إذا كانت هذه زيارتك الأولى يرجى الاطلاع على الرابط التالي الأسئلة ولكي تتمكن من كتابة مواضيع وإرسال رسائل خاصة لابد لك منالتسجيل
صفحة 2 من 2 الأولىالأولى 12
النتائج 11 إلى 13 من 13

الموضوع: سورة مريم

  1. #11
    Super Moderator
    رقم العضوية : 2
    تاريخ التسجيل : Jun 2016
    المشاركات: 3,273
    التقييم: 10
    الدولة : الأردن
    العمل : طالب علم
    ومثال ذلك: فلاح مجتهد في زراعته يعتني بها ويُعفِّر نفسه من تراب أرضه كل يوم، وآخر ينعَم بالثياب النظيفة والجلوس على المقهى والتسكع هنا وهناك، وينظر إلى صاحبه الذي أجهده العمل، ويرى نفسه أفضل منه، فإذا ما جاء وقت الحصاد وجد الأولُ ثمرة تعبه ونتيجة مجهوده، وجلس الآخر حزيناً محروماً. فلا بُدَّ أن تأخذ في الاعتبار عند المقارنة الوسائل مع الغايات.
    لذلك وُفِّق الشاعر حين قال:ألاَ مَنْ يُرِينِي غَايتِي قَبْل مذْهَبِي ومِنْ أينْ والغَايَاتُ بَعْد المذَاهِبِ؟وقد عزل الكفار الوسيلة في الدنيا عن الغاية في الآخرة، فتباهوا وعَيَّروا المؤمنين:* أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَّقَاماً وَأَحْسَنُ نَدِيّاً *[مريم: 73].
    وفي قصة سيدنا إبراهيم ـ عليه السلام ـ:* فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلاَّ أَن قَالُواْ اقْتُلُوهُ أَوْ حَرِّقُوهُ *[العنكبوت: 24].
    وهكذا اتفقوا على الإحراق، ونجَّى الله نبيه وخيَّب سَعْيهم، ثم كانت الغاية في الآخرة:* وَقَالَ إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِّن دُونِ اللَّهِ أَوْثَاناً مَّوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضاً وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِّن نَّاصِرِينَ *[العنكبوت: 25].
    فكان عليهم ألاَّ ينظروا إلى الوسيلة منفصلةً عن غايتها.
    وهنا يردُّ الحق ـ تبارك وتعالى ـ على هؤلاء المغترِّين بنعمة الله:
    * وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِّن قَرْنٍ هُمْ أَحْسَنُ أَثَاثاً وَرِءْياً * [مريم: 74] وكما قال في آيات أخرى:* أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ * إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ * الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلاَدِ * وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُواْ الصَّخْرَ بِالْوَادِ * وَفِرْعَوْنَ ذِى الأَوْتَادِ *[الفجر: 6ـ10].
    وهلاك هؤلاء وأمثالهم سَهْل لا يكلف الحق سبحانه إلا أنْ تهُبَّ عليهم عواصف الرمال، فتطمس حضارتهم، وتجعهلم أثراً بعد عَيْن.
    فدعاهم إلى النظر في التاريخ، والتأمّل في عاقبة أمثالهم من الكفرة والمكذبين، وما عساه أنْ يُغني عنهم من المقام والندىّ الذي يتباهون به، وهل وسائل الدنيا هذه تدفع عنهم الغاية التي تنتظرهم في الآخرة؟
    وكأن الحق ـ تبارك وتعالى ـ لا يردّ عليهم بكلام نظري يقول: إن عاقبتكم كذا وكذا من العذاب، بل يعطيهم مثالاً من الواقع.

    ويخاطب نبيه صلى الله عليه وسلم بقوله:* فَـإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ *[غافر: 77] أي: من القهر والهزيمة والانكسار* أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ *[غافر: 77] فمَنْ أفلت من عذاب الدنيا، فلن يفلت من عذاب الآخرة.
    والقرآن حين يدعوهم إلى النظر في عاقبة من قبلهم * وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِّن قَرْنٍ * [مريم: 74] فإنما يحثُّهم على أخْذ العِبْرة والعِظَة ممَّنْ سبقوهم، ويستدل بواقع شيء حاضر على صِدْق غيْبٍ آتٍ، فالحضارات التي سبقتهم والتي لم يوجد مثلها في البلاد، وكان من صفاتها كذا وكذا، ماذا حدث لهم؟ فهل أنتم أشدّ منهم قوة؟ وهل تمنعون عن أنفسكم ما نزل بغيركم من المكذِّبين؟
    هذا من ناحية الواقع، أما الغيب فيعرض له القرآن في مشهد آخر، حيث يقول تعالى:* إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُواْ كَانُواْ مِنَ الَّذِينَ آمَنُواْ يَضْحَكُونَ * وَإِذَا مَرُّواْ بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ * وَإِذَا انقَلَبُواْ إِلَى أَهْلِهِمُ انقَلَبُواْ فَكِهِينَ * وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُواْ إِنَّ هَـاؤُلاَءِ لَضَالُّونَ * وَمَآ أُرْسِلُواْ عَلَيْهِمْ حَافِظِينَ *[المطفيين: 29ـ33].
    هذا المشهد في الدنيا، فما بالهم في الآخرة؟:* فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُواْ مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ * عَلَى الأَرَآئِكِ يَنظُرُونَ *[المطففين: 34ـ35].
    ثم يخاطب الحق ـ سبحانه وتعالى ـ المؤمنين فيقول:* هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ مَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ *[المطففين: 36].
    يعني: بعد ما رأيتموه من عذابهم، هل قدرنا أنْ نُجازيهم عَمَّا فعلوه بكم من استهزاء في الدنيا؟ وعلى كُلٍّ فإن استهزاءهم بكم في الدنيا موقوت الأجل، أما ضِحْككم الآن عليهم فأمر أبديّ لا نهايةَ له. فأيُّ الفريقين خَيْر إذن؟
    فإياكم أنْ تغرّكم ظواهر الأشياء، أو تخدعكم بَرقات النعيم وانظروا إلى الغايات والنهايات؛ لذلك يقول سبحانه:
    * الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَاباً وَخَيْرٌ أَمَلاً *[الكهف: 46].
    وفي سورة الأعراف لقطة أخرى من مواقف القيامة، حيث يقول أصحاب الأعراف لأهل النار:* مَآ أَغْنَى عَنكُمْ جَمْعُكُمْ وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ *[الأعراف: 48] ثم يلتفتون إلى المؤمنين في الجنة:* أَهَـؤُلاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لاَ يَنَالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ *[الأعراف: 49] فأين أنتم منهم الآن؟
    قُلْ مَنْ كَانَ فِي الضَّلَالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدًّا حَتَّى إِذَا رَأَوْا مَا يُوعَدُونَ إِمَّا الْعَذَابَ وَإِمَّا السَّاعَةَ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضْعَفُ جُنْدًا (75)

    قوله: (قل) أمر لرسوله صلى الله عليه وسلم: * مَن كَانَ فِي الضَّلاَلَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَـانُ مَدّاً * [مريم: 75] أي: يُمهله ويستدرجه؛ لأنه رَبٌّ للجميع، وبحكم ربوبيته يعطي المؤمن والكافر، وكما يعين المؤمن بالنصر، كذلك يعين الكافر بمراده، كما في قوله تعالى:* فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضاً *[البقرة: 10].
    لأنهم ارتاحوا إليه، ورَضُوا به، وطلبوا منه المزيد.
    * فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَـانُ * [مريم: 75] أي: في الدنيا وزينتها، كما قال:* مَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِن نَّصِيبٍ *[الشورى: 20].
    وفي موضع آخر يقول: إياك أنْ تعجبك أموالهم وأولادهم؛ لأنها فتنة لهم، يُعذِّبهم بها في الدنيا بالسَّعْي في جمع الأموال وتربية الأولاد، ثم الحسرة على فقدهما، ثم يُعذِّبهم بسببها في الآخرة:* فَلاَ تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلاَ أَوْلاَدُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ *[التوبة: 55].
    ثم يقول تعالى: * حَتَّى إِذَا رَأَوْاْ مَا يُوعَدُونَ إِمَّا العَذَابَ وَإِمَّا السَّاعَةَ * [مريم: 75].
    العذاب: عذاب الدنيا. أي: بنصر المؤمنين على الكافرين وإهانتهم وإذلالهم * وَإِمَّا السَّاعَةَ * [مريم: 75] أي: ما ينتظرهم من عذابها، وعند ذلك: * فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ شَرٌّ مَّكَاناً وَأَضْعَفُ جُنداً * [مريم: 75] لكنه عِلْم لا يُجدي، فقد فات أوانه، فالموقف في الآخرة حيث لا استئناف للإيمان، فالنكاية هنا أعظم والحسرة أشدّ.
    لكن، ما من مناسبة ذكر الجند هنا والكلام عن الآخرة؟ وماذا يُغني الجند في مثل هذا اليوم؟ قالوا: هذا تهكُّم بهم كما في قوله تعالى:* احْشُرُواْ الَّذِينَ ظَلَمُواْ وَأَزْوَاجَهُمْ وَمَا كَانُواْ يَعْبُدُونَ * مِن دُونِ اللَّهِ فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ *[الصافات: 22ـ23]، فهل أَخْذهم إلى النار هداية؟
    ثم يلتفت إليهم:* مَا لَكُمْ لاَ تَنَاصَرُونَ * بَلْ هُمُ الْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ * وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَآءَلُونَ * قَالُواْ إِنَّكُمْ كُنتُمْ تَأْتُونَنَا عَنِ الْيَمِينِ * قَالُواْ بَلْ لَّمْ تَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ * وَمَا كَانَ لَنَا عَلَيْكُمْ مِّن سُلْطَانٍ بَلْ كُنتُمْ قَوْماً طَاغِينَ *[الصافات: 25ـ30].
    أي: لم نُجبركم على شيء، مجرد أنْ أشَرْنَا لكم أطعتمونا.
    لذلك، سيقولون في موضع آخر:* رَبَّنَآ أَرِنَا الَّذَيْنِ أَضَلاَّنَا مِنَ الْجِنِّ وَالإِنسِ نَجْعَلْهُمَا تَحْتَ أَقْدَامِنَا لِيَكُونَا مِنَ الأَسْفَلِينَ *[فصلت: 29].
    وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ مَرَدًّا (76)

