إذا كانت هذه زيارتك الأولى يرجى الاطلاع على الرابط التالي الأسئلة ولكي تتمكن من كتابة مواضيع وإرسال رسائل خاصة لابد لك منالتسجيل
صفحة 1 من 4 123 ... الأخيرةالأخيرة
النتائج 1 إلى 10 من 32

الموضوع: سورة هود

  1. #1
    Super Moderator
    رقم العضوية : 2
    تاريخ التسجيل : Jun 2016
    المشاركات: 3,273
    التقييم: 10
    الدولة : الأردن
    العمل : طالب علم
    الهوايه : المطالعة

    سورة هود

    الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ (1)

    وتبدأ الآية بحروف توقيفية مقطعة من الحروف التي تبدأ بها بعض سور القرآن الكريم، اي: أن كل حرف من تلك الحروف يُنطَق بمفرده، والحرف ـ كما نعلم ـ له اسم، وله مسمى، ونحن حين نكتب أو نتكلم نكتب أو ننطق بمسمى الحرف لا باسمه ولكن بعض سور القرآن الكريم تبدأ بحروف نقرأها باسم الحرف، وما عداها يُنطق فيها بمسميات الحرف.
    وإن أردنا معرفة الفارق بينهما، فنحن نقرأ في أول سورة البقرة ونقول: " ألف. لام. ميم " رغم أنها مكتوبة:* الم *[البقرة:1].
    إذن: فنحن ننطقها بمسميات الحروف عكس قراءتنا لقول الحق سبحانه:
    * أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ *[الشرح: 1].
    ونحن ننطقها بأسماء الحروف.. لماذا؟
    لأن الرسول صلى الله عليه وسلم سمعها هكذا من جبريل عليه السلام، والقرآن أصله سماع، وأنت لا تقرأ قرآناً إلا إذا سمعت قرآناً؛ لتعرف كيف تقرأ الحروف المقطعة بأسماء الحروف، وتقرأ بقية الآيات بمسميات الحروف.
    وكنا قديماً قبل أن نحفظ القرآن " نصحح " اللوح، أي: أن يقرأ الفقيه أولاً ليُعلمنا كيف نقرأ قبل أن نحفظ.
    والذي يُتعب الناس أنهم يريدون أن يقرأوا القرآن الكريم دون أن يجلسوا إلى فقيه أو دون أن يستمعوا إلى قارىء للقرآن.
    ونقول لهم: إن القرآن ليس كتاباً عادياً نقرأه، إن القرآن كتاب له خاصية مميزة، فَصُور الحروف تختلف، فمرة ننطق اسم الحرف، ومرة نقرأ مسمى الحروف.
    وقول الحق سبحانه: * الر * في أول سورة هود؛ يجعلنا نلحظ أنه من العجيب في فواتح السور ـ التي بدأت بهذه الحروف ـ أن القرآن مبنيٌّ على الوصل دائماً، فأنت لا تأتي إلى آخر الآية وتقف، لا، بل كل القرآن وَصْل، مثلما نقرأ قول الله سبحانه:
    * مُدْهَآمَّتَانِ * فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ * فِيهِمَا عَيْنَانِ نَضَّاخَتَانِ *[الرحمن: 64ـ66].
    وإن كان هناك فاصل بين كل آية وغيرها، إلا أن الآيات كلها مبنية على الوصل.
    وفي آخر سورة يونس يقول الحق سبحانه:
    * وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ *[يونس: 109].
    فلو لم تكن موصولة لنطقت الحرف الأخير مبنياً على السكون، ولكنك تقرأه منصوباً بالفتحة. وهي موصولة بما بعدها (بسم الله الرحمن الرحيم).
    ومن العجيب أن فواتح السور مع أنها مكونة من حروف مبنية على الوصل إلا أننا نقرأ كل حرف موقوفاً، فلا نقول: " ألفٌ لامٌ ميمٌ " بل نقول: " ألفْ لامْ ميمْ ".
    وكذلك نقرأ في أول سورة مريم " كافْ هاءْ ياءْ عينْ صادْ " ، ولا نقرأ الحروف بتشكيلها الإعرابي، وهذا يدل على أن لها حكمة لا نعرفها.
    وفي القرآن الكريم آيات بُدئت بحرف واحد مثل قول الحق سبحانه:
    * ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ *[ص: 1].

    وقول الحق سبحانه:
    * ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ *[ق: 1].
    وقول الحق سبحانه:
    * ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ *[القلم: 1].
    ونلحظ أن الحرف في هذه السور ليس آية، ولكنك تقرأ قول الحق سبحانه:* حـم *[الشورى: 1].
    وهي آية، وكذلك تقرأ قول الحق سبحانه:
    * عسق *[الشوى: 2] كآية مع أنها حروف مقطعة، وتقرأ قول الحق سبحانه:
    * كهيعص *[مريم:1] كآية بمفردها.
    وتقرأ قول الحق سبحانه:* طه *[طه: 1] كآية بمفردها.
    وكذلك تقرأ قول الحق:* يس *[يس: 1] كآية بأكملها.
    وتجد أيضاً:* المص *[الأعراف: 1] كآية.
    و* طسم *[ " الشعراء: والقصص ": 1] كآية.
    وتجد أيضاً* المر *[الرعد: 1] ملتحمة بما بعدها في آية واحدة.
    وتقرأ في أول سورة النمل:* طس *[النمل: 1] ملتحمة بما بعدها في آية واحدة.
    إذن: فالمسألة لا نسق لها، ومعنى ذلك أن لكل موقف وكل حرف حِكمة، والحكمة نجدها حين نتأمل العالم المادي في الحياة، فنفطن إلى عبر الله سبحانه وتعالى في آيات الكون المحسَّة، ويجد الدليل على صدق الله تعلى فيما لم نعلم.
    ومثال ذلك: حين ينزل الإنسان في فندق راق فهو يجد لكل غرفة مفتاحاً، وهذا المفتاح لا يفتح إلا باب غرفة واحدة، ولكن في كل طابق من طوابق الفندق هناك مفتاح مع المسئول عن الطابق يسمى " سيد المفاتيح " وهو يفتح كل غرف الطابق، وقد صنعوا ذلك؛ حتى لا يفتح كل نزيل غرفة الآخر.
    ومع التقدم العلمي جعلوا الآن لكل غرة بطاقة الكترونية، ما إن يُدخلها الإنسان من فتحة معينة من باب الغرفة حتى ينفتح الباب، وكل غرفة لها بطاقة معينة، وأيضاً يوجد مع مسئول الطابق في الفندق بطاقة واحدة، تفتح كل غرف الطابق.
    وأنت حين تقرأ فواتح السور فافهم أن كل آية لها مفتاح، وكل حرف في هذه الفواتح قد يشبه المفتاح، وإن لم يكن معك المفتاح ذو الأسنان التي تفتح باب الغرفة؛ فلن تنفتح لك السورة.
    إذن: فكتاب الله له مفاتيح، ونحن نقرأ حروفاً مُقطَّعة على أنها آية، أو نقرأها كجزء من آية.
    وتقول من قبل القراءة: " أعوذ بالله من الشيطان الرجيم " لتخلص نفسك من الأغيار المناقضة لمنهج قائل القرآن، ثم تضع البطاقة الخاصة مثل قول الحق سبحانه وتعالى:* الم *[البقرة: 1].
    فينفتح لك باب البقرة.
    وهكذا نعرف أن هناك مفتاحاً، وأن هناك فاتحاً وخذ فواتح السور على أنها مفاتيح، وكل مفتاح له شكل ونحت معين، إن نقلته لسورة أخرى فهو لا يفتحها.
    وهنا يقول الحق سبحانه وتعالى: * الر * وهي مكونة من ثلاثة حروف، مثل * الم * ، وقد وردت في خمس سور من القرآن الكريم هي: يونس، وهود، ويوسف، وإبراهيم، والحجر.
    ولكن * الم * تقرأ كآية، ولكنها هنا من مقدمة سورة " هود " جزء من آية رغم أنك تقرأها مثلها مثل سورة يونس، وسورة هود، وسورة يوسف وسورة إبراهيم، وتقرأها كآية.

    وايضاً * المص * هي أربعة حروف تقرأها آية في سورة الأعراف، وهناك أربعة حروف في أول سورة الرعد، وتقرأها كجزء من آية في سورة الأعراف.
    إذن: فليس هناك قانون لهذه الحروف التي في أوائل السور، بل كل حرف له خصوصية لم تتكشف كل أسرارها بعد، لهذا ذهب بعض المفسرين إلى قولهم " الله أعلم بمراده ".
    وهنا يقول الحق سبحانه وتعالى:
    * الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ * [هود: 1].
    والله سبحانه يقول مرة عن القرآن أنه: * كِتَابٌ * ومرة يقول:
    * قُرْآنٍ *[يونس: 61].
    والقرآن يُقرأ، والكتاب يُكتب، وشاء الحق سبحانه ذلك؛ ليدُلَّك على أن الحافظ للقرآن مكانان: صدور، وسطور. فإن ضَلَّ الصدر، تذكر السطر.
    ولذلك " حين أراد المسلمون الأوائل جمع القرآن، ومطابقة ما في الصدور على ما في السطور، وضعوا أسساً لتلك العملية الدقيقة، من أهمها ضرورة وجود شاهدين على كل آية، ووقفوا عند آخر آيتين في سورة التوبة، ولم يجدوا إلا شاهداً واحداً هو " خزيمة " ، وصدَّقوا " خزيمة " وكتبوا الآيتين عنه؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان قد منحه وساماً، حين قال عنه: " من شهد له خزيمة فهو حسبه ".
    إذن: فإطلاق صفة الكتاب على القرآن، سببها أنه مكتوب، وهو قرآن؛ لأنه مقروء.
    ولم تكن الكتابة في الأزمنة القديمة مسألة سهلة، فلم يكن يُكتب إلا النفيس من الأعمال، أو لأن القرآن كتاب؛ لأنه في الأصل مكتوب في اللوح المحفوظ.
    وحين يقول الحق سبحانه وتعالى واصفاً القرآن:
    * كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ * [هود: 1].
    ومادة الحاء والكاف والميم تدل على أمر مُحسٍّ وهو إتقان البناء، بحيث يمنع عنه الفساد؛ فلا خلل فيه، ولا تناقض، ولا تعراض ولا انهيار.
    ولا بد من توازن هندسي لكل فتحة في البناء؛ حتى لا تكون الفتحات التي في البناء متوازية على خط واحد، فتحدث شروخ في الجدران أو انهيار البناء كله. هذا هو إحكام البناء في عالم المحسَّات.
    وشاء الحق سبحانه أن يصف القرآن، وهو الجامع لكل المنهج بأنه:
    * كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ * [هود: 1].
    فخذوا من هذا الإحكام ما يمنع فسادكم؛ لأن القرآن جاء على هيئة تمنع الفساد فيه، وعقد منع الفساد يكون الإصلاح والصلاح.
    ولو نظرتَ إلى أن القرآن الكريم في اللوح المحفوظ ستجده قد نزل جملة واحدة، من اللوح المحفوظ إلى السماء الدنيا، وجاء الوحي بعد ذلك حسب الأحداث التي تتطلب الأحكام، وقد نثر الحق سبحانه في القرآن أحكاماً وفصولاً ونجوماً.
    إذن: فالقرآن قد أحكِم أولاً، ثم فُصِّل.
    ولذلك يقول الحق سبحانه وتعالى:
    * كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ * [هود: 1].
    والفواصل الكبيرة في القرآن هي السور، والفواصل الصغيرة هي الآيات، وأراد المسلمون أن يشجعوا حفظ القرآن، فقسموه إلى ثلاثن جزءاً، وكل جزء قسموه إلى حزبين، وكل حزب قسموه إلى أربعة أرباع، لكن التفصيل الذي جاء لنا من القرآن أنه سور، وكل سورة هي مجموعة من الآيات.

