إذا كانت هذه زيارتك الأولى يرجى الاطلاع على الرابط التالي الأسئلة ولكي تتمكن من كتابة مواضيع وإرسال رسائل خاصة لابد لك منالتسجيل
صفحة 3 من 4 الأولىالأولى 1234 الأخيرةالأخيرة
النتائج 21 إلى 30 من 32

الموضوع: سورة هود

  1. #21
    Super Moderator
    رقم العضوية : 2
    تاريخ التسجيل : Jun 2016
    المشاركات: 3,273
    التقييم: 10
    الدولة : الأردن
    العمل : طالب علم
    والكيل ـ كما نعرف ـ هو تعديل شيء بشيء، فإن كان في الخفة والثقل؛ فالأمر يحتاج إلى ميزان، وإن كان تعديل شيء بشيء في الكم، فهذا يحتاج إلى الكيل، وهذا هو الأمر المشهور في الكيل والميزان، وأي تعديل شيء بشيء يحتاج إلى ما يناسبه؛ فالقماش مثلاً ـ يتم تعديله بالمتر، والأرض يتم تعديلها بالمساحة؛ أي: قياس الطول والعرض، وبعض الأشياء تُباع بالحجم، وهذا يعني قياس الطول والعرض والارتفاع واستخراج الناتج بعملية ضرب كل منهم في الآخر.
    إذن: فالأمر المهم هو أن يأخذ كل إنسان حقه، حتى وإن كان تأجير قوة عامل لينجز عملاً، فأنت تعدل زمن وقوة العمل بالأجر الملائم، والأمر المشهور هو الكيل والميزان، لكن بقية التقييمات موجودة؛ ليأخذ كل ذي حق حقه.
    لأن الإنسان لو أخذ غير حقه لاستمرأ أن يأخذ حقوق الناس، ولو أكل بعض الناس حقوق البعض الآخر؛ لَزهدَ من أكلتْ حقوقهم في العمل.
    وأنت حين تعطي للإنسان أقل مما يستحق، أو تأخذ من جهده فوق ما تدفع له من أجر، تجده يبطىء في العمل، ولا ينجز المطلوب منه على تمام الدقة، ومن هنا يحدث الخلل.
    ولذلك أقول: إن إعطاء كل ذي حق حقه يزيد من جودة الأداء في العمل.
    وعلينا أن نترك صاحب الطموح ليعمل؛ بدلاً من أن يخزن ماله أو يكنزه؛ لأن صاحب الطموح حين يقيم مشروعاً أو بناءً؛ فهو يفيد الفقراء وينفعهم ـ حتى وإن كان لا يفكر في ذلك ـ فالذي يبني عمارة سكنية ينفع الصناع والعمال ومنتجي المواد اللازمة للبناء ـ دون أن يقصد ـ وسينتفع العامل الفقير ـ دون أن يقصد صاحب العمل ـ وربما انتفع كل الفقراء مما يصنعه صاحب العمل، قبله فيما يفعل.

    إذن: فمن المهم أن يأخذ كل إنسان حقه قبل أن يجف عرقه؛ مصداقاً لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أعطوا الأجير أجره قبل أن يجف عرقه ".
    وهكذا نعلم أن الدين في ظاهر الأمر يحض على الإيثار، وفي واقع الأمر، هو يحرص على تأكيد ثواب الإنسان عند ربه؛ لأن الذي يؤثر غيره على نفسه ـ ولو كان به خصاصة ـ لو كان معه مال قليل وأعطاه لآخر عنده ضائقة، وليس عند هذا الآخر مال، هنا يكون صاحب المال القليل قد آثر الآخر على نفسه في ظاهر الأمر،ـ ولكنه سيأخذ أضعاف هذا المال ثواباً من عند الله تعالى.
    وهكذا يعلمنا الدين النفعية الراقية، وهي النفعية التي يعاملنا بها الله سبحانه؛ وحين نترك قانون النفعية ليسيطر على حركة الناس، فنحن نوفر سيولة الانتفاع في المجتمع.
    وهنا في الآية الكريمة التي نحن بصدد خواطرنا عنها عرفنا أن شعيباً قال لأهل مدين:
    * وَلاَ تَنقُصُواْ الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ إِنِّي أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ * [هود: 84].
    أي: أنكم يا أهل مدين غير مضطرين لذلك؛ لأن من يبيع منكم عنده سلع، ومن يشتري إنما يملك نقوداً، فاكتفوا بالخير الذي عندكم، وليأخذ كل ذي حق حقه، وهذه قضية يغفل عنها كثير من الناس؛ فالذي يبيع قد يبيع صنفاً واحداً، فإن غش في الكيل أو الميزان، فسوف يغشه ويخدعه غيره في الأصناف الأخرى التي تلزمه لحياته.
    وإن اشتغل واحد في إنقاص الكيل والميزان، فالآخرون سيفعلون مثل ذلك في كل ما يخص حياته؛ لأن المخادع الواحد، سيلقي مخادعين كثيرين، وهنا يقول شعيب عليه السلام: ما الذي يضطركم إلى ذلك وأنتم بخير؟
    ثم يقول محذراً:
    * وَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُّحِيطٍ * [هود: 84].
    لانك حين تنقص شيئاً وأنت تبيع أو تزيد شيئاً حين تشتري، فأنت لا تخدع من تتعامل معه، وإنما تخدع نفسك.
    وكلنا يعلم أن الغفلة قد تطرأ على البائع، وقد تطرأ على المشتري، وقد يحاول بائع أن يستغل غفلة المشتري فيزيد من ثقل الميزان بإصبعه، وقد يحاول المشتري أن يستغل غفلة البائع بأن يرفع كفة الميزان بإصبعه من غير أن يراه البائع، فيأخذ غير حقه، وهذا نوع من خداع النفس؛ لأن الحق سبحانه إنما يأمر بالاستقامة في البيع والشراء؛ لأن الانتفاع بأي شيء مهما كَثُر، فهو موقوت بعمر الإنسان في الدنيا، وعمر الإنسان موقوت، ولكن الذي يغش ويخدع إنما يُعرِّض نفسه لعذاب الله سبحانه في الآخرة، وهو عذاب بلا أمد ولا نهاية.
    وهكذا يسلِّم الإنسان نفسه لفائدة قليلة في الدنيا الزائلة، ثم يلقى عذاباً لا ينتهي في آخرة غير زائلة.
    والعذاب في الآخرة عذاب محيط، بمعنى أن المعذَّب لا يستطيع أن يفلت منه، فأنت في الدنيا بإمكانك أن تحتال في النجاة من العذاب، وقد تلجأ إلى من هو أقوى منك ليحميك، ولكنك في الآخرة تواجه يوماً لا بيع فيه ولا خُلَّة ولا شفاعة، إن كنت من أهل النار.
    يقول الحق سبحانه بعد ذلك ما جاء على لسان شعيب مواصلاً الحديث إلى أهل مدين: * وَياقَوْمِ أَوْفُواْ الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ *
    وَيَا قَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (85)

    وفي الآية الكريمة السابقة قال الحق سبحانه:
    * وَلاَ تَنقُصُواْ الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ *[هود: 84].
    وهكذا نعلم أن عدم الإنقاص في الكيل والميزان مطلوب، وكذلك توفية المكيال والميزان مطلوبة؛ لأنهما أمر واحد، والحق سبحانه لا يتكلم عن المكيل ولا عن الموزون إلا بإطلاقهما، وهو كل عمل فيه واسطة بين البائع والمشتري.
    وفي موضع آخر من القرآن الكريم يقول الحق سبحانه:
    * وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ * الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُواْ عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ * وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَّزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ *[المطفيين: 1ـ3].
    ذلك لأن البائع قد يقول لك: أنت مأمون فزِنْ أنت لنفسك أو كِلْ أنت لنفسك، وقد تخدع البائع فتأخذ أكثر من حقك؛ وقد يفعل البائع عكس ذلك، وفي مثل هذا بؤس للاثنين.
    وهنا يقول شعيب عليه السلام:
    * وَياقَوْمِ أَوْفُواْ الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ * [هود: 85].
    والحق سبحانه هنا تكلم عن النقص وعن الإيفاء.
    ثم يقول سبحانه:
    * وَلاَ تَبْخَسُواْ النَّاسَ أَشْيَآءَهُمْ * [هود: 85].
    وهذا كلام عام لا ينحصر في مكيل أو موزون، فقد يأتي مشترٍ ليبخس من قيمة سلعة ما، أو أن يأخذ رشوة لقضاء مصلحة، أو يخطف ما ليس حقّاً له، أو يغتصب، أو يختلس، وكلها أمور تعني: أخذ غير حق بوسائل متعددة.
    ونحن نعلم أن الخطف إنما يعني أن يمد إنسان يده إلى ما يملكه آخر ويأخذه ويجري، أما الغصب، فهو أن يمد إنسان يده ليأخذ شيئاً، فيقاومه صاحب الشيء، لكن المغتصب يأخذ الشيء عنوة، أما المختلس فهو المأمون على شيء فاختلسه، والمرتشي هو من أخذ مالاً أو شيئاً مقابل خدمة هي حق لمن يطلبها.
    إذن: فقول الحق سبحانه وتعالى:
    * وَلاَ تَبْخَسُواْ النَّاسَ أَشْيَآءَهُمْ * [هود: 85].
    تضم أشياء متعددة.
    والبخس هو أن تضر غيرك ضرراً، بإنقاص حقه، سواء أكان له حجم، أو ميزان، أو كَمٌّ، أو كَيْفٌ.
    وكلمة " أشياء " مفردها: " شيء " ، ويقولون عن الشيء: " جنس الأجناس " فالثمرة يقال لها: " شيء " ، وكل الثمر يقال له: " شيء ".
    والحق سبحانه وتعالى يوصينا ألا يغرنا أي شيء مهما كان قليلاً.
    ونحن نلحظ هنا أن كلمة " الناس " جمع، وكلمة " أشياءهم " جمع أيضاً، وإذا قوبل جمع بجمع اقتضت القسمة آحاداً. أي: لا تبخس الفرد شيئاً، وإنْ قَلَّ.
    ونجد واحداً من العارفين بالله قد استأجر مطيَّة من خان ليذهب بها من مكان إلى مكان آخر، فلما ركب المطية وقع منه السوط الذي يحركها به، فأوقف الدابة مكانها وعاد ماشياً على قدميه إلى موقع سقوط السوط ليأخذه، ثم رجع ماشياً إلى مكان الدابة ليركبها، فقال له واحد من الناس: لماذا لم ترجع بالدابة إلى موقع السوط لتأخذه وتعود؛ فأجاب العارف بالله: لقد استأجرتها لأصِلَ بها إلى مكان في اتجاه معين، ولم يتضمن اتفاقي مع صاحبها أن أبحث بها عن السوط.

    ونجد عارفاً آخر جلس يكتب كتاباً، وكان الناس في ذلك الزمان يجففون الحبر الزائد بوضع قليل من الرمال فوق الصفحات المكتوبة، ولم يجد العارف بالله ما يجفف به المكتوب، فأخذ حفنة من تراب بجانب جدار، ثم ذهب إلى صاحب الجدار وقال له: أنا أخذت تراباً من جانب جدارك فقوِّمه فقال صاحب الجدار: والله لِورَعِك لا أقوِّم، أي: أنه قد تسامح في هذا الأمر.
    ويُنهي الحق سبحانه الآية الكريمة بقوله:
    * وَلاَ تَعْثَوْاْ فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ * [هود: 85].
    وكلمة عثا، يَعْثي، ويعثوا، وعثى. يعثي؛ كلها تعني: زاول فساداً، أي: أن يعمد الإنسان إلى الصالح في ذاته فيفسده، مثل طَمْر بئر ماء، أو حفر طريق يسير فيه الناس، وهو كل أمر يخرج الصالح ـ في ذاته ـ عن صلاحه.
    والمجتمع كله ـ بكل فرد فيه ـ مأمور بعدم مزاولة الفساد، ولو طبَّق كل واحدٍ ذلك لصار المجتمع كله صالحاً، ولكن الآفة أن بعض الناس يحب أن يكون غيره غير مفسد، ولكنه هو نفسه يفسد، ولا يريد من أحد أن يعترض عليه.
    ويقول الحق سبحانه بعد ذلك: * بَقِيَّةُ اللَّهِ خَيْرٌ لَّكُمْ *
    بَقِيَّتُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ (86)

    أي: ما يبقى لكم من الأمر الحلال خير لكم؛ لأن من يأخذ غير حقه يخطىء؛ لأنه يزيل البركة عن الحلال بالحرام؛ فمن يأخذ غير حقه يسلط الله عليه أبواباً تنهب منه الزائد عن حقه.
    وأنت تسمع من يقول: " فلان هذا إنما يحيا في بركة " ، أي: أن دخله قليل، ولكن حالته طيبة، ويربي أولاده بيسر، على عكس إنسان آخر قد يكون غنيّاً من غير حلال، لكنه يحيا في ضنك العيش.
    وقد تجد هذا الإنسان قد انفتحت عليه مصارف الدنيا فلا يكفي ماله لصد همومه، لأن الله سبحانه قد جَرَّأ عليه مصارف سوء متعددة.
    وقد يستطيع الإنسان أن يخدع غيره من الناس، ولكنه لن يستطيع أن يخدع ربه أبداً.
    وقول الحق سبحانه:
    * بَقِيَّةُ اللَّهِ خَيْرٌ لَّكُمْ * [هود: 86].
    أي: أن الله تعالى يُذهِب ـ عمن يراعي حقوق غيره ـ مصارف السوء.
    وسبق أن قلنا قديماً: فلننظر إلى رزق السلب لا إلى رزق الإيجاب؛ لأن الناس في غالبيتها تنظر إلى رزق الإيجاب، بمعنى البحث عن المال الكثير، وينسون أن الحق سبحانه وتعالى قد يسلط مصارف السوء على صاحب المال الكثير الذي جمعه من غير حق، بينما يسلب عن الذي يرعى حقوق الناس تلك المصارف من السوء.
    ومن يُربُّون أولادهم من سُحْت أو حرام، لا يبارك الله فيهم؛ لأن هناك في تكوينهم شيئاً حراماً. فنجد ـ على سبيل المثال ـ ابن المرتشي يأخذ دروساً خصوصية ويرسب، بينما ابن المنضبط والملتزم بتحصيل الكسب الحلال مقبل على العلم وناجح. أو قد يرزق الله تعالى صاحب المال الحرام زوجة لا يرضيها أي شيء، بل تطمع في المزيد دائماً، بينما يعطي الله سبحانه من يرعى حقوق الناس زوجة تقدر كل ما يفعله.
    يقول الحق سبحانه:
    * بَقِيَّةُ اللَّهِ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ * [هود: 86].
    أي: إن كنتم مؤمنين بأن الله تعالى رقيب، وأنه سبحانه قيُّوم؛ فلا تأخذ حقّاً غير حقك؛ لأنك لن تستغل إلا نفسك؛ لأن الله سبحانه وتعالى رقيب عليك.
    ويُنهي الحق سبحانه الآية بقوله:
    * وَمَآ أَنَاْ عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ * [هود: 86].
    أي: أن شعيباً عليه السلام قد أوضح لأهل مدين: أنا لن أقف على رأس كل مفسد لأمنعه من الإفساد؛ لأن كل إنسان عليه أن يكون رقيباً على نفسه ما دام قد آمن بالله سبحانه، وما دام قد عرف أن الحق سبحانه قد قال:
    * بَقِيَّةُ اللَّهِ * [هود: 86].
    أي: أن ما يبقى إنما تشيع فيه البركة.
    وهذه هي فائدة الإيمان: ما يأمر به وما ينهي عنه.
    وهذا أمر يختلف عن القانون الوضعي؛ لأن عين القانون الوضعي قاصرة عما يخفى من أمور الناس فكأنها تحميهم من الوقوع تحت طائلته.

    . أما القانون الإلهي فهو محيط بأحوال الناس المعلنة، والخافية.
    ومن يتأمل الآيات الثلاث:
    * وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْباً قَالَ ياقَوْمِ اعْبُدُواْ اللَّهَ مَا لَكُمْ مِّنْ إِلَـاهٍ غَيْرُهُ وَلاَ تَنقُصُواْ الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ إِنِّي أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ وَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُّحِيطٍ * وَياقَوْمِ أَوْفُواْ الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ وَلاَ تَبْخَسُواْ النَّاسَ أَشْيَآءَهُمْ وَلاَ تَعْثَوْاْ فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ * بَقِيَّةُ اللَّهِ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ وَمَآ أَنَاْ عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ *[هود: 84ـ86].
    من يتأمل هذه الآيات يجد عناصر الصيانة للحركة في المجتمع كله، والمجتمع إن لم تُصَنْ حركته يفسد؛ لأن حركة المجتمع أرادها الحق سبحانه حركة تكاملية، لا تكرار فيها؛ ولو تكررت المواهب لما احتاج أحد إلى مواهب غيره.
    والمصلحة العامة تقتضي أن يحتاج كل إنسان إلى موهبة الآخر، فمن يدرس الدكتوراه فهو يحتاج إلى من يكنس الشارع، ومن يعالج الناس ليشفيهم الله نجده يحتاج إلى من يقوم بإصلاح المجاري.
    وماذا كان رد أهل مدين على قول شعيب؟
    يقول الحق سبحانه: * قَالُواْ ياشُعَيْبُ أَصَلَاوتُكَ تَأْمُرُكَ *
    قَالُوا يَا شُعَيْبُ أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ (87)

    أي: أيأمرك إلهك ودينك أن نترك ما يعبد آباؤنا؟
    ولقائل أن يقول: ولماذا قالوا: " أصلاتك "؟
    نقول: لأن الإسلام بُنِيَ على خمس: أولها شهادة ألاّ إله إلا الله وأن محمداً رسول الله؛ ويكفي أن يقولها الإنسان مرة واحدة في حياته كلها، ثم إقامة الصلاة، وبعد ذلك إيتاء الزكاة، ثم صوم رمضان، ثم حج البيت لمن استطاع إليه سبيلاً.
    وأنت إن نظرت إلى هذه الأركان فقد تجد إنساناً لا يملك ما يزكِّى به أو ما يحج به، وقد يكون مريضاً فلا صوم عليه، وهو ينطق بالشهادة مرة واحدة في حياته، ولا يبقى في أركان الدين إلا الصلاة؛ ولذلك يقال عنها: " عماد الدين من أقامها فقد أقام الدين، ومن تركها فقد هدم الدين " لأنها الركن الوحيد الذي يعلن العبد فيه الولاء لربه كل يوم خمس مرات، دواماً في الولاء لله.
    ولا تسقط الصلاة أبداً عن أي إنسان مهما كانت ظروفه، فإن عجز عن الحركة؛ فله أن يصلي برموش عينيه، وإن عجز عن تحريك رموش عينيه فَلْيُجْرِ الصلاة على قلبه، حتى في حالة الحرب والمسايفة فالإنسان المسلم يصلي صلاة الخوف.
    إذن: فالصلاة هي الركن الذي لا يسقط أبداً، ويُكرَّر في اليوم خمس مرات، وقد أعطاها الحق سبحانه في التشريع ما يناسبها من الأهمية.
    وكل تكليفات الإسلام جاءت بوحي من الله سبحانه وتعالى، فجبريل عليه السلام يحمل الوحي إلى الرسول صلى الله عليه وسلم؛ ويبلغنا الرسول صلى الله عليه وسلم إياه، وتميزت الصلاة وحدها بأن الحق سبحانه قد كلَّف بها النبي صلى الله عليه وسلم في أثناء وجوده في الملأ الأعلى؛ عند سدرة المنتهى، وذلك لفرط أهميتها.
    ومثال ذلك من حياتنا ـ ولله المثل الأعلى ـ نجد الرئيس في أي موقع من مواقع العمل؛ وهو يستقبل البريد اليومي المتعلق بالعمل، ويحول كل خطاب إلى الموظف المختص ليدرسه أو ليقترح بخصوصه اقتراحاً، وإذا وجد الرئيس أمراً مهمّاً قادماً من أعلى المستويات؛ فهو يستدعي الموظف المختص؛ ويرتب معه الإجراءات والترتيبات الواجب اتخاذها؛ وإذا كان هذا يحدث في الأمور البشرية، فما بالنا بالتكليف من الله سبحانه وتعالى للرسول؟
    وقد شاء الحق سبحانه أن يكون تكليف الصلاة ـ لأهميته ـ هو التكليف الوحيد الذي نال تلك المنزلة؛ لأنها الركن الذي يتكرر خمس مرات في اليوم الواحد؛ ولا مناص منه.
    فأنت قد لا تنطق الشهادة إلا مرة واحدة؛ لكنك تقولها في كل صلاة.
    وفي الزكاة تضحِّي ببعض المال؛ وأنت لم تولد ومعك المال؛ إلا إن كنت قد ورثت وأنت في بطن أمك؛ ولا بد أن تزكِّي من مالك؛ والمال لا يأتي إلا من العمل؛ والعمل فرع من الوقت؛ وأنت في الصلاة تضحِّي بالوقت نفسه؛ والوقت أوسع من دائرة الزكاة.

    وفي الصيام أنت تمتنع عن شهوتي البطن والفرج؛ من الفجر إلى المغرب؛ لكنك تمارس كل أنشطة الحياة؛ أما في الصلاة فأنت تصوم عن شهوتي الفرج والطعام؛ وتصوم أكثر عن أشياء مباحة لك في الصيام.
    وفي الحج أنت تتوجه إلى بيت الله الحرام؛ وأنت في كل صلاة تتوجه إلى بيت الله الحرام.
    وهكذا تجتمع كل أركان الإسلام في الصلاة.
    وأهل مدين هنا ـ في الآية الكريمة التي نحن بصدد خواطرنا عنها ـ قد هزءوا برسولهم شعيب عليه السلام، وصلاته؛ مثلما فعل كفار قريش مع رسول الله صلى الله عليه وسلم.
    وقال أهل مدين لشعيب عليه السلام:
    * أَصَلَاوتُكَ تَأْمُرُكَ * [هود: 87].
    وظنوا أنهم بهذا القول إنما يتهكمون عليه؛ لأن شعيباً كان كثير الصلاة؛ وهم ـ ككفار قريش ـ يجهلون أن الصلاة تأمر وتنهى.
    والحق سبحانه يقول:
    * إِنَّ الصَّلاَةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَآءِ وَالْمُنْكَرِ *[العنكبوت: 45].
    إذن: فللصلاة أمر، وللصلاة نهي، وما دام قد ثبت لشيء حكم؛ يثبت له مقابله، وأنت تسمع من يقول لآخر: أنت تصلي لذلك فأنا أثق في أمانتك وتسمع إنساناً آخر ينصح صديقاً بقوله: كيف تسمح لنفسك أن ترتكب هذا الإثم وأنت خارج من الصلاة؟
    وكثير من الناس يغفلون عن أن التقابل في الجهات إنما يحل مشاكل متعددة؛ فيأخذون جهة ويتركون الأخرى.
    ولذلك أقول: ما دام الحق سبحانه قد قال إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر، فلا بد أنها تأمر بالبر والخير.
    ومثال آخر: نجده في قول الحق سبحانه عن غرق قوم فرعون:
    * فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَآءُ وَالأَرْضُ *[الدخان: 29].
    وما دام الحق سبحانه وتعالى قد نفى بكاء السموات والأرض على قوم فرعون؛ ففي المقابل فلا بد أنها تبكي على قوم آخرين؛ لأن السموات والأرض من المسخّرات للتسبيح ، وقال الحق سبحانه عنهما:
    * إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا *[الأحزاب: 72].
    وبهذا القول اختارت كل من السموات والأرض مكانة الكائنات المسبِّحة، مصداقاً لقول الحق سبحانه:
    * وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ *[الإسراء: 44].
    فإذا رأت السموات والأرض إنساناً مُسبِّحاً؛ فلا بد أن تحبه، وإن رأت إنساناً كافراً، معانداً؛ فلا بد أن تكرهه.
    وما دامت السموات والأرض لم تبكِ على قوم فرعون؛ فذلك لأنهم ضالون؛ لأنها لا تبكي إلا على المهديين.
    وقد حلَّ لنا الإمام علي بن أبي طالب ـ كرم الله وجهه ـ هذه المسألة؛ فقال: " إذا مات المؤمن بكى عليه موضعان: موضع في الأرض، وموضع في السماء، أما موضعه الذي في الأرض؛ فمصلاّه، وأما موضعه في السماء فمصعد عمله ".
    لأن موضعه الذي كان يصلي فيه؛ يُحرم من أن واحداً كان يصلي فيه، وأما موضعه الذي كان يصعد منه عمله؛ فيفتقد رائحة عبور العمل الصالح.
    كلمتان خفيفتان على اللسان .. ثقيلتان في الميزان .. حبيبتان إلى الرحمن

    سبحان الله وبحمده .. سبحان الله العظيم

  2. #22
    Super Moderator
    رقم العضوية : 2
    تاريخ التسجيل : Jun 2016
    المشاركات: 3,273
    التقييم: 10
    الدولة : الأردن
    العمل : طالب علم
    فإن أردت بالصلاة الدين؛ وهي رمز الدين؛ فللصلاة أمر هو نفس أمر الدين، وهي الأمر بالإيمان الحق، لأن الإيمان المقلد لا نفع له.
    إذن: فقد أراد أهل مدين التهكم على دعوة شعيب لهم؛ وتساءلوا:
    * أَصَلَاوتُكَ تَأْمُرُكَ أَن نَّتْرُكَ مَا يَعْبُدُ ءابَاؤُنَآ * [هود: 87].
    وهذا القول يحمل أيضاً ردهم على دعوته لهم ألاّ يعبدوا غير الله؛ فلا إله غيره؛ وردوا كذلك على دعوته لهم ألاّ ينقصوا الكيل والميزان؛ وألاّ يبخسوا الناس أشياءهم؛ وأن يتيقنوا أن ما يبقى عند الله هو الخير لهم، وألا يعثوا في الأرض مفسدين.
    وقالوا: أتنهانا أيضاً عن أن نفعل بأموالنا ما نشاء؟ وكأنهم قد عميت بصيرتهم؛ لأنهم إن أباحوا لأنفسهم أن يفعلوا بأموالهم ما يشاءون؛ فغيرهم سيبيحون لأنفسهم أن يفعلوا بأموالهم ما يشاءون؛ وستصطدم المصالح، ويخسر الجميع.
    وقولهم: * إِنَّكَ لأَنتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ * [هود: 87].
    استمرار في التهكم الذي بدءوه بقولهم:
    * أَصَلَاوتُكَ تَأْمُرُكَ أَن نَّتْرُكَ مَا يَعْبُدُ ءابَاؤُنَآ * [هود: 87].
    مثلهم في ذلك مثل منافقي المدينة الذين قالوا للأنصار:
    * لاَ تُنفِقُواْ عَلَى مَنْ عِندَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنفَضُّواْ *[المنافقون: 7].
    وكانوا يريدون أن يضربوا المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار؛ وقد قالوا: * رَسُولِ اللَّهِ * تهكماً؛ وهم يحرضون أثرياء المدينة على تجويع المهاجرين.
    ومثلهم ـ أيضاً ـ مثل قوم لوط حين نهاهم عن فعل تلك الفحشاء؛ فقالوا تهكماً منه وممن آمن معه:
    * أَخْرِجُوهُمْ مِّن قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ *[الأعراف: 82].
    فهل تطهرهم علة للإخراج من القرية، ولكنهم قالوا هذا لأنهم لا يريدون أن يكون بينهم من يعكر ما هم فيه.
    وهذا مثلما نسمع في حياتنا من يقول: " لا تستعن بفلان لأنه حنبلي ".
    هم ـ إذن ـ قد قالوا:
    * إِنَّكَ لأَنتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ * [هود: 87].
    وهذا منطق السخرية منه؛ لأنه لم يوافقهم على عبادة غير الله؛ ولم يوافقهم على إنقاص الكيل والميزان؛ ونهاهم عن بَخْس الناس أشياءهم.
    وإذا قيل حُكْمٌ وهو حقٌّ؛ ويقوله من لا يؤمن به؛ فهو يقصد به الهُزْء والسخرية.
    وهو لون من التهكم جاء في القرآن الكريم في مواضع متعددة؛ فنجد الحق سبحانه يقول لمن تجبر وطغى في الدنيا؛ ويلقى عذاب السعير في الآخرة:
    * ذُقْ إِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ *[الدخان: 49].
    وكذلك يقول الحق سبحانه:
    * وَإِن يَسْتَغِيثُواْ يُغَاثُواْ بِمَآءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوجُوهَ *[الكهف: 29].
    وفي كُلٍّ من القولين تهكم وسخرية، وكذلك قولهم في الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها:
    * أَصَلَاوتُكَ تَأْمُرُكَ * [هود: 87].
    وهذا قول يحمل التهكم بصلاته.
    وكذلك قولهم:
    * إِنَّكَ لأَنتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ * [هود: 87].
    يعني التساؤل: كيف يصح لك وأنت العاقل الحليم أن تتورط وتقول لنا:
    * اعْبُدُواْ اللَّهَ مَا لَكُمْ مِّنْ إِلَـاهٍ غَيْرُهُ *[هود: 84].
    وقد قالوا ذلك لأنهم قد ألفوا عبادة الأصنام، وكذلك تهكموا على دعوته لهم بعدم إنقاص الكيل والميزان.
    وأيضاً لم يقبلوا منه قوله بأن يحسنوا التصرف في المال، والعلة التي برروا بها كل هذا السَّفَه أن شعيباً حليم رشيد؛ فيكف يدعوهم إلى ما يخالف أهواءهم؟
    ويأتي الحق سبحانه بما قاله شعيب ـ عليه السلام ـ فيقول جَلَّ شأنه: * قَالَ ياقَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّي *
    قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ (88)