    قلنا: إن للهداية معنيَيْن: هداية بمعنى الدلالة على الخير وبيان طريقه، وهداية المعونة والتوفيق للإيمان، فمَنْ صدّق في الأُولى أعانه الله على الأخرى، ومن ذلك قوله تعالى:* وَالَّذِينَ اهْتَدَوْاْ زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقُوَاهُمْ *[محمد: 17].
    وقوله تعالى: * وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَاباً وَخَيْرٌ مَّرَدّاً * [مريم: 76] الباقيات الصالحات: هي الأعمال الصالحة التي كانت منك خالصةً لوجه الله: * خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَاباً وَخَيْرٌ مَّرَدّاً * [مريم: 76] هذه هي الغاية التي ننتظرها ونسعى إليها، فساعةَ أنْ تقارن السُّبل الشاقة فاقْرِنها بالغاية المسعدة، فيهون عليك عناء العبادة ومشقّة التكليف.
    وقوله: * وَخَيْرٌ مَّرَدّاً * [مريم: 76] أي: مرجعاً تُرَدُّ إليه.
    ثم يقول الحق سبحانه: * أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ *
    أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لَأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا (77)

    نلاحظ هنا أن القرآن لم يذكر لنا هذا الشخص الذي قال هذه المقولة ولم يُعيِّنه، وإنْ كان معلوماً لرسول الله الذي خُوطب بهذا الكلام؛ وذلك لأن هذه المقولة يمكن أنْ تُقال في زماننا وفي كل زمان، إذنْ: فليس المهم الشخص بل القول نفسه. وقد أخبر عنه أنه أمية بن خلف، أو العاصي بن وائل السَّهْمي.
    وقوله تعالى: * أَفَرَأَيْتَ * [مريم: 77] يعني: ألم تَرَ هذا، كأنه يستدلّ بالذي رآه على هذه القضية * الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لأُوتَيَنَّ مَالاً وَوَلَداً * [مريم: 77] ويروي أنه قال: إنْ كان هناك بَعْثٌ فسوف أكون في الآخرة كما كنت في الدنيا، صاحبَ مال وولد.
    كما قال صاحب الجنة لأخيه:* وَلَئِن رُّدِدتُّ إِلَى رَبِّي لأَجِدَنَّ خَيْراً مِّنْهَا مُنْقَلَباً *[الكهف: 36].
    والإنسان لا يعتزّ إلا بما هو ذاتيّ فيه، وليس له في ذاتيته شيء، وكذلك لا يعتز بنعمة لا يقدر على صيانتها، ولا يصون النعمة إلا المنعِم الوهاب سبحانه إذن: فَلِمَ الاغترار بها؟
    لذلك يقول الحق سبحانه وتعالى:* قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَآؤُكُمْ غَوْراً فَمَن يَأْتِيكُمْ بِمَآءٍ مَّعِينٍ *[الملك: 30].
    ويقول:* قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَهْلَكَنِيَ اللَّهُ وَمَن مَّعِيَ أَوْ رَحِمَنَا فَمَن يُجِيرُ الْكَافِرِينَ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ *[الملك: 28].
    ثم يردُّ الحق ـ تبارك وتعالى ـ على هذه المقولة الكاذبة: * أَطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمِ اتَّخَذَ *
    أَطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا (78)

    يعني: أَقُلْتَ هذا القول مُتطوِّعاً به من عند نفسك، أم اطلعتَ على الغيب، فعرفتَ منه ما سيكون لك في الآخرة: * أَمِ اتَّخَذَ عِندَ الرَّحْمَـانِ عَهْداً * [مريم: 78] أي: أعطاه الله تعالى عهداً بأن يكون له في الآخرة كما له في الدنيا، فإمّا هذه وإمّا هذه، فأيُّهما توافرتْ لك حتى تجزم بهذا القول؟
    وهذا المعنى واضح في قوله تعالى:* أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ * مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ * أَمْ لَكُمْ كِتَابٌ فِيهِ تَدْرُسُونَ * إِنَّ لَكُمْ فِيهِ لَمَا تَخَيَّرُونَ * أَمْ لَكُمْ أَيْمَانٌ عَلَيْنَا بَالِغَةٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ إِنَّ لَكُمْ لَمَا تَحْكُمُونَ *[القلم: 35ـ39].
    والمراد: مَنْ يضمن لهم هذا الذي يدَّعونه؟
    وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم: " مَنْ أدخل على مؤمن سروراً فقد أخذ العهد من الله " ، " ومَنْ صلى الصلوات بفرائضها وفي وقتها فقد أخذ العهد من الله ".
    فمَنْ هؤلاء الذين لهم عَهْد من الله تعالى ألاَّ يدخلهم النار؟
    والعَهْد: الشيء الموثّق بين اثنين، والعهد إنْ كان بين الناس فهو عَهْد غير موثوق به، فقد ينفذ أو لا ينفذ؛ لأن الإنسانَ أبنُ أغيار، ويمكن أنْ تحُول الظروف بينه وبين ما وعد به، أما إنْ كان العهد من الله تعالى المالك لكل شيء، وليست هناك قوة تبطل إرادته تعالى، فهو العَهْد الحقّ الموثوق به، والذي لا يتخلف أبداً.
    فحين تعاهد ربك على الإيمان فإنك لا تضمن ما يطرأ عليك من الأغيار، أما حين يعاهدك ربك على الجزاء، فثِقْ أنه نافذ لا يُخلَف.
    لذلك، فالنبي صلى الله عليه وسلم لما أراد أن ينصحَ الإمام علياً رضي الله عنه قال: " أدعو الله أن يجعل لك عهداً في قلوب المؤمنين ".
    أي: حُباً ومودة في قلوبهم، وما دام أن الله أعطاه هذا العهد، فهو نافذ مُحقَّق.
    واختار هنا اسم الرحمن لما فيه من صفة الرحمانية التي تناسب المعونة على الوفاء.
    ثم يقول الحق سبحانه: * كَلاَّ سَنَكْتُبُ مَا يَقُولُ *
    كَلَّا سَنَكْتُبُ مَا يَقُولُ وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ الْعَذَابِ مَدًّا (79)

    كلا: أداة لنفي ما قيل قبلها وإبطاله، أي: قوله:* لأُوتَيَنَّ مَالاً وَوَلَداً * أَطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمِ اتَّخَذَ عِندَ الرَّحْمَـانِ عَهْداً *[مريم: 77ـ78] ثم يأتي ما بعد كلا حُجة، ودليلاً على النفي.
    وقد ورد هذا الحرف (كَلاَّ) في قوله تعالى:* فَأَمَّا الإِنسَانُ إِذَا مَا ابْتَلاَهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ * وَأَمَّآ إِذَا مَا ابْتَلاَهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ * كَلاَّ *[الفجر: 15ـ17].
    فالحق تبارك وتعالى ينفي الكلام السابق؛ لأن النعمة وسَعَة الرزق ليست دليلَ إكرام، كما أن الفقر وضِيق الرزق ليس دليلَ إهانةٍ، فكلاهما ابتلاء واختبار كما أوضحتْ الآيات، فإتيان النعمة في حَدِّ ذاته ليس هو النعمة إنما النعمة هي النجاح في الابتلاء في الحالتين.
    فقد يعطيك الله المال فلا تصرفه فيما أحلَّ الله، فيكون لك فتنة وتخفق في الاختبار، إذن: لم يكرمك بالمال، بل جعله لك وسيلة إغواء وإغراء، فبيدك يتحوَّل المال إلى نعمة أو نقمة، ويكون إكراماً أو إهانة.
    وقوله تعالى:
    * سَنَكْتُبُ مَا يَقُولُ وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ الْعَذَابِ مَدّاً * [مريم: 79].
    لقد جاءت كلمة (سَنَكْتُبُ) حتى لا يؤاخذه سبحانه وتعالى يوم القيامة بما يقول هو إنه فعله، ولكن بما كتب عليه وليقرأه بنفسه، وليكون حجة عليه، كأن الكتابة ليست كما نظن فقط، ولكنها تسجيل للصوت وللأنفاس، ويأتي يوم القيامة ليجد كل إنسان ما فعله مسطوراً.
    يقول تعالى:* اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً *[الإسراء: 14] وهذا القول يدل على أنه ساعة يرى الإنسان ما كتب في الكتاب سيعرف أنه منه، وإذا كنا نحن الآن نسجل على خصومنا أنفاسهم وكلماتهم، أتستبعد على من علمنا ذلك أن يسجل الأنفاس والأصوات والحركات بحيث إذا قرأها الإنسان ورآها لا يستطيع أن يكابر فيها أو ينكرها.
    وقوله سبحانه: * وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ الْعَذَابِ مَدّاً * [مريم: 79] أي: يزيده في العذاب، لأن المد هو أن تزيد الشيء، ولكن مرة تزيد في الشيء من ذاته، ومرة تزيد عليه من غيره، قد تأتي بخيط وتفرده إلى آخره، وقد تصله بخيط آخر، فتكون مددته من غيره، فالله يزيده في العذاب.
    ثم يقول الحق سبحانه: * وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ *
    وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ وَيَأْتِينَا فَرْدًا (80)

