إذا كانت هذه زيارتك الأولى يرجى الاطلاع على الرابط التالي الأسئلة ولكي تتمكن من كتابة مواضيع وإرسال رسائل خاصة لابد لك منالتسجيل
صفحة 1 من 2 12 الأخيرةالأخيرة
النتائج 1 إلى 10 من 17

الموضوع: سورة طه

  1. #1
    Super Moderator
    رقم العضوية : 2
    تاريخ التسجيل : Jun 2016
    المشاركات: 3,273
    التقييم: 10
    الدولة : الأردن
    العمل : طالب علم
    الهوايه : المطالعة

    سورة طه

    طه (1)

    تكلمنا كثيراً عن الحروف المقطَّعة في بدايات السور، ولا مانع هنا أنْ نشير إلى ما ورد في (طه)، فالبعض يرى أنها حروف متصلة، وهي اسم من أسماء الرسول صلى الله عليه وسلم، وآخرون يروْنَ أنها حروف مُقطّعة مثل (الم) ومثل (يس) فهي حروف مُقطّعة، إلا أنها صادفتْ اسماً من الأسماء كما في (ن) حرف وهو اسم للحوت:* وَذَا النُّونِ إِذ ذَّهَبَ مُغَاضِباً *[الأنبياء: 87] و(ق) حرف، وهو اسم لجبل اسمه جبل قاف.
    إذن: لا مانع أن تدل هذه الحروف على اسم من الأسماء، فتكون (طه) اسماً من أسماء الرسول صلى الله عليه وسلم خاصة، وأن بعدها:* مَآ أَنَزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى *[طه: 2].
    لكن تلاحظ هنا مفارقة، حيث نطق الطاء والهاء بدون الهمزة، مع أنها حروف مقطعة مثل الف لام ميم، لكن لم ينطق الحرف كاملاً، لأنهم كانوا يستثقلون الهَمْز فيُخَفِّفونها، كما في ذئب يقولون: ذيب وفي بئر، يقولون: بير. وهذا النطق يُرجح القول بأنها اسم من أسماء النبي صلى الله عليه وسلم.
    وسبق أنْ أوضحنا أن فواتح السور بالحروف المقطّعة تختلف عن باقي آيات القرآن، فكُلُّ آيات القرآن من بدايته لنهايته بُنيَتْ على الوَصْل، وإنْ كان لك أن تقف؛ لذلك فكل المصاحف تُبنَى على الوَصْل في الآيات وفي السور، فتنطق آخر السورة على الوصل ببسم الله الرحمن الرحيم في السورة التي بعدها.
    تقول:* هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِّنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزاً *[مريم: 98] (بسم الله الرحمن الرحيم) حتى في آخر سور القرآن ونهايته تقول:* مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ *[الناس: 6] (بسم الله الرحمن الرحيم) مع أنها آخر كلمة في القرآن، وماذا سيقول بعدها؟ لكنها جاءت على الوَصْل إشارة إلى أن القرآن موصولٌ أوَّله بآخره، لا ينعزل بعضه عن بعض، فإياك أن تجفوَهُ، أو تظن أنك أنهيته؛ لأن نهايته موصولة ببدايته؛ فنقرأ * مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ * * بِسمِ الله الرَّحْمانِ الرَّحِيـمِ * الحمدُ للهِ رب العالمين....
    إذن: فالقرآن كله في كل جملة وكل آية وكل سورة مبنيٌّ على الوَصْل، إلا في فواتح السور بالحروف المقطّعة تُبنَى على الوقف (ألف ـ لام ـ ميم)، وهذا وجه من وجوه الإعجاز، وأن القرآن ليس ميكانيكا، بل كلام مُعْجِز من ربِّ العالمين.
    لذلك، فالنبي صلى الله عليه وسلم أوضح استقلالية هذه الحروف بذاتها، فقال " تعلموا هذا القرآن، فإنكم تؤجرون بتلاوته، بكل حرف عشر حسنات، أما إني لا أقول الم حرف، ولكن ألف حرف، ولام حرف، وميم حرف، بكل حرف عشر حسنات ".
    يقول الحق سبحانة: * مَآ أَنَزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ *
    مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى (2)

    الشقاء: هو التعب والنَّصَب والكدّ، فالحق سبحانه ينفي عن رسوله صلى الله عليه وسلم التعب بسبب إنزال القرآن عليه، إذن: فما المقابل؟ المقابل: أنزلنا عليك القرآن لتسعد، تسعد أولاً بأن اصطفاك لأن تكون أَهْلاً لنزول القرآن عليك، وتسعد بأن تحمل نفسك أولاً على منهج الله وفِعْل الخير كل الخير.
    فلماذا ـ إذن ـ جاءتْ كلمة * لِتَشْقَى * [طه: 2]؟.
    هذا كلام الكفار أمثال أبي جهل، ومُطعِم بن عدي، والنضر بن الحارث، والوليد بن المغيرة حينما ذهبوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقالوا له: لقد أشقيتَ نفسك بهذه الدعوة.
    وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن الله بعثني رحمة للعالمين ".
    فقد بعث رسول الله ليسعد ويسعد معه قومه والناس أجمعين لا ليشقى ويُشقِي معه الناس. لكن من أين جاء الكفار بمسألة الشقاء هذه؟ المؤمن لو نظر إلى منهج الله الذي نزل به القرآن لوجده يتدخل في إراداته واختياراته، ويقف أمام شهواته، فيأمره بما يكره وما يشقُّ على نفسه، ويمنعه مما يألَف ومما يحب.
    إذن: فمنهج الله ضد مرادات الاختيار، وهذا يُتعِب النفس ويشقُّ عليها إذا عُزِلَتْ الوسيلة عن غايتها، فنظرت إلى الدنيا والتكليف منفصلاً عن الآخرة والجزاء.
    أمّا المؤمن فيقرن بين الوسيلة والغاية، ويتعب في الدنيا على أمل الثواب في الآخرة، فيسعد بمنهج الله، لا يشقى به أبداً. كالتلميذ الذي يتحمل مشقّة الدرس والتحصيل؛ لأنه يستحضر فَرْحة الفوز والنجاح آخر العام.
    من هنا رأى هؤلاء الكفار في منهج الله مشقة وتعباً، لأنهم عزلوا الوسيلة عن غايتها؛ لذلك شعروا بالمشقة، في حين شعر المؤمنون بلذة العبادة ومتعة التكليف من الله، وهذه المسألة هي التي جعلتهم يتخذون آلهةً لا مطالبَ لها، ولا منهج، ولا تكليف، آلهة يعبدونها على هواهم، ويسيرون في ظلها على حَلِّ شعورهم.
    لذلك أوضح القرآن أنهم مغفلون في هذه المسألة، فقال: * مَآ أَنَزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى * [طه: 2].
    أو يكون الشقاء: تعرُّضه لِعُتاة قريش وصناديدها الذين سخروا منه، وآذوه وسلَّطوا عليه سفهاءهم وصبيانهم، يشتمونه ويرمونه بالحجارة، وهو صلى الله عليه وسلم يُشقِي نفسه بدعوتهم والحرص على هدايتهم.
    والحق تبارك وتعالى ينفي الشقاء بهذا المعنى أيضاً: * مَآ أَنَزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى * [طه: 2] أي: لتُشقي نفسك معهم، إنما أنزلناه لتبليغهم فحسب، وقد تكرر هذا المعنى في القرآن كثيراً في مثل قوله تعالى:* فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِن لَّمْ يُؤْمِنُواْ بِهَـاذَا الْحَدِيثِ أَسَفاً *[الكهف: 6] وقوله:* إِن نَّشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِّنَ السَّمَآءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ *[الشعراء: 4].
    وسبق أنْ ضربنا لذلك مثلاً ـ ولله المثَل الأعلى ـ برجل عنده عبدان: ربط أحدهما إليه بحبل، وأطلق الآخر حُراً، فإذا ما دعاهما فاستجابا لأمره، فأيهما أطوع له، وأكثر احتراماً لأمره؟
    لا شكَّ أنه الحر الطليق؛ لأنه جاء مختاراً، في حين كان قادراً على العصيان.

    وكذلك ربك ـ تبارك وتعالى ـ يريد منك أن تأتيه حُراً مختاراً مؤمناً، وأنت قادر ألاَّ تؤمن.
    والبعض يحلو لهم نقد الإسلام واتهام الرسول صلى الله عليه وسلم، فيقولون: إن رسول الله يخطىء والله يُصوِّب له، ونتعجب: وما يضيركم أنتم؟ طالما أن ربه هو الذي يُصوِّب له، هل أنتم الذين صَوَّبتم لرسول الله!؟ ثم مَنْ أخبركم بخطأ رسول الله؟ أليس هو الذي أخبركم؟ أليس هذا من قوة أمانته في التبليغ ويجب أن تحمد له؟
    إذن: فرسول الله صلى الله عليه وسلم لا يستنكف أنْ يُربِّيه ربه؛ لذلك يقول: " إنما أنا بشر يَرِد عليَّ ـ يعني من الحق ـ فأقول: أنا لست كأحدكم، ويُؤخذ مني فأقول: ما أنا إلا بشر مثلكم ".
    وقد تمحَّك هؤلاء كثيراً في قصة عبد الله بن أم مكتوم، حينما انشغل عنه رسول الله بكبار قريش، والمتأمل في هذه القصة يجد أن ابن أم مكتوم كان رجلاً مؤمناً جاء ليستفهم من رسول الله عن شيء، فالكلام معه ميسور وأمر سَهْل، أمّا هؤلاء فهم رؤوس الكفر وكبار القوم، ولديهم مع ذلك لَدَد في خصومتهم للإسلام، والنبي صلى الله عليه وسلم يحرص على هدايتهم ويُرهِق نفسه في جدالهم أملاً في أنْ يهدي الله بهم مَنْ دونهم.
    إذن: النبي في هذا الموقف اختار لنفسه الأصعب، وربه يعاتبه على ذلك، فهو عِتَاب لصالحه، له لا عليه.
    ثم يقول الحق سبحانه: * إِلاَّ تَذْكِرَةً لِّمَن يَخْشَى *
    إِلَّا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشَى (3)

    أي: ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى، وإنما أنزلناه (تذكرةً) أي تذكيراً (لمَنْ يَخْشَى) الخشية: خَوْف بمهابة؛ لأن الخوفَ قد يكون خوفاً دون مهابة، أمّا الخوف من الله فخوْف ومهابة معاً.
    تَنْزِيلًا مِمَّنْ خَلَقَ الْأَرْضَ وَالسَّمَاوَاتِ الْعُلَى (4)

    تنزيلاً: مصدر أي: أنزلناه تنزيلاً، وقد ورد في نزول القرآن: أنزلناه، ونزلناه ونزل، يقول تعالى:* إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ * وَمَآ أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ * لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ * تَنَزَّلُ الْمَلاَئِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا *[القدر: 1ـ4].
    لأن القرآن أخذ أدواراً عِدَّة في النزول، فقد كان في اللوح المحفوظ، فأراد الله له أن يباشر القرآن مهمته في الوجود، فأنزله من اللوح المحفوظ مرة واحدة إلى السماء الدنيا. فأنزله ـ أي الله تعالى ـ ثم تَنزَّل مُفرَّقاً حسْب الأحداث من السماء الدنيا على قلب رسول الله صلى الله عليه وسلم والذي نزل به جبريل:* نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ *[الشعراء: 193].
    وقوله تعالى: * مِّمَّنْ خَلَقَ الأَرْضَ وَالسَّمَاوَاتِ الْعُلَى * [طه: 4].
    خَصَّ السموات والأرض، لأنها من أعظم خَلْق الله، وقد أعدهما الله ليستقبلا الإنسان، فالإنسان طرأ على كَوْن مُعَدٍّ جاهز لاستقباله، فكان عليه ساعة أنْ يرى هذا الكون المُعدَّ لخدمته بأرضه وسمائه، ولا قدرة له على تسيير شيء منها، كان عليه أن يُعمِلَ عقله، ويستدل بها على الموجد سبحانه وتعالى.
    كأن الحق ـ تبارك وتعالى ـ يقول لك: إذا كان الخالق سبحانه قد أعدَّ لك الكون بما يُقيم حياتك المادية، أيترك حياتك المعنوية بدون عطاء؟
    والخالق عز وجل خلق هذا الكون بهندسة قيومية عادلة حكيمة تُوفِّر لخليفته في الأرض استبقاءَ حياته، وتعطيه كل ما يحتاج إليه بقدر دقيق، واستبقاء الحياة يحتاج إلى طعام وشراب وهواء، وقد أعطاها الله للإنسان بحكمة بالغة.
    فالطعام يحتاجه الإنسان، ويستطيع أنْ يصبر عليه شهراً، دون أن يأكل، ويحتاج إلى الماء ولكن لا يستطيع أنْ يصبر عليه أكثر من عشرة أيام، ويحتاج إلى الهواء ولكن لا يصبر عليه لحظةً تستغرق عِدَّة أنفاس.
    لذلك، فمن رحمته تعالى بعباده أنْ يمتلك بعضُ الناس القوتَ، فالوقت أمامك طويل لتحتالَ على كَسْبه، وقليلاً ما يملك أحدٌ الماءَ، أما الهواء الذي لا صَبْر لك عليه، فمن حكمة الله أنه لا يملكه أحد، وإلا لو منع أحد عنك الهواء لمُتَّ قبل أنْ يرضى عنك.
    فمن حكمة الله أنْ خلق جسمك يستقبل مُقوِّمات استبقاء الحياة فترة من الزمن تتسع للحيلة وللعطف من الغير، وحين تأكل يأخذ الجسم ما يحتاجه على قَدْر الطاقة المبذولة، وما فاض يُختزَن في جسمك على شكل دُهْن يُغذِّي الجسم حين لا يتوفر الطعام.
    ومن عجائب قدرة الله أن هذه المادة الدُّهنية تتحول تلقائياً إلى أي مادة أخرى يحتاجها الجسم، فإن احتاج الحديد تتحول كيماوياً إلى الحديد، وإن احتاج الزرنيخ تتحول كيماوياً إلى زرنيخ، وهي في الواقع مادة واحدة، فمَنْ يقدر على هذه العملية غيره تعالى؟
    وبعد أنْ أعطاك ما يستبقي حياتك من الطعام والشراب والهواء أعطاك ما يستبقي نوعك بالزواج والتناسل.
    وقوله تعالى: * السَّمَاوَاتِ الْعُلَى * [طه: 4] العلا: جمع عُليا، كما نقول في جمع كبرى: كُبَر* إِنَّهَا لإِحْدَى الْكُبَرِ *[المدثر: 35].
    وهكذا تكتمل مُقوِّمات التكوين العالي لخليفة الله في الأرض، فكما أعطاه ما يقيم حياته ونوعه بخَلْق السموات والأرض، أعطاه ما يُقيم معنوياته بنزول القرآن الذي يحرس حركاتنا من شراسة الشهوات، فالذي أنزل القرآن هو الذي خلق الأرض والسموات العلا.
    والصفة البارزة في هذا التكوين العالي للإنسان هي صِفَة الرحمانية؛ لذلك قال بعدها: * الرَّحْمَـانُ عَلَى الْعَرْشِ *
    الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (5)

    فالآية السابقة أعطتْنا مظهراً من مظاهر العطف والرحمة، وهذه تعطينا مظهراً من مظاهر القَهْر والغَلَبة، واستواء الرحمن ـ تبارك وتعالى ـ على العرش يُؤخَذ في إطار.
    * لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ *[الشورى: 11].
    وسبق أن تكلمنا في الصفات المشتركة بين الحق سبحانه وبين خَلْقه، فلَكَ سمعٌ وبصر، ولله سمع وبصر، لكن إياك أنْ تظن أن سمع الله كسمْعك، أو أن بصره كبصرك.
    كذلك في مسألة الاستواء على العرش، فاللحقِّ سبحانه استواء على عرشه، لكنه ليس كاستوائك أنت على الكرسي مثلاً.
    والعرش في عُرْف العرب هو سرير المْلك، وهل يجلس الملك على سريره ليباشر أمر مملكته ويدير شئونها إلا بعد أ نْ يستتبَّ له الأمر؟
    وكذلك الخالق ـ جَلَّ وعلا ـ خلق الكون بأرضه وسمائه، وخلق الخَلْق، وأنزل القرآن لينظم حياتهم، وبعد أن استتبَّ له الأمر لم يترك الكون هكذا يعمل ميكانيكياً، ولم ينعزل عن كَوْنه وعن خَلْقه؛ لأنهم في حاجة إلى قيوميته تعالى في خَلْقه.
    ألم يقل الحق سبحانه في الحديث القدسي: " يا عبادي ناموا مِلْءَ جفونكم، لأنِّي قَيُّوم لا أنام ".
    فكوْنُ الله ليس آلةً تعمل من تلقاء نفسها، وإنما هو قائم بقيوميته عليه لا يخرج عنها؛ لذلك كانت المعجزات التي تخرق نواميس الكون دليلاً على هذه القيومية.
    ثم يقول الحق سبحانه: * لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ *
    لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثَّرَى (6)

    الحق ـ تبارك وتعالى ـ يمتنُّ بما يملكه سبحانه في السموات وفي الأرض وما تحت الثرى، والله تعالى لا يمتنُّ إلا بملكية الشيء النفيس الذي يُنتفع به.
    وكأنه سبحانه يلفت أنظار خَلْقه إلى ما في الكون من مُقوِّمات حياتهم المادية ليبحثوا عنها، ويستنبطوا ما ادَّخره لهم من أسرار وثروات في السموات والأرض، والناظر في حضارات الأمم يجد أنها جاءت إما حَفْريات الأرض، أو من أسرار الفضاء الأعلى في عصر الفضاء.
    ولو فهم المسلمون هذه الآية منذ نزلت لَعلموا أن في الأرض وتحت الثرى وهو: (التراب) كنوزاً وثروات ما عرفوها إلا في العصر الحديث بعد الاكتشافات والحفريات، فوجدنا البترول والمعادن والأحجار الثمينة، كلها تحت الثَّرى مطمورةً تنتظر مَنْ يُنقِّب عنها وينتفع بها.
    وقد أوضح العلماء أن هذه الثروات موزعة في أرض الله بالتساوي، بحيث لو أخذتَ قطاعاتٍ متساوية من أراض مختلفة لوجدتَ أن الثروات بها متساوية: هذه بها ماء، وهذه مزروعات، وهذه معادن، وهذه بترول وهكذا. فهي أشبه بالبطيخة حين تقسمها إلى قِطع متساوية من السطح إلى المركز.
    لذلك يقول تعالى:* وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ عِندَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلاَّ بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ *[الحجر: 21].
    إذن: فالخير موجود ينتظر القَدَر ليظهر لنا وننتفع به.
    ثم يقول تبارك وتعالى: * وَإِن تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ *
    وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى (7)

    الحق ـ سبحانه وتعالى ـ حينما يطلب من رسوله أن يذكر يريد منه أن يُذكِّر تذكيراً مرتبطاً بنيته، لا ليقطع العَتْب عنه نفسه، فالمسألة ليست جهراً بالتذكير.
    وإذا كان تعالى يقول لرسوله صلى الله عليه وسلم: إنني سأحرس سرك كما أحرس علانيتك، وأن الجهر عندي مثل السر، بل وأخفى من السر، وهو صلى الله عليه وسلم مؤتمن على الرسالة فإنه تعالى يقول أيضاً لأمته: إياكم أن تقولوا كلاماً ظاهره فيه الرحمة، ونيتكم غير مستقرة عليه؛ لأن الله كما يعلم الجهر يعلم السر، وما هو أخفى من السر.
    وتكلمنا عن الجهر، وهو أن تُسمع مَنْ يريد أن يسمع، والسر: أن تخصَّ واحداً بأن تضع في أذنه كلاماً لا تحب أن يشيع عند الناس، وتهمس في أذنه بأنك المأمون على هذا الكلام، وأنت ترتاح نفسياً حينما تُلقِي بسرِّك إلى مَنْ تثق فيه، وتأمن أَلاَّ يذيعه، وهناك في حياة كل منا أمور تضيق النفس بها، فلا بُدَّ لك أن تُنفِّسَ عن نفسك، كما قال الشاعر:وَلاَ بُدَّ مِنْ شَكْوَى إِلَى ذِي مُرُوءَةٍ يوَاسِيكَ أَوْ يُسْلِيكَ أَوْ يتوجَّعُفأنت ـ إذن ـ في حاجة لمَنْ يسمع منك ليريحك، ويُنفِّس عنك، ولا يفضحك بما أسررْتَ إليه.
    ومعنى * وَأَخْفَى * [طه: 7] أي: أَخْفى من السر، فإنْ كان سِرُّك قد خرج من فمك إلى أذن سامعك، فهناك ما هو أَخْفَى من السر، أي: ما احتفظتَ به لنفسك ولم تتفوَّه به لأحد.
    لذلك يقول تعالى:* وَأَسِرُّواْ قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُواْ بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ *[الملك: 13] أي: مكنوناتها قبل أن تصير كلاماً.
    وقال أيضاً:* وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ *[ق: 16] فوسوسة النفس، وذات الصدور هي الأَخْفى من السر، فلديْنَا ـ إذن ـ جَهْر، وسِرٌّ، وأخفى من السر، لكن بعض العارفين يقول: وهناك في علم الله ما هو أخْفى من الأَخفى، فما هو؟ يقول: إنه تعالى يعلم ما سيكون في النفس قبل أن يكون.
    وبعد ذلك جاء الحق سبحانه بالكلمة التي بعث عليها الرسل جميعاً: * اللَّهُ لا إِلَـاهَ إِلاَّ هُوَ *
    اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى (8)

    هذه الكلمة (لا إله إلا هو) هي قمة العقيدة، وقال عنها النبي صلى الله عليه وسلم: " خير ما قلته أنا والنبيون من قبلي: لا إله إلا الله ".
    وما دام لا إله إلا الله، فهو سبحانه المؤْتَمن عليك، فليس هناك إله آخر يُعقِّب عليه، فاعمل لوجهه يكْفك كل الأوجه وتريح نفسك أن تتنازعك قوى شتى ومختلفة، ويُغنيك عن كل غنى.
    " وحينما دخل أعرابي على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يتكلم مع أبي بكر ـ رضي الله عنه ـ لم يفهم من كلامهما شيئاً، فقال: يا رسول الله أنا لا أُحسن دندنتك ولا دندنة أبي بكر، أنا لا أعرف إلا: لا إله إلا الله محمد رسول الله. فقال صلى الله عليه وسلم: " حَوْلَها ندندن يا أخا العرب ".
    فهي الأساس والمركز الذي يدور حوله الإسلام.
    وكلمة (اللهُ) عَلَم على واجب الوجود بكل صفات الكمال له، فهو الله الموجود، الله القادر، الله العالم، الله الحيّ، الله المحيي، الله الضار. فكل هذه صفات له سبحانه، لكن هذه الصفات لما بلغتْ حَدَّ الكمال فيه تعالى أصبحتْ كالاسم العَلَم، بحيث إذا أُطلِق الخالق لا ينصرف إلا له، والرازق لا ينصرف إلا له.
    وقد يشترك الخلْق مع الخالق في بعض الصفات، كما في قوله تعالى:* وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُوْلُواْ الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ *[النساء: 8].
    فالإنسان أيضاً يرزق، لكن رزقه من باطن رزق الله، فهو سبحانه الرازق الأعلى، ومن بَحْره يغترف الجميع.
    وكما في قوله تعالى:* فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ *[المؤمنون: 14] وقال تعالى:* وَتَخْلُقُونَ إِفْكاً *[العنكبوت: 17].
    ومعنى ذلك أن هناك خالقين غيره سبحانه، ومعنى الخَلْق: الإيجاد من عدم، فالذي جاء بالرمل وصنع منه كوباً فهو خالق للكوب، فأنت أوجدتَ شيئاً من عدم، والله تعالى أوجد شيئاً من عدم، ولكنك أوجدت من موجود الله قبل أن توجد أنتَ، فهو ـ إذن ـ أحسن الخالقين في حين لم يضِنّ عليك ربك بأنْ ينصفك ويسميك خالقاً. وهذا يوجب عليك أنْ تنصفه سبحانه وتقول* أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ *[المؤمنون: 14].
    وأيضاً، فإن الله تعالى إذا احترم إيجادك لمعدوم فسمَّاك خالقاً له، ولم يَضِنّ عليك فأعطاك صفة من صفاته إنما أخبرك أنه أحسن الخالقين؛ لأنك تُوجِد معدوماً يظل على إيجادك ويجمد على هذه الحالة، لكن الخالق ـ سبحانه وتعالى ـ يُوجِد معدوماً ويمنحه الحياة، ويجعله يتلقى بمثله ويُنجب، فهل يستطيع الإنسان الذي أوجد كوباً أن يجعل منه ذكراً وأنثى ينتجان لنا الأكواب؟! وهل يكبر الكوب الصغير، أو يتألم إنْ كُسِر مثلاً؟!
    إذن: فالخالق سبحانه هو أحسن الخالقين، وكذلك هو خير الرازقين، وخَيْر الوارثين، وخَيْر الماكرين.

    وقوله تعالى: * لَهُ الأَسْمَآءُ الْحُسْنَى * [طه: 8] الحُسْنى: صيغة تفضيل للمؤنث مثل: كُبْرى، تقابل " أحسن " للمذكر. إذن: فهناك أسماء حسنة هي أسماء الخَلْق، أما أسماء الله فحسنى؛ لأنها بلغتْ القمة في الكمال، ولأن الأسماء والصفات التي تنطبق عليها موجودة في الخالق الأعلى سبحانه، فحين تقول في أسماء الله تعالى (الرازق) فهي الصفة الحُسْنى لا الحسنة.
    لذلك لما أراد رجل يُدْعى (سعد) أن يشاور أباه في خطبة ابنته حسنى وقد تقدم لها رجلان: حسن وأحسن. فقال له أبوه (فحسنى يا سعد للأحسن).
    وقال تعالى:* لِّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ *[يونس: 26] فلم يقل: حسنة، لأنهم أحسنوا فاستحقوا الحُسْنى بل وزيادة.
    وأسماء الله تعالى هي في الحقيقة صفات، إلا أنها لما أُطلِقت على الحق ـ تبارك وتعالى ـ أصبحتْ أسماء. ولَكَ أنْ تُسمَّى فتاة زنجية (قمر) وتسمى قِزْماً (الطويل) لأن الاسم إذا أُطلِق عَلَماً على الغير انحلَّ عن معناه الأصلي ولزم العَلَمية فقط، لكن أسماء الله بقيتْ على معناها الأصلي حتى بعد أنْ أصبحتْ عَلَماً على الله تعالى، فهي ـ إذن ـ أسماء حُسْنى.
    وبعد أن تكلَّم الحق ـ تبارك وتعالى ـ عن الرسول الخاتم صاحب المنهج الخاتم ـ فليس بعده نبي وليس بعد منهجه منهج ـ أراد سبحانه أنْ يُسلّيه تسليةً تُبيّن مركزه في موكب الرسالات، وأنْ يعطيه نموذجاً لمن سبقوه من الرسل، وكيف أن كل رسول تعب على قَدْر رسالته، فإنْ كانت الرسالات السابقة محدودة الزمان محدودة المكان، ومع ذلك تعب أصحابها في سبيلها، فما بالك برسول جاء لكل الزمان ولكل المكان؟ لا بُدَّ أنه سيواجه من المتاعب مثل هؤلاء جميعاً.
    إذن: فوطَّن نفسك يا محمد على أنك ستلْقَى من المتاعب والصعاب ما يناسب عظمتك في الرسالة وخاتميتك للأنبياء، وامتداد رسالتك في الزمان إلى أنْ تقومَ الساعة، وفي المكان إلى ما اتسعتْ الأرض.
    لذلك اختار الحق ـ تبارك وتعالى ـ لرسوله صلى الله عليه وسلم نبياً من أُولي العزم؛ لأنه جاء لبني إسرائيل وجاء لفرعون، وقد كان بنو إسرائيل قوماً ماديين، أما فرعون فقد ادَّعى الألوهية، اختار موسى ـ عليه السلام ـ ليقصّ على رسول الله قصته ويُسلِّيه فيما يواجهه من متاعب الدعوة، كما قال تعالى:* وَكُـلاًّ نَّقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ وَجَآءَكَ فِي هَـاذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ *[هود: 120].
    وقال تعالى:* قُلْ مَا كُنتُ بِدْعاً مِّنَ الرُّسُلِ *[الأحقاف: 9].
    فأنت يا محمد كغيرك من الرسل، وقد وجدوا من المشقة على قَدْر رسالاتهم، وسوف تجد أنت أيضاً من المشقة على قَدْر رسالتك. ونضرب لذلك مثلاً بالتلميذ الذي يكتفي بالإعدادية وآخر بالثانوية أو الجامعة، وآخر يسعى للدكتوراة، فلا شَكَّ أن كلاّ منهم يبذل من الجهد على قَدْر مهمته.
    لذلك يقول تعالى: * وَهَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى *
    كلمتان خفيفتان على اللسان .. ثقيلتان في الميزان .. حبيبتان إلى الرحمن

    سبحان الله وبحمده .. سبحان الله العظيم

  2. #2
    Super Moderator
    رقم العضوية : 2
    تاريخ التسجيل : Jun 2016
    المشاركات: 3,273
    التقييم: 10
    الدولة : الأردن
    العمل : طالب علم
    وَهَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى (9)

    إذا جاء الاستفهام من الله تعالى فاعلم أنه استفهام على غير حقيقته، فلا يُرَاد هنا طب الفهم، لأن أخبار محمد تأتيه من ربه ـ عز وجل ـ فكيف يستفهم منه. إنما المراد بالاستفهام هنا التشويق لما سيأتي كما تقول لصاحبك: هل بلغك ما حدث بالأمس؟ فيُشوِّقه لسماع ما حدث.
    والحديث: أي الخبر عنه سواء أكان بالوحي، أو بغير الوحي، كأن حكيت له قصة موسى عليه السلام.. فهل بلغتْك هذه القصة؟ اسمعها الآن مني: * إِذْ رَأَى نَاراً فَقَالَ لأَهْلِهِ *
    إِذْ رَأَى نَارًا فَقَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدًى (10)

    نلحظ هنا أن السياق لم يذكر قصة موسى من أولها لما قال تعالى:* وَأَوْحَيْنَآ إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ *[القصص: 7] ثم خروجه من المدينة خائفاً وذهابه إلى شعيب.. الخ، وإنما قصد إلى مَنَاط الأمر، وهي الرسالة مباشرة.
    وقوله: * إِنِّي آنَسْتُ نَاراً لَّعَلِّي آتِيكُمْ مِّنْهَا بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدًى * [طه: 10] آنست: أي أبصرت، وشعرت بشيء يستأنس به ويُفرَح به ويُطمأن إليه، ومقابلها (توجست) للشر الذي يخاف منه كما في قوله:* فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُّوسَى *[طه: 67].
    (لَعلَّى) رجاء أنْ أجدَ فيها القبس، وهو شعلة النار التي تُتَّخذ من النار إنْ إدركت النار وهي ذات لَهَب، فتأخذ منها عوداً مشتعلاً مثل الشمعة.
    وفي سياق آخر قال: (جذوة) وهي النار حينما ينطفىء لهبها ويبقى منها جمرات يمكن أن تشعل منها النار. وفي موضع آخر قال:* سَآتِيكُمْ مِّنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ آتِيكُمْ بِشِهَابٍ قَبَسٍ *[النمل: 7].
    وهذه كلها صور متعددة، وحالات للنار، ليس فيها تعارض كما يحلو للبعض أن يقول، فموسى عليه السلام حينما قال * لَّعَلِّي آتِيكُمْ * [طه: 10] يرجو أن يجد القبس، لكن لا يدري حال النار عندما يأتيها، أتكون قَبَساً أم جَذوة؟
    وقد طلب موسى ـ عليه السلام ـ القَبَس لأهله؛ لأنهم كانوا في ليلة مطيرة شديدة البرد، وهم غرباء لا يعلمون شيئاً عن المكان، فهو غير مطروق لهم فيسيرون لا يعرفون لهم اتجاهاً، فماذا يفعل موسى عليه السلام ومعه زوجته وولده الصغير وخادمه؟
    إنهم في أمسِّ الحاجة للنار، إما للتدفئة في هذا الجو القارس، وإما لطلب هداية الطريق، لذلك قال: * أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدًى * [طه: 10] أي: هادياً يدلّنا على الطريق.
    وفي موضع آخر قال:* لَّعَلِّي آتِيكُمْ مِّنْهَا بِخَبَرٍ *[القصص: 29].
    لذلك لما أبصر موسى عليه السلام النار أسرع إليها بعد أنْ طمأن أهله: * امْكُثُواْ إِنِّي آنَسْتُ نَاراً * [طه: 10].
    وهذه المسألة من قصة موسى كانت مثَارَ تشكيك من خصوم الإسلام، حيث وجدوا سياقات مختلفة لقصة واحدة، فمرة يقول: * امْكُثُواْ إِنِّي آنَسْتُ نَاراً لَّعَلِّي آتِيكُمْ * [طه: 10]، وفي موضع آخر يقول:* لَّعَلِّي آتِيكُمْ مِّنْهَا بِخَبَرٍ *[القصص: 29].
    ومرة يقول: (قَبَس) وأخرى يقول (بِشهَابٍ قَبَسٍ) ومرة (بجَذْوَة) ومرة يقول: * أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدًى * [طه: 10] ومرة يقول:* لَّعَلِّي آتِيكُمْ مِّنْهَا بِخَبَرٍ *[القصص: 29].
    والمتأمل في الموقف الذي يعيشه الآن موسى وامرأته وولده الصغير وخادمه في هذا المكان المنقطع وقد أكفهرَّ عليهم الجو، يجد اختلاف السياق هنا أمراً طبيعياً، فكلُّ منهم يستقبل الخبر من موسى بشكل خاص، فلما رأى النار وأخبرهم بها أراد أنْ يُطمئنهم فقال:* سَآتِيكُمْ *[النمل: 7] فلما رآهم مُتعلِّقين به يقولون: لا تتركنا في هذا المكان قال: * امْكُثُواْ * [طه: 10] وربما قال هذه لزوجه وولده وقال هذه لخادمه. فلا بُدَّ أنهم راجعوه. فاختلفت الأقوال حول الموقف الواحد.
    كذلك في قوله: قَبَسٍ أو جَذْوةٍ لأنه حين قال: * لَّعَلِّي آتِيكُمْ * [طه: 10] يرجو أن يجد هناك القبس، لكن لعله يذهب فيجد النار جَذْوة. وفي مرة أخرى يجزم فيقول:* سَآتِيكُمْ *[النمل: 7].
    إذن: هي لقطات مختلفة تُكوِّن نسيج القصة الكاملة، وتعددتْ الكلمات لأن الموقف قابلٌ للمراجعة، ولا ينتهي بكلمة واحدة.
    ثم يقول الحق سبحانه: * فَلَمَّآ أَتَاهَا نُودِيَ *
    فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ يَا مُوسَى (11)