    وهنا يعلن لهم شعيب ـ عليه السلام ـ أنه على يقين من أن الله سبحانه وتعالى قد أعطاه حجة ومنهجاً، وقد رزقه الرزق الحسن الذي لا يحتاج معه إلى أحد؛ فامور حياته ميسورة.
    وقد يكون المقصود بالرزق الحسن رحمة النبوة.
    ثم يقول الحق سبحانه ما جاء على لسان شعيب عليه السلام:
    * وَمَآ أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَآ أَنْهَاكُمْ عَنْهُ * [هود: 88].
    أي: أنني أطبق ما أدعوكم إليه على نفسي؛ فلا أنقص كيلاً أو أخْسِر ميزاناً، ولا أبخس أحداً أشياءه؛ لأني لا أعبد غير الله.
    وكلمة " أخالف " تدل على اتجاهين متضادين، فإن كان قولك بهدف صرف إنسان عن فعل لكي تفعله أنت؛ تكون قد خالفته " إلى " كذا، وإن كنت تريده أن يفعل فعلاً كيلا تفعله أنت؛ تكون قد خالفته " عن " كذا.
    فشعيب ـ عليه السلام ـ يوضح لهم أنه لا ينهاهم عن أفعال؛ ليفعلها هو؛ بل ينهاهم عن الذي لا يفعله؛ لأن الحق سبحانه قد أمره بألا يفعل تلك الأفعال، فالحق سبحانه هو الذي أوحى له بالمنهج، وهو الذي أنزل عليه الرسالة.
    وشعيب ـ عليه السلام ـ لا ينهاهم عن أفعال يفعلها هو؛ لأنه لا يستأثر لنفسه بما يرونه خيراً؛ فليس في نقص الكيل والميزان؛ أو الشرك بالله أدنى خير، فكل تلك الأفعال هي الشر نفسه.
    ويوضح لهم شعيب ـ عليه السلام ـ مهمة النبوة؛ فيقول:
    * إِنْ أُرِيدُ إِلاَّ الإِصْلاَحَ مَا اسْتَطَعْتُ * [هود: 88].
    فالنبوات كلها لا يرسلها الله تعالى إلا حين يطم الفساد، ويأتي النبي المُرسَل بمنهج يدل الناس إلى ما يصلح أحوالهم؛ من خلال " افعل " و " لا تفعل " ويكون النبي المُرسَل هو الأسوة لتطبيق المنهج؛ فلا يأمر أمراً هو عنه بنَجْوةٍ؛ ويطبق على نفسه أولاً كل ما يدعو إليه.
    ولذلك قال شعيب ـ عليه السلام ـ:
    * إِنْ أُرِيدُ إِلاَّ الإِصْلاَحَ مَا اسْتَطَعْتُ * [هود: 88].
    لأن الله سبحانه وتعالى لا يكلف نفساً إلا وسعها، وما يدخل في طوعها.
    ويقول شعيب ـ عليه السلام ـ بعد ذلك:
    * وَمَا تَوْفِيقِي إِلاَّ بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ * [هود: 88].
    وهكذا نعلم أن هناك فرقاً بين العمل؛ وبين التوفيق في العمل؛ لأن جوارحك قد تنشغل بالعمل؛ ولكن النية قد تكون غير خالصة؛ عندئذ لا يأتي التوفيق من الله.
    أما إن أقبلت على العمل؛ وفي نيتك أن يوفقك الله سبحانه لتؤدي هذا العمل بإخلاص؛ فستجد الله تعالى وهو يصوِّب لك أيَّ خطأ تقع فيه؛ وستنجز العمل بإتقان وتشعر بجمال الإتقان، وفي الجمال جلال.
    والحق سبحانه وتعالى يقول هنا ما جاء على لسان شعيب عليه السلام: * عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ *؛ أي: أنه لا يتوكل إلا على الله؛ ولا يصح أن تعطف على هذا القول شيئاً؛ لأنك إن عطفت على هذا القول وقلت " على الله توكلت وعليك "؛ فتوقع ألا يوفقك الله، لأنك أشركت أحداً غير الله.

    ونجد في القرآن الكريم قول الحق سبحانه على لسان هود عليه السلام:
    * تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ *[هود: 56].
    ويجوز لك هنا أن تعطف.
    ولك أن تتذكر قول أحد العارفين: " اللهم إني أستغفرك من كل عملٍ قصدتُ به وجهك فخالفني فيه ما ليس لك ".
    فلا تترك شيئاً يزحف على توكلك على الله تعالى؛ لأنك إليه تنيب؛ وترجع؛ كما قال شعيب عليه السلام: * وَإِلَيْهِ أُنِيبُ *.
    ويقول الحق سبحانه وتعالى من بعد ذلك: * وَياقَوْمِ لاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِي *
    وَيَا قَوْمِ لَا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِي أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ مَا أَصَابَ قَوْمَ نُوحٍ أَوْ قَوْمَ هُودٍ أَوْ قَوْمَ صَالِحٍ وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ (89)

    يقول لهم شعيب عليه السلام: أرجو ألا تحملكم عداوتكم لي على أن تُجرموا جُرْماً؛ يكون سبباً في أن ينزل الحق سبحانه بكم عقاباً، مثلما أصاب القوم الذين سبقوكم؛ من الذين خالفوا رسلهم؛ فأنزل الله ـ عز وجل ـ عليهم العذاب كالغرق، و الرجفة، والصيحة، والصاعقة، فاحذروا ذلك.
    وشعيب عليه السلام ينصحهم هنا حرصاً منه عليهم، على الرغم من علمه أنهم يكنون له العداء؛ لأنه دعاهم إلى ترك عبادة الأصنام التي عبدوها آباءهم؛ ونهاهم عن إنقاص الكيل والميزان، وألا يبخسوا الناس أشياءهم؛ وسبق أن عذَّب الحق سبحانه المخالفين لشرع الله من الأمم السابقة؛ ويذكرهم شعيب ـ عليه السلام ـ بأقرب من عُذِّبوا زماناً ومكاناً؛ وهم قوم لوط.
    يقول الحق سبحانه وتعالى بعد ذلك: * وَاسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ *
    وَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ (90)

    وهذه الآية تبين لنا أن الحق سبحانه لا يغلق أمام العاصي ـ حتى المُصِرّ على شيء من المعصية ـ باب التوبة.
    ويقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: " الله أفرح بتوبة عبده من أحدكم سقط على بعيره وقد أضله في أرض فلاة ".
    ولنا أن نتخيل بماذا يشعر من فقد بعيره؛ وهذا البعير يحمل زاد صاحبه ورَحْله؛ ثم يعثر الرجل على بعيره هذا.
    لا بد ـ إذن ـ أن يفرح صاحب البعير بالعثور عليه.
    والحق سبحانه يقول هنا ما جاء على لسان شعيب ـ عليه السلام ـ لقومه:
    * وَاسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ * [هود: 90].
    وما دمتم ستستغفرونه عن الذنوب الماضية؛ وتتوبون إليه؛ بألا تعودوا إلى ارتكابها مرة أخرى؛ فالحق سبحانه لا يرد مَنْ قصد بابه: * إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ * [هود: 90] لأن مغفرته تستر العذاب، ورحمته تمنع العذاب.
    وجاء الحق سبحانه هنا بأوسع المعاني: المغفرة، والرحمة، ومعهما صفته " الودود "؛ وهي من الود؛ والود هو الحب؛ والحب يقتضي العطف على قدر حاجة المعطوف عليه.
    ولله المثل الأعلى: نرى الأم ولها ولدان: أولهما قادر ثري يأتي لها بما تريد؛ وثانيهما ضعيف فقير؛ فنجد قلب الأم ـ دائماً ـ مع هذا الضعيف الفقير؛ وتحنِّن قلب القويِّ القادر على الفقير الضعيف.
    ونجد المرأة العربية القديمة تجيب على من سألها: أي أبنائك أحب إليك؟ فتقول: الصغير حتى يكبر؛ والغائب حتى يعود؛ والمريض حتى يشفى.
    إذن: فالحب يقتضي العطف على قدر الحاجة.
    ويقول الحق سبحانه في الحديث القدسي:
    " يا بن آدم؛ لا تَخَافنَّ من ذي سلطان؛ ما دام سلطاني باقياً؛ وسلطاني لا ينفد أبداً. يا بن آدم لا تَخْشَ من ضيق رزق؛ وخزائني ملآنة، وخزائني لا تنفد أبداً. يا بن آدم خلقتك للعبادة؛ فلا تلعب، وضمنت لك رزقك فلا تتعب، فَوَعِزَّتي وجلالي إن رضيت بما قسمتُه لك أرحتُ قلبك وبدنك؛ وكنتَ عندي محموداً؛ وإن أنت لم ترض بما قسمتُه لك؛ فوعزتي وجلالي لأسلِّطنَّ عليك الدنيا، تركض فيها ركض الوحوش في البرية؛ ثم لا يكون لك منها إلا ما قسمته لك. يا بن آدم خلقت السموات والأرض ولم أعْيَ بخلقهنَّ؛ أيعييني رغيف عيش أسوقه لك؟ يا بن آدم لا تسألني رزق غد كما أطلب منك عمل غدٍ. يا بن آدم أنا لك مُحِبٌّ؛ فبحقي عليك كنْ لي مُحِبّاً ".
    وهذا الحديث الكريم يبيِّن مدى مودة الله سبحانه لخلقه؛ تلك المودة التي لا تستوعبها القلوب المشركة.
    ويأتي الحق ـ سبحانه وتعالى ـ بعد ذلك بقول أهل مدين رَدّاً على شعيب عليه السلام ـ: * قَالُواْ ياشُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيراً *
    قَالُوا يَا شُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمَّا تَقُولُ وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفًا وَلَوْلَا رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ وَمَا أَنْتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ (91)

    وهذا يُظاهي قول مشركي قريش لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فقد قالوا:
    * قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِي آذانِنَا وَقْرٌ وَمِن بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ *[فصلت: 5].
    والإيمان يتطلب قلباً غير ممتلىء بالباطل؛ ليُحسن استقباله؛ أما القلوب الممتلئة بالباطل، فهي غير قادرة على استقبال الإيمان؛ إلا إذا أخلت العقولُ تلك القلوبَ من الباطل، وناقشت العقول كُلاً من الحق والباطل، ثم تأذن لما اقتنعت به أن يدخل القلوب.
    ولذلك نجد الحق سبحانه وتعالى يطبع ويختم على القلوب الممتلئة بالكفر؛ فلا يخرج منها الكفر ولا يدخل فيها الإيمان.
    ولم يكتف أهل مدين بإعلان الكفر؛ بل هددوا شعيباً وقالوا:
    * وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفاً وَلَوْلاَ رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ وَمَآ أَنتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ * [هود: 91].
    وهذا التهديد يحمل تحدِّياً، وكأنهم ظنوا أن بقدرتهم الفتك به؛ لأنهم يبغضون حياته؛ وأعلنوا حجة واهية؛ وهي أن رهطه ـ أي: قومه وأهله؛ لأن الرهط هم الجماعة التي يتراوح عدد أفرادها بين ثلاثة وعشرة أفراد ـ ما زالوا على عبادة الأصنام؛ وأن هذا الرهط سيغضب لأي ضرر يصيب شعيباً؛ وتناسوا أن الذي أرسل شعيباً ـ عليه السلام ـ لا بد أن يحميه، وهم ـ بتناسيهم هذا ـ حققوا مشيئة الله ـ عز وجل ـ بأن يُسخِّر الكفر لخدمة الإيمان.
    ومثال ذلك: هو بقاء عم النبي صلى الله عليه وسلم أبي طالب على دين قومه؛ وقد ساهم هذا الأمر في حماية محمد صلى الله عليه وسلم في ظاهر الأسباب
    ثم يأتي الحق سبحانه من بعد ذلك بردِّ شعيب عليه السلام على قومه؛ فيقول: * قَالَ ياقَوْمِ أَرَهْطِي أَعَزُّ عَلَيْكُم مِّنَ اللَّهِ *
    قَالَ يَا قَوْمِ أَرَهْطِي أَعَزُّ عَلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَاتَّخَذْتُمُوهُ وَرَاءَكُمْ ظِهْرِيًّا إِنَّ رَبِّي بِمَا تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ (92)

    وهنا يتساءل شعيب عليه السلام باستنكار: أوضعتم رهطي في كفة؛ ومعزَّة الله تعالى في كفة؟ وغلَّبتم خوفكم من رهطي على خوفكم من الله؟! ولم يأبه شعيب عليه السلام باعتزازهم برهطه أمام اعتزازه بربه؛ لأنه أعلن ـ من قبل ـ توكله على الله؛ ولأنه يعلم أن العزة لله تعالى أولاً وأخيراً.
    ولم يكتفوا بذلك الاعتزاز بالرهط عن الاعتزاز بالله؛ بل طرحوا التفكير في الإيمان بالله وراء ظهورهم؛ لأن شعيباً عليه السلام يقول لهم:
    * وَاتَّخَذْتُمُوهُ وَرَآءَكُمْ ظِهْرِيّاً * [هود: 92].
    أي: لم يجعلوا الله سبحانه ـ أمامهم، فلم يأبهوا بعزة الله؛ ولا بحماية الله؛ وجعلوا لبعض خلقه معزَّة فوق معزَّة الله.
    ولم يقل: (ظِهْرِيًّا) نسبة إلى (الظهر)، فعندما ننسب تحدث تغييرات، فعندما ننسب إلى اليمن نقول: يمنيّ. ونقول: يمانيّ، فالنسب هنا إلى الظهري، وهي المنسي والمتروك، فأنت ساعة تقول: أنت طرحت فلاناً وراء ظهرك، يعني جعلته بعيداً عن الصورة بالنسبة للأحداث، ولم تحسب له حساباً. إذن: فهناك تغييرات تحدث في باب النسب.
    ويذكِّرهم شعيب عليه السلام بقوله:
    * إِنَّ رَبِّي بِمَا تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ * [هود: 92].
    أي: أن كل ما تقولونه أو تفعلونه محسوب عليكم؛ لأن الحق سبحانه لا تخفَى عليه خافية، وقد سبق أن عرفنا أن القول يدخل في نطاق العمل؛ فكلُّ حدث يقال لهم: " عمل "؛ وعمل اللسان هو القول؛ وعمل بقية الجوارح هو الأفعال.
    وقد شرَّف الحق سبحانه القول لأنه وسيلة الإعلام الأولى عنه سبحانه.
    يقول الحق سبحانه من بعد ذلك ما جاء على لسان شعيب عليه السلام: * وَياقَوْمِ اعْمَلُواْ عَلَى مَكَانَتِكُمْ *
    وَيَا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ سَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَمَنْ هُوَ كَاذِبٌ وَارْتَقِبُوا إِنِّي مَعَكُمْ رَقِيبٌ (93)

    إذن: فشعيب عليه السلام عنده القضية المخالفة؛ لأن الله تعالى عنده أعزُّ من رهطه؛ وباعتزازه بربه قد آوى إلى ركن شديد، وبهذا الإيمان يعلن لهم: افعلوا ما في وُسْعكم، وما في مُكْنتكم هو ما في مُكْنة البشر، وسأعمل ما في مُكْنتي، ولست وحدي، بل معي الله سبحانه وتعالى؛ ولن تتسامى قوتكم الحادثة على قدرة الله المطلقة.
    ومهما فعلتم لمعارضة هذا الإصلاح الذي أدعوكم إليه؛ فلن يخذلني الذي أرسلني؛ وما دمتم تريدون الوقوف في نفس موقف الأمم السابقة التي تصدت لموجات الإصلاح السماوية؛ فهزمهم الله سبحانه بالصيحة، وبالرجفة، وبالريح الصرصر، وبالقذف بأي شيء من هذه الأشياء، وقال لهم: اعملوا على مكانتكم، وإياكم أن تتوهموا أني أتودد إليكم؛ فأنا على بينة من ربي، ولكني أحب الخير لكم، وأريد لكم الإصلاح.
    ولم يَقُلْ شعيب عليه السلام هذا القول عن ضعف، ولكن قاله ردّاً على قولهم:
    * وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفاً وَلَوْلاَ رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ *[هود: 91].
    وأبرز لهم مكانته المستمدة من قوة مَنْ أرسله سبحانه وتعالى، وقال:
    * اعْمَلُواْ عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ * [هود: 93].
    وهكذا أوضح لهم: أنا لن أقف مكتوف الأيدي، لأني سأعمل على مكانتي، و * سَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَمَنْ هُوَ كَاذِبٌ وَارْتَقِبُواْ إِنِّي مَعَكُمْ رَقِيبٌ * [هود: 93].
    أي: أن المستقبل سوف يبيِّن مَنْ مِنَّا على الحق ومَنْ مِنَّا على الضلال، ولم سيكون النصر والغلبة، ومن الذي يأتيه الخزي؛ أي: أن يشعر باحتقار نفسه وهوانها؛ ويعاني من الفضيحة أمام الخلق؛ ومَنْ مِنَّا الكاذب، ومَنْ على الحق.
    وكان لا بد أن تأتي الآية التالية: * وَلَمَّا جَآءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا شُعَيْباً وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ *
    كلمتان خفيفتان على اللسان .. ثقيلتان في الميزان .. حبيبتان إلى الرحمن

    سبحان الله وبحمده .. سبحان الله العظيم

  3. #23
    Super Moderator
    رقم العضوية : 2
    تاريخ التسجيل : Jun 2016
    المشاركات: 3,273
    التقييم: 10
    الدولة : الأردن
    العمل : طالب علم
    وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا شُعَيْبًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ (94)

    ونلحظ أن الحق سبحانه قد أورد في هذه السورة: أسلوبين منطوقين أحدهما بالواو، والآخر بالفاء.
    الأول: * وَلَمَّا جَآءَ أَمْرُنَا * [هود: 94]، في قصة اثنين آخرين من الرسل.
    الثاني:* فَلَمَّا جَآءَ أَمْرُنَا *[هود: 66].
    في قصة اثنين من الرسل.
    وقصة شعيب هي إحدى القصتين اللتين جاء فيهما * وَلَمَّا جَآءَ أَمْرُنَا * ولم يأت بـ " الفاء " لأنها ـ كما نعلم ـ تقتضي التعقيب بسرعة، وبدون مسافة زمنية؛ وتسمى في اللغة " فاء التعقيب " ، مثل قول الحق سبحانه:
    * ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ *[عبس: 21].
    أما " ثم " فتأتي لتعقيب مختلف؛ وهو التعقيب بعد مسافة زمنية؛ مثل قول الحق سبحانه:
    * ثُمَّ إِذَا شَآءَ أَنشَرَهُ *[عبس: 22].
    وقد جاءت " الفاء " مرة في قصة قوم لوط؛ لأن الحق سبحانه قد حدد الموعد الذي ينزل فيه العذاب، وقال:
    * إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ *[هود: 81].
    فكان لا بد أن تسبق " الفاء " هذا الحديث عن عذابهم، فقال:
    * فَلَمَّا جَآءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِّن سِجِّيلٍ مَّنْضُودٍ *[هود: 82].
    أما هنا في الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها، فقد قال الحق سبحانه:
    * وَلَمَّا جَآءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا شُعَيْباً وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ * [هود: 94].
    ولم يذكر وعداً ولم يحدد موعد العذاب.
    والحق سبحانه يقول:
    * وَلَمَّا جَآءَ أَمْرُنَا * [هود: 94].
    وكل أمر يقتضي آمراً؛ ويقتضي مأموراً؛ ويقتضي مأموراً به.
    والآمر هنا هو الله سبحانه؛ وهو القادر على إنفاذ ما يأمر به، ولا يجرؤ مأمور ما على مخالفة ما يأمر به الحق سبحانه؛ فالكون كله يأتمر بأمر خالقه.
    إذن: فحين يخبرنا الحق سبحانه وتعالى أن العذاب قد جاء لقوم؛ فمعنى ذلك أن الأمر قد صدر؛ ولم يتخلف العذاب عن المجيء؛ لأن التخلف إنما ينشأ من مجازفة أمر لمأمور قد لا يطيعه، ولا يجرؤ العذاب على المخالفة لأنه مُسخَّر، لا اختيار له.
    والقائل هنا هو الله سبحانه صاحب الأمر الكوني والأمر التشريعي؛ فإذا قال الحق سبحانه حكماً من الأحكام وسجله في القرآن؛ فتيقن من أنه حادث لا محالة؛ لأن القضية الكونية هي من الحق سبحانه وتعالى، ولا تتخلف أو تختلف مع مشيئته سبحانه، والحكم التشريعي يسعد به مَنْ يُطِّبقه؛ ويشقى من يخالفه.
    والحق سبحانه يعطينا مثالاً لهذا في قصة أم موسى.. يقول جَلَّ شأنه:
    * وَأَوْحَيْنَآ إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي اليَمِّ *[القصص: 7].
    فمنطق البشر يقول: كيف نقول لامرأة: إذا خِفْتِ على ابنك ألقيه في البحر؟ كيف ننجيه من موت مظنون إلى موت محقق؟
    هذا وإن كان مخالفاً لسنن العادة إلا أن أم موسى سارعت لتنفيذ أمر الله سبحانه؛ لأن أوامر الله بالإلهام للمقربين، لا يأتي لها معارض في الذهن.

    والحق سبحانه كما أمرها بإلقاء وليدها في اليم ، فقال:
    * إِذْ أَوْحَيْنَآ إِلَى أُمِّكَ مَا يُوحَى * أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ *[طه: 38ـ39].
    كذلك أمر الحق ـ سبحانه وتعالى ـ اليمَّ بإلقاء التابوت ، وفي داخله موسى ـ للساحل، ولذلك فيقين أم موسى في أن أوامر الله لا تتخلف، جعلها تسارع في تنفيذ ما أمرها الله به.
    والحق سبحانه يريد أن يُربِّبَ الإيمان، أي: يزيده في قلوب عباده، فَهَبْ أن الله قضى بقضية أو أمر بأمر، ثم لم يأت الكون على وفق ما أمر الله، فماذا يكون موقف الناس؟
    فما دام رب العزة سبحانه قد قال فلا بد أن يحدث ما أمر به، فعندما يقول الحق سبحانه:* وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ *[الصافات: 173].
    فلا بد أن تكون الغلبة لجنود الله، فإذا ما غُلبوا فافهموا أن شرط الجندية لله قد تخلَّف، وأن عنصراً من عناصر الجندية قد تخلف وهو الطاعة.
    ومثال هذا: الذين خالفوا أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم في البقاء على الجبل يوم أحد، إنهم خالفوا أمر الرسول صلى الله عليه وسلم، فماذا يحدث لو أنهم انتصروا مع هذه المخالفة؟
    إذن: فقد انهزم المسلمون الذين اختلت فيهم صفة من صفات جنديتهم لله.
    ولا بد أن تلتقي القضيتان: القرآنية والكونية؛ لأن قائل القرآن هو صاحب سنن الكون سبحانه وتعالى.
    ولأن أهل مدين هنا قد أعلنوا الكفر؛ فلا بد أن يأتيهم العذاب.
    وسمَّى الحق سبحانه هنا العذاب بالصيحة؛ وقال:
    * وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُواْ الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُواْ فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ * [هود: 94].
    وسمَّى الحق سبحانه في سورة الأعراف العذاب الذي لحق بهم: " الرجفة "؛ فقال:
    * فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُواْ فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ *[الأعراف: 91].
    وسماه في قصة قوم عاد:
    * بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ *[الحاقة: 6].
    وسمَّاه بالخسف في عذاب قارون.
    ومن عظمة التوجيه الإلهي أن العذاب كان ينتقي القوم الكافرين فقط؛ ولا يصيب الذين آمنوا، بدليل قول الحق سبحانه:
    * نَجَّيْنَا شُعَيْباً وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ * [هود: 94].
    ولا يقدر على ذلك إلا إله قادر مقتدر؛ يُصرِّف الأمور كما يشاء سبحانه.
    وكلمة " نجينا ": من النجاة؛ أي: أن يوجد بنجوة؛ وهي المكان العالي، والعرب قد عرفوا مبكراً طغيان الماء؛ فقد كانوا يقيمون في اليمن ثم بعثرهم السيل مصداقاً لقول الحق سبحانه:
    * لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتَانِ عَن يَمِينٍ وَشِمَالٍ كُلُواْ مِن رِّزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُواْ لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ * فَأَعْرَضُواْ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَىْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِّن سِدْرٍ قَلِيلٍ *[سبأ: 15ـ16].
    هكذا تفرق العرب من اليمن؛ وانتشروا في الجزيرة العربية، وكانوا يخافون من الماء ـ رغم أنه سر الحياة؛ وفضَّلوا التعب في البحث عن الماء للشرب لهم ولأنعامهم؛ بدلاً من الوجود بجانب الماء، ومن عداوة الماء جاءت كلمة " نجا " أي: صعد إلى مكان مرتفع.