    أي: في حين ينتظر أنْ نزيدَه ونعطيه سنأخذ منه * وَنَرِثُهُ * [مريم: 80] أي: نأخذ منه كما في قوله تعالى:* إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا وَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ *[مريم: 40].
    وقوله:* وَكُنَّا نَحْنُ الْوَارِثِينَ *[القصص: 58].
    فكأن قوله تعالى: * وَنَرِثُهُ * [مريم: 80] تقابل قوله:* لأُوتَيَنَّ مَالاً *[مريم: 77] وقوله تعالى: * وَيَأْتِينَا فَرْداً * [مريم: 80] تقابل* وَوَلَداً *[مريم: 77]، فسيأتينا من القيامة فَرْداً، ليس معه من أولاده أحد يدفع عنه.
    ثم يقول الحق سبحانه: * وَاتَّخَذُواْ مِن دُونِ اللَّهِ *
    وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا (81)

    آلهة: جمع إله، وهو المعبود و الرب الذي أوجدك من عَدَم، وأمدّك من عُدْم، وتولاّك بالتربية، فعطاء الألوهية تكليف وعبادة، وعطاء الربوبية نِعَم وهِبَات. إذن: فمَنْ أَوْلى بعبادتك ومَنْ أحقّ بطاعتك؟
    هؤلاء الذين اتخذوا من دون الله آلهة من شمس، أو قمر، أو حجر، أو شجر، بماذا تعبَّدتكم هذه الآلهة؟ بماذا أمرتكم؟ وعن أي شيء نهتْكُم؟ وبماذا أنعمتْ عليك؟ وأين كانت وأنت جنين في بطن أمك؟
    إن أباك الذي رباك وأنت صغير وتكفَّل بكل حاجياتك، وأمك التي حملتْك في بطنها وسهرتْ على راحتك، هما أوْلَى الناس بطاعتك، ولا ينبغي أنْ تُقدِّم على أمرهما أمراً. أما أنْ يستحوذَ عليك آخرون، ويكون لهم طاعتك وولاؤك دون أبويْك فهذا لا يجوز وأنت في رَيْعان شبابك وأَوْج قوتك.
    لذلك، من أصول التربية أنْ يُربّي الآباء أبناءهم على السمع والطاعة لهم، ونُحذِّرهم من طاعة الآخرين خاصة غير المؤتمنين على التربية، من العامة في الشارع، أو أصدقاء السُّوء الذين يجرُّون الأبناء على مَا لا تُحمد عُقباه.
    والآن نُحذّر أبناءنا من السَّيْر مع شخص مجهول، أو قبول طعام، أو شراب منه. وما نراه في عصرنا الحاضر يُغني عن الإطالة في هذه المسالة. هذه ـ إذن ـ مناعة يجب أنْ تُعطَى للأبناء، كالمناعة ضد الأمراض تماماً.
    وهكذا الحالُ فيمَنْ اتخذوا من دون الله آلهة وارتاحوا إلى إله لا تكليفَ له ولا مشقةَ في عبادته، إله يتركهم يعبدونه كما يحلو لهم، إنهم أخذوا عطاء الربوبية فتمتّعوا بنعمة الله، وتركوا عطاء الألوهية فلم يعبدوه سبحانه وتعالى.
    ولما كان الإنسان متديناً بطبعه فقد اختار هؤلاء ديناً على وَفْق أهوائهم وشهواتهم، واتخذوا آلهة لا أمرَ لها ولا تكليفَ. ومن ذلك ما نراه من كثير من المثقفين الذين يأخذون دين الله على هواهم، ويطيعون أعداء الله في قضايا بعيدة كل البُعْد عن دين الله، وهم أصحاب ثقافة وعقول ناضجة، ومع ذلك يُقنعون أنفسهم أنهم على دين وأنهم على الحق.
    ثم يقول تعالى: * لِّيَكُونُواْ لَهُمْ عِزّاً * [مريم: 81] العز: هو الغَلَبة والامتناع من الغير، بحيث لا ينال أحد منه شيئاً، يقولون: فلان عزيز أي: لا يُغلب.
    ولنا أن نسأل: ما العزة في عبادة هذه الآلهة؟ وما الذي سيعود عليكم من عبادتها؟ لذلك يردُّ عليهم الحق تبارك وتعالى: * كَلاَّ سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ *
    كَلَّا سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا (82)

    كلا: تنفي أن يكون لهؤلاء عِزٌُّ في عبادة ما دون الله، بل * كَلاَّ سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ * [مريم: 82].
    هذه الآلهة نفسها ستكفر بعبادتهم، وتنكر أن تكون هي آلهة من دون الله، وأكثر من ذلك * وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدّاً * [مريم: 82] أي: في حين اتخاذها الكفار آلهة من دون الله وطلبوا العزة في عبادتها تنقلب عليهم، وتكون ضِدّاً لهم وخَصْماً.
    والضد: هو العدو المخالف لك، والذي يحاول أنْ ينكِّل بك. وفي القرآن الكريم حوارات كثيرة بين هذه المعبودات ومَنْ عبدوها، فمثلاً الذين عبدوا الملائكة واتخذوها آلهةً من دون الله: يسأل الله الملائكة:* أَهَـاؤُلاَءِ إِيَّاكُمْ كَانُواْ يَعْبُدُونَ *؟ [سبأ: 40] فيُجيبون:* سُبْحَانَكَ أَنتَ وَلِيُّنَا مِن دُونِهِمْ بَلْ كَانُواْ يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْـثَرُهُم بِهِم مُّؤْمِنُونَ *[سبأ: 41].
    ويقول الحق سبحانه وتعالى:* إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُواْ مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُواْ *[البقرة: 166].
    لذلك يقول الحق تبارك وتعالى عن هؤلاء:* وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّن يَدْعُواْ مِن دُونِ اللَّهِ مَن لاَّ يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَن دُعَآئِهِمْ غَافِلُونَ *[الأحقاف: 5].
    إذن: ما ظنَّه الكفار عِزّاً ومَنَعة صار عليهم ضِدّاً وعداوة، كالفتاة التي قالتْ لأبيها: يا أبتِ ما حملك على أنْ تقبلني مخطوبة لابن فلان؟ أي: ماذا أعجبك فيه؟ قال: يا بُنيّتي إنهم أهل عِزٍّ وأهل جاهٍ وشرف وأهل قوة ومنعة، فقالت: يا أبتِ لقد قدَّرْتَ أن يكون بيني وبين ابنهم وُدٌّ، ولم تٌقدِّر أن يكون بيني وبينه كراهية، فإن حدثتْ الكراهية سيكون ما قلته ضدك، وستشْقى أنت بهذا العزّ وبهذا الجاه.
    ومن الناس من اتخذ من المال إلهاً، على حَدِّ قَوْل الشاعر:وَللمالِ قَوْمٌ إنْ بَدا المالُ قَائِلاً أنَا المالُ قالَ القومُ إيَّاكَ نعبُدُوهؤلاء الذين يعبدون المال، ويروْن فيه القوة، ويعتزُّون به لا يدرون أنه سيكون وَبَالاً ونَكالاً عليهم يوم القيامة:* يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَـاذَا مَا كَنَزْتُمْ لأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُواْ مَا كُنتُمْ تَكْنِزُونَ *[التوبة: 35].
    وهكذا، كلما زاد حرصه على المال زاد كَيُّه. وتلحظ في الآية الترتيب الطبيعي لموقف السؤال حين يقف السائلُ الفقير أمام الغني اللئيم، فأوَّل ما يطالع السائل يتغيّر وجهه، ثم يُشيح عنه بوجهه، فيعطيه جَنْبه، ثم يُدير له ظهره مُعْرِضاً عنه، وبنفسِ هذا الترتيب يكون العذاب ويكون الكيُّ والعياذ بالله. وينقلب المال الذي ظَنّ العزة فيه إلى نكَالٍ ووبَالٍ.
    يقول تعالى:* وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُواْ لَهُمْ أَعْدَآءً وَكَانُواْ بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ *[الأحقاف: 6].
    حتى الجوارح التي تمتعتْ بمعصيتك في الدنيا ستشهد عليك:* يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ *[النور: 24].
    ذلك لأنك غفلتَ عمَّنْ كان يجب ألاَّ تغفل عنه، وذكرت مَنْ كان يجب ألاَّ تذكره، فالإله الحق الذي غفلْتَ عنه يطلبك الآن ويحاسبك، والإله الباطل الذي اتخذته يتخلى عنك ويُسلمِك للهلاك.
    ثم يقول الحق سبحانه: * أَلَمْ تَرَ أَنَّآ أَرْسَلْنَا *
    كلمتان خفيفتان على اللسان .. ثقيلتان في الميزان .. حبيبتان إلى الرحمن

