إذا كانت هذه زيارتك الأولى يرجى الاطلاع على الرابط التالي الأسئلة ولكي تتمكن من كتابة مواضيع وإرسال رسائل خاصة لابد لك منالتسجيل
صفحة 2 من 4 الأولىالأولى 1234 الأخيرةالأخيرة
النتائج 11 إلى 20 من 32

الموضوع: سورة هود

  1. #11
    Super Moderator
    رقم العضوية : 2
    تاريخ التسجيل : Jun 2016
    المشاركات: 3,273
    التقييم: 10
    الدولة : الأردن
    العمل : طالب علم
    وَيَا قَوْمِ مَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ طَرَدْتُهُمْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (30)

    وهنا يوضِّح نوح عليه السلام أنه لا يقدر على مواجهة الله إن طرد هؤلاء الضعاف؛ لأن أحداً لن ينصر نوحاً على الله ـ عز وجل ـ لحظة الحساب، فهناك يوم لا ملك فيه لأحد إلا لله، ولا أحد يشفع إلا بإذنه سبحانه، ولا أحد بقادر على أن ينصر أحداً على الله تعالى؛ لأنه القاهر فوق كل خلقه،
    والنصر ـ كما نعلم ـ يكون بالغلبة، أما الشفاعة فهي بالخضوع، والحق سبحانه لا يأذن لأحد أن يشفع في طرد مؤمن من حظيرة الإيمان.
    وفي هذا القول تذكير من نوح عليه السلام لقومه؛ ولذلك قال الحق سبحانه:
    * أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ * [هود: 30]
    أي: يجب ألاَّ تأخذكم الغفلة، وتُنسيكم ما يجب أن تتذكروه.
    وكما جاء الحق سبحانه بالتذكُّر، وهو الأمر الذي بدوامه يبعد الإنسان الغفلة، جاء الحق سبحانه أيضاً بالتفكُّر، وهو التأمل لاستنباط شيء جديد عن طريق إعمال العقل بالتفكر، الذي يجعل الإنسان في تأمل يقوده إلى تقديس وتنزيه الخالق، وبهذا يصل الإنسان إلى الحقائق التي تكشف له معالم الطريق.
    وجاء الحق ـ سبحانه ـ أيضاً بالتدبر، أي: ألا يأخذ الإنسان الأمور بظواهرها، أو أن ينخدع بتلك الظواهر، بل لا بد من البحث في حقائق الأشياء.
    لذلك يقول الحق جَلَّ وعَلاَ:
    * أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ *[النساء: 82].
    أي: أفلا يبحثون عن الكنوز الموجودة في المعطيات الخلفية للقرآن.
    والتدبر هو الذي يكشف المعاني الخفية خلف ظواهر الآيات، والناس يتفاضلون في تعرضهم لأسرار كتاب الله حين ينظرون خلف ظواهر المعاني.
    ولذلك نجد عبد الله بن مسعود رضي الله عنه يقول: " ثَوِّروا القرآن " أي: قَلِّبوا معاني الآيات لتجدوا ما فيها من كنوز، ولا تأخذوا الآيات بظواهرها، فعجائب القرآن لا تنقضي.
    ويقول الحق سبحانه وتعالى مواصلاً ما جاء على لسان سيدنا نوح: * وَلاَ أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَآئِنُ اللَّهِ *
    وَلَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ وَلَا أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ لَنْ يُؤْتِيَهُمُ اللَّهُ خَيْرًا اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا فِي أَنْفُسِهِمْ إِنِّي إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ (31)

    وهكذا يَسُدُّ نوح ـ عليه السلام ـ على هذا الملأ الكافر كل أسباب إعراضهم عن الإيمان، فإن ظنوا أن الإيمان يتطلب ثراءً، فنوح لا يملك خزائن لله، وهو لا يملك أكثر من هذا الملأ، وإن طلبوا أن يكشف لهم الغيب، فالغيب علمه عند الله تعالى وحده.
    ولم يَدَّعِ نوح أنه من جنس آخر غير البشر، إنما هو بشر مثلهم، لا يملك ما يجبرهم به على الطاعة، ثراءً، أو جاهاً، أو علم غيب.
    ولن يطرد نوح عليه السلام مَنْ آمن مِنَ الضِّعاف الذين تزدريهم وتحتقرهم وتتهكَّم عليهم عيون هذا الملأ الكافر؛ لأن نوحاً يخشى سؤال الله ـ عَزَّ وجَلَّ ـ له إن سَدَّ في وجوه الضعاف أبواب الإيمان.
    ولا بد من وقفة هنا عند قول الحق سبحانه:
    * وَلاَ أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَآئِنُ اللَّهِ وَلاَ أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلاَ أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ وَلاَ أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ لَن يُؤْتِيَهُمُ اللَّهُ خَيْراً * [هود: 31].
    ونلحظ هنا أن الخطاب قد حُوِّل إلى الغَيبة، فلم يخاطب نوح عليه السلام الضعاف ويقول لهم: إن الله سيمنع عنكم الخير، ذلك لأن الله سبحانه وتعالى هو العليم بما في نفوسهم، ولو قال نوح لهم مثل هذا القول لكان من الظالمين.
    واللام في كلمة * لِلَّذِينَ * تعني الحديث عن الضعاف، لا حديثاً إلى الضعاف.
    ومجيء " اللام " بمعنى " عن " له نظائر، مثل قول الحق سبحانه:
    * وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لِلْحَقِّ لَمَّا جَآءَهُمْ إِنْ هَـاذَآ إِلاَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ *[سبأ: 43].
    وهم هنا لا يقولون للحق، ولكنهم يقولون عن الحق، وهكذا جاءت " اللام " بمعنى " عن ".
    وهكذا أوضح نوح ـ عليه السلام ـ أنه لو طرد من يقال عنهم " أراذل " ، لكان معنى ذلك أنه يعلم النوايا، ونوح ـ عليه السلام ـ يعلم يقيناً أن الله هو الأعلم بما في النفوس؛ لذلك لا يضع نوح نفسه في موضع الظلم لا لنفسه ولا لغيره.
    يقول الحق سبحانه وتعالى بعد ذلك: * قَالُواْ يانُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا *
    قَالُوا يَا نُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (32)

    والجدال هو قول كلام يقابل كلاماً آخر، والقصد عند كل طرف متكلم أن يزحزح الطرف الآخر عن مذهبه بحجة أو بشبهة، بهدف إسقاط المذهب.
    إذن: فالجدال هو مناقشة طرفين، يتقاسمان الكلام بهدف أن يقنع أحدهما الآخر بأن ينصرف عن مذهبه هو إلى مذهب القائل.
    وكلمة " الجدال " مأخوذة من " الجَدْل " أي: الفَتْل، وفتل الحبل إنما يأتي من أخذ شعرات من الكتان أو الحرير أو أي مادة مثل هذا أو ذاك، ثم ضَمِّ شعرتين إلى بعضهما، ثم القيام بِلَفِّ كل شعرتين أخريين، وهكذا حتى يتم اكتمال الحبل.
    ويقال للرجل القوي: " مفتول العضلات " ، أي: أن عضلاته ليست رخوة أو ضعيفة، بل مفتولة، أي: متداخلة ومشدودة.
    وحين تنظر إلى الجهاز العضلي فأنت تندهش لقدرة الحق سبحانه وتعالى الذي خلق كل عضلة بشكل وأسلوب معين، يتيح لها أن تتآزر وتتعاون مع غيرها من العضلات لأداء الحركات المطلوبة منها.
    فحين يرفع الإنسان رأسه فهو يحتاج لحركة أكثر من عضلة، وحين تعمل اليد فهي تحرك أكثر من عضلة، ولو تعطلت حركة عضلة واحدة، لامتنعت الحركة المقابلة لها.
    وهم قد قالوا لنوح عليه السلام:
    * قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا * [هود: 32].
    ونحن نعلم أن نوحاً عليه السلام عاش ألف عام إلا خمسين عاماً، ومعنى ذلك أن جداله معهم أخذ وقتاً طويلاً.
    والجدال يختلف عن المِرَاء، لأن الجدال إنما يكون لحقٍّ، والمراء، يكون بعد ظهور الحق.
    الجدال ـ إذن ـ مطلوب، والحق سبحانه هو القائل:
    * وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ *[النحل: 125].
    وكذلك يقول سبحانه وتعالى:
    * قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ *[المجادلة: 1].
    إذن: فالجدال مطلوب لنصل إلى الحق، شرط أن يكون جدلاً حسناً، لا احتكاك فيه ولا إيذاء.
    وهناك فارق بين احتكاك الآراء، وتحكُّك الآراء، فالتحكك كالتلكَّك، وهو الرغبة في عدم الوصول إلى الحق، لكن الاحتكاك هو الذي يوصل إلى الحق، مثلما نحكُّ الزناد بقطعة من حديد فتولد الشرر لنرى الحق، أما التحكُّك فهو يواري ويطمس الحقيقة.
    والمِرَاء هو الجدَال بعد أن يظهر الحق، وهو مأخوذ من مَرَى الضَّرع، فحينَ يقومون بإنزال اللبن من ضرع الناقة أو البقرة، فالضرع يكون ملآن، وينزل منه اللبن بشدة وقوة، وبعد أن ينتهي حَلْبُ الضرع، يظل مَنْ يحلبها مُمْسِكاً بحَلَمات الناقة أو الجاموسة، ويستحلب ما بقى من اللبن، ويُقال لهذا الجزء الأخير " المريى ".
    ولذلك أخذوا من هذه العملية كلمة " المراء " ، وهو ما بعد ظهور الحق.
    وهناك بجانب الجدال والمراء، والاحتكاك، والتحكُّك، والحِجَاج؛ والمراد بالحجاج هو إظهار حجة الخصم على الخصم.
    وبعد أن مَلُّوا من جدال نوح ـ عليه السلام ـ طلبوا أن ينزل بهم العذاب الذي أنذرهم به، وقد استبطأوا مجيء هذا العذاب؛ لأن نوحاً عليه السلام عاش بينهم ألف سنة إلا خمسين، وقالوا:
    * فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَآ إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ * [هود: 32].
    وكأنهم ـ بهذا القول ـ قد أخرجوا نوحاً مَخْرج من بيده أن يأتي بالعذاب، أو يمنع العذاب، وهذه مسألة لا يملكها نوح، بل هي مِلْك لله سبحانه وتعالى.
    ولذلك يُنبههم نوح عليه السلام: * قَالَ إِنَّمَا يَأْتِيكُمْ بِهِ اللَّهُ *
    قَالَ إِنَّمَا يَأْتِيكُمْ بِهِ اللَّهُ إِنْ شَاءَ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ (33)

    لأن الحق سبحانه هو الذي يقدِّر للعذاب أواناً، ويقدِّر لكل تعذيب ميلاداً، ولا يَعْجَلُ الله بعجلة العباد حتى تبلغ الأمور ما أراد.
    وهم لن يعجزوا الله تعالى ولن يفلتوا منه؛ لأنه لا توجد قوة في الكون يمكن أن تمنع مشيئة الله تعالى، أو أن تتأبَّى عليه.
    ويقول الحق سبحانه بعد ذلك على لسان نوح عليه السلام: * وَلاَ يَنفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُّ أَنْ أَنصَحَ لَكُمَْ *
    وَلَا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ هُوَ رَبُّكُمْ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (34)

    والمعنى هنا: إن كان الله سبحانه يريد أن يغويكم فلن تنتفعوا بالنصيحة إن أردت أن أنصحكم؛ لأن الآية بها تعدُّد الشرطين.
    ومثال ذلك من حياتنا: حين يطرد ناظر المدرسة طالباً، عقاباً له على خطأ معين، فالطالب قد يستعطف الناظر، فيقول الناظر: " إن جئتني غداً أقبل اعتذارك إنْ كان معك والدك ".
    وقول الناظر: " إن كان معك والدك " هو شرط متأخِّر، ولكنه كان يجب أن يتقدَّم.
    وفي الآية الكريمة ـ التي نحن بصددها ـ جاء الشرط الأول متأخِّراً، ولكن هل يغوي الله سبحانه عِبادَه؟
    لا، إنه سبحانه يهديهم، والغواية هي الضلال والبعد عن الطريق المستقيم.
    والحق سبحانه يقول عن محمد صلى الله عليه وسلم:
    * مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى *[النجم: 2].
    وقال سبحانه عن آدم عليه السلام حين أكل من الشجرة:
    * وَعَصَى ءَادَمُ رَبَّهُ فَغَوَى *[طه: 121].
    ونحن يجب ألاَّ نقع في الآفة التي يخطىء البعض بها، حين يستقبلون ألفاظ العقائد على أساس ما اشتهر به اللفظ من معنى؛ فالألفاظ لها معانٍ متعددة.
    لذلك لا بد أن نعرض كل معاني اللفظ لنأخذ اللفظ المناسب للسِّياق.
    ومثال ذلك هو قول الحق سبحانه:
    * فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُواْ الصَّلاَةَ وَاتَّبَعُواْ الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقُونَ غَيّاً *[مريم: 59].
    وقوله سبحانه هنا: * فَسَوْفَ يَلْقُونَ غَيّاً *.
    أي: سوف يلقون عذاباً، لأن غَيَّهم كان سبباً في تعذيبهم، فسمَّى العذاب باسم مُسبِّبه.
    ومثل قول الحق سبحانه:
    * وَجَزَآءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا *[الشورى: 40].
    والحق سبحانه لا يُسيء لعباده ، ولكنهم هم الذين يُسيئون لأنفسهم، فسمَّى ما يلقاهم من العذاب سيئةً.
    وكذلك " الغَيُّ " يرد بمعنى " الإغواء " ، ويرد بمعنى الأثر الذي يترتب عن الغي من العذاب.
    وقد عرض الحق سبحانه وتعالى في كتابه صوراً متعددة للإغواء، فآدم عليه السلام حين تَنكَّبَ عن الطريق، وأكل من الشجرة المحرَّمة رغم تحذير الحق سبحانه له ألاّ يقربها، قال الحق سبحانه وتعالى في هذا الموقف:
    * وَعَصَى ءَادَمُ رَبَّهُ فَغَوَى *[طه: 121].
    وقد فعل آدم عليه السلام ذلك بحكم طبيعته البشرية، فأراد الله تعالى أن يعلمه أنه إذا خالف المنهج في " افعل " و " لا تفعل " ستظهر عورته وتبدو له سوءاته.
    وهكذا أخذ آدم عليه السلام التجربة ليكون مُستعِداً لاستقبال المنهج والوَحْي.
    وقد ذكر لنا الحق سبحانه كلمات الشيطان بقوله:
    * قَالَ رَبِّ بِمَآ أَغْوَيْتَنِي لأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الأَرْضِ وَلأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ *[الحجر: 39].
    ولكن هل أغوى الله ـ سبحانه ـ الشيطان؟
    إن الحق سبحانه لا يُغْوِي، ولكنه يترك الخيار للمكلَّف إن شاء أطاع، وإن شاء عَصَى.
    ولو أنه سبحانه وتعالى جعلنا مؤمنين لما كان لنا اختيار، فإن أطاع الإنسان نال عطاء الله، وإن ضَلَّ، فقد جعل الله له الاختيار، ووَجَّهه لغير المراد مع صلاحيته للمراد.
    إذن: فالاختيار ليس مقصوراً على الإغواء بل فيه الهداية أيضاً، والإنسان قادر على أن يهتدي، وقادر على أن يضلَّ.
    ويقول الحق سبحانه بعد ذلك: * أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ *
    أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَعَلَيَّ إِجْرَامِي وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تُجْرِمُونَ (35)

    جاء هذا القول في صُلْب قصة نوح ـ عليه السلام ـ وقد يكون مما أوحى به الله سبحانه لنوح عليه السلام، أو يكون المراد به أنهم قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم هذا الكلام.
    والافتراء ـ كما نعلم ـ هو الكذب المتعمِّد الذي يناقض واقعاً.
    وانظروا إلى كل ما جاء بالمنهج ليلتزم به الفرد، ستجدون أنه مُلْزِمٌ للجميع، وستكون الفائدة التي تعود عليك بالتزام الجميع ـ بما فيهم أنت ـ فائدة كبيرة، فإن قال لك المنهج: لا تسرقْ؛ فهذا أمانٌ لك من أن يسرقك الناس.
    ولذلك فساعة تسمع للمنهج، لا تنظرْ إلى المأخوذ منك، بل التفتْ إلى المأخوذ لك.
    وعلى ذلك لا يمكن أن يكون المنهج افتراء.
    ونحن نعلم أن المنهج يؤسِّس في المجتمعات مقاييس عادلة للاستقامة، وحين يُشَرِّع الحق سبحانه تشريعاً، قد يبدو لك أنه يُحِدُّ من حريتك، ولكنه في الواقع يُحقِّق لك منافع متعدِّدة، ويحميك من أن يعتدي الآخرين عليك.
    وكان الردُّ على الاتهام بالافتراء يتمثَّل في أمرين: إما أن يفتروا مثله، أو أن يتحمَّل هو وِزْرُ إجرام الافتراء.
    وإن لم يكن قد افتراه، فعليهم يقع وِزْرُ إجرامهم باتِّهامه أنه قد افترى.
    وأسلوب الآية الكريمة يحذف عنهم البراءة في الشطر الأول منها، ولو جاء بالقول دون احتباك، لقال سبحانه: قل إن افتريته فعليَّ إجرامي وأنتم براءه منه، وإنْ لم أفْتَرِ فعليكم إجرامكم وأنا برىء.
    وجاء الحذف من شِقِّ المقابل من شِقِّ آخر، وهذا ما يسمَّى في اللغة " الاحتباك ".
    والحق سبحانه وتعالى يقول:
    * كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ *[البقرة: 249].
    والفئة القليلة تكون قلَّتُها في الأفراد والعَتَاد وكلِّ لوازم الحرب، والفئة الكثيرة، تظهر كثرَتها في العُدَّة والعَدَد وكلِّ لوازم الحرب، والفئة القليلة إنما تَغْلِب بإذن الله تعالى.
    وهكذا يوضِّح الحق سبحانه أن الأسباب تقضي بغلبة الفئة الكثيرة، لكن مشيئته سبحانه تغلب الأسباب وتصل إلى ما شاءه الله تعالى.
    ولذلك يقول الحق سبحانه في آية أخرى:
    * قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ *[آل عمران: 13].
    وحذف سبحانه صفة الإيمان عن الفئة الأولى، كما حذف عن الفئة الثانية صفة أنها تقاتل في سبيل الطاغوت والشيطان، وهذا يسمَّى " الاحتباك ".
    وهنا في الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها قال الحق سبحانه:
    * قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَعَلَيَّ إِجْرَامِي وَأَنَاْ بَرِيءٌ مِّمَّا تُجْرِمُونَ * [هود: 35].
    ولكن الحق سبحانه وتعالى شاء أن يبين لنا قول رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم حين خاطب قومه، فقال سبحانه:
    * قُل لاَّ تُسْأَلُونَ عَمَّآ أَجْرَمْنَا وَلاَ نُسْأَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ *[سبأ: 25].
    فلم يَقُلْ: " عَمَّا تُجرمون ". فلم يقابل إيذاءهم القوليَّ والمادِّيَّ له بإيذاء قوليٍّ.
    وكذلك ذكر الحق سبحانه ما جاء على لسان محمد صلى الله عليه وسلم:
    * وَإِنَّآ أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ *[سبأ: 24].
    وهذا ارتقاء في الجدل يناسب رحمة رسول الله صلى الله عليه وسلم التي أنزلها الله على العالم كله.
    وبعد ألف عام إلا خمسين من جدال نوح عليه السلام لقومه، قال له الحق سبحانه وتعالى: * وَأُوحِيَ إِلَى نُوحٍ أَنَّهُ لَن يُؤْمِنَ *
    وَأُوحِيَ إِلَى نُوحٍ أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ فَلَا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (36)

    ومجيء " إلا " هنا ليس للاستثناء، ولكنها اسم بمعنى " غير " أي: لن يؤمن من قومك غير الذي آمن.
    ولهذا نظير في قمة العقائد حين قال الحق سبحانه:
    * لَوْ كَانَ فِيهِمَآ آلِهَةٌ إِلاَّ اللَّهُ لَفَسَدَتَا *[الأنبياء: 22].
    و " إلا " هنا أيضاً بمعنى " غير " ، ولو كانت " إلا " بمعنى الاستثناء لعنى ذلك أن الله سبحانه ـ معاذ الله ـ سيكون ضمن آلهة آخرين، لذلك لا يصلح هنا أن تكون " إلا " للاستثناء، بل هي بمعنى " غير " ، وتفيد معنى الوحدانية لله عَزَّ وجَلَّ وتَفرُّده بالألوهية.
    والآية التي نتناولها بخواطرنا تؤكد أنه لا يوجد غير من آمن بنوح ـ عليه السلام ـ من قومه، سوف يؤمن؛ فقد ختم الله المسألة.
    وهذا يعطينا تبريراً لاجتراء نوح ـ عليه السلام ـ على الدعاء على الذين لم يؤمنوا من قومه بقوله:
    * رَّبِّ لاَ تَذَرْ عَلَى الأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّاراً * إِنَّكَ إِن تَذَرْهُمْ يُضِلُّواْ عِبَادَكَ وَلاَ يَلِدُواْ إِلاَّ فَاجِراً كَفَّاراً *[نوح: 26ـ 27].
    وكان تبرير ذلك أنه عليه السلام قد دعاهم إلى الإيمان زماناً طويلاً فلم يستجيبوا، وأوحى له الله تعالى أنهم لن يؤمنوا، وقال له سبحانه:
    * فَلاَ تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ * [هود: 36].
    والابتئاس هو الحزن المحبط، وهم قد كفروا وليس بعد الكفر ذنب.
    ويقول الحق سبحانه بعد ذلك: * وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا *
    كلمتان خفيفتان على اللسان .. ثقيلتان في الميزان .. حبيبتان إلى الرحمن

    سبحان الله وبحمده .. سبحان الله العظيم

  2. #12
    Super Moderator
    رقم العضوية : 2
    تاريخ التسجيل : Jun 2016
    المشاركات: 3,273
    التقييم: 10
    الدولة : الأردن
    العمل : طالب علم
    وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ (37)

    وهكذا علم نوح بمسألة الإغراق من خلال الوحي له بصنع السفينة. ومعنى " أصنع " أي: اعمل الصنعة، وهناك فرق بين الصنعة والحرفة، فالصنعة أنْ تُوجِدَ معدوماً، كصانع الأكواب، أو صانع الأحذية، أو صانع النَّجَفَ، أو صانع الكراسي، أما الذي يقوم على صيانة الصنعة فهو الحرفيُّ.
    وهناك عملية أخرى للاستنباطات مثل مهنة الزارع الذي يحرث الأرض ويبذر فيها الحَبَّ ويرويها ليستنبط منها النباتات، ويسمَّى صاحب هذه المهنة " زارع " أو " فلاَّح "؛ لأن اقتيات الحياة المباشر يأتي من الزراعة.
    أما الصانع فيأتي بشيء من متطلبات الحياة، في تطورها ويوجد آلةً أو يصنع جهازاً لم يكن موجوداً، و الحرفيُّ هو الذي يصون تلك الآلة، أما التاجر فهو الذي يقوم بعمليةٍ تجمع كل ذلك، ويكون هو الوسيلة بين منتج الشيء والمستهلك، فالتاجر يكون لعرض الأشياء بغية البيع والشراء.
    والحق سبحانه وتعالى يقول هنا لنوح عليه السلام:
    * وَاصْنَعِ الْفُلْكَ * [هود: 37].
    أي: أوجد شيئاً من عدم، إلا أن هذا الشيء سيصنع من شيء آخر موجود، لأن نوحاً عليه السلام قد زرع من قبل شجرة وعاشت معه كل هذه المدة الطويلة، وتضخَّمت في الجذع والفروع.
    وبدأ نوح عليه السلام في عملية شقِّ الشجرة ليصنع منها السفينة التي بلغ طولها ـ كما قيل ـ ثلاثمائة ذراع وبلغ عرضها خمسين ذراعاً، وبلغ ارتفاعها ثلاثين ذراعاً ومكوَّنة من ثلاثة أدوار لتسع المؤمنين، وزوجين من كل نوع من حيوانات الأرض ودوابِّها وهوامها وسباعها ووحوشها.
    ونحن قد علمنا أن الشجرة التي زرعها نوح عليه السلام قد تضخَّمت جداً لطول المدَّة التي قضاها نوح في دعوته لقومه؛ ونعلم أيضاً أن جذع الشجرة ينمو دائرياً بمقدار دائرة كل عام. وحين نقطع جذع الشجرة نجد أن قطر الجذع مكوَّن من دوائر، وكل دائرة تمثِّل عاماً من عمرها.
    وهكذا بلغ حجم الشجرة ما يساعد نوحاً عليه السلام على أن يصنع السفينة.
    وقد علَّمه الحق سبحانه بالوحي وإلهام الخواطر كيف يصنع السفينة، ألمْ يُلهِم الله سبحانه نبيِّه داود عليه السلام في مسألة الحديد؟ وقال لنا سبحانه أنه ـ جلَّ وعَلا ـ قد أمر الجبال أو تُؤَوِّب معه، وكذلك الطير، فألان له الحديد دون نار:
    * ياجِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ * أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ *[سبأ: 10ـ11].
    هكذا أخبرنا الحق سبحانه أن الحديد صار ليِّنًا دون نار ـ بإذنه سبحانه ـ ليصنع منه داود دروعاً كبير مستوفية للظهور والصدر، لتحمي معاطب الإنسان.
    وقد أوحى الحق سبحانه لداود عليه السلام أن يصنع تلك الدروع بطريقة عجيبة، بأن يجعلها سابغات.
    والسابغة هي المسرودة، مثل الحصير، حيث يُوضع العُود بجانب العود، ويربط الأعواد كلها بطريقة تسهل من فَرْد الحصير أو لَفِّه.