    واستخدمت كلمة " نجا " في كل موقف ينجو فيه الإنسان من الخطر الداهم، فيقال: " نجا من النار "؛ " ونجا من العدو "؛ " ونجا من الحيوان المفترس "؛ وكلها مأخوذة من النجوة، أي: المكان المرتفع. ويقال في الفعل (نجا): نجا فلان، إذا كانت قوته تسعفه ليخلص نفسه من العذاب.
    أما إذا كانت قوته غير قادرة على تخليصه من العذاب، فهو يحتاج إلى مَنْ يُنجيه، ويُقال: " أنجاه " ، إذا كانت المسألة تحتاج إلى جهد ومعالجة صعبة ليتحقق الفوز.
    ونسب الفعل فيها إلى الله؛ فقال " نجينا ".
    ويأتي الحق سبحانه في مثل هذا الأمر بضمير الجمع، كقوله تعالى:
    * إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ *[القدر: 1].
    فكل شيء فيه فعل من الحق سبحانه وتعالى يأتي الله فيه بضمير الجمع: إنَّا.
    أما إذا كان الشيء متعلقاً بصفة من صفات الذات الإلهية، فإن الحق سبحانه يأتي بضمير الإفراد (أنا) مثل قوله تعالى:
    * إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ *[طه: 14].
    وقد أنجى الحق سبحانه شعيباً والذين آمنوا معه؛ لأن شعيباً عليه السلام قال لقومه:
    * اعْمَلُواْ عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ *[هود: 93].
    وكان عمل شعيب عليه السلام فيه صحة وعزيمة التوكل؛ لذلك أنجاه الله تعالى والذين آمنوا معه، فهو سبحانه لا يريد من عباده إلا التوجه بالنية الخالصة الصادقة إليه، فإذا توجَّه العبد بالنية الصادقة إلى الله، فالحق سبحانه يريح العبد، ويُعينه بالاطمئنان على أداء أي عمل.
    ومجرد الإيمان بالله تعالى والاتجاه إليه بصدق وإخلاص؛ يفتح أمام العبد آفاقاً من النجاح والرفعة.. والمفتاح في يد العبد؛ لأن الحق سبحانه قد قال في الحديث القدسي:
    " من ذكرني في نفسه ذكرته في ملأ خير منه ".
    إذن: فالمفتاح في يد العبد.
    والحق سبحانه هو القائل:
    " ومن تقرَّب إليَّ شبراً تقرَّبتُ إليه ذراعاً ".
    وهكذا يترك الحق سبحانه أمر التقرب إليه للعبد، وعندما يتقرب العبد من الله تعالى، فإنه سبحانه يتقرَّب إلى العبد أكثر وأكثر.
    ثم يقول الحق سبحانه في حديثه القدسي:
    " ومن جاءني يمشي أتيته هرولة " لأن المشي قد يُتعب العبد، لكن لا شيء يُتعب الحق سبحانه أبداً؛ لأنه مُنزَّهٌ عن ذلك.
    إذن: فالحق سبحانه يريد منا أن نُخلص النية في الالتحام بمعية الله تعالى، ليضفي علينا ربنا سبحانه من صفات جلاله وصفات جماله.
    وانظروا إلى سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه أبو بكر الصديق رضي الله عنه في الغار.. يقول الحق سبحانه:
    * إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا * [التوبة: 40].
    أي: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ينهى صاحبه عن الحزن بعلة معية الله سبحانه وتعالى، ولا بد أن أبا بكر الصديق قد قال كلاماً يفيد الحزن؛ لأن الحزن لم يأت له من تلقاء نفسه، بل من قانونٍ كوني، حين قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: " لو نظر أحدهم تحت قدميه لرآنا " لكن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يتكلم عن القانون الكوني، لكنه يتكلم عن طلاقة قدرة المكوِّن سبحانه، فقال: " ما ظنك باثنين الله ثالثهما؟ ".
    فمعية الله أضفت عليهما شيئاً من جلاله وجماله، والله سبحانه لا تدركه الأبصار، وهو يدرك الأبصار.
    وقد أنجى الحق سبحانه شعيباً والذين آمنوا معه برحمة منه سبحانه، والرحمة ألا يصيبك شيء.
    ومثال ذلك: إن الإنسان يعالج فيشفى، ومرة أخرى يحميه الله من الداء.
    ولذلك انتبهوا إلى حقيقة أن القرآن قد جاء بأمرين: شفاء، ورحمة، فإذا كان هناك داء وترجعه إلى منهج الله؛ فالحق سبحانه يشفيه، والرحمة ألا يصيبك الداء من البداية.
    وأما الذين ظلموا فقد أخذتهم الصيحة، وفي آية أخرى يقول سبحانه:
    * وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُواْ الصَّيْحَةُ *[هود: 67].
    وفي هذه الآية يقول الحق سبحانه:
    * وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُواْ الصَّيْحَةُ * [هود: 94].
    لأن القرآن على جمهرته جاء على لغة قريش، لا ليُعْلي قريشاً؛ ولكن لأن لغة قريش كانت مُصفَّاة من جميع القبائل العربية، فهي تملك صفوة لغة كل القبائل، ولكن لم يكن ذلك يعني أن نطمس بقية القبائل.
    ولذلك جاء في القرآن بعض من لغات القبائل الأخرى، حتى لا يعطي لقريش سيادة في الإسلام كما كان لها سيادة في الجاهلية، لذلك يأتي بلغات القبائل الأخرى، فمرة ياتي بتاء التأنيث ومرة لا يأتي بها.
    والتأنيث إما أن يكون حقيقياً أو مجازياً. والتأنيث الحقيقي هو المقابل للمذكر، مثل: المرأة. والتأنيث المجازي مثل: " الصيحة " و " الحجرة ". وكانت القبائل العربية تتجاوز في المؤنث المجازي؛ فمرة تأتي " التاء " ومرة لا تأتي.
    وإن كان هناك فَصْل بين الفعل والفاعل، فالفاصل قائم مقام التأنيث فيقول سبحانه:
    * وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُواْ الصَّيْحَةُ *[هود: 67].
    فكأن الصيحة لها مقدرة على أن تأخذ بما أودعه فيها مُرسِل الصيحة من قوة الأخذ، وأخذه أليم شديد.
    ويُنهي الحق سبحانه الآية الكريمة بقوله تعالى:
    * فَأَصْبَحُواْ فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ * [هود: 94].
    ونلحظ أن كل عذاب إنما يحدد له الحق سبحانه موعداً هو الصبح، مثل قوله تعالى:
    * إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ *[هود: 81].
    ومثل قوله الحق:
    * فَسَآءَ صَبَاحُ الْمُنْذَرِينَ *[الصافات: 177].
    والصبح هو وقت الهجمة على الغافل الذي لم يغادره النوم بعد، مثل زُوَّار الفجر الذين يقبضون على الناس قبيل النهار.
    ويقول الحق سبحانه:
    * فَأَصْبَحُواْ فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ * [هود: 94].

    ولم يقل سبحانه: " فأصبحوا في دارهم جاثمين "؛ لأن بعضهم قد لا يكون في بيته، بل في مكان آخر لزيارة أو تجارة.
    ومثال ذلك: قصة أبي رغال، وكان في مكة، لكن الحجر الذي قتله بإرادة الله سبحانه نزل عليه في البقاع ولم ينزل عليه الحجر في مكة؛ لأن الله سبحانه قد شاء ألا ينزل عليه الحجر في البيت الحرام، الآمن، وكأن الحجر قد تتَّبعه، مثلما تتبعت الصيحة الكفار من أهل مدين.
    ونلحظ في الكلمة الأخيرة من هذه الآية الكريمة وهي " جاثمين " أن حرفي " الجيم " و " الثاء " حين يجتمعان معاً ـ بصرف النظر عن الحرف الثالث ، ففيهما شيء من الهلاك، وشيء من الغنائية. ومعنى " جاثمين " أي: مُلقَون على بطونهم بلا حراك.
    والحق سبحانه يقول:
    * وَتَرَى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً *[الجاثية: 28].
    أي: يركع كل مَنْ فيها على ركبتيه. ويقال عن الميت: " الجثة ".
    وانظروا إلى عظمة الحق سبحانه حين يجعل الناس تنطق لفظ " الجثة " تعبيراً عن أي " ميت " عظيماً كان أم وضيعاً، ثم توضع جثته في القبر، لتحتضنه أمه الأولى؛ الأرض.
    ومن يرغب في تهدئة إنسان ملتاع وغاضب لموت عزيز عليه، فَلْيقُلْ له: هل تتحمل جثمانه أسبوعاً؟ وسوف يجيب: " لا ".
    إذن: فبمجرد أن ينزع الله سبحانه السر الذي به كان الإنسان إنساناً، وهو الروح، يصبح الإنسان جثة ثم يتخشب، ثم يَرِمُّ.
    ويقول الحق سبحانه بعد ذلك وصفاً لمن أخذتهم الصيحة من أهل " مدين ": * كَأَن لَّمْ يَغْنَوْاْ فِيهَآ *
    كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا أَلَا بُعْدًا لِمَدْيَنَ كَمَا بَعِدَتْ ثَمُودُ (95)

    أي: أن من يمر على أهل " مدين " بعد ذلك كأنهم لم يكن لهم وجود.
    والحق سبحانه يقول:
    * حَتَّى إِذَآ أَخَذَتِ الأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَآ أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَآ أَتَاهَآ أَمْرُنَا *[يونس: 24].
    فالإنسان الذي ارتقى حتى وصل إلى الحضارات المتعددة، إلى حد أنه قد يطلب القهوة بالضغط على زر آلة، فإذا شاء الله سبحانه أزال كل ذلك في لمح البصر.
    هذه الحياة المرفهة يستمتع فيها الإنسان كمخدوم، وهي غير الجنة التي ينال فيها الإنسان ما يشتهي بمجرد أن يخطر الأمر بباله.
    وهنا يقول الحق سبحانه:
    * كَأَن لَّمْ يَغْنَوْاْ فِيهَآ * [هود: 95].
    ومادة " الغنى " منها: الغناء ـ بكسر الغين ـ وهو ما يغنيه المطربون، ومنها الغناء ـ بفتح الغين ـ وهو يؤدي إلى الشيء الذي يغنيك عن شيء آخر، فالغنى بالمال يكتفي عما في أيدي الناس.
    وهكذا الغناء؛ لأن الأذن تسمع كثيراً، والعين تقرأ كثيراً، لكن الإنسان لا يردد إلا الكلام الذي يعجبه، والملحَّن بطريقة تعجبه؛ فالغناء هو اللحن المستطاب الذي يغنيك عن غيره.
    والغَناء، أي: الإقامة في مكان إقامةً تغنيك عن الذهاب إلى مكان آخر، وتتوطن في هذا المكان الذي يغنيك عن بقية الأماكن.
    إذن: فقول الحق سبحانه:
    * كَأَن لَّمْ يَغْنَوْاْ فِيهَآ * [هود: 95].
    أي: كأنهم لم يقيموا هنا، ويستغنوا بهذا المكان عن أي مكان سواه.
    ويقول الحق سبحانه في موضع آخر من القرآن الكريم:
    * مِنْهَا قَآئِمٌ وَحَصِيدٌ *[هود: 100].
    أي: أن الأطلال قائمة بما تحتويه من أحجار ورسوم، مثل معابد قدماء المصريين، وأنت حين تزورها لا تجد المعابد كلها سليمة، بل تجد عموداً منتصباً، وآخر مُلْقىً على الأرض،ـ وباباً غير سليم، ولو كانت كلها حصيداً؛ لاختفت تماماً، ولكنها بقايا قائمة، ومنها ما اندثر.
    وهذا يثبت لنا صدق الأداء القرآني بأنه كانت هناك حضارات، لأنها لو ذهبت كلها؛ لما عرفنا أن هناك حضارات قد سبقت.
    ثم يقول الحق سبحانه:
    * أَلاَ بُعْداً لِّمَدْيَنَ كَمَا بَعِدَتْ ثَمُودُ * [هود: 95].
    وكلمة " ألا " ـ كما عرفنا من قبل ـ هي " أداة استفتاح " ليلتفت السامع وينصت،فلا تأخذه غفلة عن الأمر المهم الذي يتكلم به المتكلم، وليستقبل السامع الكلام كله استقبال المستفيد.
    وكلمة " بُعْداً " ليست دعاءً على أهل مدين بالبعد؛ لأنها هلكت بالفعل، ومادة كلمة " بُعْداً " هي: " الباء " و " العين " و " الدال " وتستعمل استعمالين: مرة تريد منها الفراق؛ والفراق بينونة إلى لقاء مظنون، إما إذا كانت إلى بينونة متيقنة ألا تكون، ولذلك جاء بعدها:
    * كَمَا بَعِدَتْ ثَمُودُ * [هود: 95].
    وهي تدل على أنه بعدٌ لا لقاء بعده إلا حين يجمع الحق سبحانه الناس يوم القيامة.

    والشاعر يقول:يَقُولُون لا تبعدْ وهُمْ يَدفِنُونَني وأينَ مَكَانُ البُعدِ إلا مَكانِيَافهذا هو البعد الذي يذهب إليه الإنسان ولا يعود.
    ولما خَصَّ الحق سبحانه ثمود بالذكر هنا، وقد سبق أن قال سبحانه عن أقوام آخرين: " ألا بعداً "؟
    لأن الصيحة قد جاءت لثمود، وبذلك اتفقوا في طريقة العذاب.
    وتنتهي هنا قصة شعيب عليه السلام مع مدين، ونلحظ أن لها مساساً برسلٍ مثل موسى عليه السلام، مثلما كان لقوم لوط مساس بإبراهيم عليه السلام.
    وهكذا نعلم أن هناك رسلاً قد تعاصرت، أي: أن كل واحد منهم أرسل إلى بيئة معينة ومكان معين. ولأن المرسل إليهم هم عبيد الله كلهم؛ لذلك أرسل لكل بيئة رسولاً يناسب منهجه عيوب هذه البيئة.
    وإبراهيم عليه السلام هو عم لوط عليه السلام، وموسى عليه السلام هو صهر شعيب عليه السلام. وقد ذهب موسى إلى أهل مدين قبل أن يرسله الله إلى فرعون.
    كلمتان خفيفتان على اللسان .. ثقيلتان في الميزان .. حبيبتان إلى الرحمن

    سبحان الله وبحمده .. سبحان الله العظيم

  4. #24
    Super Moderator
    رقم العضوية : 2
    تاريخ التسجيل : Jun 2016
    المشاركات: 3,273
    التقييم: 10
    الدولة : الأردن
    العمل : طالب علم
    ونحن نعلم أن الأماكن في الأزمنة القديمة كانت منعزلة، ويصعب بينها الاتصال، وكل جماعة تعيش في موقع قد لا يدرون عن بقية المواقع شيئاً، وكل جماعة قد يختلف داؤها عن الأخرى.
    لكن حين أراد الحق سبحانه بعثة محمد صلى الله عليه وسلم كرسولٍ خاتمٍ، فقد علم الحق سبحانه أزلاً أن رسول الله صلى الله عليه وسلم على ميعاد مع ارتقاء البشرية، وقد توحدت الداءات.
    فما يحدث الآن في أي مكان في العالم، ينتقل إلينا عبر الأقمار الصناعية في ثوانٍ معدودة، لذلك كان لا بد من الرسول الخاتم صلى الله عليه وسلم.
    أما تعدد الرسل اللقطات لكل رسول بالقرآن، فليست تكراراً كما يظن السطحيون؛ لأن الأصل في القصص القرآني أن الحق سبحانه قد أنزله لتثبيت الرسول صلى الله عليه وسلم، فقد كانت الآيات تنزل من السماء الدنيا بالوحي لتناسب الموقف الذي يحتاج فيه الرسول صلى الله عليه وسلم إلى تثبيت للفؤاد.
    ويبيِّن الحق سبحانه لرسوله صلى الله عليه وسلم أن يتذكر إخوانه من الرسل وما حدث لهم مع أقوامهم وانتصار الله لهم في النهاية، وحين أراد الحق سبحانه أن يقص قصة محبوكة جاء بسورة يوسف.
    وهكذا فليس في القرآن تكرار، بل كل لقطة إنما جاءت لتناسب موقعها في تثبيت الرسول صلى الله عليه وسلم.
    ولنا أن نلحظ أن قصة شعيب عليه السلام مع قومه، ما كان يجب أن تنتهي إلا بأن تأتي فيها لقطة من قصة موسى عليه السلام، وهو صهر شعيب عليه السلام.
    والملاحظ أن الحق سبحانه قد ذكر هنا من قصة موسى عليه السلام لقطتين:
    اللقطة الأولى: هي الإرسال بالآيات إلى فرعون.
    واللقطة الثانية: هي خاتمة فرعون لا مع موسى عليه السلام، ولكن مع الحق سبحانه يوم القيامة، يقول تعالى:
    * يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ * وَأُتْبِعُواْ فِي هَـاذِهِ لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ بِئْسَ الرِّفْدُ الْمَرْفُودُ *[هود: 98ـ99].
    وكان لشعيب عليه السلام مهمة تثبيت قلب موسى عليه السلام من الهلع، حين أعلن له أنه خائف من أن يقتله قوم فرعون لأنه قتل رجلاً منهم، فقال له شعيب عليه السلام ما ذكره الحق سبحانه في قوله:
    * نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ *[القصص: 25].
    وهكذا ثبَّته وهيَّأ له حياة يعيش فيها آمناً لمدة ثماني حجج أو أن يتمها عشر حجج، مصداقاً لقول الحق سبحانه:
    * قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَن تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْراً فَمِنْ عِندِكَ وَمَآ أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِن شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ * قَالَ ذَلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ أَيَّمَا الأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلاَ عُدْوَانَ عَلَيَّ وَاللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ *[القصص: 27ـ28].
    وهكذا باشر شعيب عليه السلام مهمة في قصة موسى عليه السلام.
    ومن هذا ومن ذلك يعطينا الحق سبحانه الدرس بأن الفطرة السليمة لها تقنينات قد تلتقي مع قانون السماء؛ لأن الحق سبحانه لا يمنع عقول البشر أن تصل إلى الحقيقة، لكن العقول قد تصل إلى الحقيقة بعد مرارة من التجربة، مثلما قنَّن الحق سبحانه الطلاق في الإسلام، ثم أخذت به بلاد أخرى غير مسلمة بعد أن عانت مُرَّ المعاناة.
    ومثلما حرَّم الحق سبحانه الخمر، ثم أثبت العلم مضارها على الصحة، فهل كنا مطالبين بأن نؤجل حكم الله تعالى إلى أن يهتدي العقل إلى تلك النتائج؟
    لا؛ لأن الحق سبحانه قد أنزل في القرآن قانون السماء الذي يقي الإنسان شر التجربة؛ لأن الذي أنزل القرآن سبحانه هو الذي خلقنا وهو مأمون علينا، وقد أثبتت الأيام صدق حكم الله تعالى في كل ما قال بدليل أن غير المؤمنين بالقرآن يذهبون إلى ما نزل به القرآن ليطبقوه.
    وفي قصة موسى عليه السلام مثل واضح على مشيئة الحق سبحانه، فها هو فرعون الكافر قد قام بتربية موسى بعد أن التقطه لعله يكون قرة عين له، رغم أن فرعون كان يُقتِّل أطفال تلك الطائفة.
    ثم تلحظ أخت موسى أخاها، ويرد الحق سبحانه موسى عليه السلام إلى أمه.
    وقد صوَّر الشاعر هذا الموقف بقوله:إذا لَمْ تُصادِفْ في بَنِيكَ عِنَايةً مِنَ اللهِ فقدْ كَذبَ الرَّاجِي وخَابَ المأملُفَمُوسَى الذي رَبَّاهُ جِبريلُ كافرٌ ومُوسَى الذي ربَّاه فِرْعونُ مُرسَلُوقد جاءت قصة موسى عليه السلام هنا موجزة، في البداية وفي النهاية؛ ليبيِّن لنا الحق سبحانه أن لشعيب دوراً مع واحد من أولي العزم من الرسل، وهو موسى عليه السلام،
    وكان مقصود موسى عليه السلام قبل أن يبعث ـ هو ماء مدين، فحدث ما يمكن أن نجد فيه حلاً لمشاكل الجنسين ـ الرجل والمرأة ـ وهي رأس الحربة التي تُوجَّه إلى المجتمعات الإسلامية؛ لأن البعض يريد أن تتبذل المرأة في مفاتنها، لإغواء الشباب في أعز أوقات شراسة المراهقة.

    لكن القرآن حَلَّ هذه المسألة في رحلة بسيطة، ولنقرأ قول الحق سبحانه عن موسى:
    * وَلَمَّا وَرَدَ مَآءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِّنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِن دُونِهِمُ امْرَأَتَينِ تَذُودَانِ *[القصص: 23].
    أي: تمنعان الماشية من الاقتراب من المياه، وكان هذا المشهد مُلْفتاً لموسى عليه السلام، وكان من الطبيعي أن يتساءل: ألم تأتيا إلى هنا لتسقيا الماشية؟! وقال القرآن السؤال الطبيعي:
    * مَا خَطْبُكُمَا *[القصص: 23].
    فتأتيه الإجابة من المرأتين:
    * قَالَتَا لاَ نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَآءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ *[القصص: 23].
    وهكذا نعلم أن خروج المرأة له علة أن الأب شيخ كبير، وأن خروج المرأتين لم يكن بغرض المزاحمة على الماء، ولكن بسبب الضرورة، وانتظرتا إلى أن يسقي الرعاة، بل ظلَّتا محتجبتين بعيداً؛ لذلك تقدم موسى عليه السلام ليمارس مهمة الرجل:
    * فَسَقَى لَهُمَا *[القصص: 24].
    وهذه خصوصية المجتمع الإيماني العام، لا خصوصية قوم، ولا خصوصية قربى، ولا خصوصية أهل، بل خصوصية المجتمع الإيماني العام.
    فساعة يرى الإنسان امرأة قد خرجت إلى العمل، فيعرف أن هناك ضرورة ألجأتها إلى ذلك، فيقضي الرجل المسلم لها حاجتها.
    وأذكر حين ذهبت إلى مكة في عام 1950م أن نزل صديقي من سيارته أمام باب منزلٍ، وكان يوجد أمام الباب لوح من الخشب عليه أرغفة من العجين التي لم تخبز بعد، وذهب به إلى المخبز، ثم عاد به بعد خبزه إلى نفس الباب. وقال لي: إن هذه هي عادة أهل مكة، إن وجد إنسان لوحاً من العجين غير المخبوز؛ فعليه أن يفعل ذلك؛ لأن وجود هذا اللوح أمام الباب إنما يعني أن الرجل رب البيت غائب.
    وهذا كله مأخوذ من كلمة:
    * فَسَقَى لَهُمَا *[القصص: 24].
    وعمر بن الخطاب رضي الله عنه كان يأمر الجنود أن تدق الأبواب لتسأل أهل البيوت عن حاجاتهم.
    والأمر الثالث والمهم هو أن المرأة التي تخرج إلى مهمة عليها ألا تستمرىء ذلك، بل تأخذها على قدر الضرورة، فإذا وجدت منفذاً لهذه الضرورة، فعليها أن تسارع إلى هذا المنفذ، ولذلك قالت الفتاة لأبيها شعيب:
    * ياأَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الأَمِينُ *[القصص: 26].
    ويُنهي شعيب عليه السلام هذا الموقف إنهاءً إيمانياً حكيماً حازماً، فيقول لموسى:
    * قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَن تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْراً فَمِنْ عِندِكَ *[القصص: 27].
    وهكذا يعلم موسى ـ عليه السلام ـ أن شعيباً لا يُلقي بابنته هكذا دون مهر، لا.. بل لا بد أن يكون لها مهر، وأيضاً تصبح أختها محرمة عليه.
    وهذه القصة وضعت لنا مبادىء تحل كل المشكلات التي يتشدق بها خصوم الإسلام.
    وهنا نحن نجد في الغرب صيحات معاصرة تطالب بأن تقوم المرأة بالبقاء في المنزل لرعاية الأسرة والأولاد؛ ليس لأن المرأة ناقصة، ولكن لأن كمال المرأة في أداء أسمى مهمة توكل إليها، وهي تربية الأبناء.
    ونحن نعلم أن طفولة الإنسان هي أطول أعمار الطفولة في كل الكائنات، والأبناء الذين ينشأون برعاية أم متفرغة يكونون أفضل من غيرهم.
    وهكذا نتعلم من قصة شعيب عليه السلام مع موسى عليه السلام.
    وهنا يقول الحق سبحانه: * وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا *
    وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ (96)

    ونحن نعلم أن الآيات إذا وردت في القرآن إنما تنصرف إلى ثلاثة أشياء:
    آيات كونية تعاصر كل الناس ويراها كل واحد، مثل آيات الليل والنهار والشمس والقمر والنجوم والأرض الخاشعة إذا ما نزل عليها الماء اهتزت وربت، وكلها آيات كونية تلفت العقل إلى النظر في أن وراء هذا الكون الدقيق تكويناً هندسياً أقامه إله قادر.
    وهناك آيات تأتي لبيان صدق الرسول في البلاغ عن الله، وهي المعجزات مثل: ناقة ثمود المبصرة، وشفاء عيسى عليه السلام للأكمه والأبرص بإذن الله.
    ثم آيات الأحكام التي تبيِّن مطلوبات المنهج بـ " افعل " و " لا تفعل ".
    وهنا قال الحق سبحانه:
    * وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُّبِينٍ * [هود: 96].
    فهناك آيات تدل على صدقه، وفوق ذلك سلطان ظاهر، إما أن يكون سلطاناً يقهر الغالب، أو سلطان حجة تقنع العقل.
    وسلطان القوة قد يقهر الغالب، لكنه لا يقهر القلب، والله سبحانه يريد قلوباً، لا قوالب؛ لذلك قال سبحانه لرسوله صلى الله عليه وسلم:
    * لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ أَلاَّ يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ * إِن نَّشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِّنَ السَّمَآءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ *[الشعراء: 3ـ4].
    إذن: فالحق سبحانه يطلب القلوب لا القوالب، قلوب تأتي إلى الله تعالى طواعية بدون إكراه.
    لذلك فالسطان الأهم هو سلطان الحجة؛ لأنه يقنع الإنسان أن يفعل.. ولم يكن لموسى عليه السلام سلطانٌ من القوة ليظهر، بل كان له سلطان الحجة، وهو قول الحق سبحانه:
    * وَقَالَ مُوسَى يافِرْعَوْنُ إِنِّي رَسُولٌ مِّن رَّبِّ الْعَالَمِينَ * حَقِيقٌ عَلَى أَنْ لاَّ أَقُولَ عَلَى اللَّهِ إِلاَّ الْحَقَّ قَدْ جِئْتُكُمْ بِبَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ فَأَرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إِسْرَائِيلَ *[الأعراف: 104ـ105].
    فيرد عليه فرعون:
    * قَالَ إِن كُنتَ جِئْتَ بِآيَةٍ فَأْتِ بِهَآ إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ * فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُّبِينٌ * وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَآءُ لِلنَّاظِرِينَ *[الأعراف: 106ـ108].
    وبياض اليد مسألة ذاتية في موسى عليه السلام، وطارئة أيضاً، فلم تكن مرضاً كالبهاق مثلاً، بدليل الاحتياط في قوله تعالى:
    * وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلَى جَنَاحِكَ تَخْرُجْ بَيْضَآءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ *[طه: 22].
    أما العصا فهي الحجة التي دفعت فرعون إلى أن يأتي بالسحرة، ليغلبهم موسى أمام فرعون والملأ، فيتبع السحرة موسى ويؤمنوا برب موسى وهارون.
    ونحن نعلم أن الحق سبحانه قد أرسل موسى عليه السلام بتسع آيات هي: العصا التي تصير ثعباناً يلقف ما صنع السحرة، واليد البيضاء من غير سوء، ثم أخذ آل فرعون بالسنين، ونقص في الأنفس والثمرات، لأن الجدب يمنع الزرع، ونقص الأموال يحقق المجاعة، وكذلك أرسل الحق سبحانه على قوم فرعون الطوفان والجراد والقُمَّل والضفادع، هذه هي الآيات التسع التي أرسلها الحق سبحانه على آل فرعون، بسبب عدم إيمانهم برسالة موسى عليه السلام.