    سبحان الله وبحمده .. سبحان الله العظيم

  2. #12
    Super Moderator
    رقم العضوية : 2
    تاريخ التسجيل : Jun 2016
    المشاركات: 3,273
    التقييم: 10
    الدولة : الأردن
    العمل : طالب علم
    أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا (83)

    الأزُّ: هو الهزُّ الشديد بعنف أي: تُزعجهم وتُهيجهم، ومثْلُه النزغ في قوله سبحانه وتعالى:* وَإِماَّ يَنَزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ *[الأعراف: 200].
    والأَزّ أو النَّزْغ يكون بالوسوسة والتسويل ليهيجه على المعصية والشر، كما يأتي هذا المعنى أيضاً بلفظ الطائف، كما في قوله تبارك وتعالى:* إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَواْ إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِّنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُواْ فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ *[الأعراف: 201].
    وهذه الآية: * أَلَمْ تَرَ أَنَّآ أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ * [مريم: 83] تثير سؤالاً: إذا كان الحق تبارك وتعالى يكره ما تفعله الشياطين بالإنسان المؤمن أو الكافر، فلماذا أرسلهم الله عليه؟
    أرسل الله الشياطين على الإنسان لمهمة يؤدونها، هذه المهمة هي الابتلاء والاختبار، كما قال تعالى:* أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُواْ أَن يَقُولُواْ آمَنَّا وَهُمْ لاَ يُفْتَنُونَ *[العنكبوت: 2].
    إذن: فهم يُؤدُّون مهمتهم التي خُلِقوا من أجلها، فيقفوا للمؤمن ليصرفوه عن الإيمان فيُمحص الله المؤمنين بذلك، ويُظهر صلابة مَنْ يثبت أمام كيد الشيطان.
    وقلنا: إن للشيطان تاريخاً مع الإنسان، بداية من آدم عليه السلام حين أَبَى أن يطيع أمر الله له بالسجود لآدم، فطرده الله تعالى وأبعده من رحمته، فأراد الشيطان أنْ ينتقمَ من ذرية آدم بسبب ما ناله من آدم، فقال:* قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ *[ص: 82].
    وقال:* قَالَ فَبِمَآ أَغْوَيْتَنِي لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ *[الأعراف: 16].
    وهكذا أعلن عن منهجه وطريقته، فهو يتربص لأصحاب الاستقامة، أما أصحاب الطريق الأعوج فليسوا في حاجة إلى إضلاله وغوايته.
    لذلك نراه يتهدد المؤمنين:* ثُمَّ لآتِيَنَّهُمْ مِّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَن شَمَآئِلِهِمْ *[الأعراف: 17].
    ومعلوم أن الجهات ست، يأتي منها الشيطان إلا فوق وتحت؛ لأنهما مرتبطتان بعزِّ الألوهية من أعلى، وذُلّ العبودية من أسفل، حين يرفع العبد يديه لله ضارعاً وحين يخِرُّ لله ساجداً؛ لذلك أُغلِقَتْ دونه هاتان الجهتان؛ لأنهما جهتا طاعة وعبادة وهو لا يعمل إلا في الغفلة ينتهزها من الإنسان.
    والمتأمل في مسألة الشيطان يجد أن هذه المعركة وهذا الصراع ليس بين الشيطان وربه تبارك وتعالى، بل بين الشيطان والإنسان؛ لأنه حين قال لربه تعالى:* فَبِعِزَّتِكَ لأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ *[ص: 82] التزم الأدب مع الله.
    فالغواية ليست مهارة مني، ولكن إغويهم بعزتك عن خَلْقك، وترْكِكَ لهم الخيارَ ليؤمن مَنْ يؤمن، ويكفر مَنْ يكفر، هذه هي النافذة التي أنفذ منها إليهم، بدليل أنه لا سلطانَ لي على أهلك وأوليائك الذين تستخلصهم وتصطفيهم:* إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ *[ص: 83].
    وهنا أيضاً يثار سؤال: إذا كان الشيطان لا يقعد إلا على الصراط المستقيم لِيُضلَّ أهله، فلماذا يتعرَّض للكافر؟
    نقول: لأن الكافر بطبعه وفطرته يميل إلى الإيمان وإلى الصراط المستقيم، وها هو الكون يآياته أمامه يتأمله، فربما قاده التأمل في كَوْن الله إلى الإيمان بالله؛ لذلك يقعد له الشيطان على هذا المسلْك مسلْك الفكر والتأمل لِيحُول بينه وبين الإيمان بالخالق عز وجل.

    فالشيطان ينزغك، إما ليحرك فيك شهوة، أو ليُنسِيك طاعة، كما قال تعالى:* وَمَآ أَنْسَانِيهُ إِلاَّ الشَّيْطَانُ *[الكهف: 63].
    وقال:* وَإِمَّا يُنسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلاَ تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ *[الأنعام: 68].
    وكثير من الإخوان يسألون: لماذا في الصلاة بالذات تُلِحُّ علينا مشاكل الحياة ومشاغل الدنيا؟
    نقول: هذه ظاهرة صحية في الإيمان، لأن الشيطان لولا علمه بأهمية الصلاة، وأنها ستُقبل منك ويُغفر لك بها الذنوب ما أفسدها عليك، لكن مشكلتنا الحقيقية أننا إذا أعطانا الشيطان طرفَ الخيط نتبعه ونغفل عن قَوْل ربنا تبارك وتعالى:
    * وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ *[فصلت: 36].
    فما عليك ساعةَ أنْ تشعر أنك ستخرج عن خطِّ العبادة والإقامة بين يدي الله إلاَّ أنْ تقول: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، حتى وإنْ كنت تقرأ القرآن، لك أنْ تقطعَ القراءة وتستعيذ بالله منه، وساعةَ أن يعلم منك الانتباه لكيده وألاعيبه مرة بعد أخرى سينصرف عنك وييأس من الإيقاع بك.
    وسبق أن ضربنا لذلك مثلاً باللص؛ لأنه لا يحوم حول البيت الخرب، إنما يحوم حول البيت العامر، فإذا ما اقترب منه تنبّه صاحب البيت وزجره، فإذا به يلوذ بالفرار، وربما قال اللص في نفسه: لعل صاحب البيت صاح مصادفة فيعاود مرة أخرى، لكن صاحب الدار يقظٌ منتبه، وعندها يفرُّ ولا يعود مرة أخرى.
    ويجب أن نعلم أن من حيل الشيطان ومكائده أنه إذا عَزَّ عليه إغواؤك في باب، أتاك من باب آخر؛ لأنه يعلم جيداً أن للناس مفاتيح، ولكل منا نقطة ضعف يُؤتَى من ناحيتها، فمن الناس مَنْ لا تستميله بقناطير الذهب، إنما تستميله بكلمة مدح وثناء. وهذا اللعين لديه (طفاشات) مختلفة باختلاف الشخصيات.
    لذلك من السهل عليك أنْ تُميِّز بين المعصية إنْ كانت من النفس أم من الشيطان: النفس تقف بك أمام شهوة واحدة تريدها بعينها ولا تقبل سواها، فإنْ حاولتَ زحزحتها إلى شهوة أخرى أبتْ إلا ما تريد، أما الشيطان فإنْ عزَّتْ عليك معصية دعاك إلى غيرها، المهم أن يُوقِع بك.
    فالحق تبارك وتعالى يُحذرنا الشيطان؛ لأنه يحارب في الإنسان فطرته الإيمانية التي تُلح عليه بأن للكون خالقاً قادراً، والدليل على الوجود الإلهي دليل فطري لا يحتاج إلى فلسفة، كما قال العربي قديماً: البعرة تدل على البعير، والقدم تدل على المسير.. سماء ذات أبراج، وأرض ذات فجاج، وبحار ذات أمواج، ألا يدل ذلك على وجود اللطيف الخبير؟!
    وكذلك، فكل صاحب صنعة عالم بصنعته وخبير بدقائقها ومواطن العطب فيها، فما بالك بالخالق سبحانه:* أَلاَ يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ *[الملك: 14].
    إذن: فالأدلة الإيمانية أدلة فطرية يشترك فيها الفيلسوف وراعي الشاة، بل ربما جاءت الفلسفة فعقَّدتْ الأدلة.