    وقد يكون المعنى أن القرآن قد أحْكِمَ وفُصِّل؛ لأنه نزل منهجاً جامعاً من الله سبحانه وتعالى.
    وحين تنظر إليه تجده مُنَّوعاً، فمرة يتكلم في العقيدة وقمتها،ومرة يتكلم في النبوة وموكبها الرسالي، والمعجزات، ومرة يتكلم في الأحكام، ومرة يتكلم في القصص، والأخلاقيات، والكونيات.ومرة يتكلم في علم الفرائض.
    إذن: فهو مفصل في اللفظ أو في المعنى، وهو يتناول معاني كثيرة، وكل معنى تتطلبه العقيدة، قمة في الشهادة بأن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، ويتناول الجزئيات حتى أدق التفاصيل.
    أو أحكم نزولاً؛ لأنه قد نزول مرة واحدة إلى السماء الدنيا، ثم فُصِّل حسب الحَوادث، وهذا أدْعَى إلى أن تتعلق النفس بكل نجم من نجوم القرآن حين ينزل وقت طلبه.
    وأنت حين تُعِد لنفسك صيدلية صغيرة في البيت، قد تأتي فيها بكل الأدوية، لكن إن أصابك صداع، فقد تفتش عن أقراص " الأسبرين " فلا تجدها. أما إذا أرسلت إلى الصيدلية الكبيرة، فسوف تجد " الأسبرين " حين تحتاجه.
    وكذلك حين تكون ظمآن، قد تفتح ثلاجة بيتك فلا تجد زجاجة الماء رغم أنها أمامك، وذلك بسبب لهفة العطش.
    إذن: فنزول القرآن منجمعاً شاءه الحق ـ سبحانه ـ لتنتعش النفس الإنسانية وهي تعشق استقبال القرآن.
    ولذلك يقول الحق سبحانه وتعالى:
    * وَقُرْآناً فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلاً *[الإسراء: 106].
    وقد جاء في القرآن على لسان الكافرين:
    * لَوْلاَ نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً *[الفرقان: 32].
    فيكون الرد من الحق سبحانه:
    * كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلاً *[الفرقان: 32].
    ولو كان القرآن قد نزل مرة واحدة على رسول الله صلى الله عليه وسلم لما التفت الناس إلى كل ما جاء فيه،ولكن شاء الحق سبحانه وتعالى أن ينزل القرآن مُنجَّماً على الرسول صلى الله عليه وسلم، ليكون في كل نجم تثبيت لرسول الله صلى الله عليه وسلم في المواقف المختلفة، والرسول صلى الله عليه وسلم وكذلك أمته من بعده في حاجة إلى تثبيتات متعددة حسب الأحداث التي تعترضهم، ولذلك قال الحق سبحانه:
    * كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلاً *[الفرقان: 32].
    فساعة أن يسمع المؤمنون نجماً من نجوم القرآن، يكونون أقدر على استيعابه وحفظه وتطبيق الأحكام التي جاءت فيه.
    ولم يُنزل الحق سبحانه آية واحدة، بل أنزل آياتٍ، بدليل أنهم إن جاءوا بحكم ما، فهو سبحانه وتعالى ينزل الحق في هذا الحكم وأكثر تفصيلاً؛ ولذلك يقول سبحانه:
    * وَلاَ يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلاَّ جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيراً *[الفرقان: 33].
    ولو نزل القرآن جملة واحدة، فكيف يعالج أسئلتهم التي جاءت في القرآن: * يَسْأَلُونَكَ عَنِ *.

    ويضرب الله مثلاً بالبعوضة، فيتساءلون ساخرين: كيف يضرب الله مثلاً بالبعوضة.
    فينزل قول الحق سبحانه:
    * إِنَّ اللَّهَ لاَ يَسْتَحْى أَن يَضْرِبَ مَثَلاً مَّا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا *[البقرة: 26].
    ولو كانوا عقلاء لتساءلوا: كيف ركَّب الحق سبحانه في هذا الكائن الضئيل ـ البعوضة ـ كل أجزاء الكائن الحي؛ من محلِّ الغذاء إلى قدرة الهضم، إلى محل التنفس، إلى محل الدم، إلى محل الأعصاب.
    وكان يجب أن يأخذوا من هذا الخلق دلائل العظمة؛ لأن عظمة الصنعة تكون في أمرين: إما ضخامة الشيء المصنوع، وإما أن يكون الشيء المصنوع تحت إدراك الحس.
    ومثال ذلك ـ ولله المثل الأعلى ـ أن الفنيين حين صنعوا ساعة " بج بن " التفت الناس إلى ضخامة تلك الساعة، ودقة أدائها، وحين صنع الفنيون في " سويسرا " ساعة دقيقة وصغيرة جداً في حجمها، زاد إعجاب الناس بدقة الصنعة.
    وهكذا نجد أن القدرة تتجلى في صناعة الشيء الكبير في الحجم، أو صناعة الشيء الدقيق جداً؛ فما بالنا بخالق الكون كله، بأكبر ما فيه وأصغر ما فيه.
    والحق سبحانه وتعالى يضرب المثل بالذبابة فيقول:
    * إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَن يَخْلُقُواْ ذُبَاباً وَلَوِ اجْتَمَعُواْ لَهُ *[الحج: 73].
    فول اجتمع الخلق المشركون أو المتجبرون وسألوا أصنامهم أن يخلقوا لهم ذبابة، أو حتى لو حاولوا هم خَلْق ذبابة لما استطاعوا، ولا يقتصر الأمر على ذلك العجز فقط، بل يتعداه إلى عجز آخر:
    * وَإِن يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئاً لاَّ يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ *[الحج: 73].
    فإن جاءت ذبابة على أي طعام، وأخذت بعضاً من الطعام، فهل يستطيع أحد أن يستخلص من الذبابة ما أخذته؟
    لا، كذلك نرى ضعف الاثنين: الطالب والمطلوب.
    وهنا يقول الحق سبحانه:
    * الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ * [هود: 1].
    فالإحكام لا يتناقض مع التفصيل؛ لأن الحق سبحانه هو الذي أحكم، وهو سبحانه الذي فصَّل، وهو سبحانه حكيم بما يناسب الإحكام، وهو سبحانه خبير بما يناسب التفصيل، بطلاقة غير متناهية.
    وهو سبحانه حكيم يخلق الشيء مُحْكماً لا يتطرق إليه فساد، وهو سبحانه خبير عنده علم بخفايا الأمور.
    ويقول الحق سبحانه وتعالى في آية أخرى:
    * لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ *[الأنعام: 103].
    فالله سبحانه لا تدركه عين، وعينه ـ سبحانه وتعالى ـ لا تغفل عن أدق شيء وأخفى نية.
    إذن: فقول الحق سبحانه وتعالى:
    * الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ * [هود: 1].
    يبيِّن لنا أن القرآن كلام الله القدير الذي بُني على الإحكام، ونزل مُحْكماً جملة واحدة، ثم جاءت الأحداث المناسبة لينزل من السماء الدنيا نجوماً مفصلة تناسب كل حدث.
    وأحكام الكتاب ثم تفصيله له غاية، هي الغاية من المنهج كله، ويبيِّنها الحق سبحانه في الآية التالية: * أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ اللَّهَ *
    أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنَّنِي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ (2)

    إذن: فقد أحكمت آيات الكتاب وفصِّلت لغاية هي: ألا نعبد إلا الله.
    والعبادة هي طاعة العابد للمعبود فيما أمر، وفيما نهى.
    وهكذا نجد أن العبادة تقتضي وجود معبود له أمر وله نهي، والمعبود الذي لا أمر له ولا نهي لا يستحق العبادة، فهل مَنْ عَبَدَ الصنم تلقَّى من أمراً أو نهياً؟
    وهل مَنْ عَبَدَ الشمس تلقَّى منها أمراً أو نهياً؟
    إذن: فكلمة العبادة لكل ما هو غير الله هي عبادة باطلة؛ لأن مثل تلك المعبودات لا أمر لها ولا نهي، وفوق ذلك لا جزاء عندها على العمل الموافق لها أو المخالف لها.
    والعبادة بدون منهج " افعل " و " لا تفعل " لا وجود لها، وعبادة لا جزاء عليها ليست عبادة.
    وهنا يجب أن نلحظ أن قول الحق سبحانه:
    * أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ اللَّهَ * [هود: 2].
    غير قوله سبحانه:
    * اعْبُدُواْ اللَّهَ *[المائدة: 72].
    ولو أن الرسل تأتي الناس وهم غير ملتفتين إلى قوة يعبدونها ويقدسونها لكان على الرسل أن يقولوا للناس:* اعْبُدُواْ اللَّهَ *[الأعراف: 59].
    ولكن هنا يقول الحق سبحانه: * أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ اللَّهَ * [هود: 2].
    فكأنه سبحانه يواجه قوماً لهم عبادة متوجهة إلى غير من يستحق العبادة؛ فيريد سبحانه أولاً أن يُنهي هذه المسألة، ثم يثبت العبادة لله.
    إذن: فهنا نفي وإثبات، مثل قولنا: " أشهد ألا إله إلا الله " ، هنا ننفي أولاً أن هناك إلهاً غير الله، ونثبت الألوهية لله سبحانه.
    وأنت لا تشهد هذه الشهادة إلا إذا وُجد قوم يشهدون أن هناك إلهاً غير الله تعالى، ولو كانوا يشهدون بألوهية الإله الواحد الأحد سبحانه؛ لكان الذهن خالياً من ضرورة أن نقول هذه الشهادة.
    ولكن قول الحق سبحانه * أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ اللَّهَ * [هود: 2].
    معناه النفي أولاً للباطل، وإذا نُفِي الباطل لا بد أن يأتي إثبات الحق، حتى يكون كل شيء قائماً على أساس سليم.
    ولذلك يقال: " درء المفسدة مقدَّم دائماً على جلب المنفعة " فالبداية ألا تعبد الأصنام، ثم وجِّه العبادة إلى الله سبحانه.
    وما دامت العبادة هي طاعة الأمر، وطاعة النهي، فهي ـ إذن ـ تشمل كل ما ورد فيه أمر، وكل ما ورد فيه نهي.
    وإنْ نظرت إلى الأوامر والنواهي لوجدتها تستوعب كل أقضية الحياة من قمة الشهادة بأن لا إله إلا الله، إلى إماطة الأذى عن الطريق.
    وكل حركة تتطلبها الحياة لإبقاء الصالح على صلاحه أو زيادة الصالح ليكون أصلح، فهذه عبادة.
    كلمتان خفيفتان على اللسان .. ثقيلتان في الميزان .. حبيبتان إلى الرحمن

    سبحان الله وبحمده .. سبحان الله العظيم

  2. #2
    Super Moderator
    رقم العضوية : 2
    تاريخ التسجيل : Jun 2016
    المشاركات: 3,273
    التقييم: 10
    الدولة : الأردن
    العمل : طالب علم
    إذن: فالإسلام لا يعرف ما يقال عنه " أعمال دنيئة " ، و " أعمال شريفة " ولكنه يعرف أن هناك عاملاً دنيئاً وعاملاً شريفاً.

    وكل عامل يعمل عملاً تتطلبه الحياة بقاء للصالح أو ترقية لصلاحه وعدم الإفساد، فهذا عامل شريف؛ وقيمة كل امرىء فيما يحسنه.
    وهكذا نجد أن كلمة العبادة تستوعب كل أقضية الحياة؛ لأن هناك أمراً بما يجب أن يكون، وهناك نهياً عما يجب ألا يكون، وما لم يرد فيه نهي لك الخيار في أن تفعله أو لا تفعله، فإذا نظرت إلى نسبة ما تؤمر به، ونظرت ألى ما تُنهى عنه بالنسبة لأعمال الحياة، لوجدت أنها نسبة لا تتجاوز خمسة في المائة من كل أعمال الحياة، ولكنها الأساس الذي تقوم عليه كل أوجه الحياة.
    ولذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " بُني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وحج البيت وصوم رمضان ".
    وأعداء الإسلام يحاولون أن يحددوا الدين في هذه الأركان الخمسة، ولكن هذه الأركان هي الأعمدة التي تقوم عليها عمارة الإسلام.
    وأركان الإسلام هي إعلان استدامة الولاء لله تعالى، وكل أمر من أمور الحياة هو مطلوب للدين؛ لأنه يصلح الحياة.
    وهكذا نجد أن العلم بالدين ضرورة لكل إنسان على الأرض، أما العلوم ا لأخرى فهي مطلوبة لمن يتخصص فيها ويرتقي بها ليفيد الناس كلهم، وكلما كان المتفوق من المسلمين كان ذلك تدعيماً لرفعة الإسلام.
    إذن فالقاسم المشترك في الحياة هو العلم بالدين، ولكن يجب أن نفهم هذه القضية على قدرها، فلا يأتي إنسان لا يعرف صحيح الدين ليتكلم والعَوْل، والرد؛ لأن المسلم قد تمر حياته كلها ولا يحتاج رأياً في قضية التوريث، أو أن يتعرف على المستحقين للميراث وأنصبتهم، وغير ذلك.
    وإن تعرَّض المسلم لقضية مثل هذه، نقول له: أنت إذا تعرضت لقضية مثل هذه فاذهب إلى المختصين بهذا العلم، وهم أهل الفقه والفتوى، لأنك حين تتعرض لقضية صحية تذهب إلى الطبيب، وحين تتعرض إلى قضية هندسية تذهب إلى المهندس، وإن تعرضت لعملية محاسبية تذهب إلى المحاسب، فإن تعرضت إى أي أمر ديني، فأنت تسأل عنه أهل الذكر.
    وأنت إذا نظرت إلى العبادة، تجد أنها تتطلب كل حركة في الحياة، وسبق أن ضربت لذلك مثلاً وقلت: هَبْ أن إنساناً يصلي، ولا يفعل شيئاً في الحياة غير الصلاة، فمن أين له أن يشتري ثوباً يستر به عورته ما دام لا يعمل عملاً أخر غير الصلاة، وهو إن أراد أن يشتري ثوباً، فلا بد له من عمل يأخذ مقابله أجراً، ويشتري الثوب من تاجر التجزئة، الذي اشترى الأثواب من تاجر الجملة، وتاجر الجملة اشتراها من المصنع، في الدين؛ لأن العلم بالدين يقتضي اللجوء إلى أهل الذكر.
    فإن قيل: الدين للجميع، نقول: صدقت بمعنى التدين للجميع، أما العلم بالدين فله الدراسة المتفقهة.