    وفي نفس الآية يبيِّن لنا الحق سبحانه كيفية الوحي لداود عليه السلام بتلك الصناعة الدقيقة، فيقول سبحانه:
    * وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ *[سبأ: 11].
    أي: أنك يا داود حين تنسج الحديد الليِّن ـ بإذن الله تعالى ـ لتجعله دروعاً عليك أن تصنع تلك الدروع بتقدير دقيق كي لا تكون الدِّرع ضيِّقة على صدر المقاتل فتضيق حركته، وتقلِّل من قدرته على التنفس، فيلهث بسرعة، ولا يستطيع مواصلة القتال.
    وكذلك يجب ألاَّ تكون الدِّرع واسعة على صدر المقاتل؛ حتى لا تساعد سعة الدِّرع سيف الخصم، فيضرب الدِّرع نفسه صدر المقاتل، وتكون قوة الدِّرع مضافة إلى قوة سيف الخصم، ولكن حين تكون الدِّرع قادرة على الإحاطة بالجسم دون أن يُكبِّل الحركة، فهذه الدِّرع المناسبة للقتال.
    وقد أتقن داود عليه السلام صناعة تلك الدُّروع بتلك الهندسة الدقيقة التي أوحى الحق سبحانه بها إليه، فقد صنعها بأمر الحق الأعلى سبحانه حين قال له:* وَقَدِّرْ *[سبأ: 11] وكلمة قدر تعطي معنى التقدير والإتقان.
    فعلى الذين يصنعون الأشياء عليهم أن يعلموا أن القرآن الكريم لحظة يوجِّه إلى الإتقان في الأداء والعمل، فإنه يعلمنا طريقة التقدير والإتقان في العمل والإبداع فيه، لتتخذ من هذا التوجيه نبراساً نسير عليه؛ ليكون العمل صالحاً، وأنت ترى من يتقن صنعته وهو يقول: " الله " ، وكأن هذا القول اعتراف الفطرة الأولى بقدرة الحق سبحانه على أن يَهَبَ الإنسانَ طاقة الإتقان والإبداع.
    ويقول الحق سبحانه أيضاً في تعليمه لداود عليه السلام:
    * وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ *[الأنبياء: 80].
    وهكذا يلقي الله تعالى الخاطر في قلب الرسول أو النبي أن " افعل كذا "؛ فيفعل.
    وحين ننظر إلى حضارة مصر القديمة، نجد كلَّ علومها وفنونها في التحنيط والألوان والنَّحت، كانت من اختصاص الكهنة الذين يُمثِّلون السلطة الدينية، ولم يكتب هؤلاء الكهنة أسرار تلك العلوم، فلم يستطع أحد من المعاصرين أن يتعرف عليها.
    وهكذا نجد أن كل أمر في أصوله؛ مصدره السماء.
    وفي قصة نوح عليه السلام نجد الحق سبحانه يقول:
    * وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا وَلاَ تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُواْ إِنَّهُمْ مُّغْرَقُونَ * [هود: 37].
    ومعنى " بأعيننا " هو بحفظنا وبرعايتنا. وكلمة " بأعيننا " تفيد شمول الحفظ وكمال الرعاية.
    ألم يقل الحق سبحانه في مسألة تخصُّ رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم؟
    * وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا *[الطور: 48].
    وكذلك قال سبحانه في قصة سيدنا موسى عليه السلام:
    * وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي *[طه: 39].
    وأنقذ الحق سبحانه موسى عليه السلام من الفرعون الذي كان يقتل أطفال بني إسرائيل، وألقى الله تعالى المحبة لموسى في قلب زوجة الفرعون، وقال سبحانه:
    * وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِّنِّي *[طه: 39].
    لأن موسى عليه السلام حين كان طفلاً رضيعاً قد ألقىَ في اليَمِّ، والتقطه رجال الفرعون، لكن زوجة الفرعون قالت لزوجها طالبة لموسى الحياة:


    * قُرَّةُ عَيْنٍ لِّي وَلَكَ *[القصص: 9].
    ونحن نجد أن عَدُوَّ موسى وقومه، يلتقط موسى ليعيش في كنفه ورعايته، وكأن الله سبحانه يقول لهم: سأجعلكم تُربُّون مَنْ يتولّى قهركم.
    وقول الحق سبحانه:
    * وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا * [هود: 37].
    أي: إنك إن توقَّفتَ لأية عقبة، فسوف نُلهمك بما تُواجه به تلك العقبة.
    وحين صنع نوح عليه السلام الفُلْك احتاج لألواح خشبية، ولا بد أن تتماسك تلك الألواح، ولم تكن مسامير قد اختُرعتْ بَعْدُ، فأوحى له الله تعالى أن يربط الألواح بالحبال المجدولة، وقد فعل هذا أحد مكتشفي أمريكا في العصر الحديث، حين صنع سفينة من نبات البَرْدِى وربطها بالحبال المجدولة القوية.
    وقال الحق سبحانه في طريقة صنع سفينة نوح عليه السلام:
    * وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ *[القمر: 13].
    أي: أن نوحاً عليه السلام قد أحضر من الخشب وربطها بحبال مجدولة، وأحْكَمَ الرَّبط بقدر مقتدر بما لا يسمح بتسرب الماء إلى داخل السفينة.
    مثلما تصنع البراميل الخشبية في عصرنا، حيث يصنعها الصانع من قطع خشبية مستطيلة، ويرتّبها ثم يُحْكم رَبْطَها بإطار قويٍّ، وحين يوضع فيها أي سائل، فالخشب يتشرَّب من هذا السائل ويتمدَّد ليسدَّ المسَام، فلا ينضح السائل من البرميل؛ لأن الخشب هو المادة الوحيدة التي تتمدّد بالبرودة على العكس من كل المواد التي تتمدّد بالحرارة.
    ولذلك نجد النَّجَّار الحاذق في صنعته هو مَنْ يصنع الأثاث أو الأبواب أو الشبابيك في الفصول الرتيبة؛ لأنه إن صنعها في الصيف، سنجد الخشب وهو منكمش؛ فإذا ما جاء الشتاء تمدَّد ذلك الخشب وسبَّب عدم إحكام إغلاق الأبواب والنوافذ، وكذلك إن صنعها في الشتاء والخشب متمدِّد سيأتي الصيف وتنكمش الأبواب، وتكون لها متاعبها، فلا يسهل ضبط إغلاق الأبواب أو ضبط أي صندوق أو شبَّاك بإحكام.
    ثم يقول الحق سبحانه:
    * وَلاَ تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُواْ إِنَّهُمْ مُّغْرَقُونَ * [هود: 37].
    أي: لا تحدِّثني في أمر المغفرة لمن ظلموا أنفسهم بالكفر، وهم مَن ارتكبوا الظلم العظيم، وهو الكفر في القمة العقدية، وهي الإيمان بالله تعالى واحداً أحداً لا شريك له؛ لذلك استحقوا العقاب، وهو الإغراق.
    وهكذا عَلِمَ نوح عليه السلام أنَّ صُنْعِ السفينة مرتبط بلون العقاب الذي سيقع على مَنْ كفروا برسالته، فهو ومَنْ آمنوا معه سوف ينجون، أما مَنْ كفر فلسوف يغرق.
    ويبيِّن الحق سبحانه وتعالى حين يقول: * وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلأٌ مِّن قَوْمِهِ *
    وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِنْ قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ قَالَ إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ (38)

    وكان السادة والكبراء من ملأ نوح يمرون عليه وهو يصنع السفينة يسخرون منه، بما يعني: ها هو بعد أن ادَّعى النبوة يتحوَّل إلى نجَّار، ثم يتساءلون: كيف تصل هذه السفينة من " الموصل " إلى البحر؟
    ولم يكونوا قد علموا ما علمه نوح عليه السلام من أن الماء هو الذي سوف يأتي ليحمل السفينة.
    ونحن نلحظ في قول الحق سبحانه وتعالى:
    * وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ * [هود: 38].
    تنفيذ الأمر الذي صدر من الله سبحانه وتعالى إلى نوح عليه السلام حين قال سبحانه:
    * وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا وَلاَ تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُواْ إِنَّهُمْ مُّغْرَقُونَ *[هود: 37].
    ثم يقول الحق سبحانه بعد ذلك: * فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ *
    فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُقِيمٌ (39)

    ونلحظ في قول الحق سبحانه: * فَسَوْفَ * * تَعْلَمُونَ * أن الفعل الذي يعلمه نوح عليه السلام وهو أمر الإغراق سيحدث مستقبلاً؛ لأن أي حدث ـ كما نعلم ـ له أكثر من صورة، فإن جاء الكلام عن الحدث بعد وقوعه؛ كان الفعل ماضياً، وإن جاء الكلام وقت الحدث كان الفعل مضارعاً.
    وإن جاء الكلام عن حدث لم يأت زمنه فالأمر يقتضي أن نسبق الكلام عن الحدث بحرف " السين " كأن نقول: " سيعلمون " وهذا عن الاستقبال القريب، أما عن الاستقبال البعيد فتأتي كلمة " سوف ".
    ونحن نعلم أن نوحاً عليه السلام قضى العديد من السنين وهو يصنع السفينة؛ ولذلك جاء بـ " سوف " لتدل على أوسع مَدًى زمنيٍّ.
    وما الذي سوف يعلمونه؟ إن العذاب، أيأتي لنوح ومن معه أم يأتي للذين كفروا من ملأ نوح.
    لذلك يقول الحق سبحانه على لسان نوح عليه السلام:
    * فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ * [هود: 39].
    وفي هذا القول ما يؤكِّد أن نوحاً عليه السلام يعلم أن العذاب سوف يأتيهم؛ لأنهم كفروا وسَخِروا وقالوا:
    * فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَآ إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ *[هود: 32].
    وقول الحق سبحانه:
    * وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُّقِيمٌ * هود: 39].
    نجد فيه كلمة * يَحِلُّ * وهي ضِدُّ الرحيل، وتفيد النزول من أعلى إلى مكان الإقامة، فَحَلَّ بالمكان، أي: نزلَ ليقيم به، والضِّدُّ هو الرحيل أو الترحال.
    وقول الحق سبحانه: * مُّقِيمٌ * يعني أن العذاب الذي سيحِلُّ بهم عذاب دائم.
    ويقول الحق سبحانه وتعالى بعد ذلك: * حَتَّى إِذَا جَآءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ *
    حَتَّى إِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ آمَنَ وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ (40)

    وكلمة * حَتَّى * تدل على الغاية وكلمة * أَمْرُنَا * تدل على الطوفان، ثم الأمر من الحق سبحانه بأن يحمل فيها من كل زوجين اثنين، ومَنْ آمن معه وكانوا قِلَّة قليلة.
    إذن: ففي قصة نوح عليه السلام أكثر من مرحلة، أمر من الله تعالى بقوله:
    * وَاصْنَعِ الْفُلْكَ *[هود: 37].
    وعمل من نوح عليه السلام بأن يصنع، وقد استغرق هذا الفعل وقتاً طويلاً من نوح عليه السلام إلى أن جاء أمر الطوفان الذي يدل عليه قول الحق سبحانه:
    * وَفَارَ التَّنُّورُ * [هود: 40].
    ومعنى كلمة * فَارَ * أي: أن الماء قد وصل إلى درجة الغليان.
    فالماء يحتوي على هواء بدليل أن السمك يتنفس من الماء، وحين نغلي الماء نرى فقاقيع الهواء وهي تخرج من الماء، ثم يثقل الماء إلى أن تشتد سخونة الغليان، فيفور الماء منثوراً خارج إناء الغليان.
    و " التنور " هو المكان الذي تتم فيه عملية الخبز، وخروج الماء من التنور هو علامة مميزة يعلمها نوح عليه السلام ليحمل من يريد نجاتهم، من المؤمنين، ومن متاع الدنيا كله.
    وكانت العلامة هي خروج الماء من غير مَظَانِّه وهو التنور.
    واختلف العلماء في تفسير كلمة " التنور " فمنهم من قال: إن التنور هو المكان الذي كان آدم عليه السلام يخبز فيه، أو هو المكان الذي كانت تعمل فيه حواء، أو هو بيت نوح، أو هو بيت سيدة عجوز.
    وكل تلك التفسيرات لا تفيد ولا تضرُّ، المهم أن فوران التنور كان علامة بين نوح عليه السلام وربه، وأنه إذا ما فار التنور فعَلَى نوح أن يحمل من كل زوجين اثنين.
    وقول الحق سبحانه:
    * احْمِلْ فِيهَا مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ * [هود: 40].
    تعني: أن يحمل من كل الكائنات، وتدل على ذلك كلمة * كُلٍّ * المنونة ـ وتفيد التعميم ـ أي: احمل في السفينة من كل شيء، تطلبه حياة الناجين من جميع أصناف النباتات والحيوانات، حتى الخنزير كان ضمن ما حمله نوح عليه السلام.
    والذين يقولون إن تحريم الخنزير جاء؛ لأن نوحاً عليه السلام لم يحمله معه، لم يفطنوا إلى أهمية الخنزير كحيوان يأكل القاذورات وينظف الأرض منها؛ لأن كل كائن له مهمة، وليست مهمة الكائنات فقط أن يأكلها الإنسان.
    وكلمة:
    * زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ * [هود: 40].
    تدل على أن كلمة " زَوْجٍ " هي مفرد؛ بدليل قول الحق سبحانه:
    * وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا *[النساء: 1].
    إذن: كلمة " زَوْجٍ " تعني مفرد معه مثله، كزوج من الأحذية مثلاً.
    أقول ذلك حتى لا نأخذ كلمة " الزوج " على أنها اثنان؛ ولذلك نجد الحق سبحانه يقول في آية أخرى.
    * ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ مَّنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ قُلْ ءَآلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الأُنثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الأُنثَيَيْنِ نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ * وَمِنَ الإِبْلِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْبَقَرِ اثْنَيْنِ *[الأنعام: 143ـ144].
    وحين نجمع العدد سنجده ثمانية، ولو كانت كلمة " زوج " تطلق على الاثنين لصار العدد في تلك الآية الكريمة ستة عشر.
    ويوضِّح القرآن الكريم أن كلمة " زوج " مفرد في قول الحق سبحانه:
    * أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِّن مَّنِيٍّ يُمْنَى * ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى * فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالأُنثَى *[القيامة: 37ـ39].
    إذن: فالذكر زوج، والأنثى زوج أيضاً.
    وواصل نوح عليه السلام تنفيذ أمر الحق سبحانه:
    * احْمِلْ فِيهَا مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلاَّ مَن سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ آمَنَ وَمَآ آمَنَ مَعَهُ إِلاَّ قَلِيلٌ * [هود: 40].
    وهكذا شاء الحق سبحانه أن يستبقي الحياة بنجاة كل ما تحتاجه الحياة بالسفينة، ويقال: إنهم عاشوا في تلك السفينة عامين.
    ويقول الحق سبحانه بعد ذلك: * وَقَالَ ارْكَبُواْ فِيهَا بِسْمِ اللَّهِ مَجْرياهَا وَمُرْسَاهَا *
    نصف الحزب23
    وَقَالَ ارْكَبُوا فِيهَا بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (41)

    هذه هي المرحلة الأخيرة في قصة السفينة، وبدأت القصة بأمر من الله سبحانه لنوح عليه السلام أن اصنع الفلك، ثم تمهيد من نوح لقومه، ثم ظل يصنع الفلك حتى جاءت إشارة البدء بعلامة:
    * وَفَارَ التَّنُّورُ *[هود: 40]
    وحَمَلَ نوح عليه السلام في الفُلْك ـ بأمر من الله تعالى ـ من كل شيء زوجين اثنين، وأهله ومَنْ آمن معه.
    وقال نوح عليه السلام لمن آمن:
    * ارْكَبُواْ فِيهَا بِسْمِ اللَّهِ مَجْرياهَا وَمُرْسَاهَا * [هود: 41].
    وهذا القول منسوب لنوح عليه السلام؛ لأنه أضاف:
    * إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ * [هود: 41].
    والركوب يقتضي أن يكون الراكب على المركوب، ومستعلٍ عليه. والاستعلاء يقتضي أن يكون الشيء المُستعلَى عليه في خدمة المُستعلِي، فكأن تسخير الله سبحانه للسفينة إنما جاء ليخدم المستعلِي.
    ولكن الله تعالى يقول هنا:
    * ارْكَبُواْ فِيهَا * [هود: 41].
    ولم يقل: " اركبوا عليها ".
    قال الحق سبحانه وتعالى ذلك؛ ليعطينا لقطة عن طريق صنع السفينة، فقد صنعها نوح عليه السلام بوحي من الله تعالى على أفضل نظام في البواخر، ولم يصنعها بطريقة بدائية، فهم ـ إذن ـ لم يركبوها على سطحها، بل تم بناؤها بما يتيح لهم السكن فيها، خصوصاً وأن تلك السفينة تحمل وحوشاً وهواماً وحيوانات بجانب البشر، لذلك كان لا بد من بنائها على هيئة طبقات وأدوار.
    وقول الحق سبحانه:
    * بِسْمِ اللَّهِ مَجْرياهَا وَمُرْسَاهَا * [هود: 41].
    يُبيِّن لنا أنها قد صُنعت لتُنجي من الغرق؛ لذلك لا بد أن تسير بالراكبين فيها إلى مكان لا يصله الماء، ولا بد أن يكون هذا المكان عالياً؛ ليتيح الرُّسُوَّ، كما أتاح الفيضان عملية الجريان.
    وهكذا كان جريانها باسم الله، ورُسُوُّها بإذنه سبحانه.
    وقول نوح عليه السلام:
    * بِسْمِ اللَّهِ مَجْرياهَا وَمُرْسَاهَا * [هود: 41].
    يعلِّمنا أن جريانها إنما يتمُّ بمشيئة الله تعالى وأنهم يركبون فيها، لا لمكانتهم الشخصية، ولكن لإيمانهم بالله تعالى.
    كلمتان خفيفتان على اللسان .. ثقيلتان في الميزان .. حبيبتان إلى الرحمن

    سبحان الله وبحمده .. سبحان الله العظيم

  3. #13
    Super Moderator
    رقم العضوية : 2
    تاريخ التسجيل : Jun 2016
    المشاركات: 3,273
    التقييم: 10
    الدولة : الأردن
    العمل : طالب علم
    ومثال ذلك من حياتنا ـ ولله المثل الأعلى ـ: نجد القاضي يقول مفتتحاً الحكم: " باسم الدستور والقانون " أي: أنه لا يحكم بذاته كقاضٍ، لكنه يحكم باسم الدستور والقانون.
    ونوح عليه السلام يقول:
    * بِسْمِ اللَّهِ مَجْرياهَا وَمُرْسَاهَا * [هود: 41],
    لأن السفينة لله أمر، ولرسوله صناعة.
    ولذلك يقال: " كل شيء لا يبدأ باسم الله فهو أبْتر ".
    لأنك حين تُقبل على فعل شيء، فالأفعال أو الأحداث تحتاج إلى طاقات متعددة، فإن كان الفعل عضليّا، فهو يحتاج لقوة، وإن كان الفعل عقليّا فهو يحتاج لفكر ورويَّة وأناة، وإن كان فعلاً فيه مواجهة لأهل الجاه فهو يحتاج إلى شجاعة، وإن كان من أجل تصفية نفوس فهو يحتاج إلى الحِلْم؟
    إذن: فاحتياجات الأحداث كثيرة ومختلفة، ومن أجل أن تحصل على القوة فقد تقول: " باسم القوي القادر " ولكي تحصل على علم؛ تقول: " باسم العليم " ، وتريد الغني؛ فتقول: " باسم الغنيِّ " وحين تحتاج إلى الحلم تقول: " باسم الحليم " ، وعندما تحتاج إلى الشجاعة؛ تقول: " باسم القهار ".

    وقد يحتاج الفعل الواحد لأشياء كثيرة، والذي يُغْنِي عن كل ذلك أن تنادي ربك وتتبرَّك باسم واجد الوجود وهو الله سبحانه وتعالى، ففيه تنطوي كل صفات الكمال والجلال.
    وإياك أن تتهيَّب أو تستحي، بل ادخل على كل أمر باسم الله، حتى لو كنت عاصياً؛ لأن الحق سبحانه رحمن رحيم.
    وقول الحق سبحانه على لسان نوح عليه السلام:
    * إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ * [هود: 41].
    إنما يقصد أن هؤلاء المؤمنين برسالة نوح كانوا من البشر، ولم يطبِّقوا ـ كغالبية البشر ـ كل التكاليف؛ لأنهم ليسوا ملائكة.
    لذلك قَدَّر الحق سبحانه وتعالى إيمانهم وعفا عن بعض الذنوب التي ارتكبوها ولم يؤاخذهم بها.
    هذه هي الميزة في قول: " بسم الله الرحمن الرحيم ".
    ويقول الحق سبحانه بعد ذلك يَصفُ السفينة ورُكَّابها: * وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَالْجِبَالِ *
    وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَالْجِبَالِ وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ وَكَانَ فِي مَعْزِلٍ يَا بُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنَا وَلَا تَكُنْ مَعَ الْكَافِرِينَ (42)

    وجرت بهم السفينة، لا بين موج هائج فحسب، ولكن كان الموج كالجبال، وهذا يدل على أنها مُسيَّرة بقوة عالية لا تؤثر فيها الأمواج، ثم يجيء الحديث عن عاطفة الأبوة حين ينادي نوح ابنه:
    * وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ وَكَانَ فِي مَعْزِلٍ يابُنَيَّ ارْكَبَ مَّعَنَا وَلاَ تَكُن مَّعَ الْكَافِرِينَ * [نوح: 42].
    ورفض الابن مطلب أبيه معتمداً على أن الجبل يحميه.
    وفي هذا يقول الحق سبحانه مبيناً مُراد الابن في مُخالفة مراد أبيه: * قَالَ سَآوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَآءِ *
    قَالَ سَآوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ قَالَ لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ (43)

    هكذا ظن ابن نوح أنه سينجو إن آوى إلى جبل، لعل ارتفاع الجبل يعصمه من الغرق، لكن نوحاً عليه السلام يعلم أن لا نجاة لكافر، بل النجاة فقط هي لمن رحمه الله بالإيمان.
    وهكذا فرَّق الموج بين نوح وابنه؛ وغرق الابن.
    وأراد الحق سبحانه أن يُنهى الكلام عن نوح عليه السلام، فجاء بلقطة استواء السفينة على الجودي.
    ويقال: إن جبل الجودي يوجد في الموصل ويقال: إنه ناحية الكوفة، وإن كان هذا القول مجرد علم لا ينفع، والجهل به لا يضر.
    ويقول الحق سبحانه: * وَقِيلَ ياأَرْضُ ابْلَعِي مَآءَكِ *
    وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَا سَمَاءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْمَاءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (44)

    والبلع هو مرور الشيء من الحَلْق ليسقط في الجوف، وساعة أن يأتي في القرآن أمر من الله تعالى مثل:
    * وَقِيلَ ياأَرْضُ ابْلَعِي مَآءَكِ * [هود: 44].
    فافهم أن القائل هو من تَنْصَاع له الأرض.
    ولم يَقُل الله سبحانه: " قال الله يا أرض ابلعي ماءك "؛ لأن هناك أصلاً متعيّناً وإنْ لم يقُله، والحق سبحانه يريد أن ينمِّي فينا غريزة وفطنة الإيمان؛ لأن أحداً غير الله تعالى ليس بقادر على أن يأمر الأرض بأن تبلع الماء.
    ويكون أمره سبحانه للسماء: * وَياسَمَآءُ أَقْلِعِي * أي: أن توقف المطر.
    وهكذا يُنهي الحق سبحانه الطوفان الذي أغرق الدنيا بأن أوقف المصبَّ، وأعطى الأمر للمصرف أن يسحب الماء.
    ونحن نلاحظ عند سقوط المطر أن شبكة الصرف الصحيِّ تطفح إن كان هناك ما يسدُّ تصريف الماء؛ لأن أرض المدن حالياً صارت من الأسفلت الذي لا يمتص المياه؛ ولذلك نجد الجهات المختصة تجنِّد طاقاتها لإصلاح مواسير الصرف الصحي لتمتص مياه المطر حتى لا تتعطل حركة الحياة.
    وأقول هنا: إن حُسن استخدام الماء من حُسن الإيمان؛ لأني ألحظ أن الناس حين يتوضأون فهم يفتحون صنابير الماء بما يزيد كثيراً عن حاجتهم للوضوء الشرعي، فيجب ألا نرتكب إثم ترك الماء النقيِّ ليضيع دون جدوى.
    وعلى الناس أن يدَّخروا الماء، ولا يُسيئوا استغلاله؛ لأن الماء حين يتوفَّر فهو يُحيي الأموات، ونحن نحتاج الماء لاستزراع الصحاري، ونحتاج لتخفيف العبء على شبكات الصرف الصحيِّ.
    باختصار؛ نحن نحتاج إلى حُسن استقبال نِعَمِ الله تعالى وحُسن التصرُّف فيها؛ لننعم بها، ونسعد بخيرها.
    وقول الحق سبحانه:
    * وَياسَمَآءُ أَقْلِعِي * [هود: 44].
    أي: اتركي المطر.. ومن ذلك أخذنا كلمة " قِلْع " الذي يوضع فوق السفن الشراعية الصغيرة، وهو الشِّراع.
    ويُقال: " أقلعت المركب " أي: تركت السكون الذي كانت عليه وهي واقفة على الشاطىء.
    ويقول الحق سبحانه:
    * وَغِيضَ الْمَآءُ * [هود: 44].
    وبناها الحق سبحانه هنا للمجهول؛ لنعلم أن الله تعالى هو الذي أمر الماء بأن يغيض.
    ومادة " غاض " تُستعمل لازمةً، وتُستعمل متعديةً.
    ثم يقول سبحانه:
    * وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ * [هود: 44].
    أي: استقرت السفينة على جبل الجودي.
    ويُنهي الحق سبحانه الآية الكريمة بقوله:
    * وَقِيلَ بُعْداً لِّلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ * [هود: 44].
    وهو بعدٌ نهائيٌّ إلى يوم القيامة.
    وتتحرك عاطفة الأبوة في نوح عليه السلام، ويظهرها قول الحق سبحانه: * وَنَادَى نُوحٌ رَّبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي *
    وَنَادَى نُوحٌ رَبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ (45)

    وعاطفة الأبوة عاطفة محمودة، والحق سبحانه يشحن بها قلب الأب على قَدْر حاجة البنوة، ولو لم تكن تلك العاطفة موجودة، لما تحمُّل أيُّ أبٍ أو أيُّ أمٍّ متاعب تربية الأبناء.
    وحتى نعلم أن الأنبياء لا بنوة لهم إلا بنوة الاتِّباع نجد المثل في إبراهيم خليل الرحمن عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام، حين قال فيه الحق سبحانه:
    * وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ *[البقرة: 124].
    أي: أن أداء إبراهيم عليه السلام للتكاليف كان على وجه التمام، مثلما أراد أن يرفع القواعد من البيت، فرفعها فوق قامته بالاحتيال، فاحضر حجراً ووقف عليه ليُعلي جدار الكعبة.
    وقال له الله تعالى:
    * إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً *[البقرة: 124].
    لأنك مأمون على منهج الله وقادر على أن تنفِّذه بدقة، فقال إبراهيم عليه السلام:
    * وَمِن ذُرِّيَّتِي *[البقرة: 124].
    فقال الحق سبحانه:
    * لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ *[البقرة: 124].
    من هذا نعلم أن النبوَّة ليس لها بنوَّة، بل النبوَّة لها أتباع.
    ويتضح ذلك أيضاً في قول إبراهيم عليه السلام بعد أن استقرَّ في ذهنه قول الحق سبحانه:
    * لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ *[البقرة: 124].
    قال إبراهيم لربه سبحانه طلباً للرزق لمكة وأهلها:
    * وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَـاذَا بَلَداً آمِناً وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ *[البقرة: 126].
    هكذا طلب إبراهيم عليه السلام الرزق للمؤمنين، لكن الحق سبحانه يبيِّن له أنه نقل المسألة إلى غير مكانها؛ فالرزق عطاء ربوبية للمؤمن والكافر، لكن تكليفات الألوهية هي للمؤمن فقط؛ لذلك قال الحق سبحانه:
    * وَمَن كَفَرَ *[البقرة: 126].
    أي: أن الرزق يشمل المؤمن والكافر، عطاء من الربوبية.
    ونريد أن نقول إنَّ عاطفة الأبوة والأمومة إنما تتناسب مع حاجة الابن تناسباً عكسيّا، فإن كان الابن قوّياً فعاطفة الأبوة والأمومة تقلُّ.
    ومثال ذلك: أننا نجد شقيقين أحدهما غني قائم بأمر الأبوين ويتكفَّل بهما، بينما الابن الآخر فقير لا يقدر على رعاية الأبوين.
    وسنلحظ أن قلب الأب والأم يكون مع الفقير، لا مع الغَنيِّ، فعاطفة الأبوة والأمومة تكون مع الضعيف والمريض والغائب، وكلما كان الابن في حاجة؛ كانت العاطفة معه.
    وفي نداء نوح عليه السلام لربه سبحانه نلحظ أن نوحاً كان يملك المبرِّر طلباً لنجاة الابن؛ لأن الحق سبحانه أمره بأن يحمل في السفينة من كلٍّ زوجين اثنين وكذلك أهله، فأراد نوح عليه السلام أن يطلب النجاة لابنه من أهله، فقال:
    * رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ * [هود: 45].
    إذن: فنوح عليه السلام يملك حق الدعاء؛ لأنه يطلب تحقيق وعد الله تعالى بأن يحمل أهله معه للنجاة.
    وحين يقول نوح: * وَأَنتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ * هو إقرار بأن الله سبحانه لا يخطىء؛ لأن الابن قد غرق، بل لا بد أن ذلك الغرق كان لحكمة.
    ويقول الحق سبحانه: * قَالَ يانُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ *
    قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلَا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ (46)

