    وهكذا بدأت مرحلة جديدة في حياة آدم عليه السلام، ومثَّل آدم الدَّوْريْن: دَوْر العصمة والنبوة بعدما اجتباه ربه، ودَوْر البشر العادي غير المعصوم والمعرَّض للنسيان وللمخالفة كأيِّ إنسان من أناس الأرض.
    ينبغي ـ إذن ـ أن نفهم أن آدم خُلِق للأرض وعمارتها، وقد هيَّأها الله لآدم وذريته من بعده، وأعدَّها بكُلِّ مقوِّمات الحياة ومُقوِّمات بقاء النوع، فمَنْ أراد ترف الحياة فليُعمل عقله في هذه المقوّمات وليستنبط منها ما يريد.
    لقد ذكرنا أن في الكون مُلكاً وملكوتاً: الملْك هو الظاهر الذي نراه ونشاهده، والملكوت ما خفى عنّا وراء هذا الملْك، ومن الملكوت أشياء تؤدي مهمتها في حياتنا دون أنْ نراها، فمثلاً ظاهرة الجاذبية الأرضية التي تتدخل في أمور كثيرة في حياتنا، كانت في حجاب الملكوت لا نراها ولا نعرف عنها شيئاً، ثم لما اهتدتْ إليها العقول و اكتشفتْها عرفنا أن هناك ما يسمى بالجاذبية.
    ومن الملكوت الملائكة الموكّلون، كما قال تعالى:* لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِّن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ *[الرعد: 11].
    ومنهم الكَتَبة:* مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ *[ق: 18].
    فلما خلق الله آدم، وخلق الملائكة الموكلين بمصالحه في الأرض أمرهم بالسجود له؛ لأنهم سيكونون في خدمته، فالسجود طاعة لأمر الله، وخضوع للخليفة الذي سيعمر الأرض.
    وقوله تعالى: * إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبَى * [طه: 116] وفي آية أخرى:* إِلاَّ إِبْلِيسَ اسْتَكْبَرَ * [ص: 74].
    وقد أوضح الحق سبحانه سبب رَفْض إبليس للسجود لآدم بقوله:* أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ الْعَالِينَ *[ص: 75]
    أي: لا سبب لامتناعك إلا الاستكبار على السجود، أو تكون من العالين. أي: الملائكة الذين لم يشملهم الأمر بالسجود، فكأن الأمر كان للملائكة خاصة هم الموكّلون بخدمة آدم، أمّا العالون فهم الملائكة المهيّمون، ولا علاقة لهم بآدم، وربما لا يدرُون به.
    ومن الأساليب التي أثارتْ جَدَلاً حول بلاغة القرآن لدى المستشرقون قوله تعالى:* مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ *[ص: 75] وقوله في موضع آخر:* مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ *[الأعراف: 12] فأيُّ التعبيريْن بليغ؟ وإنْ كان أحدهما بليغاً فالآخر غير بليغ.
    وهذا كله ناتج عن قصور في فَهْم لغة القرآن، وعدم وجود الملَكة العربية عند هؤلاء، فهناك فَرْق بين أنك تريد أن تسجدَ ويأتي مَنْ يقول لك: لا تسجد، وبين أنْ يُقنعك شخص بألاَّ تسجد. فقوله:* مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ *[ص: 75] كنت تريد السجود وواحد منعك، وقوله:* مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ *[الأعراف: 12] يعني: أمرك ألاَّ تسجد، وأقنعك وأنت اقتنعتَ.
    ومن المسائل التي أثيرتْ حول هذه القصة: أكان إبليس من الملائكة فشمله الأمر بالسجود؟ وكيف يكون من الملائكة وهم لا يعصُون الله ما أمرهم، ويفعلون ما يؤمرون؟ وإذا لم يكُنْ مَلَكاً فماذا أدخله في الأمر؟
    ولتوضيح هذه المسألة نقول: خلق الله الثَّقليْن: الجن والإنس، وجعلهم مختارين في كثير من الأمور، ومقهورين في بعض الأمور، ليثبت طلاقة قدرته تعالى في خَلْقه، فإنْ كنتَ مختاراً في أمور التكليف وفي استطاعتك أنْ تطيع أو أنْ تعصي، فليس من اختيارك أنْ تكون صحيحاً أو مريضاً، طويلاً أو قصيراً، فقيراً أو غنياً، ليس في اختيارك أنْ تحيا أو تموت.
    والحق ـ تبارك وتعالى ـ لا يُكلِّفك بافعل كذا ولا تفعل كذا، إلا إذا خلقك صالحاً للفعل ولعدم الفعل، هذا في أمور التكليف وما عداه أمور قَهْرية لا اختيارَ لك فيها هي القدريات.
    لذلك نقول للذين أَلِفُوا التمرد وتعوَّدوا الخروج على أحكام الله في التكليفات: لماذا لا تتَمردوا أيضاً على القدريات ما دُمْتم قد أَلِفْتم المخالفة؟ إذن: أنت مقهور وعَبْد رَغماً عنك.
    لذلك، إذا كان المختار طائعاً يلزم نفسه بمنهج ربه، بل ويتنازل عن اختياره لاختيار الله، فمنزلته عند الله كبيرة، وهي أفضل من المَلَك، لأن المَلك يطيع وهو مرغم. ومن هنا يأتي الفرْق بين عباد وعبيد، فالكل في القهر عبيد، لكن العباد هم الذين تركوا اختيارهم لاختيار ربهم.
    ومن هنا نقول: إن إبليس من الجن، وليس من الملائكة؛ لأنه أُمِر فامتنع فعُوقِب، وإنْ كان الأمر في الأصل للملائكة.
    وقد حسم القرآن هذه القضية حين قال:* إِلاَّ إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ *[الكهف: 50] وهذا نصٌّ صريح لا جدالَ حوله.
    فإنْ قُلْتَ: فلماذا شمله الأمر بالسجود، وهو ليس مَلَكاً؟
    نقول: لأن إبليس قبل هذا الأمر كان طائعاً، وقد شهد عملية خَلْق آدم، وكان يُدْعَي " طاووس الملائكة " لأنه ألزم نفسه في الأمور الاختيارية ففاق بذلك الملائكة، وصار يزهو عليهم ويجلس في مجلسهم، فلما جاء الأمر للملائكة بالسجود لآدم شمله الأمر ولزمه من ناحيتين:
    الأولى: إنْ كان أعلى منهم منزلةً وهو طاووسهم الذي ألزم نفسه الطاعة رغم اختياره فهو أَوْلَى بطاعة الأمر منهم، ولماذا يعصي هذا الأمر بالذات؟
    الأخرى: إنْ كان أقلّ منهم، فالأمر للأعلى لا بُدَّ أنْ يشمل الأدنى، كما لو أمرتَ الوزراء مثلاً بالقيام لرئيس الجمهورية، وبينهم وكلاء ومديرون، فطبيعيٌّ أنْ يشملهم الامر.
    ثم يقول الحق: * فَقُلْنَا يآءَادَمُ إِنَّ هَـاذَا عَدُوٌّ لَّكَ *
    فَقُلْنَا يَا آدَمُ إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى (117)

    قوله تعالى: * وَلِزَوْجِكَ * [طه: 117] كلمة الزوج لا تعني اثنين كما يظن البعض، الزوج فرد واحد معه مثله، فليس صحيحاً أن نقول: توأم إنما توأمان، فكل منهما توأم للآخر؛ لذلك يقول تعالى:* وَمِن كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ *[الذاريات: 49].
    مَلْحَظ آخر في قوله تعالى: * فَلاَ يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ * [طه: 117] الخطاب لآدم وزوجه يُحذِّرهما من إغواء إبليس وكَيْده، ثم يقول * فَتَشْقَى * [طه: 117] بصيغة الإفراد، ولم يقُل: فتشقيَا. لماذا؟ لأن مسئولية الكَدْح والحركة للرجل أمَّا المرأة فهي السكن المريح المنشِّط لصاحب الحركة، على خلاف ما نرى في مجتمعنا من الحرص على عمل المرأة بحجة المساعدة في تبعات الحياة.
    إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَى (118)

    فقد أعددْتُ لك الجنة، وجعلتُ لك فيها كل ما تحتاجه، وأبَحْتُ لك كل نعيمها ونهيتُك عن شيء واحد منها، ولك علينا * أَلاَّ تَجُوعَ فِيهَا وَلاَ تَعْرَى * [طه: 118] فلن تجوع فيها؛ لأن فيها كل الثمرات* وَكُلاَ مِنْهَا رَغَداً حَيْثُ شِئْتُمَا *[البقرة: 35].
    ونلحظ هنا أن الله تعالى تكفَّل لهما بشيء ظاهر يُلبِّي غريزة ظاهرة هي اللباس والتستُّر، وغريزة باطنة هي غريزة الطعام.
    ثم يقول الحق سبحانه: * وَأَنَّكَ لاَ تَظْمَأُ فِيهَا *
    وَأَنَّكَ لَا تَظْمَأُ فِيهَا وَلَا تَضْحَى (119)

    (تظمأ) يعني: تعطش، و(تضحى): أي: لا تتعرض لحرارة الشمس اللافحة، فتكفّل لهما ربهما أيضاً بغريزة باطنة هي العطش، وغريزة ظاهرة هي ألاَّ تلفحك حرارة الشمس.
    ثم يقول الحق تبارك وتعالى: * فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ *
    فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَا يَبْلَى (120)

    نلحظ أن الحق سبحانه اختار لعمل الشيطان اسماً يناسب الإغراء بالشيء، وهي كلمة (الوَسْوَسة) هي في الأصل صوت الحليّ ـ أي: الذهب الذي تتحلَّى به النساء، كما نقول: نقيق الضفادع، وصهيل الخيل، وخُوار البقر، ونهيق الحمير، وثغاء الشاة، وخرير الماء، وحفيف الشجر.
    وكذلك الوسوسة اسم لصوت الحليّ الذي يجذب الأسماع، ويُغرِي بالتطلع إليه، وكأن الحق سبحانه يُحذِّرنا أن الشيطان سيدخل لنا من طريق الإغراء والتزيين.
    فما الذي وَسوس به إلى آدم؟
    * قَالَ ياآدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لاَّ يَبْلَى * [طه: 120].
    ونعجب لإبليس: ما دُمْت تعرف شجرة الخُلْد والملْك الذي لا يبلى، لماذا لم تأكل أنت منها وتحوز هذه الميزة؟
    فَأَكَلَا مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى (121)