    ولنا وقفة مع قوله تعالى: * أَلَمْ تَرَ أَنَّآ أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ * [مريم: 83] ومعلوم أن عمل الشيطان عمل مستتر، كما قال تعالى:* إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لاَ تَرَوْنَهُمْ *[الأعراف: 27].
    فكيف يخاطب الحق ـ تبارك وتعالى ـ رسوله صلى الله عليه وسلم في هذه المسألة بقوله: * أَلَمْ تَرَ * [مريم: 83] وهي مسألة لا يراها الإنسان؟
    نقول: * أَلَمْ تَرَ * [مريم: 83] بمعنى ألم تعلم؟ فعدَل عن العلم إلى الرؤيا، كما في قوله تعالى:* أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ *[الفيل: 1] والنبي صلى الله عليه وسلم لم يَرَ هذه الحادثة، فكيف يخاطبه ربه عنها بقوله:* أَلَمْ تَرَ *[الفيل: 1]؟
    ذلك، ليدلك على أن إخبار الله لك أصحُّ من إخبار عينك لك؛ لأن رؤية العين بما تخدعك، أمّا إعلام الله فهو صادق لا يخدعك أبداً. فعلمك من إخبار الله لك أَوْلَى وأوثق من علمك بحواسِّك.
    والشياطين: جمعه شيطان، وهو العاصي من الجنّ، والجن خَلْق مقابل للإنسان قال الله عنهم:* وَأَنَّا مِنَّا الصَّالِحُونَ وَمِنَّا دُونَ ذَلِكَ كُنَّا طَرَآئِقَ قِدَداً *[الجن: 11] فَمنْ هم دون الصالحين، هم الشياطين.
    ثم يقول الحق سبحانه: * فَلاَ تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ *
    فَلَا تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّا (84)

    تمنّى النبي صلى الله عليه وسلم لو أن الله أراحه من رؤوس الكفر وأعداء الدعوة، فقال تعالى: * فَلاَ تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَدّاً * [مريم: 84] فالله يريد أنْ تطول أعمارهم، وتسوء فعالهم، وتكثر ذنوبهم، فالكتبة يعدُّون عليهم ويُحْصُون ذنوبهم.
    ومعنى: * إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَدّاً * [مريم: 84] أنها مسألة ستنتهي؛ لأن كل ما يُعَدّ ينتهي، إنما الشيء الذي لا يُحصَى ولا يَعُدُّ فلا ينتهي، كما في قول الحق سبحانه وتعالى:* وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ اللَّهِ لاَ تُحْصُوهَا *[إبراهيم: 34].
    لأن نِعَم الله لا تُحصَى ولا تُعَدُّ ولا تنتهي؛ لذلك سُبِقَتْ بإن التي تفيد الشكِّ، فهي مسألة لا يجرؤ أحد عليها؛ لأن:* مَا عِندَكُمْ يَنفَدُ وَمَا عِندَ اللَّهِ بَاقٍ *[النحل: 96].
    وها نحن نرى علم الإحصاء وما وصل إليه من تقدّم حتى أصبح له جامعات وعلماء متخصصون أدخلوا الإحصاء في كل شيء، لكن لم يفكر أحد منهم أنْ يُحصِي نِعَم الله في كَوْنه، لماذا؟ لأن الإقبال على العَدِّ معناه ظن أنك تستطيع أنْ تنتهي، وهم يعلمون تماماً أنهم مهما عَدُّوا ومهما أَحْصَوا فلن يصِلُّوا إلى نهاية.
    إذن: * نَعُدُّ لَهُمْ عَدّاً * [مريم: 84] نُحصي سيئاتهم ونَعدُّ ذنوبهم قبل أن تنتهي أعمارهم، وكلما طالت الأعمار كثرتْ الذنوب، وكل ما ينتهي بالعدد ينتهي بالمُدد.
    ثم يقول الحق تبارك وتعالى: * يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ *
    يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا (85)

    الحق ـ تبارك وتعالى ـ أعطانا صوراً متعددة ومشاهد مختلفة ليوم القيامة، فأعطانا صورة للمعبود الباطل، وللعابدين للباطل، وما حدث بين الطرفين من جدال ونقاش، وأعطانا صورة لمن تعاونوا على الشر، ولمَنْ تعاونوا على الخير. وهذه صورة أخرى تعرض للمتقين في ناحية، والمجرمين في ناحية، فما هي صورة المتقين؟
    نحشر: أي: نجمع، والوفد هم الجماعة ترِدُ على الملِك لأخْذ عطاياه، جمعها وفود، والواحد وافد. وهذه حال المتقين حين يجمعهم الله يوم القيامة وَفْداً لأخذ عطايا ربهم تبارك وتعالى. ولا تظن أنهم يُحشَرون ما شين مثلاً، لا، بل كل مؤمن تقي يركب ناقة لم يُرَ مثل حُسْنها، رَحْلها من ذهب، وأزمّتها من الزبرجد.
    وفي المقابل يقول الحق تبارك وتعالى: * وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ *
    وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا (86)

    نسوق: والسائق يكون من الخلف ينهرهم ويزجرهم، كما جاء في قوله تعالى:* يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا *[الطور: 13] ولم يقل مثلاً: نقودهم؛ لأن القائد يكون من الأمام، وربما غافله أحدهم وشرد منه.
    وقوله تعالى: * وِرْداً * [مريم: 86] الوِرْد: هو الذَّهَاب للماء لطلب الريِّ، أما النار فمحلُّ اللظى والشُّواظ واللهب والحميم. فلماذا سُمِّي إتيان النار بحرِّها ورِدْاً؟
    وهذا تهكُّم بهم، كما جاء في آيات أخرى:* وَإِن يَسْتَغِيثُواْ يُغَاثُواْ بِمَآءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوجُوهَ *[الكهف: 29].
    وأنت ساعةَ تسمع (يغاثوا) تنتظر الخير وتأمل الرحمة، لكن هؤلاء يُغاثون بماء كالمهل يشوي الوجوه.
    وكذلك في قوله تعالى:* ذُقْ إِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ *[الدخان: 49] في توبيخ عُتَاة الكفر والإجرام. ومنه قوله تعالى:* فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ *[لقمان: 7] والبشرى لا تكون إلا بشيء. سَار.
    إذن: فقوله تعالى: * وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْداً * [مريم: 86] تهكُّم، كما تقول للولد المهمل الذي أخفق في الامتحان: مبروك عليك السقوط.
    ثم يقول تعالى: * لاَّ يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَةَ إِلاَّ مَنِ اتَّخَذَ *
    لَا يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا (87)

    الكافر حين يباشر العذاب يطمع أول ما يطمع في أن يشفعَ له مبعوده، ويُخرجه ممَّا هو فيه لكِنْ هيهات، ألم تقرأ قول الحق تبارك وتعالى:* وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّن يَدْعُواْ مِن دُونِ اللَّهِ مَن لاَّ يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَن دُعَآئِهِمْ غَافِلُونَ * وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُواْ لَهُمْ أَعْدَآءً وَكَانُواْ بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ *[الأحقاف: 5ـ6].
    لذلك يقول تعالى عن هؤلاء يوم القيامة: * لاَّ يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَةَ * [مريم: 87] لأن الشفاعة لا تكون إلا لمن أخذ الإذن بها * إِلاَّ مَنِ اتَّخَذَ عِندَ الرَّحْمَـانِ عَهْداً * [مريم: 87].
    والعهد الذي تأخذه على الله بالشفاعة أنْ تُقدِّم من الحسنات ما يسع تكاليفك أنت، ثم تزيد عليها ما يؤهلُك لأن تشفع للآخرين، والخير لا يضيع عند الله، فما زاد عن التكليف فهو في رصيدك في كتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة، ولا يهمل مثقال ذرة.
    وعلى المؤمن ـ مهما كان مُسْرفاً على نفسه ـ ساعةَ يرى إنساناً مُقبلاً على الله مُستزيداً من الطاعات أنْ يدعوَ له بالمزيد، وأن يفرح به؛ لأن فائض طاعاته لعله يعود عليك، ولعلك تحتاج شفاعته في يوم من الأيام. أما مَنْ يحلو لهم الاستهزاء والسخرية من أهل الطاعات، كما أخبر الحق تبارك وتعالى:
    * إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُواْ كَانُواْ مِنَ الَّذِينَ آمَنُواْ يَضْحَكُونَ * وَإِذَا مَرُّواْ بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ * وَإِذَا انقَلَبُواْ إِلَى أَهْلِهِمُ انقَلَبُواْ فَكِهِينَ * وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُواْ إِنَّ هَـاؤُلاَءِ لَضَالُّونَ *[المطفيين: 29ـ32].
    فكيف ستقابل أهل الطاعات، وتطمع في شفاعتهم بعدما كان منك؟ فإنْ لم تكُنْ طائعاً فلا أقلَّ من أنْ تحب الطائعين وتتمسح بهم، فهذه في حَدِّ ذاتها حسنةٌ لك ترجو نفعها يوم القيامة.
    وما أشبه الشفاعة في الآخرة بما حدث بيننا من شفاعة في الدنيا، فحين يستعصي عليك قضاءُ مصلحة يقولون لك: اذهب إلى فلان وسوف يقضيها لك. وفعلاً يذهب معك فلان هذا، ويقضي لك حاجتك، فلماذا قُضِيتْ على يديه هو؟ لا بُد أن له عند صاحب الحاجة هذه أياديَ لا يستطيع معها أنْ يرد له طلباً.
    إذن: لا بُدَّ لمن يشفع أن يكون له رصيد من الطاعات يسمح له بالشفاعة، وإذا تأملت لوجدت رسول الله صلى الله عليه وسلم أول مَنْ قدّم رصيداً إيمانياً وسع تكليفه وتكليف أمته، ألم يخبر عنه ربه بقوله:* يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ *[التوبة: 61] لذلك وجبت له الشفاعة، وأُذِن له فيها.
    والحق ـ تبارك وتعالى ـ لا يغفل الرصيد في خَلقه أبداً، فكل ما قدَّمت من طاعات فوق ما كلَّفك الله به مُدَّخَر لك، حتى إن الإنسان إذا اتُّهِم ظلماً، وعُوقِب على عمل لم يرتكبه فإن الله يدَّخرها له ويستر عليه ما ارتكبه فعلاً فلا يُعاقب عليه.