    ويريد الحق سبحانه هنا أن يلفتَ نبيَّه نوحاً إلى أن أهليَّة الأنبياء ليست أهلية الدم واللحم، ولكنها أهلية المنهج والاتِّباع، وإذا قاس نوح ـ عليه السلام ـ ابنه على هذا القانون، فلن يجده ابناً له.
    ألم يقل نبينا صلى الله عليه وسلم عن سلمان الفارسي: " سلمان منَّا آل البيت ".
    إذن: فالبنوة بالنسبة للأنبياء هي بنوة اتِّباع، لا بنوة نَسَب.
    وانظر إلى دقة الأداء في قول الله تعالى:
    * إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ * [هود: 46].
    ثم يأتي سبحانه بالعلة والحيثية لذلك بقوله:
    * إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ * [هود: 46].
    فكأن البنوة هنا عمل، وليست ذاتاً، فالذات منكورة هنا، والمذكور هو العمل، فعمل ابن نوح جعله غير صالح أن يكون ابناً لنوح.
    وهكذا نجد أن المحكوم عليه في البنوة للأنبياء ليس الدم، وليس الشحم، وليس اللحم، إنما هو الاتِّباع بدليل أن الحق سبحانه وصف ابن نوح بقوله تعالى: * إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ * ولو كان عملاً صالحاً لكان ابنه.
    ويقول الحق سبحانه:
    * فَلاَ تَسْئَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَن تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ * [هود: 46].
    والحق سبحانه يطلب من نوح هنا أن يفكِّر جيِّداً قبل أن يسأل، فلا غبار على الأنبياء حين يربيِّهم ربُّهم.
    ويقول الحق سبحانه بعد ذلك: * قَالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ *
    قَالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخَاسِرِينَ (47)

    وهنا يدعو نوح عليه السلام ربه سبحانه وتعالى أن يغفر له ما قاله، وهو هنا يقرُّ بأنه لما أحبَّ أن يسأل نجاة ابنه لم يستطع أن يكتم سؤاله، ولكن الحق سبحانه وتعالى وحده هو القادر على أن يمنع من قبله مثل هذا السؤال، وهذه قمة التسليم لله تعالى.
    وقول نوح عليه السلام:
    * إِنِّي أَعُوذُ بِكَ * [هود: 47].
    يوضِّح لنا أن الإنسان لا يعوذ من شيء بشيء إلا إن كانت قوته لا تقدر على أن تمتنع عنه.
    ولذلك يستعيذ نوح عليه السلام من أن يسأل ما ليس له به علم، ويرجو مغفرة الله سبحانه وتعالى ورحمته حتى لا يكون من الخاسرين.
    ويقول الحق سبحانه بعد ذلك: * قِيلَ يانُوحُ اهْبِطْ بِسَلاَمٍ *
    قِيلَ يَا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلَامٍ مِنَّا وَبَرَكَاتٍ عَلَيْكَ وَعَلَى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ (48)

    وقوله الحق سبحانه:
    * اهْبِطْ بِسَلاَمٍ مِّنَّا * [يونس: 48].
    يدل على أن نوحاً عليه السلام قد تلقَّى الأمر بالنزول من السفينة ليباشر مهمته الإيمانية في أرض فيها مقومات الحياة، مما حمل في تلك السفينة من كلٍّ زوجين اثنين، ومن معه من المؤمنين الذين أنجاهم الله تعالى، وأغرق مَنْ قالوا عليهم إنهم أراذل.
    وقول الحق سبحانه:
    * أُمَمٍ مِّمَّن مَّعَكَ * [هود: 48].
    تضمَّن أهل نوح عليه السلام ومَنْ آمن به، وكذلك أمم الوحوش والطيور والحيوانات والدواب.
    أي: أنها إشارة إلى الأمة الأساسية، وهي أمة الإنسان وإلى الأمم الخادمة للإنسان، وهكذا توفرت مقومات الحياة للمؤمنين، ويتفرَّغ نوح وقومه إلى المهمة الإيمانية في الأرض.
    وقول الحق سبحانه:
    * اهْبِطْ بِسَلاَمٍ مِّنَّا * [هود: 48].
    والمقصود بالسلام هو الأمن والاطمئنان، فلم يَعُدْ هناك من الكافرين ما ينغِّص على نوح ـ عليه السلام ـ أمره، ولن يجد من يكدِّر عليه بالقول:
    * جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا *[هود: 32].
    ولن يجد مَنْ يتهمه بالافتراء.
    ومَنْ بقي مع نوح هم كلهم من المؤمنين، وهم قد شهدوا أن نجاتهم من الغرق قد تمت بفضل المنهج الذي بلَّغهم به نوح عن الله تعالى.
    وقول الحق سبحانه:
    * وَبَركَاتٍ * [هود: 48].
    يعني أن الحق سبحانه يبارك في القليل ليجعله كثيراً.
    ويقال: " إن هذا الشيء مبارك " كالطعام الذي يأتي به الإنسان ليكفي اثنين، ولكنه فوجىء بخمسة من الضيوف، فيكفي هذا الجميع.
    إذن: فالشيء المبارك هو القليل الذي يؤدِّي ما يؤدِّيه الكثير، مع مظنَّة أنه لا يفي.
    وكان يجب أن تأتي هنا كلمة * وَبَركَاتٍ * لأن ما يحمله نوح ـ عليه السلام ـ من كلٍّ زوجين اثنين إنما يحتاج إلى بركات الحق سبحانه وتعالى ليتكاثر ويكفي.
    وقول الحق سبحانه:
    * وَعَلَى أُمَمٍ مِّمَّن مَّعَكَ وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُمْ مِّنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ * [هود: 48].
    هذا القول يناسب الطبيعة الإنسانية، فقد كان المؤمنون مع نوح ـ عليه السلام ـ هم الصفوة، وبمضيِّ الزمن طرأت الغفلة على بعضٍ منهم، ويأتي جيل من بعدهم فلا يجد الأسوة أو القدوة، ثم تحيط بالأجيال التالية مؤثرات تفصلهم تماماً عن المنهج.
    وفي هذا يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: " ينام الرجل النومة فتُقبض الأمانة من قلبه، فيظل أثرها مثل أثر الوَكْت، ثم ينام النومة فتُقبض الأمانة من قلبه فيظل أثرها كأثر المَجْل، كجمر دحرجته على رجلك فنفط، فتراه مُنتبراً، وليس فيه شيء، ثم أخذ حصى فدحرجه على رجله، فيصبح الناس يتبايعون، لا يكاد أحد يؤدِّي الأمانة، حتى يقال: إن في بني فلان رجلاً أميناً، حتى يقال للرجل: ما أجلده! ما أظرفه! ما أعقله! وما في قلبه مثقال حبة من خَرْدلٍ من إيمان ".


    وهكذا تطرأ الغفلة على أصحاب المنهج، ويقول صلى الله عليه وسلم: " تُعرض الفِتَن على القلوب كالحصير عوداً عوداً، فأيّما قلب أشْرِبَها نُكتت فيه نكتة سوداء، وأيما قلب أنكرها نكتت فيه نكتة بيضاء، حتى تصير على قلبين، على أبيض مثل الصفا لا تضرُّه فتنة ما دامت السموات والأرض، والآخر أسود مُرْباداً كالكوز مُجَخِّياً لا يعرف معروفاً، ولا ينكر منكراً إلا ما أشْرِبَ مِنْ هَواه ".
    وأعوذ بالله تعالى من طروء فتنة الغفلة على القلوب.
    والحق سبحانه يتحدث في هذه الآية عن الذين بقوا مع نوح عليه السلام وهم صفوة من المؤمنين، لكن منهم من ستطرأ عليه الغفلة، وسيمتِّعهم الله سبحانه وتعالى أيضاً بمتاع الدنيا، ولن يضنَّ عليهم، ولكن سَيَلحقُهم العذاب.
    فإذا ما جاء جيل على الغافلين فهو يخضع لمؤثِّرين اثنين:
    المؤثر الأول: غفلته هو.
    المؤثر الثاني: أسوة الغافلين من السابقين عليه.
    ونحن نعلم أن مِنْ ذرية نوح عليه السلام " قوم عادٍ " الذين أرسل الحق سبحانه إليهم هوداً عليه السلام، وكذلك " قوم ثمود " الذين أرسل إليهم أخاهم صالحاً عليه السلام، وقوم لوطٍ، وهؤلاء جميعاً رَانَتِ الغفلة على قلوبهم.
    ويقول الحق سبحانه بعد ذلك: * تِلْكَ مِنْ أَنْبَآءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَآ إِلَيْكَ *
    كلمتان خفيفتان على اللسان .. ثقيلتان في الميزان .. حبيبتان إلى الرحمن

    سبحان الله وبحمده .. سبحان الله العظيم

  4. #14
    Super Moderator
    رقم العضوية : 2
    تاريخ التسجيل : Jun 2016
    المشاركات: 3,273
    التقييم: 10
    الدولة : الأردن
    العمل : طالب علم
    تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلَا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ (49)

    وكلمة " تلك " إشارة وخطاب، والمخاطب هو رسول الله صلى الله عليه وسلم، و " التاء " إشارة إلى السفينة وما تبعها من أنباء الغيب، ولم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم معاصراً لها ولا يعلمها هو، ولا يعلمها أحد من قومه.
    وأنت يا رسول الله لم يُعلَم عنك إنك جلستَ إلى معلِّم، ولم يذكر عنك أنك قرأت في كتاب؛ ولذلك يأتي في القرآن:
    * وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنَآ إِلَى مُوسَى الأَمْرَ *[القصص: 44].
    وجاء:
    * وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُون أَقْلاَمَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ *[آل عمران: 44].
    إذن: فما دمتَ يا محمد لم تقرأ ولم تتعلَّم عن معلِّم فمَن علَّمك؟
    إنما عَلَّمك الله سبحانه.
    وكأن الله سبحانه وتعالى علَّم رسوله صلى الله عليه وسلم قصة نوح عليه السلام وأراد بها إلقاء الأسوة وإلقاء العبرة لرسول الله صلى الله عليه وسلم حتى يثق بأن كل رسول إنما يصنع حركته الإيمانية المنهجية بعين من الله، وأنه سبحانه لن يسلِّمه إلى خصومة ولا أعدائه.
    ولذلك يأتي القول الكريم: * فَاصْبِرْ *؛ لأنك قد عرفت الآن نتيجة صبر نوح عليه السلام الذي استمر ألف سنة إلا خمسين، ويأتي بعدها قوله سبحانه:
    * إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ * [هود: 49].
    تأتي بعد ذلك قصة قوم عاد بعد قصة نوح، ونحن نعلم أن الحق سبحانه وتعالى لا يُرسل رسولاً إلا إذا عَمَّ الفساد.
    إذن: فقد حصلت الغفلة من بعد نوح، وانضمَّت لها أسوة الأبناء بالآباء فانطمس المنهج، وعزَّ على الموجودين أن يقيموه.
    والله سبحانه وتعالى لا يبعث برسلٍ جُددٍ إلا إذا لم يوجد في الأمة من يرفع كلمة الله؛ لأننا نعلم أن المناعة الإيمانية في النفس الإنسانية قد تكون مناعة ذاتية، بمعنى أن الإنسان قد تُحدِّثه نفسه بالانحراف عن منهج الله، لكن النفس اللوَّامة تردعه وتردُّه إلى الإيمان.
    أما إذا تصلَّبتْ ذاتُه، ولم توجد لديه نفس لوَّامة، فالمناعة الذاتية تختفي، ولكن قد يقوم المجتمع المحيط بِلَوْمِهِ.
    ولكن إذا اختفت المناعة الذاتية، والمناعة من المجتمع فلا بد أن يبعث ربُّ العزة سبحانه برسولٍ جديدٍ، وبيِّنة جديدة، وبرهان جديد.
    هكذا حدث من بعد نوح عليه السلام.
    ولذلك يأتي قول الحق سبحانه: * وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُوداً *
    وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا مُفْتَرُونَ (50)

    يفتتح الحق سبحانه الآية بتحنينهم ومؤانستهم بالمرسَل إليهم، فيُخبرهم أنه أخوهم، ولا يمكن للأخ أن يريد لهم العَنَتَ، بل هو ناصح، مأمون عليهم، وعلى ما يبلغهم به.
    وحين يقول لهم:
    * ياقَوْمِ * [هود: 50].
    فهذا للإيناس أيضاً.
    ثم يدعوهم إلى عبادة الله تعالى وحده؛ لأنهم اتخذوا غير الله إلهاً، وهذا قمة الافتراء.
    والله سبحانه لم يقل:
    * إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ مُفْتَرُونَ * [هود: 50].
    إلا لأن الفساد قد طَمَّ.
    ويقول سبحانه بعد ذلك ما جاء على لسان هود: * ياقَوْمِ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً *
    يَا قَوْمِ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى الَّذِي فَطَرَنِي أَفَلَا تَعْقِلُونَ (51)

    وكأن هوداً عليه السلام يقول لهم: ما الذي يشقُّ عليكم فيما آمركم به وأدعوكم إليه، إنني أقدِّم لكم هذا البلاغ من الله تعالى، ولا أسألكم عليه أجراً، فليس من المعقول أن أنقلكم مما ألفتم، ثم آخذ منكم مالاً مقابل ذلك، ولا يمكن أن أجمع عليكم مشقة تَرْك ما تَعوَّدْتُم عليه وكذلك أجر تلك الدعوة.
    وما دُمْتُ لن آخذ منكم أجراً، إذن: فلا مشقة أكلِّفكم بها، كما أنني في غِنًى عن ذلك الأجر؛ لأن أجري على من أرسلني.
    * إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَى الَّذِي فَطَرَنِي أَفَلاَ تَعْقِلُونَ * [هود: 51].
    أي: أنَّ أجري على مَنْ خَلَقني مُعَدّا لهذه الرسالة؛ لأن الفطرة تعني التكوين الأساسي للإنسان.
    والحق سبحانه قد أعدَّ هوداً عليه السلام ليكون رسولاً، ونحن نعلم ـ أيضاً أن الأجر يكون عادة مقابلاً للمنفعة.
    وسبق أن ضربنا المثل بمن يشتري بيتاً، فهو يدفع ثمن البيت لصاحبه، وتُسمَّى هذه العملية بيعاً وشراءً.
    أما إذا استأجر الإنسان بيتاً فهو يدفع إيجاراً مقابل انتفاعه بالسكن فيه.
    وقول هود عليه السلام:
    * لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً * [هود: 51].
    يفيد أنه كان من الواجب أن يدفعوا أجراً كبيراً مقابل منفعتهم بما يدعوهم إليه؛ لأن الأجر الذي تدفعونه في المستأجرات العامة لكم إنما يكون مقابلاً لمنافع موقوتة، لكن ما يقدمه لهم هود عليه السلام هو منفعة غير موقوتة!
    ولذلك ترك هود عليه السلام الأجر لمن يقدر عليه، وهو الله سبحانه وتعالى. فهو القادر على كل شيء.
    وقد أوضحنا من قبل أن كل مواكب الرسل جاءت بهذه العبارة:
    * لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً * [هود: 51].
    إلا إبراهيم وموسى عليهما السلام؛ فسيدنا إبراهيم لم يَقُلْها بسبب أبيه، وسيدنا موسى لم يقلها؛ لأن فرعون قال له:
    * أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيداً *[الشعراء: 18].
    إذن: كان يجب على قوم هود أن يعقلوا الفائدة الجَمَّة، وهي المنهج الرِّسالي الذي جاء به هود عليه السلام.
    ثم يقول الحق سبحانه ما جاء على لسان هود عليه السلام مخاطباً قومه: * وَياقَوْمِ اسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ *
    وَيَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ وَلَا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ (52)

    وهكذا نعلم أن الاستغفار هو إقرار بالتقصير وارتكاب الذنوب، فنقول يارب اغفر لنا.
    وساعة تطلب المغفرة من الله تعالى، فهذا إعلان منك بالإيمان، واعتراف بأن تكليف الحق لك هو تكليف حق.
    وما دام الإنسان قد طلب من الله تعالى أن يغفر له الذي فات من ذنوب، فعليه ألا يرتكب ذنوباً جديدة، وبعد التوبة على العبد أن يحرص على تجنب المعاصي.
    وعلى الإنسان أن يتذكّر أن ما به من نعمة فمن الله، وأن الكائنات المسخرة هي مسخرة بأمر الله تعالى؛ فلا تنسيك رتابة الحياة عن مسببها الواهب لكل النعم.
    والحق سبحانه وتعالى حين يرسل رسولاً، فأول ما ينزل به الرسول إلى الأمة هو أن يصحِّح العقيدة في قمتها، ويدعوهم إلى الإيمان بإله واحد يتلقَّون عنه " افعل " و " لا تفعل ".
    وهنا يكون الكلام من هود عليه السلام إلى قومه " قوم عاد " ، والدعوة إلى الإيمان بإله واحد وعبادته، والأخذ بمنهجه لا يمكن أن يقتصر على الطقوس فقط من الشهادة بوحدانية الله تعالى، والصلاة، والصيام، والزكاة، والحج.
    ولكن عبادة الله تعالى هي أن تؤدِّي الشعائر والعبادات، وتتقن كل عمل في ضوء منهج الله، فلا تعزل الدين عن حركة الحياة.
    والذين يخافون من دخول الإسلام في حركة الحياة، يريدون منَّا أن نقصر الدين على الطقوس، ونقول لهم: إن الإسلام حينما دخل في حركة الحياة غزا الدنيا كلها، وحارب حضارتين عريقتين؛ حضارة الفرس في الشرق، وحضارة الرومان في الغرب.
    وهؤلاء كانوا أمماً لها حضارات قديمة وقوية، وثقافات وقوانين، ومع ذلك جاء قوم من البدو الأمِّيين؛ يقود عقيدتهم رجلٌ أمِّيٌّ أرسله الله سبحانه وتعالى؛ فيطيح بكل هؤلاء؛ نظماً وثقافات وارتقاءات بمستوى الحياة إلى مستوى طموح العقل.
    يريد هؤلاء ـ إذن ـ أن يقوقعوا الإسلام في الأركان الخمسة فقط؛ ليعزلوه عن حركة الحياة.
    ونقول لهم: لا، لا يمكنكم أن تقصروا العبادات على الأركان الخمسة فقط؛ لأن العبادة معناها أن يوجد عابد لمعبود حقٍّ، وأن يطيع العابد أوامر المعبود؛ وتتمثَّل أوامر المعبود في " افعل " و " لا تفعل "؛ وما لم يَردْ فيه " افعل " و " لا تفعل "؛ فهو مباح؛ إن شئت فعلته وإن شئت لم تفعله؛ وبفعله أو عدم فعله لا يفسد الكون.
    إذن: فالعبادة هي كل أمر صادر من الله تعالى؛ فلا تعزلوها في الطقوس؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم أبلغنا؛ وأوضح لنا أن أركان الإسلام الخمس هي التي بني عليها الإسلام؛ وليست هي كل الإسلام.
    إذن: فالإسلام بناء يقوم على أركان؛ لذلك لا يمكن أن نحصر الإسلام في أركانه فقط؛ فالإسلام هو كل حركة في الحياة، ولا بد أن تنتظم حركات البشر تبعاً لمنهج الله، لتنتظم الحياة كما انتظم الكون من حولنا.

    فالعبادة تستوعب كل حركة في الحياة، وقد فهم البعض خطأ أن العبادة تنحصر في باب العبادات في تقسيم الفقهاء، وأغفلوا أن باب المعاملات هو من العبادة أيضاً، واستقامة الناس في المعاملات تؤدي إلى انتظام حياة الناس.
    وفي الآية الكريمة التي نحن بصدد خواطرنا عنها يقول الحق سبحانه:
    * وَياقَوْمِ اسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ * [هود: 52].
    والاستغفار لا يكون إلا عن ذنوب سبقت؛ وإذا كان هذا هو أول ما قاله هود عليه السلام لقومه؛ إذن: فالاستغفار هنا عن الذنوب التي ارتكبوها مخالفة لمنهج الرسول الذي جاء من قبله، أو هي الذنوب التي ارتكبوها بالفطرة.
    ثم يدعوهم بقوله: * ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ * [هود: 52].
    والتوبة تقتضي العزم على ألا تُنشئوا ذنوباً جديدة.
    ثم يقول الحق سبحانه في نفس الآية:
    * يُرْسِلِ السَّمَآءَ عَلَيْكُمْ مِّدْرَاراً وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ * [هود: 52].
    ولقائل أن يقول: وما صلة الاستغفار بهذه المسألة الكونية؟
    ونقول: إن للكون مالكاً لكلِّ ما فيه؛ جماده ونباته وحيوانه؛ وهو سبحانه قادر، ولا يقدر كائن أن يعصي له أمراً؛ وهو القادر أن يخرج الأشياء عن طبيعتها؛ فإذا جاءت غيمة وتحسب أنها ممطرة؛ قد يأمرها الحق سبحانه فلا تمطر.
    مثلما قال سبحانه في موضع آخر من كتابه الكريم:
    * فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضاً مُّسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُواْ هَـاذَا عَارِضٌ مُّمْطِرُنَا بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُم بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ *[الأحقاف: 24].
    إذن: فلا تأخذ الأسباب على أنها رتابة؛ إنما ربُّ الأسباب يملكها؛ فإن شاء فعل ما يشاء.
    وإذا ما عبدتَ الله تعالى العبادة التي تنتظم بها كل حركة في الحياة؛ فأنت تُقبل على عمارة الأرض؛ وتوفِّر لنفسك القُوْتَ باستنباطه من الأسباب التي طمرها الله سبحانه وتعالى في الأرض.
    والقوت ـ كما نعلم ـ من جنس الأرض؛ لذلك لا بد أن نزرع الأرض؛ وتَمُدَّ البذور جذورها الضارعة المسبِّحة الساجدة لله تعالى؛ فيُمطر الحقُّ سبحانه السماءَ؛ فتأخذ البذور حاجتها من الماء المتسرِّب إليها عبر الأرض؛ ونأخذ نحن أيضاً حاجتنا من هذا الماء.
    والسماء هي كل ما عَلاكَ فأظلَّكَ؛ أما السماء العليا فهذا موضوع آخر، وكل الأشياء دونها.
    وانظروا قول الحق سبحانه:
    * مَن كَانَ يَظُنُّ أَن لَّن يَنصُرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَآءِ ثُمَّ لْيَقْطَعْ فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ مَا يَغِيظُ *[الحج: 15].
    أي: من كان يظن أن الله تعالى لن ينصر رسوله فليأت بحبل أو أي شيء ويربطه فيما علاه ويعلِّق نفسه فيه؛ ولسوف يموت، وغيظه لن يرحل عنه.
    * يُرْسِلِ السَّمَآءَ عَلَيْكُمْ مِّدْرَاراً * [هود: 52].
    والمدرار: هو الذي يُدِرُّ بتتابع لا ضرر فيه؛ لأن المطر قد يهطل بطغيان ضارٍّ، كما فتح الله سبحانه أبواب السماء بماء منهمر.

    إذن: المدرار هو المطر الذي يتوالى توالياً مُصلحاً لا مُفسداً.
    ولذلك كان صلى الله عليه وسلم يقول حين ينزل المطر: " اللهم حوالينا ولا علينا ".
    ومتى أرسِل المطر مدراراً متتابعاً مصلحاً؛ فالأرض تخضرُّ؛ وتعمر الدنيا؛ ونزداد قوة إلى قوتنا.
    أما مَنْ يتولَّى؛ فهو يُجرم في حقِّ نفسه؛ لأن إجرام العبد إنما يعود على نفسه؛ لا تظنّ أن إجرام أَيِّ عبدٍ بالمعصية يؤذي غيره.
    والحق سبحانه يقول:
    * وَلَـاكِنَّ النَّاسَ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ *[يونس: 44].
    ويأتي الحق سبحانه من بعد ذلك بالردِّ الذي قاله قوم عاد: * قَالُواْ ياهُودُ مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ *
    قَالُوا يَا هُودُ مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِي آلِهَتِنَا عَنْ قَوْلِكَ وَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ (53)

    وهم هنا ينكرون أن هوداً قد أتاهم بِبَيِّنة أو مُعجزةٍ.
    والبيِّنة ـ كما نعلم ـ هي الأمارة الدالة على صدق الرسول.
    وصحيح أن هوداً هنا لم يذكر معجزته؛ وتناسوا أن جوهر أي معجزة هو التحدي؛ فمعجزة نوح عليه السلام هي الطوفان، ومعجزة إبراهيم عليه السلام أن النار صارت برداً وسلاماً عليه حين ألقوه فيها.
    ونحن نلحظ أن المعجزة العامة لكل رسول يمثلها قول نوح عليه السلام:
    * ياقَوْمِ إِن كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَّقَامِي وَتَذْكِيرِي بِآيَاتِ اللَّهِ فَعَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ فَأَجْمِعُواْ أَمْرَكُمْ وَشُرَكَآءَكُمْ ثُمَّ لاَ يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اقْضُواْ إِلَيَّ وَلاَ تُنظِرُونَ *[يونس: 71].
    أي: إن كنتم أهلاً للتحدي، فها أنا ذا أمامكم أحارب الفساد، وأنتم أهل سيطرة وقوة وجبروت وطغيان.
    وأحْكِموا كيدكم؛ لكنكم لن تستطيعوا قتل المنهج الرباني؛ لأن أحداً لن يستطيعَ إطفاء نور الله في يد رسول من رسله؛ أو أن يخلِّصوا الدنيا منه بقتله.. ما حدث هذا أبداً.
    إذن: فالبيِّنة التي جاء بها هود عليه السلام أنه وقف أمامهم ودعاهم إلى ترك الكفر؛ وهو تحدي القادرين عليه؛ لأنهم أهل طغيان؛ وأهل بطش؛ ومع ذلك لم يقدروا عليه؛ مثلما لم يقدر كفار قريش على رسولنا صلى الله عليه وسلم.
    ونحن نعلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد جاء ومعه المعجزة الجامعة الشاملة وهي القرآن الكريم؛ وسيظل القرآن معجزة إلى أن تقوم الساعة.
    ونعلم أن غالبية الرسل ـ عليهم جميعاً السلام ـ قد جاءوا بمعجزات حسية كونية؛ انتهى أمدها بوقوعها، ولولا أن القرآن يخبرنا بها ما صدَّقناها، مثلها مثل عود الثقاب يشتعل مرة ثم ينطفىء.
    فمثلاً شفى عيسى ـ عليه السلام ـ الأكمه والأبرص ـ بإذن ربه ـ فمَنْ رآه آمن به، ومَنْ لم يَرَه قد لا يؤمن، وكذلك موسى ـ عليه السلام ـ ضرب البحر بالعصا فانفلق أمامه؛ ومن رآه آمن به، وانتهت تلك المعجزات؛ لكن القرآن الكريم باقٍ إلى أن تقوم الساعة.
    ويستطيع أي واحد من أمة محمد صلى الله عليه وسلم قبل قيام الساعة أن يقول: محمد رسول الله ومعجزته القرآن؛ لأن محمداً صلى الله عليه وسلم جاء رسولاً عامّا؛ ولا رسول من بعده؛ لذلك كان لا بد أن تكون معجزته من الجنس الباقي؛ ومع ذلك قالوا له:
    * وَقَالُواْ لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الأَرْضِ يَنْبُوعاً * أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِّن نَّخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الأَنْهَارَ خِلالَهَا تَفْجِيراً * أَوْ تُسْقِطَ السَّمَآءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفاً أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ قَبِيلاً *[الإسراء: 90ـ 92].
    وكل ما طلبوه مسائل حسية؛ لذلك يأتي الرد:
    * أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّآ أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ * [العنكبوت: 51].
    ومع ذلك كذَّبوا.
    وأضاف قوم عاد:
    * وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِي آلِهَتِنَا عَن قَوْلِكَ وَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ * [هود: 53].
    هم ـ إذن ـ قد خدعوا أنفسهم بتسميتهم لتلك الأصنام " آلهة "؛ لأن الإله مَنْ يُنزل منهجاً يحدِّد من خلاله كيف يُعْبَد؛ ولم تَقُل الأصنام لهم شيئاً؛ ولم تُبلغهم منهجاً.
    إذن: فالقياس المنطقي يُلغي تَصوُّر تلك الأصنام كآلهة؛ فلماذا عبدوها؟
    لقد عبدوها؛ لأن الفطرة تنادي كل إنسان بأن تكون له قوة مألوه لها؛ والقوة المألوه لها إن كان لها أوامر تحدُّ من شهوات النفس، فهذه الأوامر قد تكون صعبة على النفس، أما إن كانت تلك الآلهة بلا أوامر أو نواهي فهذه آلهة مريحة لمن يخدع نفسه بها، ويعبدها مظنة أنها تنفع أو تضر.
    وهذه هي حُجَّة كل ادِّعاء نبوة أو ادِّعاء مَهديَّة في هذا العصر، فيدَّعي النبيُّ الكاذب النبوَّة، ويدعو للاختلاط مع النساء، وشرب الخمر، وارتكاب الموبقات، ويسمِّى ذلك ديناً.
    وتجد مثل هذه الدَّعاوَي في البهائية والقاديانية؛ وغيرها من المعتقدات الزائفة.
    وقولهم:
    * وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِي آلِهَتِنَا عَن قَوْلِكَ * [هود: 53].
    يعني: وما نحن بتاركي آلهتنا بسبب قولك.
    وقولهم: * وَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ * [هود: 53].
    أي: وما نحن لك بمصدِّقين، لأن (آمن) تأتي بمعاني متعددة.
    فإنْ عدَّيتها بنفسها مثل قول الحق سبحانه:
    * وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ *[قريش: 4].
    وإنْ عدَّيتها بحرف " الباء " مثل قول الحق سبحانه:
    * مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحاً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ *[البقرة: 62].
    فالمعنى يتعلّق باعتقاد الألوهية.
    وإن عدَّيتها بحرف " اللام "؛ مثل قول الحق سبحانه:
    * فَمَآ آمَنَ لِمُوسَى إِلاَّ ذُرِّيَّةٌ مِّن قَوْمِهِ عَلَى خَوْفٍ مِّن فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِمْ أَن يَفْتِنَهُمْ *[يونس: 83].
    تكون بمعنى التصديق.
    يقول الحق سبحانه بعد ذلك: * إِن نَّقُولُ إِلاَّ اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ *
    كلمتان خفيفتان على اللسان .. ثقيلتان في الميزان .. حبيبتان إلى الرحمن