    أي: بعد أن أكلا من هذه الشجرة ظهرتْ لهما سوءآتهما، والسَّوْأة هي العورة أي: المكان الذي يستحي الإنسان أن ينكشف منه، والمراد القُبُل والدُّبُر في الرجل والمرأة. ولكل من القُبل والدُّبر مهمة، وبهما يتخلص الجسم من الفضلات، الماء من ناحية الكُلى والحالب والمثانة عن طريق القُبل، وبقايا وفضلات الطعام الناتجة عن حركة الهَضْم وعملية الأَيْض، وهذه تخرج عن طريق الدُّبُر.
    لكن، متى أحسَّ آدم وزوجه بسوءاتهما، أبعد الأكل عموماً من شجر الجنة، أم بعد الأكل من هذه الشجرة بالذات؟
    الحق ـ تبارك وتعالى ـ رتَّب ظهور العورة على الأكل من الشجرة التي نهاهما عنها * فَأَكَلاَ مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْءَاتُهُمَا * [طه: 121] فقبْل الأكل من هذه الشجرة لم يعرفا عورتيهما، ولم يعرفا عملية الإخراج هذه؛ لأن الغذاء كان طاهيه ربُّه، فيعطي القدرة والحياة دون أن يخلف في الجسم أيَّ فضلات.
    لكن، لما خالفوا وأكلوا من الشجرة بدأ الطعام يختمر وتحدث له عملية الهضم التي نعرفها، فكانت المرة الأولى التي يلاحظ فيها آدم وزوجه مسألة الفضلات، ويلتفتان إلى عورتيهما: ما هذا الذي يخرج منها؟
    وهنا مسألة رمزية ينبغي الالتفات إليها، فحين ترى عورة في المجتمع فاعلم أن منهجاً من مناهج الله قد عُطل.
    إذن: لم يعرف آدم وزوجه فضلات الطعام وما ينتج عنه من ريح وأشياء مُنفَّرة قذرة إلا بعد المخالفة، وهنا تحيَّرا، ماذا يفعلان؟ ولم يكن أمامهما إلا ورق الشجر * وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ الْجَنَّةِ * [طه: 121].
    أي: أخذا يلصقان الورق على عورتيهما لسترها هكذا بالفطرة، وإلا ما الذي جعل هاتين الفتحتين عورة دون غيرهما من فتحات الجسم كالأنف والفم مثلاً؟
    قالوا: لأن فَتْحتيْ القُبُل والدُّبُر يخرج منهما شيء قذر كريه يحرص المرء على سَتْره، ومن العجيب أن الإنسان وهو حيوان ناطق فضَّله الله، وحين يأكل يأكل باختيار، أمّا الحيوان فيأكل بغريزته، ومع ذلك يتجاوز الإنسان الحد في مأكله ومشربه، فيأكل أنواعاً مختلفة، ويأكل أكثر من حاجته ويأكل بعدما شبع، على خلاف الحيوان المحكوم بالغريزة.
    ولذلك ترى رائحة الفضلات في الإنسان قذرة مُنفّرة، ولا فائدة منها في شيء، أما فضلات الحيوان فلا تكاد تشمُّ لها رائحة، ويمكن الاستفادة منها فيجعلونها وقوداً أو سماداً طبيعياً. وبعد ذلك نتهم الحيوان ونقول: إنه بهيم.. إلخ.
    وقوله تعالى: * وَعَصَى ءَادَمُ رَبَّهُ فَغَوَى * [طه: 121] أي: فيما قبل النبوة، وفي مرحلة التدريب، والإنسان في هذه المرحلة عُرْضة لأنْ يصيب، ولأنْ يخطىء، فإنْ أخطأ في هذه المرحلة لا تضربه بل تُصوِّب له الخطأ. كالتلميذ في فترة الدراسة، إنْ أخطأ صوَّب له المعلم، أما في الامتحان فيحاسبه.
    ومعنى: * فَغَوَى * [طه: 121] يعني: لم يُصِبْ الحقيقة، كما يقولون لمن تاه في الصحراء غاوٍ أي: تائه. ثم تأتي المرحلة الأخرى: مرحلة العِصْمة.
    ثم يقول الحق سبحانه: * ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ *
    ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى (122)

    إذن: مثَّل آدم دَوْر الإنسان العادي الذي يطيع ويعصي، ويسمع كلام الشيطان، لكن ربه شرعَ له التوبة كما قال سبحانه:* فَتَلَقَّى ءَادَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ *[البقرة: 37].
    إذن: عصى آدم وهو إنسان عادي وليس وهو نبي كما يقول البعض.
    فقوله: * ثُمَّ اجْتَبَاهُ * [طه: 122] هذه بداية لمرحلة النبوة في حياة آدم عليه السلام، و(ثُمَّ) تعني الترتيب مع التراخي * اجْتَبَاهُ * [طه: 122] اصطفاه ربه.
    ولم يقل الحق سبحانه: ثم اجتباه الله، إنما * اجْتَبَاهُ رَبُّهُ * [طه: 122] لأن الرب المتولي للتربية والرعاية، ومن تمام التربية الإعداد للمهمة، ومن ضمن إعداد آدم لمهمته أنْ يمرَّ بهذه التجربة، وهذا التدريب في الجنة.
    * وَهَدَى * [طه: 122] المراد بالهداية قوله: * قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعاً *
    قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى (123)

    أي: اهبطا إلى الأرض وامضوا فيها على ضوء التجربة الماضية، واعلما أن هناك أمراً ونهياً وعدواً يوسوس ويُزيِّن ويُغوِي حتى يظهر عوراتكم، وكأنه ـ عز وجل ـ يعطي آدم المناعة الكافية له ولذريته من بعده لتستقيم لهم حركة الحياة في ظل التكاليف؛ لأن التكاليف إما أمر وإما نهي، والشيطان هو الذي يفسد علينا هذه التكاليف.
    ومع ذلك لا ننسى طَرَفاً آخر هو النفس الأمَّارة التي تُحرِّكك نحو المعصية والمخالفة. إذن: ليس عدوك الشيطان فحسب فتجعله شماعة تُعلّق عليها كل معاصيك، فهناك مَعَاصٍ لا يدخل عليك الشيطان بها إلا عن طريق النفس، وإلا إبليس لما غوى؟ مَنْ أغواه؟ ومَنْ وسوس له؟
    وقوله: * اهْبِطَا * [طه: 123] بصيغة التثنية أمر لاثنين: آدم مطمور فيه ذريته، وإبليس مطمور فيه ذريته، فقوله: * اهْبِطَا * [طه: 123] إشارة إلى الأصل، وقوله في موضع آخر:* اهْبِطُواْ *[البقرة: 38] إشارة إلى ما يتفرّع عن هذا الأصل.
    وقوله:* بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ *[البقرة: 36] أي: بعض عدو للبعض الآخر، وكلمة (بعض) لها دَوْر كبير في القرآن، والمراد: أنت عدو الشيطان إنْ كنتَ طائعاً، والشيطان عدوك إنْ كنتَ طائعاً. فإنْ كنتَ عاصياً فلا عداوة إذن؛ لأن الشيطان يريدك عاصياً. وحين لا يُعيِّن البعض تكون العداوة متبادلة، فالبعض شائع في الجميع.
    كما في قوله تعالى:* أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَّعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ *[الزخرف: 32] فمَن المرفوع؟ ومَنْ المرفوع عليه؟ أصحاب النظرة السطحية يفهمون أن الغنيَّ مرفوع على الفقير.
    والمعنى أوسع من هذا بكثير، فكُلُّ الخَلْق بالنسبة للحق سبحانه سواء، ومهمات الحياة تحتاج قدرات كثيرة ومواهب متعددة؛ لذلك لا تتجمع المواهب في شخص، ويُحرم منها آخر، بل ينشر الخالق ـ عز وجل ـ المواهب بين خَلْقه، فهذا ماهر في شيء، وذاك ماهر في شيء آخر، وهكذا ليحتاج الناس بعضهم لبعض، ويتم الربْط بين أفراد المجتمع، ويحدث بينهما الانسجام اللازم لحركة الحياة.
    إذن: كُلُّ بعض في الوجود مرفوع في شيء، ومرفوع عليه في شيء آخر، فليكُنْ الإنسان مُؤدَّباً في حركة حياته لا يتعالى على غيره لأنه نبغ في شيء، ولينظر إلى ما نبغ فيه الآخرون، وإلى ما تميَّزوا به حتى لا يسخَر قوم من قوم، عسى أن يكونوا خيراً منهم، وربما لديهم من المواهب ما لم يتوفّر لك.
    لكن ما دام بعضكم لبعض عدواً أي: آدم مطمور فيه ذريته، وإبليس مطمور فيه ذريته، فَمنْ سيكون. الحَكَم؟ الحَكَم بينهما منهج الله: * فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى * [طه: 123] فإياكم أنْ تجعلوا الهدى من عندكم؛ لأن الهدى إنْ كان من عندكم فلن ينفع ولن يفلح.

    * فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلاَ يَضِلُّ وَلاَ يَشْقَى * [طه: 123] فكأن هدى الله ومنهجه هو (كتالوج) سلامة الإنسان وقانون صيانته. ألاَ ترى الصانع من البشر حين يرفق بصنعته (كتالوجاً) يضم تعليمات عن تشغيلها وصيانتها، فإن اتبعتَ هذه التعليمات خدمتْك هذه الآلة وأدَّتْ لك مهمتها دون تعطّل.
    وكما أن هذا (الكتالوج) لا يضعه إلا صانع الآلة، فكذلك الخالق ـ عز وجل ـ لا يضع لخَلْقه قانونهم وهَدْيَهم إلا هو سبحانه، فإنْ وضعه آخر فهذا افتئات على الله عز وجل، وكما لو ذهبتَ إلى الجزار تقول له: ضَعْ لي التعليمات اللازمة لصيانة (الميكروفون)!!
    إذن: الفساد في الكون يحدث حينما نخرج عن منهج الله، ونعتدى على قانونه وتشريعه، ونرتضي بهَدْي غير هَدْيه؛ لذلك يقول تعالى بعدها: * فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلاَ يَضِلُّ وَلاَ يَشْقَى * [طه: 123] فإنْ كانت هذه نتيجة مَنِ اتبع هدى الله وعاقبة السير على منهجه تعالى، فما عاقبة مَنْ أعرض عنه؟ * وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي *
    وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (124)