    فالعهد ـ إذن ـ في قوله تعالى: * إِلاَّ مَنِ اتَّخَذَ عِندَ الرَّحْمَـانِ عَهْداً * [مريم: 87] أن تدخل مع ربك في مقام الإحسان، ولا يدخل هذا المقام إلا مَنْ أدَّى ما عليه من تكليف، وإلا فكيف تكون مُحسِناً وأنت مٌقصِّر في مقام الإيمان؟
    وأقرأ إنْ شئت قول الله تعالى:* إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * آخِذِينَ مَآ آتَاهُمْ رَبُّهُمْ *[الذاريات: 15ـ16] ما العلة؟* إِنَّهُمْ كَانُواْ قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ * كَانُواْ قَلِيلاً مِّن اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ * وَبِالأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ * وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لَّلسَّآئِلِ وَالْمَحْرُومِ *[الذاريات: 16ـ19].
    فالمحسن مَنْ يُؤدِّي من الطاعات فوق ما فرض الله عليه، ومن جنس ما فرض، فالله تعالى لم يُكلِّفنا بقيام الليل والاستغفار بالأسحار، ولم يفرض علينا صدقة للسائل والمحروم، ولا بُدَّ أنْ نُفرِّق هنا بين (حق) و(حق معلوم) هنا قال (حق) فقط؛ لأن الكلام عن الصدقة أما الحق المعلوم ففي الزكاة.
    ثم يقول الحق سبحانه: * وَقَالُواْ اتَّخَذَ الرَّحْمَـانُ *
    وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا (88)

    هذا الكلام منهم عبث وافتراء؛ لأنه متى كان اتخاذ هذا الولد؟ في أيِّ قَرْن من القرون من ميلاد المسيح عليه السلام؟ إن هذه المقولة لم تأْتِ إلا بعد ثلاثمائة سنة من ميلاد المسيح، فما الموقف قبلها؟ وما الذي زاد في مُلْك الله بعد أنْ جاء هذا الولد؟
    الشمس هي الشمس، والنجوم هي النجوم، والهواء هو الهواء، إذن: موضوعية اتخاذ الولد هذه عبث؛ لأنه لم يَزِدْ شيء في المْلك على يد هذا الولد، ولم تكن عند الله تعالى صفة مُعطلة اكتملتْ بمجىء الولد؛ لأن الصفات الكمالية لله تعالى موجودة قبل أنْ يخلق أيَّ شيء.
    فهو سبحانه وتعالى خالق قبل أن يَخْلق، ورازق قبل أنْ يَرزُق، ومُحْيٍ قبل أنْ يحيى، ومميت قبل أن يميت. فالبصفات أوجد هذه الأشياء، فصفات الكمال فيه سبحانه موجودة قبل متعلقاتها.
    وضربنا لذلك مثلاً ـ ولله المثل الأعلى ـ بالشاعر الذي قال قصيدة. وقلنا: إنه قال القصيدة لأنه شاعر بدايةً، ولولا أنه شاعر ما قالها.
    لذلك يرد الحق سبحانه على هذا الافتراء بقوله:* كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِن يَقُولُونَ إِلاَّ كَذِباً *[الكهف: 5].
    وهنا يرد عليهم بقوله: * لَّقَدْ جِئْتُمْ شَيْئاً *
    لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا (89)

    والإدّ: المتناهي في النكْر والفظاعة، وهو الأمر المستبشع، من: آده الأمر. أي: أثقله ولم يَقْو عليه، ومنه قوله تعالى في آية الكرسي:* وَلاَ يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا *[البقرة: 255] أي: لا يثقل عليه.
    لكن، لماذا جعل هذا الأمر إدّاً ومنكراً فظيعا؟
    قالوا: لأن اتخاذ الولد له مقاصد، فالولد يُتخذ ليكون لك عِزْوة وقوة؛ أو ليكون امتداداً لكل بعد موتك، والحق سبحانه وتعالى هو العزيز، الذي لا يحتاج إلى أحد، وهو الباقي الدائم الذي لا يحتاج إلى امتداد.
    إذن: فاتخاذ الولد بالنسبة لله تعالى لا عِلةَ له، كما أن اتخاذ الولد لله تعالى ينفي سواسية العبودية له سبحانه.
    ولذلك يقول الحق سبحانه: * تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ *
    تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا (90)

    أي: فلسنا نحن فحسْب الذين ننكر هذا الأمر، بل الجماد غير المكلف أيضاً ينكره، فالسموات بقوتها وعظمها تتفطر أي: تتشقق، وتكاد تكون مِزَعاً لهوْلِ ما قيل، تقرب أن تنفطر لكن لماذا لم تنفطر بالفعل؟ لم تنفطر؛ لأن الله يمسكها:* إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ أَن تَزُولاَ *[فاطر: 41].
    وفي الحديث القدسي: " قالت السماء يا رب ائذن لي أنْ أسقط كِسَفاً على ابن آدم، فقد طَعِم خيرك ومنع شكرك، وقالت الأرض: يارب ائذن لي أن أخسف بابن آدم فقد طعم خيرك ومنع شكرك، وقالت الجبال: يا رب ائذن لي أن أخِرَّ على ابن آدم فقد طعم خيرك ومنع شكرك. وقالت البحار: يا ربّ ائذن لي أن أُغرق ابن آدم فقد طعم خيرك ومنع شكرك. فقال لهم: دعوني وخلقي لو خلقتموهم لرحمتموهم، فإن تابوا إليَّ فأنا حبيبهم، وإن لم يتوبوا فأنا طبيبهم ".
    فما العِلَّة في أن السماء تقرب أن تنفطر، والأرض تقرب أن تنشق، والجبال تقرب أن تخِرَّ؟
    أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا (91)

    هذه هي العلة والحيثية التي من أجلها يكاد الكونُ كلُّه أن يتزلزل، ويثور غاضباً لهذه المقولة الشنيعة.
    ثم يعقب الحق سبحانه فيقول: * وَمَا يَنبَغِي لِلرَّحْمَـانِ أَن يَتَّخِذَ *.
    وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا (92)

    وعلينا هنا أنْ نُفرق بين نَفْي الحدث ونفي انبغاء الحدث، فمثلاً في قول الحق ـ تبارك وتعالى ـ في شأن نبيه صلى الله عليه وسلم:* وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنبَغِي لَهُ *[يس: 69] فنفى عنه قَوْل الشعر، ونفي عنه انبغاء ذلك له، فقد يظن ظانٌّ أن النبي لا يستطيع أن يقول شعراً، أو أن أدوات الشعر من اللغة ورِقَّة الإحساس غير متوافرة لديه صلى الله عليه وسلم، لكن رسول الله قادر على قَوْل الشعر إنْ أراد، فهو قادر على الحدث، إلا أنه لا ينبغي له.
    كذلك في قوله تعالى: * وَمَا يَنبَغِي لِلرَّحْمَـانِ أَن يَتَّخِذَ وَلَداً * [مريم: 92] فإنْ أراد سبحانه وتعالى أن يكون له ولد لَكانَ ذلك، كما جاء في قوله تبارك وتعالى:* قُلْ إِن كَانَ لِلرَّحْمَـانِ وَلَدٌ فَأَنَاْ أَوَّلُ الْعَابِدِينَ *[الزخرف: 81].
    أي: إن كان له سبحانه ولد فعلى العَيْن والرأس، إنما هذه مسألة ما أرادها الحق سبحانه، وما تنبغي له، فكيف أدَّعي أنا أن لله ولداً هكذا من عندي؟
    وما حاجته تعالى للولد، وقد قال في الآية بعدها: * إِن كُلُّ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ *
    كلمتان خفيفتان على اللسان .. ثقيلتان في الميزان .. حبيبتان إلى الرحمن

    سبحان الله وبحمده .. سبحان الله العظيم

  3. #13
    Super Moderator
    رقم العضوية : 2
    تاريخ التسجيل : Jun 2016
    المشاركات: 3,273
    التقييم: 10
    الدولة : الأردن
    العمل : طالب علم
    إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا (93)