    يقال: إن موسى عليه السلام لما أتاها وجد نوراً يتلألأ في شجرة، لكن لا خضرةُ الشجرة تؤثر في النور فتبهته، ولا النورُ يطغي على خضرة الشجرة فيمنع عنها الخضرة، فهي ـ إذن ـ مسألة عجيبة لا يقدر عليها إلا الله.
    فكانت هذه النار هي أول الإيناس لموسى في هذا المكان الموحِش، وكأن هذا المنظر العجيب الذي رآه إعداد إلهي لموسى حتى يتلقَّى عن ربه، فليستْ المسألة مجرد منظر طبيعي.
    وقوله تعالى: * نُودِيَ يامُوسَى * [طه: 11] أي: في هذه الدهشة * نُودِيَ * [طه: 11] فالذي يناديه يعرفه تماماً؛ لذلك ناداه باسمه * يامُوسَى * [طه: 11] وما دام الأمر كذلك فطَمع الخير فيه موجود، وبدأ موسى يطمئن إلى مصدر النداء، ويأنَسُ به، ويبحث عن مصدر هذا الصوت، ولا يعرف من أين هو؛ لذلك اعتبرها مسألة عجيبة مثل منظر الشجرة التي ينبعث منها النور.
    * إِنِّي أَنَاْ رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ *
    إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى (12)

    فساعة أنْ كلَّمه ربه: * إِنِّي أَنَاْ رَبُّكَ * [طه: 12] أزال ما في نفسه من العجب والدهشة لما رآه وسمعه، وعلم أنها من الله تعالى فاطمأنَّ واستبشر أنْ يرى عجائب أخرى؟
    ونلحظ في قوله تعالى: * إِنِّي أَنَاْ رَبُّكَ * [طه: 12] أن الحق ـ تبارك وتعالى ـ حينما يتحدَّث عن ذاته تعالى يتحدث بضمير المفرد * إِنِّي أَنَاْ رَبُّكَ * [طه: 12] وحينما يتحدث عن فِعْله يتحدث بصيغة الجمع، كما في قوله عز وجل:* إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ *[القدر: 1]* إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ *[الحجر: 9]* إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا *[مريم: 40].
    فلماذا تكلَّم عن الفعل بصيغة الجمع، في حين يدعونا إلى توحيده وعدم الإشراك به؟ قالوا: الكلام عن ذاته تعالى لا بُدَّ فيه من التوحيد، كما في:* إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لا إِلَـاهَ إِلا أَنَاْ فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلاَةَ لِذِكْرِي *[طه: 14].
    لكن في الفعل يتكلم بصيغة الجمع؛ لأن الفعل يحتاج إلى صفات متعددة وإمكانات شتَّى، يحتاج إلى إرادة تريده، وقدرة على تنفيذه وإمكانات وعلم وحكمة.
    إذن: كل صفات الحق تتكاتف في الفعل؛ لذلك جاء الحديث عنه بصيغة الجمع، ويقولون في النون في قوله:* نَزَّلْنَا الذِّكْرَ *[الحجر: 9]* نَرِثُ الأَرْضَ *[مريم: 40] أنها: نون التعظيم.
    وقد جاء الخطاب لموسى بلفظ الربوبية * إِنِّي أَنَاْ رَبُّكَ * [طه: 12] لإيناس موسى؛ لأن الربوبية عطاء، فخطابه (بربك) أي الذي يتولّى رعايتك وتربيتك، وقد خلقك من عَدَم، وأمدك من عُدم، ولم يقُلْ: إني أنا الله؛ لأن الألوهية مطلوبها تكليف وعبادة وتقييد للحركة بافعل كذا ولا تفعل كذا.
    وقوله تعالى: * إِنِّي أَنَاْ رَبُّكَ * [طه: 12] أي: ربك أنت بالذات لا الرب المطلق؛ لأن الرسل مختلفون عن الخَلْقِ جميعاً، فلهم تربية مخصوصة، كما قال تعالى:* وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي *[طه: 39] وقال:* وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي *[طه: 41].
    إذن: فالحق تبارك وتعالى يُربِّي الرسل تربيةً تناسب المهمة التي سيقومون بها.
    وقوله تعالى: * فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ * [طه: 12] هذا أول أمر، وخَلْعِ النعل للتواضع وإظهار المهابة؛ ولأن المكان مُقدَّس والعلة * إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى * [طه: 12] فاخلع نعليك حتى لا تفصل بينك وبين مباشرة ذرات هذا التراب.
    ومن ذلك ما نراه في مدينة رسول الله من أناس يمشون بها حافيي الأقدام، يقول أحدهم: لَعلِّي أصادف بقدمي موضع قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم.
    وقوله: * طُوًى * [طه: 12] اسم الوادي وهذا كلام عام جاء تحديده في موضع آخر، فقال سبحانه:* فَلَمَّآ أَتَاهَا نُودِيَ مِن شَاطِىءِ الْوَادِي الأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ *[القصص: 30].
    والبعض يرى في الآية تكراراً، وليست الآية كذلك، إنما هو تأسيس لكلام جديد يُوضِّح ويُحدِّد مكان الوادي المقدس طوى أين هو، فإنْ قلتَ: أين طوى؟ يقول لك: في الواد الأيمن، لكن الواد الأيمن نفسه طويل، فأين منه هذا المكان؟ يقول لك: عند البقعة المباركة من الشجرة.
    إذن: فالآية الثانية تحدد لك المكان، كما تقول أنت: أسكن في حي كذا، وفي شارع كذا، في رقم كذا.
    ثم يقول الحق سبحانه: * وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ *
    وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى (13)

    أي: وإنْ كنتُ رباً لك ورباً للكافرين فسوف أزيدك خصوصية لك * وَأَنَا اخْتَرْتُكَ * [طه: 13] أي: للرسالة، والله أعلم حيث يجعل رسالته.
    لذلك لم نزل القرآن على سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ما اعترض كفار مكة على القرآن، ولم يجدوا فيه عيباً فيما يدعو إليه من أخلاق فاضلة ومُثل عليا، ولم يجدوا فيه مَأْخذاً في أسلوبه، وهم أمة ألِفتْ الأسلوب الجيد، وعَشقَتْ آذانها فصاحة الكلام، فتوجهوا بنقدهم إلى رسول الله فقالوا:* لَوْلاَ نُزِّلَ هَـاذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِّنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ *[الزخرف: 31].
    فكلُّ اعتراضهم أنْ ينزلَ القرآن على محمد بالذات؛ لذلك رَدَّ عليهم القرآن بما يكشف غباءهم في هذه المسألة، فقال:* أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ *[الزخرف: 32] كيف ونحن قد قسمنا بينهم معيشتهم الأدْنى:* نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَّعِيشَتَهُمْ *[الزخرف: 32].
    وهم يريدون أنْ يقسموا رحمة الله فيقولون: نزل هذا على هذا، وهذا على هذا؟
    ثم يقول تعالى: * فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى * [طه: 13] مادة: سمع. منها: سمع، واستمع وتسمَّع. قولنا: سمع أي مصادفة وأنت تسير في الطريق تسمع كلاماً كثيراً. منه ما يُهمك وما لا يهمك، فليس على الأذن حجاب يمنع السمع كالجفْنِ للعين، مثلاً حين ترى منظراً لا تحبه.
    إذن: أنت تسمع كل ما يصل إلى أذنك، فليس لك فيه خيار.
    إنما: استمع أنْ تتكلَّف السماع، والمتكلم حُر في أنْ يتكلم أو لا يتكلم.
    وتسمَّع. أي: تكلّف أشدّ تكلّفاً لكي يسمع.
    لذلك؛ فالنبي صلى الله عليه وسلم حين يخبر أنه ستُعم بلوى الغِنَاء، وستنتشر الأجهزة التي ستشيع هذه البلوى، وتصبها في كل الآذان رَغْماً عنها يقول: " مَنْ تسمَّع إلى قَيْنة صب الآنك في أذنيه ".
    أي: تكلَّف أنْ يسمع، وتعمَّد أن يوجه جهاز الراديو أو التلفزيون إلى هذا الغناء، ولم يقُل: سمع، وإلاّ فالجميع يناله من هذا الشر رَغْماً عنه.
    وهنا قال تعالى: (فَاسْتَمِعْ) ولم يقُلْ: تسمَّع: لأنه لا يقترح على الله تعالى أنْ يتكلم، ومعنى: استمع أي: جَنِّد كلَّ جوارحك، وهيىء كُلَّ حواسّك لأن تسمع، فإنْ كانت الأذن للسمع، فهناك حواسّ أخرى يمكن أنْ تشغلها عن الانتباه، فالعين تبصر، والأنف يشمّ، واللسان يتكلم.
    فعليك أنْ تُجنِّد كل الحواسّ لكي تسمع، وتستحضر قلبك لتعي ما تسمعه، وتنفذ ما طلب منك؛ لذلك حين تخاطب صاحبك فتجده مُنْشغِلاً عنك تقول: كأنك لست معنا. لماذا؟ لأن جارحة من جوارحه شردتْ، فشغلتْه عن السماع.
    وقوله تعالى: * لِمَا يُوحَى * [طه: 13] الوحي عموماً: إعلام بخفاء من أيٍّ لأيٍّ في أيٍّ، خيراً كان أم شراً، أمّا الوحي الشرعي فهو: إعلام من الله إلى رسول أرسله بمنهج خَيْر للعباد، فإنْ كان الوحي من الله إلى أم موسى مثلاً، أو إلى الحواريين فليس هذا من الوحي الشرعي.

    وهكذا تحدَّدَتْ من أيٍّ لأيٍّ في أيٍّ.
    لكن، كيف ينزل الوحي من الله تعالى على الرسول؟ كيف تلتقى الألوهية في عُلُوِّها بالبشرية في دُنوها؟ إذن: لا بُدَّ من واسطة؛ لذلك قال تعالى:* اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلاَئِكَةِ رُسُلاً وَمِنَ النَّاسِ *[الحج: 75].
    فالمصطفى من الملائكة يتقبَّل من الله، ويعطي للمصطفى من البشر؛ لأن الأعلى لا يمكن أنْ يلتقي بالأدنى مباشرة* وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلاَّ وَحْياً أَوْ مِن وَرَآءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَآءُ *[الشورى: 51].
    فاستعداد الإنسان وطبيعته لا تُؤهّله لهذا اللقاء، كيف ولما تجلَّى الحق ـ سبحانه ـ للجبل جعله دَكّاً، ومن عظمته سبحانه أننا لا نراه ولا نتكلم معه مباشرة، ولا نُحِسّه بأيّ حاسة من حواسنا، ولو حُسَّ الإله بأيِّ حاسة ما استحق أنْ يكونَ إلهاً.
    وكيف يُحَسُّ الحق ـ تبارك وتعالى ـ ومن خَلْقه وصَنْعته مَا لا يُحَسُّ، كالروح مثلاً؟ فنحن لا نعلم كُنْهها، ولا أين هي، ولا نُحِسّها بأيّ حاسّة من حواسنا، فإذا كانت الروح المخلوقة لم نستطع أنْ ندركها، فكيف ندرك خالقها؟
    الحق الذي يدَّعيه الناس ويتمسَّحون فيه، ويفخر كل منهم أنه يقول كلمة الحق، وكذلك العدل وغيرها من المعاني: أتدركها، أتعرف لها شكلاً؟ فكيف ـ إذن ـ تطمع في أنْ تدرك الخالق عز وجل؟
    إذن: من عظمته سبحانه أنه لا تدركه الحواس، ولا يلتقي بالخَلْق لقاءً مباشراً، فالمصطفى من الملائكة يأخذ عن الله، ويعطي للمصطفى من الخَلْق، ثم المصطفى من الخَلْق يعطي للخَلْق، ومع ذلك كان صلى الله عليه وسلم يجهد، ويتصبَّب جبينه عَرَقاً في أول الوحي؟
    ولذلك شاء الحق سبحانه أنْ يحجبَ الوحي عن رسوله فترة ليستريح من مباشرة المَلِك له، وبانقطاع الوحي تبقى لرسول الله حلاوة ما أوحي إليه ويتشوّق إلى الوحي من جديد، فيهون عليه ما يلاقي في سبيله من مشقة؛ لأن انشغال القلب بالشيء يُنسي متاعبه؟.
    وقد رُوي أنه صلى الله عليه وسلم حين ينزل عليه الوحي يُسمَع حوله دَوِيٌّ كدَويِّ النحل، ولو صادف أن رسول الله وضع رجله على أحد أصحابه حين نزول الوحي عليه فكان الصحابي يشعر كأنها جبل، وإن نزل الوحي وهو على دابة كانت تنخ وتئن من ثِقَله.
    وقد مثّلنا للواسطة بين الطبيعة الإلهية والطبيعة البشرية بالتيار الكهربائي حين نُوصِّله بمصباح صغير لا يتحمل قوة التيار، فيضعون له جهازاً ينظم التيار، ويعطي للمصباح على قَدْر حاجته وإلاّ يحترق.
    ثم يقول الحق سبحانه: * إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ *
    إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي (14)

    في الآية قبل السابقة خاطبه ربه:* إِنِّي أَنَاْ رَبُّكَ *[طه: 12] ليُطمئنه ويُؤنسه بأنه المربِّي العطوف، يعطي حتى للكافر الذي يعصاه، لكن هنا يخاطبه بقوله: * إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ * [طه: 14] أي: صاحب التكاليف، والمعبود المطاع في الأمر والنهي، وأوّل هذه التكاليف وقمّتها، والينبوع الذي يصدر عنه كل السلوك الإيماني: * إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لا إِلَـاهَ إِلا أَنَاْ * [طه: 14].
    لذلك قال عنها النبي صلى الله عليه وسلم: " خير ما قلت أنا والنبيون من قبلي: لا إله إلا الله ".
    وما دام لا إله إلا هو فلا يصح أنْ نتلقَّى الأمر والنهي إلاَّ منه، ولا نعتمد إلا عليه، ولا يشغل قلوبنا غيره، وهو سبحانه يريد منا أنْ نكون وكلاء:* وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لاَ يَمُوتُ *[الفرقان: 58].
    فالناصح الفطن الذي لا يتوكل على أحد غير الله، فربما توكّلت على أحد غيره، فأصبحت فلم تجده، وصدق الشاعر حين قال:اجْعَلْ بربِّكَ كُلَّ عِزِّكَ يسْتقِرُّ وَيثبتُفَإِذَا اعْتَززْتَ بمَنْ يموتُ فإنَّ عِزَّكَ ميِّتُفكأن الحق سبحانه في قوله: * لا إِلَـاهَ إِلا أَنَاْ * [طه: 14] يقول لموسى: لا تخفْ، فلن تتلقى أوامر من غيري، كما قال سبحانه في أية أخرى:* قُلْ لَّوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذاً لاَّبْتَغَوْاْ إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلاً *[الإسراء: 42].
    أي: لذهبَ هؤلاء الذي يدَّعُون الألوهية إلى الله يجادلونه أو يتودَّدون إليه، ولم يحدث شيء من هذا.
    ويشترط فيمن يُعطي الأوامر ويُشرِّع ويُقنِّن ألاَّ ينتفع بشيء من ذلك، وأن تكون أوامره ونواهيه لمصلحة المأمورين، ومن هنا يختلف قانون الله عن قانون البشر الذي يدخله الهوى وتخالطه المصالح والأغراض، فمثلاً إنْ كان المشرِّع والمقنِّن من العمال انحاز لهم ورفعهم فوق الرأسماليين، وإن كان من هؤلاء رفعهم فوق العمال.
    وكذلك ألاَّ يغيب عنه شيء يمكن أنْ يُستدرك فيما بعد، وهذه الشروط لا توجد إلا في التشريع الإلهي، فله سبحانه صفات الكمال قبل أن يخلق الخَلْق.
    لذلك قال بعدها: * فَاعْبُدْنِي * [طه: 14] بطاعة أوامري واجتناب نواهيَّ، فليس لي هَوَى فيما آمرك به، إنما هي مصلحتك وسلامتك.
    ومعنى العبادة: الناس يظنون أنها الصلاة والزكاة والصوم والحج، إنما للعبادة معنى أوسع من ذلك بكثير، فكلُّ حركة في الحياة تؤدي إلى العبادة، فهي عبادة كما نقول في القاعدة: كُلُّ ما لا يتمُّ الواجب إلا به فهو واجب.
    فالصلاة مثلاً لا تتم إلا بستْر العورة، وعليك أنْ تتأمل قطعة القماش هذه التي تستر بها عورتك: كم يد ساهمتْ فيها منذ كانتْ بذرة في الأرض، إلى أنْ أصبحتْ قماشاً رقيقاً يستر عورتك؟ فكلُّ واحد من هؤلاء كان في عبادة وهو يُؤدِّي مهمته في هذه المسألة.

    كذلك رغيف العيش الذي تأكله، صنبور المياه الذي تتوضأ منه، كم وراءها من أيادٍ وعمال ومصانع وعلماء وإمكانات جُنِّدَتْ لخدمتك، لتتمكن من أداء حركتك في الحياة؟
    لذلك، فالحق ـ تبارك وتعالى ـ حينما يُحدِّثنا عن الصلاة يوم الجمعة يقول:* ياأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاَةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْاْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُواْ الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ * فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاَةُ فَانتَشِرُواْ فِي الأَرْضِ وَابْتَغُواْ مِن فَضْلِ اللَّهِ *[الجمعة: 9ـ10].
    وهكذا أخرجنا إلى الصلاة من عمل، وبعد الصلاة أمرنا بالعمل والسعي والانتشار في الأرض والابتغاء من فضل الله، فمخالفة الأمر في:* فَاسْعَوْاْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُواْ الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ *[الجمعة: 9] كمخالفة الأمر في:* فَانتَشِرُواْ فِي الأَرْضِ وَابْتَغُواْ مِن فَضْلِ اللَّهِ *[الجمعة: 10].
    وخَصَّ البيع هنا؛ لأن البائع أحرص على بيْعه من المشتري على شرائه، وربما كان من مصلحة المشتري ألاَّ يشتري؟
    فالإسلام ـ إذن ـ لا يعرف التكاسل، ولا يرضى بالتنبلة والقعود، ومَنْ أراد السكون فلا ينتفع بحركة متحرِّك.
    وسيدنا عمر ـ رضي الله عنه ـ حينما رأى رجلاً يقيم بالمسجد لا يفارقه سأل: ومَنْ ينفق عليه؟ قالوا: أخوه، قال: أخوه أعبد منه. لماذا؟ لأنه يسهم في حركة الحياة ويوسع المنفعة على الناس.
    إذن: فكلُّ عمل نافع عبادة شريطة أنْ تتوفر له النية، فالكافر يعمل وفي نيته أنْ يرزق نفسه، فلو فعل المؤمن كذلك، فما الفرق بينهما؟ المؤمن يعمل، نعم لِيقوتَ نفسه، وأيضاً ليُيسِّر لإخوانه قُوتَهم وحركة حياتهم. فسائق التاكسي مثلاً إذا عمل بمبلغ يكفيه، ثم انصرف إلى بيته، وأوقف سيارته، فمَنْ للمريض الذي يحتاج مَنْ يُوصِّله للطبيب؟ والبائع لو اكتسب رزقه، ثم أغلق دكانه مَنْ يبيع للناس؟
    إذن: اعمل لنفسك، وفي بالك أيضاً مصلحة الغير وحاجتهم، فإنْ فعلتَ ذلك فأنت في عبادة. تعمل على قَدْر طاقتك، لا على قَدْر حاجتك، ثم تأخذ حاجتك من منتوج الطاقة، والباقي يُرَدُّ على الناس إما في صورة صدقة، وإما بثمن، وحَسْبك أنْ يسرت له السبيل.
    إذن: نقول: العبادة كل حركة تؤدي خدمة في الكون نيتك فيها لله.
    ثم يقول تعالى: * وَأَقِمِ الصَّلاَةَ لِذِكْرِي * [طه: 14] فلماذا خَصَّ الصلاة دون سائر العبادات؟
    قالوا: لأن الصلاة هي العبادة الدائمة التي لا تنحلّ عن المؤمن، ما دام فيه نَفَس، فالزكاة مثلاً تسقط عن الفقير، والصيام يسقط عن المريض، والحج يسقط عن غير المستطيع، أمّا الصلاة فلا عذر أبداً يبيح تركها، فتصلي قائماً أو قاعداً أو مضطجعاً، فإنْ لم تستطيع تصلي، ولو إيماءً برأسك أو بجفونك، فإنْ لم تستطع فحَسْبُك أن تخطرها على قلبك، ما دام لك وَعْي، فهي لا تسقط عنك بحال.
    كذلك، فالصلاة عبادة مُتكرِّرة: خمس مرات في اليوم والليلة؛ لتذكرك باستمرار إنْ أنستْك مشاغل الحياة رب هذه الحياة، وتعرض نفسك على ربك وخالقك خمس مرات كل يوم.

    وما بالك بآلة تُعرَض على صانعها هكذا، أيمكن أن يحدث بها عُطّْل أو عَطَب؟
    أما الزكاة فهي كل عام، أو كل محصول، والصوم شهر في العام، والحج مرة واحدة في العمر.
    لذلك، كان النبي صلى الله عليه وسلم كلما حَزَبه أمر قام إلى الصلاة ليعرض نفسه على ربه وخالقه عز وجل، ونحن نصنع هذا في الصنعة المادية حين نعرض الآلة على صانعها ومهندسها الذي يعرف قانون صيانتها.
    وفي الحديث الشريف: " وجعلت قرة عيني في الصلاة ".
    وسبق أن ذكرنا أن للصلاة أهميتها؛ لأنها تُذكِّرك بربك كل يوم خمس مرات، وتُذكِّرك أيضاً بنفسك، وبقَدر الله في الآخرين حين ترى الرئيس ومرؤوسه جَنْباً إلى جَنْب في صفوف الصلاة، فإنْ جئتَ قبل رئيسك جلستَ في الصف الأول، وجلس هو خلفك، ثم تراه وهو منُكسِر ذليل لله تعالى، وهو يعرف أنك تراه على هذه الهيئة فيكون ذلك أدْعى لتواضعه معك وعدم تعاليه عليك بعد ذلك.
    وكم رأينا من أصحاب مناصب وقيادة يبكون عند الحرم، ويتعلقون بأستار الكعبة وعند المتلزم، وهو العظيم الذي يعمل له الناس ألف حساب. ففي الصلاة ـ إذن ـ استطراق للعبودية لله تعالى.
    لذلك من أخطر ما مُنِي به المسلمون أنْ تجعلَ في المسجد أماكن خاصة لنوعية معينة يُخلَى لها المكَان، ويصاحبها الحرس حتى في بيت الله، ثم يأتي في آخر الوقت ويجلس في الصف الأول، وآخر يفرش سجادته ليحجز بها مكاناً لحين حضوره، فيجد المكان خالياً.
    وينبغي على عامة المسلمين أن يرفضوا هذا السلوك، وعليك أنْ تُنحِّي سجادته جانباً، وتجلس أنت؛ لأن أولوية الجلوس بأولوية الحضور، فقد صفها الله في المسجد إقبالاً عليه. وهذه العادة السيئة تُوقع صاحبها في كثير من المحظورات، حيث يتخطى رقاب الناس، ويُميِّز نفسه عنهم دون حق، ويحدث انتقاص عبودي في بيت الله.
    ولأهمية الصلاة ومكانتها بين العبادات تميِّزت في فرضها بما يناسب أهميتها، فكُلُّ العبادات فُرِضَتْ بالوحي إلا الصلاة، فقد استدعى الحق رسوله الصدق ليبلغه بها مباشرة لأهميتها.
    وقد ضربنا لذلك مثلاً ـ ولله المثل الأعلى ـ بالرئيس إذا أراد أنْ يُبلِّغ مرؤوسه أمراً يكتب إليه، فإنْ كان الأمر مهماً اتصل به تليفونياً، فإنْ كان أهمّ استدعاه إليه لِيُبلِّغه بنفسه. ولما قرَّبه الله إليه بفرض الصلاة جعل الصلاة تقرُّباً لعباده إلى الله.
    وقوله: * وَأَقِمِ الصَّلاَةَ لِذِكْرِي * [طه: 14] أقام الشيء: جعله قائماً على أُسس محكمة، فإقامة الصلاة أن تؤديها مُحكَمة كاملة الأركان غير ناقصة.
    * لِذِكْرِي * [طه: 14] أي: لتذكري؛ لأن دوام ورتابة النعمة قد تُنسيك المنعم، فحين تسمع نداء (الله أكبر)، وترى الناس تُهرَع إلى بيوت الله لا يشغلهم عنها شاغل تتذكر إنْ كنتَ ناسياً، وينتبه قلبك إنْ كنتَ غافلاً.
    ثم يقول الحق تبارك وتعالى: * إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا *
    كلمتان خفيفتان على اللسان .. ثقيلتان في الميزان .. حبيبتان إلى الرحمن

    سبحان الله وبحمده .. سبحان الله العظيم

  3. #3
    Super Moderator
    رقم العضوية : 2
    تاريخ التسجيل : Jun 2016
    المشاركات: 3,273
    التقييم: 10
    الدولة : الأردن
    العمل : طالب علم
    إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى (15)

    أي: مع ما سبق وَطِّنْ نفسك على أن الساعة آتية لا محالةَ، والساعة هنا هي عمر الكون كله، أمّا أعمار المكين في الكون فمتفاوته، كل حسب أجله، فمَنْ مات فقد قامت قيامته وانتهت المسألة بالنسبة له.
    إذن: نقول: الساعة نوعان: ساعة لكُلٍّ منا، وهي عمره وأجَله الذي لا يعلم متى سيكون، وساعة للكون كله، وهي القيامة الكبرى.
    فقوله تعالى: * إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَة * [طه: 15] أي: اجعل ذلك في بالك دائماً، ومادام الموت سينقلك إليها سريعاً فإياك أنْ تقول: سأموت قريباً، أما القيامة فبعد آلاف أو ملايين السنين؛ لأن الزمن مُلغىً بعد الموت، كيف؟
    الزمن لا يضبطه إلا الحدث، فإن انعدم الحدث فقد انعدم الزمن، كما يحدث لنا في النوم، وهل تستطيع أنْ تُحدِّد الوقت الذي نمْتَه؟ لذلك قال الحق سبحانه وتعالى:* كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُواْ إِلاَّ عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا *[النازعات: 46].
    والعبد الذي أماته الله مائة عام لما بعثه قال: يوماً أو بعض يوم، وكذلك قال أهل الكهف بعد ثلاثمائة سنة وتسع، لأن يوماً أو بعض يوم هي أقْصى ما يمكن تصوُّره للنائم حين ينام؛ لذلك نقول: " مَنْ مات فقد قامت قيامته ".
    ومن حكمته سبحانه أن أخفى الساعة، أخفاها للفرد، وأخفاها للجميع؛ وربما لو عرف الإنسان ساعته لقال: أفعل ما أريد ثم أتوب قبل الموت؛ لذلك أخفاها الحق ـ تبارك وتعالى ـ لنكون على حذر أنْ نلقى الله على حال معصية.
    وكذلك أخفى الساعة الكبرى، حتى لا تأخذ ما ليس لك من خَلْق الله، وتنتفع به ظُلْماً وعدواناً، وتعلم أنك إنْ سرقتَ سترجع إلى الله فيحاسبك، فما دُمْتَ سترجع إلى الله فاستقِمْ وعَدِّل من سلوكك، كما يقول أهل الريف (ارع مساوي).
    وقوله تعالى: * آتِيَةٌ * [طه: 15] أي: ليس مَأْتِياً بها، فهي الآتية، مع أن الحق ـ تبارك وتعالى ـ هو الذي سيأتي بها، لكن المعنى (آتية) كأنها منضبطة (أوتوماتيكيا)، فإنْ جاء وقتها حدثتْ.
    وقوله تعالى: * أَكَادُ أُخْفِيهَا * [طه: 15] كاد: أي: قَرُب مثل: كاد زيد أن يجيء أي: قَرُب لكنه لم يأْتِ بعد، فالمراد: أقرب أن أخفيها، فلا يعلم أحد موعدها، فإذا ما وقعتْ فقد عرفناها. كما قال تعالى:* إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لاَ يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَآ إِلاَّ هُوَ *[الأعراف: 187].
    وقد تكون * أُخْفِيهَا * [طه: 15] بمعنى آخر، فبعض الأفعال الثلاثية تُعطى عكس معناها عند تضعيف الحرف الثاني منها، كما في: مرض أي: أصابه المرض. ومرَّضه الطبيب. أي: عالجه وأزال مرضه. وقَشَرتُ الشيء أي: جعلْتُ له قشرة، وقشَّرتُ البرتقالة أزلْتُ قِشْرها.
    ومن ذلك قوله تعالى:* تَالله تَفْتَؤُاْ تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّى تَكُونَ حَرَضاً *

    [يوسف: 85] والحَرض: هو الهلاك. من: حَرِض مثل: تَعب.
    وقوله تعالى:* ياأَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ *[الأنفال: 65].
    ومعنى (حَرِّض) حثَّهم على القتال، الذي يُزيل عنهم الهلاك أمام الكفار؛ لأنهم إنْ لم يجاهدوا هلكوا، فَحرِض: هلك، وحرَّض: أزال الهلاك.
    وقد يأتي مضاد الفعل بزيادة الهمزة على الفعل مثل:* وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُواْ لِجَهَنَّمَ حَطَباً *[الجن: 15] فالقاسط من قسط. أي: الجائر بالكفر.
    أما في قوله تعالى:* إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ *[المائدة: 42] فالمقسط من أقسط: العادل الذي يُزيل الجوْرَ. وإنْ كانت المادة واحدة هي (قَسَط) فالمصدر مختلف نقول: قسط قِسْطاً أي: عدل، وقسط قَسْطاً وقسوطاً يعني: جار. فهذه الهمزة في أقسط تسمى " همزة الإزالة ".
    ومن الفعل الثلاثي قَسَطَ يستعمل منها: القسط والميزان والفرق بين قَسَط وأقسط: قسط أي: عدل من أول الأمر وبادىء ذي بَدْء، إنما أقسط: إذا وجد ظُلْماً فرفعه وأزاله، فزاد على العدل أنْ أزال جَوْراً.
    وأيضاً الفعل (عجم) عجم الأمر: أخفاه، وأعجمه: أزال خفاءه. ومن ذلك كلمة المعجم الذي يزيل خفاء الكلمات ويُوضِّحها.
    وكذلك في قوله تعالى: * أَكَادُ أُخْفِيهَا * [طه: 15] خفى بمعنى: استتر وأخفاها: أزال خفاءها، ولا يُزَال خفاء الشيء إلا بإعلانه.
    ثم يقول تعالى: * لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى * [طه: 15].
    وإلا لو لم يكُنْ في الآخرة حساب وجزاء لَكَان الذين أسرفوا على أنفسهم وعربدوا في الوجود أكثر حظاً من المؤمنين المتلزمين بمنهج الله؛ لذلك في نقاشنا مع الشيوعيين قُلْنا لهم: لقد قتلتم مَنْ أدركتموه من أعدائكم من الرأسماليين، فما بال مَنْ مات ولم تدركوه؟ وكيف يفلت منكم هؤلاء؟
    لقد كان أَوْلَى بكم أن تؤمنوا بمكان آخر لا يفلت منه هؤلاء، وينالون فيه جزاءهم، إنها الآخرة التي تُجزَى فيها كُلُّ نفس بما تسعى.
    ثم يقول الحق سبحانه: * فَلاَ يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا مَن لاَّ يُؤْمِنُ *
    فَلَا يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا مَنْ لَا يُؤْمِنُ بِهَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَتَرْدَى (16)

    كأن الحق تبارك وتعالى يعطي لموسى ـ عليه السلام ـ مناعة لما سيقوله الكافرون الذين يُشكِّكون في الآخرة ويخافون منها، وغرضهم أنْ يكون هذا كذباً فليست الآخرة في صالحهم، ومن حظهم إنكارها.
    فإياك أنْ تصغي إليهم حين يصدونك عنها، يقولون:* أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً وَعِظَاماً أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ * أَوَ آبَآؤُنَا الأَوَّلُونَ *[الصافات: 16ـ17].
    ولماذا يستبعدها هؤلاء؟ أليس الذي خلقهم مِنْ لا شيء بقادر على أنْ يعيدهم بعد أن صاروا عِظاماً؟
    والحق سبحانه يقول:* وَهُوَ الَّذِي يَبْدَؤُاْ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ *[الروم: 27].
    وهذا قياس على قَدْر أفهامكم وما تعارفتم عليه من هَيِّن وأهْوَن، أما بالنسبة للحق ـ تبارك وتعالى ـ فليس هناك هيِّن وأهون منه؛ لأن أمره بين الكاف والنون؟
    لكن لماذا يصدُّ الكفار عن الآخرة، والإيمان بها؟ لأنهم يعلمون أنهم سَيُجازون بما عملوا، وهذه مسألة صعبة عليهم، ومن مصلحتهم أن تكون الآخرة كذباً.
    وصدق أبو العلاء المعري حين قال:زَعَمَ المنجَّمُ والطبيبُ كِلاَهُمَا لاَ تُحْشَرُ الأجْسَادُ قُلْتُ إليْكُمَاإنْ صَحَّ قَولكُمَا فلسْتُ بخَاسِرٍ أَوْ صَحَّ قَوْلِي فَالخسَارُ عليكُمَاأي أن المؤمن بالبعث إن لم يكسب فلن يخسر، أما أنتم أيها المنكرون فخاسرون.
    وقوله تعالى: * فَتَرْدَى * [طه: 16] أي: تهلك من الردَى، وهو الهلاك.
    وهكذا جاء الكلام من الله تعالى لموسى ـ عليه السلام ـ أولاً: البداية إيماناً بالله وحده لا شريك له، وهذه القمة الأولى، ثم جاء بالقمة الأخيرة، وهي البعث فالأمر ـ إذن ـ منه بداية، وإليه نهاية:* إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لا إِلَـاهَ إِلا أَنَاْ *[طه: 14] إلى أنْ قال:* إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا *[طه: 15].
    وبعد ذلك شرح لنا الحق ـ سبحانه ـ بَدْء إيحائه لرسوله موسى عليه السلام: * وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يامُوسَى *
    وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى (17)

    ما: استفهامية. والتاء بعدها إشارة لشيء مؤنَّت، هو الذي يمسكه موسى في يده، والكاف للخطاب، كأنه قال له: ما هذا الشيء الذي معك؟ والجواب عن هذا السؤال يتم بكلمة واحدة: عَصَا.
    أمّا موسى ـ عليه السلام ـ فهو يعرف أن الله تعالى هو الذي يسأل، ولا يَخْفَى عليه ما في يده، ولكنه كلام الإيناس؛ لأن الموقف صعب عليه، ويريد ربه أنْ يُطمئنَه ويُؤنِسَه.
    وإذا كان الإيناس من الله، فعلى العبد أنْ يستغلّ هذه الفرصة ويُطيل أمدَ الائتناس بالله عز وجل، ولا يقطع مجال الكلام هكذا بكلمة واحدة؛ لذلك رد موسى عليه السلام: * قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا *
    قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى (18)

    قال موسى: * قَالَ هِيَ عَصَايَ * [طه: 18]، ثم يفتح لنفسه مجالاً آخر للكلام: * أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي * [طه: 18] وهنا يرى موسى أنه تمادى وزاد، فيحاول الاختصار: * وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى * [طه: 18].
    وكان موسى ينتظر سؤالاً يقول: وما هذه المآرب؟ ليُطيل أُنْسه بربه، وإذا كان الخطاب مع الله فلا يُنهِيه إلا زاهد في الله.
    وللعصا تاريخ طويل مع الإنسان، فهي لازمة من لوازم التأديب والرياضة، ولازمة من لوازم الأسفار، ولها أهميتها في الرعي.. الخ وهنا يذكر موسى ـ عليه السلام ـ بعض هذه الفوائد ـ يقول:
    * أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا * [طه: 18] أي: أعتمد عليها، وأستند عندما أمشي، والإنسان يحتاج إلى الأعتماد على عصا عند السير وعند التعب؛ لأنه يحتاج إلى طاقتين: طاقة للحركة والمشي، وطاقة لحمل الجسم والعصا تساعده في حَمْل ثقل جسمه، خاصة إنْ كان مُتْعباً لا تقوَى قدماه على حَمْله.
    فقوله: * أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا * [طه: 18] أي: أعتمد عليها حين المشي وحين أقف لرعي الغنم فأستند عليها، والاتكاء يراوح الإنسان بين قدميْه فيُريح القدم التي تعبتْ، وينتقل من جنب إلى جنب.
    والإنسان إذا ما استقرّ جسمه على شيء لمدة طويلة تنسدّ مسامّ الجسم في هذا المكان، ولا تسمح بإفراز العرق، فيُسبِّب ذلك ضرراً بالغاً نراه في المرضى الذين يلازمون الفراش لمدة طويلة، ويظهر هذا الضرر في صورة قرحة يسمونها " قرحة الفراش "؛ لذلك ينصح الأطباء هؤلاء المرضى بأن يُغيِّروا من وضْعِهم، فلا ينامون على جنب واحد.
    لذلك شاءت قدرة الله عز وجل أنْ يُقلِّب أهل الكهف في نومهم من جَنْب إلى جَنْب، كما قال سبحانه:* وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ اليَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ *[الكهف: 18].
    لذلك إذا وقف الإنسان طويلاً، أو جلس طويلاً ولم يجد له متكأ تراه قَلِقاً غير مستقر، ومن هنا كان المتَّكأ من مظاهر النعمة والترف في الدنيا وفي الآخرة، كما قال تعالى في شأن امرأة العزيز:* وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَئاً *[يوسف: 31].
    وقال عن نعيم الآخرة:* مُتَّكِئِينَ عَلَى سُرُرٍ مَّصْفُوفَةٍ *[الطور: 20].
    وقال:* مُتَّكِئِينَ عَلَى فُرُشٍ بَطَآئِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ *[الرحمن: 54].
    وقال الحق تبارك وتعالى:* مُتَّكِئِينَ عَلَى رَفْرَفٍ خُضْرٍ وَعَبْقَرِيٍّ حِسَانٍ *[الرحمن: 76].
    فالاتكاء وسيلة من وسائل الراحة، وعلى الإنسان أنْ يُغيٍِّر مُتكاهُ من جنب إلى جنب حتى لا يتعرّض لما يسمى بـ " قرحة الفراش ".
    ومن فوائد العصا: * وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي * [طه: 18] أي: أضرب بها أوراق الشجر فتتساقط فتأكلها الغنم والماشية؛ لأن الراعي يمشي بها في الصحراء، فتأكل من العِذْي، وهو النبات الطبيعي الذي لم يزرعه أحد، ولا يسقيه إلا المطر، فإن انتهى هذا العُشْب اتجه الراعي إلى الشجر العالي فيُسقِِط ورقه لتأكله الغنم، فيحتاج إلى العصا ليؤدي بها هذه المهمة.