    سبحان الله وبحمده .. سبحان الله العظيم

  5. #15
    Super Moderator
    رقم العضوية : 2
    تاريخ التسجيل : Jun 2016
    المشاركات: 3,273
    التقييم: 10
    الدولة : الأردن
    العمل : طالب علم
    إِنْ نَقُولُ إِلَّا اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ قَالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (54)

    و " إن " التي تُفتتح بها الآية الكريمة أداة شرطية، وأداة " إن " الشرطية يأتي بعدها جملة شرط، وجواب شرط، فإن لم تكن كذلك فهي تكون بمعنى النفي؛ مثل قول الحق سبحانه:
    * إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلاَّ اللاَّئِي وَلَدْنَهُمْ *[المجادلة: 2].
    وهنا يقول الحق سبحانه:
    * إِن نَّقُولُ إِلاَّ اعْتَرَاكَ * [هود: 54].
    أي: " ما نقول إلا اعتراك ".
    وهكذا نعلم أن كلمة " إنْ " هنا جاءت بمعنى النفي.
    و " إلا " هي أداة استثناء، وقبلها فعل هو " نقول " ، وإذا وجدت أداة استثناء، ولم يذكر المستثنى منه صراحة، فاعلم أنه واحد من ثلاثة: إما أن يكون مصدر الفعل، وإما أن يكون ظرف الفعل، وإما أن يكون حال الفعل.
    وعلى ذلك فمعنى الآية الكريمة:
    وما نقول لك إلا أنَّ آلهتنا أصابتك بسوء؛ لأنك سَفَّهتهم وأبْطَلتَ ألوهيّتهم، وجئتَ بإلهٍ جديدٍ من عندك، فأصابتك الآلهة بسوء ـ يراد به الجنون ـ فأخذتَ تخلط في الكلام الذي ليس له معنى.
    ويردُّ عليهم هود عليه السلام بما جاء في نفس الآية:
    * قَالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُواْ أَنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ * [هود: 54].
    وهو يُشهِد الله الذي يثق أنه أرسله، ويحمي ذاته، ويحمي عقله؛ لأن عقل الرسول هو الذي يدير كيفية أداء البلاغ عن الله.
    والحق سبحانه وتعالى لا يمكن أن يرسل رسولاً ولا يحميه.
    وقد قال الكافرون عن سيدنا رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم أنه مجنون؛ فأنزل الحق سبحانه وتعالى قوله الكريم:
    * مَآ أَنتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ * وَإِنَّ لَكَ لأَجْراً غَيْرَ مَمْنُونٍ * وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ *[القلم: 2ـ4].
    ونحن نعلم أن المجنون لا خُلُق له، وفي هذا البيان أن رسول الله صلى الله عليه وسلم في قمة العقل؛ لأنه في قمة الخُلُق الطيِّب.
    وهنا يُشهد هود عليه السلام قومه ويطالبهم أن يرجعوا إلى الفطرة السليمة، ويحكموا: أهو مجنون أم لا، ويشهدهم أيضاً أنه بريء من تلك الآلهة التي يُشركون بعبادتها من دون الله تعالى.
    ثم يقول الحق سبحانه ما جاء على لسان هود عليه السلام: * مِن دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعاً ثُمَّ لاَ تُنظِرُونِ *
    مِنْ دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لَا تُنْظِرُونِ (55)

    وقوله: * مِن دُونِهِ * أي: من دون الله، فهم قد عبدوا أصناماً من دون الله سبحانه، ومطلب هود عليه السلام منهم أن يكيدوا له جميعاً، وهم كثرة طاغية، وهو فرد واحد؛ وإن كادت الكثرة المتجبِّرة لواحد، فمن المتوقع أن يغلبوه، وهو ـ عليه السلام ـ هنا يتحداهم ويطلب منهم أن يعملوا كل مكرهم وكيدهم، وأن يقتلوه لو استطاعوا، وهذه قمة التحدي.
    والتحدي هنا معجزة؛ لأنه ساعة يتحداهم فهو يعلم أن الله سبحانه وتعالى ينصره، وهو ـ عليه السلام ـ متأكد من قوله:
    * أُشْهِدُ اللَّهَ *[هود: 54].
    الذي قاله في الآية السابقة، ولا يمكن أن يرمي مثل هذا التحدي جزافاً، لأن الإنسان لا يجازف بحياته في كلمة.
    وهو لم يَقُلْ: * فَكِيدُونِي جَمِيعاً ثُمَّ لاَ تُنظِرُونِ * [يونس: 55] إلا إذا كان قد آوى إلى ركن شديد، وإنه ينطق بالكلمة عن إيمان بأن الحق سبحانه سيهبه قدرة على نفاذ الكلمة.
    وهو قد أشهد الله تعالى، والله سبحانه هو أول من شهد لنفسه، يقول الحق سبحانه:
    * شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لاَ إِلَـاهَ إِلاَّ هُوَ *[آل عمران: 18].
    وكذلك شهدت الملائكة وأولو العلم، والله سبحانه وتعالى حين شهد لنفسه فإنما يطمئننا أنه إذا ألقى أمراً علم أنه مُنفَّذ لا محالة.
    وقد أشهد هود عليه السلام ربَّه سبحانه، وهو واثق من حمايته له وما كان الحق سبحانه ليرسل رسولاً ليُمكِّن منه قوماً يُزيحوه من حركة الرسالة.
    ثم يقول الحق سبحانه وتعالى ما جاء على لسان هود عليه السلام: * إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ *
    إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (56)

    يعلن لهم هود عليه السلام حقيقة أنه يتوكَّل على الله تعالى الذي لا يعلوهم فقط، ولا يرزقهم وحدهم، بل هو الآخذ بناصية كل دابَّة تدُّب في الأرض ولها حرية وحركة، والناصية هي مقدّم الرأس، وبها خصلة من الشعر.
    وحين تريد إهانة واحد فأنت تمسكه من خصلة الشعر هذه وتشدُّه منها.
    والحق سبحانه وتعالى يقول:
    * يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ فَيُؤْخَذُ بِالنَّوَاصِي وَالأَقْدَامِ *[الرحمن: 41].
    وفي آية أخرى يقول الله سبحانه:
    * كَلاَّ لَئِن لَّمْ يَنتَهِ لَنَسْفَعاً بِالنَّاصِيَةِ *[العلق: 15].
    إذن: فكيف لم يجرؤ قوم عاد على أن يسلِّطوا مجموعة ثعابين، وأعداداً من الكلاب المتوحشة ـ مثلاً ـ على سيدنا هود عليه السلام.
    لم يستطيعوا ذلك، وقد أعلن لهم سبب عجزهم عن الإضرار به حين قال لهم:
    * مَّا مِن دَآبَّةٍ إِلاَّ هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَآ إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ * [هود: 56].
    ونحن نلحظ أنه عليه السلام قال في صدر الآية:
    * رَبِّي وَرَبِّكُمْ * [هود: 56]، وفي عَجزُ الآية قال: * إِنَّ رَبِّي * [هود: 56]، والسبب في قوله: * رَبِّي وَرَبِّكُمْ * [هود: 56] أنهم كانوا قادحين في مسألة ربوبية الحق سبحانه.
    لذلك قال عليه السلام في مجال السيطرة: * رَبِّي وَرَبِّكُمْ * أما في عجز الآية فقال:
    * إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ * [هود: 56].
    أي: أن الإله الواحد سبحانه له مطلق العدالة، ولم يأتِ هنا بشيء يخصُّ أربابهم؛ لأنه هنا يتحدث عن مطلق عدالة الحق سبحانه.
    والحق سبحانه وتعالى على صراط مستقيم في منتهى قُدرته، وقَهْره وسيطرته، ولا شيء يُفلت منه، ومع كل قدرة الله تعالى اللامتناهية فهو لا يستعمل قهره في الظلم.
    ويقول الحق سبحانه بعد ذلك: * فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ مَّآ أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَيْكُمْ *
    فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ مَا أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَيْكُمْ وَيَسْتَخْلِفُ رَبِّي قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّونَهُ شَيْئًا إِنَّ رَبِّي عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ (57)

    الفعل " تولَّوا " أصله: " تتولَّوا " ، وفي اللغة: إذا ابتدأ فعل بتاءين يُقتصَر على تاء واحدة.
    وهكذا يكون المعنى:
    إن تتولَّوا فقد أبلغتكم المنهج الذي أرسلت به إليكم، ولا عُذر لكم عندي؛ لأن الحق سبحانه لا يعذِّب قوماً وهم غافلون؛ لذلك أرسلني إليكم.
    أو أن الخطاب من الله سبحانه لهود عليه السلام ليبِّين له: فإن تولَّوا فقل لهم: * أَبْلَغْتُكُمْ مَّآ أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَيْكُمْ وَيَسْتَخْلِفُ رَبِّي قَوْماً غَيْرَكُمْ * [هود: 57].
    والاستخلاف أن يوجد قوم خلفاء لقوم، إما أن يكونوا عادلين؛ فلا يقفوا من المناهج ولا من الرسالات مثلما وقف قوم عاد.
    وإما أن يكونوا غير عادلين، مثل من قال فيهم الحق سبحانه:
    * فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُواْ الصَّلاَةَ وَاتَّبَعُواْ الشَّهَوَاتِ *[مريم: 59].
    والحق سبحانه قد وعد المؤمنين وعداً طيِّباً:
    * وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ مِنْكُمْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ *[النور: 55].
    إذن: فالاستخلاف إما أن يكون الخلف فيه صاحب عمل صالح، أو أن يبدد المنهج فلا يتبعه، بل يتبع الشهوات.
    وفي آية أخرى يقول الحق سبحانه:
    * هَا أَنتُمْ هَـاؤُلاَءِ تُدْعَوْنَ لِتُنفِقُواْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَمِنكُم مَّن يَبْخَلُ وَمَن يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَن نَّفْسِهِ وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنتُمُ الْفُقَرَآءُ وَإِن تَتَوَلَّوْاْ يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لاَ يَكُونُواْ أَمْثَالَكُم *[محمد: 38].
    وهنا يقول الحق سبحانه:
    * وَلاَ تَضُرُّونَهُ شَيْئاً * [هود: 57].
    لأن المنهج الذي نزل على الخَلْق، أنزله الحق سبحانه وتعالى لصلاح العباد، وهو سبحانه خَلَق أولاً بكل صفات الكمال فيه، ولن يزيده العباد وصفاً من الأوصاف، ولن يسلبه أحد وصفاً من الأوصاف.
    ولذلك نقول للمتمردين على عبوديتهم لله كفراً، وللمتمردين على المنهج بالمعصية:
    أنتم ألفتم التمرد؛ إما التمرد في القمة وهو الكفر بالله، وإما التمرد على أحكام الله بمخالفتها، فلماذا لا يتمرد أحدكم على المرض، ويقول: " لن أمرض "؟ ولماذا لا يتمرد أحدكم على الموت ويرفض أن يموت؟
    إذن: فما دُمْتَ قد عرفت التمرد فيما لك فيه اختيار، فهل تستطيع التمرد على أحكام الله القهرية فيك؟
    إنك لن تستطيع؛ لأنك مأخوذ بناصيتك. والحق سبحانه إن شاء أن يوقف القلب، فلن تستطيع أن تأمر قلبك بعدم التوقف.
    لذلك قال هود عليه السلام:
    * وَلاَ تَضُرُّونَهُ شَيْئاً إِنَّ رَبِّي عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ * [هود: 57].
    فالله سبحانه رقيب؛ لأنه قيوم قائم على كل أمور كونه.
    وبعض الفلاسفة قالوا: إن الله قد خلق الكون، وخلق النواميس والقوانين، ثم تركها تقوم بعملها.
    ولهؤلاء نقول: لا؛ فأنتم أقررتم بصفات الخالق القادر، فأين صفات القيومية لله القائم على كل نفس بما كسبت، وهو سبحانه القائل لعبيده عن نفسه:
    * لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ *[البقرة: 255].
    وهو سبحانه حين يقول هذا إنما يطمئن العباد؛ ليناموا ويرتاحوا؛ لأنه سبحانه مُنزَّه عن الغَفْلة أو النوم، بل هو سبحانه قيوم.
    ويقول الحق سبحانه بعد ذلك: * وَلَمَّا جَآءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا هُوداً وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ *
    وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا هُودًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَنَجَّيْنَاهُمْ مِنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ (58)

    وساعة تسمع * وَلَمَّا جَآءَ أَمْرُنَا * فأنت تعرف أن هناك آمراً وأمراً مُطاعاً، وبمجرد صدور الأمر من الآمر سبحانه يكون التنفيذ؛ لأنه يأمر مَنْ له قدرة على التنفيذ:
    ولذلك يقول الحق سبحانه:
    * إِذَا السَّمَآءُ انشَقَّتْ * وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ *[الإنشقاق: 1ـ2].
    إذن: فهي بمجرد السمع نَفَّذت أمر الحق سبحانه.
    وحين شاء الحق سبحانه أن يُنجي موسى عليه السلام من الذبح الذي أمر به فرعون؛ أوحى الله سبحانه لأمِّ موسى قائلاً:
    * فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي اليَمِّ وَلاَ تَخَافِي وَلاَ تَحْزَنِي إِنَّا رَآدُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ *[القصص: 7].
    وكيف تفعل أمٌّ ذلك.
    إن كل أمًّ إنما تحرص على ابنها؛ والذبح لموسى أمر مظنون، والإلقاء في البحر موت محقَّق، لكن أم موسى استقبلت الوحي؛ ولم تتردد؛ مما يدل على أنها تُناقش الأمر بمقاييس البشر، بل بتنفيذ إلهامٍ واردٍ إليها من الله سبحانه؛ إلهام لا ينازعه شَكٌّ أو شيطان.
    وبعد ذلك يأمر الله سبحانه البحر:
    * فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ *[طه: 39].
    وقد استقبل البحرُ الأمرَ الإلهي؛ لأنه أمر من قادر على الإنفاذ، كما قام بتنفيذ الضد.
    في قصة نوح عليه السلام قال الحق سبحانه:
    * حَتَّى إِذَا جَآءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ *[هود: 40].
    وحدث الطوفان؛ ليغرق الكافرين.
    وهنا يقول الحق سبحانه:
    * وَلَمَّا جَآءَ أَمْرُنَا * [هود: 58].
    يعني: مجيء الأمر بالعذاب للمخالفين لدعوة هود عليه السلام، وقد تحقَّق هذا العذاب بطريقة خاصة ودقيقة؛ تتناسب في دقتها مع عظمة الآمر بها سبحانه وتعالى.
    فحين تأتي رِيحٌ صَرْصَرٌ أو صَيحةٌ طاغيةٌ، فهذا العذاب من خارجهم، وما دام العذاب من الخارج، وبقوة من قوى الطبيعة الصادرة بتوجيه الله؛ فقد يَعُمُّ المكذِّبين لسيدنا هود، ومعهم المصدِّقون به وبرسالته، فكيف يتأتَّى أن تذهب الصيحة إلى آذان المكذِّبين فقط، وتخرق تلك الآذان؛ وتترك آذان المؤمنين؟
    إنها قدرة التقدير لا قوة التدمير. إن مُوجِّه الصيحة قد حدَّد لها مَنْ تُصيب ومن تترك، وهي صيحة موجَّهة، مثلها مثل حجارة سِجِّيل التي رمتها طير أبابيل على أبرهة الحبشي وجنوده؛ مع نجاةَ جنود قريش بنفس الحجارة؛ ولم تكن إصابة بالطاعون كما ادَّعى بعضٌ من المتفلسفين.
    وهذه من أسرار عظمة الحق سبحانه فهو يأخذ بشيء واحد؛ ولكنه يُنجي المؤمن؛ ويعذِّب الكافر؛ فلا يوجد ناموس يحكم الكون بدون قدرة مسيطرة عليه.
    يقول المتنبي:تُسَوِّدُ الشَّمْسُ مِنَّا بِيضَ أوجُهِنا وَمَا تُسوِّدُ بِيضَ العَينِ والَّلمَمِوَكَانَ حَالُهُما فِي الحُكْمِ واحِدَةً لَو احْتَكَمْنَا مِنَ الدُّنْيَا إلَى حَكَمِوهكذا يضرب المتنبي المثل بأن جلوس الواحد منا في الشمس؛ يجعل بشرة الأبيض تميل إلى السمرة ولا تسود بياض الشعر، لكن إن تركت شيئاً أسود في الشمس فترة لوجدته يميل إلى الأبيض؛ ويحدث ذلك رغم أن الفاعل واحد؛ لكن القابل مختلف.

    والحق سبحانه يقول هنا:
    * وَلَمَّا جَآءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا هُوداً وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِّنَّا * [هود: 58].
    فلا تقل كيف نجوا من العذاب الجامع والعذاب العام؛ لأن هذه هي الرحمة.
    والرحمة ـ كما نعلم ـ هي ألا يمس الداء الإنسان من أول الأمر؛ أما الشفاء فهو يعالج الداء.
    ولذلك يقول الحق سبحانه وتعالى:
    * وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَآءٌ وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ *[الإسراء: 82].
    ونحن نلحظ هنا أن الحق سبحانه يذكر في نفس الآية الكريمة نجاتين:
    النجاة الأولى: من العذاب الجامع؛ الريح الصرصر؛ من الصيحة؛ من الطاغية، يقول سبحانه:
    * نَجَّيْنَا هُوداً وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِّنَّا وَنَجَّيْنَاهُمْ مِّنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ * [هود: 58].
    والنجاة الثانية: هي نجاة من عذاب الآخرة الغليظ، فعذاب الدنيا رغم قسوته، إلا أنه موقوت بعمر الدنيا.
    أما عذاب الآخرة فهو عذاب بلا نهاية، ووصفه الحق سبحانه بالغلظة.
    وغلظ الشيء يعطي له القوة والمتانة، وهو عذاب غليظ على قدر ما يستوعب الحكم.
    ولذلك حينما يُملِّك الحقُّ سبحانه رجلاً بُضْع امرأة بعقد الزواج، ويصف ذلك بالميثاق الغليظ، والنفعية هنا متصلة بالعفة والعِرْض، ولم يُملِّك الرجل النفعية المطلقة من المرأة التي يتزوجها؛ فالزوج يُمكَّن من عورة زوجته بعقد الزواج.
    يقول الحق سبحانه:
    * وَأَخَذْنَ مِنكُم مِّيثَاقاً غَلِيظاً *[النساء: 21].
    وكانت نجاة هود عليه السلام والمؤمنين معه من العذاب الأول مقدمة للنجاة من العذاب الغليظ.
    ويقول الحق سبحانه بعد ذلك: * وَتِلْكَ عَادٌ جَحَدُواْ بِآيَاتِ رَبِّهِمْ *
    وَتِلْكَ عَادٌ جَحَدُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَعَصَوْا رُسُلَهُ وَاتَّبَعُوا أَمْرَ كُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ (59)

    و " تلك " إشارة إلى المكان الذي عاش فيه قوم عاد؛ لأن الإشارة هنا لمؤنث، ولنتذكر أن المتكلم هنا هو الله سبحانه وتعالى.
    وهكذا فصل بين " عاد " المكان، و " عاد " المكين، وهم قوم عاد؛ لذلك قال سبحانه * جَحَدُواْ بِآيَاتِ رَبِّهِمْ * [هود: 59] فهم قد ذهبوا وبقيت آثارهم.
    و " عاد " إما أن تطلق على المكان والمحل، وإما أن تطلق على الذوات التي عاشت في المكان، فإذا أشار سبحانه بـ * تِلْكَ * فهي إشارة إلى الديار، والديار لم تجحد بآيات الله؛ ولذلك جاء بعدها بقوله تعالى:
    * جَحَدُواْ بِآيَاتِ رَبِّهِمْ * [هود: 59].
    والجحود هو النكران مع قوة الحجة والبرهان.
    والآيات ـ كما نعلم ـ جمع آية، وهي الأمور العجيبة الملفتة للنظر التفاتاً يوحي بإيمان بما تنص عليه.
    ومن الآيات ما يدل على قمة العقيدة، وهو الإيمان بواجب الوجود؛ بالله الرب الخالق الحكيم القادر سبحانه وتعالى، مثل آيات الليل والنهار والشمس والقمر، ورؤية الأرض خاشعة إلى آخر تلك الآيات التي في القمة.
    وكذلك هناك آيات أخرى تأتي مصدقة لمن يخبر أنه جاء رسولاً من عند الله تعالى، وهي المعجزات.
    وآيات أخرى فيها الأحكام التي يريدها الله سبحانه بمنهجه لضمان صحة حركة الحياة في خلقه.
    وقوم عاد جحدوا بكل هذه الآيات؛ جحدوا الإيمان، وجحدوا تصديق الرسول بالمعجزة، وأهملوا وتركوا منهج الله جحوداً بإعراض.
    لذلك يقول الحق سبحانه:
    * وَعَصَوْاْ رُسُلَهُ * [هود: 59].
    وهود عليه السلام هو الذي أرسله الحق سبحانه إلى قوم عاد، فهل هو المعنيُّ بالعصيان هنا؟
    نقول: لا؛ لأن الله عز وجل قال:
    * وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّيْنَ لَمَآ آتَيْتُكُم مِّن كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَآءَكُمْ رَسُولٌ مُّصَدِّقٌ لِّمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنصُرُنَّهُ *[آل عمران: 81].
    إذن: فكل أمة من الأمم عندها بلاغ من رسولها بأن تصدق أخبار كل رسول يُرسَل.
    ولذلك قال الحق سبحانه:
    * كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ *[البقرة: 285].
    فهم قد انقسموا إلى قسمين؛ لأن الحق سبحانه يقول:
    * وَعَصَوْاْ رُسُلَهُ وَاتَّبَعُواْ أَمْرَ كُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ * [هود: 59].
    أي: أن هناك مُتَّبِعاً، ومُتَّبَعاً.
    والمقصود بالجبار العنيد هم قمم المجتمع، سادة الطغيان والصنف الثاني هم من اتبعوا الجبابرة.
    ومن رحمته سبحانه أنه حين يتكلم عن الفِرَق الضالة، فهو يتكلم أيضاً عن الفرق المضلة، فهناك ضالٌّ في ذاته، وهناك مُضِلٌّ لغيره.
    والمضل لغيره عليه وزران: وزر ضلالة في ذاته، ووزر إضلال غيره.
    أما الذين اتَّبعوا فلهم بعض العذر؛ لأنهم اتَّبعوا بالجبروت والقهر، لا بالإقناع والبينة.
    وانظر إلى القرآن الكريم حين يعالج هذه القضية، فيتحدث عن الفئة التي ضلت في ذاتها ويقول:
    * وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لاَ يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلاَّ أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَظُنُّونَ *[البقرة: 78].
    ويتحدث الحق سبحانه بعد ذلك عن الفئة المضلة فيقول:
    * فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَـاذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُواْ بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً *[البقرة: 79].
    ويقول الحق سبحانه بعد ذلك: * وَأُتْبِعُواْ فِي هَـاذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً *
    كلمتان خفيفتان على اللسان .. ثقيلتان في الميزان .. حبيبتان إلى الرحمن

    سبحان الله وبحمده .. سبحان الله العظيم

  6. #16
    Super Moderator
    رقم العضوية : 2
    تاريخ التسجيل : Jun 2016
    المشاركات: 3,273
    التقييم: 10
    الدولة : الأردن
    العمل : طالب علم
    وَأُتْبِعُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا إِنَّ عَادًا كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلَا بُعْدًا لِعَادٍ قَوْمِ هُودٍ (60)

    والزمان بالنسبة للخلق ثلاثة أقسام: حياتهم زمن أول، ومن لحظة الموت إلى أن تقوم الساعة زمن ثان وهو زمن البرزخ، وساعة يبعثون هي الزمن الثالث.
    والحياة الأولى فيها العمل، وحياة البرزخ فيها عرض الجزاء، مجرد العرض، والحياة الثالثة هي الآخرة إما إلى الجنة وإما إلى النار.
    يقول الحق سبحانه:
    * كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتاً فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ *[البقرة: 28].
    هذه هي الأزمنة الثلاثة ـ حياة، وبرزخ، وبعث ـ وكل وقت منها له ظرف.
    ويعبر القرآن عن هذا، فيقول عن عذاب آل فرعون منذ أن أغرقهم الله سبحانه في البحر:
    * النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوّاً وَعَشِيّاً وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُواْ آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ *[غافر: 46].
    وفي هذا دليل على عرض الجزاء في البرزخ مصداقاً لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم " القبر إما روضة من رياض الجنة، وإما حفرة من حفر النار ".
    إذن: فهنا زمنان: زمن عرضهم على النار غدوّاً وعشيّاً، وزمن دخولهم النار.
    وهذا يثبت عذاب البرزخ؛ لأن الإنسان الكافر يرى فيه موقعه من النار، ويرى نصيبه من العذاب، ثم تقوم الساعة ليأخذ نصيبه من العذاب.
    وبالنسبة لقوم عاد، أذاقهم الله سبحانه العذاب في الدنيا، ثم يدخلهم النار يوم القيامة.
    ويقول الحق سبحانه في نفس الآية:
    * أَلا إِنَّ عَاداً كَفَرُواْ رَبَّهُمْ أَلاَ بُعْداً لِّعَادٍ قَوْمِ هُودٍ * [هود: 60].
    وكلمة " ألا " هي أداة تنبيه ـ كما قلنا من قبل ـ تنبه السامع إلى أهمية ما يلقيه المتكلم حتى لا يجابه السامع بالكلام وهو غافل، ولأن المتكلم هو الذي يقود زمام الكلام، فيجب ألا يستقبله السامع غافلاً، فتأتي كلمة " ألا " كجرس ينبه إلى ما بعدها من كلام.
    والكلام عن قوم عاد الذين نالوا عذاباً في الدنيا بالريح العقيم، ثم أتبعوا لعنة من البرزخ، وسوف يُستقبلون يوم القيامة باللعنات؛ فهذه لعنات ثلاث.
    وجاء الحق سبحانه وتعالى بحيثية هذه اللعنات مخافة أن يرى قلب السامع من كثرة ما يقع عليهم من لعن، فبيَّن بكلمة " ألا " أي: تنبهوا إلى أن قوم عاد كفروا ربهم.
    وللجريمة زمن، وللعقوبة عليها زمن، وكفرهم بربهم حدث في الدنيا، وهو كفر في القمة؛ لذلك نالوا عقاباً في الدنيا.
    والخطر كل الخطر أن يتأخر زمن العقوبة عن زمن الجريمة، فلا تأخذكم بهم الرحمة الحمقاء، لأن كفرهم هو الكفر بالقمة العقدية؛ لذلك تواصل لعنهم في البرزخ، ثم تأتي لهم لعنة الآخرة.
    وهم لم يكفروا بنعمة ربهم، بل كفروا بربهم.
    والحق سبحانه لم يطلب من أحد عبادته قبل سن التكليف، وقدم لهم كما يقدم لكل الخلق نعمه التي لا تعد ولا تحصى؛ ولذلك فهم يستحقون اللعنات وهي الجزاء العادل.