    والإعراض: هو الانصراف، وأن تعطيه عَرْض أكتافك كما ذكرنا من قبل.
    وقوله: * مَعِيشَةً ضَنكاً * [طه: 124] الضنْك هو الضيق الشديد الذي تحاول أنْ تُفلتَ منه هنا أو هناك فلا تستطيع، والمعيشة الضَّنْك هذه تأتي مَنْ أعرض عن الله، لأن مَنْ آمن بإله إنْ عَزَّتْ عليه الأسباب لا تضيق به الحياة أبداً؛ لأنه يعلم أن له ربّاً يُخرِجه مما هو فيه.
    أما غير المؤمن فحينما تضيف به الأسباب وتُعجِزه لا يجد مَنْ يلجأ إليه فينتحر. المؤمن يقول: لي ربٌّ يرزقني ويُفرِّج كَرْبي، كما يقول عز وجل:* الَّذِينَ آمَنُواْ وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلاَ بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ *[الرعد: 28].
    لذلك يقولون: لا كَرْب وأنت رَبٌّ، وإذا كان الولد لا يحمل هَمّاً في وجود أبيه فله أبٌ يكفيه متاعب الحياة ومشاقها، فلا يدري بأزمات ولا غلاء أسعار، ولا يحمل هَمَّ شيء، فما بالُكَ بمَنْ له رَبٌّ؟
    وسبق أنْ ضربنا مثلاً ـ ولله المثل الأعلى ـ، قلنا: هَبْ أن معك جنيهاً ثم سقط من جيبك، أو ضاع منك فسوف تحزن عليه إنْ لم يكُنْ معك غيره، فإنْ كان معك غيره فلن تحزن عليه، فإن كان لديك حساب في البنك فكأن شيئاً لم يحدث. وهكذا المؤمن لديه في إيمانه بربه الرصيد الأعلى الذي يُعوِّضه عن كل شيء.
    والحق ـ تبارك وتعالى ـ أعطانا مثالاً لهذا الرصيد الإيماني في قصة موسى عليه السلام مع فرعون، حينما حُوصِر موسى وقومه بين البحر من أمامهم وفرعون بجنوده من خلفهم، وأيقن القوم أنهم مُدْركون، ماذا قال نبي الله موسى؟
    قال:* كَلاَّ إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ *[الشعراء: 62] هكذا بملْء فيه يقولها قَوْلةَ الواثق مع أنها قَوْلة يمكن أن تكذب بعد لحظات، لكنه الإيمان الذي تطمئن به القلوب، والرصيد الذي يثِقُ فيه كُلُّ مؤمن.
    إذن: مَنْ آمن بالله واتبع هُدَاه فلن يكون أبداً في ضَنْكٍ أو شِدَّة، فإنْ نزلت به شِدَّة فلن تُخرِج عَزْمه عن الرضى، واللجوء إلى ربه.
    ومن آيات الإعجاز القرآني في مسألة الضيق، قوله تعالى:* فَمَن يُرِدِ اللَّهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَآءِ *[الأنعام: 125].
    فمن أين عرف محمد صلى الله عليه وسلم أن مَنْ يصعِّد في السماء يضيق صدره؟ وهل صَعَد أحد إلى السماء في هذا الوقت وجَرَّب هذه المسألة؟ ومعنى ضيق الصدر أن حيِّز الرئة التي هي آلة التنفس يضيق بمرض أو مجهود زائد أو غيره، ألاَ ترى أنك لو صعدتَ سُلَّماً مرتفعاً تنهج، معنى ذلك أن الرئة وهي خزينة الهواء لا تجد الهواء الكافي الذي يتناسب والحركة المبذولة، وعندها تزداد حركة التنفس لتُعوِّض نَقْص الهواء.
    والآن وبعد غزو الفضاء عرفنا مسألة ضيق التنفّس في طبقات الجو العليا مما يضطرهم إلى أخذ أنابيب الأكسجين وغيرها من آلات التنفس.
    كلمتان خفيفتان على اللسان .. ثقيلتان في الميزان .. حبيبتان إلى الرحمن

    سبحان الله وبحمده .. سبحان الله العظيم

  6. #16
    Super Moderator
    رقم العضوية : 2
    تاريخ التسجيل : Jun 2016
    المشاركات: 3,273
    التقييم: 10
    الدولة : الأردن
    العمل : طالب علم
    قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا (125)

    وكلمة * أَعْمَى * [طه: 125] جاءت في قوله تعالى:* وَمَن كَانَ فِي هَـاذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الآخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلاً *[الإسراء: 72].
    والمراد بالعَمَى ألاَّ تُدرِكَ المبصَرات، وقد توجد المبصَرات ولا تتجه لها بالرؤية، فكأنك أعمى لا ترى، وكذلك المعرِض عن الآيات الذي لا يتأملها، فهو أعمى لا يراها.
    لذلك في الآخرة يقول تعالى:* وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْياً وَبُكْماً وَصُمّاً *[الإسراء: 97] فساعةَ يُبعَث الكافرون يُفزَّعون بالبعث الذي كانوا ينكرونه ويضطربون اضطراباً، يحاول كل منهم أن يرى منفذاً وطريقاً للنجاة، ولكن هيهات، فقد سلبهم الله منافذ الإدراك كلها، وسَدَّ في وجوههم كل طرق النجاة، والإنسان يهتدي إلى طريقه بذاته وبعيونه، فإنْ كان أعمى أمكنه أنْ ينادي على مَنْ يأخذ بيده، فإنْ كان أيضاً أبكم، فلربما سمع مَنْ يناديه ويُحذره ويُدِله، فإنْ كان أصمَّ لا يسمع؟
    إذن: سُدَّتْ أمامه كل وسائل النجاة، فهو أعمى لا يبصر النجاة بذاته، وأبكم لا يستطيع أنْ يستغيث بمَنْ ينقذه، وهو أيضاً أصمّ لا يسمع مَنْ يتطوع بإرشاده أو تحذيره.
    وقد وجد كثير من المشككين في هذه الآية شيئاً ظاهرياً يطعنون به على أسلوب القرآن، حيث يقول هنا: * قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى * [طه: 125] وفي موضع آخر يقول:* وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّواْ أَنَّهُمْ مُّوَاقِعُوهَا *[الكهف: 53] فنفى عنهم الرؤية في آية، وأثبتها لهم في آية أخرى.
    وفاتَ هؤلاء المتمحِّكين أَن الإنسانَ بعد البعث يمرُّ بمراحل عِدَّة: فساعةَ يُحشرون من قبورهم يكونون عُمْياً حتى لا يهتدوا إلى طريق النجاة، لكن بعد ذلك يُريهم الله بإيلام آخر ما يتعذبون به من النار.
    وهذا الذي حآق بهم كِفَاءٌ لما صنعوه، فقد قدَّموا هم العمى والصمم والبكم في الدنيا، فلما دعاهم الرسول إلى الله صَمُّوا آذانهم، واستغشوا ثيابهم.
    قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى (126)

    أي: نعاملك كما عاملتنا، فننساك كما نسيت آياتنا.
    والآيات جمع آية، وهي الأمر العجيب، وتُطلق على الآيات الكونية التي تلفت إلى المكوِّن سبحانه، وتُطلَق على المعجزات التي تؤيد الرسل، وتثبت صِدْق بلاغهم عن الله، وإنْ كانت الآيات الكونية تُلفِت إلى قدرة الخالق ـ عز وجل ـ وحكمته، فالرسول هو الذي يدلُّ الناس على هذه القوة، وعلى صاحب هذه الحكمة والقدرة التي يبحث عنها العقل.
    أيها المؤمنون هذه القوة هي الله، والله يريد منك كذا وكذا، فإنْ أطعتَه فَلَك من الأجر كذا وكذا، وإنْ عصيتَه فعقابك كذا وكذا، ثم يؤيد الرسول بالمعجزات التي تدلُّ على صِدْقه في البلاغ عن ربه.
    وتُطلَق الآيات على آيات الكتاب الحاملة للأحكام وللمنهج.
    وأنت كذَّبْتَ بكل هذه الآيات ولم تلتفت إليها، فلما نسيت آيات الله كان جزاءَك النسيان جزاءً وفَاقاً. والنسيان هنا يعني الترك، وإلا فالنسيان الذي يقابله الذكر مُعْفىً عنه ومعذور صاحبه.
    أما قوله: * وَكَذالِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى * [طه: 126] أي تُنسَى في النعيم وفي الجنة، لكنك لا تُنسى في العقاب والجزاء.
    ثم يقول الحق سبحانه: * وَكَذالِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ *
    وَكَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِآيَاتِ رَبِّهِ وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَى (127)

    قوله تعالى: * كَذالِكَ * [طه: 127] أي: مثل هذا الجزاء * نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ * [طه: 127] والإسراف: تجاوز الحدِّ في الأمر الذي له حَدُّ معقول، فالأكْل مثلاً جعله الله لاستبقاء الحياة، فإنْ زاد عن هذا الحدِّ فهو إسراف.
    دَخْلك الذي يسَّره الله لك يجب أن تنفق منه في حدود، ثم تدَّخر الباقي لترقى به في الحياة، فإنْ أنفقتَه كله فقد أسرفْتَ، ولن تتمكن من أن تُرقِّى نفسك في ترف الحياة.
    ولذلك يقول الحق سبحانه:* إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُواْ إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ *[الإسراء: 27].
    وللإسلام نظرته الواعية في الاقتصاديات، فالحق يريد منك أنْ تنفق، ويريد منك ألاَّ تُسرِف وبين هذين الحدَّيْن تسير دَفّة المجتمع، ويدور دولاب الحياة، فإنْ بالغتَ في حَدٍّ منهما تعطلتْ حركة الحياة، وارتبك المجتمع وبارت السلع.
    وقد أوضح الحق سبحانه هذه النظرة في قوله:* وَالَّذِينَ إِذَآ أَنفَقُواْ لَمْ يُسْرِفُواْ وَلَمْ يَقْتُرُواْ وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَاماً *[الفرقان: 67].
    فربُّك يريد منك أنْ تجمع بين الأمرين؛ لأن التقتير والإمساك يُعطِّل حركة الحياة، والإسراف يُجمِّد الحياة ويحرمك من الترقي، والأخذ بأسباب الترف؛ لذلك قال تعالى:* فَتَقْعُدَ مَلُوماً مَّحْسُوراً *[الإسراء: 29].
    وقد يكون الإسراف من ناحية أخرى: فربُّك عز وجل خلقك، وخلق لك مُقوِّمات حياتك، وحدَّد لك الحلال والحرام، فإذا حاولتَ أنت أنْ تزيد في جانب الحلال مما حرمه الله عليك، فهذا إسراف منك، وتجاوز للحدِّ الذي حَدَّه لك ربك، وتجاوزتَ فيما أحلَّ لك، وفيما حرَّم عليك.
    وقد يأتي الإسراف من ناحية أخرى: فالشيء في ذاته قد يكون حلالاً، لكن أنت تأخذه من غير حِلِّة.
    فإذا نقلنا المسألة إلى التكاليف وجدنا أن الله تعالى أحلَّ أشياء وحرَّم أشياء، فلا تنقل شيئاً مما حُرِّم إلى شيء أحلَّ، ولا شيئاً مما أُحلَّ إلى شيء حُرِّم، كما قال سبحانه:* قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالْطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ *[الأعراف: 32].
    وخاطب نبيه صلى الله عليه وسلم بقوله:* ياأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَآ أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ *[التحريم: 1].
    إذن: فربّك لا يُضيِّق عليك، وينهاك أنْ تُضيِّق على نفسك وتُحرّم عليها ما أحلَّ لها، كما يلومك على أنْ تُحلِّل ما حرّم عليك لأن ذلك في صالحك.
    وكما يكون الإسراف في الطعام والشراب وهما من مُقوِّمات استبقاء الحياة، يكون كذلك في استبقاء النوع بالزواج والتناسل، إلى أنْ تقوم الساعة، فجعل الحق سبحانه للممارسة الجنسية حدوداً تضمن النسل والاستمتاع الحلال، فمَنْ تعدَّى هذه الحدود فقد أسرف.
    ومن رحمته تعالى أنه يغفر لِمنْ أسرف على نفسه شريطةَ أن يكون مؤمناً:* قُلْ ياعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُواْ عَلَى أَنفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُواْ مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ *[الزمر: 53].
    وقوله تعالى: * وَكَذالِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ * [طه: 127] فأنزل الإسراف منزلةَ تالية لعدم الإيمان؛ لذلك قال بعدها: * وَلَمْ يُؤْمِن بِآيَاتِ رَبِّه * [طه: 127] لأنه حين ينقل الحلال إلى الحرام، أو الحرام إلى الحلال، فكأنه عطّل آيات الله.