    إذن: قوله: * أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا * [طه: 18] لراحته هو، و * وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي * [طه: 18] لخدمة الرعية، وفيها سياسة إدارة الرزق كلها للماشية وللناس، ورَعْي الغنم وسياستها تدريب على سياسة الأمة بأسْرها؛ لذلك ما بعث الله من نبي إلا ورَعَى الغنم ليتعلم من سياسة الماشية سياسة الإنسان.
    وفي الحديث الشريف: " ما بعث الله من نبي إلا ورعى الغنم، وأنا كنت أرعاها على قراريط لأهل مكة ".
    ولما أحسَّ موسى ـ عليه السلام ـ أنه أطال في خطاب ربه عز وجل أجمل فقال: * وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى * [طه: 18] أي: منافع.
    وقد حاول العلماء جزاهم الله عَنَّا خيراً البحث في هذه المآرب الأخرى التي لم يذكرها موسى عليه السلام، فتأملوا حال الرعاة، وما وظيفة العصا في حياتهم فوجدوا لها منافع أخرى غير ما ذكر.
    من هذه المنافع أن الراعي البدائي يضع عصاه على كتفه ويُعلِّق عليها زاده من الطعام والشراب، وبعض الرعاة يستغل وقته أيضاً في الصيد، فيحتاج إلى أدوات مثل: القوس، والنبل، والسهام والمخلاة التي يجمع فيها صَيْده، فتراه يضع عصاه على كتفه هكذا بالعرض، ويُعلِّق عليها هذه الأدوات من الجانبين.
    فإذا ما اشتدت حرارة الشمس ولم يجد ظلالاً غرز عصاه في الأرض، وألقى بثوبه عليها فجعل منها مثل الخيمة أو المظلة تقيه حرارة الجو. فإن احتاج للماء ذهب للبئر، وربما وجده غائر الماء لا يبلغه الدلو فيحتاج للعصا يربطها ويُطيل بها الحبل، إلى غير ذلك من المنافع.
    وبعض العلماء يقولون: لقد كان موسى عليه السلام ينتظر أن يسأله ربه عن هذه المآرب ليطيل الحديث معه، لكن الحق سبحانه لم يسأله عن ذلك؛ لأنه سينقله إلى شيء أهم من مسألة العصا، فما ذكْرتَه يا موسى مهمة العصا معك، أمّا أنا فأريد أنْ أخبرك بمهمتها معي:
    ثم يقول الحق سبحانه: * قَالَ أَلْقِهَا يامُوسَى *
    قَالَ أَلْقِهَا يَا مُوسَى (19)

    ارْم بها على الأرض، وهو هنا إلقاء الدُّرْبة والتمرين على لقاء فرعون، وهنا خرجت العصا عن ناموسها الذي يعلمه موسى عليه السلام، لم تعد للتوكؤ والهش على الغنم، ولكنها تنتقل من جنس الخشب إلى جنس الحيوان فتصير حية، قال الحق سبحانه: * فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ *
    فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَى (20)

    وهذه نَقْلة كبيرة في مسألة العصا، فقد كان في الإمكان لإثبات المعجزة أنْ تتحوَّل العصا، وهي عود جاف من الخشب إلى شجرة خضراء، لكن الحق ـ تبارك وتعالى ـ يُجرِي لموسى هذه المعجزة؛ لأنه سيحتاج إليها فيما بعد، ولو تحولتْ العصا إلى شجرة خضراء فسوف تستقر في مكانها، أما حين تتحول إلى حيّة فهي حيوان مُتحَرِّك، تجري هنا وهناك، وهذا ما سيحتاجه موسى في معركته القادمة.
    ألقى موسى عصاه * فَإِذَا هِيَ * [طه: 20] إذا هنا فجائية كما تقول: خرجتُ فإذا أسدٌ بالباب. وحينما ألقى موسى العصا سرعان ما تحولت وهي جافة يابسة إلى حيّة، وحيّة تسعى ليستْ جامدة ميتة، أليست هذه مفاجأة؟
    وطبيعي أن يخاف موسى ـ عليه السلام ـ مما رآه، فطمأنه ربه فقال: * قَالَ خُذْهَا وَلاَ تَخَفْ *
    قَالَ خُذْهَا وَلَا تَخَفْ سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا الْأُولَى (21)

    أي: امسكها بيدك، وسوف نعيدها في الحال * سِيَرتَهَا الأُولَى * [طه: 21] أي: كما كانت عصا يابسة جافة في يدك، وقال: * لاَ تَخَفْ * [طه: 21] لما ظهر عليه من أمارات الخوف. وقد أخبر عن خوفه في آية أخرى:* فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُّوسَى *[طه: 67].
    وكانت هذه المسألة تدريباً لموسى ـ عليه السلام ـ وتجربةً، فللعصا مهمة في رسالته، وسوف تكون هي معجزته في صراعه مع فرعون حين يضرب بها البحر وفي دعوته لبني إسرائيل حين يضرب بها الحجر فيتفجّر منه الماء.
    وقد عالج القرآن هذه القصة في لقطات مختلفة، فمرة يقول عن العصا كأنها ثعبان. ومرة يقول: حيّة. وأخرى يقول: جان؛ لذلك اعترض البعض على هذه الاختلافات، فأيها كانت العصا؟
    الحقيقة أنها صور مختلفة للعصا حينما انقلبتْ، فمن ناحية قتْلتها المميتة هي حية، ومن ناحية ضخامتها ثعبان، ومن ناحية خِفَّة حركتها جان، وكل هذه الخصائص كانت في العصا، وحين تجمع كل هذه اللقطات تعطيك الصورة الكاملة للعصا بعد أنْ صارت حية. فآيات القرآن ـ إذن ـ تتكامل لترسم الصورة المرادة للحق تبارك وتعالى.
    ثم يقول الحق سبحانه: * وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلَى جَنَاحِكَ *
    وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلَى جَنَاحِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ آيَةً أُخْرَى (22)

    اليد معروفة، والجناح للطائر، ويقابله في الإنسان الذراع بداية من العَضُد، والحق سبحانه حينما أوصانا بالوالدين قال:* وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ *[الإسراء: 24] يعني: تواضع لهما، ولا تتعالَ عليهما.
    وفي موضع آخر قال تعالى:* اسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَآءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ *[القصص: 32].
    والجَيْب: طَوْق القميص، سُمِّي جَيْباً؛ لأنهم كانوا في الماضي يجعلون الجيب الذي يضعون به النقود أو خلافه في داخل الثوب، ليكون بعيداً عن يد السارق، فإذا ما احتاج الإنسان شيئاً في جَيْبه يُدخِل يده من طَوْق القميص ليصل إلى الجيْب فسُمِّي الطوق جيباً. وهذا من مظاهر التكامل بين الآيات.
    والمعنى هنا: اضمم كف يدك اليمنى، وأدْخله من طَوْق قميصك إلى تحت عَضُدك الأيسر * تَخْرُجْ بَيْضَآءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ * [طه: 22] أي: ساعة أنْ تُخرِج يدك تجدها بيضاء، لها ضوء ولمعان وبريق وشعاع.
    ومعلوم أن موسى ـ عليه السلام ـ كان أسمر اللون، كما وصفه النبي صلى الله عليه وسلم حينما طُلِب منه أنْ يَصف الرسل الذين لقيهم في رحلة الإسراء والمعراج، فقال: " أما موسى، فرجل آدم طُوَال، كأنه من رجال أزدشنوءة.... ".
    أي: أسمر شديد الطول؛ لان طُوَال يعني: أكثر طولاً من الطويل.
    ومن هنا كان بياضُ اليد ونورها في سُمْرة لونه آيةً من آيات الله، ولو كان موسى أبيض اللون ما ظهر بياضُ يده.
    وقوله: * مِنْ غَيْرِ سُوءٍ * [طه: 22] أي: من غير مرض، فقد يكون البياض في السُّمرة مرضاً ـ والعياذ بالله ـ كالبرص مثلاً. فنفى عنه ذلك.
    وقوله تعالى: * آيَةً أُخْرَى * [طه: 22] أي: معجزة، لكنه لم يقُلْ شيئاً عن الآية الأولى، فدلَّ ذلك على أن العصا كانت الآية الأولى، واليد الآية الأخرى.
    ثم يقول الحق سبحانه: * لِنُرِيَكَ مِنْ آيَاتِنَا الْكُبْرَى *
    لِنُرِيَكَ مِنْ آيَاتِنَا الْكُبْرَى (23)

    أي: نُريك الآيات العجيبة عندنا؛ لتكون مقدمة لك، فحين نأمرك بشيء من هذا القبيل فاعلم أن الذي يأمرك ربُّ لن يغشَّك، ولن يتخلى عنك، وسوف يُؤيدك وينصرك، فلا ترتَعْ ولا تخف أو تتراجع.
    وكأن الحق ـ تبارك وتعالى ـ يُعِدُّ نبيه موسى للقاء مرتقب مع عدوه فرعون الذي ادعى الألوهية.
    ثم بعد هذه الشحنة والتجربة العملية يقول له: * اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى *
    اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى (24)

    فلماذا أرسله إلى فرعون أولاً، ولم يرسله إلى قومه؟ قالوا: لأن فرعون فعل فعلاً فظيعاً، حيث ادعى الألوهية، وهي القمة في الاعتداء، ثم استعبد بني إسرائيل، فلا بُدَّ أن نُصفِّي الموقف أولاً مع فرعون.
    لذلك حدثت معجزة العصا في ثلاثة مواقف.
    الأول: وكان لِدُرْبة موسى ورياضته على هذه العملية، وكانت هذه المرة بين موسى وربه ـ عز وجل ـ تدريباً، حتى إذا أتى وقت مزاولتها أمام فرعون لم يتهيِّب منها أو يتراجع، بل باشرها بقلب ثابت واثق.
    والثاني: كان مع فرعون بمفرده ترويعاً له.
    والثالث: مع السَّحَرة تجميعاً.
    فكُلُّ موقف من هذه المواقف كان لحكمة وله دور، وليس في المسألة تكرار كما يدَّعي البعض.
    وقوله تعالى: * إِنَّهُ طَغَى * [طه: 24] الطغيان: مجاوزة الحدّ، ومجاوزة الحدِّ يكون بأخْذ ما ليس لك والمبالغة في ذلك، وليْتَه أخذ من المساوي له من العباد، إنما أخذ ما ليس له من صفات الله عز وجل.
    ولما سمع موسى اسم فرعون، تذكَّر ما كان من أمره في مصر، وأنه تربَّى في بيت هذا الفرعون الذي ادَّعى الألوهية، فكيف سيواجهه.
    كما تذكَّر قصة الرجل الذي وكَزه فقتله، ثم خرج منها خائفاً يترقب، فلما شعر موسى أن العبء ثقيل قال: * قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي *
    قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي (25)

    كأنه قال: يا رب أنا سأنفّذ أوامرك؛ لكني لا أريد أنْ أُقبل على هذه المهمة وأنا منقبض الصدر منْ ناحيتها؛ لأن انقباضَ الصدر من الشيء يُهدِر الطاقة ويُبدِّدها، ويعين الأحداث على النفس.
    لذلك دعا موسى بهذا الدعاء: * رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي * [طه: 25] ليوفر قوته لأداء هذه المهمة الصعبة التي تحتاج إلى مجهود يناسبها، ومعنى ذلك أنه انقبض صدره من لقاء فرعون للأسباب الذي ذُكِرت.
    ثم قال: * وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي *
    كلمتان خفيفتان على اللسان .. ثقيلتان في الميزان .. حبيبتان إلى الرحمن

    سبحان الله وبحمده .. سبحان الله العظيم

  4. #4
    Super Moderator
    رقم العضوية : 2
    تاريخ التسجيل : Jun 2016
    المشاركات: 3,273
    التقييم: 10
    الدولة : الأردن
    العمل : طالب علم
    وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي (26)

    لأن شَرْح الصدر في هذه المسألة لا يكفي، فشَرْح الصدر من جهة الفاعل، وقد يجد من القليل لَدَداً شديداً وعناداً؛ لذلك قال بعدها: * وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي * [طه: 26] فلا أجد لَدَداً وطغياناً من فرعون، فتيسير الامر من جهة القابل للفعل بعد شرح الصدر عند الفاعل.
    وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي (27)

    لأن الكلام وتبليغ الرسالة يحتاج إلى منطق ولسان مُنطلِق بالكلام، وكان موسى ـ عليه السلام ـ لديه رُتَّة أو حُبْسَة في لسانه، فلا ينطلق في الكلام.
    وكانت هذه الرُّتَّة أيضاً في لسان الحسين بن علي ـ رضي الله عنهما ـ وكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا سمع الحسين يضحك ويقول: " ورثها عن عمه موسى ".
    وتلحظ دِقَّة التعبير في قوله: * مِّن لِّسَانِي * [طه: 27] ولم يقل: احلل عقدة لساني. فقد يُفهم منها أنه مُتمرِّد على قَدَر الله من حُبسة لسانه، إنما هو لا يعترض ويطلب مجرد جزءٍ من لسانه، يمَكِّنه من القيام بمهمته في التبليغ.
    يَفْقَهُوا قَوْلِي (28)

    هذه هي العِلّة في طلبه، ولولاها ما طلب انطلاقة اللسان. والفقه هو أن يفهموا الكلام والحديث عنه.
    ويواصل موسى ـ عليه السلام ـ ما يراه مُعيناً له على أداء مهمته: * وَاجْعَل لِّي وَزِيراً مِّنْ أَهْلِي *
    وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي (29)

    وزيراً: أي: معيناً وظهيراً. والحق ـ سبحانه وتعالى ـ لما أراد أنْ يُخوِّف الناس من الآخرة قال:* كَلاَّ لاَ وَزَرَ * إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ *[القيامة: 11ـ12].
    أي: لا ملجأ ولا معين تفزع إليه إلا الله، فالوزير من (وَزَر)، ويطلب الوزير حين لا يستطيع صاحب الأمر القيام به بمفرده، فيحتاج إلى مَنْ يعينه على أمره، وهو وزير إنْ كان ناصحاً أميناً يُعين صاحبه بصِدْق، فإنْ كان غاشَّاً لئيماً يعمل لصالح نفسه، فليس بوزير، بل هو (وِزْر) ، ومنه قوله تعالى:* وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى *[فاطر: 18].
    وفي الحديث النبوي الشريف: " خَيْر الملوك ملك جعل الله له وزيراً، إنْ نسي ذكَّره، وإنْ نوى على خير ـ مجرد نيّة ـ أعانه، وإن أراد شرّاً كفَّه... ".
    تلك علامات الوزير الناصح للرعية كما بيَّنتها سياسة السماء؛ لأن لكل حاكم بطانتين: واحدة تأمر بالمعروف، وأخرى تأمر بالمنكر كما جاء في الحديث الشريف.
    فإنْ كانت هذه هي سياسة السماء، فماذا عن سياسة البشر؟
    يقول أنو شروان: إياكم أنْ تفهموا أن أحداً مِنَّا يستغني عن أحد، فلكُلِّ واحد مهمته، فإنْ زدت في شيء فقد نقصت في أشياء، جعلها الله في غيرك ليكمل بها نقصك، فالمعايشة مشتركة، لكن هذه المشاركة تفرضها الضرورة لا التفضّل، وإلاَّ لو لم يتفضّل عليك غيرك فماذا تفعل؟
    وسبق أن ضربنا مثلاً لحاجة الناس بعضهم لبعض، قلنا: ماذا يحدث لو امتنع رجال الصرف الصحي أو الكناسون عن العمل لعدة أيام؟ أما لو غاب الوزراء لعدة أيام فلن يحدث شيء.
    إذن: لا تظن أنك أفضل من الآخرين؛ لأن لكل منهم مهمة يؤديها، فإنْ كنتَ خيراً منه في هذه فهو خير منك في هذه؛ لأن مجموع مواهب كل إنسان يساوي مجموع مواهب الآخر، فإنْ قلتَ: فلماذا وُجِد التفاوت بين الناس؟
    قالوا: لتكون هناك ضرورة في حاجة بعضنا لبعض، فلو تساوَى الجميع لقلنا لجماعة منا: تفضّلوا بكنس الشوارع يوم كذا فلن يتفضلوا، أما إنْ ألجأتْهم الحاجة إلى مثل هذا العمل فسوف يسارعون إليه، كما نرى الآن في أشقَّ المهن وأصعب المهام التي ينفر منها الناس بل ويحتقرونها ترى صاحبها مُقبلاً عليها حريصاً على القيام بها، رغم ما فيها من مشقّة، بل ويغضب إنْ لم يجد فرصة للعمل، لماذا؟ لأنه مصدر قُوته وقُوت عياله.
    وبهذه النظرة لا يتعالى أحد أو يستكبر ليحدث في المجتمع توازن استطراقي.
    وقوله: * مِّنْ أَهْلِي * [طه: 29] أي: ليكون مأموناً عليَّ.
    وهذا المطلب من موسى ـ عليه السلام ـ يشير لأدب عال من آداب النبوة، وقد اختار الله موسى للرسالة، فلماذا يشرك معه أخاه في هذه المهمة؟ إذن: موسى لا يريد أنْ يفخَر بالرسالة، أو يتعالى بها، أو يطغى، إنما يريد أن يقوم بها على أكمل وجه؛ لذلك يحاول أنْ يُكمل ما فيه من نقص بأخيه ليُعينه على تبليغ رسالته، ولو أراد الاستئثار بالرسالة ما طلب هذا الطلب.
    وهذا نموذج يجب أنْ يُحتذَى، فإنْ كُلِّفت بأمر فوق طاقتك فلا غبارَ عليك أن تستعين عليه بغيرك، فهذا دليل على إخلاصك للمهمة التي كُلِّفت بها.
    هَارُونَ أَخِي (30)

    فاختار أخاه هارون ليعينه في مهمة الرسالة.
    ثم أوضح العلّةَ في ذلك، فقال في آية آخرى:* وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَاناً *[القصص: 34].
    وهكذا يتكامل موسى وهارون ويُعوِّض كل منهم النقص في أخيه. ويُقال: إن هارون ـ عليه السلام ـ كان يمتاز على موسى في أمور آخرى، فكان به لِينٌ وحِلْم، وكان موسى حاداً سريع الغضب، فكان هارون للِّين، وموسى للشدة.
    ويتضح هذا حينما عاد موسى إلى قومه، وقد تركهم في صُحْبة أخيه هارون فعبدوا العجل فاشتد غضبه، كما قال تعالى:* وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفاً *[الأعراف: 150].
    تم احتدّ على أخيه، وجذبه من ذَقْنه، وظهرتْ حِدَّته. وقَسْوته، فماذا قال هارون؟* قَالَ ابْنَ أُمَّ *[الأعراف: 150] ليستعطفه ويُذكِّره برأفة الأم وحنانها* لاَ تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلاَ بِرَأْسِي *[طه: 94]، كأنه يقول لأخيه: اضربني كما تريد، لكن لا تروعني في لحيتي، وفي رأسي.
    إذن: فالفصاحة في هارون تجبر العُقدة في لسان موسى، واللين يجبر الشدة والحدة. وأيضاً فإن موسى ـ عليه السلام ـ كان أسمر اللون، أجعد الشعر، أقنى الأنف، أما هارون فكان أبيض اللون، مُرْسَل الشعر، وسيم التقاطيع والملامح، ترتاح له الأبصار، فمَنْ لم يرتَحْ لموسى ارتاح لهارون.
    ولقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يحب أن ينزل الوحي عليه في صورة دِحيْة الكلبي، وكان ـ رضي الله عنه ـ وسيماً، ترتاح له العين لرؤيته، فكان جبريل ـ عليه السلام ـ ينزل عليه في هذه الصورة لِيُؤنسه.
    وموسى ـ عليه السلام ـ مع ما تميَّز به أخوه هارون عليه من هذه الصفات لم يحقد على أخيه، ولم ينظر إليه على أنه أفضل منه، إنما جعل صفات أخيه مكملة لصفاته، والجميع من أجل أداء الرسالة وتبليغها على وجهها الأكمل، فلم ينظر إلى نفسه ونجاحه هو، وإنما إلى نجاح المهمة التي كلّفه الله بها.
    ويجب أنْ يشيعَ هذا الخُلق بين الناس، فإنْ رأيت خَصْلةَ خَيْر في غيرك، أو وجهاً من وجوه الكمال في غيرك، فاحمد الله عليها، واعلم أنها سيعود عليك نفعها، وستجبر ما عندك من نقص فلا تحقد عليه؛ لأنه سيتحمل ما فيك من قصور، وتنتفع أنت بخيره.
    ثم يقول الحق سبحانه أن موسى ـ عليه السلام ـ قال: * اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي *
    اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي (31)

    الأَزْر: القوة. وكأن موسى ـ عليه السلام ـ عرف أن حَمْل الرسالة إلى فرعون وإلى قومه من بعده عملية شاقة، فقال لله: أعطني أخي يساعدني في هذه المشقة.
    وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي (32)

    قوله: (وَأشْرِكْهُ) أي: أنت يا ربّ، ليس أنا الذي أشركه تفضُّلاً مني عليه، فأراد موسى ـ عليه السلام ـ أن يكون الفضل من الله، وأن يكون التكليف أيضاً من الله حتى لا يعترض هارون أو يتضجر عند مباشرة أمر الدعوة.
    لذلك لما ذَهَبا إلى فرعون قالا:* إِنَّا رَسُولاَ رَبِّكَ *[طه: 47] ولم يقُلْ موسى: إن هارون تابع له بل هو مثله تماماً مُرْسَل من الله، وإذا تكلَّم موسى تكلَّم عنه وعن هارون.
    فلما دعا موسى على قومه:* رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلاَ يُؤْمِنُواْ حَتَّى يَرَوُاْ الْعَذَابَ الأَلِيمَ *[يونس: 88].
    جاءت الإجابة من الله:* قَالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَّعْوَتُكُمَا *[يونس: 89]؛ لأن الدعاء كان من موسى، وهارون يُؤمِّن عليه، والمؤمِّن أحد الداعيَيْن.
    ثم يقول الحق سبحانه عن هارون وموسى أنهما قالا: * كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيراً *
    كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا (33) وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا (34)

    فهذه هي العِلّة في مشاركة هارون لأخيه في مهمته، لا طلباً لراحة نفسه، وإنما لتتضافر جهودهما في طاعة الله، وتسبيحه وذِكْره.
    والتسبيح: تقديس الله وتنزيهه ذاتاً وصفاتاً وأفعالاً، ذاتاً. فلا ذات مثل ذاته تعالى:* لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ *[الشورى: 11] لا في الذات، ولا في الصفات ولا في الأفعال، فلا تقل: إن سَمْع الله كسَمْعك، أو أن بصره تعالى كبصرك، أو أن فِعْله كفِعلْك.
    والمعنى: نُسبِّحك ونُقدِّسك تقديساً يرفعك إلى مستوى الألوهية الثابتة لك، فلا نزيد شيئاً من عندنا.
    وقوله: * نُسَبِّحَكَ كَثِيراً * [طه: 33] أي: دائماً، فكأن التسبيح يُورِث المسبِّح لذة في نفسه، والطاعة من الطائع تُورثه لذة في نفسه، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: "... وجُعِلتْ قرّة عيني في الصلاة ".
    وكان صلى الله عليه وسلم " إذا حزبه أمر قام إلى الصلاة ".
    إِنَّكَ كُنْتَ بِنَا بَصِيرًا (35)

    فأنت قيُّوم علينا، مُطلع على أفعالنا، أنؤدّيها على الوجه الأكمل، أم نُقصِّر فيها؟
    ولذلك يقول الحق تبارك وتعالى: * قَالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يامُوسَى *
    قَالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَا مُوسَى (36)

    سُؤْل: أي: الشيء المسئول مثل (خُبز) أي: مخبوز، فالمراد: أعطيناك ما سألتَ، بل وأعطيناك قبل أن تسأل، بل وقبل أن تعرف كيف تسأل: * وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرَى *
    وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرَى (37)

    (مّننا) من المنة، وهي العطاء بلا مقابل على خلاف الجزاء، وهو العطاء مقابل عمل * مَرَّةً أُخْرَى * [طه: 37] إذن: هناك مرة أولى، لكن المراد بالمنّة هنا ما حدث من الوحي إلى أم موسى وهو صغير، فهي في الحقيقة المنّة الأولى إنما قال هنا * مَرَّةً أُخْرَى * [طه: 37] هذا ترتيب ذكري حَسْب ذِكْر الأحداث.
    فمتى كانت هذه المنّة؟
    إِذْ أَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّكَ مَا يُوحَى (38)

    إذ: يعني وقت أنْ أوحينا إلى أمك ما يُوحَى. فكانت هذه هي المنة الأولى عليك حين وُلدت في عام، يقتل فيه فرعون الذكور، فمنَّنا عليك لما قلنا لأمك:* فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي اليَمِّ وَلاَ تَخَافِي وَلاَ تَحْزَنِي إِنَّا رَآدُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ *[القصص: 7].
    ومعنى * مَا يُوحَى * [طه: 38] أي: أمراً عظيماً لك أن تقدره أنت فتذهب فيها نفسك كل مذهب، كما جاء في قوله تعالى:* فَغَشِيَهُمْ مِّنَ الْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ *[طه: 78] ويُفصِّل الحق سبحانه هذا الوحي لأم موسى، فيقول تعالى: * أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ *
    أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وَعَدُوٌّ لَهُ وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي (39)

    هذا ما أوحينا به إلى أم موسى.
    واليمُّ: البحر الكبير، سواء أكان مالحاً أم عَذْباً، فلما تكلّم الحق سبحانه عن فرعون قال:* فَأَغْرَقْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ *[الأعراف: 136] والمراد: البحر الأحمر، أما موسى فقد وُلِد في مصر وأُلْقِي تابوته في النيل، وكان على النيل قصر فرعون.
    وبالله.. أي أم هذه التي تُصدِّق هذه الكلام: إنْ خِفْتِ على ولدك فألقيه في اليم؟ وكيف يمكن لها أن تنقذه من هلاك مظنون وترمي به في هلاك مُتيقّن؟
    ومع ذلك لم تتردد أم موسى لحظة في تنفيذ أمر الله، ولم تتراجع، وهذا هو الفرق بين وارد الرحمن ووارد الشيطان، وارد الرحمن لا تجد النفس له ردّاً، بل تتلقاه على أنه قضية مُسلَّمة، فوارد الشيطان لا يجرؤ أن يزاحم وارد الرحمن، فأخذتْ الأم الوليد وأَلْقَتْه كما أوحى إليها ربها.
    وتلحظ في هذه الآيات أن آية القصص لم تذكر شيئاً عن مسألة التابوت:* فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي اليَمِّ *[القصص: 7] هكذا مباشرة.
    قالوا: لأن الحق سبحانه تكلم عن الغاية التي تخيف، وهي الرَّمي في اليم، وطبيعي في حنان الأم أنْ تحتال لولدها وتعمل على نجاته، فتصنع له مثل هذا التابوت، وتُعِدّه إعداداً مناسباً للطَفْو على صفحة الماء.
    فالكلام هنا لإعداد الأم وتهيئتها لحين الحادثة، وفَرْق بين الخطاب للإعداد قبل الحادثة والخطاب حين الحادثة، فسوف يكون للأمومة ترتيب ووسائل تساعد على النجاة، صنعتْ له صندوقاً جعلت فيه مَهْداً ليّناً واحتاطتْ للأمر، ثم يطمئنها الحق سبحانه على ولدها:* وَلاَ تَخَافِي وَلاَ تَحْزَنِي *[القصص: 7] فسوف نُنجيه؛ لأن له مهمة عندي* إِنَّا رَآدُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ *[القصص: 7].
    فإذا ما جاء وقت التنفيذ جاء الأمر في عبارات سريعة متلاحقة: * أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ * [طه: 39].
    لذلك، تجد السياق في الآية الأولى هادئاً رتيباً يناسب مرحلة الإعداد، أما في التنفيذ فقد جاء السياق سريعاً متلاحقاً يناسب سرعة التنفيذ، فكأن الحق سبحانه أوحى إاليها: أسرعي إلى الأمر الذي سبق أنْ أوحيتُه إليك، هذا الكلام في الحبْكة الأخيرة لهذه المسألة.
    وقوله تعالى: * فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ * [طه: 39] أي: تحمله الأمواج وتسير به، وكأن لديها أوامر أن تُدخِله في المجرى الموصِّل لقصر فرعون.
    فعندنا ـ إذن ـ لموسى ثلاثة إلقاءات: إلقاء الرحمة والحنان في التابوت، وإلقاء التابوت في اليم تنفيذاً لأمر الله، وإلقاء اليَمِّ للتابوت عند قصر فرعون.
    وقوله تعالى: * يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِّي وَعَدُوٌّ لَّهُ * [طه: 39] (عَدُو لِي) أي: لله تعالى؛ لأن فرعون ادعى الألوهية، (وَعَدُوٌّ لَهُ) أي: لموسى؛ لأنه سيقف في وجهه ويُوقفه عند حَدِّه.
    وفي الآية إشارة إلى إنفاذ إرادته سبحانه، فإذا أراد شيئاً قضاه، ولو حتى على يد أعدائه وهم غافلون، فمَنْ يتصور أو يصدق أن فرعون في جبروته وعُتوه وتقتيله للذكور من أولاد بني إسرائيل هو الذي يضم إليه موسى ويرعاه في بيته، بل ويُحبه ويجد له قبولاً في نفسه.