    وقد أوضح لهم هود عليه السلام:
    * إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَّا مِن دَآبَّةٍ إِلاَّ هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَآ إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ *[هود: 56].
    أي: أن الحق سبحانه عادل.
    وأنت حين تسمع جريمتهم؛ تنفعل وتطلب أقصى العقاب لهم؛ ولذلك يأتي قول الحق سبحانه:
    * أَلا إِنَّ عَاداً كَفَرُواْ رَبَّهُمْ أَلاَ بُعْداً لِّعَادٍ قَوْمِ هُودٍ * [هود: 60].
    فأنت لا تكتفي بلعنتهم الأولى، بل تلعنهم مرة أخرى.
    ولسائل أن يقول: ولماذا يقول الحق سبحانه هنا:
    * أَلاَ بُعْداً لِّعَادٍ قَوْمِ هُودٍ * [هود: 60].
    ونقول: لقد قال الحق سبحانه وتعالى في موضع آخر من القرآن:
    * وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَاداً الأُولَى *[النجم: 50].
    وهذا يوضح لنا أن " عاداً " كانت اثنتين: عاداً الاولى، وهم قوم عاشوا وضَلُّوا فأهلكهم الله، وهناك عاد الثانية.
    وبعد ذلك يقول الحق سبحانه: * وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحاً *

    وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ (61)

    ونحن نلحظ أن الحق سبحانه يبيِّن لنا هنا أنه أرسل إلى ثمود واحداً منهم هو صالح عليه السلام.
    وجاء الحق سبحانه بلفظ * أَخَاهُمْ * ليبين العلاقة التي بين صالح ـ عليه السلام ـ وقومه، فهو قد نشأ بينهم، وعرفوه وخبروه، فإذا ما جاءهم بدعوة ـ وقد لمسوا صدقه ـ فلا بد أن يؤمنوا بما جاء به من منهج.
    وناداهم صالح عليه السلام: * ياقَوْمِ * ، وهي من القيام، يعني: يا من تقومون للأمور. والذي يقوم على الأمر عادة هم الرجال؛ لأن أمر النساء مستور ـ دائماً ـ في طي الرجال، فليس كل حكم من أحكام الدين يأتي فيه ذكر المرأة، بل نجد كثيراً من الأحكام تنزل للرجال، والنساء مطويات على الستر في ظل الرجال، والرجل يشقى ويكدح، والمرأة تدير حياة السُكْنى وتربية الأولاد.
    ونحن نجد من النساء ومن الرجال من يتراضون عند الزواج على ألا تخرج المرأة للعمل.
    إن للمرأة حق العمل إن احتاجت ولم تجد من يعولها، ولكن إن وجدت من يقوم عليها، فلماذا لا تلتفت إلى عمل لا يقل أهمية عن عمل الرجل، وهو رعاية الأسرة؟
    وكذلك يجد من يقوم باسم الحرية بالهجوم على الحجاب، ونقول لمن يفعل ذلك: إذا كنت لم تنتقد التهتك في الملابس، ووَصَفْتَهُ بأنه " حرية " ، فلماذا تتدخل في أمر الحجاب، ولا تعتبره " حرية " أيضاً.
    ونعود إلى الآية الكريمة التي نحن بصدد خواطرنا عنها * اعْبُدُواْ اللَّهَ مَا لَكُمْ مِّنْ إِلَـاهٍ غَيْرُهُ * [هود: 61] والعبادة تقتضي تلقي أوامر الإله المعبود بـ " افعل " و " لا تفعل " في كل حركة من حركات الحياة.
    فكان أول شيء طلبه صالح من قومه ثمود * اعْبُدُواْ اللَّهَ * وأمر عبادة الله وحده مطلوب من كل أحد، ولا يسع أحداً مخالفته.
    * مَا لَكُمْ مِّنْ إِلَـاهٍ غَيْرُهُ * [هود: 61].
    تقرير واقع لا تستطيعون تغييره، فليس لكم إله آخر غير الله، مهما حاولتم ادعاء آلهة أخرى.
    ويقول الحق سبحانه:
    * هُوَ أَنشَأَكُمْ مِّنَ الأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا * [هود: 61].
    والإنشاء هو الإيجاد ابتداء من غير واسطة شيء، ويقال: أنشأ، أي: أوجد وجوداً ابتداءً من غير الاستعانة بشيء آخر.
    لذلك لا نقول لمن اخترع: إنه " أنشأ " لأنه استعان بأشياء كثيرة ليصل إلى اختراعه؛ فقد يكون مستعيناً بمادة أخذها من الجبال، وبخبره تجارب صنعها من سبقوه، ولكن الحق سبحانه وتعالى هو الذي ينشيء من عدم.
    والوجود من العدم قسمان: قسم أوجدته باستعانة بموجود، وقسم أوجدته من عدم محض، وهذا الأخير هو الإنشاء ولا يقدر عليه إلا الله سبحانه وتعالى.
    والحق سبحانه جلَّت مشيئته في الإنشاء، فهو ينشيء الإنسان من التقاء الزوج والزوجة، وإن أرجعت هذا الإنشاء إلى البداية الأولى في آدم عليه السلام، فستجد أن الحق سبحانه وتعالى قد خلقه من نفس مادة الأرض، والأرض مخلوق من مخلوقات الله.

    فمنيُّ الزوج وبويضة الزوجة يتكونان من خلاصة الدم، الذي هو خلاصة الأغذية وهي تأتي من الأرض، فسواء رمزت لآدم بإنشائه من الأرض، أو أبقيتها في ذريته، فكل شيء مَردُّه إلى الأرض.
    وقول الحق سبحانه:
    * أَنشَأَكُمْ مِّنَ الأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا * [هود: 61].
    نجد فيه كلمة * اسْتَعْمَرَكُمْ * وساعة ترى الألف والسين والتاء فاعلم أنها للطلب، وهكذا يكون معنى كلمة " استعمر " هو طلب التعمير.
    ومن الخطأ الشائع تسمية البلاد التي تحتل بلاداً أخرى: " دول الاستعمار ".
    أقول: إن ذلك خطأ، لأنهم لو كانوا دول استعمار، فهذا يعني أنهم يرغبون في عمارة الأرض، ولكنهم في حقيقة الأمر كانوا يخربون في الأرض؛ ولذلك كان يجب أن تسمى " دول الاستخراب ".
    * وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا * أي: طلب منكم عمارتها، وهذا يتطلب أمرين اثنين: أن يبقي الناس الأمر الصالح على صلاحه، أو يزيدوه صلاحاً.
    وكما ضربت المثل من قبل بتحسين وسائل وصول المياه إلى المنازل بعد اكتشاف نظرية الأواني المستطرقة، فقد كان الناس يشربون الماء من الترع، ثم تم اختراع كيفية تكرير المياه، ثم جاءت نظرية الأواني المستطرقة، فاستغلها الناس في بناء خزانات عالية، وتوصيل الماء بواسطة مواسير تدخل لكل بيت.
    وهكذا تصل المياه النقية لكل منزل، وهكذا يزداد في الأمر الصالح صلاحاً.
    وأيضاً إن استصلحنا الأرض البور، فنحن نزيد الأرض رقعة صالحة لإنتاج الغذاء لمقابلة الزيادة في عدد السكان.
    وما دام عدد السكان في زيادة فلا بد من زيادة رقعة الأرض بالاستصلاح؛ لأن الأزمة التي نعاني منها الآن، هي نتيجة للغفلة التي مرت علينا، فزاد التكاثر عن الاستصلاح، وكان الواجب يقتضي أن نزيد من الاستصلاح بما يتناسب مع الزيادة في السكان.
    وهكذا نفهم معنى استعمار الأرض.
    ومن عظمة الحق سبحانه وتعالى أنه تجلَّى على الخَلْق بصفات من صفاته، فالقويُّ يعين الضعيف، والحق سبحانه له مطلق القوة، ويَهَبُ الخلق من حكمته حكمة، ومن قبضه قبضاً، ومن بسطه بسطاً، ومن غناه غنىً؛ ولكن الصفات الحسنى كلها ذاتية فيه وموهوبة منه لنا.
    والدليل على ذلك أن القوي فينا يصير إلى ضعف، والغني منا قد يصيبه الفقر؛ حتى لا نفهم أن هذه الصفات ذاتية فينا، وأن الحق سبحانه وتعالى قد أعطانا من صفاته قدرة لنفعل.
    ومن أعطاه الله تعالى قدرة ليفعل؛ عليه أن يلاحظ أنه انتفع بفعل من سبقه، فإن أكل اليوم تمراً ـ على سبيل المثال ـ فعليه أن يتذكر أن الذي زرع له النخلة هو من سبقه، فليزرع من يأكل البلح الآن نخلة لتفيده بعد سبع سنين ـ وهو الزمن اللازم لتطرح النخلة بلحاً ـ وليستفيد بها من يأتي من بعده.
    ويقول الحق سبحانه وتعالى ما جاء على لسان صالح عليه السلام لقومه " ثمود " في الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها:
    * فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُّجِيبٌ * [هود: 61].
    فإن استغفر الإنسان، فالحق سبحانه قريب من كل عبد يستغفر عن ذنوب لا تمثل حقوقاً للناس، والله سبحانه وتعالى يجيب لطالب المغفرة.
    فماذا كان الرد من قوم ثمود؟
    يقول الحق عز وجل ما جاء على ألسنتهم: * قَالُواْ ياصَالِحُ قَدْ كُنتَ فِينَا مَرْجُوّاً قَبْلَ هَـاذَا *
    قَالُوا يَا صَالِحُ قَدْ كُنْتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَذَا أَتَنْهَانَا أَنْ نَعْبُدَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا وَإِنَّنَا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ (62)

    كانوا ينظرون إلى صالح ـ عليه السلام ـ بتقدير ورجاء قبل أن يدعوهم لعبادة الله تعالى وحده، ولا إله غيره.
    والمرجوُّ هو الإنسان المؤمَّل فيه الخير، ذكاءً، وطموحاً، وأمانة، وأية خصلة من الخصال التي تبشر بأنه له مستقبلاً حسناً.
    ولكن ما إن دعاهم صالح ـ عليه السلام ـ إلى عبادة الله سبحانه وتعالى أعلنوا أنه ـ بتلك الدعوة ـ إنما يفسد رجاءهم فيه وما كانوا يأملون فيه.
    وقد أوضح لهم صالح ـ عليه السلام ـ ما أوضحه الرسل من قبله ومن بعده، أن اتخاذ الأصنام أو الأشجار أو الشمس آلهة تُعْبد هو أمر خاطىء؛ لأن العبادة تقتضي أوامر ونواهي ينزل بها منهج؛ يتبعه من يعبدون، وتلك الكائنات المعبودة لا منهج لها، ولا عبادة دون منهج.
    وأضاف قوم ثمود:
    * وَإِنَّنَا لَفِي شَكٍّ مِّمَّا تَدْعُونَآ إِلَيْهِ مُرِيبٍ * [هود: 62].
    والشك هو استواء الطرفين: النفي والإثبات.
    إذن: فهم ليسوا على يقين أن عبادتهم لما عبد آباؤهم هي عبادة صادقة، ودعوة صالح عليه السلام لهم جعلتهم يترددون في أمر تلك العبادة؛ وهذا يُظهر أن خصال الخير في صالح عليه السلام جعلتهم يترددون في أمر عبادتهم.
    ويقول الحق سبحانه وتعالى ما جاء على لسان صالح عليه السلام لثمود: * قَالَ ياقَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَى بَيِّنَةً مِّن رَّبِّي *
    قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتَانِي مِنْهُ رَحْمَةً فَمَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ عَصَيْتُهُ فَمَا تَزِيدُونَنِي غَيْرَ تَخْسِيرٍ (63)

    وكأن صالحاً قد ارتضاهم حكماً فقال: أخبروني إذا كنت أنا على بينة من ربي ويقين بأنه أرسلني وأيَّدني، وأنا إن خدعت الناس جميعاً فلن أخدع نفسي، فهل أترك ما أكرمني به ربي وأنزل إليَّ منهجاً أدعوكم إليه؟ هل أترك ذلك وأستمع لكلامكم؟ هل أترك يقيني بأنه أرسلني بهذه الرسالة * وَآتَانِي مِنْهُ رَحْمَةً * [هود: 63] وهي النبوة؟
    * فَمَن يَنصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ عَصَيْتُهُ * [هود: 63].
    وساعة يستفهم إنسان عن شيء في مثل هذا الموقف فهو لا يستفهم إلا عن شيء يثق أن الإجابة ستكون بما يرضيه.
    ثم يقول الحق سبحانه وتعالى على لسان صالح عليه السلام:
    * فَمَا تَزِيدُونَنِي غَيْرَ تَخْسِيرٍ * [هود: 63].
    ونحن نعلم أن الخسارة ضد المكسب، ومعنى الخسارة أن يقل رأس المال. فهل التخسير واقع منه عليهم أم واقع منهم عليه.
    إن ثراء الأسلوب القرآني هنا يوضح لنا هذه المعاني كلها، فإن أطاعهم صالح ـ عليه السلام ـ وعصى ربه، فهو قد أزاد في خسارته، أو أنه ينسبهم إلى الخسران أكثر، لأنهم غير مهديين، ويريدون له أن يضل ويتبع ما يعبدون من دون الله تعالى.
    إذن: فالتخسير إما أن يكون واقعاً عليهم من صالح ـ عليه السلام ـ وإما أن يكون واقعاً منهم على صالح.
    ويقول الحق سبحانه بعد ذلك على لسان صالح عليه السلام: * وَياقَوْمِ هَـاذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً *
    وَيَا قَوْمِ هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ قَرِيبٌ (64)

    وكان قوم صالح قد طلبوا آية، فقالوا له: إن كنت نبيّاً فأخرج لنا ناقة من تلك الصخرة، وأشاروا إلى صخرة ما، وهم قوم كانوا نابغين في نحتن بيوتهم في الجبال. ومن يَزُورْ المنطقة الواقعة بين الشام والمدينة، يمكنه أن يشاهد مدائن صالح، وهي منحوتة في الجبال.
    وقد قال فيهم الحق سبحانه:
    * وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتاً فَارِهِينَ *[الشعراء: 149].
    هم ـ إذن ـ قد حددوا الآية، وهي خروج ناقة من صخرة أشاروا إليها، فخرجت الناقة وهي حامل.
    وبعد أن وُجدت الناقة على وفق ما طلبوها لم يطيقوا أن يعلنوا التصديق، وقد قال لهم صالح عليه السلام:
    * وَياقَوْمِ هَـاذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ * [هود: 64].
    وساعة تسمع شيئاً مضافاً إلى الله تعالى، فاعلم أن له عظمة بعظمة المضاف إليه.
    مثلما نقول: " بيت الله " ، وهذا القول إن أُطلق فالمقصود به الكعبة المشرفة، وإن حددنا موقعاً وقلنا عنه: " بيت الله " فنحن نبني عليه مسجداً، وتكون أرضه قد حُكرت لتكون مُصَلّى، ولا يُزاوَل فيها أي عمل آخر.
    هكذا تكون الكعبة هي بيت الله باختيار الله تعالى، وتكون هناك مساجد أخرى هي بيوت لله باختيار خَلْق الله.
    ولذلك فبيت الله ـ باختيار الله ـ هو قبلة لبيوت الله باختيار خلق الله.
    إذن: فإن أضيف شيء لله تعالى، فهو يأخذ عظمة الحق سبحانه وتعالى، وقد قال لهم صالح: * هَـاذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ * [هود: 64] وهي ليست ناقة زيد أو ناقة عمرو.
    ولم يلتفت قوم صالح إلى ما قاله صالح عليه السلام، ولم يلحظوا أن الشيء المنسوب لله تعالى له عظمة من المضاف إليه.
    ومثال ذلك: " ابن أبي لهب، وكان قد تزوج ابنة لرسول الله صلى الله عليه وسلم وحين اشتد عناد أبي لهب للرسول صلى الله عليه وسلم، قال أبو لهب لابنه: طلق بنت محمد، فطلقها، وفعل فعلاً يدل على الازدراء، فدعا عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: " أما إني أسأل الله أن يسلط عليه كلبه ".
    فقال أبو لهب: إني لأتوجس شرّاً من دعوة محمد.
    ثم سافر ابن أبي لهب مع بعض قومه في رحلة، وكانوا إذا ناموا طلب أبو لهب مكاناً في وسط رحال الركب كله خوفاً على ابنه من دعوة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإذا بأسد يقفز من الرحال ويأكل الولد " ، فهنا نسب رسول الله صلى الله عليه وسلم الأمر إلى الله فقال: " أكلك كلب من كلاب الله " فكان كلب الله أسداً.
    وهنا في الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها يوضح لهم صالح عليه السلام: هذه الناقة هي الآية التي طلبتموها وقد جاءت من الصخر.

    وكان يقدر أن يأتي لهم بالجنس الأرقى من الجماد، وهو النبات، ولكن الحق سبحانه استجاب للآية التي طلبوها وهي من جنس الحيوان.
    ونحن نعلم أن الكائنات الأرضية إما أن تكون جماداً، وإما أن يأخذ الجماد صفة النمو فيصير نباتاً، وإما أن يأخذ صفة الحس والحركة فيصير حيواناً، وإما أن يأخذ صفة الحس والحركة والفكر فيصير إنساناً.
    وكان من الممكن أن يأتي لهم صالح عليه السلام بشجرة من الصخر، وهذا أمر فيه إعجاز أيضاً، ولكن الحق سبحانه أرسل الآية كما طلبوها؛ ناقة من جنس الحيوان، وحامل في الوقت نفسه.
    وطالبهم صالح عليه السلام أن يحافظوا عليها؛ لأنها معجزة، عليهم ألا يتعرضوا لها. وقال لهم:
    * فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلاَ تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ قَرِيبٌ * [هود: 64].
    وهكذا وعظهم، وطلب منهم أن يتركوها تأكل في أرض الله، وإن مسّوها بسوء ولم يأخذهم عذاب، فمن آمن به لا بد أن يكفر.
    إذن: فلا بد أن يأتي العذاب القريب إن هم مسّوها.
    وهم قد مسّوها بالفعل، وهو ما تبينه الآية الكريمة التالية: * فَعَقَرُوهَا فَقَالَ تَمَتَّعُواْ فِي دَارِكُمْ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ *
    كلمتان خفيفتان على اللسان .. ثقيلتان في الميزان .. حبيبتان إلى الرحمن

    سبحان الله وبحمده .. سبحان الله العظيم

  7. #17
    Super Moderator
    رقم العضوية : 2
    تاريخ التسجيل : Jun 2016
    المشاركات: 3,273
    التقييم: 10
    الدولة : الأردن
    العمل : طالب علم
    فَعَقَرُوهَا فَقَالَ تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ذَلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ (65)

    وجلسوا في منازلهم ثلاثة أيام ثم جاءهم العذاب.
    ولقائل أن يقول: ولمَ الإمهال بثلاثة أيام؟
    ونقول: إن العذاب إذا جاء فالألم الحسِّي ينقطع من المعذَّب، ويشاء الله تعالى أن يعيشوا في ذلك الألم طوال تلك المُدَّة حتى يتألموا حِسِّيًا، وكل يوم يمرُّ عليهم تزداد آلامهم من قرب الوعيد الذي قال فيه الله تعالى:
    * وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ * [هود: 65].
    الحق سبحانه هو الذي يَعِدُ ، وهو القادر على إنفاذ الوعد، ولا تقوم قوة أمامه؛ لذلك فهو وعد صادق غير مكذوب.
    على عكس الإنسان منا حين يَعِدُ بشيء، فمن الممكن أن يأتي وقت تنفيذ الوعد ولا يستطيع.
    لذلك يقول لنا الحق سبحانه:
    * وَلاَ تَقْولَنَّ لِشَاْىءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذالِكَ غَداً * إِلاَّ أَن يَشَآءَ اللَّهُ *[الكهف: 23ـ24].
    لأنك إن قلت: " أفعل ذلك غداً " ، وتعد إنساناً بلقائه لكذا وكذا؛ فقل: " إن شاء الله "؛ لأن الله تعالى لا يمنع ترتيب أمور لزمن يأتي، وإنما يجب أن يردف من يرتب الأمور " بمشيئة القوي القادر " حتى إذا لم ينجز ما وعد به؛ يكون قد خرج عن الكذب، لأن الله تعالى لم يشأ، لأن الإنسان إذا وعد، فهو لا يعتمد على إرادته، ولكن مشيئة الله تعالى تعلو كل شيء.
    والفعل ـ كما نعلم ـ يقتضي فاعلاً، ومفعولاً، وزمناً، وسبباً دافعاً، وقدرة تمكِّن الإنسان من الفعل، فهل يملك أحدٌ شيئاً من كل هذا؟
    إن الإنسان لا يملك نفسه أن يعيش إلى الغد، ولا يملك من يعده أن يوجد غداً حتى يلقاه، ولا يملك أن يظل السبب سبباً للِّقاء؛ فربما انتهى السبب، ولا يملك حين تجتمع الأسباب كلها أن توجد له قدرة وقوة على إنفاذ السبب.
    إذن: فإذا قال: " أفعل ذلك غداً مع فلان "؛ يكون قد جازم وتكلم في شيء لا يملك عنصراً واحداً من عناصره، فقل: " إن شاء الله " ، أي: أنك تستعين بمشيئة من يملك كل هذه العناصر.
    ويعطي الحق سبحانه في كل لقطة إيمانية من اللقطات، قدرته على خلقه فهو سبحانه القائل:
    * فَعَقَرُوهَا فَقَالَ تَمَتَّعُواْ فِي دَارِكُمْ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ ذالِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ * [هود: 65].
    وقوله: * فِي دَارِكُمْ * لأن من هؤلاء الذين كفروا قوماً في مكان يختلف عن مكان آخر يوجد به أيضاً قوم كافرون، ومنهم المسافر، ومنهم العائد من سفر، فتتبعهم العذاب حيثما كانوا، فلم ينزل على مكان واحد، إنما نزل على المكين منهم في أي مكان.
    ولم يَنْجُ من هذه المسألة إلا واحد اسمه " أبو رغال " ، وكان يحج إلى بيت الله، فلم يتبعه عذابه في بيت الله؛ لأن الله سبحانه طلب منا نحن عباده أن نؤمِّن من دخل بيته، فهو سبحانه وتعالى أوْلى بأن يؤمِّن من دخل البيت الحرام، وظل الحجر الذي سيُضرب به، أو الصيحة التي كان عليها أن تأخذه، ظلت إلى أن خرج من الحرم فوقعت عليه.