    ثم يقول تعالى: * وَلَعَذَابُ الآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَى * [طه: 127] إذن: فالكلام هنا عن الدنيا، فلا تظن أن الله يُؤخِّر للكافر كُلَّ العذاب، فهناك أشياء تُعجِّل له في الدنيا لا تُؤخِّر.
    وأول مَا لا يُؤخِّر ويُعجل الله به في الدنيا عقوبة الظلم، فلا يمكن أنْ يموتَ الظالم قبل أن يرى المظلوم ما صنعه الله به، وإلاّ فالذين لا يؤمنون بالقيامة ولا بالجزاء كانوا فجروا في الخَلْق وَعاثُوا في الأرض، فمن حكمة الله أن نرى لكل ظالم مصرعاً حتى تستقيم حركة الحياة، ولو لم يكُنْ الإنسان مؤمناً.
    والحق سبحانه حين يريد أنْ يُعذِّب يتناسب تعذيبه مع قدرته تعالى، كما أن ضربة الطفل غير ضربة الشاب القوي. إذن: مَا يناله من عذاب في الحياة هين لأنه من الناس، أمّا عذاب الآخرة فشيء آخر؛ لأنه عذاب من الله يتناسب مع قدرته تعالى.
    * وَلَعَذَابُ الآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَى * [طه: 127] أبْقَى؛ لأن عذاب الدنيا ينتهي بالموت، أو بأن يرضى عنك المعذَّب ويرحمك، وقد يتوسط لك أحد فيزيل عنك العذاب، أمّا في الآخرة فلا شيء من ذلك، ولا مفرَّ من العذاب ولا مَلْجأ.
    ثم يقول الحق سبحانه: * أَفَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ *
    أَفَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِأُولِي النُّهَى (128)

    الهداية: الدلالة والبيان، وتهديه أي: تدلّه على طريق الخير. والاستفهام في * أَفَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ * [طه: 128] والاستفهام يَرِد مرة لتعلم ما تجهل، أو يرد للتقرير بما فعلتَ.
    فالمراد: أفلم ينظروا إلى الأمم السابقة وما نزل بهم لما كَذَّبوا رسُل الله؟ كما قال في آية أخرى:* وَإِنَّكُمْ لَّتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُّصْبِحِينَ *[الصافات: 137].
    وقال سبحانه:* وَالْفَجْرِ * وَلَيالٍ عَشْرٍ * وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ * وَالَّيلِ إِذَا يَسْرِ * هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِّذِى حِجْرٍ * أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ * إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ * الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلاَدِ * وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُواْ الصَّخْرَ بِالْوَادِ * وَفِرْعَوْنَ ذِى الأَوْتَادِ *[الفجر: 1ـ10].
    أَلاَ تروْنَ كل هذه الآيات في المكذبين؟ ألاَ ترون أن الله ناصرُ رسُلَه؟ ولم يكُنْ سبحانه ليبعثهم، ثم يتخلى عنهم، ويُسلمهم، كما قال سبحانه:* وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ *[الصافات: 173] وقال:* وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ *[الحج: 40].
    وبعد هذا كله يُعرِض المكذبون، وكأنهم لم يروا شيئاً من هذه الآيات.
    وساعة ترى (كَمْ) فاعلم أنها للشيء الكثير الذي يفوق الحصر، كما تقول لصاحبك: كم أعطيتُك، وكم ساعدتُك. أي: مرات كثيرة، فكأنك وكلته ليجيب هو بنفسه، ولا تستفهم منه إلا إذا كان الجواب في صالحك قطعاً.
    فمعنى * أَفَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ * [طه: 128] يعني: يُبيّن لهم ويدُّلهم على القرى الكثيرة التي كذَّبت رسلها، وماذا حدث لها وحاق بها من العذاب، وكان عليهم أنْ يتنبهوا ويأخذوا منهم عِبرة ولا ينصرفوا عنها.
    وقوله تعالى: * يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ * [طه: 128] كقوله:* وَإِنَّكُمْ لَّتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُّصْبِحِينَ *[الصافات: 137] فليس تاريخاً يُحكَى إنما واقع ماثل تروْنَه بأعينكم، وتسيرون بين أطلاله * إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لأُوْلِي النُّهَى * [طه: 128] أي: عجائب لمَنْ له عقل يفكر.
    وكلمة (النُّهَى) جمع نُهية، وهي العقل، وهذه الكلمة تحلُّ لنا إشكالات كثيرة في الكفر، فالبعض يظن أن الله تعالى خلق لنا العقل لنرتع به في مجالات الفكر كما نشاء، وننفلت من كل القيود.
    إنما العقل من العقال الذي يُعقَل به البعير حتى لا ينفلتَ منك، وكذلك عقلُك يعقِلك، ويُنظِّم حركتك حتى لا تسير في الكون على هَواك، عقلك لتعقل به الأمور فتقول: هذا صواب، وهذا خطأ. قبل أن تُقدِم عليه.
    فالسارق لو عقل ما يفعل ما أقدمَ على سرقة الناس، وما رأيك لو أبحنا للناس جميعاً أنْ يسرقوك، وأنت فرد، وهم جماعة؟
    الحق ساعةَ يعقل بصرك أنْ يمتدَّ لما حرم عليك فلا تقُلْ: ضيق عليَّ، لأنه أمر الآخرين أنْ يغضُّوا أبصارهم عن محارمك، والغير أكثر منك، إذن: فأنت المستفيد. فإنْ أردتَ أن تُعربد في أعراض الناس، فأَبِح لهم أن يُعربِدوا في أعراضك.

    " والنبي صلى الله عليه وسلم لما جاءه شاب يشكو عدم صبره على غريزة الجنس، يريد أن يبيح له الزنا والعياذ بالله، فأراد صلى الله عليه وسلم أن يُلقِّنه درساً يصرفه عن هذه الجريمة، فماذا قال له؟
    قال: " يا أخا العرب، أتحب هذا لأمك؟ أتحب هذا لأختك؟ أتحب هذا لزوجتك؟ " والشاب يقول في كل مرة: لا يا رسول الله جُعِلْتُ فداك. ولك أنْ تتصوَّر ماذا ينتاب الواحد منّا إنْ سمع سيرة أمه وأخته وزوجته في هذا الموقف.
    ثم يقول صلى الله عليه وسلم للشاب بعد أن هزَّه هذه الهزة العنيفة: " كذلك الناس لا يحبون لذلك لأمهاتهم، ولا لزوجاتهم، ولا لأخواتهم، ولا لبناتهم.
    وهنا قال الشاب: " فو الله ما همَّتْ نفسي لشيء من هذا إلا وذكرتُ أمي وزوجتي وأختي وابنتي ".
    إذن: فالعقل هو الميزان، وهو الذي يُجرِي المعادلة، ويُوازِن بين الأشياء، وكذلك إنْ جاء بمعنى النُّهى أو اللُّب فإنها تؤدي نفس المعنى: فالنُّهي من النهي عن الشيء، واللب أي: حقيقة الشيء وأصله، لا أنْ يكون سطحيّ التفكير يشرد منك هنا وهناك.
    ثم يقول الحق سبحانه: * وَلَوْلاَ كَلِمَةٌ سَبَقَتْ *
    وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَكَانَ لِزَامًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى (129)

    الكلام عن آيات الله في المكذبين للرسل وما حاق بهم من العذاب وقد مَرَّ عليها القوم دون أن يعتبروا بها، أو يرتدعوا، أو يخافوا أن تكون نهايتهم كنهاية سابقيهم، وربما قال هؤلاء القوم: ها نحن على ما نحن عليه دون أن يصيبنا شيء من العذاب: لا صَعْق ولا مَسْخ ولا ريح، فبماذا تهددنا؟
    لذلك يوضح لهم الحق ـ سبحانه وتعالى ـ هذه المسألة: ما منعنا أنْ نفعل بكم ما فعلنا بسابقيكم من المكذبين بالرسل، ما منعنا من إذلالكم وتدميركم إلا شيء واحد هو كلمة سبقتْ من الله.
    * وَلَوْلاَ كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ لَكَانَ لِزَاماً وَأَجَلٌ مُّسَمًّى * [طه: 129].
    فما هذه الكلمة التي سبقتْ من الله، ومنعتْ عنهم العذاب؟
    المراد بالكلمة قوله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم:* وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ *[الأنفال: 33].
    فهذه الكلمة التي سبقت مني هي التي منعتْ عنكم عذابي، والرسول صلى الله عليه وسلم يوضح هذه المسألة فيقول: " بل أرجو أن يُخرج الله من أصلابهم مَنْ يعبد الله وحده لا يشرك به شيئاً ".
    فإنْ قال قائل: الله يهدد الذين كذبوا محمداً صلى الله عليه وسلم بأنْ يُنزل بهم ما أنزل بالمكذِّبين من الأمم السابقة، وها هم كفار مكة يُكذّبون رسول الله دون أن يحدث لهم شيء.
    نقول: لأن لهم أمانين من العذاب، الكلمة التي سبقتْ، والأجل المسمّى عند الله * وَأَجَلٌ مُّسَمًّى * [طه: 129] فلكل واحد أَجَلٌ معلوم.
    معنى: * لَكَانَ لِزَاماً * [طه: 129] أي: لزم لزاماً أنْ يحيق بهم ما حاقَ بالأمم السابقة.
    ثم يقول الحق سبحانه: * فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ *
    فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا وَمِنْ آنَاءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرَافَ النَّهَارِ لَعَلَّكَ تَرْضَى (130)