    وهناك آيات آخرى أرسلها الحق سبحانه لقوم موسى بواسطة موسى عليه السلام؛ هي نتق الجبل، وضرب البحر بالعصا، ثم ضرب الحجر بالعصا لتتفجر اثنتا عشرة عيناً، وكذلك نزول التوراة في ألواح.
    إذن: فالكلام في الآيات التسع المقصود بها الآيات التي أرسل بها موسى إلى فرعون، أما هذه الآيات فقد كانت بعد الخروج من مصر أو مصاحبة له كضرب البحر بالعصا.
    والدليل على أن قصة موسى مع فرعون خاصة، أن موسى كانت له رسالتان: الرسالة الأولى مع فرعون، والرسالة الثانية مع بني إسرائيل.
    ولذلك نلحظ أن الحق سبحانه وتعالى يخبرنا في آخر السورة بالخلاف بين موسى عليه السلام وبني إسرائيل:
    * وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ فَاخْتُلِفَ فِيهِ *[هود: 110].
    إذن: فقصته مع بني إسرائيل تأتي بعد إيتائه الكتاب، أي: التوراة.
    وهنا يتكلم الحق سبحانه عن آيات موسى عليه السلام مع فرعون فيقول:
    * وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُّبِينٍ * [هود: 96].
    أي: سلطان محيط لا يدع للخصم مكاناً أو فكاكاً.
    ثم يقول الحق سبحانه: * إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ *
    إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَاتَّبَعُوا أَمْرَ فِرْعَوْنَ وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ (97)

    والملأ: هم القوم الذين يملأون العيون، ويتصدرون المجالس. ويقال: " فلان ملء العين " أي: لا تقتحمه العيون؛ لأنه واضح ظاهر.
    فالملأ ـ إذن ـ هم أشراف القوم، وهم ـ عادة ـ الذين يزينون للطاغية الاستخفاف بالرعية.
    والحق سبحانه يقول:
    * فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُواْ قَوْماً فَاسِقِينَ *[الزخرف: 54].
    وحين يتكلم الحق سبحانه عن فرعون والملأ والقوم، نجده يبيِّن ويفصل بين الملأ من جهة، وفرعون من جهة أخرى، وكذلك يفصل بين الفرعون والملأ من جهة، والقوم من جهة أخرى.. فلكل طرف من تلك الأطراف الثلاثة أسلوب يعامله الحق سبحانه به.
    وهنا يبيِّن لنا الله سبحانه أن الملأ قد اتبعوا أمر فرعون، هذا الأمر الذي يصفه الحق سبحانه بقوله:
    * وَمَآ أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ * [هود: 97].
    والرشد يقابله الغيُّ، وهذا القول يدلنا على أن الملأ من قوم فرعون لم يتدارسوا أمر فرعون بتأنٍّ، ولم تستقبله عقولهم بالبحث، وهم لو فعلوا ذلك لما اتبعوا أمر فرعون.
    ويبيِّن الحق سبحانه لنا عدم رشد أمر فرعون، فهو يذكر لنا ما يحدث له يوم القيامة هو وقومه، فيقول تعالى: * يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ *
    يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ (98)

    وكلمة " يقدم " هي من مادة " القاف " و " الدال " و " الميم ". وعند استخدام هذه المادة في التعبير قولاً أو كتابة، فهي تدل على الإقبال بالمواجهة؛ فيقال: " قدم فلان " دليل إقباله عليك مواجهة. وإذا قيل: " أقبل فلان " فهذا يعني الإقبال بشيءٍ من العزم. و " قدم القوم يقدمهم " أي: أنهم يتقدمون في اتجاه واحد، ومن يقودهم يتقدمهم.
    ويُفهم من هذا أن فرعون اتبعه الملأ، والقوم اتبعوا الملأ وفرعون، وما داموا قد اتَّبعوه في الأولى؛ فلا بد أن يتبعوه في الآخرة.
    ويأتي القرآن بآيات ويُبيِّنها، مثل قول الحق سبحانه:
    * فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّيَاطِينَ ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيّاً * ثُمَّ لَنَنزِعَنَّ مِن كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمَـانِ عِتِيّاً * ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ بِالَّذِينَ هُمْ أَوْلَى بِهَا صِلِيّاً *[مريم: 68ـ70].
    فالحق سبحانه ينزع من كل جماعة الأشد فتوة وسطوة، ويلقيه في النار، لأنه أعلم بمن يجب أن يَصْلَى السعير.
    ويقول الحق سبحانه:
    * وَإِن مِّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْماً مَّقْضِيّاً * ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَواْ وَّنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيّاً *[مريم: 71ـ72].
    ولم يقل الحق سبحانه: " وإنْ منهم إلاّ واردُها ".
    وإنما قال:* وَإِن مِّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا *[مريم: 71].
    وبذلك عمَّم الخطاب للكل، أو أنه يستحضر الكفار ويترك المؤمنين بمعزل.
    وهنا يقول الحق سبحانه عن قوم فرعون:
    * فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ * [هود: 98].
    وحين تكلم كتاب الله الكريم عن " الورود " ، وهو الكتاب الذي نزل بلسان عربي مبين، نجد أن الورود يأتي بمعنى الذهاب إلى الماء دون شرب من الماء، قلت: " وردَ يردُ وروداً " ، وإن أردت التعبير عن شرب الماء مع الورود، فقل: " وردَ يردُ وِرْداً " بدليل أن الحق سبحانه يقول هنا:
    * وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ * [هود: 98].
    أي: إنهم يشعرون بالبؤس لحظة أن يروا ماء جهنم ويشربون منه.
    إذن: فكلمة " الوِرْد " تطلق على عملية الشرب من الماء، وقد تطلق على ذات الورادين مثل قوله:
    * وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْداً *[مريم: 86].
    وقد قال الشاعر الجاهلي زهير بن أبي سلمى في معلقته:فَلمَّا وَرَدْنَ الماءَ زُرقاً جِمَامُهُ وَضَعْنَ عِصِيَّ الحاضِرِ الُمَتَخيّمِوالشاعر هنا يصف الرَّكْب ساعة يرى المياه الزرقاء الخالية من أي شيء يعكرها أو يُكدِّرها، فوضع القوم عصا الترحال.
    وكان الغالب قديماً أن يحمل كل من يسير عصاً في يده، مثل موسى عليه السلام حين قال:
    * هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى *[طه: 18].
    ويقول الشاعر:فألقتْ عصَاها واستقرَّ بها النَّوَى كمَا قَرَّ عيناً بالإياب المُسَافرُ

    فساعة رأى الركب المياه زرقاء، فهذا يعني أنها مياه غير مكدَّرة.
    ونحن نعلم أن المياه لا لون لها، ولكنها توصف بالزُّرْقة إن كانت خالية من الشوائب، شديدة الصفاء، فتنعكس عليها صورة السماء الزرقاء.
    والشاعر يصف قومه ساعة أن وصلوا إلى الماء الصافي وتوقفوا وأقاموا في المكان.
    وهكذا نجد أن الورود يعني الذهاب إلى الماء دون الشرب منه. والورد للماء يُفرح النفس أولاً، ثم يورده ويرويه ما يشربه منها، ومن يرد الماء لا شك أنه يعاني من ظمأ يريد أن يرويه، وحرارة كبد يريد أن يبردها.
    وهنا يقول الحق سبحانه:
    * وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ * [هود: 98].
    وفي هذا تهكم شديد، لأنهم ـ قوم فرعون ـ ساعة يرون الماء يشعرون بقرب ري الظمأ وإبراد الحرارة، ولكنهم يشربون من ماء جهنم، فبئس ما يشربون، فهو يُطمعهم أولاً، ثم يؤيسهم بعد ذلك.
    كما في قوله سبحانه:
    * وَإِن يَسْتَغِيثُواْ يُغَاثُواْ بِمَآءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوجُوهَ *[الكهف: 29].
    فهم ساعة يسمعون كلمة " يغاثوا " يفهمون أن هناك فرجاً قادماً لهم، فإذا ما علموا أنه ماء كالمهل يشوي الوجوه، عانوا من مرارة التهكم.
    ولله المثل الأعلى: فأنت تجد من يدعوك لأطايب الطعام، وبعد ذلك تغسل يديك، فيلح عليك من دعاك إلى تناول الحلوى، فتستشرف نفسك إلى تناول الحلوى، بينما يكون من دعاك قد أوصى الطباخ أن يخلط الحلوى بنبات " الشطة " فيلتهب جوفك؛ أليس في هذا تهكم شديد؟!
    والحق سبحانه يبيِّن لهم أن الورد إنما جاء لترطيب الكبد، لكن أكبادهم ستشتعل بما تشربونه من هذا الماء، وكذلك الطعام الذي يأكله أهل النار.
    والحق سبحانه يقول:
    * وَلاَ طَعَامٌ إِلاَّ مِنْ غِسْلِينٍ *[الحاقة: 36].
    وهكذا تصير النكبة نكبتين.
    وبعض الناس قد فهم قول الحق سبحانه:
    * وَإِن مِّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا *[مريم: 71].
    بمعنىنهم جميعاً سوف يَرِدون جهنم.
    ولكن الحق سبحانه يقول أيضاً:
    * ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ بِالَّذِينَ هُمْ أَوْلَى بِهَا صِلِيّاً *[مريم: 70].
    إذن: فالحق سبحانه يعطي لكل الناس صورة للنار، فإذا رأى المؤمنون النار وتسعُّرها، ولم يدخلوها، عرفوا كيف نجَّتهم كلمة الإيمان منها فيحمدون الله سبحانه وتعالى على النجاة.
    ويقول الحق سبحانه بعد ذلك: * وَأُتْبِعُواْ فِي هَـاذِهِ لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ *
    كلمتان خفيفتان على اللسان .. ثقيلتان في الميزان .. حبيبتان إلى الرحمن

    سبحان الله وبحمده .. سبحان الله العظيم

  5. #25
    Super Moderator
    رقم العضوية : 2
    تاريخ التسجيل : Jun 2016
    المشاركات: 3,273
    التقييم: 10
    الدولة : الأردن
    العمل : طالب علم
    وَأُتْبِعُوا فِي هَذِهِ لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ بِئْسَ الرِّفْدُ الْمَرْفُودُ (99)

    أي: أن اللعنة قد بقيت لهم، وما زلنا نحن المسلمين نلعنهم إلى الآن، ثم يصيرون إلى اللعنة الكبرى، وهي لعنة يوم القيامة: * بِئْسَ الرِّفْدُ الْمَرْفُودُ * [هود: 99] والرفد: هو الغطاء، فهل تعد اللعنة في الآخرة عطاءً؟
    إن هذا تهكم منهم أيضاً، مثلها مثل قول الحق سبحانه:
    * وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ *[هود: 98].
    ثم يقول الحق سبحانه: * ذَلِكَ مِنْ أَنْبَآءِ الْقُرَى *
    ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْقُرَى نَقُصُّهُ عَلَيْكَ مِنْهَا قَائِمٌ وَحَصِيدٌ (100)

    وقد أهلك الحق سبحانه تلك القرى بالعذاب؛ لأنها كذَّبت أنبياءها. والخطاب موجَّه لرسول الله صلى الله عليه وسلم لتثبيت فؤاده، والحق سبحانه إنما يبيِّن له أن الكافرين لن يكونوا بمنجىً من العذاب؛ كما أخذ الله سبحانه الأمم السابقة الكافرة بالعذاب.
    وقول الحق سبحانه:
    * نَقُصُّهُ عَلَيْكَ * [هود: 100].
    يتطلب أن نفرِّق بين المعنى الشائع عن القصة، والمعنى الحقيقي لها، فبعض الناس يقول: إن القرآن فيه قصص، والقصص عادة تمتلىء بالتوسع، وتوضع فيها أحداث خيالية من أجل الحبكة.
    ولهؤلاء نقول: أنتم لم تفهموا معنى كلمة " القصة " في اللغة العربية، لأنها تعني ـ في لغتنا ـ الالتزام الحرفي بما كان فيها من أحداث، فهي مأخوذة من كلمة: " قصّ الأثر " ، ومن يقص الأثر إنما يتتبع مواقع الأقدام إلى أن يصل إلى الشيء المراد.
    إذن: فقصص القرآن يتقصى الحقائق ولا يقول غيرها، أما ما اصطُلح عليه من عرف العامة أنه قصص، بما في تلك القصص من خيالات وعناصر مشوقة، فهذا ما يُسمَّى ـ لغوياً ـ بالروايات، ولا يُعتبر قصصاً.
    وقصص الإهلاك للأمم التي كفرت إنما هو عبرة لمن لا يعتبر، والناس تعلم أن ما رواه القرآن من قصص هو واقع تدل عليه آثار الحضارات التي اندثرت، وبقيت منها بقايا أحجار ونقوش على المقابر.
    ونحن نجد في آثار الحضارات السابقة ما هو قائم من بقايا أعمدة ونقوش، ومنها ما هو مُحطَّم.
    ولذلك يقول الحق سبحانه في موضع آخر من القرآن:
    * وَإِنَّكُمْ لَّتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُّصْبِحِينَ * وَبِالَّيْلِ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ *[الصافات: 137ـ138].
    أي: أنكم تشاهدون من الآثار ما هو قائم وما هو حطيم.
    ويقول الحق سبحانه عن تلك القرى: * وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَـاكِن ظَلَمُواْ أَنفُسَهُمْ *
    وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ لَمَّا جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَمَا زَادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ (101)

    ويبيِّن الحق سبحانه هنا أنه حين أخذ تلك الأقوام بالعذاب لم يظلمهم؛ لأن معنى الظلم أن يكون لإنسانٍ الحق، فتسلبه هذا الحق.
    وفي واقع الأمر أن تلك الأمم التي كفرت وأخذها الله بالعذاب، هي التي ظلمت نفسها بالشرك، وكذَّبت تلك الأقوام الرسل الذين جاءوا وفي يد كل منهم دليل الصدق وأمارات الرسالة.
    وهكذا ظلم هؤلاء الكفار أنفسهم؛ لذلك لا بد أن نعلم أن الحق سبحانه مُنزَّه عن أن يظلم أحداً.
    وهم حين أشركوا بالله ـ تعالى ـ آلهة أخرى، لماذا لم تتحرك تلك الآلهة المزعومة وتتدخل لتحمي مَنْ آمنوا بها؟!
    ويخبرنا الحق سبحانه أن الحجارة التي عبدوها تلعنهم، وهم في النار، وهذه الأحجار تكون وقوداً للنار.
    والحق سبحانه يقول عن النار:
    * فَاتَّقُواْ النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ *[البقرة: 24].
    وهؤلاء الذين عبدوا واحداً من الناس أو بعضاً من الأصنام، إنما تجنَّوا، بالجهل على هذا الإنسان الذي عبدوه أو تلك الأحجار التي صلَّوا لها أو قدَّسوها.
    والشاعر المسلم تأمل غار حراء وغار ثور ـ وكلامها من الأحجار ـ فوجد أن غار حراء قد شهد نزول الوحي على الرسول صلى الله عليه وسلم، وغار ثور حمى رسول الله صلى الله عليه وسلم حين اختفى فيه ومعه الصديق أبو بكر في أثناء الهجرة من مكة إلى المدينة،ـ فتخيل الشاعر أن غار ثور قد حسد غار حراء وقال:كَمْ حَسَدْنَا حِراءً حينَ يَرى الرُّوحَ أميناً يَغْزُوكَ بالأنْوَارِفَحِرَاءٌ وثَوْرٌ صَارَا سَواءً بِهما تَشفَّعْ لأمَّةِ الأحْجَارِفغار حراء شهد جبريل عليه السلام وهو يهبط بالنور على محمد صلى الله عليه وسلم، لكن غار ثور نال أيضاً الشرف لحمايته الرسول في الهجرة.
    ويقول الشاعر على لسان الأحجار:عَبَدُونا ونَحْنُ أعْبَدُ للهِ مِنَ القائِمينَ بالأسْحَارِقَدْ تَجنَّوا جَهْلاً كمَا قَدْ تجَنَّوا علَى ابنِ مَرْيَمَ والحوَارِيلِلمُغَالِي جَزَاؤهُ والمُغَالَى فيهِ تُنْجِيهِ رَحْمَةُ الغَفَّارِوهكذا لا تُغني عنهم آلهتهم المعبودة شيئاً سواء أكانت بشراً أم حجارة، لم تُغنِ عنهم شيئاً ولم ترفع عنهم العذاب الذي تلقوه عقاباً في الدنيا وسعيراً في الآخرة، وإذا كانوا قد دعوهم من دون الله في الدنيا، فحين جاء العذاب لم تتقدم تلك الآلهة لتحميهم من العذاب.
    ويُنهي الحق سبحانه الآية الكريمة بقوله:
    * وَمَا زَادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ * [هود: 101].
    أي: أن تخلّي تلك الآلهة التي أشركوها مع الله تعالى أو عبدوها من دون الله.. هذا التخلي يزيدهم ألماً وإهلاكاً نفسياً وتخسيراً، لأن التتبيب هو القطع والهلاك.
    والحق سبحانه يقول:
    * تَبَّتْ يَدَآ أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ *[المسد: 1].
    كذلك الأخذ الذي أخذ الله به القرى التي كذَّبت أنبياءها.
    لذلك يقول الحق سبحانه بعد ذلك: * وَكَذالِكَ أَخْذُ رَبِّكَ *
    وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ (102)

    أي: أن الأخذ الذي أخذ به الله القرى الكافرة، إنما هو مثل حي لكل من يكفر.
    والحق سبحانه يقول:
    * وَالْفَجْرِ * وَلَيالٍ عَشْرٍ * وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ * وَالَّيْلِ إِذَا يَسْرِ * هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِّذِى حِجْرٍ *[الفجر: 1ـ5].
    أي: أن الحق سبحانه يقسم لعل كل صاحب عقلٍ يستوعب ضرورة الإيمان، ويضرب الأمثلة بالقوم الذين جاءهم الأخذ بالعذاب، فيقول سبحانه:
    * أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ * إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ * الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلاَدِ * وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُواْ الصَّخْرَ بِالْوَادِ * وَفِرْعَوْنَ ذِى الأَوْتَادِ * الَّذِينَ طَغَوْاْ فِي الْبِلاَدِ * فَأَكْثَرُواْ فِيهَا الْفَسَادَ * فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ * إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ *[الفجر: 6ـ14].
    فهو سبحانه قد أخذ كل هؤلاء أخذ العزيز المقتدر.
    وقوله سبحانه هنا:
    * وَكَذالِكَ * [هود: 102].
    أي: مثل الأخذ الذي أخِذَتْ به القرى التي كذَّبت رسلها، فظلمت نفسها.
    والأخذ هنا عقاب على العمل، بدليل أنه أنجى شعيباً عليه السلام وأخذ قومه بسبب ظلمهم، فالذات الإنسانية بريئة، ولكن الفعل هو الذي يستحق العقاب.
    ومثال ذلك: نجده في قصة نوح عليه السلام حين قال له الحق سبحانه:
    * إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ *[هود: 46].
    فالذي وضع ابن نوح في هذا الموضع هو أن عمله غير صالح؛ لذلك فلا يقولن نوح: إنه ابني.
    فليس الإهلاك بعلَّة الذات والدم والقرابة، بل الإهلاك بعلة العمل، فأنت لا تكره شخصاً يشرب الخمر لذاته، وإنما تكرهه لعمله، ونحن نعلم أن البنوة للأنبياء ليست بنوة الذوات، وإنما بنوة الأعمال.
    وكذلك نجد الحق سبحانه ينبه إبراهيم عليه السلام ألا يدعو لكل ذريته، فحين كرَّم الحق سبحانه إبراهيم عليه السلام وقال:
    * إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً *[البقرة: 124].
    جاء الطلب والدعاء من إبراهيم عليه السلام لله تعالى:
    * وَمِن ذُرِّيَّتِي *[البقرة: 124].
    لأن إبراهيم عليه السلام أراد أن تمتد الإمامة إلى ذريته أيضاً، فجاء الرد من الله سبحانه:
    * لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ *[البقرة: 124].
    وظلت هذه القضية في بؤرة شعور إبراهيم عليه السلام، وعلم تماماً أن البنوَّة للأنبياء ليست بنوة ذوات، بل هي بنوة أعمال.
    ولذلك نجد دعاء إبراهيم عليه السلام حين نزل بأهله في وادٍ غير ذي زرع، وقال:
    * رَبِّ اجْعَلْ هَـاذَا بَلَداً آمِناً وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ *[البقرة: 126].
    وهنا انتبه إبراهيم عليه السلام وأضاف:
    * مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ *[البقرة: 126].
    فجاء الرد من الحق سبحانه موضحاً خطأ القياس؛ لأن الرزق عطاء ربوبية يستوي فيه المؤمن والكافر، والطائع والعاصي؛ فلا تخلط بين عطاء الربوبية وعطاء الألوهية؛ لأن عطاء الألوهية تكليف، وعطاء الربوبية رزق، لذلك قال الحق سبحانه:
    * وَمَن كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلاً ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ *

    [البقرة: 126].
    فأنت يا إبراهيم دعوتَ برزق الأهل بالثمرات لمن آمن، لأن بؤرة شعورك تعي الدرس، لكن هناك فرقاً بين عطاء الألوهية في التكليف، وعطاء الربوبية في الرزق، فمن كفر سيرزقه ربه، ويمتعه قليلاً ثم يكون له حساب آخر.
    إذن: فأخْذُ الحق سبحانه للظالمين بكفرهم هو عنف التناول لمخالفٍ، وتختلف قوة الأخذ بقوة الأخذ، فإذا كان الآخذ هو الله سبحانه، فهو أخْذ عزيز مقتدر.
    وهو أخذ لمن ظلموا أنفسهم بقمة الظلم وهو الكفر، وإن كان الظلم لحقوق الآخرين فهو فسق، وأيضاً ظلم النفس فسق؛ لأن الحق سبحانه حين يُحرِّم عليك أن تظلم غيرك فهو قد حرَّم عليك أيضاً ظلم نفسك.
    ويصف الحق سبحانه أخذه للظالمين بقوله:
    * إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ * [هود: 102].
    أي: أن أخذه موجع على قدر طلاقة قدرته سبحانه.
    وهَبْ أن إنساناً أساء إلى إنسان، فالحق سبحانه أعطى هذا الإنسان أن يرد السيئة بسيئة، حتى لا تتراكم الانفعالات وتزداد.
    لذلك يقول الحق سبحانه:
    * وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُواْ بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ *[النحل: 126].
    حتى لا تبيت انفعالاتك عندك قهراً، ولكن من كان لديه قوة ضبط النزوع فعليه أن ينظر في قول الحق سبحانه:
    * وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ *[آل عمران: 134].
    إذن: فإما أن ترد السيئة بعقاب مماثل لها، وإما أن تكظم غيظك، أي: لا تُترجم غيظك إلى عمل نزوعي، وإما أن ترتقي إلى الدرجة الأعلى وهي أن تعفو؛ لأن الله تعالى يحب من يحسن بالعفو.
    ولذلك حين سألوا الحسن البصري: كيف يُحسِن الإنسان إلى من أساء إليه؟
    أجاب: إذا أساء إليك عبد، ألاَ يُغضب ذلك ربه منه؟ قالوا: نعم. قال: وحين يغضب الله من الذي أساء إليك؛ ألا يقف إلى جانبك؛ أفلا تحُسِن إلى من جعل الله يقف إلى جانبك؟
    ولهذا السبب يُروى عن أحد الصالحين أنه سمع أن شخصاً اغتابه؛ فأهدى إليه ـ مع خادمه ـ طبقاً من بواكير الرطب، وتعجب الخادم متسائلاً: لماذا تهديه الرطب وقد اغتابك؟
    قال العارف بالله: بَلِّغْهُ شكري وامتناني لأنه تصدَّق عليَّ بحسناته عندما اغتابني، وحسناته ـ بلا شك ـ أنفَسُ من هذا الرطب.
    ولذلك يقال: إن الذي يعفو أذكى فهماً ممن عاقب، لأن الذي يعاقب إنما يعاقب بقوته؛ والذي يعفو فهو الذي يترك العقاب لقوة الله تعالى، وهي قوة لا متناهية.
    وهكذا نفهم قول الحق سبحانه:
    * وَكَذالِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ * [هود: 102].
    أي: أخذٌ موجعٌ على قدر قوة الله سبحانه؛ وهو أخذ شديد؛ لأن الشدة تعني: جمع الشيء إلى الشيء بحيث يصعب انفكاكه؛ أو أن تجمع شيئين معاً وتقبضهما بحيث يصعب تحلل أي منهما عن الآخر.
    وهذه أقوى غاية القوة.
    ويقول الحق سبحانه بعد ذلك: * إِنَّ فِي ذالِكَ لآيَةً لِّمَنْ خَافَ عَذَابَ الآخِرَةِ *
    إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِمَنْ خَافَ عَذَابَ الْآخِرَةِ ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ (103)

    من يخاف عذاب الآخرة، فإن هذه الآيات التي تخبر عن الذي حدث للأمم السابقة، إنما تلفته إلى ضرورة الإيمان بأن الله سبحانه يحاسب كل إنسان على الإيمان وعلى العمل.
    ومن يسمع لقصص الأقوام السابقة؛ ويعتبر بما جاء فيها؛ وينتفع بالخبرة التي جاءت منها؛ فهو صاحب بصيرة نافذة؛ فكل ما حدث للأقوام السابقة آيات ملفتة.
    ولذلك يقال: " إن لكل آية من مواليد؛ هي العبر بالآيات " ومن لا يؤمن فهو لن يعتبر؛ مصداقاً لقول الحق سبحانه:
    * وَكَأَيِّن مِّن آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ *[يوسف: 105].
    إذن: فقد شاء الحق سبحانه أن يلفتنا بالآيات لنعتبر بها ونكون من أولي الألباب؛ فلا ندخل في دائرة من لا يخافون العذاب؛ أولئك الذي يتلقّون العذاب خزياً في الدنيا وجحيماً في الآخرة؛ وعذاب الآخرة لا نهاية له؛ والفضيحة فيه أمام كل الخلق.
    لذلك قال الحق سبحانه:
    * ذالِكَ يَوْمٌ مَّجْمُوعٌ لَّهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَّشْهُودٌ * [هود: 103].
    أي: أن الفضيحة في هذا اليوم تكون مشهودة من كل البشر؛ من لدن آدم إلى آخر البشر؛ لذلك تكون فضيحة مدوية أمام من يعرفهم الإنسان؛ وأمام من لا يعرفهم.
    وقول الحق سبحانه:
    * ذالِكَ يَوْمٌ مَّجْمُوعٌ لَّهُ النَّاسُ * [هود: 103].
    وكلمة " مجموع " تقتضي وجود " جامع "؛ و " المجموع " يتناسب مع قدرة " الجامع "؛ فما بالنا والجامع هو الحق الخالق لكل الخلق سبحانه وتعالى.
    ولا يجتمع الخلق يومها عن غفلة؛ بل يجتمعون وكلهم انتباه؛ فالحق سبحانه يقول:
    * إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الأَبْصَارُ *[إبراهيم: 42].
    ويقول الحق سبحانه أيضاً:
    * وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ الَّذِينَ كَفَرُواْ *[الأنبياء: 97].
    وهنا يقول سبحانه:
    * وَذَلِكَ يَوْمٌ مَّشْهُودٌ * [هود: 103].
    أي: أن الخلق سيشهدون هذا الفضح المخزي لمن لم يعتبر بالآيات.
    ويقول الحق سبحانه بعد ذلك في ميعاد هذا اليوم. * وَمَا نُؤَخِّرُهُ إِلاَّ لأَجَلٍ مَّعْدُودٍ *
    وَمَا نُؤَخِّرُهُ إِلَّا لِأَجَلٍ مَعْدُودٍ (104)

    وهكذا نعلم أن تأخر مجيء يوم القيامة؛ لا يعني أنه لن يأتي؛ بل سوف يأتي ـ لا محالة ـ ولكن لكل حدث ميعاد ميلاد، ولكم في تتابع مواليدكم ما يجعلكم تثقون بأن مواليد الأحداث إنما يحددها الله.
    وقول الحق سبحانه:
    * وَمَا نُؤَخِّرُهُ إِلاَّ لأَجَلٍ * [هود: 104].
    يتطلب أن نعرف أن كلمة " الأجل " تطلق مرة على مدة عمر الكائن من لحظة ميلاده إلى لحظة نهايته.
    والحق سبحانه يقول:
    * لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ *[الرعد: 38].
    وتطلق كلمة " الأجل " مرة أخرى على لحظة النهاية وحدها، مصداقاً لقول الحق سبحانه:
    * فَإِذَا جَآءَ أَجَلُهُمْ لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ *[الأعراف: 34].
    ولنعرف جميعاً أن كل أجل ـ وإن طال ـ فهو معدود، وكل معدود قليل مهما بدا كثيراً؛ لذلك فَلْنقُلْ أن كل معدود قليل. ما دُمْنَا قادرين على إحصائه.
    ويقول الحق سبحانه من بعد ذلك: * يَوْمَ يَأْتِ لاَ تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلاَّ بِإِذْنِهِ *
    يَوْمَ يَأْتِ لَا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ (105)

    وهنا جمع الحق سبحانه جماعة في حكم واحد، فقوله تعالى:
    * لاَ تَكَلَّمُ نَفْسٌ * [هود: 105].
    يعني: لا تتكلم أي نفس إلا بإذن الله، وقد كانوا يتكلمون في الحياة الدنيا بطلاقة القدرة التي منحهم أياها الله سبحانه حين أخضع لهم جوارحهم.
    وجعل الحق سبحانه الجوارح مؤتمرة بأمر الإنسان؛ وشاء سبحانه أن يجعل بعضاً من خلقه نماذج لقدرته على سلب بعض تلك الجوارح؛ فتجد الأخرس الذي لا يستطيع الكلام؛ وتجد المشلول الذي لا يستطيع الحركة؛ وتجد الأعمى الذي لا يبصر، وغير ذلك..
    وبتلك النماذج يتعرف البشر على حقيقة واضحة هي أن ما يتمتعون به من سيطرة على جوارحهم هو أمر موهوب لهم من الله تعالى؛ وليست مسألة ذاتية فيهم.
    وقول الحق سبحانه:
    * يَوْمَ يَأْتِ لاَ تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلاَّ بِإِذْنِهِ * [هود: 105].
    يبيِّن لنا سبحانه حقيقة تسخير الجوارح لطاعتنا في الدنيا، فهي ترضخ لإرادتنا؛ لأنه سبحانه شاء أن يسخرها لأوامرنا ولانفعالاتنا، ولا أحد فينا يتكلم إلا في إطار الإذن العام للإرادة أن تنفعل لها الجوارح.
    وقد يسلب الله سبحانه هذا الإذن فلا تنفعل الجوارح للإرادة، فتجد الحق سبحانه يقول في آية أخرى.
    * لاَّ يَتَكَلَّمُونَ إِلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَـانُ وَقَالَ صَوَاباً *[النبأ: 38].
    ويقول الحق عز وجل في آية أخرى:
    * وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَآءَلُونَ *[الصافات: 27].
    وهناك آية أخرى يقول فيها الحق سبحانه:
    * هَـاذَا يَوْمُ لاَ يَنطِقُونَ * وَلاَ يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ *[المرسلات: 35ـ36].
    ويقول الحق سبحانه أيضاً:
    * يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عَن نَّفْسِهَا *[النحل: 111].
    وفي موضع آخر يقول سبحانه:
    * وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَّسْئُولُونَ *[الصافات: 24].
    كلمتان خفيفتان على اللسان .. ثقيلتان في الميزان .. حبيبتان إلى الرحمن