    وأهل الذكر أيضاً في العلوم الأخرى يقضون السنوات لتنمية دراساتهم، كما في الطب أو الهندسة أو غيرهما، وكذلك الأعمال المهنية تأخذ من الذي يتخصص فيها وقتاً وتتطلب جهداً، فما بالنا بالذي يُصلح أسس إقامة الناس في الحياة، وهو التفقه في الدين.
    لذلك يقول الحق سبحانه:
    * فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُواْ فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُواْ إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ *[التوبة: 122].
    فنحن لا نطلب من كل مسلم ـ مثلاً ـ أن يدرس المواريث ليعرف العَصبة وأصحاب الفروض، وأولي الأرحام، والمصنع قام بتفصيل الثياب بعد أن نسجها مصنع آخر، والمصنع الآخر نسج الثياب من غزل القطن أو الصوف. والقطن جاء من الزراعة، والصوف جاء من جز شعر الأغنام.
    وهكذا تجد أن مجرد الوقوف أمام خالقك لتصلي يقتضي أن تكون مستور العورة في صلاتك، هذا الستر يتطلب منك أن تتفاعل مع الحياة بالعمل.
    وانظر لنفسك واسألها: ما أفطرتَ اليوم؟
    وأقلُّ إجابة هي: أفطرت برغيف وقليل من الملح، وستجد أنك اشتريت الرغيف من البقال، وجاء البقال بالرغيف من المخبز، والمخبز جاء بالدقيق من المطحن، والمطحن أنتج الدقيق بعد طحن الغلال التي جاءت من الحقل. وكذلك تمت صناعة ألات الطحن في مصانع أخرى قد تكون أجنبية.
    وهكذا تمت صناعة الرغيف بسلسلة هائلة من العمليات، فهناك الفلاح الذي حرث، وهناك مصمم آلة الطحن الذي درس الهندسة، وهناك عالم " الجيولوجيا " الذي درس طبقات الأرض ليستخرج الحديد الخام من باطنها، وهناك مصنع الحديد الذي صهر الحديد الخام؛ ليستخلص منه الحديد النقي الصالح للتصنيع.
    وهكذا تجد أن كل حركة في الحياة قد خدمت قضية دينك، وخدمت وقوفك أمام خالقك لتصلي، فلا تقل: " سأنقطع للعبادة " بمعنى أن تقصر حياتك على الصلاة فقط، لأن كل حركة تصلح في الحياة هي عبادة، وإن أردت ألا تعمل في الحياة، فلا تنتفع بحركة عامل في الحياة. وإذا لم تنتفع بحركة أي عامل في الحياة، فلن تقدر أن تصلي، ولن تقدر أن يكون لك قوة لتصلي.
    إذن فالعبادة هي كل حركة تتطلبها الحياة في ضوء " افعل " و " لا تفعل ".
    وهنا يقول الحق سبحانه وتعالى:
    * أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ اللَّهَ إِنَّنِي لَكُمْ مِّنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ * [هود: 2].
    والنذير: هو من يُخبر بشرٍّ زمنه لم يجيء، لتكون هناك فرصة لتلافي العمل الذي يُوقع في الشر، والبشير هو من يبشِّر بخير سيأتي إن سلك الإنسان الطريق إلى ذلك الخير.
    إذن: الإنذار والبشارة هي أخبار تتعلق بأمر لم يجيء.
    وفي الإنذار تخويف ونوع من التعليم، وأنت حين تريد أن تجعل ابنك مُجِداً في دراسته؛ تقول له: إن لم تذاكر فسوف تكون كابن فلان الذي أصبح صعلوكاً تافهاً في الحياة.

    إذن: فأنت تنذر ابنك؛ ليتلافى من الآن العمل الذي يؤدي به إلى الفشل الدراسي.
    وكذلك يبشر الإنسان ابنه أو أي إنسان آخر بالخير الذي ينتظره حين يسلك الطريق القويم.
    إذن: فالعبادة هي كل حركة من حركات الحياة ما دام الإنسان مُتَّبعاً ما جاء بالمنهج الحق في ضوء " افعل " و " لا تفعل " ، وما لم يرد فيه " افعل " و " لا تفعل " فهو مباح.
    وعلى الإنسان المسلم أن يُبصِّر نفسه، ومن حوله بأن تنفيذ أي فعل في ضوء " افعل " هو العمل المباح، وأن يمتنع عن أي فعل في ضوء " لا تفعل " ما دام الحق سبحانه وتعالى قد نهى عن مثل هذا الفعل، وعلى المسلم تحرِّي الدقة في مدلول كل سلوك.
    ونحن نعلم أن التكليفات الإيمانية قد تكون شاقة على النفس، ومن اللازم أن نبيِّن للإنسان أن المشقة على النفس ستأتي له بخير كبير.
    ومثال ذلك: حين نجد الفلاح وهو يحمل السماد العضوي من حظيرة البهائم؛ ليضعه على ظهر الحمار ويذهب به إلى الحقل؛ ليخلطه بالتربة، وهو يعمل هذا العمل بما فيه من مشقة انتظاراً ليوم الحصاد.
    ويبيِّن الحق ـ سبحانه وتعالى ـ هنا على لسان رسوله أن الأمر بعدم عبادة أي كائن غير الله، هو أمر من الله سبحانه، وأن الرسول صلى الله عليه وسلم هو نذير وبشير من الله.
    وقول الحق سبحانه وتعالى:
    * أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ اللَّهَ * [هود: 2].
    فيه نفي لعبادة غير الله، وإثبات لعبودية الله تعالى.
    وهذا يتوافق ويتسق مع الإنذار والبشارة؛ لأن عبادة غير الله تقتضي نذيراً، وعبادة الله في الإسلام تقتضي بشيراً.
    ولأن الحق سبحانه وتعالى هو خالق الإنسان ويعلم ضعف الإنسان، ومعنى هذا الضعف أنه قد يستولي عليه النفع العاجل، فيُذهبه عن خير آجلٍ أطول منه، فيقع في بعض من غفلات النفس.
    لذلك بيَّن الحق سبحانه أن من وقع في بعض غفلات النفس عليه أن يستغفر الله؛ لأن الله سبحانه وتعالى لا يبخل برحمته على أحدٍ من خلقه.
    وإن طلب العبد المذنب مغفرة الله، فسبحانه قد شرع التوبة، وهي الرجوع عن المعصية إلى طاعة الله تعالى.
    ولا يقع عبد في معصية إلا لأنه تأبَّى على منهج ربه، فإذا ما تاب واستغفر، فهو يعود إلى منهج الله سبحانه، ويعمل على ألا يقع في ذنب جديد.
    وهنا يقول الحق سبحانه: * وَأَنِ اسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ *
    وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعًا حَسَنًا إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ (3)

    وهكذا يبيِّن الحق سبحانه أن على العبد أن يستغفر من ذنوبه السابقة التي وقع فيها، وأن يتوب من الآن، وأن يرجع إلى منهج الله تعالى، لينال الفضل من الحق سبحانه.
    المطلوب ـ إذن ـ من العبد أن يستغفر الله تعالى، وأن يتوب إليه.
    هذا هو مطلوب الله من العاصي؛ لأن درء المفسدة مقدَّم على جلب المصلحة، وحين يعجل العبد بالتوبة إلى الله تعالى فهو يعلم أن ذنباً قد وقع وتحقق منه، وعليه ألا يؤجل التوبة إلى زمنٍ قادم؛ لأنه لا يعلم إن كان سيبقى حياً أم لا.
    ولذلك يقول الحق سبحانه:
    * وَأَنِ اسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَّتَاعاً حَسَناً إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى * [هود: 3].
    والحق سبحانه يُجمل قضية اتباع منهجه في قوله تعالى:
    * فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلاَ يَضِلُّ وَلاَ يَشْقَى *[طه: 123].
    وقال في موضع آخر:
    * مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً *[النحل: 97].
    فالحياة الطيبة في الدنيا وعدم الضلال والشقاء متحققان لمن اتبع منهج الله تعالى.
    وظن بعض العلماء أن هذا القول يناقض في ظاهره قول النبي صلى الله عليه وسلم بأن " الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر " و " إن أشد الناس بلاءً الأنبياء، ثم الصالحون، ثم الأمثل فالأمثل ".
    وقال بعض العلماء: فكيف تقول: * يُمَتِّعْكُمْ مَّتَاعاً حَسَناً * [هود: 3].
    هنا نقول: ما معنى المتاع؟
    المتاع: هو ما تستمتع به وتستقبله بسرور وانبساط.
    ويعلم المؤمن أن كل مصيبة في الدنيا إنما يجزيه الله عليها حسن الجزاء، ويستقبل هذا المؤمن قضاء الله تعالى بنفس راضية؛ لأن ما يصيبه قد كتبه الله عليه، وسوف يوافيه بما هو خير منه.
    وهناك بعض من المؤمنين قد يطلبون زيادة الابتلاء.
    إذن: فالمؤمن كل أمره خير؛ وإياك أن تنظر إلى من أصابته الحياة بأية مصيبة على أنه مصاب حقاً؛ لأن المصاب حقاً هو من حُرِم من الثواب.
    ونحن نجد في القرآن قصة العبد الصالح الذي قتل غلاماً كان أبواه مؤمنين، فخشي العبد الصالح أن يرهقهما طغياناً وكفراً، فهذا الولد كان فتنة، ولعله كان سيدفع أبويه إلى كل محرم، ويأتي لهما بالشقاء.
    إذن: فالمؤمن الحق هو الذي يستحضر ثواب المصيبة لحظة وقوعها.
    ومنَّا من قرأ قصة المؤمن الصالح الذي سار في الطريق من المدينة إلى دمشق، فأصيبت رِجْله بجرح وتلوث هذا الجرح، وامتلأ بالصديد مما يقال عنه في الاصطلاح الحديث " غرغرينة " وقرر الأطباء أن تٌقطع رجله، وحاولوا أن يعطوه " مُرَقِّداً " أي: مادة تُخدِّره، وتغيب به عن الوعي؛ ليتحمل ألم بتر الساق، فرفض العبد الصالح وقال:
    إني لا أحب أن أغفل عن ربي طرفة عين.

    ومثل هذا العبد يعطيه الله سبحانه وتعالى طاقة على تحمُّل الألم، لأنه يستحضر دائماً وجوده في معية الله، ومفاضٌ عليه من قدرة الله وقوته سبحانه.
    وحينما قطع الأطباء رجله، وأرادوا أن يكفنوها وأن يدفنوها، فطلب أن يراها قبل أن يفعلوا ذلك، وأمسكها ليقول: اللهم إن كنت قد ابتليت في عضو، فإني قد عوفيت في أعضاء.
    إذن: فصاحب المصيبة حين يستحضر الجزاء عليها، إنما يحيا في متعة، ولذلك لا تتعجب حين يحمد أناس خالقهم على المصائب؛ لأن الحمد يكون على النعمة، والمصيبة قد تأتي للإنسان بنعمة أوسع مما أفقدته.
    ولذلك نجد اثنين من العارفين بالله وقد أراد أن يتعالم كل منهما على الآخر؛ فقال واحد منهما:
    كيف حالكم في بلادكم أيها الفقراء؟
    ـ والمقصود بالفقراء هم العُبَّاد الزاهدون ويعطون أغلب الوقت لعبادة الله تعالى ـ فقال العبد الثاني:
    حالنا في بلادنا إنْ أعطينا شكرنا، وإنْ حُرمنا صبرنا.
    فضحك العبد الأول وقال:
    هذا حال الكلاب في " بلخ: أي: أن الكلب إن أعطيته يهز ذيله، وإن منعه أحد فهو يصبر.
    وسأل العبد الثاني العبد الأول:
    وكيف حالكم أنتم؟
    فقال: نحن إن أعطينا آثرنا، وإن حُرِمنا شركنا.
    إذن: فكل مؤمن يعيش في منهج الله سبحانه وتعالى فهو يستحضر في كل أمر مؤلم وفي كل أمر متعب، أن له جزاءً على ما ناله من التعب؛ ثواباً عظيماً خالداً من الله سبحانه وتعالى.
    ولذلك يقول الحق سبحانه:
    * يُمَتِّعْكُمْ مَّتَاعاً حَسَناً * [هود: 3].
    والحسن هنا له مقاييس، يُقاس بها اعتبار الغاية؛ فحين تضم الغاية إلى الفعل تعرف معنى الحسن.
    ومثال ذلك: هو التلميذ الذي لا يترك كتبه، بل حين ياتي وقت الطعام، فهو يأكل وعيناه لا تفارقان الكتاب.
    هذا التلميذ يستحضر متعة النجاح وحُسْنه ونعيم التفوق، وهو تلميذ يشعر بالغاية وقت أداء الفعل.
    ويقول الحق سبحانه في نفس الآية:
    * وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ * [هود: 3].
    أي: يؤتى كل ذي فضل مجزول لمن لا فضل له، فكأن الحق سبحانه يمنِّي الفضل للعبد.
    ومثال ذلك: الفلاح الذي يأخذ من مخزن غلاله إردباً من القمح ليبذره في الأرض؛ ليزيده الله سبحانه وتعالى بزراعة هذا الإردب، ويصبح الناتج خمسة عشر إردباً.
    والفضل هو الأجر الزائد عن مساويه، فمثلاً هناك فضل المال قد يكون عندك، أي: زائد عن حاجتك، وغيرك لا يملك مالاً يكفيه، فإن تفضلت ببعض من الزائد عندك، وأعطيته لمن لا مال عنده فأنت تستثمر هذا العطاء عند الله سبحانه وتعالى.
    والحق سبحانه وتعالى قد يعطيك قوة، فتعطى ما يزيد منها لعبد ضعيف.
    وقد يكون الحق سبحانه قد أسبغ عليك فضلاً من الحلم، فتعطى منه لمن أصابه السفه وضيق الخلق.
    إذن: فكل ما يوجد عند الإنسان من خصلة طيبة ليست عند غيره من الناس، ويفيضها عليهم، فهي تزيد عنده لأنها تربو عند الله، وإن لم يُفِضْها على الغير فهي تنقص.