    وهل التقطه فرعون بداية ليكون له عَدواً؟ أم التقطه ليكون ابناً؟ كما قالت زوجته آسية:* قُرَّةُ عَيْنٍ لِّي وَلَكَ لاَ تَقْتُلُوهُ عَسَى أَن يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَداً وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ *[القصص: 9].
    إذن: كانت محبة، إلا أنها آلتْ إلى العداوة فيما بعد، آلتْ إلى أن يكون موسى هو العدو الذي ستُربيه بنفسك وتحافظ عليه ليكون تقويضُ ملكك على يديه؛ لذلك سيقول فرعون:* أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيداً وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ *[الشعراء: 18].
    ومسألة العداوة هذه استغلها المشككون في القرآن واتهموه بالتكرار في قوله تعالى: * يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِّي وَعَدُوٌّ لَّهُ * [طه: 39] ثم قال في آية أخرى:* فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوّاً وَحَزَناً *[القصص: 8].
    والمتأمل في الآيتين يجد أن العداوة في الآية الأولى من جانب فرعون لموسى وربه تبارك وتعالى، أما العداوة في الآية الثانية فمن جانب موسى لفرعون، وهكذا تكون العداوة متبادلة، وهذا يضمن شراستها واستمرارها، وهذا مُرَاد في هذه القصة.
    أمّا إنْ كانت العداوة من جانب واحد، فلربما تسامح غير العدو وخَجِل العدو فتكون المصالحة. والعداوة بين موسى وفرعون ينبغي أن تكونَ شرسة؛ لأنها عداوة في قضية القِمَّة، وهي التوحيد.
    ولكن، لماذا لم يُلفِت مجيء موسى على هذه الحالة انتباه فرعون فيسأل عن حكايته ويبحث في أمره؟ إنها إرادة الله التي لا يُعجِزها شيء، فتحبه زوجة فرعون، وتقول:* قُرَّةُ عَيْنٍ لِّي وَلَكَ *[القصص: 9]؛ لذلك يقول الحق سبحانه وتعالى بعدها: * وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِّنِّي * [طه: 39].
    فأحبته آسية امرأة فرعون لما رأته، وأحبَّه فرعون لما رآه، وهذه محبة من الله بلا سبب للمحبة؛ لأن المحبة لها أسباب بين الناس، فتحب شخصاً لأنك تودّه، أو لأنه قريب لك أو صديق، أو أسْدى لك معروفاً، وقد يكون الحب من الله دون سبب من هذه الأسباب، فلا سببَ له إلا إرادة الله.
    فمعنى: * وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِّنِّي * [طه: 39] وليس فيك ما يُوجب المحبة، وليس لديك أسبابها، خاصة وقد كان موسى عليه السلام أسمر اللون، أجعد الشعر، أقنى الأنف، أكتف، وكأن هذه الخِلْقة جاءت تمهيداً لهذه المحبة، وإثباتاً لإرادة الله التي طوَّعَتْ فرعون لمحبة موسى، كما قال تعالى:* وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ *[الأنفال: 24].
    وهكذا، حوَّل الله قلب فرعون، وأدخل فيه محبة موسى ليُمرِّر هذه المسألة على هذا المغفل الكبير، فجعله يأخذ عدوه ويُربِّيه في بيته، ولم يكن في موسى الوسامة والجمال الذي يجذب إليه القلوب.
    ثم يقول سبحانه: * وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي * [طه: 39] أي: تُربَّى على عَيْن الله وفي رعايته، وإنْ كان الواقع أنه يُربّى في بيت فرعون، فالحق ـ تبارك وتعالى ـ يرعاه، فإنْ تعرَّض لشيء في التربية تدخّل ربُّه عز وجل ليعلمه ويُربّيه.

    ومن هذه المواقف أن فرعون كان يجلس وزوجته آسية، ومعهما موسى صغير يلعب، فإذا به يمسك بلحية فرعون ويجذبها بشدة أغاظته، فأمر بقتله، فتدخلّت امرأته قائلة: إنه ما يزال صغيراً لا يفقه شيئاً، إنه لا يعرف التمرة من الجمرة.
    فأتوا له بتمرة وجمرة ليمتحنوه، فأزاح الله يده عن التمرة إلى الجمرة لِيُفوّت المسألة على هذا المغفل الكبير، بل وأكثر من هذا، فأخذها موسى رغم حرارتها حتى وضعها في فمه، فلدغتْ لسانه، وسبَّبت له هذه العُقْدة في لسانه التي اشتكى منها فيما بعد.
    وكأن الحق ـ تبارك وتعالى ـ يُطمئِن نبيه موسى ـ عليه السلام ـ: لا تخف، فأنت تحت عيني وفي رعايتي، وإنْ فعلوا بك شيئاً سأتدخل، وفي آية أخرى قال:* وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي *[طه: 41] فأنا أرعاك وأحافظ عليك؛ لأن لك مهمة عندي.
    ثم يقول الحق سبحانه وتعالى: * إِذْ تَمْشِي أُخْتُكَ *
    كلمتان خفيفتان على اللسان .. ثقيلتان في الميزان .. حبيبتان إلى الرحمن

    سبحان الله وبحمده .. سبحان الله العظيم

  5. #5
    Super Moderator
    رقم العضوية : 2
    تاريخ التسجيل : Jun 2016
    المشاركات: 3,273
    التقييم: 10
    الدولة : الأردن
    العمل : طالب علم
    إِذْ تَمْشِي أُخْتُكَ فَتَقُولُ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى مَنْ يَكْفُلُهُ فَرَجَعْنَاكَ إِلَى أُمِّكَ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ وَقَتَلْتَ نَفْسًا فَنَجَّيْنَاكَ مِنَ الْغَمِّ وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا فَلَبِثْتَ سِنِينَ فِي أَهْلِ مَدْيَنَ ثُمَّ جِئْتَ عَلَى قَدَرٍ يَا مُوسَى (40)

    إذن: كان لأخت موسى دور في قصته، كما قال تعالى في موضع آخر:* وَقَالَتْ لأُخْتِهِ قُصِّيهِ فَبَصُرَتْ بِهِ عَن جُنُبٍ وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ *[القصص: 11].
    والمراد: تتبعيه بعد أنْ علمتِ نجاته من اليمّ، فتتبعته، وعرفتْ أنه في بيت فرعون، ثم حرَّم الله عليه المراضع، فكان يعَافُ المرضعات، وهنا تدخلت أخته لتقول: * هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى مَن يَكْفُلُهُ * [طه: 40] وهذا الترتيب لا يقدر عليه إلا الله.
    ويقول تعالى: * فَرَجَعْنَاكَ إِلَى أُمِّكَ * [طه: 40] حين نستقرىء مادة (رجع) في القرآن نجدها تأتي مرة لازمة كما في:* وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ *[الأعراف: 150],
    وتأتي متعدية كما في: * فَرَجَعْنَاكَ إِلَى أُمِّكَ * [طه: 40] وفي:* فَإِن رَّجَعَكَ اللَّهُ إِلَى طَآئِفَةٍ مِّنْهُمْ *[التوبة: 83].
    والفَرْق بين اللازم والمتعدِّي أن اللازم رجع بذاته، أمّا المتعدي فقد أرجعه غيره، فالرجوع أن تصير إلى حال كنتَ عليها وتركتها، فإنْ رجعت بنفسك دون دوافع حملتْك على الرجوع فالفعل لازم، فإنْ كانت هناك أمور دفعتْك للرجوع فالفعل مُتعَدٍّ.
    ومثل رجعك: أرجعك، إلا أن رجعك: الرجوع ـ في ظاهر الأمر منك من دون دوافع منك. وأرجعك: أي رَغْماً عن إرادتك.
    وقوله: * كَيْ تَقَرَّ عَيْنُها * [طه: 40] تقرُّ العين أي: تثبت؛ لأن التطلعات إما أن تكون معنوية أو حِسِّية، فالإنسان لديه أمانٍ يتطلع إلى تحقيقها، فإذا ما تحققت نقول: لم يعُدْ يتطلع إلى شيء.
    وكذلك في الشيء الحسِّيِّ، فالعرب يقولون للشيء الجميل: قيد النواظر. أي: يقيد العين فلا تتحول عنه؛ لأن الإنسان لا يتحول عن الجميل إلا إذا رأى ما هو أجمل ، وهذا ما يسمونه قُرَّة العين. يعني الشيء الحسن الذي تستقر عنده العين، ولا تطلب عليه مزيداً في الحُسْن.
    ثم يقول تعالى: * وَقَتَلْتَ نَفْساً فَنَجَّيْنَاكَ مِنَ الْغَمِّ وَفَتَنَّاكَ فُتُوناً * [طه:40] وهذه مِنَّة أخرى من مِنَن الله تعالى على موسى عليه السلام، فمِنَنُ الله عليه كثيرة كما قال:* وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرَى *[طه: 37] فهي مرة، لكن هناك مرات.
    ومسألة القتل هذه وردتْ في قوله تعالى:* وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِّنْ أَهْلِهَا فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلاَنِ هَـاذَا مِن شِيعَتِهِ وَهَـاذَا مِنْ عَدُوِّهِ فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِن شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ *[القصص: 15].
    وخرج من المدينة خائفاً يترقب الناس لئلا يلحقوا به فيقتلوه، وهذا معنى * فَنَجَّيْنَاكَ مِنَ الْغَمِّ * [طه: 40] أي: من القتل، أو من الإمساك بك * وَفَتَنَّاكَ فُتُوناً * [طه: 40] أي: عرَّضناك لمحن كثيرة، ثم نجيناك منها، أولها: أنك وُلِدْت في عام يُقتل فيه الأطفال، ثم رمتْكَ أمك في اليم، ثم ما حدث منه مع فرعون لما جذبه من ذقنه.
    ثم يقول تعالى: * فَلَبِثْتَ سِنِينَ فِي أَهْلِ مَدْيَنَ ثُمَّ جِئْتَ عَلَى قَدَرٍ يامُوسَى * [طه: 40] ذكر الله تعالى مدة مُكْثه في أهل مدين على أنها من مننه على موسى مع أنه كان فيها أجيراً، وقال عن نفسه:

    * رَبِّ إِنِّي لِمَآ أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ *[القصص: 24].
    وفي مدين تعرّف على شعيب عليه السلام، وتزوج من ابنته وأنجب منها ولداً، وموسى في هذا كله غريب عن وطنه، بعيد عن أمه، فلما أراد الله له الرسالة شَوَّقه إلى وطنه ورؤية أمه، وقَدَّر له العودة؛ فقال تعالى: * ثُمَّ جِئْتَ عَلَى قَدَرٍ يامُوسَى * [طه: 40].
    أي: على قَدَر من اصطفائك، فقَدَر الله هو الذي حرَّك في قلبك الشوق للعودة، وحملك على أنْ تمشي في الطريق غير المأهول، وتتحمل مشقة البرد وعناء السفر، قَدَر الله هو الذي حرّك فيك خاطر الشوق لأمك، ففي طريق العودة وفي طُوىً أنت على موعد مع الاصطفاء والرسالة.
    لذلك، فإن الشاعر الذي مدح الخليفة قال له:جاء الخِلاَفَةَ أوْ كانتْ لَهُ قَدَراً كَما أتَى ربَّه مُوسَى عَلَى قَدَرِثم يقول الحق سبحانه لموسى: * وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي *
    وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي (41)

    أي: نجّيْتك وحافظت عليك؛ لأنني أُعِدُّك لمهمة عندي، هي إرسالك رسولاً بمنهجي إلى فرعون وإلى قومك.
    وقد حاول العلماء إحصاء المطالب التي طلبها موسى عليه السلام من ربه فوجدوها ثمانية:* قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي * وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي * وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِّن لِّسَانِي * يَفْقَهُواْ قَوْلِي * وَاجْعَل لِّي وَزِيراً مِّنْ أَهْلِي * هَارُونَ أَخِي * اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي * وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي * كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيراً * وَنَذْكُرَكَ كَثِيراً *[طه: 25ـ34].
    ثم وجدوا أن الله تعالى أعطاه ثمانية أخرى دون سؤال منه:* إِذْ أَوْحَيْنَآ إِلَى أُمِّكَ مَا يُوحَى * أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِّي وَعَدُوٌّ لَّهُ وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِّنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي * إِذْ تَمْشِي أُخْتُكَ فَتَقُولُ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى مَن يَكْفُلُهُ فَرَجَعْنَاكَ إِلَى أُمِّكَ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُها وَلاَ تَحْزَنَ وَقَتَلْتَ نَفْساً فَنَجَّيْنَاكَ مِنَ الْغَمِّ وَفَتَنَّاكَ فُتُوناً فَلَبِثْتَ سِنِينَ فِي أَهْلِ مَدْيَنَ ثُمَّ جِئْتَ عَلَى قَدَرٍ يامُوسَى *[طه: 38ـ40].
    فإنْ كان موسى عليه السلام قد طلب من ربه ثمانية مطالب فقد أعطاه ربه عز وجل ثمانية أخرى دون أن يسألها موسى؛ ليجمع له بين العطاء بالسؤال، والعطاء تكرُّماً من غير سؤال؛ لأنك إنْ سألت الله فأعطاك دَلَّ ذلك على قدرته تعالى في إجابة طلبك، لكن إنْ أعطاك بدون سؤال منك دَلَّ ذلك على محبته لك.
    ثم يقول الحق سبحانه: * اذْهَبْ أَنتَ وَأَخُوكَ *
    اذْهَبْ أَنْتَ وَأَخُوكَ بِآيَاتِي وَلَا تَنِيَا فِي ذِكْرِي (42)

    * بِآيَاتِي * [طه: 42] الآيات هنا هي المعجزات الباهرات التي تبهر فرعون، فلن تذهبا مُجرَّديْن، بل معكما دليل على صِدْق الرسالة التي تحملونها إليه: * لاَ تَنِيَا فِي ذِكْرِي * [طه: 42] من التَّواني أي: الفتور أو التقصير؛ لأنني أعددتكما الإعداد المناسب لهذه المهمة الشاقة، فإياكم والتهاون فيها، فإنْ حدث منكما تقصير فهو تقصير في الأداء، لا في الإعداد.
    ومعنى: * فِي ذِكْرِي * [طه: 42] أي: لأكُنْ دائماً على بالكما، فأنا الذي أرسلتُ، وأنا الذي أيدتُ بالمعجزات، وأنا الذي أرعاكما وأرقبكما، وأنا الذي سأجازيكما فلا يَغبْ ذلك عنكما.
    ثم يقول الحق سبحانه: * اذْهَبَآ إِلَى فِرْعَوْنَ *
    اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى (43)

    وهل هناك طغيان فوق ادعاء أنه رَبٌّ؟ وقد قال تعالى في موضع آخر:* وَإِنَّ فِرْعَوْنَ لَعَالٍ فِي الأَرْضِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الْمُسْرِفِينَ *[يونس: 83] والمسرف: هو الذي يتجاوز الحدود، وهو قد تجاوز في إسرافه وادَّعى الألوهية، فعَلاَ في الأرض علوَّ طاغية من البشر على غيره من البشر المستضعفين.
    فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى (44)

    هذا لفرعون بعد أنْ طغى، ومن الذي حكم عليه بالطغيان؟ حين تحكم أنت عليه بالطغيان فهو طغيان يناسب قدرات وإمكانات البشر، أمّا أن يقول عنه الحق تبارك وتعالى* إِنَّهُ طَغَى *[طه: 43] فلا بُدَّ أنه تجاوز كل الحدود، وبلغ قمة الطغيان، فربُّنا هو الذي يقول.
    فقوله: * فَقُولاَ لَهُ قَوْلاً لَّيِّناً * [طه: 44] فلا بُدَّ أنْ تعطيه فُسْحة كي يرى حُجَجك وآياتك، ولا تبادره بعنف وغِلْضة، وقالوا: النصح ثقيل، فلا ترسله جبلاً، ولا تجعله جدلاً، ولا تجمع على المنصوح شدتين: أنْ تُخرِجه مما ألف بما يكره، بل تُخرِجه مما ألِف بما يحب.
    وهذا منهج في الدعوة واضح وثابت، كما في قوله تعالى:* ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ *[النحل: 125].
    لأنك تخلعه مما اعتاد وألف، وتُخرجه عَمَّا أحبَّ من حرية واستهتار في الشهوات والملذات، ثم تُقيِّده بالمنهج، فليكُنْ ذلك برفق ولُطْف.
    وهذه سياسة يستخدمها البشر الآن في مجال الدواء، فبعد أن كان الدواء مُرّاً يعافُه المرضى، توصلوا الآن إلى برشمة الدواء المر وتغليفه بطبقة حلوة المذاق حتى تتم علمية البَلْع، ويتجاوز الدواء منطقة المذاق.
    وكذلك الحال في مرارة الحق والنصيحة، عليك أنْ تُغلِّفها بالقول اللين اللطيف.
    وقوله: * لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى * [طه: 44] لعل: رجاء، فكيف يقول الحق تبارك وتعالى: * لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى * [طه: 44] وفي عِلْمه تعالى أنه لن يتذكَّر ولن يخشى، وسيموت كافراً غريقاً؟
    قالوا: لأن الحق سبحانه يريد لموسى أن يدخل على فرعون دخول الواثق من أنه سيهتدي، لا دخولَ اليائس من هدايته، لتكون لديه الطاقة الكافية لمناقشته وعَرْض الحجج عليه، أمّا لو دخل وهو يعلم هذه النتيجة لكان محبطاً لا يرى من كلامه فائدة، كما يقولون (ضربوا الأعور على عينه قال خسرانه خسرانه).
    فالحق سبحانه يعلم ما سيكون من أمر فرعون، لكنْ يريد أنْ يقيمَ الحجة عليه* لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ *[النساء: 165].
    وقوله: * يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى * [طه: 44] كأن الإنسان إذا ما ترك شراسة تفكيره، وغُمة شهواته في نفسه، لا بُدَّ أنْ يهتدي بفطرته إلى وجود الله أو (يتذكر) عالم الذَّر، والعهد الذي أخذه الله عليه يوم أنْ قال:* أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَى شَهِدْنَآ *[الأعراف: 172].
    والذي قال عنه النبي صلى الله عليه وسلم: " كُلُّ مولود يولد على الفطرة، فأبواه يُهوِّدانه، أو يُنصِّرانه، أو يُمجِّسانه ".
    فلو تذكّر الإنسان، وجرَّد نفسه من هواها لا بُدَّ له أنْ يهتدي إلى وجود الله، لكن الحق ـ سبحانه وتعالى ـ جعل للغفلة مجالاً، وأرسل الرسل للتذكير؛ لذلك قال:* رُّسُلاً مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ *[النساء: 165] ولم يقل: بادئين.
    أمّا مسألة الإيمان بالله فكان ينبغي أن تكون واضحة معروفة للناس أن هناك إيماناً بإله خالق قادر فقط ينتظرون ما يطلبه منهم وما يتعبّدهم به.

    ماذا تفعل؟ وماذا تترك؟ وهذه هي مهمة الرسل.
    وسبق أن ضربنا مثلاً برجل انقطعت به السُّبل في صحراء دَويَّة، لا يجد ماءً ولا طعاماً، حتى أشرف على الهلاك، ثم غلبه النوم فنام، فلما استيقظ إذا بمائدة عليها ألوان الطعام والشراب. بالله قبل أنْ يمد يده للطعام، ألاَ يسأل: مَنْ أتى إليه به؟
    وهكذا الإنسان، طرأ على كون مُعَدٍّ لاستقباله: أرض، وسماء، وشمس، وقمر، وزرع، ومياه، وهواء. أليس جديراً به أن يسأل: من الذي خلق هذا الكون البديع؟ فلو تذكرتَ ما طرأتَ عليه من الخير في الدنيا لا نتهيتَ إلى الإيمان.
    فمعنى: * يَتَذَكَّرُ * [طه: 44] أي: النعم السابقة فيؤمن بالمنعم * أَوْ يَخْشَى * [طه: 44] يخاف العقوبة اللاحقة، فيؤمن بالله الذي تصير إليه الأمور في الآخرة.
    ثم يقول الحق تبارك وتعالى عنهما: * قَالاَ رَبَّنَآ إِنَّنَا نَخَافُ *
    قَالَا رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَنْ يَطْغَى (45)

    الخوف: شعور في النفس يُحرِّك فيك المهابة من شيء، ومِمَّ يخافان؟ * أَن يَفْرُطَ عَلَيْنَآ * [طه: 45] يفرط: أي: يتجاوز الحد.. ومضادها: فرَّط يعني: قصّر في الأمر؛ لذلك يقولون: الوسط فضيلة بين إفراط وتفريط.
    ومَنْ أفرط يقولون: فَرَس فارط عندما يسبق في المضمار. ويقولون: حاز قَصْب السبق، وكانوا يضعون في نهاية المضمار قصبة يركزونها في الأرض، والفارس الذي يلتقطها أولاً هو الفائز، والفرس فارط يعني: سبق الحدِّ المعمول له، لا مجرد أن يسبق غيره.
    لذلك عندما يُحدِّثنا القرآن عن الحدود، يقول مرة:* تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلاَ تَعْتَدُوهَا *[البقرة: 229] أي: إياك أن تسبق الحد الذي وُضِع لك ومرة أخرى يقول:* تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلاَ تَقْرَبُوهَا *[البقرة: 187] ففي المحلّلات قال* فَلاَ تَعْتَدُوهَا *[البقرة: 229] قِفُوا على الحدِّ لا تسبقوه، وفي المحرمات قال* فَلاَ تَقْرَبُوهَا *[البقرة: 187] لأنك لو اقتربتَ منها وقعتَ فيها.
    فالمعنى إذن * يَفْرُطَ عَلَيْنَآ * [طه: 45] يتجاوز الحدّ، وربما عاجلنا بالقتل قبل أن نقول شيئاً فيسبق قتلُه لنا كلامنا له.
    وقوله تعالى: * أَوْ أَن يَطْغَى * [طه: 45] فلا يكتفي بقتلنا، بل ويخوض في حَقِّ ربنا، أو يقول كلاماً لا يليق، كما سبق له أن ادَّعى الألوهية.
    ومن واجب الدعاة ألاَّ يَصِلوا مع المدعوين إلى درجة أن يخوضوا في حقِّ الله تبارك وتعالى؛ لذلك فالحق سبحانه يُؤدِّب المؤمنين به بأدب الدعوة في مجابهة هؤلاء فيقول:* وَلاَ تَسُبُّواْ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّواْ اللَّهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ *[الأنعام: 108].
    ثم يقول الحق سبحانه: * قَالَ لاَ تَخَافَآ إِنَّنِي مَعَكُمَآ *
    قَالَ لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى (46)

    أي: لن أسلمكما ولن أترككما، وأنا معكما أسمع وأرى؛ لأن الحركة إما قول يُسمع، أو فعل يُرى، فاطمئنّا، لأننا سنحفظكما، وقد قال تعالى:* وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ * إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنصُورُونَ * وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ *[الصافات: 171ـ173].
    وهذه سُنة من سُنَن الله تعالى، فإنْ رأيتَ جنداً من الجنود منسوبين لله تعالى وهُزِمُوا، فاعلم أنهم انحلوا عن الجندية لله، وإلا فوعْد الله لجنوده لا يمكن أن يتخلف أبداً.
    والدليل على ذلك ما حدث للمسلمين في أُحُد، صحيح أن المسلمين هُزِموا في هذه الغزوة؛ لأنهم انحرفوا عن أوامر رسول الله صلى الله عليه وسلم وخالفوه عندما قال للرماة: " لاتتركوا أماكنكم على أيّ حال من الأحوال " لكن بمجرد أنْ رأوا بوادر النصر تركوا أماكنهم، ونزلوا لجَمْع الغنائم، فالتف من خلفهم خالد بن الوليد وألحق بهم الهزيمة، وإن انهزم المسلمون فقد انتصر الإسلام؛ لأنهم لما خالفوا أوامر رسولهم انهزموا، وبالله لو انتصروا مع المخالفة أكان يستقيم لرسول الله أمر بعد ذلك؟
    ففي الآية التي معنا يطمئنهم الحق ـ تبارك وتعالى ـ حتى لا يخافا، فقدرة الله ستحفظهما، وسوف تتدخل إنْ لزمَ الأمر كما تدخلْت في مسألة التمرة والجمرة، وهو صغير في بيت فرعون.
    ثم يقول لهما الحق سبحانه وتعالى: * فَأْتِيَاهُ فَقُولا إِنَّا رَسُولاَ رَبِّكَ *
    فَأْتِيَاهُ فَقُولَا إِنَّا رَسُولَا رَبِّكَ فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَا تُعَذِّبْهُمْ قَدْ جِئْنَاكَ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكَ وَالسَّلَامُ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى (47)

    ونلحظ هنا أنهما لم يواجهاه بما ادعاه من الألوهية مرة واحدة، إنما أشارا إلى مقام الربوبية * رَسُولاَ رَبِّكَ * [طه: 47] وهذه هِزّة قوية تزلزل فرعون، ثم تحوّلا إلى مسألة أخرى، وهي قضية بني إسرائيل، وكان فرعون يُسخِّرهم في خدمته ويُعذِّبهم ويشقّ عليهم.
    * فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ * [طه: 47] فقد جئنا لنأخذ أولادنا وننقذهم من هذا العذاب * قَدْ جِئْنَاكَ بِآيَةٍ * [طه: 47] أي: معجزة * مِّن رَّبِّكَ * [طه: 47] فأعادوا عليه هذه الكلمة مرة أخرى.
    وقد علّمهما الحق سبحانه كيف يدخلون على فرعون؟ وكيف يتحدثون معه في أمر لا يمسّ كبرياءه وألوهيته.
    وبنو إسرائيل هم البقية الباقية من يوسف عليه السلام وإخوته، لما جاءوا إلى مصر في أيام العزيز الذي قرَّب يوسف وجعله على خزائن الأرض، كما قال تعالى في قصة يوسف:* وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي فَلَمَّا كَلَّمَهُ قَالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ * قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَآئِنِ الأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ *[يوسف: 54ـ55].
    وقوله: * وَالسَّلاَمُ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى * [طه: 47] وهذه ليست تحية؛ لأنك تُحيي مَنْ كان مُتبعاً للهدى، وتدعو له بالسلام، فإنْ لم يكُنْ كذلك فهي نهاية للكلام.
    لذلك كان يكتبها رسول الله صلى الله عليه وسلم في كتبه إلى المقوقس عظيم القبط، وإلى هرقل عظيم الروم، يقول: " اسلم تسلم، يؤتِكَ الله أجرك مرتين، فإنْ توليت فإنما عليك إثم الأريسيين والسلام على مَنِ اتبع الهدى ".
    قال موسى وهارون لفرعون: * إِنَّا قَدْ أُوحِيَ إِلَيْنَآ *
    إِنَّا قَدْ أُوحِيَ إِلَيْنَا أَنَّ الْعَذَابَ عَلَى مَنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى (48)

    فأعطاه هنا القضية النهائية: جاءنا في الوحي أن مَنْ كذّب وتولّى فله العذاب، ومعنى * أُوحِيَ إِلَيْنَآ * [طه: 48] أي: من ربك.
    فلما سمع فرعون هذه المقولة أحب أنْ يدخل معهما في متاهات يشغلهم بها، ويطيل الجدل ليُرتِّب أفكاره، وينظر ما يقول: * قَالَ فَمَن رَّبُّكُمَا يامُوسَى *
    قَالَ فَمَنْ رَبُّكُمَا يَا مُوسَى (49)

    ووجّه الخطاب إلى الرئيس الأصلي في هذه المهمة، وهو موسى عليه السلام.
    قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى (50)

    معنى * أَعْطَى كُلَّ شَيءٍ خَلْقَهُ * [طه: 50] أي: كل ما في الوجود، خلقه الله لمهمة، فجاء خَلْقه مناسباً للمهمة التي خُلِق لها * ثُمَّ هَدَى * [طه: 50] أي: دلّ كل شيء على القيام بمهمته ويسّره لها.
    والحق سبحانه أعطى كل شيء (خَلْقَهُ) الخَلْق يُطلَق، ويُراد به المخلوق، فالمخلوق شيء لا بُدَّ له من مادة، لا بُدَّ أن يكون له صورة وشكل، له لون ورائحة، له عناصر ليؤدي مهمته.
    فإذا أراد الله سبحانه خَلْق شيء يقْدِر له كل هذه الأشياء فأمدَّ العين كي تبصر، والأنف كي يشم، واللسان كي يتذوق، ثم هدى كل شيء إلى الأمر المراد به لتمام مهمته، بدون أي تدخّل فيه من أحد.
    وإذا كان الإنسان، وهو المقدور للقادر الأعلى يستطيع أن يصنع مثلاً القنبلة الزمنية، ويضبطها على وقت، فتؤدي مهمتها بعد ذلك تلقائياً دون اتصال الصانع بها.
    فالحق سبحانه خلق كل شيء وأقدره على أنْ يُؤدِّي مهمته على الوجه الأكمل تأدية تلقائية غريزية، فالحيوانات التي نتهمها بالغباء، ونقول عنها: " بهائم " هي في الحقيقة ليست كذلك، وقد أعطانا الحق ـ سبحانه وتعالى ـ صورة لها في مسألة الغراب الذي بعثه الله ليُعلِّم ولد آدم كيف يواري سوءة أخيه كما قال سبحانه:* فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَاباً يَبْحَثُ فِي الأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْءَةَ أَخِيهِ قَالَ يَاوَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَـاذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْءَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ *[المائدة: 31].
    فكيف صنع الغراب هذا الصنيع؟ صنعة بالغريزة التي جعلها الله فيه، ولو تأملتَ الحمار الذي يضربون به المثل في الغباء حين تريده أنْ يتخطى (قناة) مثلاً، تراه ينظر إليها ويُقدِّر مسافتها، فإن استطاع أنْ يتخطاها قفز دون تردد، وإنْ كانت فوق إمكانياته تراجع، ولم يُقْدِم مهما ضربته أو أجبرته على تخطيها، هذه هي الغريزة الفِطْرية.
    لذلك تجد المخلوقات غير المختارة لا تخطىء؛ لأنها محكومة بالغريزة، وليس لها عقل يدعو إلى هوىً، وليس لها اختيار بين البدائل مثل العقل الإلكتروني الذي يعطيك ما أودعته فيه لا يزيد عليه ولا ينقص، أما الإنسان فيمكن أنْ يُغيّر الحقيقة، ويُخفِي ما تريده منه، لأن له عقلاً يفاضل: قُلْ هذه، ولا تقُلْ هذه ، وهذا ما ميّز الله به الإنسان عن غيره من المخلوقات.
    كذلك، ترى الحيوان إذا شبع يتمنع عن الطعام ولا يمكن أن تؤكله عود برسيم واحد مهما حاولتَ، إنما الإنسان صاحب العقل والهوى يقول لك: (أرها الألوان تريك الأركان)، فلا مانع ـ بعد أن أكل حتى التخمة ـ من تذوُّق أصناف شتّى من الحلوى والفاكهة وخلافه.
    وفي هذه الآية يقول الحق سبحانه وتعالى أنه: * أَعْطَى كُلَّ شَيءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى * [طه: 50].

    خذ مثلاً الأذن، وكيف هي محكمة التركيب مناسبة لتلقي الأصوات، ففي الأذن من الخارج تجاعيد وتعاريج تتلقى الأصوات العالية، فتُخفّف من حِدّتها حتى تصل إلى الطبلة الرقيقة هادئة، وإلاَّ خرقتها الأصوات وأصَمّتها، وكذلك جعلها لله لِصدِّ الرياح حتى إذا هبت لم تجد الأذن هكذا عارية فتؤذيها.
    وكذلك العَيْن، كم بها من آيات لله، فقد خلقها الله بقدر، من هذه الآيات أن حرارتها إنْ زادت عن 12 درجة تفسد، وأرنبة الأنف إنْ زادت عن 9 درجات لا تؤدي مهمتها، مع أن في الجسم عضواً حرارته 40 درجة هو الكبد، والحرارة الكلية للإنسان 37 درجة، تكون ثابتة في المناطق الباردة حيث الجليد كما هي في المناطق الحارة، لا ترتفع ولا تنخفض إلا لعِلَّة أو آفة في الجسم.
    إذن: كل شيء في الوجود خلقه الله بقدر وحكمة وكيفية لأداء مهمته، كما قال في آية أخرى:* الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى * وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى *[الأعلى: 2ـ3].
    اللسان مثلاً جعل الله به حَلَمات متعددة، كل واحدة منها تتذوّق طَعْماً معيناً، فواحدة للحلو، وواحدة للمُرِّ، وواحدة للحريف، وهكذا، وجميعها في هذه المساحة الضيقة متجاورة ومتلاصقة بقَدْر دقيق ومُعْجز.
    الأنف وما فيه من مادة مُخاطية عالقة لا تسيل منك، وشعيرات دقيقة، ذلك لكي يحدث لهواء الشهيق عملية تصفية وتكييف قبل أن يصل إلى الرئتين؛ لذلك لا ينبغي أنْ نقصَّ الشعيرات التي بداخل الأنف؛ لأن لها مهمة.
    كلمتان خفيفتان على اللسان .. ثقيلتان في الميزان .. حبيبتان إلى الرحمن

    سبحان الله وبحمده .. سبحان الله العظيم

  6. #6
    Super Moderator
    رقم العضوية : 2
    تاريخ التسجيل : Jun 2016
    المشاركات: 3,273
    التقييم: 10
    الدولة : الأردن
    العمل : طالب علم
    عضلة القلب وما تحتويه من أُذَيْن وبُطَيْن، ومداخل للدم، ومخارج محكمة دقيقة تعمل ميكانيكياً، ولا تتوقف ولا تتعطل لمدة 140 أو 120 سنة، تعمل تلقائياً حتى وأنت نائم، فأيّ آلة يمكن أنْ تُؤدِّي هذه المهمة؟
    والحق سبحانه وتعالى عندما أرسل موسى وهارون بآية دالة على صدقهما إلى فرعون كانت مهمتهما الأساسية أَخْذ بني إسرائيل، وإنقاذهم من طغيان فرعون، وجاءت المسألة الإيمانية تبعية، أما أصل مهمة موسى فكان:* فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلاَ تُعَذِّبْهُمْ *[طه: 47].
    والحق سبحانه حين يعرض قضية الإيمان يعرضها مبدوءة بالدليل دليل البدء الذي جاء في قوله تعالى: * قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى * [طه: 50] لأن، فرعون الذي ادعى الألوهية لا بُدَّ أن يكون له مألوهون، وهم خَلْق مثله، وهو يعتزّ بملكه وماله من أرض مصر ونيلها وخيراتها حتى قال:
    * أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَـاذِهِ الأَنْهَارُ تَجْرِي مِن تَحْتِي *[الزخرف: 51].
    فأراد الحق سبحانه وتعالى أنْ يرد عليه: ألَكَ شيء في خَلْق هؤلاء المألوهين لك؟
    وما أشبهَ موقف فرعون أمام هذه الحجة بموقف النمروذ أمام نبي الله إبراهيم عليه السلام عندما قال له:* رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِـي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِـي وَأُمِيتُ *[البقرة: 258].
    فلم يجد النمروذ إلا الجدل والسفسطة، فلجأ إلى حيلة المفلسين، وجاء برجلين فقال: أنا أحكم على هذا بالموت وأعفو عن هذا؛ لذلك لما أحسَّ إبراهيم ـ عليه السلام منه المراوغة والجدال نقله إلى مسألة لا يستطيع منها فكاكاً.

    * قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ *[البقرة: 258].
    إذن: فالردُّ إلى قضية الخلق الأول دليل لا يمكن لأحد ردُّه، حتى فرعون ذاته لم يدَّعِ أنه خلق شيئاً، إنما تجبّر وتكبّر وادّعى الألوهية فقط على مألوه لم يخلقه، ولم يخلق نفسه، ولم يخلق الملْك الذي يعتز به.
    ولما كان دليل الخلق الابتدائي هو الدليل المقنع، لم يكن لفرعون رَدٌّ عليه؛ لذلك لما سمع هذه المسألةَ * قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى * [طه: 50] لم يستطع أنْ ينقضَ هذا الدليل، فأراد أنْ يُخرِج الحوار من دليل الجد إلى مسألة أخرى يهرب إليها، مسألة فرعية لا قيمة لها: * قَالَ فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الأُولَى *
    قَالَ فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الْأُولَى (51)

    أي: ما شأن الأمم السابقة؟ لكن ما دَخْل القرون الأولى بما نتكلّم فيه؟ كلمة البال: هو الفكر، نقول: خطر ببالي. أي: بفكري، ولا يأتي في الفكر وبُؤْرة الشعور إلا الأمر المهم.
    لكن، سرعان ما أحسَّ موسى بمراوغة فرعون، ومحاولة الهرب من الموضوع الأساسي فسَدَّ عليه الباب.
    قَالَ عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى (52)

    فهذه المسألة ليست من اختصاصي؛ لأن الذي يُسأل عن القرون الأولى هو الذي يُجازيها، وينبغي أنْ يعلم حالها، وما هي عليه من الإيمان أو الكفر؛ لِيُجازيها على ذلك، إذن: هذا سؤال لا موضعَ له، إنه مجرد هَزْل ومهاترة وهروب، فلا يعلم حال القرون الأولى إلا الله؛ لأن سبحانه هو الذي سَيُجازيها.
    ومعنى * فِي كِتَابٍ * [طه: 52] أي: سجّلها في كتاب، يطلع عليه الملائكة المدبرات أمراً؛ ليمارسوا مهمتهم التي جعهلم الله لها، وليس المقصود من الكتاب أن الله يطّلع عليه ويعلم ما فيه؛ لأنه سبحانه * لاَّ يَضِلُّ رَبِّي وَلاَ يَنسَى * [طه: 52].
    ثم أرجعه موسى إلى القضية الأولى قضية الخلق، ولكن بصورة تفصيلية: * الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ مَهْداً *
    الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا وَسَلَكَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلًا وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْ نَبَاتٍ شَتَّى (53)

    مَهْداً: من التمهيد وتوطئة الشيء ليكون صالحاً لمهمته، كما تفعل في فراشك قبل أن تنام، ومن ذلك يسمى فراش الطفل مَهْداً؛ لأنك تُمهِّده له وتُسوّيه، وتزيل عنه ما يقلقه أو يزعجه ليستقر في مَهْده ويستريح.
    ولا بُدَّ لك أنْ تقوم له بهذه المهمة؛ لأنه يعيش بغريزتك أنت، إلا أن تتنبه غرائزه لمثل هذه الأمور، فيقوم بها بنفسه؛ لذلك لزمك في هذه الفترة رعايته وتربيته والعناية به.
    فمعنى * جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ مَهْداً * [طه: 53] أي: سوَّاها ومهَّدها لتكون صالحة لحياتكم ومعيشتكم عليها.
    وليس معنى مهّدها جعلها مستوية، إنما سوّاها لمهمتها، وإلا ففي الأرض جبال ومرتفعات ووديان، وبدونها لا يستقيم لنا العيش عليها، فتسويتها تقتضي إصلاحها للعيش عليها، سواء بالاستواء أو التعرّج أو الارتفاع أو الانخفاض.
    فمثلاً في الأرض المستوية نجد الطرق مستوية ومستقيمة، أما في المناطق الجبلية فهي مُتعرّجة مُلتوية؛ لأنها لا تكون إلا كذلك، ولها ميزة في التوائها أنك لا تواجه الشمس لفترة طويلة، بل تراوح بين مواجهة الشمس مرة والظل أخرى.
    وسبق أن ضربنا مثلاً بالخطّاف الذي نصنعه من الحديد، فلو جعلناه مستقيماً ما أدَّى مهمته، إذن: فاستقامته في كَوْنه مُعْوجاً فتقول: سويته ليؤدي مهمته، ولو كان مستقيماً ما جذب الشيء المراد جَذْبه به.
    إذن: نقول التسوية: جَعْل الشيء صالحاً لمهمته، سواء أكان بالاعتدال أو الاعوجاج، سواء أكان بالأمْت أو بالاستقامة.
    ثم يقول تعالى: * وَسَلَكَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلاً * [طه: 53] أي: طرقاً ممهدة تُوصّلكم إلى مهماتكم بسهولة.
    سلك: بمعنى دخل، وتأتي متعدية، تقول: سلك فلان الطريق. وقال تعالى:* مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ *[المدثر: 42] فالمخاطبون مَسْلوكون في سقر يعني: داخلون، وقال:* اسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ *[القصص: 32] أي: أدْخِلْها.
    فتعديها إلى المفعول الداخل أو للمدخول فيه، فقوله: * وَسَلَكَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلاً * [طه: 53] متعدية للمدخول فيه أي: عديت المخاطب إلى المدخول فيه، فأنتم دخلتم، والسُّبل مدخول فيه. إذن: المفعول مرة يكون المسلوك، ومرة يكون المسلوك فيه.
    وحينما تسير في الطرق الصحراوية تجدها مختلفة على قَدْر طاقة السير فيها، فمنها الضيّق على قَدْر القدم للشخص الواحد، ومنها المتسع الذي تسير فيه الجمال المحمّلة أو السيارات،فسلك لكم طرقاً مختلفة ومتنوعة على قَدْر المهمة التي تؤدونها.
    ثم يقول تعالى: * وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَآءِ مَآءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ أَزْوَاجاً مِّن نَّبَاتٍ شَتَّى * [طه: 53].
    وهذه أيضاً من مسألة الخَلْق التي لا يدعيها أحد؛ لأنها دَعْوى مردودة على مدعيها، فأنت يا مَنْ تدّعي الألوهية أخرِجْ لنا شيئاً من ذلك، إرِنَا نوعاً من النبات فلن يقدر، وبذلك لزمتْه الحجة.
    كما أن إنزال الماء من السماء ليس لأحد عمل فيه، لكن عندما يخرج النبات قد يكون لنا عمل مثل الحَرْث والبَذْر والسَّقْي وخلافه، لكن هذا العمل مستمد من الأسباب التي خلقها الله لك؛ لذلك لما تكلم عن الماء قال (أنْزَلَ) فلا دَخْل لأحد فيه، ولما تكلم عن إخراج النبات قال (أَخْرَجْنَا) لأنه تتكاتف فيه صفات كثيرة، تساعد في عملية إخراجه، وكأن الحق ـ تبارك وتعالى ـ يحترم عملك السَّببي ويُقدِّره.

    اقرأ قوله تعالى:* أَفَرَأَيْتُم مَّا تَحْرُثُونَ * أَأَنتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ *[الواقعة: 63ـ64] فأثبت لهم عملاً، واحترم مجهودهم، إنما لما حرثتم من أين لكم بالبذور؟ فإذا ما تتبعت سِلْسِلة البذور القبلية لانتهتْ بك إلى نبات لا قَبْلَ له. كما لو تتبعتَ سلسلة الإنسان لوجدتها تنتهي إلى أب، لا أب له إلا مَنْ خلقه.
    وأنت بعد أن ألقيتَ البذرة في الأرض وسقيْتها، ألَكَ حيلة في إنباتها ونُموّها يوماً بعد يوم؟ أأمسكْتَ بها وجذبْتها لتنمو؟ أم أنها قدرة القادر* الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى * وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى *[الأعلى: 2ـ3].
    لذلك يقول تعالى بعدها:* لَوْ نَشَآءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَاماً *[الواقعة: 65]، فإنْ كانت هذه صنعتكم فحافظوا عليها.
    كما حدث مع قارون حينما قال عن نعمة الله:* إِنَّمَآ أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ *[الزمر: 49].
    فما دام الأمر كذلك فحافظ عليه يا قارون بما عندك من العلم، فلما خسف الله به وبداره الأرض دَلَّ ذلك على كذبه في مقولته.
    ونلحظ في قوله تعالى:* لَجَعَلْنَاهُ حُطَاماً *[الواقعة: 65] أنه مؤكد باللام، لماذا؟ لأن لك شبهة عمل في مسألة الزرع، قد تُطمِعك وتجعلك مُتردّداً في القبول. إنما حينما تكلم عن الماء قال:
    * أَفَرَأَيْتُمُ الْمَآءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ * أَأَنتُمْ أَنزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنزِلُونَ * لَوْ نَشَآءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجاً *[الواقعة: 68ـ70].
    هكذا بدون توكيد؛ لأنها مسألة لا يدَّعيها أحد لنفسه.
    وقوله تعالى: * أَزْوَاجاً مِّن نَّبَاتٍ شَتَّى * [طه: 53] لم يقل: نباتاً فقط. بل أزواجاً؛ لأن الله تعالى يريد أن تتكاثر الأشياء، والتكاثر لا بُدَّ له من زوجين: ذكر وأنثى. وكما أن الإنسان يتكاثر، كذلك باقي المخلوقات؛ لأن الحق ـ تبارك وتعالى ـ خلق الأرض وقدَّر فيها أقواتها، ولا بُدَّ لهذه الأقوات أن تكفي كل مَنْ يعيش علىهذه الأرض.
    فإذا ضاقت الأرض، ولم تُخرِج ما يكفينا، وجاع الناس، فلنعلم أن التقصير مِنّا نحن البشر من استصلاح الأرض وزراعتها؛ لذلك حينما حدث عندنا ضيق في الغذاء خرجنا إلى الصحراء نستصلحها، وقد بدأت الآن تُؤتي ثمارها ونرى خيرها، والآن عرفنا أننا كنا في غفلة طوال المدة السابقة، فتكاثرنا ولم نُكثِّر ما حولنا من الرقعة الزراعية.
    والذكر والأنثى ليسا في النبات فحسْب، بل في كل ما خلق الله:* سُبْحَانَ الَّذِي خَلَق الأَزْوَاجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنبِتُ الأَرْضُ وَمِنْ أَنفُسِهِمْ وَمِمَّا لاَ يَعْلَمُونَ *[يس: 36].
    فالزوجية في كل شيء، عَلِمته أو لم تعلمه، حتى في الجمادات، هناك السالب والموجب والألكترونيات والأيونات في الذرة، وهكذا كلما تكاثر البشر تكاثر العطاء.
    وقوله تعالى: * مِّن نَّبَاتٍ شَتَّى * [طه: 53] شتى مثل: مرضى جمع مريض فشتى جمع شتيت. يعني أشياء كثيرة مختلفة ومتفرقة، ليست في الأنواع فقط، بل في النوع الواحد هناك اختلاف.
    فلو ذهبت مثلاً إلى سوق التمور في مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم تجد أنواعاً كثيرة، مختلفة الأشكال والطُّعوم والأحجام، كلها تحت مُسمّى واحد هو: التمر. وهكذا لو تأملتَ باقي الأنواع من المزروعات.
    ثم يذكر الحق ـ تبارك وتعالى ـ العِلَّة في إخراج النبات: * كُلُواْ وَارْعَوْا أَنْعَامَكُمْ *
    كُلُوا وَارْعَوْا أَنْعَامَكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِأُولِي النُّهَى (54)

    (كُلُوا): تدل على أن الخالق عز وجل خلق الحياة، وخلق مقومات الحياة، وأولها القوت من الطعام والشراب، وهذه المقوّمات تناسبت فيها الملكية مع الأهمية، فالقوت أولاً، ثم الماء، ثم الهواء.
    فأنت تحتاج الطعام وتستطيع أن تصبر عليه شهراً على قَدْر ما يختزن في جسمك من شحم ولحم، يتغذّى منها الجسم في حالة فقد الطعام؛ لأنك حين تأكل تستهلك جزءاً من الطعام في حركتك، ثم يُختزن الباقي في صورة دهون هي مخزن الغذاء في الجسم، فإذا ما نفد الدُّهْن امتصَّ الجسم غذاءه من اللحم، ثم من العظم، فهو آخر مخازن الغذاء في جسم الإنسان.
    لذلك لما أراد سيدنا زكريا عليه السلام أن يعبر عن ضعفه، قال:* رَبِّ إِنَّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي *[مريم: 4].
    لذلك تجد كثيراً ما يُتملّك الغذاء؛ لأنك تصبر عليه مدة طويلة تُمكِّنك من الاحتيال في طلبه، أو تُمكِّن غيرك من مساعدتك حين يعلم أنك محصور جوعان.
    أما الماء فلا تصبر عليه أكثر من ثلاثة أيام إلى عشرة؛ لذلك قليلاً ما يُملِّك الماء لأحد.
    أما الهواء فلا تصبر عليه أكثر من نفَس واحد، فمن رحمة الله بعباده ألاَّ يُملِّك الهواء لأحد، وإلاّ لو غضب عليك صاحب الهواء، فمنعه عنك لمتّ قبل أنْ يرضى عنك، وليس هناك وقت تحتال في طلبه.
    وقوله تعالى: * وَارْعَوْا أَنْعَامَكُمْ * [طه: 54] لأنها تحتاج أيضاً إلى القُوت، وقال تعالى في أية أخرى:* مَتَاعاً لَّكُمْ وَلأَنْعَامِكُمْ *[النازعات: 33] ثم يصبّ الجميع في أن يكون متاعاً للإنسان الذي سخّر الله له كل هذا الكون.
    وقوله تعالى: * إِنَّ فِي ذالِكَ لآيَاتٍ لأُوْلِي النُّهَى * [طه: 54].
    آيات: عجائب. والنُّهَى: جمع نُهية مثل قُرَبْ جمع: قُرْبة. والنُّهَى: العقول، وقد سمّاها الله تعالى أيضاً الألباب، وبها تتم عملية التدبير في الاختيارات.
    والعقل من العقال الذي تعقل به الدابة حتى لا تشرد منك، وكذلك العقل لم يُخلَق لك كي تشطح به كما تحب، إنما لتعقل غرائزك، وتحكمها على قَدْر مهمتها في حياتك، فغريزة الأكل مثلاً لبقاء الحياة، وعلى قَدّْر طاقة الجسم، فإنْ زادت كانت شراهة مفسدة.
    وقد جُعل حُبُّ الاستطلاع للنظر في الكون وكَشْف أسراره وآيات الله فيه، فلا ينبغي أنْ تتعدّى ذلك، فتتجسس على خَلْق الله.
    وسُمِّيَتْ العقول كذلك النُّهَى، لأنها تنهي عن مثل هذه الشطحات. إذن: فلا بد للإنسان من عقل يعقل غرائزه، حتى لا تتعدى المهمة التي جُعلَتْ لها، ويُوقِفها عند حَدِّها المطلوب منها، وإلا انطلقتْ وعربدتْ في الكون، لا بُدَّ للإنسان من نُهية تنهاه وتقول له: لا لشهوات النفس وأهوائها، وإلاّ فكيف تُطلِق العنان لشهواتك، ولست وحدك في الكون؟ وما الحال لو أطلق غيرك العنان لشهواتهم؟
    وسُمِّي العقل لُبّاً، ليشير لك إلى حقائق الإشياء لا إلى قشورها، ولتكون أبعد نظراً.

    وأعمق فكراً في الأمور. فحين يأمرك أن تعطي شيئاً من فضل مالك للفقراء، فسطحية التفكير تقول: لا كيف أتعب وأعرق في جمعه، ثم أعطيه للفقير؟ وهو لم يفعل شيئاً؟
    أماحين تتعمق في فَهْم الحكمة من هذا الأمر تجد أن الحق ـ تبارك وتعالى ـ قال لك: أعط المحتاجين الآن وأنت قادر حتى إذا ما احتجتَ تجد مَنْ يعطيك، فقد يصبر الغني فقيراً، أو الصحيح سقيماً، أو القوي ضعيفاً، فهذه سنة دائرة في الخَلْق متداولة عليهم.
    وحين تنظر إلى تقييد الشرع لشهواتك، فلا تنسَ أنه قيَّد غيرك أيضاً بنفس المنهج وبنفس التكاليف. فحين يقول لك: لا تنظر إلى محارم الناس وأنت فرد فهو في نفس الأمر يكون قد أمر الناس جميعاً ألاّ ينظروا إلى حرماتك.
    وهكذا جعل الخالق عز وجل آلة العقل هذه، لا لنعربد بها في الكون، إنما لنضبط بها الغرائز والسلوك، ونحرسها من شراسة الأهواء، فيعتدل المجتمع ويسْلَم أفراده.
    وإلاَّ فإذا سمحتَ لنفسك بالسرقة، فاسمح للآخرين بالسرقة منك!! إذن: فمن مصلحتك أنت أنْ يوجد تقنين ينهاك، ومنهج يُنظِّم حياتك وحياة الآخرين.
    والحق سبحانه يقول: * مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ *

    مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى (55)

    نلحظ هنا أن موسى ـ عليه السلام ـ يعرض على فرعون قضايا لا تخصُّ فرعون وحده، إنما تمنع أنْ يوجد فرعون آخر.
    وقوله: * مِنْهَا * [طه: 55] أي: من الأرض التي سبق أنْ قال عنها:* الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ مَهْداً *[طه: 53].
    ثم ذكر لنا مع الأرض مراحل ثلاث: * مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى * [طه: 55].
    وفي آية أخرى يذكر مرحلة رابعة، فيقول:* فِيهَا تَحْيَوْنَ وَفِيهَا تَمُوتُونَ وَمِنْهَا تُخْرَجُونَ *[الأعراف: 25].
    بذلك تكون المراحل أربعة: منها خلقناكم، وفيها تحيَوْن، وإليها تُرجعون بالموت، ومنها نُخرجكم بالبعث.
    فقوله تعالى: * مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ * [طه: 55] الخلْق قِسْمان: خَلْق أولي، وخَلْق ثانوي، الخلق الأَوليّ في أدم عليه السلام، وقد خُلِق من الطين أي: من الأرض. ثم الخَلْق الثاني، وجاء من التناسل، وإذا كان الخَلْق الأَوْلي من طين، فكل ما ينشأ عنه يُعَدّ كذلك؛ لأنه الأصل الأول.
    ويمكن أن نُوجِّه الكلام توجيهاً آخر، فنقول: التناسل يتولد من ميكروبات الذكورة وبويضات الأنوثة، وهذه في الأصل من الطعام والشراب، وأصله أيضاً من الأرض. إذن: فأنت من الأرض بواسطة أو بغير واسطة.
    وإنْ كانت قضية الخَلْق هذه قضية غيبية، فقد ترك الخالق في كونه عقولاً تبحث وتنظر في الكون، وتعطينا الدليل على صِدْق هذه القضية، فلما حلّل العلماء طينة الأرض وجدوها ستة عشر عنصراً تبدأ بالأكسوجين، وتنتهي بالمنجنيز، وحين حلّلوا عناصر الإنسان وجدوها نفس العناصر الستة عشر، ليثبتوا بذلك البحث التحليلي صِدْق قضية الخَلْق التي أخبر عنها الخالق عز وجل.
    وقوله: * وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ * [طه: 55] هذه مرحلة مشاهدة، فكُلُّ مَنْ يموت مِنّا ندفنه في الأرض؛ لذلك يقول الشاعر:إنْ سَئِمْتَ الحياةَ فَارْجِعْ إلَى الأرْضِ تَنَمْ آمِناً مِنَ الأوْصَابهِيَ أُمُّ أحْنَى عَليْكَ مِنَ الأم التي خَلَّفتْك للإتْعَابِفبعد أن تُنقض بنية الإنسان بالموت لا يسارع إلى مواراته التراب إلا أقرب الناس إليه، فترى المرأة التي مات وحيدها، وأحب الناس إليها، والتي كانت لا تطيق فراقه ليلة واحدة، لا تطيق وجوده الآن، بل تسارع به إلى أمه الأصلية (الأرض).
    وذلك لأن الجسد بعد أنْ فارقته الروح سرعان ما يتحول إلى جيفة لا تطاق حتى من أمه وأقرب الناس إليه، أما الأرض فإنها تحتضنه وتمتصُّ كل مافيه من أذى.
    ومن العجائب في نَقْض بنية الإنسان بالموت أنها تتم على عكس بنائه، فعندما تكلم الخالق عز وجل عن الخلق الأول للإنسان قال: إنه خلق من تراب، ومن طين، ومن حمأ مسنون، ومن صلصال كالفخار. وقلنا: إن هذه كلها أطوار للمادة الواحدة، ثم بعد ذلك ينفخ الخالق فيه الروح، فتدبّ فيه الحياة.
    فإذا ما تأملنا الموت لوجدناه على عكس هذا الترتيب، كما أنك لو بنيتَ عمارة من عِدَّة أدوار، فآخر الأدوار بناءً أولها هَدْماً.

    كذلك الموت بالنسبة للإنسان يبدأ بنزع الروح التي وُضِعَتْ فيه آخراً، ثم يتصلّب الجسد و(يشضب) كالصلصال ثم يرمّ، ويُنتن كالحمأ المسنون، ثم يتبخر ما فيه من ماء، وتتحلل باقي العناصر، فتصير إلى التراب.
    ثم يقول تعالى: * وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى * [طه: 55] أي: مرة أخرى بالبعث يوم القيامة، وهذا الإخراج له نظام خاصّ يختلف عن الإخراج الأول؛ لأنه سيبدأ بعودة الروح، ثم يكتمل لها الجسد.
    هذه كلها قضايا كونية تُلْقَى على فرعون عَلَّها تُثنيه عَمَّا هو عليه من ادّعاء الألوهية، والألوهية تقتضي مألوهاً، فالإله معبود له عابد، فكيف يَدّعي الألوهية، وليس له في الربوبية شيء؟ فلا يستحق الألوهية والعبادة إلا مَنْ له الربوبية أولاً، وفي الأمثال: (اللي ياكل لقمتي يسمع كلمتي).
    ثم يقول الحق سبحانه: * وَلَقَدْ أَرَيْنَاهُ آيَاتِنَا *
    وَلَقَدْ أَرَيْنَاهُ آيَاتِنَا كُلَّهَا فَكَذَّبَ وَأَبَى (56)

    الآيات: الأمور العجيبة، كما نقول: فلان آية في الذكاء، آية في الحسن، آية في الكرم. يعني: عجيب في بابه، وسبق أنْ قسّمنا آيات الله إلى: آيات كونية كالشمس والقمر، وآيات لإثبات صِدْق الرسُل، وهي المعجزات وآيات القرآن الكريم، والتي تسمى حاملة الأحكام.
    لكن آيات الله ـ عز وجل ـ كثيرة ولا تُحصى، فهل المراد هنا أن فرعون رأى كل آيات الله؟ لا؛ لأن المراد هنا الآيات الإضافية، وهي الآيات التسعة التي جعلها الله حُجّة لموسى وهارون، ودليلاً على صِدْقهما، كما قال سبحانه:
    * وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ *[الإسراء: 101].
    وهي: العصا واليد والطوفان والجراد والقُمَّل والضفادع والدم والسنين والنقص من الثمرات. تلك هي الآيات التي أراها الله لفرعون.
    والكلية في قوله: * آيَاتِنَا كُلَّهَا * [طه: 56] كلية إضافية. أي: كل الآيات الخاصة به كما تقول لولدك (لقد أحضرتُ لك كل شي) وليس المقصود أنك أتيتَ له بكل ما في الوجود، إنما هي كلية إضافية تعني كل شيء تحتاج إليه.
    ومع ذلك كانت النتيجة * فَكَذَّبَ وَأَبَى * [طه: 56] كذَّب: يعني نسبها إلى الكذب، والكذب قَوْل لا واقعَ له، وكان تكذيبه لموسى عِلَّة إبائه * وَأَبَى * [طه: 56] امتنعَ عن الإيمان بما جاء به موسى.
    ولو ناقشنا فرعون في تكذيبه لموسى عندما قال:* رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى *[طه: 50].
    لما كذبتَ يا فرعون؟ الحق سبحانه قال: خلقتُ هذا الكون بما فيه، ولم يَأْتِ أحد لينقضَ هذا القول، أو يدَّعيه لنفسه، حتى أنت يا مَنْ ادعيْتَ الألوهية لم تدَّعِ خَلْق شيء، فهي ـ إذن ـ قضية مُسلَّم بها للخالق عز وجل لم ينازعه فيها أحد، فأنت ـ إذن ـ كاذب في تكذيبك لموسى، وفي إبائك الإيمان به.
    ثم يقول الحق سبحانه: * قَالَ أَجِئْتَنَا لِتُخْرِجَنَا مِنْ أَرْضِنَا *
    كلمتان خفيفتان على اللسان .. ثقيلتان في الميزان .. حبيبتان إلى الرحمن

    سبحان الله وبحمده .. سبحان الله العظيم

  7. #7
    Super Moderator
    رقم العضوية : 2
    تاريخ التسجيل : Jun 2016
    المشاركات: 3,273
    التقييم: 10
    الدولة : الأردن
    العمل : طالب علم
    قَالَ أَجِئْتَنَا لِتُخْرِجَنَا مِنْ أَرْضِنَا بِسِحْرِكَ يَا مُوسَى (57)

    عاش المصريون قديماً على ضفاف النيل؛ لذلك يقولون: مصر هِبَة النيل، حتى إذا ما انحسر الماء بذروا البذور وانتظروها طوال العام، ليس لهم عمل ينشغلون به، وهذه الحياة الرتيبة عوَّدتهم على شيء من الكسل، إلا أنهم أحبُّوا هذا المكان، ولو قلت لواحد منهم: اترك هذه الأرض لمدة يوم أو يومين يثور عليك ويغضب.
    لذلك استغلّ فرعون ارتباط قومه بأرض مصر، وحاول أن يستعدي هؤلاء الذين يمثّل عليهم أنه إله، يستعديهم على موسى وهارون فقال مقولته هذه * أَجِئْتَنَا لِتُخْرِجَنَا مِنْ أَرْضِنَا بِسِحْرِكَ يامُوسَى * [طه: 57].
    وهنا ثار القوم، لا لألوهية فرعون المهددة، إنما دفاعاً عن مصلحتهم الاقتصادية، وما ينتفعون به على ضفاف هذه النيل المبارك، الذي لا يضنّ عليهم في فيضانه ولا في انحساره، فكان القوم يسمونه: ميمون الغَدَوات والروحَات، ويجري بالزيادة والنقصان كجرْي الشمس والقمر، له أوان.
    وهكذا نقل فرعون مجال الخلاف مع موسى وهارون إلى رعيته، فأصبحت المسألة بين موسى وهارون وبين رعية فرعون؛ لأنه خاف من كلام موسى ومِمّا يعرضه من قضايا إنْ فهمها القوم كشفوا زَيْفه، وتنمَّروا عليه، وثاروا على حكمه، ورفضوا ألوهيته لهم، فأدخلهم طرفاً في هذا الخلاف.
    ثم يقول الحق سبحانه: * فَلَنَأْتِيَنَّكَ بِسِحْرٍ مِّثْلِهِ *
    فَلَنَأْتِيَنَّكَ بِسِحْرٍ مِثْلِهِ فَاجْعَلْ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ مَوْعِدًا لَا نُخْلِفُهُ نَحْنُ وَلَا أَنْتَ مَكَانًا سُوًى (58)

    فسمَّى فرعون ما جاء به موسى سِحْراً؛ لذلك قال * فَلَنَأْتِيَنَّكَ بِسِحْرٍ مِّثْلِهِ * [طه: 58] وهذه التسمية خاطئة في حق موسى، وإنْ كانت صحيحة بالنسبة لقوم فرعون. فما الفرق ـ إذن ـ بين ما جاء به موسى وما جاء به قوم فرعون؟
    السحر لا يقلب حقيقة الشيء، بل يظل الشيء على حقيقته، ويكون السحر للرائي، فيرى الأشياء على غير حقيقتها، كما قال تعالى:* سَحَرُواْ أَعْيُنَ النَّاسِ *[الأعراف: 116] فلما ألقى السحرةُ حبالهم كانت حبالاً في الحقيقة، وإنْ رآها الناظر حيّات وثعابين تسعى، أما عصا موسى فعندما ألقاها انقلبت حية حقيقية، بدليل أنه لما رآها كذلك خاف منها.
    وقوله: * فَاجْعَلْ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ مَوْعِداً لاَّ نُخْلِفُهُ نَحْنُ وَلاَ أَنتَ * [طه: 58] أي: نتفق على موعد لا يُخلفه واحد منّا * مَكَاناً سُوًى * [طه: 58] أي: مُسْتوياً؛ لأنه سيكون مشهداً للناس جميعاً فتستوي فيه مرائي النظارة، بحيث لا تحجب الرؤية عن أحد. أو (سُوىً) يعني: سواء بالنسبة لنا ولك، كما نقول: نلتقي في منتصف الطريق، لا أنا أتعب ولا أنت.
    ثم يقول الحق سبحانه: * قَالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ *
    قَالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى (59)

    معلوم أن الحدث يحتاج إلى مُحدِث له، ويحتاج إلى مكان يقع عليه، ويحتاج إلى زمان يحدث فيه، وقد عرفنا المحدِث لهذا اللقاء، وهما موسى وهارون من ناحية، وفرعون وسحرته من ناحية.
    وقد حدد فرعون المكان، فقال* مَكَاناً سُوًى *[طه: 58] بقي الزمان لإتمام الحدث؛ لذلك حدده موسى، فقال: * مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ * [طه: 59]؛ لأن الحدث لا يتم إلا في زمان ومكان.
    لذلك لا نقول: متى الله ولا: أين الله؟ فالحق ـ تبارك وتعالى ـ ليس حَدَثاً، ومتى وأين مخلوقة لله تعالى، فكيف يحدُّه الزمان أو المكان؟
    وقول موسى * مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ * [طه: 59] ولم يقُلْ: يوم الاثنين أو الثلاثاء مثلاً، ويوم الزينة يوم يجتمع فيه كل سُكَّان مصر، يظهر أنه يوم وفاء النيل، فيخرجون في زينتهم مسرورين بفيضان النيل وكثرة خيره وبركاته، وما زالت مصر تحتفل بهذا اليوم.
    وكان القاضي لا يقضي بأمر الخراج إلا بعد أنْ يطّلع على مقياس النيل، فإنْ رآه يُوفي بريٍّ البلاد حدَّد الخراج وإلاَّ فلا.
    لكن، لماذا اختار موسى هذه اليوم بالذات؟ لماذا لم يحدد أي يوم آخر؟ ذلك؛ لأن موسى ـ عليه السلام ـ كان على ثقة تامة بنصر الله له، ويريد أن تكون فضيحة فرعون على هذا الملأ، ووسط هذه الجمع، فمِثْل هذا التجمع فرصة لا يضيعها موسى؛ لأن النفس في هذا اليوم تكون مسرورة منبسطة، فهي أقرب في السرور لقبول الحق من أيٍّ وقت آخر.
    وقوله: * وَأَن يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى * [طه: 59] أي: ضاحين، ويوم الزينة يمكن أن يكون في الصباح الباكر، أو في آخر النهار، لكن موسى متمكِّن واثق من الفوز، يريد أن يتم هذا اللقاء في وضح النهار، حتى يشهده الجميع.
    ثم يقول الحق سبحانه وتعالى: * فَتَوَلَّى فِرْعَوْنُ فَجَمَعَ *
    فَتَوَلَّى فِرْعَوْنُ فَجَمَعَ كَيْدَهُ ثُمَّ أَتَى (60)

    تولى: أي: ترك موسى و انصرف ليُدبِّر شأنه * فَجَمَعَ كَيْدَهُ * [طه: 60] الكيد: التدبير الخفي للخَصْم، والتدبير الخفيّ هنا ليس دليلَ قوة، بل دليل ضَعْف؛ لأنه قوةَ له على المجابهة الواضحة، مثل الذي يدسُّ السُّم للآخر لعدم قدرته على مواجهته.
    إذن: الكيد دليل ضَعْف؛ لذلك نفهم من قوله تعالى عن النساء:* إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ *[يوسف: 28] أنه ليس دليلاً على قوة المرأة، إنما دليلٌ على ضعفها، فكما أن كيدهُنّ عظيم، فكذلك ضعفُهن عظيم.
    فمعنى * فَجَمَعَ كَيْدَهُ * [طه: 60] أدار فِكْره على ألوان الكَيْد المختلفة، ليختار منها ما هو أنكَى لخَصْمه، كما جاء في آية أخرى في شَأْنِ نوح عليه السلام* فَأَجْمِعُواْ أَمْرَكُمْ *[يونس: 71].
    وكأن الأمر الذي هو بصدده يتطلب وجهات نظر متعددة: نفعل كذا، أو نفعل كذا؟ ثم ينتهي من هذه المشاورة إلى رَأْي يجمع كل الاحتمالات، بحيث لا يفاجئه شيء بعد أنْ احتاط لكل الوجوه.
    فالمعنى: اتفِقُوا على الخطة الواضحة التي تُوحِّد آراءكم عند تحقيق الهدف.
    ومن ذلك قوله تعالى في قصة يوسف عليه السلام:* وَأَجْمَعُواْ أَن يَجْعَلُوهُ فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ *[يوسف: 15]. أي: اتفقوا على هذا الرأي، وأجمعوا عليه، بعد أن قال أحدهم* اقْتُلُواْ يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضاً *[يوسف: 9]، فكان الرأي النهائي أنْ يجعلوه في غيابة الجب.
    فهُمْ على آية حال سلالة نُبوة، لم يتأصل الشرُّ في طباعهم؛ لذلك يتضاءل شرُّهم من القتل إلى الإلقاء في متاهات الأرض إلى أهْوَن هذه الأخطار، أنْ يُلْقوه في الجُبِّ، وهذه صفة الأخيار، أما الأشرار الذين تأصل الشر في نفوسهم وتعمّق، فشرُّهم يتزايد ويتنامى، فيقول أحدهم: أريد أنْ أقابل فلاناً، فأبصق في وجهه، أو أضربه، أو أُقطّعه، بل رصاصة تقضي عليه فيُصعِّد ما عنده من الشر.
    وبعد ذلك يرجُونَ له النجاة، فيقولون:* يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ *[يوسف: 10].
    ثم يقول تعالى في شأن فرعون: * ثُمَّ أَتَى * [طه: 60] أي: أتى الموعد الذي سبق تحديده، مكاناً وزماناً.
    ثم يُحدِّثنا الحق سبحانه عن وقائع هذا اليوم، فيقول: * قَالَ لَهُمْ مُّوسَى وَيْلَكُمْ *
    قَالَ لَهُمْ مُوسَى وَيْلَكُمْ لَا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذَابٍ وَقَدْ خَابَ مَنِ افْتَرَى (61)

    لما رأى موسى السحرة أراد أنْ يُحذِّرهم مِمَّا هم مُقبِلون عليه، وأنْ يعطيهم المناهي التي تمنعهم، فذكَّرهم بأن لهم رباً سيحاسبهم كما تقول لشخص، تراه مُقْدِماً على جريمة، لو فعلتَ كذا سأُبلغ عنك الشرطة، وستُعاقب بكذا وكذا، وتُذكّره بعاقبة جريمته.
    * لاَ تَفْتَرُواْ عَلَى اللَّهِ كَذِباً * [طه: 61] افترى أي: جاء بالفِرْية، وهي تعمُّد الكذب * فَيُسْحِتَكُم بِعَذَابٍ * [طه: 61] يعني: يستأصلكم بعذاب الدنيا قبل عذاب الآخرة * وَقَدْ خَابَ مَنِ افْتَرَى * [طه: 61] أي: خسر.
    ثم يقول الحق سبحانه: * فَتَنَازَعُواْ أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ *
    فَتَنَازَعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ وَأَسَرُّوا النَّجْوَى (62)