    سبحان الله وبحمده .. سبحان الله العظيم

  6. #26
    Super Moderator
    رقم العضوية : 2
    تاريخ التسجيل : Jun 2016
    المشاركات: 3,273
    التقييم: 10
    الدولة : الأردن
    العمل : طالب علم
    وهكذا قد يُخيَّل للبعض أن هناك آيات تناقض بعضها؛ فهناك آيات تسمح بالكلام، وهناك آيات تنفي القدرة على الكلام.
    وأقول: يجب أن نفهم أن الكلام الذي سيعجز الأشقياء عن نطقه يوم القيامة هو الكلام المجدي النافع، وسيتكلم البعض كلام السفسطة الذي لا يفيد، مثل لومهم بعضهم البعض؛ وذكره لنا القرآن في قوله سبحانه:
    * وَقَال الَّذِينَ كَفَرُواْ رَبَّنَآ أَرِنَا الَّذَيْنِ أَضَلاَّنَا مِنَ الْجِنِّ وَالإِنسِ نَجْعَلْهُمَا تَحْتَ أَقْدَامِنَا *[فصلت: 29].
    وهذا كلام لا يشفع لصاحبه ولا يجدي.
    إذن: فالممنوع هو الكلام المجدي المفيد، أو أن مقامات القيامة متفاوتة؛ فوقت يتكلمون فيه؛ ووقت يؤخذون فيه، فينبهرون ولا يتكلمون، ويأمر الحق سبحانه الجوارح المنفعلة أن تتكلم وتشهد عليهم.
    ويقسِّم الحق سبحانه أحوال الناس قسمين، كما في قوله تعالى في آخر الآية:
    * فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ * [هود: 105].
    وجاء بالاسم المحدد لكل من القسمين: " شقي " و " سعيد "؛ لأن الاسم يدل على الثبوت، فالشقاء ثابت لمن نُعت بالشقي؛ والسعادة ثابتة لمن نُعت بالسعيد.
    ثم يبيِّن لنا الحق سبحانه منازل مَنْ شَقُوا، ومنازل مَنْ سُعِدوا؛ ولذلك يعدل عن استخدام الاسم إلى استخدام الفعل، فيقول سبحانه: * فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُواْ فَفِي النَّارِ *
    فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ (106)

    والذين حكموا على أنفسهم بالشقاء لخروجهم عن منهج الله؛ يجمعهم الشقاء؛ لكنهم يدخلون النار أفراداً وزُمَراً.
    والحق سبحانه يقول:
    * وَسِيقَ الَّذِينَ كَـفَرُواْ إِلَى جَهَنَّمَ زُمَراً *[الزمر: 71].
    وفي آية أخرى يقول سبحانه:
    * كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَّعَنَتْ أُخْتَهَا *[الأعراف: 38].
    وهكذا نفهم أن الكافرين ـ في الوصف الثابت ـ أشقياء، لكنهم لحظة دخول النار إنما يدخلونها أفراداً؛ بل ويدخل معهم بعض من المسلمين العصاة، ويتلقى كل واحد منهم عقابه المناسب لما ارتكب من الذنوب والمعاصي؛ ويعاني كل منهم من شقاء يتناسب مع آثامه؛ وبذلك يجتمعون في الشقاء ويختلفون في نوع وكمية العذاب؛ كلٌّ حسب ذنوبه، ولا يظلم ربك أحداً.
    وجاء الحق سبحانه هنا بالفعل " شقوا " ليبيِّن لنا أنهم هم الذين اختاروا الشقاء؛ وأتوا به لأنفسهم؛ لأن الحق سبحانه خلق عباده وترك لكل منهم حق الاختيار؛ وأنزل لهم المنهج؛ ليصونوا أنفسهم؛ وأعان ـ من اختار الإيمان ـ على الطاعة.
    ثم يذكر الحق سبحانه في نفس الآية موقف مَنْ أدخلوا على أنفسهم الشقاء، فيقول عنهم:
    * فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ * [هود: 106].
    ونحن نعلم أن الذي يتنفس في النار سيخرج الهواء من صدره ساخناً مثلما يأخذ الشهيق ساخناً.
    ويواصل الحق سبحانه وتعالى وَصْفَ ما يتلقاه أهل الشقاء في النار، فيقول سبحانه: * خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ *
    خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ (107)

    وكلمة " الخلود " تفيد المكث طويلاً؛ مكوثاً له ابتداء ولا نهاية له؛ وإذا أبِّد فهو تأكيد للخلود.
    والذين شقوا إنما يدخلون النار؛ بدءاً من لحظة:
    * يَوْمَ يَأْتِ لاَ تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلاَّ بِإِذْنِهِ *[هود: 105].
    وهو عذاب لا نهاية له بالنسبة للكافرين.
    وأما عذاب المسلم العاصي على ما ارتكب من آثام؛ فبدايته من لحظة انتهاء الحساب إلى أن تنتهي فترة عذابه المناسبة لمعاصيه؛ ويدخل الجنة من بعد ذلك.
    ولهذا قال الحق سبحانه:
    * إِلاَّ مَا شَآءَ رَبُّكَ * [هود: 107].
    وهكذا ينقص الحق سبحانه الخلود في النار بالنسبة لأنصاف المؤمنين، فالحق سبحانه * فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ * [هود: 107] ولا يحكمه أي شيء.
    وإياكم أن تظنوا أن قدر الله يحكمه؛ فالقدر فِعْلُه، ولا أحد يسأل الله سبحانه عمَّا يفعل؛ لأن ذات الله هي الفاعلة؛ فإن شاء سبحانه أن ينقص خلود مسلم عاصٍ في النار؛ فالنقص يكون في النهاية؛ وبذلك يتحقق أيضاً نقص خلوده في الجنة، لأنه لا يدخلها إلا بعد أن يستوفي عقابه.
    وبهذا التصور ينتهي الإشكال الذي اختلف حوله مائة وخمسون عالماً؛ فقد ظن بعضهم أن الحق سبحانه يغلق أبواب النار على من أدخلهم إياها، ويستمر ذلك إلى ما لا نهاية، وكذلك من دخل الجنة من البداية سيظل فيها أبداً، ولن يُلحق الله أصحاب الكبائر بالجنة، ومن قال بذلك الرأي إنما يُسوِّي بين من ارتكب الكبيرة وبين الكافر بالله، وهذا أمر غير متصور، وهو بعيد عن رحمة الله.
    وإذا كان هذا البعض من العلماء قد استدل على رأيه بالآية الكريمة التي جاءت في سورة الجن، والتي يقول فيها الحق سبحانه:
    * إِلاَّ بَلاَغاً مِّنَ اللَّهِ وَرِسَالاَتِهِ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَآ أَبَداً *[الجن: 23].
    فنحن نقول: إن الحق سبحانه يربِّب لطفه للكافر حتى يؤمن، وللعاصي حتى يتوب، وهذا من رحمة الله سبحانه، فتأبيد الخلود في العذاب لم يرد إلا في آيتين، وهذا دليل على عظيم رحمة الله وسِعَة عفوه سبحانه.
    ولذلك قيل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إنه رحمة الله للعالمين؛ وكلمة " العالمين " جمع " عالَم " والعالَم هو ما سِوى الله تعالى.
    ولذلك هناك رحمة للكافر؛ هي عطاء الله له في الدنيا.
    وهكذا نعلم أن الله سبحانه هو الذي يملك نواميس الكون، ولم يتركها تفعل وحدها، بل يزاول سبحانه سلطانه عليها، وما دام القدر هو فعله سبحانه؛ فهو يغيِّر فيه كما يشاء.
    فهو سبحانه رب الزمان والمكان والحركة، وما دام هو رب كل شيء فإنه فعال لما يريد، وهنا تخضع أبدية الزمان لمراده ومشيئته.
    وقول الحق سبحانه:
    * مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ * [هود: 107].

    نفهم منه أن الجنة أو النار لا بد أن يوجد لهما ما يعلوهما ويظللهما، ولا بد أن يوجدا فوق أرض ما.
    وإذا قال قائل: إن الحق سبحانه قد ذكر في القرآن أن السماء سوف تمور وتنفطر.
    نقول رداً عليه: لا تأخذ آية في القرآن إلا بضميمة مثيلاتها.
    ولذلك قال الحق سبحانه:
    * يَوْمَ تُبَدَّلُ الأَرْضُ غَيْرَ الأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ *[إبراهيم: 48].
    والحق سبحانه يورث أرض الجنة لمن يشاء؛ لأنه سبحانه هو القائل على لسان المؤمنين يوم القيامة:
    * وَأَوْرَثَنَا الأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَآءُ *[الزمر: 74].
    أو لأن الإنسان له أغيار، وما حوله له أغيار.
    ومن العجيب أن الإنسان المخدوم بالمادة الجامدة؛ وبالنبات النامي؛ وبالحيوان الذي يحس ويتحرك؛ هذا الإنسان قد يكون أطول عمراً من بعض المخلوقات المسخَّرة لخدمته؛ لكنه أقل عمراً من الشمس ومن القمر.
    لكن الحق سبحانه هنا يصور عمر الإنسان في الآخرة؛ فكأنه سبحانه يعطي الأمد على أطول ما عرفنا من الأعمار؛ ولذلك قال سبحانه:
    * مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ * [هود: 107].
    وإذا علَّق الله سبحانه شيئاً على شيء، فلا بد أن يوجد هذا التعليق.
    والحق سبحانه يتكلم عن أهل النار من الكفار، فيقول تعالى:
    * وَلاَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ *[الأعراف: 40].
    فهل سيلج الجمل في سَمِّ الخِياط؟ إن ذلك محال.
    ولذلك أقول: فلنأخذ التعليقات في نطاق أنه سبحانه:
    * فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ * [هود: 107].
    وقد جاء في الكتاب قول سيدنا عيسى عليه السلام:
    * إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ *[المائدة: 118].
    فكان مقتضى السياق أن يقول سبحانه: وإن تغفر لهم فإنك أنت الغفور الرحيم.
    وهذه نظرة سطحية لمدلولات القرآن، بعقول البشر، أما ببلاغة الحق سبحانه فيكون الأمر مخالفاً، فأمر التعذيب أو الغفران موكول لله سبحانه بيده وحده، وليس لأحد أن يسأله لِمَ فعل هذا؟ ولِمَ ترك هذا؟
    لذلك كان هذا هو معنى العزة؛ ولذلك كان سبحانه عزيزاً، وهو سبحانه أيضاً حكيم في أي أمر يحكم فيه سواء أكان بالتعذيب أو المغفرة.
    لذلك جاء سبحانه بالخاتمة التي تثبت للحق سبحانه التعذيب أو المغفرة.
    ففي تعذيب الكافرين قال سبحانه: * فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ * [هود: 107].
    وفي الكلام عن الطائعين الذين أدخلوا الجنة قال سبحانه: * وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُواْ فَفِي الْجَنَّةِ *

    وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ (108)

    فالحق سبحانه يعطي المؤمنين ما شاء، ويؤكد خلودهم في الجنة، وعطاؤه لهم لا مقطوع ولا ممنوع.
    وبعد ذلك يقول الحق سبحانه: * فَلاَ تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِّمَّا يَعْبُدُ هَـاؤُلاءِ *
    فَلَا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِمَّا يَعْبُدُ هَؤُلَاءِ مَا يَعْبُدُونَ إِلَّا كَمَا يَعْبُدُ آبَاؤُهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِنَّا لَمُوَفُّوهُمْ نَصِيبَهُمْ غَيْرَ مَنْقُوصٍ (109)

    فهل كان الرسول صلى الله عليه وسلم في مرية؟
    هل كان الرسول صلى الله عليه وسلم في شك؟
    لا، ولكنه قول الآمر الأعلى سبحانه للأدنى، ورسول الله صلى الله عليه وسلم في صدد هذا الأمر؛ وبذلك ينصرف أمر الحق سبحانه إلى الدوام.
    مثلما قال الحق سبحانه للنبي صلى الله عليه وسلم:
    * أَقِمِ الصَّلاَةَ *[الإسراء: 78].
    وكان الرسول صلى الله عليه وسلم يقيم الصلاة قبلها، ولكن قول الحق سبحانه هنا إنما يمثل بداية التشريع.
    ومثل هذا أيضاً قول الحق سبحانه في خطاب النبي صلى الله عليه وسلم:
    * يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلاَ تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ *[الأحزاب: 1].
    فهل كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يتقي الله؟
    نقول: لا، إنما هو لإدامة التقوى، فإنه إذا أمر الأعلى الأدنى بأمر هو بصدد فعله، انصرف هذا الأمر إلى الدوام، واتباع أمته للتقوى والإعراض عن النفاق والكفر، وهو خطاب للرسول وأمته، فللرسول الدوام والترقي والحصانة، ولأمته الاتباع لمنهج الله.
    ومثل هذا قوله تعالى:
    * يَآأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ *[البقرة: 153].
    وهو سبحانه يناديهم بالإيمان؛ لأنهم اعتقدوا اعتقاد الالوهية الواحدة، ومن يسمع منهم هذا الخطاب عليه أن يداوم على الإيمان.
    وما دام قد آمن بالإله الواحد قبل الخطاب، فقد استحق أن ينال التكريم من الحق سبحانه بأن يخاطبه ويصفه بأنه من المؤمنين، فإذا نُودِي عليهم بهذه الصفة فهي علامة السمو المقبول.
    وإذا طُلبت الصفة ممن توجد الصفة فيه، فاعلم أنه سبحانه يطلب دوام الصفة فيه واستمرارها، وفي الاستمرارية ارتقاء.
    وقول الحق سبحانه هنا:
    * مِّمَّا يَعْبُدُ هَـاؤُلاءِ * [هود: 109].
    نجد أن التحقيق لا يثبت لهم عبادة؛ لأن معنى العبادة ائتمار عابدٍ بأمر معبود. وهؤلاء إنما يعبدون الأصنام، وليس للأصنام منهج يسير عليه من آمنوا بها.
    ولكن الحق سبحانه أثبت لهم هنا أنهم عبدوا الأصنام، وهم قد قالوا من قبل:
    * مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى اللَّهِ زُلْفَى *[الزمر: 3].
    وهو إيمان فقد حجية التعقل الإيماني، أي: أن تستقبل أنت بذاتك القضية الإيمانية وتناقشها لتدخل عليها باقتناع ذاتك.
    وهم قد دخلوا إلى الإيمان بعبادة الأصنام باقتناع الغير، وهم الآباء، فإيمانهم إيمان تقليد، وفي التقليد جفاف الفطرة السليمة وهو لا ينفع.
    ونحن نعلم أن الحق سبحانه وتعالى قد جعل النِّسَب في الكون إما ليثبت نسبة إيجابية، أو نسبة سلبية.
    * مَا يَعْبُدُونَ * [هود: 109].
    أي: على ما قالوا إنه عبادة، ولكنه ليس عبادة، لأن العبادة تقتضي أمراً ونهياً، وليس للأصنام أوامر أو نواهٍ، وعبادتهم هي عبادة تقليدية للآباء؛ ولذلك قالوا:
    * بَلْ نَتَّبِعُ مَآ أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَآءَنَآ *[البقرة: 170].
    ولذلك يقرر الحق سبحانه هنا جزاءهم، فيقول تعالى:
    * وَإِنَّا لَمُوَفُّوهُمْ نَصِيبَهُمْ غَيْرَ مَنقُوصٍ * [هود: 109].

    أي: سنعطيهم جزاءهم كاملاً؛ لأنهم يفسدون في الكون، رغم أن الحق سبحانه قد جعل لكل منهم حق الاختيار في أن يفعل الشيء أو لا يفعله، وإن لم تنضبط حركة الاختيار، فالتوازن الاجتماعي يصير إلى اختلال.
    وما دام للإنسان حق الاختيار؛ فقد أنزل الحق سبحانه له المنهج الذي يضم التكاليف الإيمانية.
    وهم حين قلدوا الآباء قد ساروا في طريق إفساد الكون؛ لذلك يُوفِّيهم الحق سبحانه نصيبهم من العذاب.
    والمفهوم من كلمة " النصيب " أنها للرزق، ويذكرها الحق سبحانه هنا لتقرير نصيب من العذاب، وفي هذا تهكم عليهم، وسخرية منهم.
    ويقول الحق سبحانه بعد ذلك: * وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ فَاخْتُلِفَ فِيهِ *
    وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ فَاخْتُلِفَ فِيهِ وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ (110)

    وسورة هود هي السورة الوحيدة في القرآن التي جاء فيها ذكر رسول واحد مرتين، فقد ذكر الحق سبحانه أنه أمر موسى عليه السلام بأن يذهب إلى فرعون، وأن يريه الآيات، ولم يزد، ثم انتقل من ذلك الإبلاغ فقال سبحانه:
    * يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ *[هود: 98].
    أي: أنه أعقب أولية البلاغ بالختام الذي انتهى إليه فرعون يوم القيامة، فيُورِد قومه النار.
    ثم يأتي الحق سبحانه هنا إلى موسى عليه السلام بعد ابتداء رسالته؛ ولذلك يقول تعالى:
    * وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ * [هود: 110].
    ونحن نعلم أن ذِكْر موسى عليه السلام في البداية كان بمناسبة ذِكْر ما له علاقة بشعيب عليه السلام حين ورد موسى ماء مدين، ولكن العجيب أنه عند ذِكْر شعيب لم يذكر قصة موسى معه، وإنما ذكر قصة موسى مع فرعون.
    وقد علمنا أن موسى عليه السلام لم يكن آتياً إلى فرعون إلا لمهمة واحدة، هي أن يرسل معه بني إسرائيل ولا يعذبهم.
    وأما ما يتأتى بعد ذلك من الإيمان بالله فقد جاء كأمر تبعيٍّ، لأن رسالة موسى عليه السلام لم تكن إلا لبني إسرائيل؛ ولذلك جاء هنا بالكتاب ليبلغه إلى بني إسرائيل منهجاً، أما في الموضع الأول فقد ذكر سبحانه الآيات التي أرسل بها موسى إلى فرعون.
    ونحن نعلم أن سورة هود عرضت لمواكب الرسل: نوح، وهود، وصالح، وشعيب، وإبراهيم ـ عليهم جميعاً السلام ـ وجاء الحديث فيها عن موسى عليه السلام مرتين: مرة في علاقته بفرعون، ومرة في علاقته ببني إسرائيل.
    وفي كل لقطة من اللقطات مهمة أساسية من مهمات المنهج الإلهي للناس عموماً، من أول آدم عليه السلام إلى أن تقوم الساعة؛ إلا أنه عند ذكر كل رسول يأتي باللقطة التي تعالج داءً موقوتاً عند القوم.
    فالقَدْر المشترك في دعوات كل الرسل هو قوله سبحانه:
    * اعْبُدُواْ اللَّهَ مَا لَكُمْ مِّنْ إِلَـاهٍ غَيْرُهُ *[الأعراف: 59].
    ثم يختلف الأمر بعد ذلك من رسول لآخر، فمنهم من يأمر قومه ألا يعبدوا الأصنام؛ ومنهم من يأمر قومه ألا ينقصوا الكيل والميزان.
    وهكذا نجد في كل لقطة مع كل رسول علاج داء من داءات تلك الأمة، أما الإسلام فقد جاء ليعالج داءات البشرية كلها؛ لذلك جمعت كل القيم الفاضلة في القرآن كمنهج للبشرية.
    لذلك فالحق سبحانه لا يقص علينا القصص القرآني للتسلية، أو لقتل الوقت، أو لتعلم التاريخ؛ ولكن لنلتقط العبرة من رسالة كل رسول إلى أمته التي بعث إليها ليعالج داءها.
    وبما أن أمة محمد صلى الله عليه وسلم ستكون آخر عهدٍ لالتقاء البشر بالبشر، وستكون فيها كل أجواء وداءات الدنيا، لذلك فعليهم التقاط تلك العبر؛ لأن رسالتهم تستوعب الزمان كله، والمكان كله.

    والحق سبحانه هنا يقول:
    * وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ فَاخْتُلِفَ فِيهِ * [هود: 110].
    ونحن نعلم أنه إذا تقدم أمران على ضمير الغيبة؛ فيصح أن يعود الضمير إلى كل أمر منهما.
    وقوله سبحانه: * فَاخْتُلِفَ فِيهِ * [هود: 110].
    يصح أن يكون الاختلاف في أمر موسى، ويصح أن يكون الاختلاف في أمر الكتاب، والخلاف في واحد منهما يؤدي إلى الخلاف في الآخر؛ لأنه لا انفصال بين موسى عليه السلام، والكتاب الذي أنزله الله عليه.
    وهكذا فالأمران يلتقيان: أمر الرسالة في الكتاب، وأمر الرسول في الاصطفاء؛ ولذلك لم يجعلهما الحق سبحانه أمرين، بل هما أمر واحد؛ لأن الرسول لا ينفصل عن منهجه.
    وقوله الحق: * آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ * [هود: 110] أمر يتعلق بفعل الحق سبحانه، ولله ذات، ولله صفات، ولله أفعال.
    وهو سبحانه مُنزَّه في ذاته عن أي تشبيه، ولله صفات، وهي ليست ككل الصفات، فالحق سبحانه موجود، وأنت موجود، لكن وجوده قديم أزليٌّ لا ينعدم، وأنت موجود طارىء ينعدم.
    ونحن نأخذ كل ما يتعلق بالله سبحانه في إطار:
    * لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ *[الشورى: 11].
    فإذا تكلم الحق سبحانه عن الفعل فخذ كل فعلٍ صدر عنه بقوته سبحانه غير النهائية.
    وقوله سبحانه هنا:
    * آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ * [هود: 110].
    نفهم منه أن هذا الفعل قد استلزم صفات متكاملة، علماً وحكماً، وقدرةً، وعفواً، وجبروتاً، وقهراً، فهناك أشياء كثرة تتكاتف لتحقيق هذا الإتيان.
    كلمتان خفيفتان على اللسان .. ثقيلتان في الميزان .. حبيبتان إلى الرحمن

    سبحان الله وبحمده .. سبحان الله العظيم

  7. #27
    Super Moderator
    رقم العضوية : 2
    تاريخ التسجيل : Jun 2016
    المشاركات: 3,273
    التقييم: 10
    الدولة : الأردن
    العمل : طالب علم
    وقد يسأل سائل: وما دام موسى عليه السلام قد أوتي الكتاب، واختُلف فيه، فلماذا لم يأخذ الحق سبحانه قوم موسى كما أخذ قوم نوح، أو قوم عاد، أو قوم ثمود، أو بقية الأقوام الذين أخذهم الله بالعذاب؟
    ونقول: ما نجوا من عذاب الله بقدرتهم؛ بل لأن الحق سبحانه قد جعل عذابهم آجلاً، وهو يوم الحساب.
    ولذلك قال سبحانه في الآية نفسها:
    * وَلَوْلاَ كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ * [هود: 110].
    وبذلك حكم الحق حكماً فاصلاً، كما حكم على الأمم السابقة التي كانت مهمة رسلهم هي البلاغ، ولم تكن مهمة رسلهم أن يحاربوا من أجل إرساء دعوة أو تثبيت حق؛ ولذلك كانت السماء هي التي تتدخل بالأمر النهائي.
    لكن اختلف الأمر في رسالة موسى عليه السلام، فقد سبق فيه قول الله تعالى بالتأجيل للحساب إلى يوم القيامة.
    ثم يقول الحق سبحانه هنا:
    * وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ مُرِيبٍ * [هود: 110].
    كأنهم في شك من يوم القيامة، وفي شك من الحساب، مثل قوله سبحانه في أول الآية عن الاختلاف في الكتاب وموسى عليه السلام.
    ويقول الحق سبحانه بعد ذلك: * وَإِنَّ كُـلاًّ لَّمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ رَبُّكَ أَعْمَالَهُمْ *
    وَإِنَّ كُلًّا لَمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ رَبُّكَ أَعْمَالَهُمْ إِنَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (111)

    إذن: فالحق سبحانه قد أخذ قوم الرسل السابقين على موسى بالعذاب، أما في بدء رسالة موسى عليه السلام فقد تم تأجيل العذاب ليوم القيامة.
    ويبيِّن الحق سبحانه: لا تعتقدوا أن تأجيل العذاب ليوم القيامة يعني الإفلات من العذاب، بل كل واحد سيوفِّى جزاء عمله؛ بالثواب لمن أطاع، وبالعقاب لمن عصا، فأمر الله سبحانه آت ـ لا محالة ـ وتوفية الجزاء إنما تكون على قدر الأعمال، كفراً أو إيماناً، صلاحاً أو فساداً، وميعاد ذلك هو يوم القيامة.
    وهنا وقفة في أسلوب النص القرآني، حتى يستوعب الذين لا يفهمون اللغة العربية كمَلَكة، كما فهمها العرب الأقدمون.
    ونحن نعلم أن العربي القديم لم يجلس إلى معلم، لكنه فهم اللغة ونطق بها صحيحة؛ لأنه من أمة مفطورة على الأداء البياني الدقيق، الرقيق، الرائع.
    فاللغة ـ كما نعلم ـ ليست جنساً، وليست دماً، بل هي ظاهرة اجتماعية، فالمجتمع الذي ينشأ فيه الطفل هو الذي يحدد لغته، فالطفل الذي ينشأ في مجتمع يتحدث العربية، سوف ينطق بالعربية، والطفل الذي يوجد في مجتمع يتحدث اللغة الإنجليزية، سينطق بالإنجليزية؛ لأن اللغة هي ما ينطق به اللسان حسبما تسمع الأذن.
    وكانت غالبية البيئة العربية في الزمن القديم بيئة منعزلة، وكان من ينشأ فيها إنما يتكلم اللغة السليمة.
    أما العربي الذي عاش في حاضرة مثل مكة، ومكة ـ بما لها من مكانة ـ كانت تستقبل أغراباً كثيرين؛ ولذلك كان أهل مكة يأخذون الوليد فيها لينقلوه إلى البادية؛ حتى لا يسمع إلا اللغة العربية الفصيحة، وحتى لا يحتاج إلى من يضبط لسانه على لغة العرب الصافية.
    ولنقرِّبْ هذا الأمر، ولننظر إلى أن هناك في حياتنا الآن لغتين: لغة نتعلمها في المنازل والشوارع ونتخاطب بها، وتسمى " اللغة العامية " ، ولغة أخرى نتعلمها في المدارس، وهي اللغة المصقولة المميزة بالفصاحة والضبط.
    وكان أهل مكة يرسلون أبناءهم إلى البادية لتلتقط الأذن الفصاحة، وكانت اللغة الفصيحة هي " العامية " في البادية، ولم يكن الطفل في البادية يحتاج إلى معلم ليتعلمها؛ لأن أذنه لا تسمع إلا الفصاحة.
    وكانت هذه هي اللغة التي يتفوق فيه إنسان ذلك الزمان كملكة، وهي تختلف عن اللغة التي نكتسبها الآن، ونصقلها في مدارسنا، وهي لغة تكاد تكون مصنوعة، فما بالنا بالذين لم يتعلموا العربية من قبل من المستشرقين، ويتعلمون اللغة على كِبَر.
    وهؤلاء لم يمتلكوا صفاء اللغة، لذلك حاولوا أن يطعنوا في القرآن، وادعى بعض أغبيائهم أن في القرآن لحناً، قالوا ذلك وهم الذين تعلموا اللغة المصنوعة، رغم أن من استقبلوا القرآن من رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم أهل الفصاحة، لم يجدوا في القرآن لحناً، ولو أنهم أخذوا لحناً على القرآن في زمن نزوله؛ لأعلنوا هذا اللحن؛ لأن القرآن نزل باللغة الفصيحة على أمة فصيحة، بليغة صناعتها الكلام.