    ولذلك يقول الحق سبحانه:
    * وَمَآ آتَيْتُمْ مِّن رِّباً لِّيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلاَ يَرْبُو عِندَ اللَّهِ وَمَآ آتَيْتُمْ مِّن زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُوْلَـائِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ *[الروم: 39].
    ويقول الحق سبحانه وتعالى في الآية التي نحن بصدد خوطرنا عنها:
    * وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ * [هود: 3].
    وبعض من أهل المعرفة يفهم هذا القول الكريم بأن الإنسان الذي يفيض على غيره مما آتاه الله، يعطيه الحق سبحانه بالزيادة ما يعوضه عن الذي نقص، أو أنه سبحانه وتعالى يعطي كل صاحب فضلٍ فضل ربه، وفضل الله تعالى فوق كل فضل.
    ثم يقول الحق سبحانه:
    * وَإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ * [هود: 3].
    فإن أعرضوا عنك فأبلغهم أنك تخاف عليهم من عذاب اليوم الآخر، ويُوصف العذاب مرة بأنه كبير، ويوصف مرة بأنه عظيم، ويوصف مرة بأنه مهين؛ لأنه عذاب لا ينتهي ويتنوع حسب ما يناسب المعذب، فضلاً عن أن العذاب الذي يوجد في دنيا الأغيار هو عذاب يجري في ظل المظنة بأنه سينقضي، أما عذاب اليوم الآخر فهو لا ينقضي بالنسبة للمشركين بالله أبداً.
    ويقول الحق من بعد ذلك: * إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ *
    إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (4)

    أي: إلى الله مرجعكم في الإيجاد والإمداد، والبداية والنهاية، وبداية النهاية التي لا انتهاء معها وهي الآخرة، فيثيب المحسن على إحسانه، ويعاقب المسيء على إساءته، فيؤتي سبحانه لكل ذي عمل صالح في الدنيا أجره، وثوابه في الآخرة.
    ومن كثرت حسناته على سيئاته دخل الجنة، ومن زادت سيئاته على حسناته دخل النار.
    وفي الدنيا من زادت حسناته على سيئاته وعاش بين القبض والبسط.
    والقبض والبسط هو إقبال على الله بتوبة وباعتراف بالذنب، والإقرار بالذنب هو بداية التوبة.
    ومن كثرت سيئاته على حسناته كان في ضنك العيش وقلق النفس.
    ويؤتي الحق سبحانه كل ذي فضل فضله، فمن عمل لله عز وجل؛ وفقه الله فيما يستقبل على طاعته، والذين أعرضوا يُخاف عليهم من عذاب يوم كبير.
    * وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * [هود: 4].
    لأنه سبحانه القادر على الإيجاد وعلى الإمداد، وعلى البداية والنهاية المحدودة، وبداية الخلود إما إلى جنة وإما إلى نار، فهو القادر على كل شيء.
    ويقول الحق سبحانه من بعد ذلك: * أَلا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُواْ مِنْهُ *
    أَلَا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ أَلَا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (5)

    وإذا وجد " ألا " في أول الكلام فأنت تعلم أنها للتنبيه، ومعنى التنبيه أنه أمر يوقظ لك السامع إن كان غافلاً؛ لأنك تحب ألا تفوته كلمة من الكلام الذي تقوله.
    وحين تنبهه بغير أداء الأسلوب الذي تريده منه، هنا يكون التنبيه قد أخذ حقه، ومن بعد ذلك يجيء الكلام الذي تقوله، وقد تهيَّأ ذهن السامع لاستقبال ما تقول.
    فـ " ألا " ـ إذن ـ هي أداة تنبيه؛ لأن الكلام ستار بين المتكلم والمخاطب، والمخاطب لا يعرف الموضوع الذي ستكلمه فيه، والمتكلم هو الذي يملك زمام الموقف، وهو يهيىء ذهنه لترتيب ما يقول من كلمات، أما المستمع فسوف يفاجأ بالموضوع؛ وحتى لا يفاجأ ولا تضيع منه الفرصة ليلتقط كلمات المتكلم من أولها، فهو ينبه بأداة تنبيه ليستمع.
    ويقول الحق سبحانه هنا:
    * أَلا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُواْ مِنْهُ * [هود: 5].
    ويقال: ثنيت الشيء أي: طويته، وجعلته جزئين متصلين فوق بعضهما البعض.
    وحين يثني الإنسان صدره، فهو يثنيه إلى الأمام ناحية بطنه، ويداري بذلك وجهه، والغرض هنا من مداراة الوجه هو إخفاء الملامح؛ لأن انفعال مواجيد النفس البشرية ينضح على الوجوه؟
    وهم كارهون للرسول صلى الله عليه وسلم، وحاقدون عليه؛ ولا يريدون أن يلحظ الرسول صلى الله عليه وسلم ما على ملامحهم من انفعالات تفضح مواجيدهم الكارهة.
    ومثل ذلك جاء من قوم نوح عليه السلام، حين قال الحق سبحانه على لسان نوح:
    * وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُواْ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْاْ ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّواْ وَاسْتَكْبَرُواْ اسْتِكْبَاراً *[نوح: 7].
    ومن البداهة أن نعرف أن الإصبع لا تدخل كلها إلى الأذن، إنما الأنملة تسد فقط فتحة السمع، وعدَّل القرآن الكريم ذلك بمبالغة تكشف موقف نوح ـ عليه السلام ـ، فكل منهم أراد أن يُدخِل إصبعه في أذنه حتى لا يسمع أي دعوة، وهذا دليل كراهية، وهذه شهادة ضدهم؛ لأنهم يفهمون أنهم لو سمعوا فقد تميل قلوبهم لما يقال.
    ولذلك نجد أن القرآن الكريم وهو ينقل لنا ما قاله مشركو مكة لبعضهم البعض:
    * وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لاَ تَسْمَعُواْ لِهَـاذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْاْ فِيهِ *[فصلت:26].
    فكأنهم تواصوا بالتشويش على القرآن، ثقة منهم في أن القرآن لو تناهى إلى الأذن فقد يؤثر في نفسية السامع؛ لأن النفس البشرية أغيار، و قد تأتي للنفس ما يجعلها تميل دون أن يشعر صاحبها.
    ولو كان هذا القرآن باطلاً، فلماذا خافوا من سماعه؟
    ولكنه الغباء في العناد والكفر.
    وهنا يقول الحق سبحانه وتعالى:
    * أَلا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُواْ مِنْهُ أَلا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ * [هود: 5].
    وهم قد استغشوا ثيابهم ليغطوا وجوههم؛ مداراة للانفعالات التي تحملها هذه الوجوه، وهي انفعالات كراهية، أو أنها قد تكون انفعالات أخرى، فساعة يسمع واحد منهم القرآن قد ينفعل لما يسمع، ولا يريد أن يُظهر الانفعال.

    إذن: فالانفعال قد يكون قسرياً، وكان كفار قريش رغم كيدهم وحربهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم، يتسللون ناحية بيت النبي صلى الله عليه وسلم ليسمعوا القرآن، وكانوا يضبطون بعضهم البعض هنالك، ويدّعي كل منهم أنه إنما مرَّ على بيت النبي صلى لله عليه وسلم مصادفة.
    وفي ذلك يقول الشاعر:اذكُروهُمْ وقد تسلَّل كلُّ بعدَ ما انفضَّ مجلسُ السُّمَّارِاختلاساً يسْعَى لحجرةِ طَهَ لسَماعِ التنزيلِ في الأسْحَارِعُذْرهم حُسْنُهُ فلمّا تَراءَوْا عَلَّلوها ببَارزِ الأعْذَارِوجاء الحق سبحانه وتعالى هنا في نفس الآية بـ " ألا " في قوله:
    * أَلا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ * [هود: 5].
    فهم إن داروا على محمد صلى الله عليه وسلم، فهل هم قادرون على المداراة على رب محمد؟ والذي لا يدركه بصر محمد فربُّ محمد سيُعلمه به.
    وما دام الحق سبحانه يعلم ما يسرون، فمن باب أولى أنه سبحانه وتعالى يعلم ما يعلنون.
    والحق سبحانه وتعالى غيب، وربما ظن ظان أنه قد يفلت منه شيء، ولكن الحق سبحانه يُحصي ولا يُحصَى عليه، فإن ظن ظان أن الحق سبحانه يعلم الغيب فقط؛ لأنه غيب، فهذا ظن خاطىء؛ لأنه يعلم السر والعلن، فهو عليم بذات الصدور، وكلمة " عليم " صيغة مبالغة، وهي ذات في كنهها العلم.
    وقول الحق سبحانه:
    * عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ * [هود: 5].
    نجد فيه كلمة * ذَاتِ * وهي تفيد الصحبة، و(ذَاتِ الصُّدُورِ) أي: الأمور المصاحبة للصدور.
    ونحن نعلم أن الصدر محل القلب، ومحل الرئة، والقلب محل المعتقدات التي انتُهي إليها، وصارت حقائق ثابتة، وعليها تدور حركة الحياة.
    ويُقصد بـ * بِذَاتِ الصُّدُورِ * أي: المعاني التي لا تفارق الصدور، فهي صاحبات دائمة الوجود في تلك الصدور، سواء أكانت حقداً أو كراهية، أو هي الأحاسيس التي لا تظهر في الحركة العادية، سواء أكانت نية حسنة أو نية سيئة.
    وكل الأمور التي يسمونها ذات الصدور، أي: صاحبات الصدور، وهي القلوب، وكأن الجِرْم نفسه وهو القلب معلوم للحق سبحانه وتعالى، فخواطره من باب أولى معلومة.
    ويقول الحق سبحانه بعد ذلك: * وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي الأَرْضِ *
    كلمتان خفيفتان على اللسان .. ثقيلتان في الميزان .. حبيبتان إلى الرحمن

    سبحان الله وبحمده .. سبحان الله العظيم

  3. #3
    Super Moderator
    رقم العضوية : 2
    تاريخ التسجيل : Jun 2016
    المشاركات: 3,273
    التقييم: 10
    الدولة : الأردن
    العمل : طالب علم
    وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (6)
    وحين يذكر القرآن الكريم لقطة توضح صفة ما، فهو يأتي بما يتعلق بهذه الصفة، وما دام الحق سبحانه عليماً بذات الصدور، فهذا علم بالأمور السلبية غير الواضحة، والحق سبحانه يعلم الإيجابيات أيضاً، فهو يعلم النية الحسنة أيضاً، ولكن الكلام هنا يخص جماعة يثنون صدورهم.
    وجاء في الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها، وبيَّن أنه عليم بكل شيء.
    وقال سبحانه:
    * وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلاَّ عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا * [هود: 6].
    والدابة: كا ما يدب على الأرض، وتستخدم في العرف الخاص للدلالة على أي كائن يدب على الأرض غير الإنسان.
    وفي آية أخرى يقول الحق سبحانه:
    * وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلاَ طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلاَّ أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ *[الأنعام: 38].
    وذكر الحق سبحانه وتعالى عن موسى عليه السلام أنه شُغِل ـ حينما كُلِّف ـ بخواطر عن أهله، وتساءل: كيف أذهب لأداء الرسالة وأترك أهلي؟
    فأوحى الله سبحانه أن يضرب حجراً فانفلق الحجر عن صخرة، فأمره الحق سبحانه أن يضرب الصخرة، فضربها فانفلقت ليخرج له حجر، فضرب الحجر فانشق له عن دودة تلوك شيئاً كأنما تتغذى به، فقال: إن الذي رزق هذه في ظلمات تلك الأحجار كلها لن ينسى أهلي على ظهر الأرض. ومضى موسى عليه السلام إلى رسالته.
    وهذا أمر طبيعي؛ لأن الحق سبحانه خالق كل الخلق، ولا بد أن يضمن له استبقاء حياة واستبقاء نوع؛ فاستبقاء الحياة بالقوت، واستبقاء النوع بالزواج والمصاهرة.
    إذن: فمن ضمن ترتيبات الخلق أن يوفر الحق سبحانه وتعالى استبقاء الحياة بالقوت، واستبقاء النوع بالتزاوج.
    ولذلك نقول دائماً: يجب أن نفرق بين عطاء الإله وعطاء الرب، فالإله سبحانه هو رب الجميع، لكنه إله من آمن به.
    وما دام الحق سبحانه هو رب الجميع، فالجميع مسئولون منه؛ فالشمس تشرق على المؤمن وعلى الكافر، وقد يستخرج الكافر من الشمس طاقة شمسية وينتفع بها، فلماذا لا يأخذ المؤمن بالأسباب؟
    والهواء موجود للمؤمن والكافر؛ لأنه عطاء ربوبية، فإن استفاد الكافر من الهواء ودرسه، واستخدم وخواصه أكثر من المؤمن؛ فعلى المؤمن أن يجدَّ ويكدَّ في الأخذ بالأسباب.
    إذن: فهناك عطاء للربوبية يشترك فيه الجميع، لكن عطاء الألوهية إنما يكون في العبادة، وهو يُخرجك من مراداتك إلى مرادات ربك، فحين تطلب منك شهواتك أن تفعل أمراً فيقول لك المنهج: لا.
    وفي هذا تحكم منك في الشهوات، وارتقاء في الاختبارات، أما في الأمور الحياتية الدنيا، فعطاء الربوبية لكل كائن ليستبقي حياته.
    وهنا يقول الحق سبحانه وتعالى:
    * وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلاَّ عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا * [هود: 6].
    وكلمة " على " تفيد أن الرزق حق للدابة، لكنها لم تفرضه هي على الله سبحانه وتعالى، ولكنه سبحانه قد ألزم نفسه بهذا الحق.