    يبدو أن تخويفَ موسى لهم بقوله:* وَيْلَكُمْ لاَ تَفْتَرُواْ عَلَى اللَّهِ كَذِباً فَيُسْحِتَكُم بِعَذَابٍ *[طه: 61] قد أثَّر فيهم وأخافهم * فَتَنَازَعُواْ أَمْرَهُمْ * [طه: 62] أخذوا يتساومون القَوْل ويتبادلون الآراء.
    * وَأَسَرُّواْ النَّجْوَى * [طه: 62] تحدثوا سِراً، وهذا دليل خوفهم من كلام موسى، ودليل ما فيهم من استعداد للخير، لكن انتهى رأيهم إلى الاستمرار في الشوط إلى آخره.
    قَالُوا إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ يُرِيدَانِ أَنْ يُخْرِجَاكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِمَا وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلَى (63)

    توقف العلماء طويلاً حول هذه الآية، لأن فيها قراءتين (إنْ هذان) بسكون (إنْ) والأخرى (إنَّ هذان) بالتشديد.
    والقراءة التي نحن عليها قراءة حفص * إِنْ هَـاذَانِ لَسَاحِرَانِ * [طه: 63] و(إنْ) شرطية إنْ دخلت على الفعل، كما نقول: إنْ زارني زيد أكرمته، وتأتي نافية بمعنى ما، كما في قوله تعالى:* الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنكُمْ مِّن نِّسَآئِهِمْ مَّا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلاَّ اللاَّئِي وَلَدْنَهُمْ *[المجادلة: 2].
    فالمعنى: ما أمهاتهم إلا اللائي وَلَدْنهم. كذلك في قوله تعالى: * إِنْ هَـاذَانِ لَسَاحِرَانِ * [طه: 63] فالمعنى: ما هذان إلا ساحران، فتكون اللام في * لَسَاحِرَانِ * [طه: 63] بمعنى إلا. كأنك قُلْتَ: ما هذان إلا ساحران.
    وتأتي اللام بمعنى إلا، إذا اختلفنا مثلاً على شيء، كل واحد مِنّا يدَّعيه لنفسه، فيأتي الحكم يقول: لَزَيدُ أحقُّ به، كأنه قال: ما هذا الشيء إلا لزيد. إذن: اللام تأتي بمعنى إلا.
    وعلى القراءة الثانية بالتشديد (إنَّ هذان لساحران) فإنَّ حرف ناسخ ينصب المبتدأ ويرفع الخبر، تقول: إنَّ زيداً مجتهدٌ، أما في الآية بهذه القراءة: (إنّ هذان لساحران) جاء اسم إنَّ هذان بالرفع بالألف؛ لأنه مثنى، والقاعدة تقتضي أن نقول (هذين).
    فكيف يتم توجيه إنَّ المشددة الناسخة وبعدها الاسم مرفوع؟
    قالوا: هذه لغة كنانة إحدى قبائل العرب، وكان لكل قبيلة لهجتها الخاصة ولغتها المشهورة فيقولون: جعجعة خزاعة، وطُمْطُمانيّة حِمْيَر، وتَلْتلة بَهْراء، وفحفحة هذيل.. الخ.
    ولما نزل القرآن نزل على جمهرة اللغة القرشية؛ لأن لغات العرب جميعها كانت تصبُّ في لغة قريش في مواسم الحج والشعر والتجارة وغيرها، فكانت لغة قريش هي السائدة بين لغات كل هذه القبائل؛ لذلك نزل بها القرآن، لكن الحق تبارك وتعالى أراد أن يكون للقبائل الأخرى نصيب، فجاءت بعض ألفاض القرآن على لهجات العرب المختلفة للدلالة على أن القرآن ليس لقريش وحدها، ليجعل لها السيادة على العرب، وإنما جاء للجميع.
    ومن لهجات القبائل التي نزل بها القرآن لهجة كنانة التي تلزم المثنى الألف في كل أحواله رَفْعاً ونَصْباً وجراً. وشاهدهم في كتب النحو قول شاعرهم:وَاهَاً لِسَلْمى ثُمَّ وَاَهَا وَاهَا يَا ليْتَ عَيْناهَا لَنَا وَافَاهَاهِيَ المُنَى لَوْ أنَّنَا نِلْناهَا ومَوْضِع الخُلْخال من قَدمَاهَاإنَّ أبَاهَا وأبَا أَبَاهَا قَدْ بلغَا في المجْدِ غَايتَاهَافقال: إنَّ أباها. ولم يقل: إنَّ أبيها؛ لأنه يُلزِم المثنى الألف.
    إذن: لم ينزل القرآن بلغة قريش على أنها لغة سيادة، وإنما لأنها تنطوي على زُبْدة فصاحات لغات الجزيرة كلها، وكانت لغة قريش تصفَّى في مواسم الشعر والأدب في عكاظ وذى المجنّة وغيرها.
    نعود إلى قول الحق تبارك وتعالى: * قَالُواْ إِنْ هَـاذَانِ لَسَاحِرَانِ يُرِيدَانِ أَن يُخْرِجَاكُمْ مِّنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِمَا * [طه: 63] ويبدو أن استعداء فرعون لقومه على موسى وهارون جاء بنتيجة ونالتْ حيلته من نفوسهم؛ لذلك يُردِّدون نفس كلام المعلم الكبير فرعون، فيتهمون موسى وهارون بالسحر.
    وقولهم: * وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلَى * [طه: 63] طريقتهم المثلى. أي: ما ارتضاه القوم للعيش عليه، والمذهب والطريق الذي سلكوه. والمراد بالطريقة المثلى التي ساروا عليها أنهم اتخذوا واحداً منهم إلهاً يعبدونه ويأتمرون بأمر، تلك هي الطريقة المثلى!! والمثلى: أي الفاضلة مُذكّرها أمثل.
    فَأَجْمِعُوا كَيْدَكُمْ ثُمَّ ائْتُوا صَفًّا وَقَدْ أَفْلَحَ الْيَوْمَ مَنِ اسْتَعْلَى (64)

    أي: تنبهوا واشحذوا كل أذهانكم، وكل فنونكم، وحركاتكم في السحر حتى لا يتمكنا من هذين الأمرين: إخراجكم من أرضكم، والقضاء على طريقتكم المثلى.
    وهذا قَوْل بعضهم لبعض * فَأَجْمِعُواْ كَيْدَكُمْ * [طه: 64] فلا يُخفِي أحد فناً من فنون السحر، وليُقدّم كُلُّ مِنّا ما عنده؛ لأن عادة أهل الحِرَف أن يوجد بينهم تحاسد، فلا يُظهر الواحد منهم كل ما عنده مرة واحدة، أو يحاول أنْ يُخفي ما عنده حتى لا يطلع عليه الآخر، لكن في مثل هذا الموقف لا بُدَّ لهم من تضافر الجهود فالموقف حرِج ستعمُّ بلواه الجميع إنْ فشلنا في هذه المهمة.
    وقوله: * ثُمَّ ائْتُواْ صَفّاً * [طه: 64] يعني: مجتمعين كأنكم يد واحدة، فهذا أهْيَبُ لكم وأدْخَلُ للرعب في قلوب خصمكم، كما أننا إذا جِئْنَا سوياً لم يتمكن أحد من التراجع، فيكون بعضنا رقيباً على بعض.
    * وَقَدْ أَفْلَحَ الْيَوْمَ مَنِ اسْتَعْلَى * [طه: 64] أفلح: فاز، كما في قوله تعالى:* قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ *[المؤمنون: 1] وهذا اللفظ مأخوذ من فلح الأرض ومنه الفلاحة؛ لأن الفلاح إذا شقَّ الأرض أو حرثَها ورعاها تعطيه خيرها، فحركتُه فيها حركة ميمونة مباركة.
    لذلك، لما أراد الحق ـ تبارك وتعالى ـ أن يُبيِّن لنا مضاعفة الأجر والثواب على الصدقة وعلى فعل الخير ضرب لنا مثلاً بالزرع، فقال تعالى:* مَّثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنبُلَةٍ مِّئَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَشَآءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ *[البقرة: 261].
    فإذا كانت الأرض وهي مخلوقة لله تعالى تعطي كل هذا العطاء، فما بالك بعطاء الخالق لهذه الأرض؟ لذلك عقب المثل بقوله تعالى:* وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَشَآءُ *[البقرة: 261].
    ثم أُخِذَتْ كلمة الفلاح عَلماً على كل فلاح، ولو لم يكن فيه صِلَة بالأرض؛ لأن قصارى كل حركات الحياة أن تضمن للإنسان بقاء نَوْعه بالأكل، والأرض مصدر هذا كله، فكانت لذلك مصدراً للفوز.
    وقوله: * مَنِ اسْتَعْلَى * [طه: 64] أي: طلب العُلو على خَصْمه. لكن هل الفلاَح يكون لمن طلب العلو أم لمن علا بالفعل؟ طبعاً يكون لمن علا، إذن: مَنْ عَلاَ بالفعل لا بُدَّ أنْ يشحذَ ذِهْنه على أن يطلب العلو على خصمه، فمهما علا الخصم استعلى عليه أي: طلب العُلو، إذن: قبل علا استعلى.
    ثم يقول الحق سبحانه عن السحرة: * قَالُواْ يامُوسَى إِمَّآ أَن تُلْقِيَ *
    قَالُوا يَا مُوسَى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقَى (65)

    تُلْقي: ترمي. والمراد أن يرمي واحد منهم ما أعدّه من سحر، فاختار موسى أنْ يُلْقُوا هم أولاً.
    قَالَ بَلْ أَلْقُوا فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى (66)

    لأنهم إنْ ألقوا سِحْرهم كانت للعصا مهمة حين يلقيها موسى، فأراد أن يكون للعصا حركة بعد أن تنقلب إلى ثعبان أو حية أو جان، وإلا لو ألقى هو أولاً، فماذا سيكون عملها؟
    وقد ألهم الله تعالى سحرة فرعون هذه الأدب في معركتهم مع موسى، فخيَّروه بين أنْ يلقي هو، أو يلقوا هُمْ، والله ـ تبارك وتعالى ـ يحُول بين المرء وقلبه، فألهمهم ذلك مع أنهم خصومه، وأنطقهم بما يؤيد صاحب المعجزة الخالدة، فقالوا:* إِمَّآ أَن تُلْقِيَ وَإِمَّآ أَن نَّكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقَى *[طه: 65].
    وقد اختار موسى ـ عليه السلام ـ أنْ يُلقي أخيراً؛ لأن التجربة التي مَرَّ بها في طوى مع ربه ـ عز وجل ـ لما قال له ربه:* قَالَ أَلْقِهَا يامُوسَى *[طه: 19].
    فلما ألقى موسى عصاه انقلبتْ إلى حيَّة تسعى ورأى هو حركتها، لكن لم يكُنْ بهذه التجربة شيء تلقفه العصا، فإذا ألقى موسى أولاً وتحوَّلَتْ العصا حية أو ثعباناً، فما الفرق بينها وبين حبال السحرة التي تحولتْ أمامهم إلى حيَّات وثعابين؟
    إذن: لا بُدَّ من شيء يُميِّز عصا موسى كمعجزة عن سِحْر السحرة وشعوذتهم؛ لذلك اختار موسى أنْ يُلقي هو آخراً بإلهام من الله حتى تلقف عصاه ما يأفكون، فما يُلقَف لا بُدَّ أن يسبق ما يَلْقُف.
    فمن حيث الحركة أمام الناظرين لا فَرْقَ بين عصا موسى وحبال السحرة وعِصِيهم، فكلها تتحرك، إنما تميزت عصا موسى بأنها تلقف ما يصنعون من السحر، وتتتبع حبالهم وعِصيَّهم، وتقفز هنا وهناك، فلها ـ إذن ـ عَيْن تبصر، ثم تلقف سحرهم في جوفها، ومع ذلك تظل كما هي لا تنتفخ بطنها مثلاً، وهذا هو موضع المعجزة في عصا موسى عليه السلام.
    وقوله تعالى: * فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى * [طه: 66] إذن: فحركة العِصِيّ والحبال ليستْ حركة حقيقية، إنما هي تخيُّل * يُخَيَّلُ إِلَيْهِ * [طه: 66] فيراها تسعى، وهي ليست كذلك.
    وقد قال تعالى عن هؤلاء السحرة:* سَحَرُواْ أَعْيُنَ النَّاسِ *[الأعراف: 116] فجاءوا بأعمال تخيُّلية خادعة بأيِّ وسيلة كانت، فالبعض يقول مثلاً: إنهم وضعوا بها الزئبق، فلما حَمِيَتْ عليه الشمس تمدّد، فصارتْ الأشياء تتلوّى وتتحرك، فأياً كانت وسائلهم فهي مجرد تخيُّلات، أمَّا الساحر نفسه فيراها حِبَالاً على حقيقتها، وهذا هو الفرق بين سِحْر السحرة، ومعجزة عصا موسى.
    والسحر يختلف عن الحِيَل التي تعتمد على خِفَّة الحركة والألاعيب والخُدَع، فالسحر أقرب ما يكون إلى الحقيقة في نظر الرائي، كما قال تعالى:* وَاتَّبَعُواْ مَا تَتْلُواْ الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَـاكِنَّ الشَّيْاطِينَ كَفَرُواْ يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ *[البقرة: 102].
    إذن: هو فَنُّ يُتعلم، يعطي التخييل بواسطة تسخير الجنِّ، فهم الذين يقومون بكل هذه الحركات، فهي ـ إذن ـ ليستْ حيلاً ولا خفة حركة، إنما هي عملية لها أصول وقواعد تُدرَّس وتُتعَلَّم.

    والخالق ـ عز وجل ـ حينما يعرض علينا قضية السحر، وأنه عبارة عن تَسخير الشياطين لخدمة الساحر، ويجعل لكل منهما القدرة على مضرّة الآخرين: الساحر بالسحر، والشياطين بما لديهم من قوة التشكّل في الأشكال المختلفة والنفاذ من الحواجز؛ لأن الجن خُلِقُوا من النار، والنار لها شفافية تنفذ خلال الجدار مثلاً.
    أما الإنسان فَخُلِق من الطين، والطين له كثافة، وضربنا مثلاً لنقرب هذه المسألة، قلنا: هَبْ أنك تجلس خلف جدار، ووراء هذا الجدار تفاحة مثلاً وهي من الطينية المتجمدة، أيصل إليك من التفاحة شيء؟ إنما لو خلف الجدار نار فسوف تشعر من خلال الجدار بحرارتها. هذه ـ إذن ـ خصوصيات جعلها الخالق عز وجل للشياطين فضلاً عن أنهم يرونكُم من حيث لا ترونهم.
    لكن، كان من لُطْف القدير بنا أن جعل لنا ما يحمينا من الشياطين، فجعل الحق ـ تبارك وتعالى ـ حين يتشكَّلون في الأشكال المختلفة تحكمهم هذه الأشكال، بمعنى لو أن الشيطان تشكّل لك في صورة إنسان فقد حكمتْه هذه الصورة، فلو أطلقتَ عليه الرصاص في هذه اللحظة لقتلتَه فعلاً.
    لذلك؛ فالشيطان يخاف منك أكثر مما تخاف منه، ولا يظهرون لنا إلا ومضة ولمحة سريعة خَوْفاً أن يكون الرائي له على عِلْم بهذه المسألة فيمسك به وساعتها لن يفلت منك.
    وقد أمسك النبي صلى الله عليه وسلم شيطاناً وقال: " لقد هممت أن أربطه بسارية المسجد، يلعب به غلمان المدينة، إلا أنني ذكرت دعوة أخي سليمان * وَهَبْ لِي مُلْكاً لاَّ يَنبَغِي لأَحَدٍ مِّن بَعْدِي * [ص: 35] ".
    إذن: الحق سبحانه أعطاهم خصوصية التشكّل كما يحبون، إنما قيدهم بما يشكّلون به، كأنه يقول له: إذا تركتَ طبيعتك وتشكَّلْت بصورة أخرى فارْضَ بأنْ تحكمك هذه الصورة، وأن يتحكم فيك الأضعف منك، وإلا لَفزَّعوا الناس وأرهبوهم، ولم نسلم من شَرَّهم.
    وكذلك الحال مع الساحر نفسه، فلديه بالسحر والطلاسم أن يُسخِّر الجن يفعلون له ما يريد، وهذه خصوصية تفوق بها قدرتُه قدرةَ الآخرين، ولديه بالسحر فُرْصة لا تتوفر لغيره من عامة الناس، فليس بينه وبين تكافؤ في الفُرص.
    والله عز وجل يريد لخَلْقه أنْ تتكافأ فُرَصهم في حركة الحياة فيقول الساحر: إياك أن تفهم أن ما يسَّرته لك من تسخير الأقوى منك ليقدر على ما لا تقدر عليه يفيدك بشيء. أو أنك أخذتَ بالسحر فرصةً على غيرك، بل العكس هو الصحيح فلن تجنيَ من سِحْرك إلا الضرر والشقاء، فالسحر فتنة للإنسان، كما أنه فتنة للجن.
    لذلك يقول تعالى:* وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولاَ إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلاَ تَكْفُرْ * [البقرة: 102].
    والفتنة هنا معناها أن نختبر استعماله لمدى مَا اعدَّه الله له، أيستعمله في الخير أم في الشر؟ فإنْ قُلْتَ: أتَعلَّم السحر لأستعمله في الخير. نقول: هذا كلامك ساعة التحمُّل، ولا تضمن نفسك ساعة الأداء. كما قلنا سابقاً في تحمُّل الأمانة حين تقبلها ساعة التحمل، وأنت واثق من قدرتك على أدائها في وقتها، ومطمئنٌ إلى سلامة نيتك في تحمُّلها، أما وقت الأداء فربما يطرأ عليك ما يُغيّر نيتك.
    وكما جاء في قول الحق تبارك وتعالى:* إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً *[الأحزاب: 72].
    فاخترْنَ التسخير على الاختيار وحَمْل الأمانة؛ لأنهن لا يضمَنَّ القيام بها.
    كلمتان خفيفتان على اللسان .. ثقيلتان في الميزان .. حبيبتان إلى الرحمن

    سبحان الله وبحمده .. سبحان الله العظيم

  8. #8
    Super Moderator
    رقم العضوية : 2
    تاريخ التسجيل : Jun 2016
    المشاركات: 3,273
    التقييم: 10
    الدولة : الأردن
    العمل : طالب علم
    وقد أعذر الله تعالى إلى السحرة في قوله:* وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولاَ إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلاَ تَكْفُرْ *[البقرة: 102].
    كأن الساحر مآله إلى الكفر؛ لأنه ابن أهواء وأغيار، لا يستطيع أن يتحكّم في نفسه فيُسخِّر قوة السحر في الخير، كما أن الله تعالى إذا أراد أن يُسخِّر القوى للخير: أيُسخِّر الطائع؟ أم يُسخِّر العاصي؟ سيُسخِّر الطائع، والجن الطائع لا يرضى أبداً بهذه المسألة.
    إذن: لن يستطيع الساحر إلا تسخير الجن العاصي، كما قال تعالى:* وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَآئِهِمْ *[الأنعام: 121].
    لذلك تلاحظ أن كل الذين يشتغلون بهذه العملية على سَمْتهم الغضب، وعلى سحنتهم آثار الذنوب وشُؤْمها، ينفر منهم مَنْ رآهم، يعيشون في أضيق صور العيش، فترى الساحر يأخذ من هذا، ويأخذ من هذا، ويبتز الناس ويخدعهم، ومع ذلك تراه شحاذاً يعيش في ضيق، ويموت كافراً مُبْعَداً من رحمة الله حتى أولاده من بعده لا يَسْلمَون من شُؤْمه، وصدق الله العظيم حين قال:* وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِّنَ الإِنسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِّنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقاً *[الجن: 6].
    كما أن في حياة السحرة لفتة، يجب أن نلتفت إليها، وهي أن السحرة الذين يصنعون السحر للناس ويخدعونهم: من أين يرتزقون؟ من عامة الناس الذين لا يفهمون في السحر شيئاً، ولو أنه أفلح بالسحر لأغنى نفسه عن أنْ تمتد يده إلى هذا، فيأخذ منه عدة جنيهات، وإلى هذا يطلب منه أشياء غريبة يُوهمه أن مسألته لن تُحّل إلا بها.
    ولماذا لم يستخدم سحره في سرقة خزينة مثلاً ويريح نفسه من هذا العناء، وإنْ قال: كيف وهي أموال الناس والسطو عليها سرقة، فليذهب إلى الرِّكاز وكنوز الأرض فليست مملوكة لأحد.
    نعود إلى سحرة فرعون؛ أياً كان سحرهم أمِنْ نوع الألاعيب وخِفّة الحركة وخداع الناظرين؟ أم من نوع السحر الذي علّمته الشياطين من زمن سليمان ـ عليه السلام ـ فهو سحر لن يقف أمام معجزة باهرة جاءت على يد موسى لإثبات صدقه.
    ثم يقول الحق تبارك وتعالى: * فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً *
    فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَى (67)

    أوجس: من الإيجاس، وهو تحرّك شيء مخيف في القلب لا يتعدّى إلى الجوارح، فإنْ تعدى إلى الجوارح يتحول إلى عمل نزوعي، كأن يهرب أو يجري، فالعمل النزوعي يأتي بعد الإحساس الوجداني؛ لذلك يقول بعدها: * فِي نَفْسِهِ * [طه: 67].
    وقد شعر موسى عليه السلام بالخوف لما رأى حبال السحرة وعِصيّهم تتحول أمام النظارة إلى حيَّات وثعابين، وربما اكتفى المشاهدون بما رأَوْه فهرجوا عليه وأنهوا الموقف على هذا أنْ يتمكّن هو من عمل شيء. فإنْ قُلْت: فلماذا لم يُلْقِ عصاه وتنتهي المسألة؟ نقول: لأن أوامره من الله أولاً بأول، وهو معه يتتبعه سماعاً ورؤية، فتأتيه التعاليم جديدة مباشرة.
    قُلْنَا لَا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلَى (68)

    هذا حكم الله عز وجل يأتي موسى على هيئة برقية مختصرة * أَنتَ الأَعْلَى * [طه: 68] أنت المنصور الفائز فاطمئن، لكن تتحرك في موسى بشريته: منصور كيف؟
    وهنا يأتيه الأمر العملي التنفيذي بعد هذا الوعد النظري، وكأن الحق سبحانه متتبع لكل حركات نبيه موسى، ولم يتركه يباشر هذه المسألة وحده، إنما كان معه يسمع ويرى، فيردُّ على السماع بما يناسبه، ويردُّ على الرؤية بما يناسبها. ودائماً يرهف النبي سمعه وقلبه إلى ما يُلْقي عليه من توجيهات ربه عز وجل؛ لذلك خاطبه ربه بقوله:* إِنَّنِي مَعَكُمَآ أَسْمَعُ وَأَرَى *[طه: 46].
    فسيأتيك الرد المناسب في حينه. إذن: الحق سبحانه لم يخبر موسى بمهمته مع فرعون ثم تركه يباشرها بنفسه، وإنما تمَّتْ هذه المسألة بتوجيهات مباشرة من الله تعالى.
    وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى (69)

    وهذا أصل المعجزة في عصا موسى، أن تلقف وتبتلع ما يأفكون من السحر وكلمة * تَلْقَفْ * [طه: 69] تعطيك الصورة الحركية السريعة التي تُشبه لمح البصر، تقول: تلقفتُه يعني أخذتُه بسرعة وشدة، وهذه هي العِلّة في العصا أن تلقف ما صنعوا من السحر * إِنَّمَا صَنَعُواْ كَيْدُ سَاحِرٍ * [طه: 69] والكَيْد: التدبير الخفيّ للتغلُّب على الخَصْم، لكن ماذا يفعل كَيْد الساحر وألاعيبه وتلفيقه أمام قدرة الرب تبارك وتعالى؟
    ثم يقول تعالى: * وَلاَ يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى * [طه: 69] سبق أنْ تكلّمنا في مسألة فَلاَح الساحر، وأنه مهما أوُتِي من قدرة على تسخير الجن لعمل شيء فوق طاقة الإنس، فلن يعطيه ذلك مَيْزةً على غيره، ولن تكون له قدرة على شيء.
    فإياكم أن تظنوا أن الله تعالى ملَّك مصالحكم لهؤلاء، صحيح هو يفعل، أما الإصابة والأذى فبإذن الله وتحت عنايته:* وَمَا هُم بِضَآرِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ *[البقرة: 102] وهذه القضية لا تنسحب على الساحر فحسب، إنما على الوجود كله، وإلى أنْ تقوم الساعة.
    ثم يقول الحق سبحانه: * فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّداً *
    فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّدًا قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى (70)

    قال الزجاج في هذا الموقف: عجيب أمر هؤلاء، فقد ألقوا حبالهم وعِصيّهم للكفر والجحود، فإذا بهم يُلْقُون أنفسهم للشكر والسجود.
    نعم، لقد دخلوا كافرين فجرة فخرجوا مؤمنين بررة، لأنهم جاءوا بكل ما لديهم من الكَيْد، وجمعوا صَفْوة السحر وأساتذته ممنْ يَعْلمون السحر جيداً، ولا تنطلي عليهم حركات السحرة وألاعيبهم، فلما رَأوا العصا وما فعلتْ بسحرهم لم يخالطهم شكٌّ في أنها معجزة بعيدة عَمّا يصنعونه من السحر؛ لذلك سارعوا ولم يترددوا في إعلان إيمانهم بموسى وهارون.
    وهذا يدلُّنا على أن الفطرة الإيمانية في النفس قد تطمسها الأهواء، فإذا ما تيقظتْ الفطرة الإيمانية وأُزيلَتْ عنها الغشاوة سارعتْ إلى الإيمان وتأثرتْ به.
    لقد سارع السحرة إلى الإيمان، وكان له هَوىً في نفوسهم، بدليل أنهم سيقولون فيما بعد:* وَمَآ أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ *[السحر: 73] فكانوا مكرهين، كانوا أيضاً مُسخَّرين، بدليل قولهم:* إِنَّ لَنَا لأَجْراً إِن كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ *[الأعراف: 113].
    كأنهم كانوا لا يأخذون على السحر أجراً، فلما كانت هذه المهمة صعبة طلبوا عليها أجراً، فهي معركة تتوقف عليها مكانته بين قومه، أما ممارستهم للسحر إرهاباً للناس وتخويفاً لمن تُسوِّل له نفسه الخروج والتمرد على فرعون، فكان سُخْرة، لا يتقاضَوْن عليه أجراً.
    لذلك لم يعارض فرعون سحرته في طلبهم، بل زادهم منحة أخرى* وَإِنَّكُمْ لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ *[الأعراف: 114] فسوف تكونون سدنة الفرعونية، يريد أنْ يشحن هِمَمهم، ويشحذَ عزائمهم، حتى لا يدخروا وُسْعاً في فَنِّ السحر في هذه المعركة.
    إذن: فطباعهم وفطرتهم تأبى هذا الفعل، وتعلم أنه كذب وتلفيق، لكن مذا يفعلون وكبيرهم يأمرهم به، بل ويُكرههم عليه، ويلزمهم أنْ يُعلِّموا غيرهم، لماذا؟ لأن السحر والشعوذة والتلفيق هي رأس ماله وبضاعته التي يسعى إلى ترويجها، فعليها يقوم مُلْكه وتُبْنى ألوهيته.
    وقوله تعالى: * فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّداً * [طه: 70] فَرْق بين* فَأَلْقَوْاْ حِبَالَهُمْ وَعِصِيَّهُمْ *[الشعراء: 44] وهذا منهم عمل اختياري، وبين * فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّداً * [طه: 70]: يعني على غير اختيارهم وعلى غير إرادتهم، كأن صَوْلة الحق فاجأتْ صحوة الفطرة، فلم يملكوا إلا أنْ خرُّوا لله ساجدين، فالإلقاء هنا عمل تلقائي دون تفكير منهم ودون شعور، فقد فاجأهم الحق الواضح والمعجزة الباهرة في عصا موسى، لأنها ليستْ سِحْراً فهم أعلم الناس بالسحر.
    ونلحظ في هذه الآية أنها جاءت بصيغة الجمع؛ أُلقى السحرةُ، قالوا، آمنا. لتدل على أنهم كانوا يَداً واحدة لم يشذْ منهم واحد، مما يدل على أنهم كانوا مكرهين مُسخَّرين.
    كما أن إعلان إيمانهم جاء بالفعل المرئي المشاهد للجميع * فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّداً * [طه: 70]، ثم بالقول المسموع * قَالُواْ آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى * [طه: 70] وفي آية أخرى:* قَالُواْ آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ * رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ * [الشعراء: 47ـ48].
    ونعلم أن موسى ـ عليه السلام ـ هو الأصل، ثم أُرسِل معه أخوه هارون، ولما عرضَ القرآن موقف السحرة مع موسى حكى قولهم: * آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى * [طه: 70] وقولهم:* آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ * رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ *[الشعراء: 47ـ48].
    لذلك كانت هذه المسألة مثارَ جَدَل من خصوم الإسلام، يقولون: ماذا قال السحرة بالضبط؟ أقالوا الأولى أم الثانية؟
    ولك أن تتصور جمهرة السحرة الذين حضروا هذه المعركة، فكان رؤساؤهم وصفوتهم سبعين ساحراً، فما بالك بالمرؤوسين؟ إذن: هم كثيرون، فهل يُعقل مع هذه الكثرة وهذه الجمهرة أن يتحدوا في الحركة وفي القول؟ أم يكون لكل منهم انفعاله الخاص على حَسْب مداركه الإيمانية؟
    لا شَكَّ أنهم لم يتفقوا على قول واحد، فمنهم مَنْ قال * آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى * [طه: 70] وآخرون قالوا:* آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ * رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ *[الشعراء: 47ـ48].
    كذلك كان منهم سطحيّ العبارة، فقال* آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ * رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ *[الشعراء: 47ـ48] ولم يفطن إلى أن فرعون قد ادّعى الألوهية وقال أنا ربكم الأعلى فربما يُفهم من قوله* رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ *[الشعراء: 48] أنه فرعون، فهو الذي ربّى موسى وهو صغير.
    وآخر قد فطن إلى هذه المسألة، فكان أدقَّ في التعبير، وأبعد موسى عن هذه الشبهة، فقال: * آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى * [طه: 70] وجاء أولاً بهارُون الذي لا علاقة لفرعون بتربيته، ولا فضل له عليه، ثم جاء بعده بموسى.
    إذن: هذه أقوال متعددة ولقطات مختلفة لمجتمع جماهيري لا تنضبط حركاته، ولا تتفق تعبيراته، وقد حكاها القرآن كما كانت فليس لأحد بعد ذلك أن يقول: إنْ كان القول الأول صحيحاً، فالقول الآخر خطأ أو العكس.
    وما أشبه هذا الموقف الآن بمباراة رياضية يشهدها الآلاف ويُعلِّقون عليها، تُرى أتتفق تعبيراتهم في وصف هذه المباراة؟
    نقول: إذن، تعددت اللقطات وتعددت الأقوال للقصة الواحدة لينقل لنا القرآن كل ما حدث.
    ثم يقص الحق سبحانه رد فعل فرعون على ما حدث، فيقول: * قَالَ آمَنتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ ءَاذَنَ لَكُمْ... *
    قَالَ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَابًا وَأَبْقَى (71)

    طبيعي أن يشتاط فرعون غضباً بعدما سمعه من سحرته، فقد جمعهم لينصروه فإذا بهم يخذلونه، بل ويُقوِّضون عرشه من أساسه فيؤمنون بإله غيره، ويا ليتهم لما خذلوه سكتوا،ـ إنما يعلنونها صريحة عالية مدوية:* آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى *[طه: 70].
    * قَالَ آمَنتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ ءَاذَنَ لَكُمْ... * [طه: 71] فمع الخيبة التي مُنِي بها ما يزال يتمسك بفرعونيته وألوهيته، ويهرب من الاستخزاء الذي حاق به، يريد أن يعطي للقوم صورة المتماسك الذي لم تُؤثّر فيه هذه الأحداث، فقال * قَالَ آمَنتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ ءَاذَنَ لَكُمْ * [طه: 71] فأنا كبيركم الذي علّمكم السحر، وكان عليكم أنْ تحترموا أستاذيته، وقد كنت سآذنُ لكم.
    وكلمة (آمنتم) مادتها: أمِنَ. وقد أخذت حيزاً كبيراً في القرآن الكريم، والأصل فيها: أمِنَ فلان آمناً يعني: اطمأن. فليس هناك ما يُخوّفه. لكن هذه المادة تأتي مرة ثلاثية (أَمِنَ) وتأتي مزيدة بالهمزة (آمن).
    وهذا الفعل يأتي متعدياً إلى المفعول مباشرة، كما في قوله تعالى* فَلْيَعْبُدُواْ رَبَّ هَـاذَا الْبَيْتِ * الَّذِي أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ *[قريش: 3ـ4] يعني: آمن سكان مكة من الخوف.
    وقد يتعدى بالباء كما في: آمنت بالله، أو يتعدى باللام كما في قوله تعالى:* فَمَآ آمَنَ لِمُوسَى إِلاَّ ذُرِّيَّةٌ مِّن قَوْمِهِ *[يونس: 83] وآمن له يعني: صدَّقه فيما جاء به.
    إذن: لدينا: آمَنَهُ يعني أعطاه الأمن، وآمن به: يعني اعتقده، وآمن له: يعني صَدَّقه.
    وقد تأتي أَمن وآمن بمعنى واحد، كما في قول سيدنا يعقوب:* هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلاَّ كَمَآ أَمِنتُكُمْ عَلَى أَخِيهِ مِن قَبْلُ *[يوسف: 64].
    فلماذا اختلفت الصيغة من آمن إلى أمِن؟
    قالوا: لأن قوله* كَمَآ أَمِنتُكُمْ عَلَى أَخِيهِ مِن قَبْلُ *[يوسف: 64] كانت تجربة أولى، فجاء الفعل (أَمن) مُجرّداً على خلاف الحال في المرة الثانية، فقد احتاجت إلى نوع من الاحتياط للأمر، فقال* هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ *[يوسف: 64] فزاد الهمزة للاحتياط.
    فمعنى قول فرعون: * آمَنتُمْ لَهُ * [طه: 71] يعني أي: صدَّقتموه.
    وتأمل هنا بلاغة القرآن في هذا التعبير * قَبْلَ أَنْ ءَاذَنَ لَكُمْ * [طه: 71] ومَنِ الذي يقولها؟ إنه فرعون الآمر الناهي في قومه يتحدث الآن عن الإذن. وفَرْق بين أمر وأذن، أمر بالشيء يعني: أنه يحب ما أمر به، ويجب عليك أنت التنفيذ. أما الإذن فقد يكون في أمر لا يحبه ولا يريده، فهو الآن يأذن؛ لأنه لا يقدر على الأمر.
    وما دُمْتُمْ قد آمنتم له قبل أن آذن لكم فلا بُدَّ أن يكون هو كبيركم الذي علّمكم السحر، فكان وفاؤكم له، واحترمتم هذا الكِبَر وساعدتموه على الفوز.
    وهذا من فرعون سوء تعليل لواقع الإيمان، ففي نظره أن موسى تفوّق عليهم، لا لأنه يُجيد فنَّ السحر أكثر منهم، إنما تفوّق عليهم لأنهم جاملوه وتواطأوا معه؛ لأنه كبيرهم ومُعلِّمهم.