    ولأمرٍ ما أبق الله سبحانه صناديد قريش وصناديد العرب على كفرهم لفترة، ولو أن أحداً منهم اكتشف لحناً في القرآن لأعلنه.
    وذلك حتى لا يقولن أحد أنهم قد آمنوا فستروا على القرآن عيوباً فيه. ولو كان عند أحدهم مَهْمَزٌ لما منعه كفره أن يبين ذلك، فهل يمكن لهؤلاء المستشرقين الذين عاشوا في القرن العشرين أن يجدوا لحناً في القرآن، وهم لم يمتلكوا ناصية اللغة ملكة، بل تعلموها صناعة، والصنعة عديمة الإحساس الذوقي.
    ومثال ذلك: عدم فهم هؤلاء لأسرار اللغة في الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها، فالحق سبحانه يقول:
    * وَإِنَّ كُـلاًّ لَّمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ رَبُّكَ أَعْمَالَهُمْ إِنَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ خَبِيرٌ * [هود: 111].
    أي: أن كل واحد من الذين صدَّقوا أو من الذين كذَّبوا، له توفية في الجزاء، للطائع الثواب؛ وللعاصي العقوبة.
    وكلمة " إنَّ " ـ كما نعلم ـ هي في اللغة " حرف توكيد " في مقابلة مَنْ ينكر ما يجيء بعدها.
    والإنكار ـ كما نعلم ـ مراحل، فإذا أردت أن تخبر واحداً بخبر لا يعلمه، فأنت تقول له مثلاً: " زارني فلان بالأمس ".
    وهكذا يصادف الخبر ذهن المستمع الخالي، فإن قال لك: " لكن فلاناً كان بالأمس في مكان آخر " ، فأنت تقول له: " إن فلاناً زارني بالأمس ".
    وحين يرد عليك السامع: " لكنني قابلت فلاناً الذي تتحدث عنه أمس في المكان الفلاني ".
    وهنا قد تؤكد قولك: " والله لقد زارني فلان بالأمس ".
    إذن: فأنت تأتي بالتوكيد على حَسْب درجة الإنكار.
    وحين يؤجل الحق سبحانه العذاب لبعض الناس في الدنيا، قد يقول غافل: لعل الله لم يعد يعذِّب أحداً.
    ولذلك بيَّن الحق سبحانه مؤكداً أن الحساب قادم، لكل من الطائع والمصدِّق، والعاصي المكذِّب، فقال سبحانه:
    * وَإِنَّ كُـلاًّ لَّمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ رَبُّكَ أَعْمَالَهُمْ * [هود: 111].
    والذين لم تستقم لهم اللغة كملكة، كالمستشرقين، وأخذوها صناعة، توقفوا عند هذه الآية وقالوا: لماذا جاء بالتنوين في كلمة " كلاً "؟
    وهم لم يعرفوا أن التنوين يغني عن جملة، فساعة تسمع أو تقرأ التنوين، فاعلم أنه عِوَضٌ عن جملة، مثل قول الحق سبحانه:
    * فَلَوْلاَ إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ * وَأَنتُمْ حِينَئِذٍ تَنظُرُونَ *[الواقعة: 83ـ84].
    و " كلاً " في الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها توجز أن كلاً من الطائع المؤمن، والعاصي الكافر، سوف يلقى جزاءه ثواباً أو عقاباً.
    أما قوله سبحانه: * لَّمَّا * في نفس الآية، فنحن نعلم أن " لما " تستعمل في اللغة بمعنى " الحين " و " الزمان " مثل قول الحق سبحانه:
    * وَلَمَّا جَآءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ *[الأعراف: 143].
    ومثل قوله سبحانه:
    * وَلَمَّا فَصَلَتِ الْعِيرُ قَالَ أَبُوهُمْ إِنِّي لأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ *[يوسف: 94].
    أي حين فصلت العير وخرجت من مصر قال أبوهم:* إِنِّي لأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ *[يوسف: 94].
    و " لما " تأتي أيضاً للنفي مثل قوله سبحانه:
    * قَالَتِ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُواْ وَلَـاكِن قُولُواْ أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ *[الحجرات: 14].
    أي: أن الإيمان لم يدخل قلوبهم بعد، وتحمل كلمة " لما " الإذن بأن الإيمان سوف يدخل قلوبهم بعد ذلك.
    وحين تستخدم كلمة " لما " في النفي تكون " حرفاً " مثلها مثل كلمة " لم " ، ولكنها تختلف عن " لم " لأن " لم " تجزم الفعل المضارع، ولا يتصل نفيها بساعة الكلام، بل بما مضى، وقد يتغير الموقف. أما " لما " فيتصل نفيها إلى وقت الكلام، وفيها إيذان بأن يحدث ما تنفيه.
    وهكذا نفهم أن قول الحق سبحانه:
    * وَإِنَّ كُـلاًّ لَّمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ رَبُّكَ أَعْمَالَهُمْ إِنَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ خَبِيرٌ * [هود: 111].
    أي: أن كلاً من الطائع والعاصي سيوفَّى حسابه وجزاؤه ثواباً أو عقاباً، حين يأتي أجل التوفية، وهو يوم القيامة.
    وقد جاءت " لما " لتخدم فكرة العقوبة التي كانت تأتي في الدنيا، وشاء الله سبحانه أن يؤجل العقوبة للكافرين إلى الآخرة، وأنسب حرف للتعبير عن ذلك هو " لما ".
    وحين تقرأ * لَيُوَفِّيَنَّهُمْ * تجد اللام، وهي لام القسم بأن الحق سبحانه سيوفيهم حسابهم إن ثواباً أو عقاباً.
    والله سبحانه بما يفعل العباد خبير، هو سبحانه يعلم أفعال العبد قبل أن تقع، ولكنها حين تقع لا يمكن أن تُنسَى أو تذهب أدراج الرياح؛ لأن من يعلمها هو " الخبير " صاحب العلم الدقيق، والخبير يختلف عن العالِم الذي قد يعلم الإجماليات، لكن الخبير هو المدرَّب على التخصص.
    ولذلك غالباً ما تأتي كلمتا " اللطيف والخبير " معاً؛ لأن الخبير هو من يعلم مواقع الأشياء، واللطيف هو من يعرف الوصول إلى مواقع تلك الأشياء.
    ومثال هذا: أنك قد تعرف مكان اختباء رجل في جبل مثلاً، هذه المعرفة وهذه الخبرة لا تكفيان للوصول والنفاذ إلى مكانه، بل إن هذا يحتاج إلى ما هو أكثر، وهو الدقة واللطف.
    والحق سبحانه جاء بهذا الحديث عن موسى عليه السلام ليسلِّي رسوله صلى الله عليه وسلم، لأن بعضاً من الكافرين برسالة محمد عليه الصلاة والسلام قالوا: ما دام الله يأتي بالعذاب ليبيد من يكفرون برسله، فلماذا لا يأتي لنا العذاب؟
    ولهذا جاء ما يخبر هؤلاء بأن الحق سبحانه سيوقع العقوبة على الكافرين، لا محالة، فإياك أن يخادعوك ـ يا رسول الله ـ في شيء، أو يساوموك على شيء، مثلما قالوا: نعبد إلهك سنة، وتعبد آلهتنا سنة.
    وقد سبق أن قطع الحق سبحانه هذا الأمر بأن أنزل:
    * قُلْ ياأَيُّهَا الْكَافِرُونَ * لاَ أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ * وَلاَ أَنتُمْ عَابِدُونَ مَآ أَعْبُدُ * وَلاَ أَنَآ عَابِدٌ مَّا عَبَدتُّمْ *[الكافرون: 1ـ4].
    وهذا هو قطع العلاقات التام في تلك المسألة التي لا تقبل المساومة، وهي العبادة.
    ونحن نعلم أن العبادة أمر قلبي، لا يمكن المساومة فيه، وقطع العلاقات في مثل هذا الأمر أمر واجب؛ لأنه لا يمكن التفاوض حوله؛ فهي ليست علاقات ظرف سياسي، ولكنه أمر ربَّاني، يحكمه الحق سبحانه وحده.
    وقول الحق سبحانه:
    * لاَ أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ * وَلاَ أَنتُمْ عَابِدُونَ مَآ أَعْبُدُ * وَلاَ أَنَآ عَابِدٌ مَّا عَبَدتُّمْ *[الكافرون: 2ـ4].
    هذا القول الكريم يشعر من يسمعه ويقرؤه أنهم سيظلون على عبادة غير الله، وأن محمداً سيظل على عبادة الله، وأن كلمة " الله " ستعلو؛ لأن الحق سبحانه يأتي بعد سورة " الكافرين " بقوله تعالى:
    * إِذَا جَآءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجاً * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّاباً *[النصر: 1ـ3].
    وهنا يقول الحق سبحانه: * فَاسْتَقِمْ كَمَآ أُمِرْتَ *
    فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (112)

    والاستقامة معناها: عدم الميل أو الانحراف ـ ولو قيد شعرةٍ ـ وهذا أمر يصعب تحقيقه؛ لأن الفاصل بين الضدين، أو بين المتقابلين هو أدق من الشعرة في بعض الأحيان.
    ومثال ذلك: حين ترى الظل والضوء، فأحياناً يصعد الظل على الضوء، وأحياناً يصعد الضوء على الظل، وسنجد صعوبة في تحديد الفاصل بين الظل والنور، مهما دقت المقاييس.
    وهكذا يصبح فصل الشيء عن نقيضه صعباً، ولذلك فالاستقامة أمر شاق للغاية.
    وساعة أن نزلت هذه الآية قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " شيبتني هود وأخواتها ".
    ولولا أن قال الحق سبحانه في كتابه الكريم:
    * فَاتَّقُواْ اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ *[التغابن: 16].
    فلولا نزول هذه الآية لتعب المسلمون تماماً، وقد أنزل الحق سبحانه هذا القول بعد أن قال:
    * اتَّقُواْ اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ *[آل عمران: 102].
    وعزَّ ذلك على صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأنزل الحق سبحانه ما يخفف به عن أمة محمد صلى الله عليه وسلم بأن قال سبحانه:
    * فَاتَّقُواْ اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ *[التغابن: 16].
    إذن: فالأمر بالاستقامة هو أمر بدقة الأداء المطلوب لله أمراً ونهياً، بحيث لا نميل إلى جهة دون جهة.
    وهكذا تطلب الاستقامة كامل اليقظة وعدم الغفلة.
    ويقول الحق سبحانه:
    * فَاسْتَقِمْ كَمَآ أُمِرْتَ وَمَن تَابَ مَعَكَ * [هود: 112].
    وهذا إيذان بألاَّ ييأس رسول الله صلى الله عليه وسلم من وقوف صناديد قريش أمام دعوته صلى الله عليه وسلم؛ لأنهم سيتساقطون يوماً بعد يوم.
    وقول الحق سبحانه:
    * وَلاَ تَطْغَوْاْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ * [هود: 112].
    يعني ألا نتجاوز الحد، فالطغيان هو مجاوزة الحد.
    وهكذا نعلم أن الإيمان قد جعل لكل شيء حدّاً، إلا أن حدود الأوامر غير حدود النواهي؛ فالحق سبحانه إن أمرك بشيء، فهو يطلب منك أن تلتزمه ولا تتعده.
    وقال الحق سبحانه:
    * تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلاَ تَعْتَدُوهَا *[البقرة: 229].
    وهذا القول في الأوامر، أما في النواهي فقد قال سبحانه:
    * تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلاَ تَقْرَبُوهَا *[البقرة: 187].
    أي: أن تبتعد عنها تماماً.
    ويقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: " من وقع في الشبهات وقع في الحرام كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يرتع فيه، ألا وإن لكل ملكٍ حمى، ألا وإن حمى الله محارمه ".
    وحين ينهانا الحق سبحانه عن الاقتراب من شيء فهذه هي استقامة الاحتياط، وهي قد تسمح لك بأن تدخل في التحريم ما ليس داخلاً فيه، فمثلاً عند تحريم الخمر، جاء الأمر باجتنابها أي: الابتعاد عن كل ما يتعلق بالخمر حتى لا يجتمع المسلم هو والخمر في مكان.
    وجعل الحق سبحانه أيضاً الاستقامة في مسائل الطاعة، وهو سبحانه يقول:
    * وَآتُواْ حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ وَلاَ تُسْرِفُواْ * [الأنعام: 141].
    والنهي عن الإسراف هنا؛ ليعصمنا الحق سبحانه من لحظة نتذكر فيها كثرة ما حصدنا، ولكننا لا نجد ما نقيم به الأود فقد يسرف الإنسان لحظة الحصاد لكثرة ما عنده، ثم تأتي له ظروف صعبة فيقول: " يا ليتني لم أُعْطِ ". وهكذا يعصمنا الحق سبحانه من هذا الموقف.
    ويقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: " سدِّدوا وقاربوا واعلموا أنه لن يدخل أحدكم عمله الجنة، وأن أحب الأعمال أدومها إلى الله وإن قل "؛ لأن الدين قوي متين، و " لن يشاد الدين أحد إلا غلبه ".
    وهكذا نجد الحق سبحانه ونجد رسوله صلى الله عليه وسلم أعلم بنا، والله لا يريد منا عدم الطغيان من ناحية المحرمات فقط، بل من ناحية الحلِّ أيضاً، فيوصينا سبحانه بالرفق واللين والهوادة ، وأن يجعل الإنسان لنفسه مُكْنة الاختيار.
    ومثال ذلك: أن يلزم الإنسان نفسه بعشرين ركعة كل ليلة، وهو يلزم نفسه بذلك نذراً لله تعالى في ساعة صفاء، لكنه حين يبدأ في مزوالة ذلك القدر يكتشف صعوبته، فتكرهه نفسه.
    ولذلك يأمرنا الحق سبحانه بالاستقامة وعدم الطغيان؛ استقامة في تحديد المأمور به والمنهي عنه؛ ولذلك كان الاحتياط في أمر العبادات أوسع لمن يطلب الاستقامة.
    ويقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: " الحلال بيِّن، والحرام بين، وبينهما أمور مشتبهات لا يعلمهن كثير من الناس، فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه ".
    ولذلك يطلب الشارع الحكيم سبحانه منا في الاحتياط أن نحتاط مرة بالزيادة، وأن نحتاط بمرة بالنقص، فحين تصلي خارج المسجد الحرام، يكفيك أن تكون جهتك الكعبة، أما حين تصلي في المسجد الحرام، فأنت تعلم أن الكعبة قسمان: قسم بنايته عالية، وقسم اسمه " الحطيم " وهو جزء من الكعبة، لكن نفقتهم أيام رسول الله صلى الله عليه وسلم قد قصرت؛ فلم يبنوه.
    لذلك فأنت تتجه ببصرك إلى البناء العالي المقطوع بكعبيته، وهذا هو الاحتياط بالنقص.
    أما الاحتياط بالزيادة، فمثال ذلك: هو الطواف، وقد يزدحم البشر حول الكعبة، ولا تسمح ظروفك إلا بالطواف حول المسجد.
    وهكذا يطول عليك الطواف، لكنه طواف بالزيادة فعند الصلاة يكون الاحتياط بالنقص، أما عند الطواف فيكون الاحتياط بالزيادة.
    وهكذا نجد الاحتياط هو الذي يحدد معنى الاستقامة.
    ويُنهي الحق سبحانه الآية بقوله تعالى:
    * إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ * [هود: 112].
    وفي الآية السابقة قال سبحانه:* إِنَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ خَبِيرٌ *[هود: 111].
    وعلمنا معنى الخبير، أما المقصود بالبصير هنا فهو أنه سبحانه يعلم حركة العبادة؛ لأن حركة العبادة مرئية.
    ويقول الحق سبحانه بعد ذلك: * وَلاَ تَرْكَنُواْ إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ فَتَمَسَّكُمُ *
    وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ (113)

    والكافرون ـ كما نعلم ـ قد عرضوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يعبد آلهتهم سنة، وأن يعبدوا هم الله سنة، ولكن الحق سبحانه قطع وفصل في هذا الأمر.
    ويأتي هنا توكيد هذا الأمر؛ فيقول سبحانه:
    * وَلاَ تَرْكَنُواْ إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ * [هود: 113].
    والركون هو الميل والسكون والمودة والرحمة، وأنت إذا ركنت للظالم؛ أدخلت في نفسه أن لقوته شأناً في دعوتك.
    والركون أيضاً يعني: المجاملة، وإعانة هذا الظالم على ظلمه، وأن تزِّين للناس ما فعله هذا الظالم.
    وآفة الدنيا هي الركون للظالمين؛ لأن الركون إليهم إنما يشجعهم على التمادي في الظلم، والاستشراء فيه. وأدنى مراتب الركون إلى الظالم ألا تمنعه من ظلم غيره، وأعلى مراتب الركون إلى الظالم أن تزين له هذا الظلم؛ وأن تزين للناس هذا الظلم.
    وأنت إذا استقرأت وضع الظلم في العالم كله لوجدت آن آفات المجتمعات الإنسانية إنما تنشأ من الركون إلى الظالم؛ لكنك حين تبتعد عن الظالم، وتقاطعه أنت ومن معك؛ فلسوف يظن أنك لم تُعرْض عنه إلا لأنك واثق بركن شديد آخر؛ فيتزلزل في نفسه؛ حاسباً حساب القوة التي تركن إليها؛ وفي هذا إضعاف لنفوذه؛ وفي هذا عزلة له وردع؛ لعله يرتدع عن ظلمه.
    والركون للظالم إنما يجعل الإنسان عرضة لأن تمسه النار بقدر آثار هذا الركون؛ لأن الحق سبحانه يقول:
    * وَلاَ تَرْكَنُواْ إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِّن دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَآءَ ثُمَّ لاَ تُنصَرُونَ * [هود: 113].
    فأنتم حين تركنون إلى ظالم إنما تقعون في عداء مع منهج الله؛ فيتخلى الله عنكم ولا ينصركم أحد؛ لأنه لا وليَّ ولا ناصر إلا الله تعالى.
    ويقول الحق سبحانه من بعد ذلك: * وَأَقِمِ الصَّلاَةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ *
    كلمتان خفيفتان على اللسان .. ثقيلتان في الميزان .. حبيبتان إلى الرحمن

    سبحان الله وبحمده .. سبحان الله العظيم

  8. #28
    Super Moderator
    رقم العضوية : 2
    تاريخ التسجيل : Jun 2016
    المشاركات: 3,273
    التقييم: 10
    الدولة : الأردن
    العمل : طالب علم
    وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ (114)

    وهذا أمر بالخير؛ يوجهه الله سبحانه إلى رسوله صلى الله عليه وسلم.
    ونحن نلحظ في هذه الآيات من سورة هود أنها تحمل أوامر ونواهي؛ الأوامر بالخير دائماً؛ والنواهي عن الشر دائماً.
    ونلحظ أن الحق سبحانه قال:
    * فَاسْتَقِمْ كَمَآ أُمِرْتَ وَمَن تَابَ مَعَكَ *[هود: 112].
    ثم وَجَّه النهي للأمة كلها:* وَلاَ تَطْغَوْاْ *[هود: 112] ولم يقل: " فاستقم ولا تطغي " لأن الأمر بالخير يأتي للنبي صلى الله عليه وسلم وأمته معه؛ وفي النهي عن الشر يكون الخطاب موجهاً إلى الأمة، وفي هذا تأكيد لرفعة مكانة النبي صلى الله عليه وسلم.
    ونرى نفس الأمر حين يوجه الحق سبحانه الحديث إلى أمة محمد صلى الله عليه وسلم فيقول سبحانه وتعالى:
    * وَلاَ تَرْكَنُواْ إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ *[هود: 113].
    ولم يقل: " ولا تركن إلى الذين ظلموا ".
    وهنا في الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها يقول الحق سبحانه لرسوله صلى الله عليه وسلم ولأمته:
    * وَأَقِمِ الصَّلاَةَ * [هود: 114].
    والإقامة تعني: أداء المطلوب على الوجه الأكمل، مثل إقامة البنيان؛ وأن تجعله مؤدياً للغرض المطلوب منه.
    ويقال: " أقام الشيء " أي: جعله قائماً على الأمر الذي يؤدي به مهمته.
    وقول الحق سبحانه:
    * وَأَقِمِ الصَّلاَةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ * [هود: 114].
    أي: نهايته من ناحية، ونهايته من الناحية الأخرى؛ لان طرف الشيء هو نهايته.
    وتتحدد نهاية الطرفين من منطقة وسط الشيء، فالوسط هو الفاصل بين الطرفين؛ فما على يمين الوسط يعد طرفاً؛ وما على يسار الوسط يعد طرفاً آخر؛ وكل جزء بعد الوسط طرف.
    وعادةً ما يعد الوسط هو نقطة المنتصف تماماً، وما على يمينها يقسم إلى عشرة أجزاء، وما على يسارها يقسم إلى عشرة أجزاء أخرى، وكل قسم بين تلك الأجزاء التي على اليمين و التي على اليسار يعد طرفاً.
    وقول الحق سبحانه:
    * وَأَقِمِ الصَّلاَةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ * [هود: 114].
    يقتضي أن تعرف أن النهار عندنا إنما نتعرف عليه من بواكير الفجر الصادق، وهذا هو أول طرف نقيم فيه صلاة الفجر، ثم يأتي الظهر؛ فإن وقع الظهر قبل الزوال حسبناه من منطقة ما قبل الوسط، وإن كان بعد الزوال حسبناه من منطقة ما بعد الوسط.
    وبعد الظهر هناك العصر، وهو طرف آخر.
    وقول الحق سبحانه:
    * وَزُلَفاً مِّنَ الَّيْلِ * [هود: 114].
    يقتضي منا أن نفهم أن كلمة * زُلَفاً * هي جمع؛ زلفة، وهي مأخوذة من: أزلفه، إذا قرَّبه.
    والجمع أقله ثلاثة؛ ونحن نعلم أن لنا في الليل صلاة المغرب، وصلاة العشاء، ولذلك نجد الإمام أبا حنيفة يعتبر الوتر واجباً، فقال: إن صلاة العشاء فرض، وصلاة الوتر واجب؛ وهناك فرق بين الفرض والواجب.
    ويقول الحق سبحانه بعد ذلك مباشرة:
    * إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّـيِّئَاتِ * [هود: 114].

    وهذا التعقيب يضع الصلاة في قمة الحسنات، وقد أوضح رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا بأن قال: " الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة كفارة لما بينهن ما لم تُغْشَ الكبائر ".
    واختلف العلماء في معنى السيئات والحسنات، وقال بعضهم: الحسنة هي ما جعل الله سبحانه على عملها ثواباً، والسيئة هي ما جعل الله على عملها عقاباً.
    وأول الحسنات في الإيمان أن تشهد أن لا إله إلا الله، وهذه حسنة أذهبت الكفر؛ لأن الحسنات يذهبن السيئات.
    ولذلك قال بعض العلماء: إن المسلم الذي ارتكب معصية أو كبيرة من الكبائر، لا يخلد في النار؛ لأنه إذا كانت حسنة الإيمان قد أذهبت سيئة الكفر، أفلا تذهب ما دون الكفر؟.
    وهكذا يخفّف العقاب على المسلم فينال عقابه من النار، ولكنه لا يخلد فيها؛ لأننا لا يمكن أن نساوي بين من آمن بالله ومن لم يؤمن بالله.
    والإيمان بالله هو أكبر حسنة، وهذه الحسنة تذهب الكفر، ومن باب أولى أن تذهب ما دون الكفر.
    وتساءل بعض العلماء: هل الفرائض هي الحسنات التي تذهب السيئات؟
    وأجاب بعضهم: هناك أحاديث صحيحة قد وردت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم عن حسنات في غير الفرائض، ألم يقل رسول الله صلى الله عليه وسلم " إن صوم يوم عرفة إلى صوم يوم عرفة يذهب السيئات ".
    ألم يقل رسول الله صلى الله عليه وسلم " إن الإنسان الذي يستقبل نعمة الله بقوله: الحمد لله الذي رزقنيه من غير حولٍ مني ولا قوة، والحمد لله الذي كساني من غير حولٍ مني ولا قوة ". وهذا القول يكفّر السيئات.
    ألم يقل صلى الله عليه وسلم " إنك إذا قلت: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر ولا حول ولا قوة إلا بالله العليّ العظيم " فهذا القول كفارة؟
    إذن: فالحسنات مطلقة سواء أكانت فرضاً أم غير فرضٍ، وهي تذهب السيئات. والسيئة هي عمل توعد الله ـ سبحانه ـ من يفعله بالعقوبة.
    وتساءل أيضاً بعض العلماء: إن السيئة عمل، والعمل إذا وقع يُرفع ويُسجَّل، فكيف تُذهبها الحسنة؟
    وأجابوا: إن ذهاب السيئة يكون إما عن طريق مَنْ يحفظ العمل، ويكتبه عليك، فيمحوه الله من كتاب سيئاتك، أو أن يعفو الله سبحانه وتعالى عنك؛ فلا يعاقبك عليه، أو يكون ذهاب العمل في ذاته فلا يتأتى، وما وقع لا يرتفع؛ أو يحفظها الله إن وقعت؛ لأنه هو سبحانه القائل:
    * مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ *[ق: 18].
    ويقول سبحانه:
    * وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ * كِرَاماً كَاتِبِينَ *[الانفطار: 10ـ11].
    وهكذا يكون إذهاب السيئة، إما محوها من الكتاب، وإما أن تظل في الكتاب، ويذهب الله سبحانه عقوبتها بالمغفرة.

    والحق سبحانه يقول:
    * الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلاَّ اللَّمَمَ إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ *[النجم: 32].
    واجتناب الكبائر لا يمنع من وقوع الصغائر.
    والحق سبحانه يقول:
    * إِنَّ الصَّلاَةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَآءِ وَالْمُنْكَرِ *[العنكبوت: 45].
    وحين ننظر إلى مواقيت الصلاة، نجدها خمسة مواقيت، فمن تعلَّق قلبه بالصلاة، إنما ينشغل قلبه طوال وقت حركته بإقامة الصلاة، ثم يأتي وقت الليل لينام، وكل من يرتكب معصية سينشغل فكره بها لمدةٍ، ولو لم يأت له وقت صلاة لأحسَّ بالضياع، أما إذا ما جاء وقت الصلاة فقلبه يتجه لله سبحانه طالباً المغفرة.
    وإن وقعت منه المعصية مرة، فقد لا تقع مرة أخرى، أو أن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر في وقت الاستعداد لها، فمن جلس لينمَّ على غيره، أو يظلم الناس، إذا ما سمع أذان الصلاة وقام وتوضأ؛ فقد رحم الناس في وقت وضوئه ووقت صلاته ووقت ختمه للصلاة.
    وهناك أعمال كثيرة من الفروض والحسنات وهي تمحو السيئات، وعلى المسلم أن ينشغل بزيادة الحسنات، وألا ينشغل بمحو السيئات؛ لأن الحسنة الواحدة بشعرة أمثالها وقد يضاعفها الله سبحانه، أما السيئة فإنما تكتب واحدة.
    ويُنهي الحق سبحانه هذه الآية الكريمة بقوله:
    * ذالِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ * [هود: 114].
    أي: إن إقامة الصلاة طرفي النهار، وزلفاً من الليل هي حسنات تذهب السيئات؛ وفي ذلك ذكرى وتنبيه للنفس إلى شيء غُفِل عنه، أي: أن هذا الشيء كان موجوداً من قبل، ولكن جاءت الغفلة لتنسيه، والإخبار الأول أزال الجهل بهذا الشيء، والإخبار الثاني يذكِّرك بالحكم؛ لأن آفة الإنسان أن الأمور التي تمر به من المرائي والمدركات، تتوالى وتصير الأشياء التي في بؤرة الشعور إلى حاشية الشعور، فيغفل الإنسان عما صار في حاشية الشعور، ولا بد من مجيء معنى جديد ليذكِّر بما غاب في حاشية الشعور.
    ومثال ذلك: إنك إذا ألقيت حجراً في بحر، فهذا الحجر يستقر في بؤرة تصنع حولها دوائر من المياه، وتذهب هذه الدوائر إلى أن تختفي من رؤية الإنسان، ودليل ذلك أنك قد تتذكر أحداثاً مرت عليك من عشرين عاماً أو أكثر، هذه الأحداث كانت موجودة في حاشية الشعور، ثم جاء لك ما ينبهك إليها.
    والمخ كآلة التصوير الفوتوغرافية يلتقط أحياناً من مرة واحدة، وأحياناً من مرتين، أو أكثر، والالتقاط من أول مرة إنما يتم لأن المخ في تلك اللحظة كان خالياً من الخواطر.
    ونحن نجد أن من فقدوا أبصارهم إنما ينعم الله سبحانه عليهم بنعمة أخرى، هي قدرتهم الكبيرة على حفظ العلم؛ لأنه حين يسمع الكفيف العلم لا تشغله الخواطر المرئية التي تسرق انتباه بؤرة الشعور، أما المبصر، فقد تسرق بؤرة شعوره ما يمر أمامه، فيسمع العلم لأكثر من مرة إلى أن يصادف العلم بؤرة الشعور خالية فيستقر فيها.