    ويقول سبحانه:
    * وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا * [هود: 6].
    ولأنه سبحانه هو الذي يرزق الدابة فهو يعلم مستقرها وأين تعيش؛ ليوصل إليها هذا الرزق.
    والمستقر: هو مكان الاستقرار، والمستودع: هو مكان الوديعة.
    والحق سبحانه يُعْلِمنا بذلك ليطمئن كل إنسان أن رزقه يعرف عنوانه، والإنسان لا يعلم عنوان الرزق.
    فالرزق يأتي لك من حيث لا تحتسب، لكن السعي إلى الرزق شيء آخر؛ فقد تسعى إلى رزق ليس لك، بل هو رزق لغيرك.
    فمثلاً: أنت قد تزرع أرضك قمحاً فيأتي لك سفر للخارج، وتترك قمحك؛ ليأكله غيرك، وتأكل أنت من قمح غيرك.
    ولذلك يقول الحق سبحانه:
    * وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ * [هود: 6].
    أي: أن كل أمر مكتوب، وهناك فرق بين أن تفعل ما تريد، ولكن لا يحكم إرادتك مكتوب؛ فما يأتي على بالك تفعله، وبين أن تفعل أمراً قد وضعت خطواته في خطة واضحة مكتوبة، ثم تأتي أفعالك وفقاً لما كتبته.
    ومن عظمة الخالق سبحانه أن كتب كل شيء، ثم يأتي كل ما في الحياة وفق ما كتب.
    والدليل على ذلك ـ على سبيل المثال ـ أن الله سبحانه كان يوحي إلى رسوله بالسورة من القرآن الكريم، وبعد ذلك يُسرِّي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم الوحي، فيتلو السورة على أصحابه، فمن يستطيع الكتابة فهو يكتب، ومن يحفظ فهو يحفظ.
    ثم يأتي الرسول صلى الله عليه وسلم إلى الصلاة، فيقرأ السورة كما كُتِبَتْ، ويأتي كل نجم من القرآن في مكانه الذي قاله النبي صلى الله عليه وسلم لصحابته، فكيف كان يحدث ذلك؟
    لقد حدث ذلك بما جاء به الحق سبحانه، وأبلغه لرسوله صلى الله عليه وسلم:
    * سَنُقْرِئُكَ فَلاَ تَنسَىا *[الأعلى: 6].
    ويقول الحق سبحانه بعد ذلك: * وَهُوَ الَّذِي خَلَق السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ *
    وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَلَئِنْ قُلْتَ إِنَّكُمْ مَبْعُوثُونَ مِنْ بَعْدِ الْمَوْتِ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ (7)

    وقد تعرض القرآن الكريم لمسألة خلق الأرض والسماء أكثر من مرة.
    وقلنا من قبل: إن الحق سبحانه وتعالى قد شاء أن يخلق الأرض والسموات في ستة أيام من أيام الدنيا، وكان من الممكن أن يخلقها في أقل من طرفة عين بكلمة " كن " وعرفنا أن هناك فارقاً بين إيجاد الشيء، وطرح مكونات إيجاد الشيء.
    ومثال ذلك ـ ولله المثل الأعلى ـ حين يريد الإنسان صنع " الزبادي " ، فهو يضع جزءاً من مادة الزبادي ـ وتسمى " خميرة " ـ في كمية مناسبة من اللبن الدافىء، وهذه العملية لا تستغرق من الإنسان إلا دقائق، ثم يترك اللبن المخلوط بخميرة الزبادي، وبعد مضي أربع وعشرين ساعة يتحول اللبن المخلوط بالخميرة إلى زبادي بالفعل.
    وهذا يحدث بالنسبة لأفعال البشر، فهي أفعال تحتاج إلى علاج، ولكن أفعال الخالق سبحانه وتعالى لا علاج فيها؛ لأنها كلها تأتي بكلمة " كن ".
    أو كما قال بعض العلماء: إن الله شاء أن يجعل خلق الأرض والسموات في ستة أيام، وقد أخذ بعض المستشرقين من هذه الآية، ومن آيات أخرى مجالاً لمحاولة النيل من القرآن الكريم، وأن يدَّعوا أن فيه تعارضاً، فالحق سبحانه وتعالى هنا يقول:
    * وَهُوَ الَّذِي خَلَق السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ * [هود: 7].
    وجاءوا إلى آية التفصيل وجمعوا ما فيها من أيام، وقالوا: إنها ثمانية أيام، وهي قول الحق سبحانه:
    * قُلْ أَإِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَندَاداً ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ * وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِن فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَآ أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَآءً لِّلسَّآئِلِينَ * ثُمَّ اسْتَوَىا إِلَى السَّمَآءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قَالَتَآ أَتَيْنَا طَآئِعِينَ * فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ *[فصلت: 9ـ12].
    وهنا قال بعض المستشرقين: لو كانت هذه قصة الخلق للأرض والسموات لطابقت آية الإجمال آية التفصيل.
    وقال أحدهم: لنفرض أن عندي عشرة أرادب من القمح، وأعطيت فلاناً خمسة أرادب وفلاناً ثلاثة أرادب، وفلاناً أعطيته إردبين، وبذلك ينفد ما عندي؛ لأن التفصيل مطابق للإجمال.
    وادَّعي هذا البعض من المستشرقين أن التفصيل لا يتساوى مع الإجمال. ولم يفطنوا إلى أن المتكلم هو الله سبحانه وتعالى، وهو يكلم أناساً لهم ملكة أداء وبيان وبلاغة وفصاحة؛ وقد فهم هؤلاء ما لم يفهمه المستشرقون.
    هم فهموا، كأهل فصاحة، أن الحق ـ سبحانه وتعالى ـ قد خلق الأرض في يومين، ثم جعل فيها رواسي وبارك فيها، إما في الأرض أو في الجبال، وقدَّر فيها أقواتها، وكل ذلك تتمة للحديث عن الأرض.
    ومثال ذلك: حين أسافر إلى الإسكندرية فأنا أصل إلى مدينة طنطا في ساعة ـ مثلاً ـ وإلى الإسكندرية في ساعتين، أي: أن ساعة السفر التي وصلت فيها إلى طنطا هي من ضمن ساعتي السفر إلى الإسكندرية.

    وكذلك خلق الأرض والرواسي وتقدير القوت، كل ذلك في أربعة أيام متضمنة يَوْمَىْ خَلْق الأرض، ثم جاء خلق السماء في يومين.
    ثم يقول الحق سبحانه:
    * وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَآءِ * [هود: 7].
    كل هذه المسائل الغيبية لها حجة أساسية، وهي أن الذي أخبر بها هو الصادق، فلا أحد يشك أن الأرض والسموات مخلوقة، ولا أحد يشك في أن السموات والأرض أكبر خلقاً من خلق الناس، وليس هناك أحد من البشر ادَّعى أنه خلق الأرض أو خلق السموات.
    وكل المخترعات البشرية نعرف أصحابها، مثل: المصباح الكهربي، والهاتف، والميكروفون، والتليفزيون، والسيارة، وغيرها.
    ولكن حين نجيء إلى السموات والأرض لا نجد أحداً قد ادعى أنه قد خلقها.
    وقد أبلغنا الحق سبحانه أنه هو الذي خلقها، وهي لمن ادّعاها إلى أن يظهر مُعارِض، ولن يظهر هذا المعارض أبداً.
    وكل هذا الخلق من أجل البلاء:
    * لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً * [هود: 7].
    أي: ليختبركم أيكم أحسن عملاً، ولكن من الذي يحدد العمل؟
    إنه الله سبحانه وتعالى.
    وهل الحق سبحانه في حاجة إلى أن يختبر مخلوقاته؟
    لا، فالله سبحانه يعلم أزلاً كل ما يأتي من الخلق، ولكنه سبحانه أراد بالاختبار أن يطابق ما يأتي منهم على ما عمله أزلاً؛ حجة عليهم.
    وهكذا فاختبار الحق سبحانه لنا اختبار الحجة علينا.
    ثم يقول الحق سبحانه:
    * وَلَئِن قُلْتَ إِنَّكُمْ مَّبْعُوثُونَ مِن بَعْدِ الْمَوْتِ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ إِنْ هَـاذَآ إِلاَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ * [هود: 7].
    وهنا يصور الحق ـ سبحانه وتعالى ـ تكذيب المعاندين لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فهم يلقون بالألفاظ على عواهنها من قبل أن تمر على تفكيرهم.
    فلو أنهم قد مروا بهذه الكلمات على تفكيرهم؛ لاستحال منطقياً أن يقولوها.
    والرسول صلى الله عليه وسلم يخبرهم ببلاغ الحق سبحانه وتعالى لهم بأنهم مبعوثون من بعد الموت.
    وهذا كلام إخباري بأنهم إن ماتوا ـ وهم سيموتون لا محالة ـ سيبعثهم الله سبحانه، فما كان منهم إلا أن قالوا:
    * إِنْ هَـاذَآ إِلاَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ * [هود: 7].
    والخبر الذي يقوله لهم هو خبر، فما موقع السحر منه؟ إنهم يعلمون أنه صلى الله عليه وسلم لم يقل ذلك إلا من نص القرآن الكريم، وهم يقولون عن القرآن الكريم إنه سحر، فكأن النص نفسه من السحر الذي حكموا به على القرآن.
    وأوضحنا من قبل أن إبطال قضية السحر في القرآن الكريم دليله منطقي مع القول؛ لأنهم إن كانوا قد ادعوا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أو أن محمداً ـ في عرفهم ـ قد سحر القوم الذين اتبعوه.

    فالساحر له تأثير على المسحور، والمسحور لا دخل له في عملية السحر، فإذا كان محمد قد سحر القوم الذين اتبعوه، فلماذا لم يسحر هؤلاء المنكرين لرسالته؛ بنفس الطريقة التي سحر بها غيرهم؟
    وحيث إنهم قد بقوا على ما هم عليه من عناد لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فهذا دليل على أن المسألة ليست سحراً، ولو كان الأمر كذلك لسحرهم جميعاً.
    وقولهم: * إِنْ هَـاذَآ إِلاَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ * [هود: 7].
    يدل على أنه سحر محيط، لا سحر لأناس خاصين، فكلمة * سِحْرٌ مُّبِينٌ * تعني: سحراً محيطاً بكل من يريد سحره.
    وبقاء واحد على الكفر دون إيمان برسول الله يدل على أن المسألة ليست سحراً.
    ويقول الحق سبحانه بعد ذلك: * وَلَئِنْ أَخَّرْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ إِلَىا أُمَّةٍ *
    وَلَئِنْ أَخَّرْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ إِلَى أُمَّةٍ مَعْدُودَةٍ لَيَقُولُنَّ مَا يَحْبِسُهُ أَلَا يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفًا عَنْهُمْ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (8)