    لذلك يتهدَّدهم قائلا: * فَلأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِّنْ خِلاَفٍ وَلأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ * [طه: 71].
    جاء هذا التهديد والوعيد جزاءً لهم؛ لأنهم ـ في نظره ـ هزموه وخذوله في معركته الفاصلة أمام موسى عليه السلام، ومعنى: * مِّنْ خِلاَفٍ * [طه: 71] الخِلاَف أن يأتي شيء على خلاف شيء آخر، والكلام هنا عن الأيدي والأرجل، فيكون المراد اليد اليمنى مع الرِّجْل اليسرى، أو اليد اليُسْرى مع الرِّجْل اليُمْنى.
    وقوله: * وَلأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ * [طه: 71] المعروف أن التَّصلْيب يكون على الجذوع؛ لذلك حاول بعض المفسرين الخروج من هذا الإشكال فقالوا: (في) هنا بمعنى (على). لكن هذا تفسير لا يليق بالأسلوب الأعلى للبيان القرآنيّ، ويجب أن نتفق أولاً على معنى التصليب: وهو أن تأتي بالمصلوب عليه وهو الخشب أو الحديد مثلاً، ثم تأتي بالشخص المراد صَلْبه، وتربطه في هذا القائم رباطاً قوياً، ثم تشدّ عليه بقوة.
    ولك أنْ تُجرِّب هذه المسألة، فتربط مثلاً عود كبريت على إصبعك، ثم تشدُّ عليه الرباط بقوة، وسوف تجد أن العود يدخل في اللحم، ساعتها تقول: العود في إصبعك، لا على إصبعك.
    إذن قوله تعالى: * وَلأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ * [طه: 71] (في) هنا على معناها الأصلي للدلالة على المبالغة في الصَّلْب تصليباً قوياً، بحيث يدخل المصلوب في المصلوب فيه، كأنه ليس عليه، بل داخل فيه.
    ثم يقول: * وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَآ أَشَدُّ عَذَاباً وَأَبْقَى * [طه: 71] أينا: المراد فرعون وموسى، أو فرعون ورب موسى الذي أرسله * أَشَدُّ عَذَاباً وَأَبْقَى * [طه: 71] فجمع في العذاب شدته من حيث الكيفية، ودوامه وبقاءه في الزمن. ولم يذكر القرآن شيئاً عن تهديد فرعون، أفعله أم لا؟ والأقرب أنه نفّذ ما هدد به.
    وكان من المفروض في تهديد فرعون أن يأخذ من قلوب السَّحرة ويُرهبهم، فيحاولون على الأقل الاعتذار عَمَّا حدث، لكن شيئاً من هذا لم يحدث، بل قالوا ما أهاجه أكثر: * قَالُواْ لَن نُّؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَآءَنَا... *
    قَالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (72)

    الإيثار: تفضيل شيء على شيء في مجال متساوٍ تقول: آثرتُ فلاناً على فلان، وهما في منزلة واحدة، أو أن معك شيئاً ليس معك غيره، ثم جاءك فقير فآثرْتَهُ على نفسك.
    ومنه قوله تعالى:* وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ *[الحشر: 9].
    فقولهم: * لَن نُّؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَآءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا... * [طه: 72] لأنه قال* وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَآ أَشَدُّ عَذَاباً وَأَبْقَى *[طه: 71] أنا أمْ موسى؟ فالمعركة في نظره مع موسى، فأرادوا أنْ يُواجهوه بهذه الحقيقة التي اتضحتْ لهم جميعاً، وهي أن المعركة ليستْ مع موسى، بل مع آيات الله البينات التي أُرسِل بها موسى، ولن نُفضّلك على آيات الله التي جاءتْنا واضحة بيِّنة.
    ولما رأى السحرة معجزة العصا كانوا هم أكثَر القوم إيماناً، وقد وَضُحَ عُمْق إيمانهم لما قالوا:* آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى *[طه: 70] ولم يقولوا: آمنا بموسى وهارون، إذن: فإيمانهم صحيح صادق من أول وَهْلة.
    وقد تعرضنا لهذه المسألة في قصة سليمان مع ملكة سبأ، حين قالت:* وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ *[النمل: 44] فأنا وهو مسلمان لله، ولم تقل: أسلمت لسليمان، فهناك رب أعلى، الجميع مُسلِّم له.
    إذن: فقوْل السَّحَرة لفرعون: * لَن نُّؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَآءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا * [طه: 72] تعبير دقيق وواعٍ وحكيم لا تلحظ فيه ذاتية موسى إنما تلحظُ البينة التي جاء بها موسى من الله.
    لذلك يقول تعالى:* لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ *[البينة: 1] ثم يُبين عند منْ جاءت البينة:* رَسُولٌ مِّنَ اللَّهِ يَتْلُواْ صُحُفاً مُّطَهَّرَةً *[البينة: 2].
    فالارتقاء من الرسول إلى البينة إلى مَنْ أعطى له البينة، فهذه مراحل ثلاث.
    والبينات، هي الأمور الواضحة التي تحسم كل جَدَلٍ حولها، فلا تقبل الجدل والمهاترات؛ لأن حجتها جليّة واضحة.
    وقولهم: * وَالَّذِي فَطَرَنَا * [طه: 72] أي: ولن نُؤثرك أيضاً على الله الذي فطرنا، أو تكون * وَالَّذِي فَطَرَنَا * [طه: 72] قسم على ما يقولون، كما تقول: لن أفعل كذا والذي خلقك، فأنت تُقسِم ألاَّ تفعل هذا الشيء.
    وهذه حيثية عدم الرجوع فيما قالوه وهو الإيمان بربِّ هارون وموسى.
    ثم لم يَفُتْهم الإشارة إلى مسألة التهديدات الفرعونية:* فَلأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِّنْ خِلاَفٍ وَلأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ *[طه: 71].
    لذلك يقولون: * فَاقْضِ مَآ أَنتَ قَاضٍ * [طه: 72] أي: نفَّذ ما حكمتَ به من تقطيع الأيدي والأرجل، أو أقْضِ ما أنت قاض من أمور أخرى، وافعل ما تريد فلم تعُدْ تخيفنا هذه التهديدات * إِنَّمَا تَقْضِي هَـاذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَآ * [طه: 72].
    فأنت إنسان يمكن أن تموتَ في أي وقت، فما تقضي إلا مُدَّة حياتك، وربما يأتي من بعدك مَنْ هو أفضل منك فلا يدّعي ما ادَّعيْته من الألوهية.
    وهَبْ أن مَنْ جاء بعدك كان على شاكلتك، فحياته أيضاً منتهية، وحتى لو ظَلَّ ما سننته للناس من ادعاء الألوهية إلى يوم القيامة، وامتدّ طغيان غيرك من بعدك، فالمسألة ستنتهي، ولو حتى بقيام الساعة.
    كما سبق أن قُلْنا: إن نعيم الدنيا مهما بلغ فيتهدده أمران: إما أن تفوته أو يفوتك، أما نعيم الآخرة فنعيم بَاقٍ دائم، لا تفوته ولا يفوتك.
    ثم يقول الحق سبحانه: * إِنَّآ آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا... *
    إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى (73)

    فما دُمْنا رجعنا من الإيمان بالبشر إلى الإيمان بخالق البشر، فهذا رُشْدٌ في تفكيرنا لا يصح أنْ تلومنَا عليه، ثم أوضحوا حيثية إيمانهم * لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَآ أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ * [طه: 73] فالإيمان بالله سينفعنا، وسيغفر لنا الخطايا وهي كثيرة، وسيغفر لنا ما أكرهتنا عليه من مسألة السحر، فقد صنعوا السحر مُكْرهين، ومارسوه مُجْبرين، فهو عمل لا يوافق طبيعتهم ولا تكوينهم ولا فطرتهم.
    وما أكثر ما يُكْره الناس على أمور لا يرضونها، وينفذون أوامر وهم غير مقتنعين بها، خاصة في عصور الطُّغَاة والجبّارين، وقد سمعنا كثيراً عن السَّجانين في المعتقلات، فكان بعضهم تأتيه الأوامر بتعذيب فلان، فلماذا يفعل وهو يعلم أنه بريء مظلوم، ولا يطاوعه قلبه في تعذيبه، فكان يدخل على المسجون ويقول له: اصرخ بأعلى صوتك، ويُمثِّل أنه يضربه.
    ثم يقولون: * وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى * [طه: 73] فأنت ستزول، بل دنياك كلها ستزول بمَنْ جاء بعدك من الطُّغَاة، ولن يبقى إلا الله، وهو سبحانه يُمتِّع كل خَلْقه بالأسباب في الدنيا، أما في الآخرة فلن يعيشوا بالأسباب. إنما بالمسبب عز وجل دون أسباب.
    لذلك إذا خطر الشيء ببالك تجده بين يديك، وهذا نعيم الآخرة، ولن تصل إليه حضارات الدنيا مهما بلغتْ من التطور.
    لذلك في قوله تعالى:* حَتَّى إِذَآ أَخَذَتِ الأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَآ أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَآ أَتَاهَآ أَمْرُنَا لَيْلاً أَوْ نَهَاراً *[يونس: 24]، فمهما ظَنَّ البشر أنهم قادرون على كل شيء في دُنْياهم فهم ضُعفاء لا يستطيعون الحفاظ على ما توصّلوا إليه.
    إذن: اجعل الله ـ تبارك وتعالى ـ في بالك دائماً يكُنْ لك عِوَضاً عن فائت، واستح أنْ يطلع عليك وأنت تعصيه. وقد ورد في الحديث القدسي: " إن كنتم تعتقدون أني لا أراكم فالخلل في إيمانكم، وإن كنتم تعتقدون أني أراكم فلم جعلتموني أهون الناظرين إليكم؟! ".
    ولما سُئل أحد العارفين: فيم أفنيتَ عمرك؟ قال: في أربعة أشياء: علمتُ أنِّي لا أخلو من نظر الله تعالى طَرْفة عَيْن، فاستحييتُ أن أعصيه، وعلمتُّ أنَّ لي رِزْقاً لا يتجاوزني وقد ضمنه الله لي فقنعتُ به، وعلمتُ أن عليَّ ديناً لا يُؤدِّيه عنِّي غيري فاشتغلتُ به، وعلمتُ أن لي أَجَلاً يبادرني فبادرته.
    وقد شرح أحد العارفين هذه الأربع، فقال: اجعل مراقبتك لمن لا تخلو عن نظره إليك، واجعل شكرك لمن لا تنقطع نعمه عنك واجعل طاعتك لمن لا تستغني عنه، واجعل خضوعك لمَنْ لا تخرج عن مُلْكه وسلطانه.
    وهكذا جمعتْ هذه الأقوالُ الثمانية الدينَ كله.
    ثم يُقدِّم السحرة الذين أعلنوا إيمانهم حيثيات هذا الإيمان، فقالوا: * إِنَّهُ مَن يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِماً... *
    كلمتان خفيفتان على اللسان .. ثقيلتان في الميزان .. حبيبتان إلى الرحمن

    سبحان الله وبحمده .. سبحان الله العظيم

  9. #9
    Super Moderator
    رقم العضوية : 2
    تاريخ التسجيل : Jun 2016
    المشاركات: 3,273
    التقييم: 10
    الدولة : الأردن
    العمل : طالب علم
    إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَى (74)

    قوله: * مَن يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِماً * [طه: 74] يعني مُجرِّماً عمل الجريمة، والجريمة أنْ تكسر قانوناً من قوانين الحق ـ عز وجل ـ كما يفعل البشر في قوانينهم، فيضعون عقوبة لمَنْ يخرج عن هذه القوانين، لكن ينبغي أن تُعيِّن هذه الجريمة وتُعلَن على الناس، فإذا ما وقع أحد في الجريمة فقد أعذر من أنذر.
    إذن: لا يمكن أن تعاقب إلا بجريمة، ولا توجد جريمة إلا بنص.
    وقوله: * يَأْتِ * أي: هو الذي سيأتي رغم إجرامه، ورغم ما ينتظره من العذاب. لكن لماذا خاطبوه بلفظ الإجرام؟ لأنه قال:* فَلأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِّنْ خِلاَفٍ وَلأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ *[طه: 71] ولم يفعلوا أكثر من أنْ قالوا كلمة الحق، فأيُّنا إذنْ المجرم؟
    وقوله تعالى: * فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لاَ يَمُوتُ فِيهَا وَلاَ يَحْيَى * [طه: 74] لأن الموت سَيُريحهم من العذاب؛ لذلك يتمنَّوْنَ الموت، كما جاء في قوله تعالى:* وَنَادَوْاْ يامَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ *[الزخرف: 77] فيأتي رده* إِنَّكُمْ مَّاكِثُونَ *[الزخرف: 77].
    وفَرْقٌ بين عذاب وموت، فالموت إنهاء للحياة، وليس بعد الموت إيلام، أمَّا العذاب فلا ينشأ إلا مع الحياة؛ لأنه إيلام حَيٍّ.
    لذلك، فالحق ـ تبارك وتعالى لما عرض لهذه المسألة في قصة سليمان عليه السلام والهدهد وأن سليمان قال:* لأُعَذِّبَنَّهُ عَذَاباً شَدِيداً أَوْ لأَذْبَحَنَّهُ *[النمل: 21] فالعذاب شيء، و الذبح شيء آخر؛ لأنه إنهاء للحياة الحاسة.
    ومعنى: * لاَ يَمُوتُ فِيهَا وَلاَ يَحْيَى * [طه: 74] أن هناك مرحلة وحلقة بين الموت والحياة، حيث لا يموت فيستريح، ولا يحيى حياةً سالمة من العذاب، فبقاؤهم في جهنم في هذه المرحلة، التي لا هي موت ولا هي حياة.
    وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ فَأُولَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلَى (75)

    فكأنهم كانوا يشيرون بقولهم:* إِنَّهُ مَن يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِماً *[طه: 74] إلى فرعون، والآن يشيرون إلى أنفسهم، وما سلكوه من طريق الإيمان * وَمَن يَأْتِهِ مُؤْمِناً قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ * [طه: 75].
    فجمعوا بين الإيمان والعمل الصالح؛ لأن الإيمان هو الينبوع الوجداني الذي تصدر عنه الحركات النزوعية على وَفْق المنهج الذي آمنت به، وإلا فما فائدة أنْ تؤمنَ بشيء، ولا تعمل له، وكثيراً ما جمع القرآن بين الذين آمنوا وعملوا الصالحات.
    وقوله: * فَأُوْلَـائِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلَى * [طه: 75] الدرجات أي: درجات الجنة، فالجنة درجات، بعضها فوق بعض، أما النار فدركات، بعضها تحت بعض.
    وقد جعل الحق ـ تبارك وتعالى ـ الجنة درجات؛ لأن أهلها متفاوتون في الأعمال، كما أنهم متفاوتون حتى في العمل الواحد؛ لأن مناط الإخلاص في العمل متفاوت.
    لذلك جاء في الأثر: " الناس على خطر إلا العالمون، والعالمون على خطر إلا العاملون، والعاملون على خطر إلا المخلصون، والمخلصون على خطر عظيم ".
    والعُلاَ: جمع عُليا. فما الدرجات العُلاَ؟
    جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ مَنْ تَزَكَّى (76)

    عدن: أي إقامة. مِنْ عَدَنَ في المكان: أقام فيه، فالمراد جنات أعِدَّتْ لإقامتك، وفرْق بين أنْ تُعِد المكان للإقامة وأنْ تُعِدَّ مكاناً لعابر، كما أن المكان يختلف إعداده وترفه حَسْب المُعِدْ وإمكاناته، فالإنسان العادي يُعِد مكاناً غير الذي يعده عظيم من العظماء، فما بالك إذنْ بمكان أعدّه لك ربك ـ عز وجل ـ بقدراته وإمكاناته؟
    وقوله: * تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا * [طه: 76].
    نعلم أن الماء من أهم مقومات الحياة الدنيا، فبه تنبت الأرض النبات، وفيه تذوب العناصر الغذائية، وبدونه لا تقوم لنا حياة على وجه الأرض. والحق سبحانه وتعالى ساعةَ يُنزِل مطراً من السماء قد لا ينتفع بالمطر مَنْ نزل عليه المطر، فربما نزل على جبل مثلاً، فالنيل الذي نحيا على مائه يأتي من أين؟ من الحبشة وغيرها.
    لذلك جعل الخالق ـ عز وجل ـ كلمة * تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ * [طه: 76] رمزاً للخضرة وللنضارة وللنماء وللحياة السعيدة الهانئة، حتى الإنسان وإنْ لم يكُنْ محتاجاً للطعام بأنْ كان شبعان مثلاً، يجد لذة في النظر إلى الطبيعة الخضراء، وما فيها من زرع وورود وزهور، فليس الزرع للأكل فقط، بل للنظر أيضاً، وإنْ كنتَ تأكل في اليوم ثلاث مرات، والأكل غذاء للجسم، فأنت تتمتع بالمنظر الجميل وتُسَرُّ به كلما نظرتَ إليه، والنظر متعة للروح، وسرور للنفس.
    وكأن الحق ـ تبارك وتعالى ـ يقول لنا: لا تقصروا انتفاعكم بنعم الله على ما تملكون، فتقول مثلاً: لا آكل هذه الفاكهة لأنها ليست مِلْكي، لأن هناك متعةً أخرى:* انْظُرُواْ إِلِى ثَمَرِهِ إِذَآ أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ *[الأنعام: 99] فقبل أن تأكل انظر، فالنظر متعة، وغذاء مستمر.
    فقوله تعالى: * تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ * [طه: 76] لأن ظاهرة جريان الأنهار في الدنيا وسيلة للخُضْرة والخِصْب والإيناع، و * مِن تَحْتِهَا * [طه: 76] أي: أن الماء ذاتيّ فيها، ونابع منها، ليس جارياً إليك من مكان آخر، ربما يُمنَع عنك أن تُحرم منه.
    لذلك يقول تعالى في آية أخرى:* تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ *[التوبة: 100] فتحتها أنهار جارية، لكن مصدرها ومنبعها من مكان آخر.
    ونسب الجريان إلى النهر، لا إلى الماء للمبالغة. فالنهر هو المجرى الذي يجري فيه الماء.
    ثم يقول تعالى: * خَالِدِينَ فِيهَا * [طه: 76] وهذا هو التأمين الحقّ للنعيم؛ لأن آفة النعم أنْ تزولَ، إمّا بأن تفوتها أنت أو تفوتك هي، أما نعيم الجنة فقد سَلَّمه الله تعالى من هذه الآفة، فهو خالد بَاقٍ، لا يزول ولا يُزال عنه.
    * وَذالِكَ جَزَآءُ مَن تَزَكَّى * [طه: 76] الزكاة: تُطلَق على الطهارة وعلى النماء، فالطهارة: أن يكون الشيء في ذاته طاهراً، والنماء: أنْ توجَد فيه خصوصية نمو فيزيد عَمَّا تراه أنت عليه.

    كما ترى مثلاً الورد الصناعي والورد الطبيعي في البستان، وفيه المائية والنضارة والرائحة الطيبة والألوان المختلفة والنمو، وكلها صفات ذاتية في الوردة، على خلاف الورد الصناعي فهو جامد على حالة واحدة.
    وهذا هو الفرق بين صَنْعة البشر وصَنْعة الخالق للبشر؛ لذلك كانت صنعة الله أخلد وأبقى، وصدق الله العظيم حين قال:* فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ *[المؤمنون: 14].
    وتلحظ أنه لم يَضِنّ عليك بصفة الخَلْق؛ لأنك استعملتَ الأسباب وأَعلمتَ الفكر، فكان لك شيء من الخلق، لكن ربَّك أحسنُ الخالقين؛ لأنك خلقتَ من باطن خِلْقته، خلقتَ من موجود، وهو سبحانه يخلق من عدم، خلقتَ شيئاً جامداً لا حياة فيه، وخلق سبحانه شيئاً نامياً، يتكاثر بذاته.
    ومن هنا سُمِّي المال الذي تُخرجه للفقراء زكاةً؛ لأنه يُطهِّر الباقي ويُنمِّيه. ومن العجائب أن الله تعالى سَمّى ما يخرج من المال زكاة ونماءً، وسَمَّى زيادة الربا مَحْقاً.
    فمعنى: * وَذالِكَ جَزَآءُ مَن تَزَكَّى * [طه: 76] أي: تطهَّر من المعاصي، ثم نَمَّى نفسه، ومعنى التنمية هنا ارتقاءات المؤمن في درجات الوصول للحق، فهو مؤمن بداية، لكن يزيد إيمانه وينمو ويرتقي يوماً بعد يوم، وكلما ازداد إيمانه ازداد قُرْبه من ربه، وازدادت فيوضات الله عليه. والطهارة للأشياء سابقة على تنميتها؛ لأن دَرْء المفسدة مُقدَّم على جلب المصلحة.
    إذن: زكَّى نفسه: طهَّرها أولاً، ثم يُنمِّيها ثانياً، كمَنْ يريد التجارة، فعليه أولاً أن يأتي برأس المال الطاهر من حلال ثم يُنمِّيه، لكن لا تأتي برأس المال مُدنّساً ثم تُنمِّيه بما فيه من دَنَسٍ.
    وكلما نَمَّى الإنسانُ إيمانَهُ ارتقى في درجاته، فكانت له الدرجات العُلاَ في الآخرة.
    وَلَقَدْ أَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَبَسًا لَا تَخَافُ دَرَكًا وَلَا تَخْشَى (77)

    كان هذا الوحي لموسى ـ عليه السلام ـ بعد أنِ انتهت المعركة، وانتصر فيها معسكر الإيمان، أما فرعون فقد خسر سلاحاً من أهمِّ أسلحته وجانباً كبيراً من سَطْوته وجبروته.
    وهنا جمع موسى بني إسرائيل، وهم بقايا ذرية آل يعقوب ليذهب بهم إلى أرض الميعاد، وسرعان ما أعدَّ فرعون جيشه وجمع جموعه، وسار خلفهم يتبعهم إلى ساحل البحر، فإذا بموسى وقومه مُحَاصرين: البحر من أمامهم، وفرعون بجيشه من خلفهم، وليس لهم مَخْرج من هذا المأزق.
    هذا حُكْم القضايا البشرية المنعزلة عن ربِّ البشر، أما في نظر المؤمن فلها حَلٌّ؛ لأن قضاياه ليست بمعزل عن ربه وخالقه؛ لأنه مؤمن حين تصيبه مصيبة، أو يمسه مكروه ينظر فإذا ربُّه يرعاه، فيلجأ إليه، ويرتاح في كَنَفِه.
    لذلك يقولون: لا كَرْبَ وأنت ربٌّ، وما دام لي رب ألجأ إليه فليست هناك معضلة، المعضلة فيمن ليس له رَبٌّ يلجأ إليه.
    وقد ضربنا لذلك مثلاً ـ ولله المثل الأعلى ـ لو أن إنساناً معه في جيبه جنيه، فسقط منه في الطريق، فإذا لم يكُنْ عنده غيره يحزن أمّا إنْ كان لديه مال آخر فسوف يجد فيه عِوَضاً عَمَّا ضاع منه، هذا الرصيد الذي تحتفظ به هو إيمانك بالله.
    وهنا جاء الأمر من الله تعالى لموسى ـ عليه السلام ـ ليُخرجه وقومه من هذا المأزق: * أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقاً فِي الْبَحْرِ يَبَساً * [طه: 77].
    أَسْرِ: من الإسراء ليلاً. أي: السير؛ لأنه أستر للسائر.
    وقوله: * بِعِبَادِي * [طه: 77] كملة " عبد " تُجمع على " عبيد " و " عباد " والفَرْق بينهما أن كل مَنْ في الكون عبيد لله تعالى؛ لأنهم وإنْ كانوا مختارين في أشياء، فهم مقهورون في أشياء أخرى، فالذي تعوَّد باختياره على مخالفة منهج الله، وله دُرْبة على ذلك، فله قَهْريات مثل المرض أو الموت.
    أما العباد فهم الصَّفْوة التي اختارت مراد الله على مرادها، واختياره على اختيارها، فإنْ خيَّرهم:* فَمَن شَآءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَآءَ فَلْيَكْفُرْ *[الكهف: 29] خرجوا عن اختيارهم لاختيار ربهم.
    لذلك نسبهم الله إليه فقال:* إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ *[الحجر: 42] وقال عنهم:* عِبَادٌ مُّكْرَمُونَ *[الأنبياء: 26] وقال:* وَعِبَادُ الرَّحْمَـانِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأَرْضِ هَوْناً *[الفرقان: 63].
    ويقول الحق سبحانه: * فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقاً فِي الْبَحْرِ يَبَساً * [طه: 77] أي: يابساً جافاً وسط الماء.
    والضرب: إيقاع شيء من ضارب بآلة على مضروب، ومنه ضرَب العملة أي: سكَّها وختمها، فبعد أنْ كان قطعةَ معدن أصبح عملة متداولة.
    وضرب موسى البحر بعصاه فانفلق البحر وانحسر الماء عن طريق جافّ صالح للمشي بالأقدام، وهذه مسألة لا يتصورها قانون البشر؛ لذلك يُطمئنه ربه * لاَّ تَخَافُ دَرَكاً * [طه: 77] أي: من فرعون أنْ يُدرِككَ * وَلاَ تَخْشَى * [طه: 77] أي: غرقاً من البحر؛ لأن الطريق مضروب أي: مُعَد ومُمهَّد وصالح لهذه المهمة.

    وهذه معجزة أخرى لعصا موسى التي ألقاها، فصارت حية تسعى، وضرب بها البحر فانفلق فصار ما تحت العصا طريقاً يابساً، وما حولها جبالاً* كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ *[الشعراء: 63] وهي التي ضرب بها الحجر فانبجس منه الماء.
    والسياق هنا لم يذكر شيئاً عن الحوار الذي دار بين موسى وقومه حينما وقعوا في هذه الضائقة، لكن جاء في لقطة أخرى من القصة حيث قال تعالى:* فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ * قَالَ كَلاَّ إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ *[الشعراء: 61ـ62].
    وبتعدد اللقطات في القرآن تكتمل الصورة العامة للقصة، وليس في ذلك تكرار كما يتوهّم البعض.
    فقبل أنْ يُوحِي إليه: * فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقاً فِي الْبَحْرِ يَبَساً * [طه: 77] قال القوم:* إِنَّا لَمُدْرَكُونَ *[الشعراء: 61] فقال: (كَلاّ). لكن كيف يقولها قَوْلة الواثق وما يخافون منه محتمل أنْ يقع بعد لحظة؟
    نقول: لأنه لم يقل (كَلاَّ) من عنده، لم يَقُلها بقانون البشر، إنما بقانون خالق البشر* كَلاَّ إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ *[الشعراء: 62] فأنا لا أغالطكم، ولسْتُ بمعزل عن السماء وتوجيه ربي.
    ثم يقول الحق سبحانه: * فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ... *
    فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ (78)

    قوله تعالى: * فَغَشِيَهُمْ مِّنَ الْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ * [طه: 78] غشيهم يعني: غطّاهم الماء، وقد أبهم هذا الحدث للدلالة على فظاعته وهَوْله، وأنه فوق الحَصْر والوصف، كأن تقول في الأمر الذي لا تقدر على تفصيله: حصل ما حصل.
    وفي لقطة أخرى لهذه الحادثة يُبيِّن الحق ـ تبارك وتعالى ـ أن موسى ـ عليه السلام ـ بعد أن عبر بقومه آمناً أراد باجتهاده وترجيحاته الإيمانية أن يضرب البحر مرة أخرى ليعود إلى سيولته فلا يتمكن فرعون من اللحاق به، لكن توجيهات ربه لها شأن آخر. فأوحى الله إليه:* وَاتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْواً إِنَّهُمْ جُندٌ مُّغْرَقُونَ *[الدخان: 24].
    أي: اتركه كما هو لا تُعِدْه إلى استطراق سيولته، فكما أنجيتك بالماء سأتلف عدوك بالماء، فسبحان مَنْ يُنجِي ويُهلك بالشيء الواحد.
    ثم يقول الحق سبحانه: * وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ *
    وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَمَا هَدَى (79)

    وسبق أن قال فرعون لقومه.* وَمَآ أَهْدِيكُمْ إِلاَّ سَبِيلَ الرَّشَادِ *[غافر: 29].
    فأين سبيل الرشاد الذي تحدَّث عنه فرعون بعدَ أنْ أطبق الله عليهم البحر؟ لقد سُقْتهم إلى الهلاك، ولم تسلك بهم مناط النجاة والهداية. فأنت ـ إذن ـ كاذب في ادعاء سبيل الرشاد؛ لأنك أضللتَهم ما هديتهم، وأهلكتهم ما نجَّيتهم.
    ثم يقول الحق تبارك وتعالى: * يابَنِي إِسْرَائِيلَ قَدْ أَنجَيْنَاكُمْ... *
    يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ قَدْ أَنْجَيْنَاكُمْ مِنْ عَدُوِّكُمْ وَوَاعَدْنَاكُمْ جَانِبَ الطُّورِ الْأَيْمَنَ وَنَزَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى (80)

    لله عز وجل على بني إسرائيل منَنٌ كثيرة ونِعَم لا تُعَدُّ، كان مقتضى العبادية التي وصفهم بها* أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي *[طه: 77] أَن يُنَفِّذوا منهج ربهم، ويذكروا نعمه ذِكْراً لا يغيب عن بالهم أبداً، بحيث كلما تحركتْ نفوسهم إلى مخالفة ذكروا نعمةً من نِعَم الله عليهم، تذكّروا أنهم غير متطوعين بالإيمان، إنما يردُّون لله ما عليهم من نِعَم وآلاء.
    والحق ـ تبارك وتعالى ـ هنا يذكِّرهم ببعض نعَمه، ويناديهم بأحبِّ نداء * يابَنِي إِسْرَائِيلَ * [طه: 80] وإسرائيل يعني عند الله، عبده المخلص، كما تقول لصاحبك: يا ابن الرجل الطيب.. الورع، فالحق يُذكِّرهم بأصلهم الطيب، ينسبهم إلى نبي من أنبيائه. كأنه يلفت أنظارهم أنه لا يليق بكم المخالفة، ولا الخروج عن المنهج. وأنتم سلالة هذا الرجل الصالح.
    وقوله تعالى: * قَدْ أَنجَيْنَاكُمْ مِّنْ عَدُوِّكُمْ * [طه: 80] أي: من فرعون الذي استذلكم، وذبح أبناءكم، واستحي نساءكم ويُسخِّرهم في الأعمال دون أجر، وفعل بكم الأفاعيل، ثم * وَوَاعَدْنَاكُمْ جَانِبَ الطُّورِ الأَيْمَنَ * [طه: 80] لتأخذوا المنهج السليم لحركة الحياة. إذن: خلَّصْناكم من أذى، وواعدناكم لنعمة.
    * وَوَاعَدْنَاكُمْ * [طه: 80] واعد: مفاعلة لا تكون إلا من طرفيْن مثل: شارك وخاصم، فهل كان الوَعْد من جانبهما معاً: الله عز وجل وبني إسرائيل؟ الوَعْد كان من الله تعالى، لكن لم يقُلْ القرآن: وعدناكم. بل أشرك بني إسرائيل في الوعد، وهذا يُنبِّهنا إلى أنه إذا وعدك إنسان بشيء ووافقتَ، فكأنك دخلتَ في الوعد.
    وجانب الطور الأيمن: مكان تلقِّي منهج السماء، وهو مكان بعيد في الصحراء، لا زرعَ فيه ولا ماء؛ لذلك يضمن لهم ربُّهم عز وجل ما يُقِيتهم * وَنَزَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى * [طه: 80].
    المنّ: سائل أبيض يشبه العسل، يتساقط مثل قطرات بلورية تشبه الندى على ورق الأشجار، وفي الصباح يجمعونه كطعام حلو. وهذه النعمة ما زالت موجودة في العراق مثلاً، وتقوم عليها صناعة كبيرة هي صناعة المنّ.
    والسَّلْوى: طائر يشبه طائر السَّمان.
    وهكذا وفَّر لهم الحق ـ تبارك وتعالى ـ مُقوِّمات الحياة بهذه المادة السُّكَّرية لذيذة الطعم تجمع بين القشدة مع عسل النحل، وطائر شهي دون تعب منهم، ودون مجهود، بل يروْنَه بين أيديهم مُعَدّاً جاهزاً، وكان المنتظر منهم أن يشكروا نعمة الله عليهم، لكنهم اعترضوا عليها فقالوا:
    * لَن نَّصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ الأَرْضُ مِن بَقْلِهَا وَقِثَّآئِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ *[البقرة: 61].
    وفي سورة البقرة ذكر مع هذه النعمة التي صاحبتهم في جَدْب الصحراء نعمة أخرى، فقال تعالى:* وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ وَأَنزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى *[البقرة: 57] أي: حَمْيانكم من وهج الشمس وحرارتها حين تسيرون في هذه الصحراء.
    ونلحظ اختلاف السياق هنا * نَزَّلْنَا * ، وفي البقرة قال: * أنْزَلْنَا *؛ ذلك لأن الحق ـ تبارك وتعالى ـ يعالج الموضوع في لقطات مختلفة من جميع زواياه، فقوله * أنْزَلْنَا * تدل على التعدِّي الأول للفعل، وقد يأتي لمرة واحدة، إنما * نَزَّلنَا * فتدلُّ على التوالي في الإنزال.
    وأهل الريف في بلادنا يُطلِقون المنَّ على مادة تميل إلى الحمرة الداكنة، ثم تتحول إلى السواد، تسقط على النبات، لكنها ليست نعمةً، بل تُعَدُّ آفة من الآفات الضارة بالنبات.
    ثم يقول الحق سبحانه: * كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ... *
    كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَلَا تَطْغَوْا فِيهِ فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي وَمَنْ يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوَى (81)

    الطعام والشراب والهواء مُقوِّمات الحياة التي ضمنها الله عز وجل لنا، والأمر بالأكل هنا للإباحة، وليست فَرْضاً عليك أنْ تأكل إلا إذا أردتَ الإضراب عن الطعام إضراباً يضرُّ بحياتك فعندها تُجبر عليه.
    وقوله: * مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ * [طه: 81] خصَّ الطيبات؛ لأن الرزق: منه الطيب، ومنه غير الطيّب، فالرزق: كُلّ ما انتفعتَ به ولو كان حراماً. بمعنى أن ما نِلْتَه من الحرام هو أيضاً من رزقك إلا أنك تعجَّلته بالحرام، ولو صبرْتَ عليه وعففْتَ نفسك عنه لَنِلْتَ أضعافه من الحلال.
    ثم يقول تعالى: * وَلاَ تَطْغَوْاْ فِيهِ * [طه: 81] وفي آية البقرة* وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَـاكِن كَانُواْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ *[النحل: 118] فكأن ظلمَ النفس عِلَّته أنهم طَغَوْا في الأكل من الرزق.
    والطغيان: من طغى الشيء إذا زاد عن حَدِّه المألوف الذي ينتفع به، ومنه طغيان الماء إذا زاد عن الحدِّ الذي يزيل الشَّرق والعطش إلى حَدِّ أنه يُغرق، كما قال تعالى:* إِنَّا لَمَّا طَغَا الْمَآءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ *[الحاقة: 11] أي: تجاوز الحد الذي ينتفع به إلى العَطَب والهلاك.
    وهكذا في أي حَدٍّ، لكن كيف تتأتى مجاوزة الحد في الطعام والأقوات؟
    الحق ـ تبارك وتعالى ـ لما خلق الأرض قدَّر فيها أقواتها إلى يوم القيامة، فقال تعالى:* وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَآ أَقْوَاتَهَا *[فصلت: 10].
    فاطمئنوا إلى هذه المسألة، وإذا رأيتم الأرض لا تعطي فلا تتهموها، إنما اتهموا أنفسكم بالتقصير والتكاسل عن عمارة الأرض وزراعتها، كما أمركم الله:* هُوَ أَنشَأَكُمْ مِّنَ الأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا *[هود: 61].
    وقد غفلنا زمناً عن هذه المسألة، حتى فاجأتنا الأحداث بكثرة العدد وقِلَّة المدد، فكان الخروج إلى الصحراء وتعميرها.
    وما دام أن الخالق ـ عز وجل ـ خلق لنا أرزاقنا ومُقوِّمات حياتنا، وجعلها مناسبة لهذا الإنسان الذي كرّمه وجعله خليفة له في الأرض، وجعل لهذا الرزق ولهذه المقوّمات حدوداً حدّها وبيَّنها هي (الحلال)، فلا ينبغي لك بعد ذلك أن تتعدى هذه الحدود، وتطغى في تناول طعامك وشرابك.
    ونحن نرى حتى الآلات التي صنعها البشر، لكل منها وقودها الخاص، وإذا أعطيتها غيره لا تؤدي مهمتها، فمثلاً لو وضعت للطائرة سولاراً لا تتحرك، فليس هو الوقود المناسب لطبيعتها.
    إذن: حدودك في مُقوِّمات حياتك الحلال، ولو استقرأنا ما أحلَّ الله وما حرَّم لوجدنا الأصل في الأشياء أنها حلال، والكثير هو المحلل لك، أما المحرم عليك فهو القليل المحصور الذي يمكن تحديده.
    لذلك يقول عز وجل:* قُلْ تَعَالَوْاْ أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ *[الأنعام: 151] ولم يقُلْ مثلاً في آية أخرى: تعالوا أَتْلُ ما أحل الله لكم؛ لأنها مسألة تطول ولا تحصى.
    إذن: ساعةَ أعطاك ربك قال لك: هذا رِزْقُك الحلال الخالص، ومنه وقودك ومُقوِّمات حياتك، وبه بقاؤك ونشاط حركتك.