    وهكذا تفعل الذكرى؛ لأنها تستدعي ما في حاشية الشعور إلى بؤرة الشعور، فإذا انشغلت عن طاعة وذهبت إلى معصية، فالذكرى توضح لك آفاق المسئولية التي تتبع المعصية، وهي العقاب.
    ولذلك يقال: " لا خير في خيرٍ بعده النار، ولا شر في شر بعده الجنة ".
    والحق سبحانه يقول هنا في الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها:
    * وَأَقِمِ الصَّلاَةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفاً مِّنَ الَّيْلِ * [هود: 114].
    وأنت حين تنظر إلى أركان الإسلام، ستجد أنك تشهد ألا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله مرة واحدة في العمر، والركن الثاني، وهو الصلاة، وهو ركن لا يسقط أبداً، فهي كل يوم خمس مرات، فيها تنطق بالشهادة، وتزكِّي ببعض الوقت ليبارك لك الله ـ سبحانه وتعالى ـ فيما بقي لك من وقتٍ، وفيها تصوم عن الطعام والشراب وكل ما يفسد الصيام، وأنت تتجه لحظة قيام الصلاة إلى البيت الحرام.
    ففي الصلاة تتضح العبادات الأخرى، ففيها من أركان الإسلام الخمس.
    ولذلك لا تسقط الصلاة أبداً؛ لأنك إن لم تستطع الصلاة واقفاً؛ فَلَكَ أن تصلي قاعداً، وإن لم تكن تستطيع الحركة فَلَكَ أن تحرك رموش عينيك، وأنت تصلي.
    وهكذا تجد في الصلاة كل أركان الدين، ولأهميتها نجد أنها تبقى مع الإنسان إلى آخر رمقٍ في حياته، وهي قد أخذت أهميتها في التشريع على قدر أهميتها في التكليف، وكل تكاليف الإسلام قد جاءت بواسطة الوحي إلا الصلاة، فقد جاءت مباشرة من الله تعالى، فقد استدعى الله سبحانه رسوله صلى الله عليه وسلم إليه ليفرض عليه الصلاة وهي تحية لأمة محمد صلى الله عليه وسلم؛ نظراً لأنها شرعت في قرب محمد صلى الله عليه وسلم من ربه سبحانه وتعالى.
    لذلك جعل الحق سبحانه الصلاة المفروضة في القرب وسيلة لقرب أمة رسوله صلى الله عليه وسلم جميعاً؛ ولذلك فهي الباقية.
    ويُحكَى أن الإمام علياً ـ كرم الله وجهه ورضي عنه ـ أقبل على قوم وقال لهم: أي آيةٍ في كتاب الله أَرْجَى عندكم؟
    أي: ما هي الآية التي تعطي الرجاء والطمأنينة والبشرى بأن الحق سبحانه يقبلنا ويغفر لنا ويرحمنا، فقال بعضهم: هي قول الحق سبحانه:
    * إِنَّ اللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذالِكَ لِمَن يَشَآءُ *[النساء: 116].
    فقال الإمام علي: حسنة، وليست إياها؟ أي: أنها آية تحقق ما طلبه، لكنها ليست الآية التي يعنيها.
    فقال بعض القوم إنها قول الحق سبحانه:
    * وَمَن يَعْمَلْ سُوءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُوراً رَّحِيماً *[النساء: 110].
    فكرر الإمام علي: حسنة، وليست إياها.
    فقال بعض القوم: هي قول الحق سبحانه:
    * قُلْ ياعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُواْ عَلَى أَنفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُواْ مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً * [الزمر: 53].
    فقال الإمام علي: حسنة، وليست إياها:
    فقال بعضهم: هي قوله سبحانه:
    * وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُواْ أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُواْ اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُواْ لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللَّهُ *[آل عمران: 135].
    فقال الإمام علي: حسنة، وليست إياها.
    وصمت القوم وأحجموا، فقال الإمام علي كرَّم الله وجهه: ما بالكم يا معشر المسلمين؟ وكأنه يسألهم: لماذا سكتم؟.. فقالوا: لا شيء.
    وهكذا جعل الإمام علي التشويق أساساً يبني عليه ما سوف يقول لهم: واشرأبت أعناقهم، وأرهفوا السمع، فقال لهم الإمام علي: سمعت حبيبي رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " أَرْجَى آية في كتاب الله هي قول الحق سبحانه:
    * وَأَقِمِ الصَّلاَةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفاً مِّنَ الَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّـيِّئَاتِ ذالِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ * [هود: 114].
    يا علي إن أحدكم ليقوم من وضوئه فتتساقط عن جوارحه ذنوبه، فإذا أقبل على الله بوجهه وقلبه لا ينفتل ـ أي: لا يلتفت ـ إلا وقد غفر الله له كل ذنوبه كيوم ولدته أمه؛ فإذا أحدث شيئاً بين الصلاتين فله ذلك، ثم عدَّ الصلوات الخمس واحدة واحدة، فقال بين الصبح والظهر، وبين الظهر والعصر، وبين العصر والمغرب، وبين المغرب والعشاء، وبين العشاء والفجر، ثم قال صلى الله عليه وسلم: " يا علي إنما الصلوات الخمس لأمتي كنهر جارٍ بباب أحدكم، أو لو كان على جسد واحد منكم درن ثم اغتسل في البحر، أيبقى على جسده شيء من الدرن؟ قال: فذلكم والله الصلوات لأمتي ".
    ولذلك لو نظرنا إلى الأعمال لوجدنا كل عمل له مجاله في عمره إلا مجال الصلاة، فمجالها كل عمر الإنسان.
    ويقول الحق سبحانه بعد ذلك: * وَاصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ *
    وَاصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (115)

    وجاءت كلمة " اصبر " لتخدم كل عمليات الاستقامة.
    وكذلك يقول الحق سبحانه:
    * وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاَةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا *[طه: 132].
    والصبر نوعان: صبر " على " ، وصبر " عن " وفي الطاعات يكون الصبر على مشقة الطاعة، مثل صبرك على أن تقوم من النوم لتصلي الفجر، وفي اتقاء المعاصي يكون الصبر عن الشهوات.
    وهكذا نعلم أن الصبر على إطلاقه مطلوب في الأمرين: في الإيجاب للطاعة، وفي السلب عن المعصية.
    ونحن نعلم أن الجنة حٌقَّتْ بالمكاره؛ فاصبر على المكاره، وحُفَّتِ النار بالشهوات؛ فاصبر عنها.
    وافرض أن واحداً يرغب في أكل اللحم، ولكنه لا يملك ثمنها، فهو يصبر عنها؛ ولا يستدين.
    ولذلك يقول الزهاد: ليس هناك شيء اسمه غلاء، ولكن هناك شيء اسمه رخص النفس.
    ولذلك نجد من يقول: إذا غلا شيء عليّ تركته، وسيكون أرخص ما يكون إذا غلا.
    والحق سبحانه يقول:
    * وَاصْبِرْ عَلَى مَآ أَصَابَكَ *[لقمان: 17].
    وهنا يقول الحق سبحانه:
    * وَاصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ * [هود: 115].
    وهم الذين أدخلوا أنفسهم في مقام الإحسان، وهو أن يلزم الواحد منهم نفسه بجنس ما فرض الله فوق ما فرق الله، من صلاة أو صيام، أو زكاة، أو حج لبيت الله؛ لأن العبادة ليست اقتراحاً من عابدٍ لمعبود، بل المعبود هو الذي يحدد ما يقربك إليه.
    وحاول ألاّ تدخل في مقام الإحسان نَذْراً؛ لأنه قد يشق عليك أن تقوم بما نذرته، واجعل زمان الاختيار والتطوع في يدك؛ حتى لا تدخل مع الله في ودٍّ إحساني ثم تفتر عنه، وكأنك ـ والعياذ بالله ـ قد جرَّبت مودة الله تعالى، فلم تجده أهلاً لها، وفي هذا طغيان منك.
    وإذا رأيت إشراقات فيوضات على مَنْ دخل مقام الإحسان فلا تنكرها عليه، وإلا لسويت بين من وقف عند ما فُرِضَ عليه، وبين من تجاوز ما فُرِضَ عليه من جنس ما فَرَضَ الله.
    وجرب ذلك في نفسك، والتزم أمر الله باحترام مواقيت الصلاة، وقم لتصلي الفجر في المسجد، ثم احرص على أن تتقن عملك، وحين يجيء الظهر قم إلى الصلاة في المسجد، وحاول أن تزيد من ركعات السنة، وستجد أن كثافة الظلمانية قد رَقَّتْ في أعماقك، وامتلأتَ بإشراقات نوارينة تفوق إدراكات الحواس، ولذلك لا تستكثر على مَنْ يرتاض هذه الرياضة الروحية، حين تجد الحق سبحانه قد أنار بصيرته بتجليات من وسائل إدراك وشفافية.
    ولذلك لا نجد واحداً من أهل النور والإشراق يدَّعي ما ليس له، والواحد منهم قد يعلم أشياء عن إنسان آخر غير ملتزم، ولا يعلنها له؛ لأن الله سبحانه وتعالى قد خَصَّه بأشياء وصفات لا يجب أن يضعها موضع التباهي والمراءاة.

    وحين عرض الحق سبحانه هذه القضية أراد أن يضع حدوداً للمرتاض ولغير المرتاض، في قصة موسى عليه السلام حينما وجد موسى وفتاة عبداً صالحاً، ووصف الحق سبحانه العبد الصالح بقوله تعالى:
    * عَبْداً مِّنْ عِبَادِنَآ آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِّنْ عِندِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِن لَّدُنَّا عِلْماً *[الكهف: 65].
    وقال العبد الصالح لموسى عليه السلام:
    * إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً *[الكهف: 67].
    وبيَّن العبد الصالح لموسى ـ بمنتهى الأدب ـ عذره في عدم الصبر، وقال له:
    * وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْراً *[الكهف: 68].
    وردَّ موسى عليه السلام:
    * سَتَجِدُنِي إِن شَآءَ اللَّهُ صَابِراً وَلاَ أَعْصِي لَكَ أمْراً *[الكهف: 69].
    فقال العبد الصالح:
    * فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلاَ تَسْأَلْني عَن شَيءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْراً *[الكهف: 70].
    ولكن الأحداث توالت؛ فلم يصبر موسى؛ فقال له العبد الصالح:
    * هَـاذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ *[الكهف: 78].
    وهذا حكم أزلي بأن المرتاض للرياضة الروحية، ودخل مقام الإحسان لا يمكن أن يلتقي مع غير المرتاض على ذلك، وليلزم غير المرتاض الأدب مثلما يلتزم المرتاض الأدب، ويقدم العذر في أن ينكر عليه غير المرتاض معرفة ما لا يعرفه.
    ولو أن المرتاض قد عذر غير المرتاض، ولو أن غير المرتاض تأدب مع المرتاض لاستقرَّ ميزان الكون.
    والحق سبحانه يبيِّن لنا مقام الإحسان وأجر المحسنين، في قوله تعالى:
    * إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * آخِذِينَ مَآ آتَاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كَانُواْ قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ *[الذاريات: 15ـ16].
    ويبيِّن الحق سبحانه لنا مدارج الإحسان، وأنها من جنس ما فرض الله تعالى، في قوله سبحانه:
    * كَانُواْ قَلِيلاً مِّن الَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ *[الذاريات: 17].
    والحق سبحانه لم يكلف في الإسلام ألا يهجع المسلم إلا قليلاً من الليل، وللمسلم أن يصلي العشاء، وينام إلى الفجر.
    وتستمر مدارج الإحسان، فيقول الحق سبحانه:
    * وَبِالأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ *[الذاريات: 18].
    والحق سبحانه لم يكلِّف المسلم بذلك، ولكن الذي يرغب في الارتقاء إلى مقام الإحسان يفعل ذلك.
    ويقول الحق سبحانه أيضاً:
    * وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لَّلسَّآئِلِ وَالْمَحْرُومِ *[الذاريات: 19].
    ولم يحدد الحق سبحانه هنا هذا الحق بأنه حق معلوم، بل جعله حقاً غير معلوم أو محددٍ، والله سبحانه لم يفرض على المسلم إلا الزكاة، ولكن من يرغب في مقام الإحسان فهو يبذل من ماله للسائل والمحروم.
    وهكذا يدخل المؤمن إلى مقام الإحسان، ليودَّ الحق سبحانه.
    ولله المثل الأعلى: نحن نجد الإنسان حين يوده غيره؛ فهو يعطيه من خصوصياته، ويفيض عليه من مواهبه الفائضة، علماً، أو مالاً، فما بالنا بمن يدخل في ودٍّ مع الله سبحانه وتعالى.
    ويقول الحق سبحانه بعد ذلك: * فَلَوْلاَ كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِن قَبْلِكُمْ *.
    كلمتان خفيفتان على اللسان .. ثقيلتان في الميزان .. حبيبتان إلى الرحمن

    سبحان الله وبحمده .. سبحان الله العظيم

  9. #29
    Super Moderator
    رقم العضوية : 2
    تاريخ التسجيل : Jun 2016
    المشاركات: 3,273
    التقييم: 10
    الدولة : الأردن
    العمل : طالب علم
    فَلَوْلَا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُو بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّنْ أَنْجَيْنَا مِنْهُمْ وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَا أُتْرِفُوا فِيهِ وَكَانُوا مُجْرِمِينَ (116)

    وكلمة " لولا " هنا تحضيضية، والتحضيض إنما يكون حثاً لعفلٍ لم يأت زمنه، فإن كان الزمن قد انتهى ولا يمكن استدراك الفعل فيه، تكون " لولا " للتحسر والتأسف.
    وفي سورة يونس يقول الحق سبحانه:
    * فَلَوْلاَ كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَآ إِيمَانُهَا إِلاَّ قَوْمَ يُونُسَ *[يونس: 98].
    وذكَّرهم بالآيات. ونحن قد علمنا أن " لولا " لها استعمالان في اللغة، فهي إن دخلت على جملة اسمية، فهي تدل على امتناع لوجود، كقول إنسان لآخر: " لولا أن أباك فلاناً لضربتك على ما أذنبت " وتسمى " لولا " في هذه الحالة " حرف امتناع لوجود ".
    وإذا دخلت " لولا " على جملة فعلية، فهي أداة تحضيض، وتحميس، وحث المخاطب على أن يفعل شيئاً، مثلما تشجِّع طالباً على المذاكرة، فتقول له: " لولا ذاكرت بجد واجتهاد في العام الماضي لما نجحت ووصلت إلى هذه السنة الدراسية ".
    وفي هذا تحميس له على بذل مزيد من الجهد، أما إذا قلت لراسب: " لولا ذاكرت لما رسبت " فهذا توبيخ وتأسيف له على ما فات، وشحن طاقته لما هو آت؛ لأن الزمن قد فات وانتهى وقت المذاكرة؛ لذلك تكون " لولا " ـ هنا ـ للتقريع والتوبيخ.
    والحق سبحانه وتعالى يرشدنا إلى أن بقية الأشياء هي التي ثبتت أمام أحداث الزمن، فأحداث الزمن تأتي لتطوح بالشيء التافه أولاً، ثم بما دونه ثم بما دونه، ويبقى الشيء القوي؛ لأنه ثابت على أحداث الزمن؛ وبقية الأشياء دائماً خيرها.
    والحق سبحانه قد بيَّن لنا أنه قد أهلك الأمم التي سبقت؛ لأنه لم توجد فئة منهم تنهى عن الفساد في الأرض، وجاء الإهلاك لامتناع من يقاوم الفساد بالأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر.
    وضرب الحق سبحانه لنا المثل بالبقية في كل شيء، وأنها هي التي تبقى أمام الأحداث، ففي قصة شعيب عليه السلام يقول الحق سبحانه:
    * ياقَوْمِ اعْبُدُواْ اللَّهَ مَا لَكُمْ مِّنْ إِلَـاهٍ غَيْرُهُ وَلاَ تَنقُصُواْ الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ إِنِّي أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ وَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُّحِيطٍ * وَياقَوْمِ أَوْفُواْ الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ وَلاَ تَبْخَسُواْ النَّاسَ أَشْيَآءَهُمْ وَلاَ تَعْثَوْاْ فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ * بَقِيَّةُ اللَّهِ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ *[هود: 84ـ86].
    ومعنى ذلك أن نقص المكيال أو الميزان قد يزيد التاجر ما عنده، ولكنه لا يلتفت إلى ماهو مدخور.
    ولذلك قال شعيب عليه السلام:
    * وَياقَوْمِ أَوْفُواْ الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ وَلاَ تَبْخَسُواْ النَّاسَ أَشْيَآءَهُمْ *[هود: 85].
    فأنت إن نظرت إلى شيء قد ذهب، فامتلك القدرة على أن تحقق فيه بالفهم، لتجده مدخراً لك باقياً.
    ولنا المثل في موقف رسول الله صلى الله عليه وسلم مع أم المؤمنين عائشة ـ رضي الله عنها ـ حينما سألها عن شاة أُهديت له، وكانت تعرف أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يحب من الشاة كتفها، فتصدقت بكل الشاة إلا جزءاً من كتفها، فلمَّا سألها: ما فعلت بالشاةّ قالت: ذهبت كلها إلا كتفها.

    هكذا نظرت عائشة ـ رضي الله عنها ـ هذا المنظور الواقعي؛ بأن الباقي من الشاة هو كتفها فقط، وأنها تصدقت بباقي الشاة، ويلفتها رسول الله صلى الله عليه وسلم لفتة إيمان ويقين، ويقول لها: " بقى كلها إلا كتفها ".
    هكذا نظر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى ما بقي من الشاة من خير.
    ويؤيد ذلك حديث قاله صلى الله عليه وسلم: " وهل لك يابن آدم من مالك إلا ما أكلت فأفنيت، أو لبست فأبليت، أو تصدقت فأمضيت ".
    ويلفتنا القرآن الكريم إلى المنظور، وإلى المدخور، فيقول الحق سبحانه:
    * الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَاباً *[الكهف: 46].
    ويصف الحق سبحانه هذا المدخور بقوله:
    * ثَوَاباً وَخَيْرٌ أَمَلاً *[الكهف: 46].
    وفي آية أخرى يقول سبحانه:
    * وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَاباً وَخَيْرٌ مَّرَدّاً *[مريم: 76].
    إذن: لا بد أن تنظر إلى الباقيات في الأشياء؛ لأنها هي التي يُعوَّل عليها.
    ويلفتنا الحق سبحانه إلى ذلك في أكثر من موضع من القرآن الكريم، فيقول تعالى:
    * وَالآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى *[الأعلى: 17].
    ويقول سبحانه:
    * وَمَا عِندَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى *[القصص: 60].
    إذن: فإياك أن تنظر إلى الذاهب، ولكن انظر إلى الباقي.
    وإذا عضَّتِ الإنسان الأحداث في أي شيء، نجد أن سطحي الإيمان يفزع مما ذهب، ونجد راسخ الإيمان شاكراً لله تعالى على ما بقي.
    وها هو ذا سيدنا عبد الله بن جعفر ـ رضي الله عنه ـ حينما جُرحت ساقه جرحاً شديداً، وهو في الطريق إلى الشام، ولحظة أن وصل إلى قصر الخلافة قال الأطباء: لا بد من التخدير لنقطع الساق المريضة، فقال: والله ما أحب أن أغفل عن ربي طرفة عين.
    وكان هذا القول يعني أن تجرى له جراحة بتر الساق دون مخدر، فلمَّا قُطعت الساق، وأرادوا أن يأخذوها ليدفنوها؛ لتسبقه إلى الجنة إن شاء الله؛ قال: ابعثوا بها، فجاءوا بها إليه، فأمسكها بيده وقال: اللهم إن كنت قد ابتليت في عضو؛ فقد عافيت في أعضاء.
    هكذا نظر المؤمن إلى ما بقي.
    وحين يتكلم القرآن الكريم عن مراتب ومراقي الإيمان يقول مرة:
    * فَأُوْلَـائِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ *[غافر: 40].
    ويقول عن أناس آخرين:
    * أُولَـائِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ *[البقرة: 157].
    والجنة باقية بإبقاء الله لها، ولكن رحمة الله باقية ببقاء الله، وهكذا تكون درجة الرحمة أرقى من درجة الجنة.
    وهكذا تجد في كل أمر ما يسمى بالباقيات.
    وهنا يقول الحق سبحانه:
    * فَلَوْلاَ كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِن قَبْلِكُمْ أُوْلُواْ بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الأَرْضِ إِلاَّ قَلِيلاً مِّمَّنْ أَنجَيْنَا مِنْهُمْ * [هود: 116].

    أي: لولا أن كان في الناس بقية من الخير وبقية من الإيمان، وبقية من اليقين، وكانوا ينهون عن الفساد في الأرض، لولا هم لخسف الله الأرض بمن عليها.
    والبقايا في كل الأشياء هي نتيجة الاختيار، والاختبار؛ مصداقاً لقول الحق سبحانه:
    * فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَآءً وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ *[الرعد: 17].
    وفي العصر الحديث نقول: " البقاء للأصلح ".
    إذن: فالحق سبحانه إنما يحفظ الحياة بهؤلاء الذين ينهون عن الفساد في الأرض؛ لأنهم يعملون على ضوء منهج الله، وهذا المنهج لا يزيد ملكاً لله، ولا يزيد صفة من صفات الكمال لله، لأنه سبحانه خلق الكون بكل صفات الكمال فيه، ومنهجه سبحانه إنما يُصلح حركة الحياة، وحركة الأحياء.
    وهكذا يعود منهج السماء بالخير على مخلوقات الله، لا على الله الذي كوَّن الكون بكماله.
    واقرأ إن شئت قول الحق سبحانه:
    * وَالسَّمَآءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ * أَلاَّ تَطْغَوْاْ فِي الْمِيزَانِ *[الرحمن: 7ـ8].
    فكما رفع الحق سبحانه السماء بلا عمد، وجعل الأمور مستقرة متوازنة؛ فلكم أن تعدلوا في الكون في الأمور الاختيارية بميزان دقيق؛ لأن اعوجاج الميزان إنما يفسد حركة الحياة.
    ومن اعوجاج الميزان أن يأخذ العاطل خير الكادح، ويرى الناس العاطل، وهو يحيا في ترفٍ من سرقة خير الكادح، فيفعلون مثله، فيصير الأمر إلى انتشار الفساد.
    وينزوي أصحاب المواهب، فلا يعمل الواحد منهم أكثر من قدر حاجته؛ لأن ثمرة عمله إن زادت فهي غير مصونة بالعدالة.
    وهكذا تفسد حركة الحياة، وتختل الموازين، وتتخلف المجتمعات عن ركب الحياة.
    والحق سبحانه وتعالى يقول:
    * فَلَوْلاَ كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِن قَبْلِكُمْ أُوْلُواْ بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الأَرْضِ * [هود: 116].
    وشاء الحق سبحانه أن يجعل أمة محمد صلى الله عليه وسلم خير الأمم بشرط أن يأمورا بالمعروف، وينهوا عن المنكر.
    قال الله تعالى:
    * كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ *[آل عمران: 110].
    وجعلها الحق سبحانه الأمة الخاتمة، لأنه لا رسالة بعد رسالة محمد صلى الله عليه وسلم، وقد كانت الرسالات قبلها تأتي بعد أن يتقلص الخير في المجتمعات، وفي النفوس.
    فقد وضع الحق سبحانه المنهج لأول الخلق في النفس الإنسانية، وكانت المناعة ذاتية في الإنسان، إن ارتكب ذنباً فهو يتوب ويرجع بعد أن يلوم نفسه، ولكن قد يستقر أمره على المعصية، وتختفي منه " النفس اللوَّامة " ، ويستسلم للنفس الأمَّارة بالسوء، فيجد من المجتمع من يقوِّمه، فإذا ما فسد المجتمع، فالسماء تتدخل بإرسال الرسل، إلا أمة محمد صلى الله عليه وسلم فقد أمَّنها الحق سبحانه أنه سيظل فيها إلى أن تقوم الساعة من يدعو إلى الخير، ومن يأمر بالمعروف، ومن ينهى عن المنكر؛ ولذلك لن يوجد أنبياء بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    ولذلك يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم تأكيداً لهذا المعنى: " علماء أمتي كأنبياء بني إسرائيل ".
    والعَالِم: هو كل من يعلم حكماً من أحكام الله سبحانه، وعليه أن يبلغه إلى الناس.
    ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " نضَّر الله وجه امرىءٍ سمع مقاتلي فوعاها، وأدَّاها إلى من لم يسمعها، فرُبَّ مُبلَّغ أوعى من سامِع ".
    ويقول الحق سبحانه:
    * أُوْلُواْ بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الأَرْضِ إِلاَّ قَلِيلاً مِّمَّنْ أَنجَيْنَا مِنْهُمْ وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مَآ أُتْرِفُواْ فِيهِ وَكَانُواْ مُجْرِمِينَ * [هود: 116].
    وقد أنجى الحق سبحانه بعضاً ممن نهوا عن الفساد في الأرض.
    ونرى أمثلة على ذلك في القرية التي كانت حاضرة البحر، وكانت تأتيهم حيتانهم شُرعاً يوم السبت الذي حرموا فيه الصيد على أنفسهم، ويوم لا يسبتون لا تأتيهم.
    ويقول الحق سبحانه:
    * وَإِذَا قَالَتْ أُمَّةٌ مِّنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَاباً شَدِيداً قَالُواْ مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ * فَلَماَّ نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ أَنجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُواْ بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ *[الأعراف: 164ـ165].
    هكذا أنجى الله سبحانه الذي نهوا عن السوء في تلك القرية، وقد نرى في بعض المجتمعات عنصرين:
    الأول: أنه لا يوجد طائفة تنهى عن الفساد.
    والعنصر الثاني: أن ينفتح على المجتمع باب الترف على مصراعيه، وفي انفتاح باب الترف على مصراعيه مذلَّة للبشر؛ لأنك قد تجد إنساناً لا تترفه إمكاناته؛ فيزيد هذه الإمكانات بالرشوة والسرقة والغصب.
    وكل ذلك إنما ينشأ لأن الإنسان يرى مترفين يتنعمون بنعيم لا تؤهله إمكاناته أن يتنعم به.
    ويقول الحق سبحانه وتعالى عن إهلاك مثل هذه المجتمعات:
    * وَإِذَآ أَرَدْنَآ أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُواْ فِيهَا *[الإسراء: 16].
    وبعض الناس يفهمون هذه الآية الكريمة على غير وجهها؛ فهم يفهمون الفسق على أنه نتيجة لأمر من الله ـ سبحانه وتعالى ـ والحقيقة أنهم إنما قد خالفوا أمر الله؛ لأن الحق سبحانه يقول:
    * وَمَآ أُمِرُواْ إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ *[البينة: 5].
    أي: أن الحق سبحانه أمر المترفين أن يتبعوا منهج الله، لكنهم خالفوا المنهج الإلهي مختارين؛ ففسقوا عن أمر ربهم.
    وفي الآية الكريمة التي نحن بصدد خواطرنا عنها:
    * وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مَآ أُتْرِفُواْ فِيهِ * [هود: 116].
    وقوله سبحانه: (ظلموا) تبين أن مادة الترف التي عاشوا فيها جاءت من الظلم، وأخذ حقوق الناس وامتصاص دماء الكادحين.
    ومادة (ترف) تعني النعمة يتنعم بها الإنسان. ومنها: أَترف، وأُترف، وكلمة " أترف " أي: أطغته النعمة، وأنسته المنعم سبحانه. وأترف، أي: مد الله له في النعمة ليأخذه أخذ عزيز مقتدر.

    والحق سبحانه يقول:
    * فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُواْ بِمَآ أُوتُواْ أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً *[الأنعام: 44].
    فمن يمسك عدوه ليرفعه؛ فلا يظنن أنه يدلِّله، ولكنه يرفعه ليلقيه من علٍ، فيزداد ويعظم ألمه. وكان الله سبحانه قد أعطى أمثال هؤلاء نعمة؛ ليطغوا.
    ولنا أن ننتبه إلى كلمة " الفتح " التي تجعل النفس منشرحة، وعلينا أن ننتبه إلى المتعلق بها، أهو فتح عليك، أم فتح لك؟
    إن فُتح عليك؛ فافهم أن النعمة جاءت لتطغيك، ولكن إن فُتح لك، فهذا تيسير منه سبحانه، فهو القائل:
    * إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُّبِيناً *[الفتح: 1].
    وهؤلاء الذين يحدثنا الحق سبحانه عنهم في هذه الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها؛ قد فتح الله سبحانه عليهم أبواب الضر؛ لأنهم غفلوا عنه.
    ويُنهي الحق سبحانه الآية الكريمة بقوله:
    * وَكَانُواْ مُجْرِمِينَ * [هود: 116].
    أي: كانوا يقطعون ما كان يجب أن يوصل؛ وهو اتباع منهج السماء؛ لأن كلمة (مجرمين) مأخوذة من مادة " جرم " وتعني: " قطع " ، وقطع اتباع منهج السماء؛ والغفلة عن الإيمان بالخالق سبحانه، والاستغراق في الترف الذي حققوه لأنفسهم بظلم الغير، وأخذ نتيجة عرق وجهد الغير.
    ويقول الحق سبحانه من بعد ذلك: * وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى *.
    وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ (117)

    وساعة تقرأ أو تسمع (ما كان) يتطرق إلى ذهنك: ما كان ينبغي.
    ومثال ذلك: هو قولنا: " ما كان يصح لفلان أن يفعل كذا ". وقولنا هذا يعني أن فلاناً قد فعل أمراً لا ينبغي أن يصدر منه.
    وهناك فرق بين نفي الوجود؛ ونفي انبغاء الوجود.
    والحق سبحانه يقول:
    * وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنبَغِي لَهُ *[يس: 69].
    وهذا لا يعني أن طبيعة الرسول صلى الله عليه وسلم جامدة، ولا يستطيع ـ معاذ الله ـ أن يتذوق المعاني الجميلة؛ لأنه صلى الله عليه وسلم جُبل على الرحمة؛ وقد قال فيه الحق سبحانه:
    * فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنْفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ *[آل عمران: 159].
    ولهذا نفهم قوله الحق:
    * وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنبَغِي لَهُ *[يس: 69].
    أي: أن الحق سبحانه لم يشأ له ان يكون شاعراً.
    وهكذا نفهم أن هناك فرقاً بين " نفي الوجود " وبين " نفي انبغاء الوجود ".
    والحق سبحانه يقول هنا:
    * وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ * [هود: 117].
    أي: لا يتأتى، ويستحيل أن يهلك الله القرى بظلم؛ لأن مراد الظالم أن يأخذ حق الغير لينتفع به؛ ولا يوجد عند الناس ما يزيد الله شيئاً؛ لأنه سبحانه واهب كل شيء؛ لذلك فالظلم غير وارد على الإطلاق في العلاقة بين الخالق سبحانه وبين البشر.
    وحين يورد الحق سبحانه كلمة " القرى " ـ وهي أماكن السكن ـ فلنعلم أن المراد هو " المكين " ، مثل قول الحق سبحانه:
    * وَسْئَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ *[الأعراف: 163].
    وقوله الحق أيضاً:
    * وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا *[يوسف: 82].
    والحق سبحانه في مثل هاتين الآيتين؛ وكذلك الآية التي نتناولها الآن بهذه الخواطر إنما يسأل عن المكين.
    والله سبحانه يقول هنا:
    * وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ * [هود: 117].
    أي: أنه مُنزَّه عن أن يهلكهم بمجاوزة حَدٍّ، لكن له أن يهلكهم بعدل؛ لأن العدل ميزان، فإن كان الوزن ناقصاً كان الخسران، ومن العدل العقاب، وإن كان الوزن مستوفياً كان الثواب.
    وفي مجالنا البشرى؛ لحظة أن نأخذ الظالم بالعقوبة؛ فنحن نتبعه فعلاً؛ لكننا نريح كل المظلومين؛ وهذه هي العدالة فعلاً.
    ومن خطأ التقنينات الوضعية البشرية هو ذلك التراخي في إنفاذ الحقوق في التقاضي؛ فقد تحدث الجريمة اليوم؛ ولا يصدر الحكم بعقاب المجرم إلا بعد عشر سنوات، واتساع المسافة بين ارتكاب الجريمة وبين توقيع العقوبة؛ إنما هو واحد من أخطاء التقنينات الوضعية؛ ففي هذا تراخٍ في إنفاذ حقوق التقاضي؛ لأن اتساع المسافة بين ارتكاب الجريمة وبين توقيع العقوبة؛ إنما يضعف الإحساس ببشاعة الجريمة.