    وساعة تجد * لَئِنْ * فافهم اللام الأولى التي بعد " و " إنما جاءت؛ لتدل على أن الكلام فيه قسم مؤكد، وإن كان محذوفاً، واكتفى باللام عن القسم، وتقديره: " والله لئن ".
    والقسم يأتي لتأكيد المقسم عليه بالمقسم به، وتأكيد المقسم عليه إنما يأتي لأن هناك من يشك فيه.
    فأنت لا تٌقسم لإنسان تلقاه وتقول له: والله لقد كنت عند فلان بالأمس.
    إذن: فالقسم يأتي لشك طرأ عند السامع، وأنت لا تقسم ابتداء.
    ويأتي القسم على مقدار مراتب الشك، وتأكيداً بأدواته.
    والقرآن الكريم يقول هنا:
    * وَلَئِنْ أَخَّرْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ إِلَىا أُمَّةٍ مَّعْدُودَةٍ * [هود: 8].
    فالواو هنا هي واو القسم، وهنا أيضاً شرط، والقسم يحتاج لجواب، والشرط أيضاً يحتاج إلى جواب.
    وإذا اجتمع الشرط والقسم فبلاغة الأسلوب تكتفي بجواب واحد، مثلما نقول: " والله إن فعلت كذا لأفعلن معك كذا ".
    وهكذا يُغْنِي جواب القسم عن جواب الشرط، والمتقدم سواء أكان قسماً أو شرطاً هو الذي يغني جوابه عن الآخر.
    مثلما نقول: " والله إن جاء فلان لأكرمته " ، فالقسم هنا متقدم، وأغنى جوابه عن جواب الشرط. وإن قلت: إن جاءك فلان والله لتكرمه، فهنا الشرط هو المتقدم.
    والاثنان متحدان، لكن غاية ما هناك أن القسم تأكيد والشرط تأسيس، فإذا تقدم ذو خبر على الاثنين ـ على الشرط وعلى القسم ـ نأتي بجواب الشرط فوراً، مثلما نقول: " زيد والله إن جاءك أكرمه "؛ لأن الشرط كما قلنا تأسيس، والقسم تأكيد، ويرجح هنا الشرط، لأن التأسيس أولى من التأكيد.
    وهنا يقول الحق سبحانه:
    * وَلَئِنْ أَخَّرْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ إِلَىا أُمَّةٍ مَّعْدُودَةٍ لَّيَقُولُنَّ مَا يَحْبِسُهُ * [هود: 8].
    والجواب هنا للقسم، وهو يغني عن جواب الشرط.
    أي: أن العذاب يُؤخَّر.
    وقد أوعد الحق ـ سبحانه ـ الكافرين بمحمد صلى الله عليه وسلم بأن يعذبهم، وكان العذاب للأمم السابقة هو عذاب استئصال، منهم من أرسل الله سبحانه عليه عاصفة، ومنهم من أخذته الصيحة، ومنهم من أغرقه، ومنهم من خسف به الأرض.
    فكأن مهمة الرسل السابقين أن يبلغوا الدعوة، ثم تتلوى السماء تأديب الكافرين بالرسالات.
    ولكن الحق سبحانه وتعالى قد شاء أن يفضِّل أمة محمد صلى الله عليه وسلم على الأمم كلها، وأن تعذِّب الكافرين في المعارك.
    وحين يتوعدهم الرسول صلى الله عليه وسلم بعذاب، فللعذاب ميلاد، وقد يُؤخَّر ليرى المحيطون بالكافرين الضلال والفساد، فإذا ما وقع عذاب الله سبحانه على هؤلاء الكافرين، فلن يحزن عليهم أحد.
    وهكذا أراد الله سبحانه الإمهال والإملاء ليكون لهما معنى واضح في الحياة، والإملاء للظالم؛ لتزداد مظالمه زيادة تجعل الأمة التي يعيش فيها تكره ظلمه، فإذا وقع عليه عذاب، لا يعطف عليه أحد.

    ونحن نعلم أن النفس البشرية بنت المشهد، فحين يُقتل واحد وتمر سنوات على قضيته، ثم يصدر الحكم بإعدامه، فالناس تنسى لذعة القتل الأول، وتعطف على القاتل حين يصدر الحكم بإعدامه.
    ولذلك أقول دائماً:
    إن من دواعي استمرار الجرائم إبطاءات المحاكمة، تلك الإبطاءات التي تجعل عواطف الناس من المجرم؛ لأن مشهد المقتول أولاً قد انتهى من ذاكرتهم.
    ولكن لو استحضر الناس ـ وقت العقوبة ـ ظرف الجريمة؛ لَفرِحوا بالحكم على القاتل بالقتل.
    ولذلك نجد الحق ـ سبحانه وتعالى ـ حينما يريد أن يعذب أحداً يقول:
    * وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَآئِفَةٌ مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ *[النور: 2].
    وذلك ليتم التعذيب أمام المجتمع الذي شقى بإفسادهم وشقى بمظالمهم، فمن يُعتدَى على عرضه، ويرى عذاب المعتدي فهو يُشْفى.
    وهنا يبيِّن الحق سبحانه وتعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم: لقد توعدتهم بالعذاب. ونحن نبطن العذاب بالإمهال لهم، ولكنهم جعلوا من ذلك مناط السخرية والاستهزاء والتهكم، وتساءلوا: أين هو العذاب؟
    ونحن نجد القرآن يقول على ألسنتهم.
    * وَقَالُواْ رَبَّنَا عَجِّل لَّنَا قِطَّنَا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسَابِ *[ص: 16].
    والقط: هو جزاء العمل، وهو مأخوذ من القط أي: القطع.
    والعذاب إنما يتناسب مع الجرم، فإن كانت الجريمة كبيرة فالعذاب كبير، وإن كانت الجريمة صغير فالعذاب يكون محدوداً، فكان العذاب موافقاً للجريمة.
    ومن العجيب أن منهم من قال:
    * اللَّهُمَّ إِن كَانَ هَـاذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ السَّمَآءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ *[الأنفال: 32].
    وجاء على ألسنتهم ما أورده القرآن الكريم في قولهم:
    * أَوْ تُسْقِطَ السَّمَآءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفاً *[الإسراء: 92].
    ولا شك أن الإنسان لا يتمنى ولا يرجو أن يقع عليه العذاب، ولكنهم قالوا ذلك تحديا وسخرية واستهزاءً.
    وشاء الحق سبحانه وتعالى ألا يعذب الكافرين المعاصرين لرسول الله صلى الله عليه وسلم مثلما عذب الكافرين الذين عاصروا الرسالات السابقة؛ لأن الحق سبحانه وتعالى هو القائل:
    * وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ *[الأنفال: 33].
    فضلاً عن أن هناك أناساً منهم ستروا إيمانهم؛ لأنهم لا يملكون القوة التي تمكنهم من مجابهة الكافرين، ولا يملكون القوة ليرحلوا إلى دار الإيمان بالهجرة، وحتمت عليهم ظروفهم أن يعيشوا مع الكافرين.
    وهناك في سورة الفتح ما يوضح ذلك، حين قال الحق سبحانه وتعالى:
    * هُمُ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالْهَدْيَ مَعْكُوفاً أَن يَبْلُغَ مَحِلَّهُ وَلَوْلاَ رِجَالٌ مُّؤْمِنُونَ وَنِسَآءٌ مُّؤْمِنَاتٌ لَّمْ تَعْلَمُوهُمْ أَن تَطَئُوهُمْ فَتُصِيبَكُمْ مِّنْهُمْ مَّعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ لِّيُدْخِلَ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَن يَشَآءُ لَوْ تَزَيَّلُواْ لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْهُمْ عَذَاباً أَلِيماً *[الفتح: 25].
    أي: لو تميَّز الكافرون عن المؤمنين لسلّط الحق سبحانه العذاب الأليم على الكافرين، لكن لو دخل المسلمون بجيشهم الذي كان في الحديبية على مكة، ودرات هناك معركة، فهذه المعركة ستصيب كل أهل مكة، وفيهم المؤمنون المنثورون بين الكافرين، وهم غير متحيزين في جهة بحيث يوجد المسلمون الضربة للجانب الكافر.
    كلمتان خفيفتان على اللسان .. ثقيلتان في الميزان .. حبيبتان إلى الرحمن

    سبحان الله وبحمده .. سبحان الله العظيم

  4. #4
    Super Moderator
    رقم العضوية : 2
    تاريخ التسجيل : Jun 2016
    المشاركات: 3,273
    التقييم: 10
    الدولة : الأردن
    العمل : طالب علم
    إذن: فلو ضرب المسلمون المقاتلون، لضربوا بعضاً من المؤمنين، وهذا ما لا يريده الحق سبحانه وتعالى.
    وهنا يقول الحق سبحانه وتعالى:
    * وَلَئِنْ أَخَّرْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ إِلَى أُمَّةٍ مَّعْدُودَةٍ * [هود: 8].
    والأمة: هي الطائفة أو الجماعة من جنس واحد، مثل أمة الإنس، وأمة الجن، وأمة النمل.. وغير ذلك من خلق الله.
    والحق سبحانه هو القائل:
    * وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلاَ طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلاَّ أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَّا فَرَّطْنَا فِي الكِتَابِ مِن شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ *[الأنعام: 38].
    والأمة: طائفة يجمعها نظام واحد وقانون واحد، وأفرادها مستاوون في كل شيء، فتكون كل واحدة من هذه الأمم أمة، وهناك الأمة: الطائفة من الزمن. مثل قول الحق سبحانه:
    * وَقَالَ الَّذِي نَجَا مِنْهُمَا وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ *[يوسف: 45].
    أي: أن هذا الذي تذكر بعد فترة من الزمن، وقد تكون الفترة المسماة " أمة " ، هي الزمن الذي يتحمل جيلاً من الأجيال.
    الأمة ـ إذن ـ هي جماعة وطائفة لها جنس يجمعها، ولها تميزات أفرادية، وهي تلتقي في معنى عام.
    فأمة الإنسان هي حيوان ناطق مفكر، وهناك قدر عام يجمع كل إنسان، ولكن هناك تفاوتات في المواهب.
    ولا توجد نفس بشرية واحدة تملك موهبة الهندسة والطب والتجارة والصيدلة والمحاسبة؛ لأن كل حرفة من تلك الحرف تحتاج إلى دراسة.
    ولا يملك إنسان من العمر ما يتيح له التخصص في كل تلك المجالات؛ ولذلك يتخصص كل فرد في مجال؛ ليخدم غيره فيه، وغيره يتخصص في مجال آخر ويخدم الباقين، وهكذا.
    وفي هذا تكافل اجتماعي، يشعر فيه كل فرد بـأنه يحتاج للآخرين، وأنه لا يستطيع أن يحيا مستقلاً بذاته عن كل الخلق.
    ولو عرف واحد كل الحرف التي في الدنيا، من طب وهندسة وقضاء، وسباكة، ونجارة، وزراعة، وغيرها فلن يسأل عن الباقين؟
    لذلك شاء الله سبحانه وتعالى أن تلتحم المجتمعات ضرورة وقسراً، لا تفضُّلاً من أحد على أحد.
    والذي يكنس الشارع أو يعمل في تنظيف الصرف الصحي لا يفعل ذلك تفضُّلاً، بل يفعل ذلك احتياجاً؛ لأنه يحتاج إلى العمل والرزق؛ لأن جسمه يحتاج إلى الطعام، وإلى الستر بالملابس، وأولاده يطلبون الطعام والمأوى والملبس، ولولا ذلك لما عمل في تلك المهنة.
    وإذا أخلص في عمله فالله سبحانه يحببه فيها، وإن ارتقت أحواله، يظل في هذا العمل؛ لأنه عشق إتقان مهنته.
    ولقد رأيت رجلاً كان يعمل في هذه المهنة، ويحمل الأقذار على كتفه، وحين وسَّع الله عليه، اشترى عربة يجرها حمار ليحمل فيها ما ينزحه من تلك المجاري.
    وحين وسَّع الله عليه أكثر، اشترى سيارة فيها ماكينة شفط للقاذورات، وصار يجلس على الكرسي، ويدير " موتور " نزح المجاري لداخل خزان السيارة المخصص لذلك.

    إذن: فارتباطات المجتمع لا بد أن تنشأ عن حاجة، لا عن تفضُّل؛ لأن التفضل ليس فيه إلزام بالعمل، لكن الحاجة هي التي فيها إلزام بالعمل؛ لتسير حركة الحياة.
    ومن يعشق عمله على أي وضع كان، يوفقه الله تعالى فيه أكثر؛ لأنه احترم قدر الله تعالى في نفسه، ولم يستنكف، ويعطيه الله سبحانه كل الخير من هذا العمل، بقدر حبه للعمل وأخلاصه فيه.
    وإن نظرت إلى العظماء في كل مهنة مهما صغرت، فستجد أن تاريخهم بدأ بقبولهم لقدر الله سبحانه وتعالى فيهم.
    ونحن نعلم أن قيمة كل امرىء فيما يحسنه؛ ولذلك تجد الأمة مكونة من مواهب متكاملة لا متكررة، حتى يحتاج كل إنسان إلى عمل غيره.
    ولذلك قال الحق سبحانه وتعالى:
    * وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِّيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضاً سُخْرِيّاً *[الزخرف: 32].
    لأن أحداً لا يسخَّر الآخر لعمل إلا إذا كان المسخَّر في حاجة إلى هذا العمل.
    ولذلك تجد من يطرق بابك ويسأل: ألا تحتاج إلى سائق؟ ألا تحتاج إلى خادم؟
    وصاحب الحاجة هو الذي يعرض نفسه؛ لعله يجد العمل الذي يتقنه.
    ولذلك يجب ألا يتصور أهل أي إنسان أنه حين يخدم في أي حرفة من الحرف أنه يخدم المخدوم، لا.. إنه يخدم حاجة نفسه.
    وهكذا تترابط الأمة ارتباط حاجات، لا ارتباط تفضل.
    وقد قال الحق سبحانه وتعالى عن سيدنا إبراهيم عليه السلام:
    * إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً *[النحل: 120].
    لأن هناك مواهب متعددة قد اجتمعت فيه، وهي مواهب لا تجتمع إلا في أمة من الناس.
    وكلمة " أمة " تطلق على الزمن، وتطلق على الجماعة من كل جنس، وتطلق على الرجل الجامع لكل خصال الخير.
    وهنا يقول الحق سبحانه وتعالى:
    * وَلَئِنْ أَخَّرْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ إِلَى أُمَّةٍ مَّعْدُودَةٍ * [هود: 8].
    وعادة ما تأتي كلمة * مَّعْدُودَةٍ * لتفيد القلة؛ مثل قول الحق سبحانه:
    * وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ وَكَانُواْ فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ *[يوسف: 20].
    وما دام الثمن بَخْساً فلا بد أن تكون الدراهم معدودة.
    والسبب في فهمنا لكلمة * مَّعْدُودَةٍ * أنها تفيد القلة، هو أننا لا نُقبل على عَدِّ شيء إلا مظنة أننا قادرون على عَدِّه؛ لأنه قليل، لكن مالا نُقبل على عدِّه فهو الكثير.
    ومثال ذلك: أن أحداً لم يعد الرمل، أو النجوم.
    ولذلك جاء قول الحق سبحانه:
    * وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ اللَّهِ لاَ تُحْصُوهَا *[إبراهيم: 34].
    و " إن " ـ كما نعلم ـ تأتي للشك، ونعم الله سبحانه ليست مظنة الحصر.
    ورغم أن البشرية قد تقدمت في علوم الإحصاء فهل تفرَّغ أحد ليُحصي نعم الله؟
    طبعاً لا.. وبطبيعة الحال يمكن إحصاء السكان والعاملين في أي مجال أو تخصص.