    . وعَمَّ العذابُ الكافرين من قوم صالح، وتتبع من في الديار إلا هذا الرجل، وما إن خرج من البيت الحرام حتى وقع عليه العذاب.
    ولذلك كان قاتل الأب أو الإنسان الذي عليه دم نتيجة أنه ارتكب جريمة قتل، إذا ما دخل البيت الحرام فهو يُؤمَّن إلى أن يخرج، وكانوا يُضيِّقون عليه، فلا يطعمه أحد، ولا يسقيه أحد ليضطر إلى الخروج، فيتم القصاص منه بعد خروجه من البيت الحرام، ولتظل حرمة البيت الحرام مُصَانة.
    ونحن نعلم أن الحق سبحانه أراد من تحريم القتال في البيت الحرام، صيانة وتكريماً للكرامة الإنسانية.
    ونحن نعلم أيضاً أن كل حدث من الأحداث يقتضي زماناً، ويقتضي مكاناً.
    وكان العرب دائمي الغارات على بعضهم البعض، فأراد الحق سبحانه أن يوجد مكان يحرم فيه القتال؛ فخصَّ البيت الحرام بذلك، وأراد سبحانه أن يوجد زمان يحرم فيه القتال؛ فكانت الأشهر الحرم؛ لان الحرب قد تكون سجالاً بين الناس وتوقظ فيهم الحمية والأنفة والعزة.
    وكل واحد منهم يحب في ذاته أن ينتهي من الحرب، ولكنه لا يحب أن يجبن أمام الناس، فأراد الحق سبحانه أن يجعل لهم شيئاً يتوارون فيه من الزمان ومن المكان، فحرم القتال في الأشهر الحرم.
    وما إن تأتي الأشهر الحرم حتى يعلن المقاتل من هؤلاء: لولا الأشهر الحرم لكنت قد أنزلت بخصمي الهزيمة الساحقة، وهو يقول ذلك ليداري كبرياءه؛ لأنه في أعماقه يتمنى انتهاء الحرب.
    وكذلك حين يدخل مقاتل إلى البيت الحرام، هنا يقول مَنْ كان يحاربه: لو لم يدخل الحرم؛ لأذقته عذاب الهزيمة.
    وبمضيِّ الزمان وبالمكث في المكان ينعم الناس بالأمن والسلام، وربما عشقوه فانتهوا من الحرب.
    ثم يقول الحق سبحانه: * فَلَمَّا جَآءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا صَالِحاً وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ *
    فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا صَالِحًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ (66)

    فحين شاء الحق أن يُنزل العذاب بثمود، بعد مُضيِّ المدة التي أنذروا بنزول العذاب بعدها، نجَّى الحق صالحاً عليه السلام والذين آمنوا برسالته من الهلاك، فحفظتهم رحمة الله؛ لأنهم آمنوا بما نزل على صالح من منهج، ولم يُعَانِ المؤمنون برسالة صالح ما عانى منه قوم ثمود من الذل والفضيحة.
    هذا الذل وتلك الفضيحة التي حاقت بثمود.
    ويذيل الحق سبحانه الآية الكريمة بقوله:
    * إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ * [هود: 66].
    هذا خطاب لمحمد صلى الله عليه وسلم تسلية وتسرية عنه وتقوية لعزمه، فالحق سبحانه مقتدر يأخذ كل كافر، ولا يغلبه أحد ولا يعجزه شيء، وفي هذا إنذار لمن كفروا برسالة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
    ويقول الحق سبحانه بعد ذلك: * وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُواْ الصَّيْحَةُ *
    وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ (67)

    ويسمي الحق سبحانه هنا العذاب الذي نزل على ثمود " الصيحة " وسمّاه في موضع آخر " الطاغية ":
    * فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُواْ بِالطَّاغِيَةِ *[الحاقة: 5].
    وسمّاه في موضع آخر " صاعقة " فقال سبحانه:
    * فَإِنْ أَعْرَضُواْ فَقُلْ أَنذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِّثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ *[فصلت: 13].
    وفي سورة الأعراف سمّاه " الرجفة " ، وكل من الصاعقة والصيحة والرجفة تؤدي معنى الحدث الذي يَدْهَمُ، ولا يمكن الفكاك منه.
    ولقائل أن يقول: لماذا لم يقل الحق سبحانه هنا: " وأخذت الذين ظلموا الصيحة "؟ لماذا اختفت تاء التأنيث من الفعل، وقال سبحانه:
    * وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُواْ الصَّيْحَةُ * [هود: 67].
    ونقول: إن الذي يتكلم هنا هو رب العباد سبحانه، ولا يصح أن نفهم الصيحة على أنها جاءت لتعبر عن صيحة واحدة، فتاء التأنيث تعبر عن الصيحة لمرة واحدة، أما إذا تكررت وصارت صياحاً كثيراً تأخذهم كل صيحة من الصياح.
    وهنا نلمح أن الصيحة فيها ضعف الأنوثة، أما الصياح ففيه عزيمة وقوة الرجولة، فأراد الحق سبحانه أن يجمع الأمرين، فقال: " أخذ " ولم يقل: " أخذت ".
    ثم قال سبحانه:
    * فَأَصْبَحُواْ فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ * [هود: 67].
    أي: مُلْقون على رُكَبهم وعلى جباههم بلا حركة.
    ويقول الحق سبحانه بعد ذلك: * كَأَن لَّمْ يَغْنَوْاْ فِيهَآ *
    كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا أَلَا إِنَّ ثَمُودَ كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلَا بُعْدًا لِثَمُودَ (68)

    ومادة " غَنِيَ ".. " غِنىً " ، أو " غَنَاءً " كلها متساوية؛ لأن الغَنَاء هو الوجود؛ وجود شيء يُغَنِي عن شيء، فالغِنَى هو وجود مال يغنيك عن غيرك، والغناء هو ما نسمعه من المُغَنِّين، والأغنية التي يعجب الإنسان من كلماتها ولحنها، فهو يقيم معها إقامة تطرد ما سواها مما سمع من الكلام على كثرة ما سمع أو قرأ، والغَناء هو للإقامة.
    والحق سبحانه يقول:
    * حَتَّى إِذَآ أَخَذَتِ الأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَآ أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَآ أَتَاهَآ أَمْرُنَا لَيْلاً أَوْ نَهَاراً فَجَعَلْنَاهَا حَصِيداً كَأَن لَّمْ تَغْنَ بِالأَمْسِ *[يونس: 24].
    أي: كأنها لم توجد من قبل.
    وهنا يقول الحق سبحانه:
    * كَأَن لَّمْ يَغْنَوْاْ فِيهَآ * [هود: 68].
    أي: لم يقيموا فيها، لأنها صارت حصيداً.
    ثم يقول الحق سبحانه في نفس الآية: * أَلاَ إِنَّ ثَمُودَاْ كَفرُواْ رَبَّهُمْ * [هود: 68]، وهذه هي حيثية العذاب الذي نزل بهم.
    وعادة ما تتعدى كلمة " كفر " بالباء، ويقال: كفروا بربهم، ولكن الحق سبحانه يقول هنا:
    * أَلاَ إِنَّ ثَمُودَاْ كَفرُواْ رَبَّهُمْ * [هود: 68].
    والفارق كبير بين المعنيين، فمعنى * كَفرُواْ رَبَّهُمْ * أي: ستروا وجوده، فلا وجود له، ولكن معنى " كفروا بربهم " هو اعتراف بالله الموجود، لكنهم لم يؤمنوا به.
    وقول الحق سبحانه: * كَفرُواْ رَبَّهُمْ * يرد على الملاحدة الذين لا يقرون بوجود الله، لأن ذنب إنكار وجود الله ليس بعده ذنب، ولا يوجد ما هو أكثر منه في الذنوب.
    لذلك يقول الحق سبحانه:
    * أَلاَ بُعْداً لِّثَمُودَ * [هود: 68].
    أي: أنهم: يستحقون ما وقع عليهم من إهلاك وطرد من رحمة الله، ولن يعطف عليهم أحد لضخامة ذنبهم.
    ويأتي الحق سبحانه في الآية التالية بقصة جديدة من قصص الأنبياء، وهي جزء من قصة أبي الأنبياء إبراهيم عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام، يقول سبحانه: * وَلَقَدْ جَآءَتْ رُسُلُنَآ إِبْرَاهِيمَ بِالْبُـشْرَى *
    وَلَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى قَالُوا سَلَامًا قَالَ سَلَامٌ فَمَا لَبِثَ أَنْ جَاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ (69)

    وكلمة " رسل " جمع " رسول " ، والرسول هو المرسَل من جهة إلى جهة، وأي إنسان تبعثه إلى جهة ما؛ اسمه رسول، ولكن المعنى الشرعي للرسول: أن يكون مُرسَلاً من الله.
    ويقول الحق سبحانه:
    * اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلاَئِكَةِ رُسُلاً وَمِنَ النَّاسِ *[الحج: 75].
    واصطفاء الملائكة كرسل لتيسير التلقِّي عن الخالق سبحانه؛ لأن القوة التي تتلقى عن الخالق سبحانه وتعالى لا بد أن تكون قوة عالية، والإنسان منا لا يقدر على أن يتلقى مباشرة عن الحق سبحانه.
    لذلك يأتي لنا الله جَلَّ عُلاَه بالرسل، فيصطفي من الملائكة المخصوصين القادرين على التلقي لينزلوا على المصطفى من البشر القادر على حمل الرسالة.
    وهكذا نعلم أن الملائكة ليست كلها قادرة على التلقي من الله تعالى، ولا كل البشر بقادرين على التلقي عن الله أو عن الملائكة.
    وهذه الحلقات في الإبلاغ أرادها الحق سبحانه، لتؤهل للضعيف أن يأخذ من الأقوى؛ والبشر يلجأون إلى ذلك في حياتهم.
    وسبق أن ضربت المثل، بأننا أثناء الليل نطفىء نور المنزل، لكننا نترك ضوءاً خافتاً يوضح لنا ملامح البيت، فإن قمنا ليلاً من النوم؛ لا نصطدم بمتاع البيت، فيتحطم ما نصطدم به إن كان أضعف منا، أو نُصَاب نحن إن اصطدمنا بما هو أقوى منا.
    والنور الضعيف يتيح لنا أن نرى مكان مفتاح الضوء القوي.
    وكذلك يفعل الله سبحانه وتعالى، فيأتي بمصطفى من الملائكة، يتلقى عن الحق سبحانه ويبلغ المَلَكُ من هؤلاء الرسولَ المصطفى من البشر.
    والحق سبحانه هو القائل:
    * وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلاَّ وَحْياً أَوْ مِن وَرَآءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَآءُ *[الشورى: 51].
    وهنا يقول الحق سبحانه:
    * وَلَقَدْ جَآءَتْ رُسُلُنَآ إِبْرَاهِيمَ بِالْبُـشْرَى * [هود: 69].
    والبشرى هي الإخبار بشيء يسرُّ قبل أوان وقوعه، وهي عكس الإنذار الذي يعني الإخبار بشيء محزن قبل أوانه.
    وقبل أن يوضح الرسل لإبراهيم ـ عليه السلام ـ البشارة التي جاءوا من أجلها، يعلمنا الحق سبحانه المقدمات اللازمة للدخول إلى الأماكن، فمن أدب الدخول إلى أي مكان أن نسلِّم على أهل هذا المكان، والحق سبحانه القائل:
    * ياأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَدْخُلُواْ بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُواْ وَتُسَلِّمُواْ عَلَى أَهْلِهَا *[النور: 27].
    ولذلك يأتي الحق سبحانه هنا بما قالته الملائكة من قبل إبلاغ البشرى:
    * قَالُواْ سَلاَماً * [هود: 69].
    وجاء سبحانه بردِّ إبراهيم عليه السلام:
    * قَالَ سَلاَمٌ * [هود: 69].
    ونحن نلحظ أن السلام جاء على ألسنتهم بالنصب، والرد بالسلام جاء بالرفع، وقولهم: * سَلاَماً * دل على فعل يوضح التجدد، والرد جاء بكلمة * سَلاَمٌ * بالرفع؛ ليدل على الثبات والإصرار.
    والحق سبحانه هو القائل:
    * وَإِذَا حُيِّيتُم بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّواْ بِأَحْسَنَ مِنْهَآ أَوْ رُدُّوهَآ * [النساء: 86].
    هكذا استقبل إبراهيم عليه السلام رسل الحق سبحانه.
    ثم يقول الحق سبحانه:
    * فَمَا لَبِثَ أَن جَآءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ * [هود: 69].
    والعجل هو ولد البقر.
    وهناك آيات كثيرة في القرآن تعرضت لقصة إبراهيم عليه السلام في أكثر من موضع من مواضع القرآن، لا بقصد التكرار، ولكن لأن كل لقطة في أي موضع هي لقطة مقصودة لها دلائلها وأسرارها، فإذا جُمِعَتْ اللقطات فسوف تكتمل لك قصة إبراهيم عليه السلام في شمول متكامل.
    وعلى سبيل المثال: يقول الحق سبحانه:
    * وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ *[الأنعام: 75].
    وفي موضع آخر يتعرض الحق سبحانه للتربية اليقينية التي أرادها لإبراهيم، فيقول سبحانه:
    * فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ الَّيْلُ رَأَى كَوْكَباً قَالَ هَـاذَا رَبِّي فَلَمَّآ أَفَلَ قَالَ لا أُحِبُّ الآفِلِينَ * فَلَمَّآ رَأَى الْقَمَرَ بَازِغاً قَالَ هَـاذَا رَبِّي فَلَمَّآ أَفَلَ قَالَ لَئِن لَّمْ يَهْدِنِي رَبِّي لأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ * فَلَماَّ رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَـاذَا رَبِّي هَـاذَآ أَكْبَرُ فَلَمَّآ أَفَلَتْ قَالَ ياقَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ * إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ حَنِيفاً وَمَآ أَنَاْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ *[الأنعام: 76ـ79].
    إن هذه الآيات تبين وظيفة الحواس إدراكاً، ووظيفة الوجدان انفعالاً، ووظيفة الاختيار توحيداً وإذعاناً بيقين.
    ثم يقول الحق سبحانه في موضع آخر على لسان إبراهيم عليه السلام فخاطب عمه باحترام لمكانته التي تساوي منزلة الأب.
    يقول الحق سبحانه:
    * وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقاً نَّبِيّاً * إِذْ قَالَ لأَبِيهِ ياأَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لاَ يَسْمَعُ وَلاَ يُبْصِرُ وَلاَ يُغْنِي عَنكَ شَيْئاً * ياأَبَتِ إِنِّي قَدْ جَآءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطاً سَوِيّاً * ياأَبَتِ لاَ تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَـانِ عَصِيّاً * ياأَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَن يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِّنَ الرَّحْمَـانِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيّاً *[مريم: 41ـ45].
    فهذه الآية تبين رفق الداعي مع جمال العرض.
    فأصرَّ العَمُّ على الشرك، فقال إبراهيم عليه السلام:
    * سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي *[مريم: 47].
    وبعد ذلك يتبرأ منه لإصراره على الكفر.
    ثم هناك لقطة من يُحاجِج إبراهيم في ربه:
    * أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَآجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِـي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِـي وَأُمِيتُ *[البقرة: 258].
    وكانت تلك سفسطة في القول ناتجة عن عجز في التعبير، فليس إصدار حكم بالقتل على إنسان، ثم العفو عنه، هو إحياء وإماتة، فأخذه إبراهيم عليه السلام إلى منطقة لا يجرؤ عليها أحد، وقال:
    * فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ *[البقرة: 258].
    وهذه الآية تبين منطق الحق أمام زيف الباطل، ثم يأتي في موضع آخر من القرآن ليبين المقارنة بين فكرة الكفر، وفكرة الإيمان، فيقول سبحانه:
    * وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْرَاهِيمَ * إِذْ قَالَ لأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا تَعْبُدُونَ * قَالُواْ نَعْبُدُ أَصْنَاماً فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ * قَالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ * أَوْ يَنفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ * قَالُواْ بَلْ وَجَدْنَآ آبَآءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ *

    [الشعراء: 69ـ74].
    وفي هذه الآية أمثلة تحمل جواب الإسكات.
    ثم يقول الحق سبحانه، على لسان إبراهيم عليه السلام:
    * الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ * وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ * وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ * وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ * وَالَّذِي أَطْمَعُ أَن يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ *[الشعراء: 78ـ82].
    يقول رب العزة سبحانه في سورة الأنبياء:
    * وَلَقَدْ آتَيْنَآ إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِن قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ * إِذْ قَالَ لأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هَـاذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ * قَالُواْ وَجَدْنَآ آبَآءَنَا لَهَا عَابِدِينَ * قَالَ لَقَدْ كُنتُمْ أَنتُمْ وَآبَآؤُكُمْ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ * قَالُواْ أَجِئْتَنَا بِالْحَقِّ أَمْ أَنتَ مِنَ اللاَّعِبِينَ * قَالَ بَل رَّبُّكُمْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ الَّذِي فطَرَهُنَّ وَأَنَاْ عَلَى ذالِكُمْ مِّنَ الشَّاهِدِينَ *[الأنبياء: 51ـ56].
    هذه هي التربية اليقينية التي أرادها الحق سبحانه لإبراهيم عليه السلام ليعلمنا كيف يكون الإيمان؟
    وكان قوم إبراهيم يعبدون آلهة غير الله، لكن إبراهيم عليه السلام توصَّل إلى عبادة مَنْ خَلَقه وخَلَق الكون، وهو الصانع الذي يضع قانون صيانة ما يصنع سبحانه وتعالى:
    ولذلك نلاحظ قوله:
    * الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ *[الشعراء: 78].
    فلم يقل: " الذي خلقني يهديني " لأن هذه دعوى؛ ستُدَّعى، وسيضع الناس قوانين لأنفسهم، فبيَّن الحق سبحانه أن الذي خَلَق هو الذي يَهْدِي.
    وجاء الحق سبحانه بكلمة " هو " لحصر الأمر حتى لا يشارك الخلق خالقهم فيه، لكن الأمر الذي لم يُدَّعَ، لم يأت فيه بكلمة " هو " كقوله:
    * وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ *[الشعراء: 81].
    فما لا شركة فيه عند الخَلْق يأتي به القرآن من غير تأكيد الضمير، ولكن في الأمر الآخر يأتي بتأكيد الضمير كقوله:
    * وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ *[الشعراء: 80].
    فقد قال: " إن الطبيب هو الذي يشفيني " ، ولكن ذلك غير حقيقي؛ لأن الله سبحانه هو الذي يضع العلم، وهو الذي خلق الداء وخلق الدواء.
    ثم بعد ذلك يقول الحق سبحانه في قصة إبراهيم عليه السلام:
    * وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ *[البقرة: 127].
    إذن: فكل مناسبة تأتي لتأكيد معنى من معاني الإيمان تأتي معها لقطة من لقطات قصة إبراهيم عليه السلام، وإذا جُمِعت اللقطات كلها تجد قصة إبراهيم كاملة.
    وإذا كان الله سبحانه وتعالى يريد أن يقص على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم القصص، فذلك لتثبيت فؤاده صلى الله عليه وسلم:
    * وَكُـلاًّ نَّقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ *[هود: 120].
    لأن النبي صلى الله عليه وسلم يتعرض لكثير من الأحداث فيذكِّره الله سبحانه بما حدث للرسل عليهم السلام ويأتي باللقطات الإيمانية ليثبت فؤاد الرسول صلى الله عليه وسلم.
    كلمتان خفيفتان على اللسان .. ثقيلتان في الميزان .. حبيبتان إلى الرحمن

    سبحان الله وبحمده .. سبحان الله العظيم

  8. #18
    Super Moderator
    رقم العضوية : 2
    تاريخ التسجيل : Jun 2016
    المشاركات: 3,273
    التقييم: 10
    الدولة : الأردن
    العمل : طالب علم
    وهنا يقول الحق سبحانه:
    * قَالُواْ سَلاَماً قَالَ سَلاَمٌ فَمَا لَبِثَ أَن جَآءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ * [هود: 69].
    وفي موضع آخر يقول الحق سبحانه:
    * إِذْ دَخَلُواْ عَلَيْهِ فَقَالُواْ سَلاماً قَالَ إِنَّا مِنْكُمْ وَجِلُونَ *[الحجر: 52].
    وفي آية أخرى يقول الحق سبحانه هذا الموقف:
    * فَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُواْ لاَ تَخَفْ وَبَشَّرُوهُ بِغُلاَمٍ عَلَيمٍ *[الذاريات: 28].
    أي: أحس في نفسه الخوف، وهذا من أمر المواجيد؛ لأن كل فعل من الأفعال له مقدمات تبدأ بالإدراك، ثم النزوع، ثم الفعل؛ فحين رآهم إبراهيم عليه السلام أوجس في نفسه خيفة، ثم نزع إلى فعل هو السلام.
    والشرع لا يتدخل في الإدراك أو المواجيد، ولكنه يتدخل في النزوع، إلا في أمر واحد من مدركات الإنسان، وهو إدراك الجمال في المرأة.
    لذلك أمر الشرع بغض البصر؛ حتى لا يدرك الإنسان ذلك فينزع إلى سلوك ليس له حق فيه، ولأن إدراك حُسْن المرأة قد يدفع الغرائز إلى السلوك الفوري؛ لأن الغرائز لا تفصل النزوع عن الوجدان والإدراك.
    وهنا بيَّن الحق مواجيد إبراهيم عليه السلام حين قال:
    * وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُواْ لاَ تَخَفْ *[هود: 70].
    وجاء بالمعنى النزوعي حين قال:
    * قَالُواْ سَلاَماً قَالَ سَلاَمٌ * [هود: 69].
    وهو حين التأكيد والتثبيت.
    وقال الحق سبحانه:
    * فَمَا لَبِثَ أَن جَآءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ * [هود: 69].
    وهو: العجل السمين المشوي على الحجارة؛ لأن الشواء ـ كما نعلم ـ قد يكون على اللهب أو على الفحم، أو على الحجارة.
    ومثل ذلك يحدث في البلاد العربية حين يأتون بحجر رقيق جدّاً، ويحمُّونه على النار، ثم يشوون عليه اللحم، وهذا ما يضمن عدم حدوث تفاعلات بين اللحم والحجر؛ لأن هناك تفاعلات تحدث من الحديد أو من الفحم؛ ولذلك فهذه أنظف طريقة للشواء.
    أو أن كلمة: * بِعِجْلٍ حَنِيذٍ * [هود: 69].
    أي: ينزل منه الدهن بعد الشواء.
    وقول الحق سبحانه:
    * فَمَا لَبِثَ أَن جَآءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ * [هود: 69].
    لأن طبيعة سيدنا إبراهيم عليه السلام هي محبة الضيوف وإكرامهم.
    ومن عادة الكرام أن يُعجِّلوا بإكرام الضيف، وتقديم الطعام له، والكريم هو من يفعل ذلك؛ لأنه لا يعلم ما قد مر على الضيف دون طعام، فإن كان الضيف جائعاً؛ أكل، وإن كان شبعان فهو يعلن ذلك.
    ويقول الحق سبحانه ما حدث بعد أن جاء لهم إبراهيم عليه السلام بالعجل المشوي: * فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لاَ تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ *
    فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لَا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُوا لَا تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمِ لُوطٍ (70)

    وحين رأى إبراهيم أن أيديهم لا تصل إلى الطعام توجس من ذلك شرّاً ونكرهم، أي: استنكر أنهم لم يأكلوا من طعام قدَّمه لهم، فهل علم إبراهيم أنهم ملائكة؟
    لقد علم إبراهيم عليه السلام أنهم ملائكة من كلامهم.
    وقد بيَّن ذلك قول الحق سبحانه في موضع آخر من القرآن:
    * إِذْ دَخَلُواْ عَلَيْهِ فَقَالُواْ سَلاماً قَالَ إِنَّا مِنْكُمْ وَجِلُونَ * قَالُواْ لاَ تَوْجَلْ إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ عَلِيمٍ * قَالَ أَبَشَّرْتُمُونِي عَلَى أَن مَّسَّنِيَ الْكِبَرُ فَبِمَ تُبَشِّرُونَ * قَالُواْ بَشَّرْنَاكَ بِالْحَقِّ فَلاَ تَكُن مِّنَ الْقَانِطِينَ * قَالَ وَمَن يَقْنَطُ مِن رَّحْمَةِ رَبِّهِ إِلاَّ الضَّآلُّونَ * قَالَ فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ * قَالُواْ إِنَّآ أُرْسِلْنَآ إِلَى قَوْمٍ مُّجْرِمِينَ *[الحجر: 52ـ58].
    إذن: فهم لم يقولوا له مثلما قالوا للوط عليه السلام:
    * إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ *[هود: 81].
    وهنا حين قالوا لإبراهيم عليه السلام:
    * لاَ تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمِ لُوطٍ * [هود: 70].
    أي: أنهم فهموا أن إبراهيم عليه السلام يعلم أنهم ملائكة؛ لأن المَلك قد يتشكل في هيئة إنسان، مثلما تشكَّل جبريل عليه السلام أمام سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم.
    وكذلك الجن لهم قدرة على التشكل، إلا أن هناك فارقاً بين تشكل الملك وتشكل الجن، فالجن إن تشكل تحكمه الصورة، فإن تشكل في صورة رجل فيمكنك أن تمسك به وتؤذيه.
    ألم يَقُلْ رسول الله صلى الله عليه وسلم:
    " إن عفريتاً من الجن تفلَّت البارحة ليقطع عليَّ صلاتي، فأمكنني الله منه، فأخذته، فأردت أن أربطه على سارية من سواري المسجد، حتى تنظروا إليه كلكم، فذكرت دعوة أخي سليمان:
    * قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكاً لاَّ يَنبَغِي لأَحَدٍ مِّن بَعْدِي إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ * [ص: 35].
    فرددته خاسئاً ".
    إذن: إذا تشكل الجن حكمته الصورة، ويمكن أن نضربه مثلاً، أما الملاك إذا تشكل فالصورة لا تحكمه.
    وحُكْم الصورة عند تشكل الجني هي التي تحمينا من مخاوفنا، وهو أيضاً يخاف منا مثلما نخاف منه، ولذلك لا يظهر الجني متشكلاً في صورة إلا لحظة قصيرة ليختفي على الفور؛ لأنه يخاف أن تكون قد علمتم أن الصورة التي تشكل عليها تحكمه وتستطيع أن تفتك به؛ لذلك فالجن يخافون من البشر.
    وشاء الحق سبحانه ذلك الأمر حتى لا يفزع الجنُّ الناسَ.
    وهنا يقول الحق سبحانه:
    * فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لاَ تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ * [هود: 70].
    وكلمة * نَكِرَهُمْ * تقتضي أن ننظر في مادة " النون والكاف والراء " وكلمة " نكر " وكلمة " أنكر " كلتاهما مستعملة في القرآن.
    والشاعر يقول:وَأنْكَرتَنِي ومَا كَانَ الَّذِي نَكِرَتْ مِنَ الحَوادِث إلاّ الشَّيبَ والصَّلَعاوالاستعمال اللغوي يدل على أن المقابح من ألوان السلوك تسمى منكرات، أي: ينكرها الإنسان بفطرته.