    فما دام أن القوم يُكذِّبون رسول الله، وهم في مأمن من العذاب، فلابُدَّ أن يتمادوا في تكذيبهم، ويستمروا في عنادهم لرسول الله؛ لذلك يتوجه الحق ـ سبحانه وتعالى ـ إلى الناحية الأخرى فيعطي رسوله صلى الله عليه وسلم المناعة اللازمة لمواجهة هذا الموقف * فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ * [طه: 130] لأن لك بكل صبر أجراً يتناسب مع ما تصبر عليه.
    والصبر قد يكون مَيْسوراً سهلاً في بعض المواقف، وقد يكون شديداً وصَعْباً ويحتاج إلى مجاهدة، فمرَّة يقول الحق لرسوله: اصبر. ومرة يقول: اصطبر.
    فما الأقوال التي يصبر عليها رسول الله؟ قولهم له: ساحر. وقولهم: شاعر وقولهم: مجنون وكاهن، كما قالوا عن القرآن: أضغاث أحلام. وقالوا: أساطير الأولين. فاصبر يا محمد على هذا كله؛ لأن كلَّ قوله من أقوالهم تحمل معها دليل كذبهم.
    فقولهم عن رسول الله: ساحر، فمَن الذي سَحَره رسول الله؟ سحر المؤمنين به، فلماذا ـ إذن ـ لم يسحرْكم أنتم أيضاً، وتنتهي المسألة. إذن: بقاؤكم على عناده والكفر به دليل براءته من هذه التهمة.
    وقولهم: شاعر، كيف وهم أمة صناعتها الكلام، وفنون القول شعره ونثره، فكيف يَخْفي عليهم أسلوب القرآن؟ والشعر عندهم كلام موزون ومُقفَى، فهل القرآن كذلك؟ ولو جاء هذا الاتهام من غيركم لكان مقبولاً، أما أنْ يأتيَ منكم أنتم يا مَنْ تجعلون للكلام أسواقاً ومعارض كمعارض الصناعات الآن، فهذا غير مقبول منكم.
    وسبق أنْ قلنا: إنك إذا قرأتَ مقالاً مثلاً، ومَرَّ بك بيت من الشعر تشعر به وتحسُّ أذنك أنك انتقلتَ من نثر إلى شعر، أو من شعر إلى نثر. فخُذْ مثلاً قول ابن زيدون:
    " هذا العَذْل محمود عواقبه، وهذه النَّبْوة غمرة ثم تنجلي، ولن يريبني من سيدي أنْ أبطأ سَيْبه، أو تأخر غير ضنين غناؤه، فأبطأ الدِّلاء فَيْضا أملؤها، وأثقل السحائب مشياً أحفلها. ومع اليوم غد، ولكل أجل كتاب، له العتب في احتباله، ولا عتبَ عليه في اغتفاله.فَإنْ يكُنِ الفعلُ الذي سَاءَ واحِداً فَأفْعالُه اللائي سَرَرْنَ أُلُوفُ "على الفور تحس أذنك أنك انتقلتَ من نثر إلى شعر.
    فإذا ما قرأتَ في القرآن مثلاً قوله تعالى:* وَقَالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ تُرَاوِدُ فَتَاهَا عَن نَّفْسِهِ قَدْ شَغَفَهَا حُبّاً إِنَّا لَنَرَاهَا فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ * فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَئاً وَآتَتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِّنْهُنَّ سِكِّيناً وَقَالَتِ اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ وَقُلْنَ حَاشَ للَّهِ مَا هَـاذَا بَشَراً إِنْ هَـاذَآ إِلاَّ مَلَكٌ كَرِيمٌ * قَالَتْ فَذالِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ وَلَقَدْ رَاوَدتُّهُ عَن نَّفْسِهِ فَاسَتَعْصَمَ *[يوسف: 30ـ32].
    فهل أحسستَ بانتقال الأسلوب من نثر إلى شعر، أو من شعر إلى نثر؟ ومع ذلك لو وزنتَ

    * فَذالِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ *[يوسف: 32] لوجدتَ لها وزناً شِعْرياً.
    وقوله تعالى:* نَبِّىءْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ *[الحجر: 49].
    لو أردتها بيتاً شعرياً تقول (نبىء عبادي إني أنا الغفور الرحيم). ومع ذلك تقرأها في سياقها، فلا تشعر أنها شعر؛ لأن الأسلوب فريد من نوعه، وهذه من عظمة القرآن الكريم، كلام فَذٌّ لوحده غير كلام البشر.
    أما قولهم " مجنون " فالمجنون لا يدري ما يفعل، ولا يعقل تصرفاته ولا يسأل عنها، ولا نستطيع أنْ نتهمه بشيء فنقول عنه مثلاً؛ كذاب أو قبيح؛ لأن آلة الاختيار عنده مُعطّلة، وليس لديه انسجام في التصرفات، فيمكن أن يضحك في وجهك، ثم يضربك في نفس الوقت، يمكن أن يعطيك شيئاً ثم يتفل في وجهك.
    والمجنون ليس له خُلق، والحق سبحانه يخاطب رسوله صلى الله عليه وسلم:* ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ * مَآ أَنتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ * وَإِنَّ لَكَ لأَجْراً غَيْرَ مَمْنُونٍ * وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ *[القلم: 1ـ4].
    والخُلق هو المَلَكة المستقرة للخير، فكيف يكون محمد مجنوناً، وهو على خلق عظيم؟ ثم هل جرَّبْتُم عليه شيئاً مما يفعله المجانين.
    أما قولهم: إن رسول الله افترى هذا القرآن، كيف وأنتم لم تسمعوا منه قبل البعثة شِعْراً أو خطباً ولم يسبق أن قال شيئاً مثل هذا؟ كيف يفتري مثل هذا الأسلوب المعجز، وليس عنده صنعة الكلام؟ وإن كان محمد قد افترى القرآن فلماذا لا تفترون أنتم مثله وتعارضونه؟
    * قُلْ فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّثْلِهِ *[يونس: 38].
    وهكذا تقوم من نفس أقوالهم الأدلة على كذبهم وادعائهم على رسول الله.
    ثم يقول تعالى * وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا * [طه: 130].
    والتسبيح هو التنزيه لله تعالى، وهو صفة لله قبل أنْ يخلق مَنْ يُسبِّحه ويُنزِّهه؛ لذلك يقول تعالى في استهلال سورة الإسراء:* سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ *[الإسراء: 1]؛ لأن العملية مخالفة لمنطق القوانين، فقال: نزّه فعل الله عن أفعالك.
    إذن: فسبحان معناها أن التنزيه ثابت لله، ولو لم يوجد المنزَّه، فلما خلق الله الكون سَبَّحتْ السموات والأرض وما فيهن لله.
    فإذا كان التسبيح ثابتاً لله قبل أن يوجد المسبّح، ثم سبح لله أول خلقه، ولا يزالون يُسبِّحون، فأنت أيضاً سبِّح باسم ربك الأعلى. أي: نزّهه سبحانه ذاتاً وصفاتاً وأفعالاً وأقوالاً عَمَّا تراه من المخلوقات.
    ومعنى * بِحَمْدِ رَبِّكَ * [طه: 130] لأن من لوازم الخلق أن يكون مختلفاً في الأهواء والأغراض والمصالح، يتشاكلون ويتحاربون على عَرَضٍ زائل، فمنهم الظالم والمظلوم، والقوي والضعيف.
    إذن: لا بُدَّ من وجود واحد لا توجد فيه صفة من هذه الصفات، ليضع القانون والقسطاس المستقيم الذي يُنظِّم حياة الخَلْق، فهذا التنزُّه عن مشابهة الأحداث كلها، وعن هذه النقائض نعمة يجب أن نشكر الله ونحمده على وجودها فيه، نحمده على أنه ليس كمثله شيء.