    وقديماً كان القائمون على فتح صناديق النذور ليحسبوا ما فيها، فيضعوا الورق من فئة المائة جنيه معاً، والورق من فئة العشرة جنيهات معاً، وكذلك بقية الفئات من الأوراق المالية، إلى أن يصلوا إلى القروش، فيقوموا بوزن كليو جرام منها، ويحسبوا كم قرشاً في الكيلو جرام، ويزنوا بعد ذلك بقية القروش؛ ليحسبوا المجموع على حساب عدد القروش التي حصروها في الكليو جرام الأول.
    وقول الحق سبحانه هنا:
    * وَلَئِنْ أَخَّرْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ إِلَى أُمَّةٍ مَّعْدُودَةٍ لَّيَقُولُنَّ مَا يَحْبِسُهُ * [هود: 8].
    كأنهم يتساءلون سخرية واستهزاء: لماذا يتأخر العذاب الذي توعَّدهم به رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لأن الإنسان لا يتشوق إلى ما يؤلمه، ولا يقال مثل هذا الكلام إلا على سبيل التهكم.
    ويأتي الرد عليهم بأداة التنبيه، وهي " ألا " أي: تَنبَّهوا إلى هذا الرد.
    ويقول الحق سبحانه وتعالى:
    * يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفاً عَنْهُمْ * [هود: 8].
    وهذا تأكيد أن العذاب سيأتي، ولكن العباد دائماً يعجلون.
    والله سبحانه لا يعجل بعجلة العباد؛ حتى تبلغ الأمور ما أراد، وكل أمر له وقت وله ميلاد، وسيأتيهم ما كانوا يستعجلون؛ لأن الحق سبحانه وتعالى يقول:
    * وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِءُونَ * [هود: 8].
    وقد جاء تأكيد وصول العذاب إليهم بأشياء: أولها: " ألا " وهي أداة تنبيه، وكذلك قوله سبحانه وتعالى: * يَوْمَ يَأْتِيهِمْ * ، وهذا خبر بأن العذاب آت لا محالة؛ لأن الذي يخبر به هو الله سبحانه وتعالى.
    وأيضاً فهذا العذاب: * لَيْسَ مَصْرُوفاً عَنْهُمْ * [هود: 8].
    أي: أنه عذاب مستمر.
    وقول الحق سبحانه وتعالى:
    * وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِءُونَ * [هود: 8].
    يعني: أنه حل بهم ونزل عليهم، ووقع لهم العذاب الذي استهزأوا به من قبل.
    ونحن نعلم أن كلمة (حاق) فعل ماضٍ، والكلام على أمر مستعجل، ويُعبَّر عن الأمر المستعجل بالمضارع؛ لأن الفعل المضارع يدل على الحال أو الاستقبال، فكيف يستعجلون أمراً، ويأتي التعبير عنه بالفعل الماضي؟
    ولكن القائل هنا هو الله الحق سبحانه وتعالى، والكلام مأخوذ بقانون المتكلم، وكل فعل يُنسَب إلى قوة فاعله، والله سبحانه هو قوة القوى.
    وقال الحق سبحانه وتعالى في موضع آخر من القرآن:
    * أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلاَ تَسْتَعْجِلُوهُ *[النحل: 1].
    وكلمة " أتى " في عرفنا اللغوي فعل ماضٍ، أي: أن الكلام جاء من المتكلم بعد وقوع النسبة خارجاً، مثلما نقول: " نجح محمد " فهذا يعني أن النجاح قد حدث بالفعل.
    وحين يقول الله سبحانه: * أَتَى أَمْرُ اللَّهِ * نفهم أن * أَتَى أَمْرُ اللَّهِ * نسبة كلامية سبقتها نسبة واقعية.
    وقوله سبحانه بعد ذلك: * فَلاَ تَسْتَعْجِلُوهُ * يدل على أن الأمر لم يقع، ولكن المتكلم هنا هو الله سبحانه وتعالى.
    والمعنى أن الأمر واقع لا محالة؛ ذلك لأن كل فعل إنما ينسب لقوة الفاعل.

    ومثال ذلك من حياتنا ـ ولله المثل الأعلى ـ أنك قد ترغب في أن تنقل حقيبة ضخمة وثقيلة، فيقول ابنك الشاب: دعني أحملها لك، وهو يقول ذلك لأنه قادر على أن يحملها في زمن يناسب قوته.
    وإن جاءك ابنك الصغير وقال: سأحملها أنا. فهو لن يحمل الحقيبة إلا في مقدار زمن يناسب قوته، وهي قوة ضعيفة.
    إذن: ففي المجال البشري أنت تحكم على الماضي، وقد يكون الحكم صادقاً أو كاذباً، ولكنك بالنسبة لأمر مستقبل، لا تستطيع أن حكم عليه؛ لأنك لا تملك من المستقبل شيئاً.
    أما إذا كان قائل الكلام قادراً على إنفاذ ما يقوله الآن في المستقبل، ولا عائق يعوقه، فاعلم أن الأمر قادم لا محالة.
    وهنا نجد الإخبار من الله سبحانه وتعالى، ولا شيء في الكون يتأبَّى على الله سبحانه.
    وما دام الحق سبحانه قد قال إنه أمرٌ قد أتى، فهو آتٍ لا محالة.
    ولذلك قال سبحانه:
    * وَحَاقَ بِهِم * [هود: 8].
    مع أن السياق في العرف البشري أن يقال: وسيحيق بهم ما كانوا به يستهزئون؛ لأنهم كانوا يستعجلون العذاب.
    وجاء قول الحق سبحانه وتعالى: * وَحَاقَ * لأن الأمر بالنسبة له سبحانه لن يحول بينه وبين وقوعه أي عائق.
    ويقول الحق سبحانه بعد ذلك: * وَلَئِنْ أَذَقْنَا الإِنْسَانَ *
    وَلَئِنْ أَذَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ إِنَّهُ لَيَئُوسٌ كَفُورٌ (9)

    وهنا أيضاً تبدأ الآية الكريمة بقوله سبحانه: * وَلَئِنْ * وهذا يعني أن اللام قد سبقت لتدل على القسم، وكأنه يقول: لئن أذقنا الإنسان رحمة، ثم نزعناها منه لوقع في الياس.
    وهنا أيضاً قسم وشرط، والقسم متقدم، فالجواب يكون للقسم.
    وكلمة * أَذَقْنَا * توضح أن الإذاقة محلها الأول الفم، ومعناها: تناول الشيء لإدراك طعمه: حلو أو مر، لاذع أوغير لاذع، قلوي أو حامض.
    ومن العجيب في دقة التكوين الإنساني أن كل منطقة في اللسان لها طعم تنفعل له، فطرف اللسان ينفعل لطعم معين، ووسط اللسان ينفعل لطعم آخر، وجوانب اللسان تنفعل لطعم ثالث، وهكذا.
    كل ذلك في عضو واحد شاء له الحق سبحانه هذه الدقة في التركيب.
    وكل " حلمة " من مكوِّنات اللسان لها شيء تحس به؛ ولذلك نجد الإنسان يذوق الطعام، فيقول: إن هذا الطعام ينقصه الملح، أو يذوب الحلوى ـ مثل الكنافة ـ فيقول: إن السكر المحلاة به مضبوط.
    وكذلك حرارة الجسم، يقيس الإنسان حرارته، فإن وجدها سبعة وثلاثين درجة ونصف الدرجة؛ فيقول: إنها حرارة طبيعية. وإن نقصت حرارة الإنسان عن ذلك يقال: إنه مصاب بالهبوط. وإن ارتفعت يقال: مصاب بالحمى.
    وهذا قياس للحرارة بالجملة لجسم الإنسان، ولها المنافذ الخاصة بها. ولكن كل عضو في الجسم تلزمه درجة حرارة خاصة به ليؤدي عمله.
    فالكبد إن قلَّت درجة حرارته عن أربعين درجة لا يؤدي مهمته. وجسم الإنسان فيه جوارح متعددة؛ وحرارة العين مثلاً تسع درجات؛ لأنها لو زادت حرارتها عن ذلك لانفجرت العين، وحرارة الأذن ثماني درجات.
    وأنت لا تستطيع أن تأتي بأشياء مختلفة الحرارة وتضعها مع بعضها، ولكن الحق سبحانه وتعالى شاء ذلك بالنسبة للجسم الإنساني.
    وهنا يقول الحق سبحانه:
    * وَلَئِنْ أَذَقْنَا الإِنْسَانَ * [هود: 9].
    والذوق هو للإدراك، لا للأكل، فأنت حين تشتري فاكهة يقول لك البائع: " تفضَّل ذُقْ " فتأخذ واحدة منها لتستطيب طعمها.
    فالذوق ـ إذن ـ هو تناول الشيء لإدراك طعمه.
    والنعمة حين يشاء الحق سبحانه وتعالى أن تصيب الإنسان، ثم تُنزَع منه، هنا يصاب الإنسان بالقلق أو الحزن أو الهلع، أو اليأس.
    والنعمة مهما قلَّت فالإنسان يستطيبها، وإن نُزعت منه فهو يئوس كفور.
    واليأس: هو قطع الأمل من حدوث شيء، ولأن الإنسان لا يملك الفعل، ولو كان يقدر عليه لما يئس.
    والمؤمن لا ييأس أبداً؛ لأن الله سبحانه هو القائل:
    * إِنَّهُ لاَ يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللَّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ *[يوسف: 87].
    اليأس ـ إذن ـ هو أن تقطع الأمل من أمر مراد لك، ولا تملك الوسائل لتحققه.
    والذي ييأس هو الذي ليس له إله يركن إليه؛ لأن الله تعالى هو الركن الرشيد الشديد، والمؤمن إن فقد شيئاً يقول: " إن الله سيُعوِّضني خيراً منه ".

    أما الذي لا إيمان له بإله فهو يقول: " إن هذه الصدفة قد لا تتكرر مرة أخرى ".
    فالإنسان الذي يُسْرَق منه جنيه قد يحزن، ولكن إذا ما كان عنده في المنزل عشرة جنيهات فهو يحزن قليلاً على الجنيه المفقود.
    والإنسان لا ييأس إلا عند عدم يقينه بمصدر يرد عليه ما يريده، ولكن حين يؤمن بمصدر يرد عليه ما يريده فلا تجده يائساً قانطاً.
    والمؤمن يعلم أن النعمة لها واهب، إن جاءت شكر الله عليها، وإن سُلبت منه، فهو يعلم أن الحق سبحانه قد سلبها لحكمة.
    والحق سبحانه وتعالى يقول هنا:
    * وَلَئِنْ أَذَقْنَا الإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً * [هود: 9].
    ونحن نعلم أن الإنسان مقصود به كل أبناء آدم ـ عليه السلام ـ وهم كثيرون، منهم المؤمن، ومنهم الكافر.
    وهنا تأتي كلمة " الإنسان " على إطلاقها، ولكن الحق سبحانه وتعالى يستثنى المؤمن في موضع آخر حين يقول الحق سبحانه:
    * وَالْعَصْرِ * إِنَّ الإِنسَانَ لَفِى خُسْرٍ * إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُواْ *[العصر: 1ـ3].
    و " الإنسان " مفرد يدل على الإنسان في كل مدلولاته، ويستثنى من نوع الإنسان من آمن به.
    فإن رأيت كلمة إنسان فاعلم أن المراد بالإنسان أفراد الإنسان كلهم.
    والإنسان لو عزل نفسه عن منهج الله تعالى فهو في خسران إلا إذا اتبع منهج الله، فالمنهج يحميه من الزلل، وتسير غرائزه إلى ما أراد الحق سبحانه لها.
    فقد خلق الحق سبحانه الغرائز لمهام أساسية، فغريزة الجوع تجعل الإنسان يطلب الطعام، والعطش أراده الله سبحانه وتعالى لينتبه الإنسان إلى طلب الارتواء بالماء.
    وغريزة بقاء النوع تدفع الإنسان للزواج، وغريزة حب الاستطلاع هي التي تدفع الإنسان إلى كشف المخترعات.
    والحق سبحانه وتعالى هو القائل عن الساهين عن استكشاف آيات الله تعالى:
    * وَكَأَيِّن مِّن آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ *[يوسف: 105].
    والباحث العلمي التجريبي المعلمي ينظر في ظواهر الكون ليستطلع أسرار الكون.
    وهناك فارق بين حب الاستطلاع لاكتشاف أسرار الكون، وحب الاستطلاع لأخبار الناس.
    إن حب الاستطلاع عموماً هو مدار التقاءات الكون، ولكن الدين والخلق هو الذي يوجه حب الاستطلاع.
    إذن: فالقرائن لها مهمة يجب ألاّ تنفلت إلى غيرها، والدين قد جاء ليعلي من الغرائز ويوجهها إلى مهامها.
    لذلك نجد الحق سبحانه وتعالى يقول:
    * وَلاَ تَجَسَّسُواْ *[الحجرات: 12].
    أي: لا تتبعوا العورات؛ لأننا لو أبحنا لواحد أن يتتبع عورات الناس؛ لأبحنا لكل الآخرين أن يتتبعوا عوراته.
    وحين منع الحق ـ سبحانه وتعالى ـ الإنسان من تتبُّع عورات غيره، فهو قد حماه من تتبع عوراته.
    وهنا يقول الحق سبحانه:
    * وَلَئِنْ أَذَقْنَا الإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ * [هود: 9].
    وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ نَعْمَاءَ بَعْدَ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ عَنِّي إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ (10)