    وهنا حين رأى إبراهيم عليه السلام أن أيديهم لا تصل إلى العجل الحنيذ نكرهم، وأوجس في نفسه خيفة، فلاحَظوا ذلك، وقالوا:
    * لاَ تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمِ لُوطٍ * [هود: 70].
    وهكذا عرف لمن جاءوا، واطمأن أن قومه لم يأتوا بفعل يستحقون عليه العذاب، وخصوصاً أن كتب التاريخ تقول: إن إمرأة إبراهيم عليه السلام قالت له: ألا تضم ابن أخيك إلى كنفك هنا؛ لأن قومه يوشك أن يعمهم الله بالعذاب.
    وحين سمعت أن الرسل إنما جاءت إلى قوم لوط سُرَّتْ من فراستها، وتبسَّمت لأنها تنبهت إلى هذه المسألة.
    وفي آية أخرى يقول الحق سبحانه:
    * قَالُواْ إِنَّآ أُرْسِلْنَآ إِلَى قَوْمٍ مُّجْرِمِينَ * لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِّن طِينٍ * مُّسَوَّمَةً عِندَ رَبِّكَ لِلْمُسْرِفِينَ *[الذاريات: 32ـ34].
    ويقول الحق سبحانه بعد ذلك: * وَامْرَأَتُهُ قَآئِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ *
    وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ (71)

    فعندما كانت أمرأته قائمة على خدمة الضيوف، وسمعت كلام الملائكة اطمأنت على أنه لا عذاب على قومهم، وتحققت فراستها فضحكت فأزادها الله سروراً، وبشَّرتها الملائكة بإسحق، ومن وراء إسحق يعقوب.
    فبعد دفع العذاب، وبيان أمر العذاب لقوم آخرين مجرمين، تأتي البشارة بتحقيق ما كان إبراهيم عليه السلام وزوجه يصبوان إليه، وإن كان أوانها قد فات؛ لأن زوجة إبراهيم كانت قد بلغت التسعين من عمرها، وبلغ هو المائة والعشرين عاماً. وفي هذا امتنان على إبراهيم بمجيء ابن الابن أيضاً، وكذلك يمتن الله سبحانه على عباده حين يقول:
    * وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِّنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجاً وَجَعَلَ لَكُمْ مِّنْ أَزْوَاجِكُم بَنِينَ وَحَفَدَةً *[النحل: 72].
    ولذلك قال الحق سبحانه:
    * فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِن وَرَآءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ * [هود: 71].
    فالإنسان يحب أن يكون له ابن، ويحب أكثر أن يرى ابن ابنه، لأن هذا يمثل امتداداً له.
    وهكذا توالت البشارات، فقد أعلنت الملائكة أنها جاءت لتعذب قوم لوط، هؤلاء الذين اختلف معهم إبراهيم عليه السلام؛ لما جاءوا به من الفواحش،وكذلك لأن إبراهيم عليه السلام وامرأته قد علما أنهما لم يأتيا بأي أمر يغضب الله تعالى.
    والثالثة من البشارات هي الغلام، وكان ذلك حُلْماً قديماً عند امرأة إبراهيم عليه السلام لأنها عاقر، واستقبلت امرأة إبراهيم البشارة الأولى بالضحك، واستقبلت البشارة بالابن بالدهشة.
    وهذا ما يقول فيه الحق سبحانه: * قَالَتْ يَاوَيْلَتَى أَأَلِدُ وَأَنَاْ عَجُوزٌ *
    قَالَتْ يَا وَيْلَتَى أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ (72)

    والشيء العجيب هو الذي يخالف نواميس الكون المعتادة، ولكن هناك فرقاً بين النواميس وخالق النواميس، الذي هو قادر على أن يخرق النواميس.
    وها هو سيدنا إبراهيم يقول في موضع آخر:
    * أَبَشَّرْتُمُونِي عَلَى أَن مَّسَّنِيَ الْكِبَرُ *[الحجر: 54].
    ولم يأت هنا بقول امرأة إبراهيم التي قالت:
    * يَاوَيْلَتَى أَأَلِدُ وَأَنَاْ عَجُوزٌ وَهَـاذَا بَعْلِي شَيْخاً * [هود: 72].
    وتسمية الزوج بعلاً فيها دقة شديدة؛ لأن البعل هو الذي يقوم بأمر المبعول ولا يحوجه لأحد.
    كذلك الزوج يقوم بأمر زوجته فيما لا يستطيع أبوها ولا أخوها أن يقوما به، وهو الإحساس بالأنوثة والإخصاب، وهو أهم ما تطلبه المرأة.
    وأيضاً سُمِّي النخل بالبعل، لأنه لا يطلب من زارعة أن يسقيه، وإنما يكتفي النخل بما يمتصه من الأرض، وما ينزل له من مطر السماء.
    وكذلك سُمِّي نوع من الفول " بالفول البعلي " ، وهو الذي لا يحتاج إلى إرواء.
    إذن: فالبعل هو الزوج الذي يقوم على أمر زوجته فلا يُحوجها إلى غيره في أي شيء من الأشياء.
    وهنا تتعجب زوجة إبراهيم عليه السلام من أمر الإنجاب؛ لأن هذا شيء عجيب يقع على غير انتظار؛ ولذلك يرد الملائكة عليها.
    ويقول الحق سبحانه عن ذلك: * قَالُواْ أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ *
    قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ (73)

    والعجب ـ إذن ـ إنما يكون من قانون بشري، وإنما القادر الأعلى سبحانه له طلاقة القدرة في أن يخرق الناموس.. ومن خرق النواميس جاءت المعجزات لتثبت صدق البلاغ عن الله تعالى، فالمعجزات أمر خارق للعادة الكونية.
    والقصة التي حدثت لإبراهيم عليه السلام وامرأته تكررت في قصة زكريا عليه السلام، والحق سبحانه هو الذي أعطى مريم عليها السلام بشارة التذكير لزكريا عليه السلام حين سألها:
    * أَنَّى لَكِ هَـاذَا *[آل عمران: 37].
    فقالت مريم:
    * هُوَ مِنْ عِندِ اللَّهِ إِنَّ اللًّهَ يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ *[آل عمران: 37].
    إذن: فالحساب يكون بين الخلق وبعضهم، لا بين الخالق ـ سبحانه ـ وخَلْقه.
    ولذلك ياتي قول الحق عز وجل:
    * هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ *[آل عمران: 38].
    وما دام زكريا عليه السلام قد تذكَّر بقول مريم:
    * إِنَّ اللًّهَ يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ *[آل عمران: 37].
    فمن حقه أن يدعو:
    * قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِن لَّدُنْكَ ذُرِّيَّةً *[آل عمران: 38].
    فأوحى له الله سبحانه وتعالى:
    * يازَكَرِيَّآ إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلاَمٍ اسْمُهُ يَحْيَى لَمْ نَجْعَل لَّهُ مِن قَبْلُ سَمِيّاً *[مريم: 7].
    أي: أن الحق سبحانه لم يرزقه الابن فقط، بل وسماه له أيضاً باسمٍ لم يسبقه إليه أحد.
    وتسمية الله تعالى غير تسمية البشر، فإن كان بعض البشر قد سموا من بعد ذلك بعض أبنائهم باسم " يحيى " فقد فعلوا ذلك من باب الفأل الحسن في أن يعيش الابن.
    لكن الحق سبحانه حين يسمي اسماً، فقد سماه " يحيى " ليحيا بالفعل، ويبلغ سن الرشد، ثم لا يأتي الموت؛ لذلك قُتِل يحيى وصار شهيداً، والشهيد حيٌّ عند ربه لا يأتي إليه موتٌ أبداً.
    وهذا عكس تسمية البشر؛ لأن الإنسان قد يسمي ابنه " سعيد " ويعيش الابن حياته في منتهى الشقاء.
    والشاعر يقول عن الإنسان الذي سمى ابنه " يحيى ":وَسَمَّيْتُهُ يَحْيَى لِيَحْيَا فَلَمْ يَكُنْ لِرَدِّ قَضَاءِ الله فيهِ سَبِيلُوحين نرجع إلى أن مريم عليها السلام هي التي نبهت إلى قضية الرزق من الله، نجد أن زكريا عليه السلام قد دعا، وذكر أنه كبير السن وأن زوجه عاقر.
    ولا بد أن زكريا عليه السلام يعرف أن الحق سبحانه وتعالى يعلم كل شيء أزلاً، ولذلك شاء الله سبحانه أن يطمئن زكريا عليه السلام بأنه سيرزقه الولد ويسميه، ويأتي قول الحق سبحانه وتعالى:
    * كَذالِكَ قَالَ رَبُّكَ *[مريم: 9].
    وما دام الحق سبحانه وتعالى هو الذي قرَّر، فلا رادَّ لما أراده، ولذلك يقول سبحانه:
    * هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئاً *[مريم: 9].
    وهكذا توالت الأحداث بعد أن نبهت مريم زكريا عليه السلام إلى قضية خَرْق النواميس التي تعرضت هي لها بعد ذلك، حينما تمثَّل لها المَلك بشراً، وبشَّرها بغلام اسمه المسيح عيسى ابن مريم ـ عليه السلام.

    وتساءلت مريم عن كيفية حدوث ذلك ـ وهي التي لم يمسسها بشر ـ فيذكِّرها الملك بأنها هي التي أجرى الله سبحانه وتعالى على لسانها قوله الحق في أثناء كلامها مع زكريا عليه السلام:
    * إِنَّ اللًّهَ يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ *[آل عمران: 37].
    وكان لا بد من طمأنتها؛ لأن إنجابها للمسيح عيسى ـ عليه السلام ـ دون أب هي مسألة عرض، ويجب أن تُقبل عليها وهي آمنة، غير مرتابٍ فيها ولا متهمة.
    والآية التي نحن بصددها هنا تتعرض لامرأة إبراهيم عليه السلام حين جاءتها البشارة بالطفل، وكيف أوضحت لها الملائكة أنه لا عجب مما قدَّره الله تعالى وأراده، خلافاً للناموس الغالب في خلقه؛ لأن رحمة الله تبارك وتعالى بكل خير فيها قد وسعت أهل بيت النبوة، ومن تلك الرحمة والبركات هبة الأبناء في غير الأوان المعتاد.
    ولهذا قال الحق سبحانه هنا:
    * رَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ * [هود: 73].
    وينهي الحق سبحانه الآية بقوله تعالى:
    * إِنَّهُ حَمِيدٌ مَّجِيدٌ * [هود: 73].
    أي: أنه سبحانه يستحق الحمد لذاته، وكل ما يصدر عنه يستوجب الحمد له من عباده، فلا حد لخيره وإحسانه، والله تعالى مُطْلَقُ صفات المجد.
    وكلمة " حميد " ـ في اللغة ـ من " فَعِيل " وتَرِدُ على معنيين: إما أن تكون بمعنى فاعل مثل قولنا: " الله رحيم " بمعنى أنه راحم خلقه. وإما أن تكون بمعنى مفعول؛ كقولنا: " قتيل " بمعنى " مقتول ".
    وكلمة " حميد " هنا تأتي بالمعنيين معاً: " حامدٌ " و " محمودٌ " ، مثل قول الحق سبحانه عن نفسه أنه " الشكور "؛ لأنه سبحانه يشكر من يشكره على نعمه بطاعته. والله سبحانه " حميدٌ "؛ لأنه حامدٌ لمن يطيعه طاعة نابعة من الإيمان، والله سبحانه " محمودٌ " ممن أنعم عليهم نعمه السابغة.
    والله سبحانه هو المجيد الذي يعطي قبل أن يُسأل.
    ولذلك نجد عارفاً بالله تعالى قد جاءه سائل، فأخرج كيساً ووضعه في يده، ثم رجع إلى أهله يبكي، فقالت له امرأته: وما يبكيك وقد أديت له حق سؤاله؟ قال: أنا أبكي لأني تركته ليسأل، وكان المفروض ألا أجعله يقف موقف السائل.
    والحق سبحانه وتعالى أعطانا، حتى قبل أن نعرف كيف نسأل، ومثال ذلك: هو عطاء الحق سبحانه وتعالى للجنين في بطن أمه، والجنين لم يتعلم الكلام والسؤال.
    والحق سبحانه وتعالى في كل لقطة من لقطات القرآن يعطي فكرة اجتماعية مأخوذة من الدين، فها هو ذا سيدنا إبراهيم عليه السلام يقدم العجل الحنيذ للضيوف، ليعلمنا أنه إذا جاء لك ضيف، وعرضت عليه الطعام، ولم يأكل، فلا ترفع الطعام من أمامه، بل عليك أن تسأله أن يأكل، فإن رد بعزيمة، وقال: لقد أكلت قبل أن أحضر إليك، فَلَكَ أن ترفع الطعام من أمامه بعد أن أكدت عليه في تناول الطعام.

    ويروي بعض العارفين أن سيدنا إبراهيم عليه السلام حينما قال: ألا تأكلون؟ قالت الملائكة: لا نأكل إلا إذا دفعنا ثمن الطعام. فقال إبراهيم، بما آتاه الله من حكمة النبوة ووحي الإلهام: ثمنه أن تُسمُّوا الله أوله، وتحمدوه آخره.
    وأنت إذا أقبلت على طعام وقلت في أوله: " بسم الله الرحمن الرحيم " وإذا انتهيت منه وقلت: " الحمد لله "؛ تكون قد أديت حق الطعام مصداقاً لقول الحق سبحانه:
    * ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ *[التكاثر: 8].
    وهكذا بيَّن لنا الحق سبحانه أن إبراهيم عليه السلام وزوجه قد أطمأنا على أن الملائكة قد جاءت لهما بالبشرى، وأنها لا تريد بإبراهيم أو بقومه سوءاً، بل هي مكلفة بتعذيب قوم لوط.
    وهنا يقول الحق سبحانه: * فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الرَّوْعُ *
    فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الرَّوْعُ وَجَاءَتْهُ الْبُشْرَى يُجَادِلُنَا فِي قَوْمِ لُوطٍ (74)

    والجدل هو أن تأخذ حُجَّة من مقابل؛ وتعطيه حُجَّة؛ لتصل إلى حق. والجدل يختلف عن المراء فالمراء يعني أنك تعرف الحقيقة وتجادل بالباطل لأنك لا تريد أن تصل إلى الحق.
    وقد نهانا الحق سبحانه عن المراء، وأمرنا بأن نجادل بشرط أن يكون الجدال بالتي هي أحسن.
    وهنا يبيِّن لنا الحق سبحانه أن إبراهيم بعد أن ذهب عنه الروع وجاءته البشرى بأن الله تعالى سيرزقه بغلام، وعلم إبراهيم من الملائكة أنهم ذاهبون لتعذيب قوم لوط:
    * قَالُواْ إِنَّآ أُرْسِلْنَآ إِلَى قَوْمٍ مُّجْرِمِينَ * لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِّن طِينٍ * مُّسَوَّمَةً عِندَ رَبِّكَ *[الذاريات: 32ـ 34].
    ومجادلة سيدنا إبراهيم في عقاب قوم لوط، لم تكن ردّاً لأمر الله، ولكن طلباً للإمهال لعلهم يؤمنون؛ ذلك أن قلب إبراهيم عليه السلام؛ قلب رحيم.
    ولذلك يأتي الحق سبحانه بالعلة في المجادلة في قوله تعالى: * إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُّنِيبٌ *
    كلمتان خفيفتان على اللسان .. ثقيلتان في الميزان .. حبيبتان إلى الرحمن

    سبحان الله وبحمده .. سبحان الله العظيم

  9. #19
    Super Moderator
    رقم العضوية : 2
    تاريخ التسجيل : Jun 2016
    المشاركات: 3,273
    التقييم: 10
    الدولة : الأردن
    العمل : طالب علم
    إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ (75)

    إذن: فالعلة في الجدال أنه حليم لا يُعجِّل بالعقوبة، وأوَّاه؛ أي: يتأوه من القلب، والتأوه رقة في القلب، وإن كان التأوه من الأعلى فهذا يعني الخوف من ألا يكون قد أدى حق الله تعالى، وإن كان التأوه للأقل فهو رحمة ورأفة.
    ولذلك فقد طلب إبراهيم عليه السلام من الله تعالى تأجيل العذاب لقوم لوط لعلهم يؤمنون، وتأوُّههُ هنا لله تعالى، وعلى هؤلاء الجهلة بما ينتظرهم من عذاب أليم.
    وقال الحق سبحانه في صفات إبراهيم أنه " منيب " أي: يرجع إلى الحكم وإلى الحق في قضاياه.
    ألم يَقُلْ الحق سبحانه في موضع آخر من كتابه العزيز:
    * وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لأَبِيهِ إِلاَّ عَن مَّوْعِدَةٍ وَعَدَهَآ إِيَّاهُ *[التوبة: 114].
    وبعد أن بحث إبراهيم عليه السلام عن الحق، وأناب إليه، يبين لنا الله سبحانه وتعالى مظهرية الإنابة في قوله تعالى:
    * فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ للَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ *[التوبة: 114].
    وهنا في الآية التي نحن بصدد خوطرنا عنها والتي أوضحت تأوه إبراهيم لله عز وجل وتأوهه رحمة بهؤلاء الذين لم يؤمنوا، وهم قوم لوط، وأيضاً كانت حجة إبراهيم ـ عليه السلام ـ في الجدال ما قاله الحق سبحانه في سورة العنكبوت:
    * وَلَمَّا جَآءَتْ رُسُلُنَآ إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى قَالُواْ إِنَّا مُهْلِكُواْ أَهْلِ هَـاذِهِ الْقَرْيَةِ إِنَّ أَهْلَهَا كَانُواْ ظَالِمِينَ * قَالَ إِنَّ فِيهَا لُوطاً *[العنكبوت: 31ـ32].
    وكان سؤال إبراهيم للملائكة: كيف تُهلكون أهل هذه القرية وفيهم من هو يؤمن بالله وعلى رأسهم نبي من الله هو لوط عليه السلام، وردت عليه الملائكة:
    * نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَن فِيهَا لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ إِلاَّ امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ *[العنكبوت: 32].
    وكأن إبراهيم خليل الرحمن يعلم أن وجود مؤمنين مع الكافرين في قرية واحدة، يبيح له الجدال عن أهل القرية جميعاً.
    ويتلقى إبراهيم الرد هنا في سورة هود في الآية التالية: * يَاإِبْرَاهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هَـاذَآ *
    يَا إِبْرَاهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا إِنَّهُ قَدْ جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَإِنَّهُمْ آتِيهِمْ عَذَابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ (76)

    وقول الملائكة:
    * يَاإِبْرَاهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هَـاذَآ * [هود: 76].
    يعني إبلاغ إبراهيم أن مسألة تعذيب من لم يؤمن من قوم لوط أمرٌ مُنتهٍ ومحسوم، فهم قد جاءوا لينفذوا، لا ليهدِّدوا؛ وأبلغوا إبراهيم:
    * إِنَّهُ قَدْ جَآءَ أَمْرُ رَبَّكَ * [هود: 76].
    وإذا ما كان الأمر قد جاء من الله، فإبراهيم عليه السلام لأنه * مُّنِيبٌ * يعلم أن أي أمر من الله تعالى لا بد أن يُنفَّذ، فلا بد أن يَتقبَّل ـ أمرَ الحق سبحانه:
    * وَإِنَّهُمْ آتِيهِمْ عَذَابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ * [هود: 76].
    أي: لا أحد بقادر على أن يرد عذاب الله. وكما أن هناك وعداً من الله تعالى غير مكذوب، فهناك أيضاً عذاب غير مردود.
    ويُروى أن إبراهيم عليه السلام في جداله قال للملائكة: إذا كان في قوم لوط خمسون قد آمنوا بالله تعالى، أتعذبونهم؟ قالوا: لا. قال: وإن كان فيهم عشرة يؤمنون بالله، أتعذبونهم؟ قالوا: لا. قال وإن كان فيهم واحد هو لوط؟ فردَّت الملائكة:
    * نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَن فِيهَا لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ إِلاَّ امْرَأَتَهُ *[العنكبوت: 32].
    وانتهى الجدال، وذهبت الملائكة إلى مهمتها التي هي إيقاع العذاب بقوم لوط.
    ويقول الحق سبحانه: * وَلَمَّا جَآءَتْ رُسُلُنَا لُوطاً سِيءَ بِهِمْ *
    وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وَقَالَ هَذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ (77)

    أي: أن لوطاً شعر بالسوء، وضاق بهم ذرعاً، والذرع مأخوذ من الذراع التي فيها الكف والأصابع وندفع بها الأشياء، وأي شيء تستطيع أن تمد إليه ذراعك لتدفع به، وإن لم تَطُله ذراعك؛ قلت: " ضقت به ذرعاً " أي: أن يدي لم تطله، وهو أمر فوق قوتي وطاقتي، وفوق ما آتاني الله من الآلات ومن الحيل.
    وما الذي يسيء لوطاً في مجيء الملائكة؟
    قيل: لأن الملائكة قد جاءوا على الشكل المعروف من الجمال، فحين يُقال: " فلان ملاك " ، أي: شكله جميل.
    ولوط ـ عليه السلام ـ يعلم أن آفة قومه هي إتيان الذكور، وامرأته تعلم هذه الآفة، لكن موقفها من ذلك غير موقف لوط، فهي ترحب بتلك الآفة.
    ويُقال: إنها تنبهت لمجيء الرجال الحِسان ـ ولم تعرف أنهم ملائكة العذاب ـ وصعدت إلى سطح المنزل، وصفقت لعل القوم ينتبهون لها، فلم يلتفت لها أحد، فأشعلت ناراً فانتبه لها القوم، وأشارت لهم بما يعبر عن مجيء ضيوف يتميزون بالجمال.
    وهنا قال لوط عليه السلام:
    * هَـاذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ * [هود: 77].
    أي: يوم شديد المتاعب.
    ويقال: " يوم عصيب " و " يوم عصبصب " ، ومنه " العُصْبَة " وهم جماعة يتكاتفون على شيء، ويقوى الفرد بمجموعهم، وقد صدق ظن لوط.
    وفي هذا يقول الحق سبحانه عن ذلك: * وَجَآءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ وَمِن قَبْلُ كَانُواْ يَعْمَلُونَ *
    وَجَاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ وَمِنْ قَبْلُ كَانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ قَالَ يَا قَوْمِ هَؤُلَاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَلَا تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ (78)

    وقول الحق سبحانه: * وَجَآءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ * [هود: 78].
    أي: يسرعون إليه في تدافق، والإنسان إذا لم يكن قد مرن على الشر وله به دُربة، يكون متردداً خائفاً، أما من له دربة فهو يقبل على الشر بجرأة ونشاط.
    وكلمة " يهرعون " هي من الألفاظ العجيبة في اللغة العربية، وألفاظ اللغة تجد فيها فعلاً له فاعل، كقولنا: " يضربُ زيدٌ عَمْراً " أي: أن الضارب هو " زيد " والمضروب هو " عمرو " ، ونقول: " يُضْرَبُ عمرو " أي: أننا بنينا الفعل للمجهول، وسُمِّي عمرو " نائب فاعل ".
    أما في الفعل " يُهْرَعُ " فلا نجد أحداً يقول: " يُهرع " إلا ويكون بعدها فاعل وليس نائب فاعل، مثلها مثل الفعل " جُنَّ " فهل هناك من يأتي لنفسه بالجنون، أم أن الجنون هو الذي جاءه؟ لا أحد يعرف سبب الجنون؛ ولذلك بُنيت الكلمة للمجهول، ولكن ما يأتي بعدها يكون فاعلاً. وهذا من إعجاز البيان القرآني.
    وكذلك نقول: " زُكِمَ فلان " فمن الذي أصابه بالزكام؟ لا نعرف سبباً ظاهراً للزكام.
    إذن: فإذا جُهِلَ الفاعل فنحن نبني الفعل للمجهول، ولكن ما يأتي بعده يكون فاعلاً.
    وقول تعالى:
    * يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ * [هود: 78].
    يبيِّن أنهم أقبلوا باندفاع، كأنهم يعشقون ما يذهبون إليه؛ لأن كلاً منهم له دربة على ذلك الفعل المشين، أو أن كلاً منهم ذاهب إلى ما يحب دون تَهيُّب، باندفاع من نفسه ودَفْع من غيره، مثلما تقول: " سنوزع تمويناً بالمجان "؛ هنا تجد الناس يتدافعون، كل منهم من تلقاء نفسه، وغيره يدفعه ليرتد إلى الوراء.
    وقوم لوط كانوا على دُرْبة بتلك الفاحشة.
    يقول الحق سبحانه عنهم:
    * وَمِن قَبْلُ كَانُواْ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ * [هود: 78].
    أي: أن هذه المسألة عندهم كانت محببة، ولهم دربة عليها وخفيفة على قلوبهم، ولا حياء يمنعهم عنها.
    فالحياء يعني أن بعض الناس يعمل السيئة ويخشى الآخرون أن يفعلوها، لكن إذا ما كانوا يحبون تلك السيئة، فلن يخجل أحد من الآخر.
    وماذا يكون موقف لوط ـ عليه السلام ـ في هذا اليوم العصيب؟ لقد أقبلوا عليه بسرعة، وفي كوكبة واندفاع، وهو يعلم نياتهم ويعلم سوابقهم، وفكَّر لوط ـ عليه السلام ـ في أن يصرفهم انصرافاً من جنس اندفاعهم.
    يقول الحق سبحانه:
    * قَالَ ياقَوْمِ هَـاؤُلاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ * [هود: 78].
    وقد قال ذلك لأن المرأة مخلوقة لذلك، ومن الممكن أن يتزوجوا من بناته.
    وكان العُرْف في أيام لوط عليه السلام لا يمنع أن يزوِّج المؤمن ابنته لغير المؤمن؟ وقد زَوَّجَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم إحدى بناته لعُتبة بن أبي لهب، وأخرى لأبي العاص بن الربيع؟ قبل تحريم الحق سبحانه تزويج المؤمنة لغير المؤمن.

    فهل كان المقصود: بناته من صُلبه أم بنات أمته، أم بنات المؤمنين به؟ وقد قيل: إنه لم يؤمن بالله إلا لوط وابنتاه، فكيف يكون الزواج لابنتين من كل هذا العدد من الرجال المتدافعين؟
    وقيل: إنه بحث عن السادة الأقوياء الذين بيدهم القرار، وأراد أن يراضيهم بهذا الزواج؛ لعلهم يرجعون عن الفواحش والسيئات، وفي هذا طهر لهم، وبذلك يحفظون كرامته أمام ضيوفه.
    يقول لوط عليه السلام:
    * فَاتَّقُواْ اللًّهَ وَلاَ تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي * هود: 78].
    وكلمة " ضيف " ـ كما نعلم ـ جاءت هنا مفردة، ولكنها تطلق أيضاً على الجمع، والمثنى، وتصلح للدلالة على المذكر وعلى المؤنث أيضاً، فإن جاء ضيف واحد تقول: " هذا ضيفي " ، وإن جاء اثنان تقول: " هذان ضيفي " ، وإن كانت امرأة تقول: " هذه ضيفي " ، وإن كانتا امرأتين تقول: " هاتان ضيفي " ، وإن جاءت جماعة تقول: " هؤلاء ضيفي ".
    والحق سبحانه يقول:
    * هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ *[الذاريات: 24].
    وهناك ألفاظ أخرى كذلك في اللغة مثل: كلمة " طفل " فهي مفرد؛ ولكنها قد تطلق على الجماعة، إلا أن كلمة " طفل " وُجِد لها جمع هو " أطفال ".
    والحق سبحانه يقول:
    * وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَآئِهِنَّ أَوْ آبَآءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَآئِهِنَّ أَوْ أَبْنَآءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَآئِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُوْلِي الإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُواْ عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَآءِ *[النور: 31].
    إذن: فكلمة " طفل " تطلق أيضاً، ويراد بها الجماعة.
    وهنا يطلب لوط عليه السلام من قومه ألا يخزوه في ضيفه، والخزي فضيحة أمام النفس وأمام الناس.
    والإنسان قد تهون عليه نفسه ويُقبل على العمل السيىء ما لم يره أحد، أما أن يراه الناس، ففي هذا فضح له؛ فالفضيحة تكون بين جمهرة الناس، والهوان أن يكون العمل السيىء بينه وبين نفسه.
    ويتساءل لوط عليه السلام:
    * أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَّشِيدٌ * [هود: 78].
    أي: ألا يوجد بينكم رجل له عقل ومروءة وكرامة، يمنع هذه المسألة.
    ويقول الحق سبحانه بعد ذلك: * قَالُواْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا لَنَا فِي بَنَاتِكَ *
    قَالُوا لَقَدْ عَلِمْتَ مَا لَنَا فِي بَنَاتِكَ مِنْ حَقٍّ وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ (79)

    هذه الآية تحمل رد المتدافعين طلباً للفحشاء من قوم لوط؛ فقد قالوا له: أنت تعلم مقصدنا، وليس لنا في بناتك أية حاجة نعتبرها غاية لمجيئنا.
    وكان هذا يعني الإعراض عن قبول نصحه لهم بالتزوج من بناته بدلاً من طلب فعل الفاحشة مع ضيوف لوط، وهم الملائكة الذين جاءوا في هيئة رجال بلغوا مبلغ الكمال في الجمال.
    ويأتي الحق سبحانه برد لوط عليه السلام: * قَالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً *
    قَالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ (80)

    وساعة تقرأ كلمة " لو " فهذا هو التمني، أي: رجاء أن يكون له قوة يستطيع أن يدفع بها هؤلاء، وكان لا بد من وجود شرط، مثل قولنا: " لو أن زيداً عندك لجئت " ، لكن نجد هنا شرطاً ولا جواب، كأن يقال: " لو أن لي بكم قوة لفعلت كذا وكذا ".
    ولذلك يقال إن الملائكة قالت له: إن ركنك لشديد؛ ولذلك قال:
    * أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ * [هود: 80].
    والشيء الشديد هو المتجمِّع تجمُّعاً يصعب فَصْلُه، أو المختلط اختلاطاً بمزجٍ يصعب تحلُّله؛ لأنك حين تجمع الأشياء؛ فإما أن تجمع أشياء أجناسها منفصّلة، ولكنك تربطها ربطاً قوياً، مثل أن تربط المصلوب على شجرة برباط قوي، لكن كليهما ـ المصلوب والشجرة ، منفصل عن الآخر وله ذاته، وهناك ما يُسمَّى خلطاً، وهناك ما يُسمَّى مزجاً، والخلط هو أن تخلط أشياء، وكل شيء منها متميز عن غيره بحيث تستطيع أن تفصله، أما المزج فلا يمكن فصل الأشياء الممتزجة ببعضها.
    ومثال ذلك: أنك قد تخلط فول التدميس مثلاً مع حبات من الفول السوداني، وتستطيع أن تفصل الاثنين بعضهما عن بعض؛ لأنك جمعتهما على استقلال. ولكن إن قُمْتَ بعصر ليمون على كوب من الماء المحلى بالسكر؛ فهذا مزج يصعب حَلُّه.
    وقد قال لوط عليه السلام ذلك لأنه لم يكن في مَنعةٍ من قومه، أهل " سدوم " ويقال: إنها خمس قرى قريبة من " حمص ".
    وقد تعجَّب رسول الله صلى الله عليه وسلم من قول لوط، فقال ـ فيما رواه البخاري ـ:
    " رحم الله أخي لوطاً كان يأوي إلى ركن شديد ".
    فَلِهوْل ما عانى لوط عليه السلام من كرب المفاجأة قال ذلك، وهو يعلم أنه لا يوجد سند أو ركن أشد من الحق سبحانه وتعالى.
    ويقول الحق سبحانه بعد ذلك ما قالته الملائكة للوط عليه السلام: * قَالُواْ يالُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَن يَصِلُواْ إِلَيْكَ *
    قَالُوا يَا لُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ وَلَا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلَّا امْرَأَتَكَ إِنَّهُ مُصِيبُهَا مَا أَصَابَهُمْ إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ (81)