    فذلك يجعل الكون كله طائعاً، إنما لو مثله شيء فلربما تأبَّى على الطاعة في " كُنْ فيكون ".
    والتسبيح والتنزيه يعني المقياس الذي يضبط العالم ليس كمقياس العالم، إنما أصلح وأقوى، وهذا في صالح أنت، فساعةَ أن تُسبِّح الله اذكر أن التسبيح نعمة، فاحمد الله على أنه لا شيءَ مثلُه. سبِّح تسبيحاً مصحوباً بحمْدِ ربك؛ لأن تنزيهه إنما يعود بالخير على مَنْ خلق، وهذه نعمة تستحق أن تحمدَ الله عليها.
    ومثال ذلك ـ ولله المثل الأعلى ـ ربّ الأسرة، هذا الرجل الكبير العاقل صاحب كلمة الحق والعدل بين أفرادها، وصاحب المهابة بينهم تراهم جميعاً يحمدون الله على وجوده بينهم؛ لأنه يحفظ توازن الأسرة، ويُنظِّم العلاقات بين أفرادها. ألم نَقُلْ في الأمثال (اللي ملوش كبير يشتري له كبير)؟
    حتى وإن كان هذا الكبير متعالياً؛ لأن تعاليه لصالح أفراد أسرته، حيث سليزم كل واحد منهم حدوده.
    لذلك من أسماء الله تعالى: المتعال المتكبر، وهذه الصفة وإنْ كانت ممقوتة بين البشر لأنها بلا رصيد، فهي محبوبة لله تعالى؛ لأنها تجعل الجميع دونه سبحانه عبداً له، فتَكبُّره سبحانه وتعاليه بحقٍّ:* إِنَّمَآ أَمْرُهُ إِذَآ أَرَادَ شَيْئاً أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ *[يس: 82].
    إذن: لا يحفظ التوازن في الكون إلا قوة مغايرة للخَلْق.
    وقوله: * قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا وَمِنْ آنَآءِ الْلَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرَافَ النَّهَارِ لَعَلَّكَ تَرْضَى * [طه: 130].
    أي: تسبيحاً دائماً مُتوالياً، كما أن نعم الله عليك متوالية لا تنتهي، فكلُّ حركة من حركاتك نعمة، النوم نعمة، والاستيقاظ نعمة، الأكل نعمة، والشرب نعمة، البصر والسمع، كل حركة من حركات الأحداث نعمة تستحق الحمد، وكل نعمة من هذه ينطوي تحتها نِعَم.
    خُذْ مثلاً حركة اليد التي تبطش بها، وتأمّل كم هي مرِنة مِطْواعة لك كما شئت دون تفكير منك، أصابعك تتجمع وتمسك الأشياء دون أن تشعر أنت بحركة العضلات وتوافقها، وربما لا يلتفت الإنسان إلى قدرة الله في حركة يده، إلا إذا أصابها شلل والعياذ بالله، ساعتها يعرف أنها عملية صعبة، ولا يقدر عليها إلا الخالق عز وجل.
    لذلك؛ فالحق ـ سبحانه وتعالى ـ يعطينا زمن التسبيح، فيعيشه في كل الوقت * قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا وَمِنْ آنَآءِ الْلَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرَافَ النَّهَارِ * [طه: 130].
    وآناء: جمع إنْى، وهو الجزء من الزمن، وهذا الجزء يترقَّى حسْب تنبهك لتسبيح التحميد، فمعنى التسبيح آناء الليل، يعني أجزاء الليل كله، فهل يعني هذا أن يظل الإنسانُ لا عملَ له إلا التسبيح؟
    المناطقة يقولون عن الجزء من الوقت: مقول بالتشكيك، فيمكن أن تُجزّىء الليل إلى ساعات، فتُسبِّح كل ساعة، أو تترقّى فتسبح كل دقيقة، أو تترقّى فتُسبِّح كل ثانية، وهكذا حسْب مقامات المسبّح الحامد وأحواله.
    كلمتان خفيفتان على اللسان .. ثقيلتان في الميزان .. حبيبتان إلى الرحمن

    سبحان الله وبحمده .. سبحان الله العظيم

  7. #17
    Super Moderator
    رقم العضوية : 2
    تاريخ التسجيل : Jun 2016
    المشاركات: 3,273
    التقييم: 10
    الدولة : الأردن
    العمل : طالب علم
    فهناك من عباد الله مَنْ لا يفتر عن تسبيحه لحظة واحدة، فتراه يُسبِّح الله في كل حركة من حركاته؛ لأنه يعلم أنه لا يؤديها بذاته بدليل أنها قد تُسْلَب منه في أي وقت.
    إذن: فأجزاء الوقت تختلف باختلاف المقامات والأحوال، أَلاَ تراهم في وحدة القياس يقيسون بالمتر، ثم بالسنتيمتر، ثم بالمللي متر، وفي قياس الوقت توصّل اليابانيون إلى أجهزة تُحدِّد جزءاً من سبعة آلاف جزء من الثانية.
    ثم يقول: * وَأَطْرَافَ النَّهَارِ * [طه: 130] ليستوعب الزمن كله ليله ونهاره، والمقامات والأحوال كلها؛ لذلك يقول بعض العارفين في نصائحه التي تضمن سلامة حركة الحياة:
    (اجعل مراقبتك لمن لا تخلو عن نظره إليك) فهذا الذي يستحق المراقبة، وعلى المرء أنْ يتنبه لهذه المسألة، فلا تُكنْ مراقبته لمن يغفل عنه، أو ينصرف، أو ينام عنه.
    * واجعل شكرك لمن لا تنقطع نعمه عنك) فإذا شربتَ كوب ماءٍ فقُلْ: الحمد لله أن أرواك، فساعةَ تشعر بنشاطها في نفسك قل: الحمد لله. وساعةَ أنْ تُخرجها عرقاً أو بولاً قل: الحمد لله، وهكذا تكون موالاة حمد الله، والمداومة على شُكْره.
    (واجعل طاعتك لمن لا تستغني عنه) فطالما أنك لا تستغني عنه، فهو الأَوْلَى بطاعتك.
    (واجعل خضوعك لمن لا تخرج عن مُلْكه وسلطانه) وإلاَّ فأين يمكنك أن تذهب؟
    لكن، لماذا أطلق زمن التسبيح بالليل، فقال * آنَآءِ الْلَّيْلِ * [طه: 130] وحدده في النهار فقال * وَأَطْرَافَ النَّهَارِ * [طه: 130]؟
    قالوا: لأن النهار عادة يكون محلاً للعمل والسَّعْي، فربما شغلك التسبيح عن عملك، وربنا يأمرك أن نضربَ في الأرض ونُسهِم في حركة الحياة، والعمل يُعين على التسبيح، ويُعين على الطاعة، ويُعينك أنْ تلبي نداء: الله أكبر.
    ألاَ تقرأ قول الله ـ عز وجل ـ في سورة الجمعة:* ياأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاَةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْاْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُواْ الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ * فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاَةُ فَانتَشِرُواْ فِي الأَرْضِ وَابْتَغُواْ مِن فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُواْ اللَّهَ كَثِيراً لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ *[الجمعة: 9ـ10].
    ذلك لأن حركة الحياة هي التي تُعينك على أداء فَرْض ربك عليك، فأنت مثلاً تحتاج في الصلاة إلى سٍَتْر العورة، فانظر إلى هذا الثواب الذي تستر به عورتك: كم يَدٌ ساهمتْ فيه؟ وكم حركة من حركات الحياة تضافرتْ في إخراجه على هذه الصورة؟
    أمّا في الليل فأنتم مستريح، يمكنك التفرغ فيه لتسبيح الله في أيِّ وقت من أوقاته.
    ويلفتنا قوله تعالى: * قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا وَمِنْ آنَآءِ الْلَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرَافَ النَّهَارِ * [طه: 130] فأيّ طلوع؟ وأيّ غروب؟ وأيُّ ليل؟ وأيّ نهار؟ أهي لمصر أم للجزائر أم للهند أم لليابان؟ إنها ظواهر متعددة وممتدة بامتداد الزمان والمكان لا تنتهي، فالشمس في كل أوقاتها طالعة غاربة، ففي هذا إشارة إلى أن ذِكْر الله وتسبيح الله دائمٌ لا ينقطع.

    ثم يذكر سبحانه الغاية من التسبيح، فيقول * لَعَلَّكَ تَرْضَى * [طه: 130] ونلحظ أن الحق سبحانه يحثُّ على العمل بالنفعية، فلم يقُل: لعلِّي أرضى، قال: لعلك أنت ترضى، فكأن المسألة عائدة عليك ولمصلحتك.
    والرضا: أنْ تصلَ فيما تحب إلى ما تؤمِّل، والإنسان لا يرضى إلا إذا بلغ ما يريد، وحقّق ما يرجو، كما تقول لصاحبك: أأنت سعيد الآن؟ يقول: يعني: يقصد أنه لم يصل بعد إلى حَدِّ الرضا، فإنْ تحقَّق له ما يريد يقول لك: سعيد والحمد لله.
    فإنْ أحسنتَ إليه إحساناً يفوق ما يتوقعه منك يأخذك بالأحضان ويقول: ربنا يُديم عمرك، جزاك الله خيراً.
    إذن: رضا الإنسان له مراحل؛ لذلك فالحق سبحانه وتعالى يقول في الحديث القدسي كما روى النبي صلى الله عليه وسلم: " إن الله يتجلى على خَلْقه في الجنة: يا عبادي هل رضيتم؟ فيقولون: وكيف لا نرضى وقد أعطيتنا ما لم تُعْطِ أحداً من العالمين، قال: أعطيكم أفضل من ذلك، قالوا: يا رب، وهل يوجد أفضل من ذلك؟ قال: نعم، أُحِلُّ عليكم رضواني فلا أسخط بعده عليكم أبداً ".
    وهكذا يكون الرضى في أعلى مستوياته. الغاية من التسبيح ـ إذن ـ الذي كلّفك ربك به أنْ ترضى أنت، وأن يعودَ عليك بالنفع، وإلا فالحق سبحانه مُسبَّح قبل أن يخلق، أنت مُسبّح قبل أن يخلق الكون كله، ولا يزيد تسبيح في ملكه تعالى شيئاً. ويتم لك هذا الرضا حين تُرضِي الله فيرضيك.
    ثم يقول الحق سبحانه: * وَلاَ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا *
    وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى (131)

    بعد أن قال الحق سبحانه لنبيه صلى الله عليه وسلم:* فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ *[طه: 130] حذره أن ينظر إلى هؤلاء الجبابرة والمعاندين على أنهم في نعمة تمتد عينه إليها. ومعنى مَدِّ العين ألاَّ تقتصر على مجرد النظر على قَدَر طاقتها، إنما يُوجهها باستزادة ويوسعها لترى أكثر مما ينبغي، ومَدُّ العين يأتي دائماً بعد شغل النفس بالنعمة وتطلّعها إليها، فكأن الله يقول: لا تشغل نفسك بما هم فيه من نعيم؛ لأنه زهرة الدنيا التي سرعان ما تفنى.
    وقوله: * إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجاً مِّنْهُمْ * [طه: 131] الأزواج لا يُراد بها هنا الرجل والمرأة، إنما تعني الأصناف المقترنة، كما في قوله تعالى:* وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَآءَ فَزَيَّنُواْ لَهُم مَّا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ *[فصلت: 25].
    كل واحد له شيطان يلازمه لا يفارقه. هذه هي الزوجية المرادة، كذلك في قوله تعالى:* قَالَ قَآئِلٌ مِّنْهُمْ إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ *[الصافات: 51].
    والزَّهْرة إشارة إلى سرعة النهاية والحياة القصيرة، وهي زَهْرة لحياة دنيا، وأيّ وصف لها أقل من كَوْنها دنيا؟ وهذا الذي أعطيناهم من متاع الدنيا الزائل فأخذوا يزهُون به، ما هو إلا فتنة واختبار * لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ * [طه: 131].
    والاختبار يكون بالخير كما يكون بالشر، يقول تعالى:* وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً *[الأنبياء: 35].
    ويقول تعالى:* فَأَمَّا الإِنسَانُ إِذَا مَا ابْتَلاَهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ *[الفجر: 15].
    ويشكر أنه عرفها لله* وَأَمَّآ إِذَا مَا ابْتَلاَهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ *[الفجر: 16].
    وهنا يُصحِّح لهم الحق سبحانه هذه الفكرة، يقول: كلاكما كاذب في هذا القول، فلا النعمةَ دليلُ الإكرام، ولا سلبها دليلُ الإهانة:* كَلاَّ بَل لاَّ تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ * وَلاَ تَحَآضُّونَ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ * وَتَأْكُلُونَ التُّرَاثَ أَكْلاً لَّمّاً *[الفجر: 17ـ19].
    فهَبْ أن الله أعطاك نعمة ولم تُؤَدِّ شكْرها وحقَّها، فأيُّ إكرام فيها؟
    ثم يقول تعالى: * وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى * [طه: 131] أي: لا تشغل بالك بما أعطاهم الله؛ لأنه سبحانه سيعطيك أعظم من هذا، ورِزْق ربك خير من هذا النعيم الزائل وأبْقى وأخلد؛ لأنه دائم لا ينقطع في دار البقاء التي لا تفوتها ولا تفوتك، أما هؤلاء فنعيمهم موقوت، إمّا أنْ يفوتهم بالفقر، أو يفوتوه هم بالموت.
    ثم يقول الحق سبحانه: * وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاَةِ *
    وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى (132)