    ولذلك حرص المشرع الإسلامي على ألا تطول المسافة الزمنية بين وقوع الجريمة وبين إنزال العقوبة، فعقاب المجرم في حُمُوَّة وجود الأثر النفسي عند المجتمع؛ يجعل المجتمع راضياً بعقاب المجرم، ويذكِّر الجميع ببشاعة ما ارتكب؛ ويوازن بين الجريمة وبين عقوبتها.
    ويقول الحق سبحانه هنا:
    * وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ * [هود: 117].
    وفي آية أخرى يقول الحق سبحانه:
    * لَّمْ يَكُنْ رَّبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا غَافِلُونَ *[الأنعام: 131].
    إذن: لا بد من إزاحة الغفلة أولاً، وقد أزاح الله سبحانه الغفلة عنا بإرسال الرسل وبالبيان وبالنذر؛ حتى لا تكون هناك عقوبة إلا على جريمة سبق التشريع لها.
    وهكذا أعطانا الله سبحانه وتعالى البيان اللازم لإدارة الحياة، ثم جاء من بعد ذلك الأمر بضرورة الإصلاح:
    * وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ * [هود: 117].
    والإصلاح في الكون هو استقبال ما خلق الله سبحانه لنا في الكون من ضروريات لننتفع بها، وقد كفانا الله ضروريات الحياة؛ وأمرنا أن نأخذ بالأسباب لنطور بالابتكارات وسائل الترف في الحياة.
    وضروريات الحياة من طعام وماء وهواء موجودة في الكون، والتزاوج متاح بوجود الذكر والأنثى في الكائنات المخلوقة، أما ما نصنعه نحن من تجويد لأساليب الحياة ورفاهيتها فهذا هو الإصلاح المطلوب منا.
    وسبق أن قلنا: إن المصلح هو الذي يترك الصالح على صلاحه، أو يزيده صلاحاً يؤدي إلى ترفه وإلى راحته، وإلى الوصول إلى الغاية بأقل مجهود في أقل وقت.
    والقرى التي يصلح أهلها؛ لا يهلكها الله؛ لأن الإصلاح إما أن يكون قد جاء نتيجة اتباع منهج نزل من الله تعالى؛ فتوازنت به حركة الإنسان مع حركة الكون، ولم تتعاند الحركات؛ بل تتساند وتتعاضد، ويتواجد المجتمع المنشود.
    وإما أن هؤلاء الناس لم يؤمنوا بمنهج سماوي، ولكنهم اهتدوا إلى أسلوب عمل يريحهم، مثل الأمم الملحدة التي اهتدت إلى شيء ينظم حياتهم؛ لأن الله سبحانه وتعالى لم يمنع العقل البشري أن يصل إلى وضع قانون يريح الناس.
    لكن هذا العقل لا يصل إلى هذا القانون إلا بعد أن يرهق البشر من المتاعب والمصاعب، أما المنهج السماوي فقد شاء به الله سبحانه أن يقي الناس أنفسهم من التعب، فلا تعضهم الأحداث.
    كلمتان خفيفتان على اللسان .. ثقيلتان في الميزان .. حبيبتان إلى الرحمن

    سبحان الله وبحمده .. سبحان الله العظيم

  10. #30
    Super Moderator
    رقم العضوية : 2
    تاريخ التسجيل : Jun 2016
    المشاركات: 3,273
    التقييم: 10
    الدولة : الأردن
    العمل : طالب علم
    وهكذا نجد القوانين الوضعية وهي تعالج بعض الداءات التي يعاني منها البشر، لا تعطي عائد الكمال الاجتماعي، أما قوانين السماء فهي تقي البشر من البداية فلا يقعون فيما يؤلمهم.
    وهكذا نفهم قول الحق سبحانه:
    * وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ * [هود: 117].
    لأنهم إما أن يكونوا متبعين لمنهج سماوي، وإما أن يكونوا غير متبعين لمنهج سماوي، لكنهم يصلحون أنفسهم.
    إذن: فالحق سبحانه وتعالى لا يهلك القرى لأنها كافرة؛ بل يبقيها كافرة ما دامت تضع القوانين التي تنظم حقوق وواجبات أفرادها؛ وإن دفعت ثمن ذلك من تعاسة وآلام.

    ولكن على المؤمن أن يعلن لهم منهج الله؛ فإن أقبلوا عليه ففي ذلك سعادتهم، وإن لم يقبلوا؛ فعلى المؤمنين أن يكتفوا من هؤلاء الكافرين بعدم معارضة المنهج الإيماني.
    ولذلك نجد ـ في البلاد التي فتحها الإسلام ـ أناساً بَقَوْا على دينهم؛ لأن الإسلام لم يدخل أي بلد لحمل الناس على أن يكونوا مسلمين، بل جاء الإسلام بالدليل المقنع مع القوة التي تحمي حق الإنسان في اختيار عقيدته.
    يقول الله جَلَّ علاه:
    * لاَّ يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُواْ إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ *[الممتحنة: 8].
    فإذا كانت بعض المجتمعات غير مؤمنة بالله، ومُصْلِحة؛ فالحق سبحانه لا يهلكها بل يعطيهم ما يستحقونه في الحياة الدنيا؛ لأنه سبحانه القائل:
    * مَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِن نَّصِيبٍ *[الشورى: 20].
    ويقول الحق سبحانه من بعد ذلك: * وَلَوْ شَآءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً *.
    وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (118)

    ونحن نعلم أن الإنسان قد طرأ على هذا الكون بعد أن خلق الله ـ سبحانه ـ في هذا الكون كل مقومات الحياة؛ المسخرة بأمر الله لهذا الإنسان؛ ليمارس مهمة الخلافة في الأرض؛ ولم تتأبَّ تلك الكائنات على خدمة الإنسان، سواء أكان مؤمناً أم كافراً؛ لأن الحق ـ سبحانه ـ هو الذي استدعى الإنسان إلى الوجود، وما دام قد استدعاه؛ فهو ـ سبحانه ـ لن يضن عليه بمقومات هذا الوجود؛ من بقاء حياة، وبقاء نوع.
    وهذا هو عطاء الربوبية الذي كفله الله ـ سبحانه ـ لكل البشر: مؤمنهم وكافرهم، وهو عطاء يختلف عن عطاء الألوهية المتمثل في المنهج الإيماني: " افعل " و " لا تفعل ".
    ومن يأخذ عطاء الألوهية مع عطاء الربوبية فهو من سعداء الدنيا والآخرة.
    إذن: فقدرة الله ـ سبحانه ـ قد أرغمت الكون ـ دون الإنسان ـ أن يؤدي مهمته، وكان من الممكن أن يجعل البشر أمة واحدة مهتدية لا تخرج عن نظام أرادة الله ـ سبحانه وتعالى ـ كما لم تخرج الشمس أو القمر أو الهواء أو أي من الكائنات الأخرى المسخَّرة عن إرادته.
    لأن الحق ـ تبارك وتعالى ـ أثبت لنفسه طلاقة القدرة في تسخير أجناس لمراده؛ بحيث لا تخرج عنه، وذلك يثبت لله ـ سبحانه ـ القدرة ولا يثبت له المحبوبية.
    أما الذي يثبت له المحبوبية فهو أن يخلق خَلْقاً؛ ويعطيهم في تكوينهم اختياراً.
    ويجعل هذا الاختيار كلَّ واحدٍ فيهم صالحاً أن يطيع، وصالحاً أن يعصي، فلا يذهب إلى الإيمان والطاعة إلا لمحبوبية الله ـ تعالى.
    وهكذا نعلم أن الكون المسخَّر المقهور قد كشف لنا سَيَّال القدرة، والجنس الذي وهبه الله الاختيار إن أطاع فهو يكشف لنا سيال المحبوبية.
    والحق ـ سبحانه ـ هو القائل:
    * فَمَن شَآءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَآءَ فَلْيَكْفُرْ *[الكهف: 29].
    ولكن أيُترك الإنسان حتى يأتي له الغرور في أنه يملك الاختيار دائماً؟
    لا.. فمع كونك مختاراً إياك أن تغتر بهذا الاختيار؛ لأن في طيِّك قهراً، وما دام في طيك قهر فعليك أن تتأدب؛ ولا تتوهَّم أنك مختار في أن تؤمن بالله أو لا تؤمن؛ ولا تتوهم أنك مُنفلت من قبضة الله ـ تعالى ـ فهو يملك زمامك في القهريات التي تحفظ لك حياتك مثل: الحيوان والنبات والجماد، ولكنه ـ سبحانه ـ ميَّزك بالعقل.
    وخطأ الإنسان دائماً أنه قد يعطي الأسماء معاني ضد مسمياتها، فكلمة " العقل " مأخوذة من " عقل " وتعني: " ربط "؛ فلا تجمح بعقلك في غير المطلوب منه؛ لأن مهمة العقل أن يكبح جماحك. وتذكر دائماً: في قبضة من أنت؛ وفي زمام من أنت؛ وفي أي الأمور أنت مقهور؟
    وما دُمْتَ مقهوراً في أشياء فاختر أن تكون مقهوراً لمنهج الله سبحانه واحفظ أدبك مع الله، واعلم أنه قد وهبك كل وجودك سواء ما أنت مختار فيه أو مقهور عليه.

    وانظر إلى من سلبهم الحق ـ سبحانه ـ بعض ما كانوا يظنون أنها أمور ذاتية فيهم، فتجد من كان يحرك قدمه غير قادر على تحريكها، أو يحاول أن يرفع يده فلا يستطيع.
    ولو كانت مثل هذه الأمور ذاتية في الإنسان لما عَصَتْه، وهذا دليل على أنها أمور موهوبة من الله، وإنْ شاء أخذها، فهو ـ سبحانه ـ يأخذها ليؤدِّب صاحبها.
    وما دام الإنسان بهذا الشكل، فليقُل لنفسه: إياك أن تَغترَّ بأن الله جعل فيك زاوية اختيار، وتذكّر أنك على أساس من هذه الزاوية تتلقَّى التكليف من الله بـ " افعل " ، و " لا تفعل "؛ لأن معنى " افعل كذا ": أنك صالحٌ ألاّ تفعل؛ ومعنى " لا تفعل كذا ": أنك صالحٌ أنْ تفعل؛ لأن لديك منطقة اختيار؛ ولكن لديك في زواياك الأخرى منطقة قَهْرٍ وتسخير، فتأدَّبْ في منطقة الاختيار، كما تأدبت في منطقة الاضطرار والقهر.
    وقد وصف الحق ـ سبحانه ـ الإنسان بأنه كنود، قال تعالى:
    * إِنَّ الإِنسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ *[العاديات: 6].
    لإن الإنسان لا يتذكر أحياناً أن مهمة عقله الأولى هي أن يعقل حدوده، وأن يقول لنفسه: ما دامت الحيوانية فيَّ مقهورة، وما دامت الجمادية فيَّ مقهورة؛ فَلأكُنْ مؤدباً مع ربي، وأجعل منطقة الاختيار على مراد منهج الله.
    وأنت إنْ أردتَ أن تضع إحصائية لـ " افعل " ولا " تفعل " لوجدت ما لم يَرِدْ فيه تكليف بـ " افعل " و " لا تفعل " لا يقل عن خمسة وتسعين في المائة من حركة الحياة، وهو المباح.
    وأنزل الله ـ سبحانه ـ التكليف لتنضبط به حركة حياتك كلها ـ إنْ جعلت التكليف هو مرادك ـ وهو لن يأخذ أكثر من خمسة في المائة من حركة الحياة، ويعود خير ذلك عليك.
    فساعة يقول لك التكليف: عليك أن تزكِّي عن مالك، فلا بد لك من أن تقدِّر المقابل، لأنك إن افتقرتَ واحتجْتَ؛ سيأتيك من زكاة الآخرين ما يلبِّي احتياجاتك، فمن " أفعل " التي تلتزم بها ويلتزم بها غيرك تأتي الثمرة التي تسدُّ عجز أي ضعف في المجتمع الإيماني بالتراحم المتبادل النابع عن اليقين بالمنهج.
    وحين يقول لك التكليف: لا تعتدِ على حُرمات الغير، فهو يقيِّد حريتك في ظاهر الأمر، لكنه يحمي حُرماتك من أن يعتدي عليها الغير، وحين تتعقل أوامر التكليف كلها ستجدها لصالحك؛ سواء أكان الأمر بـ " افعل " أو " لا تفعل ".

    وهنا يقول الحق ـ سبحانه: * وَلَوْ شَآءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً * [هود: 118].
    و " لو " تفيد الامتناع. أي: أن الله ـ تعالى ـ لم يجعل الناس أمة واحدة، بل جعلهم مختلفين.
    وقد حاول بعض من الذين يريدون أن يدخلوا على الإسلام بنقد ما، فقالوا: ألاَ تتعارض هذه الآية مع قول الله:* كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ *[البقرة: 213].
    وظن أصحاب هذا القول أن البشر لم يلتفتوا إلى خالقهم من البداية؛ ثم بعث الله الأنبياء ليلفتهم إلى المنهج.
    ونقول لهؤلاء: لا، فقد ضمن الحق ـ سبحانه ـ للناس قُوتَهم وقوام حياتهم، وكذلك ضمن لهم المنهج الإيماني منذ أن أمر آدم وزوجه بالهبوط إلى الأرض لممارسة مهمة الخلافة فيها، وقال الله ـ سبحانه:* فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلاَ يَضِلُّ وَلاَ يَشْقَى *[طه: 123].
    ولو استقصى هؤلاء الآيات التي تعالج هذا الأمر، وهي ثلاث آيات؛ فهنا يقول الحق ـ سبحانه: * وَلَوْ شَآءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً * [هود: 118].
    وفي الآية التي ظنوا أنها تتعارض مع الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها يقول ـ سبحانه:
    * كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُواْ فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلاَّ الَّذِينَ أُوتُوهُ مِن بَعْدِ مَا جَآءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْياً بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ لِمَا اخْتَلَفُواْ فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَن يَشَآءُ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ *[البقرة: 213].
    وهكذا نعرف أن الحق سبحانه وتعالى أنزل المنهج مع آدم ـ عليه السلام ـ ثم طرأتْ الغفلة؛ فاختلف الناس، فبعث الله الأنبياء ليحكموا فيما اختلف فيه الناس.
    إذن: فقول الله ـ تعالى:
    * وَلَوْ شَآءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً * [هود: 118].
    يعني أنه ـ سبحانه ـ لو شاء لجعل الناس كلهم على هداية؛ لأنه بعد أن خلقهم؛ وأنزلهم إلى الأرض؛ وأنزل لهم المنهج؛ كانوا على هداية، ولكن بحكم خاصية الاختيار التي منحها الله لهم، اختلفوا.
    ثم يقول الحق ـ سبحانه: * وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ * [هود: 118].
    أي: أنهم سيظلون على الخلاف.
    ويأتي الحق ـ سبحانه وتعالى ـ في الآية التالية بالاستثناء فيقول: * إِلاَّ مَن رَّحِمَ رَبُّكَ وَلِذالِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ *.
    إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (119)

    أي: أن الحق ـ سبحانه ـ قد خَلَقَ الخَلْق للرحمة والاختلاف.
    وساعة نرى " اسم إشارة " أو " ضميراً " عائداً على كلام متقدِّم، فنحن ننظر ماذا تقدم. والمتقدم هنا:* وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ * إِلاَّ مَن رَّحِمَ رَبُّكَ *[هود: 118ـ119].
    والحق ـ سبحانه وتعالى ـ حين تكلم عن خلق الإنسان قال:
    * وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ *[الذاريات: 56].
    ومعنى العبادة هو طاعة الله ـ سبحانه ـ في " افعل " و " لا تفعل " وهذا هو المراد الشرعي من العبادة؛ ولكن المرادات الاجتماعية تحكَّمتْ فيها خاصية الاختيار، فحدث الاختلاف، ونشأ هذا الاختلاف عن تعدُّد الأهواء.
    فلو أن هَوَانَا كان واحداً؛ لما اختلفنا، ولكنّا نختلف نتيجة لاختلاف الأهواء، فهذا هواه يميني؛ وذاك هواه يساري؛ وثالث هواه شيوعيٌّ؛ ورابع هواه رأسماليّ؛ وخامس هواه وجوديّ، وكل واحد لهم هوى.
    ولذلك قال الحق سبحانه:* وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَآءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ *[المؤمنون: 71].
    ولم يكن العالم ليستقيم؛ لو اتبع الله ـ سبحانه ـ أهواء البشر المختلفة، ولكن أحوال هذا العالم يمكن أن تستقيم؛ إذا صدرتْ حركته الاختيارية عن هوًى واحد؛ ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم:
    " لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعاً لما جئتُ به ".
    وفي حياتنا اليومية نلاحظ أن الأعمال التي تسير بها حركة الحياة وبدون أن ينزل تكليف فيها؛ نجد فيها اختلافاً لا محالة؛ لأن الحق سبحانه وتعالى لو شاء لخلقنا كلنا عباقرة في كل مناحي الحياة؛ أو يخلقنا كلنا شعراء أو أطباء أو فلاسفة.
    ولو شاء ـ سبحانه ـ ذلك فمن سيقوم بالأعمال الأخرى؟ فلو أننا كنا كلنا أطباء فمن يقوم بأعمال الزراعة وغيرها؟ ولو كنا جميعاً مهندسين؛ فمن يقوم بأعمال التجارة وغيرها؟
    وقد شاء الحق ـ سبحانه ـ أن يجعل مواهبنا مختلفة ليرتبط العالم ببعضه ارتباط تكاملٍ وضرورة؛ لا ارتباط تفضُّل.
    ولذلك يقول الحق ـ سبحانه:
    * أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَّعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِّيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضاً سُخْرِيّاً *[الزخرف: 32].
    وهكذا نعرف أن رفع الدرجات لا يعني تلك النظرة الحمقاء الرعناء، والتي تدعي أن في ذلك التقسيم رفعة للغنى وتقليلاً لشأن الفقير؛ لأن الواقع يؤكد أن كل إنسان هو مرفوع في جهة بسبب ما يُحسنه فيها؛ ومرفوع عليه في جهة أخرى بسبب ما لا يُحسنه ويُحسنه غيره، وغيره مكمل له.
    وهكذا يتبادل البشر ما يحققه اختلاف مواهبهم، واختلاف المواهب هي مقومات التلاحم.
    ولذلك قلنا: إن مجموع سمات ومواهب كل إنسان إنما يتساوى مع مجموع سمات ومواهب كل إنسان آخر، ولا تفاضل إلا بالتقوى؛ وقيمة كل امرىء ما يُحسنه.

    وقد ترى صاحب السيارة الفارهة وهو يرجو عامل إصلاح السيارات الذي يرتدي ملابس رثة ومتسخة؛ ليصلح له سيارته؛ فيقول له العامل: لا وقت عندي لإصلاح سيارتك؛ فيلحّ صاحب السيارة الفارهة بالرجاء؛ فيرضى العامل ويرق قلبه لحال هذا الرجل صاحب السيارة الفارهة ويذهب لإصلاحها.
    لذلك أقول: إذا نظرتَ لمن هو دونك في أي مظهر من مظاهر الحياة؛ فلا تغترَّ بما تفوقتَ وتميزتَ به عليه؛ ولكن قُلْ لنفسك: لا بد أن هذا الإنسان متفوق في مجال ما.
    ونحن نعلم أن الله ـ سبحانه وتعالى ـ ليس له أبناء ليميز واحداً بكامل المواهب، ويترك آخر دون موهبة.
    ولذلك يقول الحق ـ سبحانه ـ هنا:* وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ * إِلاَّ مَن رَّحِمَ رَبُّكَ وَلِذالِكَ خَلَقَهُمْ *[هود: 118ـ119].
    وإن كان الاختلاف في المقدرات والمنهج؛ فهذا ما يولِّد الكفر أو الإيمان، ولنا أن نعرف أن الكفر له رسالة؛ بل هو لازم ليستشعر المؤمن حلاوة الإيمان. ولو لم يكن للكفر وظيفة لما خلقه الله.
    وقد قلت قديماً: إن الكفر يعاون الإيمان؛ مثلما يعاوِن الألم العافية، فلولا الألم لما جئنا بالطبيب ليشخِّص الداء، ويصفَ الدواء الشافي بإذن الله.
    ولذلك نقول: الألم رسول العافية.
    والحق سبحانه يقول هنا:* وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ * إِلاَّ مَن رَّحِمَ رَبُّكَ *[هود: 118ـ119].
    وأنت إن دقَّقت النظر في الاختلاف لوجدته عين الوفاق.
    ومثال ذلك: اختلاف أبنائك فيما يحبونه من ألوان الطعام، فتجد ابناً يفضِّل صدر الدجاجة، وآخر يفضل الجزء الأسفل منها " الوَرِك " ، وتضحك أنت لهذا الاختلاف، لأنه اختلاف في ظاهر الأمر، ولكن باطنه وِفَاق، لو اتفقنا جميعاً في الأمزجة لوجدنا التعاند والتعارض؛ وهذا ما ينتشر بين أبناء المهنة الواحدة.
    ولمن يسأل: هل الخلق للاختلاف أم الخلق للرحمة؟
    نقول: إن الخلق للاختلاف والرحمة معاً، لأن الجهة مُنفكَّة.
    ثم يقول ـ سبحانه ـ في نفس الآية: * وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ * [هود: 119].
    والحق سبحانه قد علم أزلاً بمن يختار الإيمان ومن يختار الكفر، وهذا من صفات العلم الأزليّ لله ـ سبحانه وتعالى ـ ولذلك قال ـ سبحانه: * وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ * أي: علم ـ سبحانه ـ مَنْ مِنْ عباده سيختار أن يعمل في الدنيا عملَ أهل النار، ومن سيختار أن يعمل عملَ أهل الجنة؛ لسبْق علمه الأزليّ بمرادات عباده واختياراتهم.
    وسبق أن ضربنا مثلاً ـ ولله المثل الأعلى ـ بعميد الكلية الذي يعلن للأساتذة ضرورة ترشيح المتفوقين في كل قسم؛ لأن هناك جوائز في انتظارهم، فيرشح كل أستاذ أسماء المتفوقين الذين لمسَ فيهم النبوغ والإخلاص للعلم، ويطلب العميد من أساتذة من خارج جامعته أن يضعوا امتحانات مفاجئة لمجموع الطلاب؛ ويُفاجأ العميد بتفوق الطلبة الذين لمس فيهم أساتذتهم النبوغ والإخلاص للعلم، وهنا يتحقق العميد من صدق تنبؤ الأساتذة الذين يعملون تحت قيادته.

    ولكن قد تحدث مفاجأة: أن يتخلف واحد من هؤلاء الطلبة لمرض أصابه أو طارىء يطرأ عليه من تعب أعصاب أو إرهاق أو غير ذلك؛ وبهذا يختلّ تقدير أستاذه؛ لكن تقدير الحق ـ سبحانه ـ مُنزَّه عن الخطأ، وما عَلِمه أزلاً فهو مُحقَّق لا محالة؛ لذلك بيَّن لنا أنه عِلْم أزليّ، ويتحدى الكافر به أن يغيره.
    وكلنا يعرف أن الحق ـ سبحانه ـ أنزل قوله الكريم:
    * تَبَّتْ يَدَآ أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ *[المسد: 1].
    وسمعها أبو لهب ولم يتحدها بإعلان الإيمان ـ ولو نفاقاً.
    وقول الحق: * وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ * تبيِّن لنا أن الحق ـ سبحانه ـ إنْ قال شيئاً فهو قد تَمَّ بالفعل؛ فلا رادَّ لمشيئته، أما نحن فعلينا أن نسبق كل وعد بعمل سنقوم به بقول:* إِلاَّ أَن يَشَآءَ اللَّهُ *[الكهف: 24].
    لأن الحق يقول لنا:* وَلاَ تَقْولَنَّ لِشَاْىءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذالِكَ غَداً * إِلاَّ أَن يَشَآءَ اللَّهُ *[الكهف: 23ـ24].
    وفي هذا احترامٌ لوضعنا البشري، وإيمانٌ بغلبة القهر، ومعرفة لحقيقة أننا من الأغيار؛ لأن كل حدث من الأحداث يتطلب فاعلاً؛ ومفعولاً يقع عليه الفعل؛ ومكاناً؛ وزماناً؛ وسبباً؛ ولا أحدَ مِنَّا يملك أيَّ واحد من تلك العناصر.
    فإن قُلْتَ: * إِلاَّ أَن يَشَآءَ اللَّهُ * تكون قد عصمتَ نفسك من أن تكون كاذباً، أو أن تَعِدَ بما لا تستطيع، لكن إذا كان مَنْ يقول هو مالك كل شيء، ولا قوة تخرجه عَمَّا قال، فهو وحده القادر على أن ينفِّذ ما يقول.
    ولذلك قلنا: إن كل فعل يُنسب إلى الله ـ تعالى ـ يتجرد عن الزمن؛ فلا نقول: " فعل ماضٍ " أو " فعل سيحدث في المستقبل " أو " فعل مضارع "؛ لأن تلك الأمور إنما تُقاسُ بها أفعال البشر، لكن أفعال الله ـ سبحانه ـ لا تقاس بنفس المقياس، فسبحانه حين يقرر أمراً فنحن نأخذه على أساس أنه قد وقع بالفعل.
    والحق ـ سبحانه ـ يقول:
    * أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلاَ تَسْتَعْجِلُوهُ *[النحل: 1].
    وقوله سبحانه: * أَتَى * بمعنى: تَقرَّر الأمر ولم يُنفَّذ ـ بعد ـ فلا تتعجَّلوه؛ وهذا هو تحدِّي القيومية القاهرة، ولا توجد قوة قادرة على أن تمنع وقوع أمر شاءه الله ـ سبحانه وتعالى ـ فهو يحكم فيما يملك، ولا مُنَازِع له سبحانه.
    وقوله الحق: * لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ * [هود: 119].
    فسببه أن الإنس والجن هما الثقلان المكلَّفان.
    ويقول الحق ـ سبحانه ـ بعد ذلك: * وَكُـلاًّ نَّقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ *.
    كلمتان خفيفتان على اللسان .. ثقيلتان في الميزان .. حبيبتان إلى الرحمن

    سبحان الله وبحمده .. سبحان الله العظيم

صفحة 3 من 4 الأولىالأولى 1234 الأخيرةالأخيرة

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

المفضلات

المفضلات

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •  

RSS RSS 2.0 XML MAP html  PHP  info tags Maps maptags vbmaps

الساعة معتمدة بتوقيت جرينتش +3 . الساعة الآن : 18:35.
الموقع غير مسؤول عن أي اتفاق تجاري أو تعاوني بين الأعضاء
فعلى كل شخص تحمل مسئولية نفسه إتجاه مايقوم به من بيع وشراء وإتفاق وأعطاء معلومات موقعه
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي موقع الأشاعرة و لا نتحمل أي مسؤولية قانونية حيال ذلك (ويتحمل كاتبها مسؤولية النشر)
الساعة الآن 02:42 PM
Powered by vBulletin® Version 4.2.3
Copyright © 2018 vBulletin Solutions, Inc. Translate By soft