    وهكذا علم لوط ـ لأول مرة ـ أنهم رسل من الله تعالى، رغم أنهم حين تكلموا مع إبراهيم لم يقولوا أنهم رسل من الله؛ ليدلنا على أن إبراهيم عليه السلام كان يعلم أنهم رسل من الحق سبحانه، لكنه لم يكن يعلم سبب مجيئهم.
    وهم حين أخبروا لوطاً: * إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَن يَصِلُواْ إِلَيْكَ * [هود: 81] فمن باب أولى ألا يصلوا إليهم، وتخبر الملائكة لوطاً أن يسري بأهله ليلاً أي: أخرج بأهلك في جزء من الليل، وقد أوضحت الملائكة أن موعد النكال بقوم لوط هو الصبح:
    * إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ * [هود: 81].
    لذلك قالوا:
    * فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِّنَ الَّيْلِ * [هود: 81].
    والمقصود أن يترك ربع الليل الأول، وربعه الآخر، وأن يسير في نصف الليل الذي بعد ربع الليل الأول وينتهي عند ربع الليل الأخير، وقيل: إن أليق ما يكون بالقطع هو النصف.
    ثم يقول الحق سبحانه:
    * وَلاَ يَلْتَفِتْ مِنكُمْ أَحَدٌ * [هود: 81].
    والالتفات: هو الانصراف عن الشيء الموجود قبالتك، ويسمى الانصراف عن المقابل. فهل المقصود هو الالتفات الحسي أم الالتفات المعنوي؟
    نحن نعلم أن لوطاً سيصحب المؤمنين معه؛ من ديارهم وأموالهم، وما ألفوه من مقام ومن حياة؛ لذلك تنبههم الملائكة ألا تتجه قلوبهم إلى ما تركوه، وعليهم أن ينقذوا أنفسهم، وسيعوضهم الله سبحانه خيراً مما فاتهم.
    هذا هو المقصود بعد الالتفات المعنوي، وأيضاً مقصود به عدم الالتفات الحسي.
    وتوصي الملائكة لوطاً عليه السلام ألا يصحب امرأته معه؛ لأنها خانته بموالاتها للقوم المفسدين، وإفشائها للأسرار، وعليه أن يتركها مع الذين يصيبهم العذاب.
    ولكنها لحظة الخروج ادعت أنها مخلصة للوط، وقالت: سأخرج حيث تخرج، ثم نظرت إلى القوم وقالت: وا قوماه ورجعت لتمكث معهم، ولينالها العذاب الذي نالهم في الموعد الذي حددته الملائكة وهو الصبح:
    * إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ * [هود: 81].
    وقد تحدد الصبح لإهلاكهم؛ لأنه وقت الدعة والهدوء فيكون العذاب أشد نكالاً.
    ويقول الحق سبحانه: * فَلَمَّا جَآءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا *
    فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ (82)

    والحق سبحانه يبين لنا هنا أن الأمر بالعذاب حين يصدر، فالمأمور يستجيب قهراً، ويقال إن قرى قوم لوط خمس: قرية " سدوم " وقرية " دادوما " وقرية " ضعوه " ، وقرية " عامورا " وقرية " قتم ".
    وقوله تعالى:
    * جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا * [هود: 82].
    أي: انقلبت انقلاباً تامّاً.
    ويقول القرآن في موضع آخر:
    * وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوَى *[النجم: 53].
    والمؤتفكة من الإفك وهو الكذب المتعمَّد، أي: قول نسبة كلامية تخالف الواقع، ولأن من يقول الإفك إنما يقلب الحقيقة إلى غير الحقيقة زعماً، ويقلب غير الحقيقة إلى ما يشبه الحقيقة.
    كذلك المؤتفكة، أي: القرى التي جعل عاليها سافلها فانقلبت فيها الأوضاع.
    ونفذ أمر الله بأن أمطر عليهم حجارة من سجيل منضود، وهو طين قد تحجَّر.
    والحق سبحانه يقول في آية أخرى* حِجَارَةً مِّن طِينٍ *[الذرايات: 33].
    وكلمة " حجارة " تعطي الإحساس بالصلابة، أما كلمة " طين " فتعطي إحساساً بالليونة، ولكن الطين الذي نزل قد تحجر بأمر من الله تعالى، وهو قد نزل منضوداً.. أي: يتتابع في نظام، وكأن كل حجر يعرف صاحبه، لأن الحق سبحانه يقول بعد ذلك: * مُّسَوَّمَةً عِندَ رَبِّكَ *
    كلمتان خفيفتان على اللسان .. ثقيلتان في الميزان .. حبيبتان إلى الرحمن

    سبحان الله وبحمده .. سبحان الله العظيم

  10. #20
    Super Moderator
    رقم العضوية : 2
    تاريخ التسجيل : Jun 2016
    المشاركات: 3,273
    التقييم: 10
    الدولة : الأردن
    العمل : طالب علم
    مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ (83)

    وكلمة " مسوَّمة " أي: مُعلَّمة، وكأن كل حجر قد تم توجيهه إلى صاحبه، فهذا الحجر يذهب إلى فلان، وذلك إلى فلان، مثل الصواريخ الموجهة إلى البلاد، ولكن الدقة في هذه الحجارة أن كل حجر يعرف على من بالتحديد سوف ينزل بالعذاب، وقد جعلها الحق سبحانه لتعذيب المكين، أي: الإنسان، ولا تدمر البلاد.
    وهي مُرتَّبة؛ لأن الحق سبحانه قال:
    * سِجِّيلٍ مَّنْضُودٍ *[هود: 82].
    ووردت كلمة (سجيل) أيضاً في قول الحق سبحانه:
    * طَيْراً أَبَابِيلَ * تَرْمِيهِم بِحِجَارَةٍ مِّن سِجِّيلٍ *[الفيل: 3ـ4].
    ويُنهي الحق سبحانه الآية بقوله:
    * وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ * [هود: 83].
    والظالمون هنا مقصود بهم الكافرون برسالة الحق ـ سبحانه وتعالى ـ التي تتابعت في الموكب الرسالي وخاتمها هو محمد صلى الله عليه وسلم.
    ونحن نعلم أن القصص القرآني قد نزل تسلية وثباتاً بيقين لرسول الله صلى الله عليه وسلم وتذكرة بالأسوة:
    * وَكُـلاًّ نَّقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ *[هود: 120].
    وتحكي القصص المعارك التي قامت بين كل رسول مُؤيَّد بمعجزة من الله، وبين المنكرين له والكافرين به، وقد انتهت كل هذه المعارك بنصرة الرسول على الكافرين، إلا أن الرسل السابقين لم يُكلّفوا أن يقاتلوا من أجل الإيمان، بل كان عليهم أن يعلنوا الحجة الإيمانية فقط، وأن يبلغوا المنهج، فإن عصى القوم؛ فالسماء هي التي تتدخل لتأديب المخالفين.
    والحق سبحانه يقول:
    * أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ * إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ * الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلاَدِ * وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُواْ الصَّخْرَ بِالْوَادِ * وَفِرْعَوْنَ ذِى الأَوْتَادِ * الَّذِينَ طَغَوْاْ فِي الْبِلاَدِ * فَأَكْثَرُواْ فِيهَا الْفَسَادَ * فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ * إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ *[الفجر: 6ـ14].
    ولكن الأمر اختلف بمجيء محمد صلى الله عليه وسلم، لأن دين محمد صلى الله عليه وسلم هو الدين الذي تقوم عليه الساعة، وقومه مأمونون على البلاغ عن الله تعالى خلافة للرسول صلى الله عليه وسلم.
    وعلى كل واحد من أمة محمد صلى الله عليه وسلم يعلم حكماً من أحكام الله تعالى أن يبلغه؛ لأنه قائم مقام الرسول صلى الله عليه وسلم.
    والحق سبحانه يقول:
    * وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً *[البقرة: 143].
    إذن: فكل واحد من أمته صلى الله عليه وسلم هو امتداد لرسالة الإسلام، وبدلاً من أن السماء كانت تتدخل لتأديب الكافرين، جعل الله سبحانه لأمة محمد صلى الله عليه وسلم أن يقفوا بالقوة أمام الكافرين، لا لفرض الإيمان؛ لأن الإيمان لا يُفرض، ولا يُكره عليه؛ لأنك قد تُكره إنساناً في الأمور الحسية، لكنك لا تستطيع أن تملك قلبه، والحق سبحانه يريد الإيمان الغيبي الذي يملك القلوب.

    ولذلك يقول الحق سبحانه:
    * لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ أَلاَّ يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ * إِن نَّشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِّنَ السَّمَآءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ *[الشعراء: 3ـ4].
    إذن: فالحق سبحانه يريد قلوباً تخشع، لا أعناقاً تخضع.
    وهكذا فُوِّضَتْ أمة محمد صلى الله عليه وسلم تفويضين: فُوِّضَتْ في نقل رسالة محمد صلى الله عليه وسلم إلى الأجيال، وكل جيل ينقلها إلى الجيل الذي يليه.
    وها هو صلى الله عليه وسلم يقول: " نَضَّر الله امرأ سمع مقاتلي فوعاها وأداها إلى من لم يسمعها، فرُبَّ مُبلغٍ أوعى من سامع ".
    وفُوِّضَتْ أمة محمد صلى الله عليه وسلم في أن تقف من الكافرين موقف تأديب، لا لتفرض الدين ولكن لتحمي حق اختيار الدين، فلم يحدث أن رُفع سيفٌ في الإسلام ليفرض ديناً؛ بل رفع السيف ليحمي حرية اختيار الإنسان للدين.
    يقول سبحانه:
    * فَمَن شَآءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَآءَ فَلْيَكْفُرْ *[الكهف: 29].
    فإذا آمن فعليه الالتزام بالإيمان، فلا يكسر حكماً من أحكام الإيمان، وهذا تصعيب للدخول في الإسلام، فمن أين يأتي ادعاء فرض الدين على المخالفين؟!
    إذن: فقد آمن المؤمن من أمة محمد صلى الله عليه وسلم إيمانين: الإيمان الأول هو أن يؤمن بالإسلام، والإيمان الثاني أن يبلغ الدعوة.
    ولذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " علماء أمتي كأنبياء بني إسرائيل ".
    فهل المقصود بالعلماء هم من يعلمون العلم فقط؛ لا، بل يقصد كل من يعرف قضية من قضايا الإيمان معرفة سليمة وصحيحة وينساح بالدعوة في الأرض ليعلِّم غير المؤمنين ويترك الناس أحراراً في اختيار الدين.
    وكذلك يقف المؤمنون برسالة رسول الله صلى الله عليه وسلم لأية قوة تحارب حرية اختيار الدين.
    وهكذا جاءت قصص القرآن لتثبيت فؤاده صلى الله عليه وسلم.
    ونحن نعلم أن الحق سبحانه قد بعث المصطفى صلى الله عليه وسلم وهو في مكة، فصرخ بالدعوة، لا في آذان القبائل الواهية في أطراف الجزيرة، ولكن في آذان سادة الجزيرة، حتى لا يقال: إنه استضعف قوماً فناداهم إلى الإيمان به، ولم يجرؤ على السادة، وهم قريش، التي أخذت السيادة بحكم إقامتها في مكان البيت العتيق، وكان كل العرب يحجون إلى البيت الحرام، فإذا ما تعرضت قبيلة لقريش بسوء، فقريش قادرة على أن تنال من أبناء تلك القبيلة حين يحجون إلى البيت الحرام.
    وهكذا أخذت قريش هيبتها من وجودها حول البيت.
    إذن: فالبيت هو الذي صنع السيادة لقريش، وهو الذي صنع السيادة للآلهة المدَّعاة من الأصنام حين يأتي كل قوم بإلههم من الحجر؛ ليضعوه في البيت؛ ليكتسب الحجر قداسة من قداسة البيت.
    إذن: فقد أخذت قريش السيادة من البيت الحرام، وجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فأعلن الدعوة على أسماع السادة، وسَفَّه أحلامهم، ولم يُبَالِ بجبروتهم وسيادتهم على الجزيرة.

    لكن الحق سبحانه قد شاء ألا يكون انتصار الإسلام على يد السادة من قريش في مكة، بل جاء انطلاق الإسلام من المدينة؛ لأن الله سبحانه أراد أن يُعلِّم الدنيا كلها أن العصبية لمحمد لم تخلق الإيمان بمحمد.
    ولكن الله تعالى قد شاء أن يكون المستضعفون من أطراف الجزيرة هم الذين نصروا الدعوة؛ فكأن الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم هو الذي خلق العصبية لمحمد للحق الممثَّل في رسالة محمد، ولم تخلق العصبية لمحمد إيماناً به وبرسالته.
    وإذا كان الحق سبحانه قد نعتهم بالظالمين، وبيَّن لهم أن المكان الذي قُلِبَ عاليه أسفله، ليس ببعيد عنهم، فهل لهم أن يتخذوا من ذلك عبرة؟
    والظلم ـ كما نعلم ـ هو مجاوزة الحق للغير، أي: أن تأخذ حق الغير وتعطيه لغير ذي حق، فإذا كان ظلماً في الألوهية، فهذا هو الشرك العظيم، وإن كان ظلماً في إعطاء حق من حقوق الدنيا للغير، فهو ظلم للإنسانية، والظلم درجات بحسب الجريمة.
    وقد ظلمت قريش نفسها ظلماً عظيماً؛ لأنها أشركت بالله؛ وجعلت له شركاء في الألوهية؛ وهذا أقصى أنواع الظلم.
    والله سبحانه يريد أن يذكِّر هؤلاء الظالمين بأن عذاب الله حين يجيء، أو أمر الله حين يأتي؛ لا يمكن أن يقوم أمامه قائم يمنعه، فتنبهوا جيداً إلى أنكم عُرْضة أن يُنزل الله تعالى بكم العذاب كما أنزل بهذه القرى؛ وهي غير بعيدة عنكم، فالمسافة بين المدينة والشام قد تبدو مسافة طويلة إلا أن الله تعالى قد جعلهم يمرون عليها في كل رحلة من رحلات الصيف إلى الشام.
    إذن: فهي قرى تقع على طريق مسلوكة؛ ولذلك يقول الحق سبحانه عن موقعها:
    * وَإِنَّهَا لَبِسَبِيلٍ مُّقِيمٍ *[الحجر: 76].
    أي: بطريق تمرون عليها، لا يجرفها سيل، ولا يغير معالمها ريح.
    بل هي طريق ثابتة مقيمة تمرون عليها حينما تذهبون في رحلة الصيف إلى الشام، فكان من الواجب أن تأخذوا في كل مرور لقطة وعبرة؛ حتى لا تقعوا في ظلم آخر.
    وقد نبهكم الله سبحانه أيضاً بمروركم على ديار قوم صالح الذين خاطبهم الحق سبحانه بقوله:
    * أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ * وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ * وَإِذَا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ *[الشعراء: 128ـ130].
    هكذا ترون ديار ثمود وديار عاد وديار لوط وهي خاوية، وكان من الواجب ـ معشر قريش ـ ألا تبالغوا في الظلم، وأن تنتبهوا بالعبرة إلى مصير كل من يشرك بالله تعالى.
    ويلفتهم الحق سبحانه إلى أنهم لم يكفروا بحق الألوهية فقط، ولكنهم ـ ايضاً ـ كفروا بشكر النعمة، وظلموا؛ لأن الله سبحانه هو الذي أنعم عليهم برحلة الشتاء إلى اليمن، وبرحلة الصيف إلى الشام، والرحلتان للتجارة التي تأتي بالزيادة لقريش؛ لأنهم يخرجون بالأموال ويعودون بالبضائع التي يبيعونها لأهل مكة، ولزوار بيت الله الحرام.

    وقد أخذت قريش مهابتها عند كل قوم يمرون عليهم أثناء الرحلتين، من أنهم يعيشون حول البيت الحرام، لذلك يمتن الله سبحانه على قريش في قوله سبحانه:
    * أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ * أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ * وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْراً أَبَابِيلَ * تَرْمِيهِم بِحِجَارَةٍ مِّن سِجِّيلٍ * فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَّأْكُولٍ *[الفيل: 1ـ5].
    فالقوم الذين جاءوا ليهدموا البيت الحرام ـ وهو رمز السيادة ـ لو هدم وتحوَّل الحجيج إلى صنعاء، لسقطت مهابة قريش، ولكن الله تعالى حمى البيت وأرسل عليهم طيراً أبابيل، وجعل الذين قصدوه بسوء كعصف مأكول.
    لماذا صنع الله تعالى ذلك؟
    تأتي الإجابة في السورة التالية لسورة الفيل حيث يقول الحق سبحانه في سورة قريش:
    * لإِيلاَفِ قُرَيْشٍ * إِلافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَآءِ وَالصَّيْفِ * فَلْيَعْبُدُواْ رَبَّ هَـاذَا الْبَيْتِ * الَّذِي أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ *[قريش: 1ـ4].
    إذن: كان من الواجب حين يمرون على هذه الديار أن يأخذوا منها عبرة، وأنهم ـ وإن كانوا يمرون على هذه الديار بقصد التجارة وهي سر معاشهم ـ إذا لم يأخذوا من هؤلاء العبرة فهم يقترفون ظلماً جديداً آخر.
    لذلك يقول الحق سبحانه:
    * وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ * [هود: 83].
    أو: أن الله سبحانه وتعالى أراد أن ينبه قريشاً إلى أن الهلاك الذي نزل بهؤلاء القوم المشركين، ليس ببعيد أن يصيب قريشاً، وأن يرسل الله سبحانه على كل واحد من الكافرين به حجراً مسوَّماً يصيبه في مكانه الذي يكون فيه.
    والسطحيَّون ـ في اللغة ـ يخطئون فيأخذون على القرآن مآخذ، لا تلتفت إليها الملكة الصحيحة في اللغة، ويقولون: كيف يقول الله:
    * وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ * [هود: 83].
    وكلمة " ما هي " مؤنثة، وتقتضي أن يقول: " بعيدة " بدلاً من كلمة " بعيد " ، أي: أن يكون القول: " وما هي من الظالمين ببعيدة " ونسوا أن المتكلم هو الله تعالى، وأنهم لم يدرسوا اللغة دراسة صحيحة؛ لأن " فعيل " إن جاءت بمعنى " مفعول " ، فهنا يستوي المذكر والمؤنث.
    ومثال ذلك من القرآن الكريم أيضاً هو قول الحق سبحانه:
    * وَالْمَلاَئِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ *[التحريم: 4].
    وقول الحق سبحانه:
    * إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِّنَ الْمُحْسِنِينَ *[الأعراف: 56].
    إذن: فعدم درايتهم باللغة هو الذي جعلهم يخطئون مثل هذا الخطأ.
    ويأتي الحق سبحانه بعد ذلك بقصة أخرى من القصص التي جاء بها الله في هذه السورة لموكب الرسل، فيأتي بقصة شعيب عليه السلام، ويقول سبحانه: * وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْباً *

    وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ وَلَا تَنْقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ إِنِّي أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ وَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ (84)

    و " مدين " هو اسم ابن إبراهيم عليه السلام، ولم يكن هذا الابن موجوداً وقت بعثة شعيب، لكن القبيلة التي تناسلت منه سُمِّيت باسمه، وكذلك القرية التي أقامت فيها القبيلة سميت باسمه، فإن قلت إن شعيباً أرسل لقبيلة مدين، فهذا قول سليم، وإن قلت إنه أرسل لقرية مدين، فهذا قول سليم أيضاً؛ لأن القرية لا بد لها من سكان.
    والحق سبحانه يقول على لسان إخوة يوسف عليه السلام:
    * وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا *[يوسف: 82].
    والمقصود " أسأل أهل القرية ".
    إذن: فمرة يطلب الاسم على المكان، ومرة يطلق المكان ويراد به المكين.
    وقد بدأ شعيب رسالته مع قومه من حيث بدأ كل الرسل بالدعوة إلى قمة التدين، وهو أن يعبدوا الله وحده لا شريك له ولا إله غيره، وهذا هو القدر المشترك في كل الرسالات.
    والحق سبحانه يقول:
    * شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُواْ الدِّينَ وَلاَ تَتَفَرَّقُواْ فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَن يَشَآءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَن يُنِيبُ *[الشورى: 13].
    إذن: فقمة الدين قي قضية العقيدة الإيمانية، وهي عبادة الله تعالى وحده ولا إله غيره، لأن الحق سبحانه حين يوجه الأوامر التكليفية " افعل " و " لا تفعل " فالله سبحانه لا يوجهها إلا لمن آمن به إلهاً واحداً، أما الذي لا يؤمن به، فالله سبحانه لا يوجه إليه أي حكم.
    ولذلك تجد حيثية كل حكم تكليفي في القرآن مُصَدَّراً بقوله تعالى:
    * ياأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ *[البقرة: 178].
    سواء أكان الأمر صياماً، أم قصاصاً، ففي كل تكليف يُصدَّر بهذا القول، لا بد أن يأتي المعنى: يا من آمنت بي إلهاً قادراً حكيماً، اسمع مني التكليف.
    ولذلك أقول دائماً:
    إن علة كل تكليف هي الإيمان بالمكلِّف، ولا داعي للبحث عن علة أخرى.
    فمثلاً حيث يُقَال: إن علة الوضوء النظافة، نقول: وإن لم يوجد ماء، فنحن نلمس التراب أو الحجر ثم نمسح وجوهنا في التيمم.
    إذن: فالمقصد هو أن نتهيأ للصلاة بأي شكل يحقق مقصود العبادة وهو الطاعة للخالق سبحانه وتعالى.
    وإياك أن تؤخر تنفيذ الحكم إلى أن تبرره؛ لأن مبرره هو صدوره عن الله سبحانه وتعالى.
    وكذلك كل شيء يقوله رسول الله صلى الله عليه وسلم فنحن نتبعه، ولا نبحث عن علة له، وإلا لو كنا نؤجل الأحكام إلى أن تثبت تبريراتها العلمية مثل فساد لحم الخنزير بما يحمله من أمراض، ومثل قدرة الخمر على إهلاك المخ وتدمير خلاياه، فضلاً عن تدمير خلايا الكبد، فنحن لو كنا قد أجلنا تلك الأحكام، فماذا كان الموقف؟
    لقد طبَّق المسلمون هذه الأحكام فور نزولها؛ لإيمانهم بالمنهج وحبهم في القرب من الله، ثم أثبتت الأيام صدق الله تعالى في تكليفه.

    وهنا يقول الحق سبحانه:
    * وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْباً قَالَ ياقَوْمِ اعْبُدُواْ اللَّهَ مَا لَكُمْ مِّنْ إِلَـاهٍ غَيْرُهُ * [هود: 84].
    وعرفنا أن العبادة ليست محصورة في الصلاة أو الصوم أو الزكاة أو الحج؛ لأن هذه هي الأركان الأساسية التي يقوم عليها الإسلام؛ ولكن الإسلام أيضاً هو عمارة الأرض بتنفيذ كل التكاليف، وكل ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.
    فإقبال الإنسان على مهنة ما يحتاجها المجتمع هو عبادة، وإذا خلتْ صنعة من صانع فعلى ولي الأمر أن يكلف ويرغم بعض الناس على تعلمها؛ وأيضاً إتقان الصنعة عبادة.
    وقول الحق سبحانه على لسان شعيب عليه السلام:
    * مَا لَكُمْ مِّنْ إِلَـاهٍ غَيْرُهُ * [هود: 84].
    أي: إياك أن تأخذ حكماً تكليفياً من أحد آخر غير الله سبحانه وتعالى، لأنه لا إله إلا الله وحده لا شريك له.
    وإياك أن تستدرك من البشر حكماً على الله سبحانه وتعالى، وتظلم نفسك وتقول: " لقد فات الله أن يقول لنا هذا الحكم، ولنأتي لأنفسنا بحكم جديد ".
    إياك أن تستدرك حكماً على الله. افهم الحكم أولاً، فإن جاء حكماً محكماً فخذه، وإنْ كان غير محكم بأن جاء مجملاً، أو غير مبيَّن، فانظر باجتهادك إلى أية جهة تصل.
    ولذلك " نجد رسول الله صلى الله عليه وسلم يسأل من أرسله مبعوثاً إلى اليمن فقال: " كيف تصنع إن عرض لك قضاء؟ قال: أقضي بما في كتاب الله. قال فإن لم يكن في كتاب الله؟ قال: فبسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: فإن لم يكن في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: أجتهد رأيي ولا آلو، قال: فضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم على صدري ثم قال: الحمد لله الذي وفق رسول رسول الله صلى الله عليه وسلم لما يرضي رسول الله صلى الله عليه وسلم ".
    وبعد أن دعا شعيب ـ عليه السلام ـ آل مدين لعبادة الله سبحانه وحده، وهذا هو الأمر المشترك بين جميع الرسل ـ عليه السلام ـ تأتي الأحكام الأخرى، فمن يعمل فاحشة له علاجه، ومن ينقص في الكيل والميزان، فالرسول يعالج هذا الأمر.
    لأن العالم القديم كان عالم انعزال، لا التحام فيه أو مواصلة؛ فقد يوجد عيب وآفة في مكان، ولا يوجد هذا العيب أو تلك الآفة في مكان آخر.
    وكل رسول يأتي ليعالج عيباً محدداً في المكان الذي أرسله الله إليه، ولكن رسول الله محمداً صلى الله عليه وسلم جاء ـ وهو الرحمة المهداة للجميع وخاتم الأنبياء والمرسلين ـ جاء صلى الله عليه وسلم والدنيا على ميعاد بالالتقاء الإيماني، فلما تقاربت البلاد عن طريق سرعة الاتصالات، وما يحدث في عصرنا الآن بقارة أمريكا نجده عندنا في نفس اليوم أو غداً، فالعالم الآن عالم التقاء، وتعددت الداءات فيه وتوحدت بسبب سرعة الالتقاء عن طريق عدم التمييز بين الخبيث والطيب.

    ولذلك شاء الحق سبحانه أن يكون محمد صلى الله عليه وسلم هو خاتم الرسل.
    وكانت خيبة آل مدين هي عدم عبادة الله وحده، وكذلك كانت فيهم خسيسة التطفيف في الكيل والميزان، لذلك يقول الحق سبحانه على لسان شعيب عليه السلام:
    * وَلاَ تَنقُصُواْ الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ إِنِّي أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ * [هود: 84].
    وحين قرأ العلماء هذا القول الكريم لم يلتفتوا إلى أن المراد ليس نقص المكيل والموزون، لأنه لو شاء لقال: " ولا تنقصوا المكيل أو الموزون " هذا إذا نظرنا إلى الأمر من وجهة ما يريد البائع، ولكن القول هنا يقصد أن يأخذ كل ذي حق حقه، أن يأخذ المشتري حقه من السلعة، وأن يأخذ البائع حقه في الربح.
    إذن: فهذا القول الكريم يشمل البائع والمشتري معاً.
    كلمتان خفيفتان على اللسان .. ثقيلتان في الميزان .. حبيبتان إلى الرحمن

    سبحان الله وبحمده .. سبحان الله العظيم

صفحة 2 من 4 الأولىالأولى 1234 الأخيرةالأخيرة

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

المفضلات

المفضلات

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •  

RSS RSS 2.0 XML MAP html  PHP  info tags Maps maptags vbmaps

الساعة معتمدة بتوقيت جرينتش +3 . الساعة الآن : 18:35.
الموقع غير مسؤول عن أي اتفاق تجاري أو تعاوني بين الأعضاء
فعلى كل شخص تحمل مسئولية نفسه إتجاه مايقوم به من بيع وشراء وإتفاق وأعطاء معلومات موقعه
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي موقع الأشاعرة و لا نتحمل أي مسؤولية قانونية حيال ذلك (ويتحمل كاتبها مسؤولية النشر)
الساعة الآن 01:19 PM
Powered by vBulletin® Version 4.2.3
Copyright © 2018 vBulletin Solutions, Inc. Translate By soft