    هنا يعطينا الحق ـ تبارك وتعالى ـ منهجاً لإصلاح المجتمع وضمان انسجامه، منهج يبدأ بالوحدة الأولى وهو ربُّ الأسرة، فعليه أنْ يُصلح نفسه أولاً، ثم ينظر إلى الوحدة الثانية، وهي الخلية المباشرة له وأقرب الناس إليه وهم أهله وأسرته، فهو مركز الدائرة فإذا أصلح نفسه، فعليه أنْ يُصلح الدوائر الأخرى المباشرة له.
    فقوله تعالى: * وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاَةِ * [طه: 132] لتستقيم الوحدة الأولى في بناء الكون، فإذا ما صلُحَتْ الوحدة الأولى في بناء الكون، فأمَر كل واحد أهله بالصلاة، واستقام الكون كله وصَلُح حال الجميع.
    والمسألة هنا لا تقتصر على مجرد الأمر وتنتهي مسئوليته عند هذا الحدِّ إنما * وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا * [طه: 132] لأن في الصلاة مشقة تحتاج إلى صبر، فالصلاة تحتاج إلى وقت تأخذه من حركة الحياة التي هي سبب الخير والنفْع لك، فلا بُدَّ ـ إذن ـ من صبر عليها.
    وفَرْق بين اصبر واصطبر: اصبر الفعل العادي، إنما اصطبر فيها مبالغة أي: تكلَّف حتى الصبر وتعَمَّده.
    ومن ذلك أن تحرص على أداء الصلاة أمام أولادك لترسخ في أذهانهم أهمية الصلاة، فمثلاً تدخل البيت فتجد الطعام قد حضر فتقول لأولادك: انتظروني دقائق حتى أُصلي، هنا يلتفت الأولاد إلى أن الصلاة أهمّ حتى من الأكل، وتغرس في نفوسهم مهابةَ التكليف، واحترامَ فريضة الصلاة، والحرص على تقديمها على أيِّ عمل مهما كان.
    وكان سيدنا عمر ـ رضي الله عنه ـ يقوم من الليل يصلي ما شاء الله له أنْ يصلي حتى يؤذن للفجر، فيُوقظ أهله للصلاة فإنْ أبَوْا رَشَّ في وجوههم الماء؛ لأن الصلاة خَيْر من النوم، فالنوم في مثل هذا الوقت فيه راحة للبدن، أمّا الصلاة فهي أفضل وأعظم، ويكفي أنك تكون فيها في حضرة الله تعالى.
    وهَبْ أن رب الأسرة غاب عنها لمدة شهر أو عام، ثم فجأة قالوا: أبوكم جاء، فترى الجميع يُهرولون إليه، وهكذا لله المثل الأعلى، إذا دعاك، فلا تتخلّف عن دعوته، بل هَرْول إليه، وأسرع إلى تلبية ندائه، ولك أنْ تتصوَّر واحداً يناديك وأنتَ لا تردّ عليه ولا تجيبه، أعتقد أنه شيء غير مقبول، ولا يرضاه صاحبك.
    إذن: عليك أنْ تُعوِّد أولادك احترام هذا النداء، وبمجرد أن يسمعوا " الله أكبر " يُلبُّون النداء، ولا يُقدِّمون عليه شيئاً آخر، فالله لا يبارك في عمل ألهاك عن نداء (الله أكبر)؛ لأنك انشغلتَ بالنعمة عن المنعم عز وجل.
    لذلك، إنْ أردتَ أنْ تعرف خير عناصر المجتمع فانظر إلى أسبقيتهم إلى إجابة نداء (الله أكبر)، فإنْ أردتَ أن تعرف مَنْ هو أعلى منه منزلةً، فانظر إلى آخرهم خروجاً من المسجد، وليس كذلك مَنْ يأتي الصلاة دُبُراً، وبمجرد السلام يسرع إلى الانصراف.

    " ويُروى أن سيدنا محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم عابَ على أحد الصحابة إسراعه في الانصراف من المسجد بعد السلام، فتعمَّد رسول الله أنْ يناديه في إحدى المرات، قال: أزهداً فيناً "؟
    وهل هناك مَنْ يزهد في رؤية رسول الله والجلوس معه؟ فقال الرجل: لا يا رسول الله، ولكن لي زوجة بالبيت تنتظر ثوبي هذا لتصلي فيه، فيدعو له رسول الله، وينصرف الرجل إلى زوجته، فإذا بها تقول له: تأخرت بقدْرِ كذا تسبيحة، فقال: لقد استوقفني رسول الله وحدث كذا وكذا، فقالت له: شكوتَ ربَّك لمحمد "
    ثم يقول تعالى: * لاَ نَسْأَلُكَ رِزْقاً نَّحْنُ نَرْزُقُكَ * [طه: 132] إذن: ما الذي يشغلك عن حَضْرة ربك، الرزق؟ * لاَ نَسْأَلُكَ رِزْقاً * [طه: 132] فالذي لا يستطيع العمل نُوجِّه إليه من الأغنياء مَنْ يطرق بابه ويعطيه، فالغنيّ شَرْطٌ في إيمانه الفقيرُ، وليس شرطاً في إيمان الفقير الغني.
    وكأن الحق سبحانه يعطينا إشارة إلى ضرورة البحث عن الفقير، والطَّرْق على بابه لإعطائه حقَّه في مال الغنيّ، لا ينتظره حتى يسأل، ويُريق ماء وجهه وهو يطلب حَقّاً من حقوقه في مجتمع الإيمان.
    وقوله: * نَّحْنُ نَرْزُقُكَ * [طه: 132] أي: لا نسألك رزقاً ثم نتركك، إنما لا نسألك ثم نحن نرزقك، فاطمئن إلى هذه المسألة.
    * وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى * [طه: 132] لأنك إذا تأزمتْ معك أمور الحياة تلجأ إلى الله، كما كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا حَزَبَهُ أمر قام إلى الصلاة، وتأزُّم الأمور يأتي حينما نفقد نحن الأسباب المعطاة من الله، فإذا فقدتَ الأسباب وضاقتْ بك الحِيَل لم يَبْقَ لك إلا أنْ تلجأ إلى المسبِّب سبحانه، كما يقول في آية أخرى:
    * وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَحْتَسِبُ *[الطلاق: 2ـ3].
    ثم يقول الحق سبحانه: * وَقَالُواْ لَوْلاَ يَأْتِينَا بِآيَةٍ *
    وَقَالُوا لَوْلَا يَأْتِينَا بِآيَةٍ مِنْ رَبِّهِ أَوَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ مَا فِي الصُّحُفِ الْأُولَى (133)

    مرت بنا (لولا) في قوله تعالى:* وَلَوْلاَ كَلِمَةٌ سَبَقَتْ *[يونس: 19] وتعني: امتناع التعذيب لوجود الكلمة، أما (لولا) هنا فتعني: هلا، للحثِّ والطلب * لَوْلاَ يَأْتِينَا بِآيَةٍ مِّن رَّبِّهِ * [طه: 133] كما في* وَلَوْلا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَآءَ اللَّهُ *[الكهف: 39].
    فكأن القرآن لا يعجبهم، مع أنهم أمةُ بلاغة وبيانٍ، وأمة فصاحة وكلام، والقرآن يخجلهم لفصاحته وبلاغته، فأيُّ آية تريدونها بعد هذا القرآن؟
    * وَقَالُواْ لَوْلاَ يَأْتِينَا بِآيَةٍ مِّن رَّبِّهِ * [طه: 133] كدليل صِدْق على بلاغه عن الله كالمعجزات الحسّية التي حدثتْ لمن قبله من الرسل، كما قال تعالى:
    * وَقَالُواْ لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الأَرْضِ يَنْبُوعاً * أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِّن نَّخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الأَنْهَارَ خِلالَهَا تَفْجِيراً * أَوْ تُسْقِطَ السَّمَآءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفاً أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ قَبِيلاً * أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِّن زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَآءِ وَلَن نُّؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَاباً نَّقْرَؤُهُ قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنتُ إِلاَّ بَشَراً رَّسُولاً *[الإسراء: 90ـ93].
    إذن: فالآيات من الله لا دَخْلَ لي فيها ولا أختارها، وها هو القرآن بين أيديكم يخبركم بما كان في الأمم السابقة* فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنْتُم لاَ تَعْلَمُونَ *[النحل: 43].
    وقال تعالى* قَدْ أَفْلَحَ مَن تَزَكَّى * وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى * بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * وَالآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى * إِنَّ هَـاذَا لَفِي الصُّحُفِ الأُولَى * صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى *[الأعلى: 14ـ19].
    وقال تعالى* إِنَّآ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ كَمَآ أَوْحَيْنَآ إِلَى نُوحٍ *[النساء: 163].
    لذلك يقول تعالى بعدها: * أَوَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ مَا فِي الصُّحُفِ الأُولَى * [طه: 133].
    فالقرآن جاء جامعاً ومُهيْمناً على الكتب السابقة، وفيه ذِكْر لكل ما حدث فيها من معجزات حسية، وهل شاهد هؤلاء معجزة عيسى عليه السلام في إبراء الأكمه والأبرص؟ هل شاهدوا عصا موسى أو ناقة صالح؟
    لقد عرفوا هذه المعجزات عندما حكاها لهم القرآن، فصارت خبراً من الأخبار، وليست مَرْأىً، والمعجزة الحسِّية تقع مرة واحدة، مَنْ رآها آمن بها، ومَنْ يرهَا فهي بالنسبة له خبر، ولولا أن القرآن حكاها ما صدَّقها أحد منهم.
    لكن هؤلاء يريدون معجزة حِسِّية تصاحب رسالة محمد العامة للزمان وللمكان، ولو كانت معجزَة محمد حِسِّية لكانت لمَنْ شاهدها فقط، والحق سبحانه يريدها معجزة دائمة لأمتداد الزمان والمكان، فَمنْ آمن بمحمد نقول له: هذه هي معجزته الدائمة الباقية إلى أنْ تقومَ الساعة.
    لذلك، كان القرآن معجزة لكل القرون، ولو أفنى القرآن معجزته مرة واحدة للمعاصرين له فحسب لاستقبلتْه القرون الآتية بلا إعجاز، لكن شاءتْ إرادة الله أن يكون إعجاز القرآن سراً مطموراً فيه، وكل قرن يكتشف من أسراره على قدر التفاتهم إليه وتأملهم فيه، وهكذا تظل الرسالة محروسة بالمعجزة.
    ثم يقول الحق سبحانه: * وَلَوْ أَنَّآ أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ *
    وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزَى (134)