    ذلك لأن الخالق ـ تبارك وتعالى ـ خلق الإنسان، وجعل له منطقة اختيار يفعل أو لا يفعل، يؤمن أو لا يؤمن، وكذلك جعل فيه منطقة قَهْر، فالكافر الذي أَلِف الكفر، وتعوَّد عليه، وتمرد على الطاعة والإيمان، هل يستطيع أنْ يتمرّد مثلاً على المرض أو يتمرَّد على الموت، أو على الفقر؟
    إذن: فأنت مُختار في شيء وعَبْد في أشياء، كما أن منطقة الاختيار هذه لك في الدنيا، وليست لك في الآخرة. وسبق أنْ فرَّقنا بين العباد والعبيد، فالجميع: المؤمن والكافر عبيد لله تعالى، أما العباد فهم الذين تنازلوا عن اختيارهم ومرادهم لمراد ربهم، فجاءت كُلُّ تصرفاتهم وفقاً لما يريده الله.
    وهؤلاء الذين قال الله فيهم:* وَعِبَادُ الرَّحْمَـانِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأَرْضِ هَوْناً *[الفرقان: 63].
    ومعنى: * إِلاَّ آتِي الرَّحْمَـانِ عَبْداً * [مريم: 93] أي: في الآخرة، حيث تُلْغَى منطقة الاختيار، ولا يستطيع أحد الخروج عن مراد الله تعالى، ويسلب الملك من الجميع، فيقول تعالى:* لِّمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ *[غافر: 16].
    وهو سبحانه القادر على العطاء، القادر على السلب:* تُؤْتِي الْمُلْكَ مَن تَشَآءُ وَتَنزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَآءُ وَتُعِزُّ مَن تَشَآءُ وَتُذِلُّ مَن تَشَآءُ *[آل عمران: 26].
    ثم يقول الحق سبحانه: * لَّقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ *
    لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا (94)

    الإحصاء: هو العَدُّ، وكانوا قديماً يستخدمون الحصَى أو النوى في العَدِّ، لكن النوى فرع ملكية النخل، فقد لا يتوفر للجميع؛ لذلك كانوا يستخدمون الحصَى، ومنه كلمة الإحصاء.
    ثم يقول الحق تبارك وتعالى: * وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ *
    وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا (95)

    أي. وحده، ليس معه أهل أو أولاد أو عِزْوة، كما قال تعالى:* يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ * وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ * لِكُلِّ امْرِىءٍ مِّنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ *[عبس: 34ـ37].
    فكل مشغول بحاله، ذاهل عن أقرب الناس إليه:* يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّآ أَرْضَعَتْ *[الحج: 2].
    وتأمَّل قوله: * آتِيهِ * [مريم: 95] فالعبد هو الذي يأتي بنفسه مُخْتاراً لا يُؤْتَى به، فكأن الجميع منضبط على وقت معلوم، إذا جاء يُهْرَع الجميع طواعيةً إلى الله عز وجل.
    ثم يقول رب العزة سبحانه: * إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ *
    إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا (96)

    وُداً: مودة ومحبة تقوم على الإيمان، وتقود إلى شدة التعلّق، وقد جعل الحق ـ تبارك وتعالى ـ كَوْنه أسباباً لهذه المحبة والمودة، كأنْ ترى إنساناً يُحبك ويتودّد إليك، فساعةَ تراه مُقبلاً عليك تقوم له وتبشُّ في وجهه، وتُفسِح له في المجلس، ثم تسأل عنه إنْ غاب، وتعوده إنْ مرض، وتشاركه الأفراح وتواسيه في الأحزان وتؤازره عند الشدائد، فهذه المودة ناشئة عن حُبٍّ ومودة سابقة.
    وقد تنشأ المودة بسبب القرابة أو المصالح المتبادلة أو الصداقة، فهذه أسباب المودة في الدنيا بين الخَلْق جميعاً مؤمنهم وكافرهم، أمّا هنا:* سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَـانُ وُدّاً *[مريم: 96].
    أي: بدون سبب من أسباب المودة هذه، مودة بدون قرابة، وبدون مصالح مشتركة أو صداقة، وهذه المودة بين الذين آمنوا، كأنْ ترى شخصاً لأول مرة فتشعر نحوه بارتياح كأنك تعرفه، وتقول له: إني أحبك لله.
    هذه محبة جعلها الله بين المؤمنين، فضلاً منه سبحانه وتكرُّماً، لا بسبب من أسباب المودة المعروفة.
    لذلك قال هرم بن حَيَّان ـ رحمه الله ـ: إن الحق تبارك وتعالى حين يرى عبده المؤمن قد أقبل عليه بقلبه وأسكنه فيه، وأبعد عن قلبه الأغيار، وسلَّم قلبه وهو أسمى ما يملك من مستودعات العقائد وينبوع الصالحات وقدَّمه لربه إلا فتح له قلوب المؤمنين جميعاً.
    كما جاء في الحديث القدسي:
    " ما أقبل عليَّ عبد بقلبه إلا أقلبتُ عليه بقلوب المؤمنين جميعاً " أي: بالمودة والرحمة دون أسباب.
    وفي الحديث القدسي: " إن الله إذا أحب عبداً نادى في السماء: إنني أحببتُ فلاناً فأحبُّوه، وينادي حبريل في الأرض: إن الله أحبَّ فلاناً فأحبوه. ويوضع له القبول في الأرض ".
    فيحبه كل مَنْ رآه عطية من الله وفضلاً، دون سبب من أسباب المودة، وإنْ كنتَ قد تبرعتَ لله تعالى بما تملك وهو قلبك مستودع العقائد وينبوع الصالحات كلها، فإنه تعالى وهب لك ما يملك من قلوب الناس جميعاً، فهي في يده تعالى يُوجِّهها كيف يشاء.
    وقد علَّمنا ربنا ـ تبارك وتعالى ـ في قوله:* وَإِذَا حُيِّيتُم بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّواْ بِأَحْسَنَ مِنْهَآ أَوْ رُدُّوهَآ *[النساء: 86] أن نرد الجميل بأحسن منه، فإنْ لم نقدر على الأحسن فلا أقلَّ من الرد بالمثل، فإنْ كان هذا عطاء العبد، فما بالك بعطاء الرب؟
    ومن ذلك ما جاء في الحديث الشريف: " من يسَّر على معسر يسَّر الله عليه في الدنيا والآخرة، ومن ستر مسلماً ستره الله في الدنيا والآخرة، والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه ".
    والعَوْن يقتضي مُعيناً ومُعَاناً، ولا بُدّ أن يكون المعين أقوى من المعان، فيفيض عليه من فضل ما عنده: صحة، أو قدرة، أو غنىً، أو علماً.

    وإعانةُ العبد لأخيه محدودة بقدراته وإمكاناته، أمّا معونة الله لعبده فغير محدودة؛ لأنها تناسب قدرة وإمكانات الحق تبارك وتعالى.
    وهكذا عوَّدنا ربنا ـ تبارك وتعالى ـ حين نُضحِّي بالقليل أنْ يعطينا الكثير وبلا حدود، فضلاً من الله وكرماً. ألم تَرَ أن الحسنة عنده تعالى بعشر أمثالها، وتضاعف إلى سبعمائة ضعف؟ أليست هذه تجارة مع الله رابحة، كما قال سبحانه:* ياأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ هَلْ أَدُلُّكمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنجِيكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ *[الصف: 10].
    وقال عنها:* تِجَارَةً لَّن تَبُورَ *[فاطر: 29].
    وكأن الحق ـ تبارك وتعالى ـ يريد منا المحبة المتبادلة التي تربط بين قلوبنا وتُؤلّف بيننا، ثم يمنحنا سبحانه الثمن.
    إذن: العملية الإيمانية لا تظن أنها إيثار، بل الإيمان أثره، وأنت حين تتصدق بكذا إنما تأمل ما عند الله من مضاعفة الأجر، فالإيمان ـ إذن ـ أنانية عالية.
    والحق ـ سبحانه وتعالى ـ يريد منا أنْ نعودَ على غيرنا بفضل ما نملك، كما جاء في الحديث: " مَنْ كان عنده فضل مال فليعُدْ به على مَنْ لا مالَ له... ".
    واعلم أن الله سيُعوِّضك خيراً مما أعطيْتَ. ومثال ذلك ـ ولله المثل الأعلى ـ: هَبْ أن عندك ولدين، أعطيتَ لكل منهما مصروفة، فالأول اشترى به حلوى أكل منها، وأعطى رفاقه، والآخر بدّد مصروفه فيما لا يُجدي من ألعاب أو خلافه، فأيهما تعطي بعد ذلك؟ كذلك الحق سبحانه يعاملنا هذه المعاملة.
    ويقول الحق سبحانه: * فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ *
    فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْمًا لُدًّا (97)