    فلا تتعدَّ الحلال على كثرته إلى الحرام على قِلَّته وانحصاره في عِدَّة أنواع، بيَّنها لك وحذَّرك منها.
    وبالغذاء تتم في الجسم عملية (الأَيْض) يعني: الهدم والبناء، وهي عملية مستمرة في كل لحظة من لحظاتك، فإياك أنْ تبني ذَرَّة من ذراتك من الحرام؛ لأن ذرة الحرام هذه تظل تُشاغبك وتُلِح عليك كي تُوقِعك في أصلها.
    وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أيها الناس، إن الله طيب لا يقبل إلا طيباً، وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين فقال: * ياأَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُواْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُواْ صَالِحاً إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ * [المؤمنون: 51] وقال: * ياأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ * [البقرة: 172] ثم ذكر الرجل يطيل السفر، أشعث أغبر، ثم يمد يديه إلى السماء: يا رب يا رب، ومطعمه حرام، ومشربه حرام، وملبسه حرام، وغُذِّي بالحرام، فأنَّى يُستجاب لذلك ".
    ذلك لأن ذرات بنائه غير منسجمة، لأنها نَمتْ على وقودٍ ما أحله الله له.
    لذلك تسمع من بعض المتمحكين: ما دام أن الله خلق الخنزير فلماذا حرَّمه؟ نقول: لقد فهمتَ أن كل مخلوق خُلِق ليؤكل، وهذا غير صحيح، فالله خلق البترول الذي تعمل به الآلات، أتستطيع أن تشربه كالسيارة؟
    إذن: فَرْق بين شيء مخلوق لشيء، وأنت توجهه لشيء آخر، هذه تسمى إحالة أي: تحويل الشيء إلى غير ما جُعِل له، وهذا هو الطغيان في القُوت؛ لأنك نقلتَ الحرام إلى الحلال.
    كلمتان خفيفتان على اللسان .. ثقيلتان في الميزان .. حبيبتان إلى الرحمن

    سبحان الله وبحمده .. سبحان الله العظيم

  10. #10
    Super Moderator
    رقم العضوية : 2
    تاريخ التسجيل : Jun 2016
    المشاركات: 3,273
    التقييم: 10
    الدولة : الأردن
    العمل : طالب علم
    وقد يأتي الطغيان في صورة أخرى، كأن تأكل ما أحلَّ الله من الطيبات، لكنك تحصل عليها بطريق غير مشروع، وتُعوِّد نفسك الكسل عن الكسْب الحلال، فتأخذ مجهود غيرك وتعيش عالةً عليه، فإلى جانب أنك تتغذَّى على الحرام فأنت أيضاً تُزهّد غيرك في الحركة والإنتاج والمِلك، وما فائدة أن يتعب الإنسان ويأخذ غيره ثمرة تعبه؟
    وقد أخذ الطغيان بهذا المعنى صُوراً متعددة في مجتمعاتنا، فيمكن أن ندرج تحته: الغصب، والخطف، والسرقة، والاختلاس، والرشوة، وخيانة الأمانة، وخداع مَن استأجرك إلى غير ذلك من أخْذ أموال الناس بالباطل ودون وَجْه حق، وكل عمل من هذه التعديات له صورته.
    فالخطف: أنْ تخطف مال غيرك دون أنْ يكون في متناول يد المخطوف منه ثم تَفِر منه، فإنْ كان في متناول يده وأنت غالبته عليه، وأخذته عُنْوةً فهو غَصْب مأخوذ من: غَصْب الجلد عن الشاة أي: سلخه عنها. فإنْ كان أخذ المال خُفْية وهو في حِرْزه فهي سرقة. وإن كنت مُؤتمناً على مال بين يديك فأخذتَ منه خفية فهو اختلاس.. الخ.
    إذن: أحل الله لك أشياءً، وحرَّم عليك أخرى، فإنْ كان الشيء في ذاته حلالاً فلا تأخذه إلا بحقِّه حتى يحترم كل مِنّا عمل الآخر وحركته في الحياة وملكيته للأشياء، وبذلك تستقيم بِنَا حركة الحياة، ويسعد الجميع ونعين المنفق، ونأخذ على يد المتسبِّب البلطجي.

    وللإسلام منهج قويم في القضاء على مسألة البطالة، تأخذ منه بعض النظم الحديثة الآن، وهو أن الشرع يأمر للقضاء على البطالة أن تحفر بئراً وتطُمَّها: أي احفرها وأرْدِمها ثم اعْطِ الأجير فيها أجره. كيف هذا؟ تحفر البئر ولا تستفيد منها وتردمها فما الفائدة؟ ولماذا لم نعط الأجير أجره دون حفر ودون ردم؟
    قالوا: حتى لا يتعوَّد على الخمول والكسل، وحتى لا يأكل إلاّ من عرقه وكَدَّه، وإلا فسد المجتمع.
    وللطغيان في القوت صورة أخرى، هي أن تستخدم القوت الذي جعله الله طاقة لك في حركة الحياة النافعة، فإذا بك تصرف هذه الطاقة التي أنعم الله بها عليك في معصيته.
    وهكذا، كان الطغيان هو علّة* وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ *[النحل: 118] أي: بالعقوبة* وَلَـاكِن كَانُواْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ *[النحل: 118] أي: بالطغيان.
    ثم يقول تعالى: * فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي * [طه: 81] الفعل: حَلَّ، يحلّ يأتي بمعنى: صار حلالاً، كما تقول للسارق: حلال فيه السجن. وتأتي حلَّ يحل بمعنى: نزل في المكان، تقول: حَلَّ بالمكان أي: نزل به. فيكون المعنى: * فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي * [طه: 81] أي: صار حلالاً، ووجب لكم، أو بمعنى: ينزل بكم. وقد يكون المعنى أعمَّ من هذا كله.
    والغضب انفعال نفسيٌّ يُحدِث تغييراً في كيماوية الجسم، فترى الغاضب قد انتفختْ أوداجه واحمرَّ وجهه، وتغيّرت ملامحه، فهذه أغيار تصاحب هذا الانفعال. فهل غضب الله عز وجل من هذا النوع؟
    بالطبع لا؛ لأنه تعالى ليس عنده أغيار، وإذا كان الغضب يتناسب وقدرة الغاضب على العذاب، فما بالك إنْ كان الغضب من الله؟
    ثم يقول تعالى: * وَمَن يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوَى * [طه: 81] مادة: هَوَى لها استعمالان، الأول: هَوَى يهْوِي: يعني سقط من أَعْلى سقوطاً لا إرادةَ له في منعه، كأن يسقطَ فجأة من على السطح مثلاً، ومن ذلك قوله:هُوِىّ الدلو أَسْلَمَها الرِّشَاء إذا انقطع الحبل الذي يُخرِج الدَّلُو.
    والآخر: هَوِىَ يَهْوَى: أي أحبَّ.
    فيكون المعنى * فَقَدْ هَوَى * [طه: 81] سقط إلى القاع سقوطاً لا يبقى له قيمة في الحياة، أو هَوَى في الدنيا، ويَهوي في الآخرة، كما جاء في قوله تعالى:* فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ *[القارعة: 9] فأمه ومصدر الحنان له هاوية، فكيف به إذا هوى في الهاوية؟
    هذه كلها عِظَات ومواعظ للمؤمن، يُبيِّنها الحق ـ سبحانه وتعالى ـ له ـ كي يبني حركة حياته على ضَوْئها وهُدَاها.
    ولما كان الإنسان عُرْضة لأغيار لا يثبتُ على حال يتقلَّب بين عافية ومرض، بين غِنىً وفقرٍ، فكُلُّ ما فيه موهوب له لا ذاتيّ فيه، لذلك إياك أن تحزن حين يفوتك شيء من النعمة؛ لأنها لن تبقى ولن تدوم، وهَبْ أنك بلغتَ قمة النعيم، فماذا تنتظر إلا أنْ تزول، كما قال الشاعر:

    إذَا تَمَّ شَيْءٌ بَدَا نَقْصُه تَرقَّبْ زَوَالاً إِذَا قِيلَ تَمّفإذا تَمَّ لك الشيء، وأنت ابْنُ أغيار، ولا يدوم لك حال فلا بُدَّ لك أن تنحدر إلى الناحية الأخرى.
    فكأن نقْصَ الإنسان في آماله في الحياة هي تميمة حراسة النِّعَم، وما فيه من نَقْص أو عيب يدفع عنه حَسَد الحاسد، كما قال الشاعر في المدح:شَخَصَ الأنَامُ إلى كَمَالِكَ فَاسْتِعذْ مِنْ شَرِّ أعينهِمْ بِعيْبٍ وَاحِدٍأي: أن الأعين متطلعة إليك، فاصرفها عنك، ولو بعيب واحد يذكره الناس وينشغلون به.
    وفي الريف يعيش بعض الفلاحين على الفطرة، فإنْ رُزِق أحدهم بولد جميل وسيم يُلفِت نظر الناس إليه. وتراهم يتعمدون إهمال شكله ونظافته، أو يضعونَ له (فاسوخة) دَفْعاً للحسد وللعين.
    لذلك فالمرأة التي دخلت على الخليفة، فقالت له: أتمَّ الله عليك نعمته، وأقرَّ عينك، ففهم الحضور أنها تدعو له، فلما خرجتْ قال الخليفة: أعرفتم ما قالت المرأة؟ قالوا: تدعو لك، قال: بل تدعو عليَّ، فقد أرادت بقولها: أتمَّ الله عليك نعمته تريد أزالها؛ لأن النعمة إذا تمت لم يَبْقَ لها إلا الزوال، وقولها: أقَرَّ الله عينكَ تريد: أسكنها عن الحركة.
    إذن: لا تغضَب إنْ قالوا عنك: ناقص في كذا، فهذا النقص هو تميمة الكمال، ويريدها الله لك لمصلحتك أنت.
    وما دام الإنسان ابن أغيار، فلا بُدَّ أنْ يغفل عن منهج الله، فتكون له سَقَطات وهَفَوات تحتاج إلى غفران؛ لذلك يقول تعالى: * وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِّمَن تَابَ... *
    وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى (82)

    غفار: صيغة مبالغة من غفر، فإذا أثبت المبالغة فالترتيب اللغوي بالتالي يُثبتِ الأقلَّ وهو غافر،هذا في الإثبات: وكذلك في النفي في مثل قوله تعالى:* وَمَا رَبُّكَ بِظَلاَّمٍ لِّلْعَبِيدِ *[فصلت: 46] فنفى المبالغة في الظلم، فهل يعني ذلك أنه ـ تعالى ـ يمكن أن يكون ظالماً؟
    والشيء يُبالغ فيه لأمرين: الأول: أن تبالغ في نفس الحدث، كأن تأكلَ رغيفاً في الوجبة أو رغيفين، وآخر يأكل خمسة أرغفة، فهذه منه مبالغة في نفس الحدث وهو الأكل، والثاني: قد تكون المبالغة بتكرار الحدَث، فالعادة أن نأكل ثلاث مرات، وهناك مَنْ يأكل سِتّ وجبات، ونسميه (أكول) أي: كثير الأكل، لا في الوجبة الواحدة، إنما في عدد الوجبات.
    فمعنى (غَفَّارٌ) غافر لي، وغافر لك، وغافر لهذا وهذا.. غافر لكل الخَلْق، فتكررت مغفرته عز وجل لخَلْقه.
    وقد شرع الحق ـ سبحانه وتعالى ـ المغفرة والتوبة ليحمي المجتمعات من شرار الناس فيها، فالشرير إذا ارتكب جريمة ولم يجد له فرصة للمغفرة والتوبة، فإنه يستمرىء الجريمة، بل ويبالغ فيها.
    أما إذا فُتِح له باب التوبة والمغفرة فإن هذا يرحم المجتمع من شراسة أصحاب السوء.
    والله ـ عز وجل ـ ليس غافراً للذنوب فحسب، بل هو غفار لها، وكلما عدت إليه غفر لك، ولكن وَطِّن نفسك أنك إذا فعلت الذنب وتُبْت منه فلا تعد إليه، ولا ترتب وتخطط لمعصيتك على أمل أن تتوب، فما يدريك أن تعيش إلى أن تتوب؟
    والمغفرة تكون * لِّمَن تَابَ وَآمَنَ * [طه: 82] وما دام قال * تَابَ وَآمَنَ * [طه: 82] فلا بُدَّ أن التوبة هنا عن الكُفْر، ثم أنشأ إيماناً بالله وبرسوله. والإيمان هو الينبوع الذي يصدر عنه السُّلوك البشري، وهذا يقتضي أن تسمع كلامه وتُنفِّذ أوامره، وتجتنب نواهيه، وهذا هو المراد بقوله * وَعَمِلَ صَالِحَاً * [طه: 82].
    لكن، أليس العمل الصالح هداية؟ فلماذا قال بعدها * ثُمَّ اهْتَدَى * [طه: 82] قالوا: لأن الهداية أنْ تستمر على هذا العمل الصالح، وأنْ تستزيدَ منه، كما قال تعالى:* وَالَّذِينَ اهْتَدَوْاْ زَادَهُمْ هُدًى *[محمد: 17].
    ثم يقول الحق سبحانه: * وَمَآ أَعْجَلَكَ عَن قَومِكَ... *

    وَمَا أَعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ يَا مُوسَى (83)

    نقول: ما أعجلك؟ يعني: ما أسرع بك؟ لماذا جئتَ قبل موعدك؟ وكان موسى عليه السلام على موعد مع ربه ـ عز وجل ـ ليتلقى عنه المنهج، والمفروض في هذا اللقاء أنْ يأتيَ معه مجموعة من صَفْوة قومه ورؤسائهم، فتعجل موسى موعد ربه، وذهب دون قومه، فقال له: * وَمَآ أَعْجَلَكَ عَن قَومِكَ يامُوسَى * [طه: 83] أي: أسرعتَ وتعجَّلْتَ وجِئْتَ بدونهم.
    فقال موسى عليه السلام: * قَالَ هُمْ أُوْلاءِ عَلَى أَثَرِي... *
    قَالَ هُمْ أُولَاءِ عَلَى أَثَرِي وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى (84)

    أي: قادمين خلفي وسيتبعونني، أما أنا فقد * عَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى * [طه: 84] تعجَّلْتُ في المثول بين يديك لترضى.
    وقد تعجَّل موسى إلى ميقات ربه، وسبق قومه لحكمة، فالإنسان حين يأمر غيره بأمر فيه مشقّة على النفس وتقييد لشهواتها، لا بُدَّ أن يبدأ بنفسه يقول: أنا لست بنجْوَةٍ عن هذا الأمر، بل أنا أول مَنْ أُنفِّذ ما آمركم به، وسوف أسبقكم إليه.
    لذلك يقول القائد الفاتح طارق بن زياد لجنوده: " واعلموا أني إذا التقى الفريقان مُقبِل بنفسي على طاغية القوم ـ لزريق ـ فقاتله إن شاء الله، فإن قتلته فقد كُفيتم أمره " وهكذا تكون القيادة قدوة ومثَلاً كما يقولون في الأمثال (اعمل كذا وإيدي في إيدك) وهنا يقول: يدي قبل يدك.
    فموسى عليه السلام يقول: * وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى * [طه: 84] ترضى أن منهجك يُطبِّق من جهتي كرسول مؤتمن عليه، ومن جهة قومي؛ لأنهم حين يروني قد تعجلت للقائك في الموعد يعلمون أن في ذلك خيراً لهم، وإلا ما سبقتهم إليه. وبذلك يسود منهج الله ويُمكَّن في الأرض، وإذا ساد منهج الله رضي الله. عن خليفته في الأرض.
    ثم يُخبر الحق ـ تبارك وتعالى ـ نبيه موسى ـ عليه السلام ـ بما كان من قومه بعد مفارقته لهم من مسألة عبادة العجل.
    قَالَ فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِنْ بَعْدِكَ وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ (85)

    الفتنة: ليست مذمومة في ذاتها؛ لأن الفتنة تعني الاختبار، ونتيجته هي التي تُحمَد أو تُذمّ، كما لو دخل التلميذ الامتحان فإنْ وُفِّق فهذا خير له، وإنْ أخفق فهذا خير للناس، كيف؟
    قالوا: لأن هناك أشياءَ إنْ تحققتْ مصلحة الفرد فيها انهدمتْ مصلحة الجماعة. فلو تمكَّن التلميذ المهمل الكَسُول من النجاح دون مذاكرة ودون مجهود، فقد نال انتفاعاً شخصياً، وإنْ كان انتفاعاً أحمق، إلا أنه سيعطي الآخرين إشارة، ويُوحِي لهم بعدم المسئولية، ويفرز في المجتمع الإحباط والخمول، وكفى بهذا خسارة للمجتمع.
    وقد جاءتْ الفتنة بهذا المعنى في قول الحق تبارك وتعالى:* أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُواْ أَن يَقُولُواْ آمَنَّا وَهُمْ لاَ يُفْتَنُونَ *[العنكبوت: 2].
    إذن: لا بد من الاختبار لكي يعطي كل إنسان حسب نتيجته، فإن سأل سائل: وهل يختبر الله عباده ليعلَم حالهم؟ نقول: بل ليعلم الناس حالهم، وتتكشف حقائقهم فيعاملونهم على أساسها: هذا منافق، وهذا مخلص، وهذا كذاب، فيمكنك أنْ تحتاط في معاملتهم.
    إذن: الاختبار لا ليعلم الله، ولكن ليعلم خَلْق الله.
    أو: لأن الاختبار من الله لِقطْع الحجة على المختبر، كأن يقول: لو أعطاني الله مالاً فسأفعل به كذا وكذا من وجوه الخير، فإذا ما وُضِع في الاختبار الحقيقي وأُعطِى المال أمسك وبَخِل، ولو تركه الله دون مال لَقال: لو عندي كنتُ فعلت كذا وكذا.
    فهناك عِلْم واقع من الله، أو علم من خَلْق الله لكل مَنْ يفتن، فإنْ كان مُحْسِناً يقتدون به، ويقبلون عليه، ويحبونه ويستمعون إليه، وإلاَّ انصرفوا عنه. فالاختبار ـ إذن ـ قَصْده المجتمع وسلامته.
    وقد سَمَّى الحق سبحانه ما حدث من بني إسرائيل في غياب موسى من عبادة العجل سماه فتنة، ثم نسبها إلى نفسه * فَتَنَّا * [طه: 85] أي: اختبرنا.
    ثم يقول تعالى: * وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ * [طه: 85] أضلهم: سلك بهم غير طريق الحق، وسلوك غير طريق الحق قد يكون للذاتية المحضة، فيحمل الإنسان فيها وِزْر نفسه فقط، وقد تتعدَّى إلى الآخرين فيسلك بهم طريق الضلال، فيحمل وزْره ووِزْر غيره مِمَّنْ أضلّهم.
    وفي هذه المسألة يقول تعالى:* لِيَحْمِلُواْ أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ *[النحل: 25].
    مع أن الله تعالى قال في أية أخرى:* وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى *[فاطر: 18].
    وهذه من المسائل التي توقَّف عندها بعض المستشرقين، محاولين اتهام القرآن وأسلوبه بالتناقض، وما ذلك منهم إلا لعدم فَهْمهم للغة القرآن واتخاذها صناعة لا مَلَكة، ولو فَهِموا القرآن لَعَلِموا الفرق بين أن يضل الإنسان في ذاته، وبين أن يتسبب في إضلال غيره.
    والسامري: اسمه موسى السامري، ويُرْوَى أن أمه وضعته في صحراء لا حياة فيها، ثم ماتت في نفاسها، فظل الولد بدون أم ترعاه، فكان جبريل عليه السلام يتعهده ويربِّيه إلى أن شبَّ.
    وقد عبَّر الشاعر عن هذه اللقطة وما فيها من مفارقات بين موسى عليه السلام وموسى السامري، فقال:إِذَا لَمْ تُصَادِفْ فِي بَنِيكَ عِنَايةً فَقَدْ كذَبَ الرَّاجِي وَخَابَ المؤمِّلفَمُوسَى الذِي رَبَّاهُ جِبْريلُ كَافِر وَمُوسَى الذِي رَبَّاه فِرْعَوْنُ مُرْسَلُثم يقول الحق سبحانه: * فَرَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ... *
    فَرَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا قَالَ يَا قَوْمِ أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْدًا حَسَنًا أَفَطَالَ عَلَيْكُمُ الْعَهْدُ أَمْ أَرَدْتُمْ أَنْ يَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَخْلَفْتُمْ مَوْعِدِي (86)

    رَجَع: تُستعمل لازمة. مثل: رجع فلان إلى الحق. ومُتعدِّية مثل* فَإِن رَّجَعَكَ اللَّهُ إِلَى طَآئِفَةٍ مِّنْهُمْ فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ *[التوبة: 83] والمعنى فيهما مختلف.
    هنا رجع موسى أي: حين سمع ما حدث لقومه من فتنة السامري * غَضْبَانَ أَسِفاً * [طه: 86] أي: شديد الحزن على ما حدث * قَالَ ياقَوْمِ أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْداً حَسَناً * [طه: 86] الوعْد الحسن أن الله يعطيهم التوراة، وفيها أصول حركة الحياة، وبها تَحسُن حياتنا في الدنيا، ويحسُن ثوابنا في الآخرة.
    وقوله: * أَفَطَالَ عَلَيْكُمُ الْعَهْدُ * [طه: 86].
    يعني: أطال عهدي بكم، وأصبح بعيداً لدرجة أنْ تنسَوْه ولم أَغبْ عنكم إلا مُدَّة يسيرة. قال الله عنها:* وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلاَثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ *[الأعراف: 142].
    ثم يقول: * أَمْ أَرَدتُّمْ أَن يَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبٌ مِّن رَّبِّكُمْ فَأَخْلَفْتُمْ مَّوْعِدِي * [طه: 86].
    وما دام أن عهدي بكم قريب لا يحدث فيه النسيان، فلا بُدَّ أنكم تريدون العصيان، وتبغُون غضب الله، وإلاّ فالمسألة لا تستحق، فبمجرد أنْ أغيبَ عنكم تنتكسون هذه النكسة، وإن كان هذا حال القوم ورسولُهم ما زال بين أظهرهم، فما بالهم بعد موته؟
    لذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول: " أذلك وأنا بين ظَهْرانيكم؟ ".
    أي: ما هذا الذي يحدث منكم، وأنا ما زلت موجوداً بينكم؟
    وقوله: * فَأَخْلَفْتُمْ مَّوْعِدِي * [طه: 86] وفي آية أخرى قال:* بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي مِن بَعْدِي *[الأعراف: 150] فكأنه كان له معهم وَعْد وكلام، فقد أوصاهم قبل أن يُفارقهم أنْ يسلكوا طريق هارون، وأن يطيعوا أوامره إلى أنْ يعود إليهم، فهارون هو الذي سيخلفه من بعده في قومه، وهو شريكه في الرسالة، وله مهابة الرسول وطاعته واجبة.
    هذا هو الوَعْد الذي أخلفوه مع نبيهم موسى ـ عليه السلام ـ.
    قَالُوا مَا أَخْلَفْنَا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنَا وَلَكِنَّا حُمِّلْنَا أَوْزَارًا مِنْ زِينَةِ الْقَوْمِ فَقَذَفْنَاهَا فَكَذَلِكَ أَلْقَى السَّامِرِيُّ (87)

    مادة " ملك " لها صور ثلاثة، لكل منها معنى، وليست بمعنى واحد كما يدَّعِي البعض، فتأتي مَلْك بفتح الميم، ومِلْك بكسرها، ومُلْك بضم الميم، وجميعها تفيد الحيازة والتملُّك، إلا أن مَلْك تعني تملك الإنسان لنفسه وذاته وإرادته، دون أنْ يملكَ شيئاً آخر مِمَّا حوله.
    ومِلْك: لتملك ما هو خارج عن ذاتك.
    ومُلْك: أنْ تملك شيئاً، وتملك مَنْ ملكه.
    إذن: هذه الثلاثة ليستْ مترادفات بمعنى واحد. فقوله تعالى: * قَالُواْ مَآ أَخْلَفْنَا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنَا * [طه: 87] أي: بإرادتنا، بل أمور أخرى خارجة عن إرادتنا حملتنا على إخلاف الوعد، فما هذه الأمور الخارجة عن إرادتكم؟
    قالوا: * وَلَـاكِنَّا حُمِّلْنَآ أَوْزَاراً مِّن زِينَةِ الْقَوْمِ * [طه: 87] (أَوْزَاراً) جمع وِزْر، وهو الشيء الثقيل على النفس، ويطلق الوِزْر على الإثم؛ لأنه ثقيل على النفس ثِقَلاً يتعدىَ إلى الآخرة أيضاً، حيث لا ينتهي ألم الحمْل فيها؛ لذلك يقول تعالى:* وَسَآءَ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حِمْلاً *[طه: 101].
    وكانت هذه الأوزار من زينة القوم: أي: قوم فرعون. وقالوا إنهم كانوا في أعيادهم يستعيرون الحُليّ من جيرانهم ومعارفهم من قوم فرعون يتزيَّنون بها. فلماذا لم يردُّوا الأمانات هذه إلى أصحابها قبل أنْ يخرجُوا إلى الميقات الذي واعدهم عليه؟
    قالوا: لأنهم أرادوا أنْ يُسِرُّوا ساعة خروجهم حتى لا يستعد لهم أعداؤهم، وصدُّوهم عن الخروج فأعجلوا عن رَدِّها.
    وقال قوم: إن هذه الزينات والحليّ كانت مما قذف به البحر بعد أنْ غرق فرعون وقومه، ولكن هذا القول مردود؛ لأنهم إنْ أخذوها بعد أنْ ألْقَى بها البحر فسوف تكون أسلاباً لا أوزاراً.
    ثم يقول تعالى: * فَقَذَفْنَاهَا فَكَذَلِكَ أَلْقَى السَّامِرِيُّ * [طه: 87].
    إذا أُطلِقَتْ الزينة تنصرف عادةً إلى الذهب، والقَذْف هو الرَّمْي بشدة، وكأن الرامي يتأفَف أنْ يحمل المرمىّ، وفي ذلك دلالة على أن بني إسرائيل ما يزال عندهم خميرة إيمان فتألموا وحزنوا لأنهم لم يردُّوا الأمانات إلى أهلها.
    لذلك دخل عليهم السامري من هذه الناحية، فأفهمهم: إنكم لن تبرأوا من هذه المعصية إلا أنْ ترمُوا بهذه الزينة في النار، وهو يقصد شيئاً آخر، هو أنْ ينصهر الذهب، ويُخرِج ما فيه من الشوائب * فَكَذَلِكَ أَلْقَى السَّامِرِيُّ * [طه: 87] أي: ألقى ما معه من الحُليّ، لكن فَرْق بين القَذْف والإلقاء، الإلقاء فيه لُطْف وتمهُّل، فهو كبيرهم ومُعلِّمهم.
    ثم يقول الحق سبحانه: * فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلاً جَسَداً لَّهُ خُوَارٌ... *
    فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ فَقَالُوا هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى فَنَسِيَ (88)

    أي: أخرج لهم من هذا الذهب المنصهر * عِجْلاً جَسَداً * [طه: 88] كلمة جسد وردتْ أيضاً في القرآن في قصة سليمان عليه السلام، حيث قال تعالى:* وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَداً ثُمَّ أَنَابَ *[ص: 34].
    وقد أعطى الله سليمان مُلْكاً عظيماً لا ينبغي لأحد من بعده، فسخَّر له الطير والجنَّ والإنس والريح يأتمرون بأمره، ويبدو أنه أخذه شيء من الزَّهْو أو الغرور، فأراد الحق سبحانه أنْ يلفته إلى مانح هذا الملْك ويُذكِّره بأن هذا الملْك لا يقوم بذاته، إنما بأمر الله القادر على أن يُقعِدك على كُرسيِّك جسداً، لا حركة فيه ولا قدرة له حتى على جوارحه وذاته.
    كما ترى الرجل ـ والعياذ بالله ـ قد أصابه شلل كُليٌّ أقعده جسداً، لا حركة فيه، ولا إرادةَ على جوارحه، فإذا لم تكن له إرادة على جارحة واحدة من جوارحه، أفتكون له إرادة على الخارج عنه من طير أو إنس أو جن؟
    فلا تغتر بأنْ جعل الله لك إمْره على كل الأجناس؛ لأنه قادر أنْ يسلبكَ هذا كله.
    ويُروَى أن سليمان ـ عليه السلام ـ ركب بساط الريح يحمله إلى حيث يريد، كما قال تعالى:* وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ *[سبأ: 12] فَداخلَه شيء من الفخر والزَّهْو، فسمع من تحته مَنْ يقول: يا سليمان ـ هكذا دون ألقاب ـ أُمِرْنا أنْ نطيعك ما أطعتَ الله، ثم رَدَّه حيث كان.
    لذلك استغفر سليمان ـ عليه السلام ـ وأناب.
    وكذلك نرى الإنسان ساعة أن يموتَ أولَ ما يُنسَى منه اسمه، فيقولون: الجثة: الجثة هنا، ماذا فعلتم بالجثة، ثم تُنسَى هذه أيضاً بمجرد أن يُوضَع في نعشه فيقولون الخشبة: أين الخشبة الآن، انتظروا الخشبة.. سبحان الله بمجرد أنْ يأخذ الخالق ـ عز وجل ـ سِرَّه من العبد صار جثة، وصار خشبة، فما هذه الدنيا التي تكون نهايتها هكذا؟
    ففي قوله تعالى * عِجْلاً جَسَداً لَّهُ خُوَارٌ * [طه: 88] أي: لا حركة فيه، فهو مجرد تمثال. صُنِع على هيئة معينة، بحيث يستقبل الريح، فيحدث فيه صفيراً يشبه الخوار أي: صوت البقر.
    لكن، لماذا فكَّر السامري هذا التفكير، واختار مسألة العجل هذه؟
    قالوا: لأن السامري استغلَّ تشوُّق بني إسرائيل، وميلهم إلى الصنمية والوثنية، وأنها متأصلة فيهم. ألم يقولوا لنبيهم عليه السلام وما زالت أقدامهم مُبتلة من البحر بعد أن أنجاهم الله من فرعون، وكان جديراً بهم شكر الله، فإذا بهم يقولون وقد أَتَوْا على قوم يعكفون على أصنام لهم:* يامُوسَى اجْعَلْ لَّنَآ إِلَـاهاً كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ *[الأعراف: 138].
    فجاءهم بهذا العجل، وقد ترقَّى به من الصنمية، فجعله جسداً، وجعل له خواراً وصَوْتاً مسموعاً.
    ثم يقول تعالى: * فَقَالُواْ هَـاذَآ إِلَـاهُكُمْ وَإِلَـاهُ مُوسَى فَنَسِيَ * [طه: 88] أي: نسي السامري خميرة الإيمان في نفسه، ونسي أن هذا العمل خروجٌ عن الإيمان إلى الكفر، ولَيْتَه يكفر في ذاته، إنما هو يكفر ويُكفِّر الناس. لا بُدَّ أنه نسي، فلو كان على ذُكْر من الإيمان ومن عاقبه عمله وخيبة ما أقدم عليه ما فعل.
    ثم يقول الحق سبحانه: * أَفَلاَ يَرَوْنَ أَلاَّ يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ *
    كلمتان خفيفتان على اللسان .. ثقيلتان في الميزان .. حبيبتان إلى الرحمن

    سبحان الله وبحمده .. سبحان الله العظيم

صفحة 1 من 2 12 الأخيرةالأخيرة

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

المفضلات

المفضلات

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •  

RSS RSS 2.0 XML MAP html  PHP  info tags Maps maptags vbmaps

الساعة معتمدة بتوقيت جرينتش +3 . الساعة الآن : 18:35.
الموقع غير مسؤول عن أي اتفاق تجاري أو تعاوني بين الأعضاء
فعلى كل شخص تحمل مسئولية نفسه إتجاه مايقوم به من بيع وشراء وإتفاق وأعطاء معلومات موقعه
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي موقع الأشاعرة و لا نتحمل أي مسؤولية قانونية حيال ذلك (ويتحمل كاتبها مسؤولية النشر)
الساعة الآن 12:27 PM
Powered by vBulletin® Version 4.2.3
Copyright © 2018 vBulletin Solutions, Inc. Translate By soft