    يقول تعالى: أنا قطعت عليهم الحجة؛ لأنني لو أهلكتُهم على فَتْرة من الرسل لقالوا: لماذا لم تُبقِنَا ِإلى أن يأتينا رسول، فلو جاءنا رسول لآمنا به قبل أن نقع في الَذُّلِّ والخِزْي، فمعنى: ولو أنّا أهلكناهم بعذاب من قبل أن يأتي القرآن لقالوا: ربنا لولا أرسلتَ إلينا رسولاً لآمنّا به واهتدينا.
    وهذه مجرد كلمة هو قائلها، وكما قال عنهم الحق سبحانه:* وَلَوْ رُدُّواْ لَعَادُواْ لِمَا نُهُواْ عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ *[الأنعام: 28] إنها مجرد كلمة تنقذهم من الإشكال.
    وقولهم: * مِن قَبْلِ أَن نَّذِلَّ وَنَخْزَى * [طه: 134] الذل: ما يعتري الحييِّ مما ينشأ عنه انكساره بعد أنْ كان متعالياً، والذلّ يكون أولاً بالهزيمة، وأذلّ من الهزيمة الأَسْر، لأنه قد يُهزم ثم يفِرُّ، وأذلُّ منهما القتل. إذن: الذل يكون في الدنيا أمام المشاهدين له والمعاصرين لانكساره بعد تعاليه.
    أما الخزي: نخزى يعني: يُصيبنا الخزي، وهو تخاذل النفس بعد ارتفاعها. ومن ذلك يقولون: أنت خزيت. يعني: كنت تنتظر شيئاً فوجدت خلافه.
    ومنه قوله تعالى:* رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدتَّنَا عَلَى رُسُلِكَ وَلاَ تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ *[آل عمران: 194] فإنْ عُجِّل لهم الذلُّ في الدنيا، فإن الخزي مُؤخَّر للآخرة حتى تكون فضيحتهم على رؤوس الأشهاد، كما يقولون (فضيحة بجلاجل) حيث يشهد خِزْيَهم أهلُ الموقف جميعاً.
    وكلمة " الخزي " هذه لها معنا موقف طريف أيام كنا صغاراً نحفظ القرآن على يد سيدنا فضيلة الشيخ حسن زغلول ـ عليه رحمة الله ـ وكان رجلاً مكفوفَ البصر، وكنا (نستلخمه) فإذا وجدنا فرصة تفلّتنا منه وهربنا من تصحيح اللوح الذي نحفظه، فالذي يحفظ بمفرده هكذا من المصحف يكون عرْضة للخطأ.
    ومن ذلك ما حدث فعلاً من زميل لنا كان اسمه الشيخ محمد حسن عبد الباري، وقد حضر مدير المدرسة فجأة، وأراد أن يُسمِّع لنا، وكان الشيخ عبد الباري لم يصحح لوحه الذي سيقرأ منه فقرأ: (إنك من تدخل النار فقد أخزيته) فقرأها بالراء بدلاً من الزاي، فضحك الشيخ طويلاً ـ رحمه الله ـ وقال: يا بني المعنى صحيح، لكن الرواية ليست هكذا.
    فكنا نأخذها على الشيخ عبد الباري، فَمنْ أراد أنْ يغيظه قال: (إنك من تدخل النار..) ويسكتْ!!
    فشاء الله تعالى أن يتعرض كُلُّ منا لموقف مشابه يُؤْخَذ عليه، وقد أُخِذ عليَّ مثلُ هذا حين قرأت دون أنْ أُصحِّح اللوح أول سورة الشورى: (حم عسق) وقد سبق لي أن عرفت (حم) لكن لم يمر بي (عسق) فقرأت: (حم عَسَقَ) بالوصل، فصار الشيخ عبد الباري كلما قلت له: (إنك من تدخل النار....) يقول: (حم).
    فقلنا سبحان ا لله:مَنْ يَعِبْ يَوْماً بشَيْء لَمْ يمُتْ حتَّى يَرَاهُإذن: فقول هؤلاء: * رَبَّنَا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ مِن قَبْلِ أَن نَّذِلَّ وَنَخْزَى * [طه: 134] تمحُّك منهم: لو أرسلت لنا رسولاً لاتبعناه من قبل أنْ نذلّ في الدنيا هزيمةً، أو أَسْراً، أو قَتْلاً، ونخزى في الآخرة بفضيحة علنية على رؤوس الأشهاد.
    قُلْ كُلٌّ مُتَرَبِّصٌ فَتَرَبَّصُوا فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ أَصْحَابُ الصِّرَاطِ السَّوِيِّ وَمَنِ اهْتَدَى (135)

    التربُّص: التحفُّز لوقوع شيء بالغير، تقول: فلان يتربص بي يعني: يلاحظني ويتابعني، ينتظر مني هَفْوة أو خطأ، فقوله: * قُلْ كُلٌّ مُّتَرَبِّصٌ فَتَرَبَّصُواْ * [طه: 135] فكُلٌّ مِنَّا يتربص بالآخر، لأننا أعداء، كل منا ينتظر من الآخر هفوة ويترقب ماذا يحدث له.
    وقد أوضح سبحانه وتعالى توجيهات التربُّص منه ومنهم في آية أخرى:* قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَآ إِلاَّ إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ *[التوبة: 52].
    ماذا تنتظرون إلا إحدى الحُسْنيين: إما أن نموت في قتالكم شهداء، أو ننتصر عليكم ونُذِلكم، فأيُّ تربُّص يحدث شرف لنا، إما النصر أو الشهادة، فكلاهما حُسنْى، ونحن نتربّص بكم أنْ يصيبكم الله بعذاب من عنده أو بأيدينا، فكلاهما سوءة.
    وما دام الأمر كذلك فتربَّصُوا بنا كما تحبون، ونحن نتربص بكم كما نريد؛ لأن تربصنا بكم يفرحنا، وتربصكم بنا يُؤلمكم ويُحزنكم.
    ومعنى * قُلْ * [طه: 135] هنا أن القول * كُلٌّ مُّتَرَبِّصٌ * [طه: 135] ليست من عند محمد، فليس في يده زمام الكون ولا يعلم الغيب، فهو قَوْل الله الذي قال له (قل) يا محمد * كُلٌّ مُّتَرَبِّصٌ فَتَرَبَّصُواْ * [طه: 135].
    إذن: قيلتْ مِمَّن يملك أَزمّة الأمور وأعنّتها، و لايخرج شيء عن مراده تعالى، وربما لو قُلْت لكم من عندي تقولون: كلام بشر لا يملك من الأمور شيئاً. إذن: خذوها لا بمقياس كلام البشر، إنما بمقياس مَنْ يملك زمام أقْضية البشر كلها.
    ثم يقول تعالى: * فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ أَصْحَابُ الصِّرَاطِ السَّوِيِّ وَمَنِ اهْتَدَى * [طه: 135] متى سيحدث هذا؟ ساعةَ تقوم الساعة حيث الانصراف، إما إلى جنة، وإما إلى نار، ساعتها ستعلمون مَنْ أصحاب الصراط السوي: نحن أمْ أنتم؟ لكنه سيكون عِلْماً لا ينفع ولا يُجدي، فقد جاء بعد فوات الأوان، جاء وقت الحساب لا وقت العمل وتلافي الأخطاء.
    إنه عِلْم لا يترتب عليه عمل ينجيكم، فقد انتهى وقت العمل، وهكذا يكون عِلْماً يُزيد حسرتهم، ويُؤذيهم ولا ينفعهم.
    والصراط: الطريق المستقيم. والسَّويّ: المستقيم الذي لا عِوَجَ فيه ولا أَمْت.
    وقال بعدها * وَمَنِ اهْتَدَى * [طه: 135] لأنه قد يوجد الصراط السويّ، ولا يوجد مَنْ يسلكه، فالمراد: الصراط السَّوي ومَن اهتدى إليه وسلَكه.
    وقد يظن ظانٌّ أن مسألة التربُّص هذه قد تطول، فيقطع الحق سبحانه هذا الظن بقوله في سورة الأنبياء الآتية بَعدْ:* اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ *[الأنبياء: 1].
    وهكذا تنسجم السُّورتان، ويتصل المعنى بين الآيات.
    كلمتان خفيفتان على اللسان .. ثقيلتان في الميزان .. حبيبتان إلى الرحمن

    سبحان الله وبحمده .. سبحان الله العظيم

صفحة 2 من 2 الأولىالأولى 12

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

المفضلات

المفضلات

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •  

RSS RSS 2.0 XML MAP html  PHP  info tags Maps maptags vbmaps

الساعة معتمدة بتوقيت جرينتش +3 . الساعة الآن : 18:35.
الموقع غير مسؤول عن أي اتفاق تجاري أو تعاوني بين الأعضاء
فعلى كل شخص تحمل مسئولية نفسه إتجاه مايقوم به من بيع وشراء وإتفاق وأعطاء معلومات موقعه
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي موقع الأشاعرة و لا نتحمل أي مسؤولية قانونية حيال ذلك (ويتحمل كاتبها مسؤولية النشر)
الساعة الآن 10:18 AM
Powered by vBulletin® Version 4.2.3
Copyright © 2018 vBulletin Solutions, Inc. Translate By soft