    الفاء هنا تفيد: ترتيب شيء على شيء فابحث في الجملة بعدها عن هذا الترتيب، فالمعنى: بشِّر المتقين، وأنذر القوم اللُّد لأننا يسرنا لك القرآن.
    ويسَّرنا القرآن: أي: طوعناه لك حِفْظاً وأداءً وإلقاء معانٍ، فأنت تُوظِّفه في المهمة التي نزل من أجلها.
    وتيسير القرآن ورد في آيات كثيرة، كقوله تعالى في سورة القمر:* وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ *[القمر: 17].
    والمتأمل في تيسير القرآن يجد العجائب في أسلوبه، فترى الآية تأتي في سورة بنص، وتأتي في نفس السياق في سورة أخرى بنص آخر، فالمسألة ـ إذن ـ ليست (أكلاشيه) ثابت، وليست عملية ميكانيكية صماء، إنه كلام رب.
    خُذْ مثلاً قوله تعالى:
    * كَلاَّ إِنَّهُ تَذْكِرَةٌ * فَمَن شَآءَ ذَكَرَهُ *[المدثر: 54ـ55].
    وفي آية آخرى:* إِنَّ هَـاذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَن شَآءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلاً *[الإنسان: 29].
    مرة يقول:* إِنَّ هَـاذِهِ تَذْكِرَةٌ *[الإنسان: 29] ومرة يقول:* كَلاَّ إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ *[عبس: 11].
    ونقف هنا أمام ملحظ دقيق في سورة (الرحمن) حيث يقول الحق تبارك وتعالى:* وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ *[الرحمن: 46] ثم يأتي الحديث عنهما: فيهما كذا، فيهما كذا إلى أنْ يصلَ إلى قاصرات الطرف فيقول:* فِيهِنَّ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ *[الرحمن: 56].
    وكذلك في:* وَمِن دُونِهِمَا جَنَّتَانِ *[الرحمن: 62] فيهما كذا وفيهما كذا إلى أنْ يصلَ إلى الحور العين فيقول:* فِيهِنَّ خَيْرَاتٌ حِسَانٌ *[الرحمن: 70].
    ولك أنْ تتساءل: الحديث هنا عن الجنتين، فلماذا عدل السياق عن (فيهما) إلى (فيهن) في هذه النعمة بالذات؟
    قالوا: لأن نعيم الجنة مشترك، يصح أنْ يشترك فيه الجميع إلا في نعمة الحور العين، فلها خصوصيتها، فكأن الحق تبارك وتعالى يحترم مشاعر الغَيْرة عند الرجال، ففي هذه المسألة يكون لكل منها جنته الخاصة التي لا يشاركه فيها أحد.
    لذلك " لما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم الجنة رأى فيها قصراً فابتعد عنه، فلما سُئِل عن ذلك صلى الله عليه وسلم قال: " إنه لعمر، وأنا أعرف غَيْرة عمر ".
    فإلى هذه الدرجة تكون غيرة المؤمن، وإلى هذه الدرجة تكون دِقَّة التعبير في القرآن الكريم.
    ولولا أن الله تعالى أنزل القرآن ويسَّره لَمَا حفظه أحد فالنبي صلى الله عليه وسلم كان ينزل عليه الآيات، وحِين يسري عنه يمليها على الصحابة، ويظل يقرؤها كما هي، ولولا أن الله قال له:* سَنُقْرِئُكَ فَلاَ تَنسَى *[الأعلى: 6] ما تيسّر له ذلك.
    ونحن في حفْظنا لكتاب الله تعالى نجد العجائب أيضاً، فالصبي في سنِّ السابعة يستطيع حفْظ القرآن وتجويده، فإنْ غفل عنه بعد ذلك تَفلَّتَ منه، على خلاف ما لو حفظ نصاً من النصوص في هذه السن يظل عالقاً بذهنه.
    إذن: مسألة حفظ القرآن ليست مجرد استذكار حافظة، بل معونة حافظ، فإن كنت على وُدًّ وأُلْفة بكتاب الله ظلَّ معك، وإنْ تركته وجفوْته تفلَّتَ منك، كما جاء في الحديث الشريف:
    " تعاهدوا القرآن، فو الذي نفسي بيده لَهُو أشدُّ تفصّياً من الإبل في عُقَلها ".
    ذلك؛ لأن حروف القرآن ليست مجرد حرف له رسم ومنطوق، إنما حروف القرآن ملائكة تُصفّ، فتكون كلمة، وتكون آية، فإنْ وددتَ الحرف، وودتَ الكلمة والآية، ودَّتْك الملائكة، وتراصتْ عند قراءتك.
    ومن العجائب في تيسير حفظ القرآن أنك إنْ أعلمتَ عقلك في القراءة تتخبّط فيها وتخطىء، فإنْ أعدتَ القراءة هكذا على السليقة كما حفظت تتابعت معك الآيات وطاوعتك.
    وتلحظ هنا أن القرآن لم يأْتِ باللفظ الصريح، إنما جاء بضمير الغيبة في * يَسَّرْنَاهُ * [مريم: 97] لأن الهاء هنا لا يمكن أن تعود إلا على القرآن، كما في قوله تعالى:* قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ *[الإخلاص: 1] فضمير الغيبة هنا لا يعود إلا على الله تعالى.
    وقوله: * بِلِسَانِكَ * [مريم: 97] أي: بلغتك، فجعلناه قرآنا عربياً في أمة عربية؛ ليفهموا عنك البلاغ عن الله في البشارة والنذارة، ولو جاءهم بلغة أخرى لقالوا كما حكى القرآن عنهم.
    * وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآناً أعْجَمِيّاً لَّقَالُواْ لَوْلاَ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ ءَاعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ *[فصلت: 44].
    وقول الحق سبحانه وتعالى: * وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْماً لُّدّاً * [مريم: 97].
    والإنذار: التحذير من شَرِّ سيقع في المستقبل، واللَّدَد: عُنْف الخصومة، وشراسة العداوة، نقول: فلان عنده لَدَد أي: يبالغ في الخصومة، ولا يخضع للحجة والإقناع، ومهما حاولتَ معه يُصِرُّ على خصومته.
    ويُنهي الحق سبحانه سورة مريم بقوله تعالى: * وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ *
    وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزًا (98)

    الحق ـ تبارك وتعالى ـ يُسرِّي عن نبيه صلى الله عليه وسلم ما يلاقي من عنت في سبيل دعوته، كأنه يقول له: إياك أنْ ينالَ منك بُغْض القوم لك وكُرههم لمنهج الله، إياك أنْ تتضاءلَ أمام جبروتهم في عنادك، فهؤلاء ليسوا أعزَّ من سابقيهم من المكذبين، الذين أهلكهم الله، إنما أستبقى هؤلاء لأن لهم مهمة معك.
    وسبق أن أوضحنا أن الذين نجوْا من القتل من الكفار في بعض الغزوات، وحزن المسلمون لنجاتهم، كان منهم فيما بَعْد سيف الله المسلول خالد بن الوليد.
    يقول تعالى: * وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِّن قَرْنٍ * [مريم: 98].
    كم: خبرية تفيد الكثرة، من قرن: من أمة * هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِّنْ أَحَدٍ * [مريم: 98] لأننا أخذناهم فلم نُبق منهم أثراً يحس.
    ووسائل الحِسَّ أو الإدراك كما هو معروف: العين للرؤية، والأذن للسمع، والأنف للشمّ، واللسان للتذوق، واليد للمس، فبأيّ آداة من أدوات الحسّ لا تجد لهم أثراً.
    وقوله: * أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزاً * [مريم: 98] الركْز: الصوت الخفيّ، الذي لا تكاد تسمعه. وهذه سُنَّة الله في المكذبين من الأمم السابقة كما قال سبحانه:* أَهُمْ خَيْرٌ أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ أَهْلَكْنَاهُمْ إِنَّهُمْ كَانُواْ مُجْرِمِينَ *[الدخان: 37].
    أين عاد وثمود وإرم ذات العماد التي لم يُخلَق مثلها في البلاد؟ وأين فرعون ذو الأوتاد؟ فكل جبار مهما عَلَتْ حضارته ما استطاع أنْ يُبقي هذه الحضارة؛ لأن الله تعالى أراد لها أنْ تزول، وهل كفار مكة أشدّ من كل هؤلاء؟
    لذلك حين تسمع هذا السؤال: * هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِّنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزاً * [مريم: 98] لا يسَعْك إلاَّ أنْ تُجيب: لا أحسُّ منهم من أحد، ولا أسمع لهم ركزاً.
    كلمتان خفيفتان على اللسان .. ثقيلتان في الميزان .. حبيبتان إلى الرحمن

    سبحان الله وبحمده .. سبحان الله العظيم

صفحة 2 من 2 الأولىالأولى 12

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

المفضلات

المفضلات

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •  

RSS RSS 2.0 XML MAP html  PHP  info tags Maps maptags vbmaps

الساعة معتمدة بتوقيت جرينتش +3 . الساعة الآن : 18:35.
الموقع غير مسؤول عن أي اتفاق تجاري أو تعاوني بين الأعضاء
فعلى كل شخص تحمل مسئولية نفسه إتجاه مايقوم به من بيع وشراء وإتفاق وأعطاء معلومات موقعه
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي موقع الأشاعرة و لا نتحمل أي مسؤولية قانونية حيال ذلك (ويتحمل كاتبها مسؤولية النشر)
الساعة الآن 02:23 PM
Powered by vBulletin® Version 4.2.3
Copyright © 2018 vBulletin Solutions, Inc. Translate By soft