    وهنا نجد الضراء هي الموجودة، والنعماء هي التي تطرأ، عكس الحالة الأولى، حيث كانت الرحمة، من خير ويسر ـ هي الموجودة.
    فالنزع في الأولى طرأ على رحمة موجودة، والنعماء طرأت على ضرَّاء موجودة.
    وهناك فرق بين نعماء ونعمة، وضراء وضر؛ فالضر هو الشيء الذي يؤلم النفس، والنعمة هي الشيء الذي تتنعم به النفس.
    لكن التنعُّم والألم قد يكونان في النفس، ولا ينضح أي منهما على الإنسان، فإن نضح على الإنسان أثر النعمة يقال فيها " نعماء " ، وإن نضح عليه أثر من الضر يقال: " ضراء ".
    وهنا يقول الحق سبحانه:
    * وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ نَعْمَآءَ بَعْدَ ضَرَّآءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ عَنِّي * [هود: 10].
    ولا يفطن من يقول ذلك إلى المُذْهِب الذي أذهبَ السيئات؛ لأن السيئة لا تذهب وحدها.
    ولو كان القائل مؤمناً لقال: رفع الله عني السيئات.
    كلمتان خفيفتان على اللسان .. ثقيلتان في الميزان .. حبيبتان إلى الرحمن

    سبحان الله وبحمده .. سبحان الله العظيم

  5. #5
    Super Moderator
    رقم العضوية : 2
    تاريخ التسجيل : Jun 2016
    المشاركات: 3,273
    التقييم: 10
    الدولة : الأردن
    العمل : طالب علم
    لكنه غير مؤمن؛ ولذلك يغرق في فرح كاذب وفخر لا أساس له.
    ويصفه الحق سبحانه وتعالى بقوله:
    * إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ * [هود: 10].
    وكأن الفرح بالنعمة أذهله عن المنعم، وعمن نزع منه السيئة.
    وأما الفخر، فنحن نعلم أن الفخر هو الاعتداد بالمناقب، وقد تجد إنساناً يتفاخر على إنسان آخر بأن يذكر له مناقب وأمجاداً لا يملكها الآخر.
    ونحن نعلم أن التميز لفرد ما يوجد في المجتمع، ولكن أدب الإيمان يفرض ألا يفخر الإنسان بالتميز.
    ولذلك نجد النبي صلى الله عليه وسلم يقول: " أنا سيد ولد آدم يوم القيامة ولا فخر ".
    وفي أحدى المعارك نجده صلى الله عليه وسلم يقول:
    " أنا النبي لا كذب، أنا ابن عبد المطلب ".
    وقد اضطر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقول ذلك؛ لأن الكافرين في تلك المعركة ظنوا أنهم حاصروه هو ومن معه وأنه سوف يهرب، لكنه صلى الله عليه وسلم بشجاعته أعلن:
    " أنا النبي لا كذب، أنا ابن عبد المطلب " وكان أقرب المسلمين إلى مكان الأعداء الكافرين وفي مواجهتهم.
    ونحن نجد المتصارعين أو المتنافسين، واحدهم يدخل على الآخر بصوت ضخم ليهز ثقة الطرف الآخر بنفسه.
    والفخور إنسان غائب بحجاب الغفلة عن واهب المناقب التي يتفاخر بها، ولو كان مستحضراً لجلال الواهب لتضاءل أمامه، ولو اتجهت بصيرة المتكبر والفخور إلى الحق سبحانه وتعالى لتضاءل أمامه، ولردَّ كل شيء إلى الواهب.
    ومثال ذلك في القرآن الكريم هو قول الحق سبحانه على لسان صاحب موسى عليهما السلام:
    * وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي *[الكهف: 82].
    وهذا سلوك العابد المتواضع.
    أما حال الفخورين اللاهين عن الحق سبحانه وتعالى، فقد صوره القرآن في قول قارون:
    * إِنَّمَآ أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِي *[القصص: 78].

    وكان مصيره هو القول الحق:
    * فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الأَرْضَ *[القصص: 81].
    ولذلك قلنا: إنك تحصِّن كل نعمة عندك بقولك عند رؤيتها: " بسم الله ما شاء الله "؛ لتتذكر أن هذه النعمة لم تأت بجهدك فقط، ولكنها جاءت لك أولاً بمشيئة الله سبحانه وتعالى، وذلك لتبقي عين الواهب حارسة للنعمة التي عندك.
    أما حين تنسى الواهب فلن يحفظ تلك النعمة لك.
    ونحن نلحظ أن الحق سبحانه وتعالى لم يمنع الفرح المنبعث عن انشراح الصدر والسرور بنعمة الله بل طلبه منا في قوله سبحانه:
    * قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ *[يونس: 58].
    ولكن الحق سبحانه يطلب من المؤمن أن لا يكون الفرح المنبعث لأتفه الأسباب، والملازم له، وإلا كان من الفرحين الذين ذمهم الله تعالى.
    يقول الحق سبحانه وتعالى بعد ذلك: * إِلاَّ الَّذِينَ صَبَرُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ *
    إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ (11)

    وكلمة * صَبَرُواْ * هنا موافقة للأمرين الذين سبقا في الآيتين السابقتين، فهناك نزع الرحمة، وكذلك هناك " نعماء " من بعد " ضرَّاء " ، وكلا الموقفين يحتاج للصبر؛ لأن كلاّ منا مقدور للأحداث التي تمر به، وعليه أن يصبر لملحظية حكمة القادر سبحانه.
    وبدأ الحق سبحانه وتعالى هذه الآية بالاستنثاء، فقال جل وعلا:
    * إِلاَّ الَّذِينَ صَبَرُواْ * [هود: 11].
    ولولا هذا الاستثناء لكان الكل ـ كل البشر ـ ينطبق عليهم الحكم الصادر في الآيتين السابقتين، حكم باليأس والكفر، أو الفرح والفخر دون تذكُّر واهب النعم سبحانه.
    ولكن هذا الاستثناء قد جاء ليُطمئن الذين صبروا على ما قد يصيبهم في أمر الدعوة، أو ما يصيبهم في ذواتهم؛ لا من الكافرين؛ لكن بتقدير العزيز العليم.
    أو أنهم صبروا عن عمل إخوانهم المؤمنين.
    إذن: فالصبر معناه حدُّ النفس بحيث ترضى عن أمر مكروه نزل بها. والأمر المكروه له مصادر عدة، منها:
    * أمر لا غريم لك فيه كالمرض مثلاً.
    * أو أن يكون لك غريم في الأمر؛ كأن يُسرق منك متاع، أو يُعتدى عليك، وفي هذه الحالة تنشغل برغبة الانتقام، وتتأج نفسك برغبة النيل من هذا الغريم، أكثر مما تتأجج في حالة عدم وجود الغريم، فحين يمرض الإنسان فلا غريم له.
    وفي حالة الرغبة من الانتقام فالصبر يختلف عن الصبر في حالة وجود الغريم.
    ولذلك عرض الحق سبحانه وتعالى لتأتِّي الصبر حسب هذه المراحل، فسيدنا لقمان يقول لابنه:
    * وَاصْبِرْ عَلَى مَآ أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ *[لقمان: 17].
    وفي موضع آخر يقول الحق سبحانه:
    * وَلَمَن صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الأُمُورِ *[الشورى: 43].
    وفي هذه الآية " لام " التوكيد لتؤكد أن هذا الأمر يحتاج إلى عزم قوي؛ لأن لي فيها غريماً يثير غضبي.
    فساعة أرى من ضربني أو أهانني أو سرقني أو أساء إليَّ إساءة بالغة، فالأمر هنا يحتاج صبراً وقوة وعزيمة.
    أما في الحالة الأولى ـ حالة عدم وجود غريم ـ فالحق سبحانه يكتفي فقط بالقول الكريم:
    * وَاصْبِرْ عَلَى مَآ أَصَابَكَ *[لقمان: 17].
    ولكنه سبحانه أضاف في الآية الأخرى " اللام " لتأكيد العزم، وليضيف سبحانه في حالة وجود غريم طلب الغفران، فيقول سبحانه:
    * وَلَمَن صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الأُمُورِ *[الشورى: 43].
    وهكذا نجد المستثنى، وهم الصابرون على ألوانهم المختلفة.
    وهنا يقول سبحانه:
    * إِلاَّ الَّذِينَ صَبَرُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ * [هود: 11].
    وما دام هنا صبر، فالصبر لا يكون إلا على إيذاء. ولكن إياك أن يكون الإيذاء من خصمك في الإيمان، أو من خصمك في ما دون الإيمان، صارفاً لك عن نشاطك في طاعة الله سبحانه؛ لأن الصبر لا يعني أن تكبت غضبك وتعذب نفسك بهذا الكبت بما يصرفك عن مهامك في الحياة، بل يسمح لك الحق سبحانه أن تتخلص من غلِّك وحقدك، بمعايشة الإيمان الذي يُخفف من غَلْواء الغضب.

    ولكسر حدة الغل أباح لك الحق سبحانه وتعالى أن تعتدي على من اعتدى عليك بمثل ما اعتدى؛ لأن سبحانه وتعالى لا يريد لك أن تظل في حالة غليان بالغضب أو القهر بما يمنعك من العمل، بل يريد الحق سبحانه أن تتوجه بطاقاتك إلى أداء عملك.
    ولذلك لا يلزمك الحق سبحانه إلا بحكم العدل فيقول عز وجل:
    * فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُواْ عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ *[البقرة: 194].
    ولكن هناك القادر على التحكم في نفسه، ولذلك يقول الحق سبحانه:
    * وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ *[آل عمران: 134].
    ومعنى كظم الغيظ: أن الغيظ موجود، لكن صاحبه لا يتحرك بنزوع انتقامي، مثلما تقول: " كظمت القِرْبة " لأن حامل القربة لو لم يكظم الماء فيها، لتفلَّت الماء منها، أي: أنه يحبس الماء فيها.
    وكظم الغيظ درجة ومنزلة، قد لا تكون إيجابية؛ لأن الغيظ مازال موجوداً؛ ولذلك تأتي مرحلة أرقى، وتتمثل في قول الحق سبحانه:
    * وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ *[آل عمران: 134].
    أي: أن تُخرج الغيظ من قلبك وتتسامح.
    إذن: فأنت هنا أمام مراحل ثلاث:
    أن تردَّ الاعتداء عليك بمثله، والمثليَّة في رد الاعتداء أمر لا يمكن أن يتحقق، فمن صفعك صفعة، كيف تستطيع أن تضبط كمية الألم في الصفعة التي ردها إليه؟
    إن المتحكم في ردِّ الاعتداء هو الغضب، والغضب لا يقيس الاعتداء بمثله، فلا يتحقق العدل المطلوب؛ لهذا يكون الصبر خيراً مصداقاً لقوله تعالى:
    * وَلَئِن صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِّلصَّابِرينَ *[النحل: 126].
    فإن أزدتَ من قوة صفعتك تكون معتدياً.
    ولعلنا نذكر مسرحية " تاجر البندقية " لشكسبير، وبطلها هذا التاجر اليهودي الذي أقرض رجلاً مالاً، وكان صَكُّ القرض يفرض أن يقتطع اليهودي رطلاً من لحم المقترض إن تأخر في السداد.
    وتأخَّر المقترض في السداد، وأراد المرابي اليهودي أن يقتطع رطلاً من لحم المقترض، وعُرِض الأمر على القاضي، وكان القاضي رجلاً حكيماً، وأراد أن يصدر حكماً يتلمس فيه العدالة، فقال القاضي: لا مانع أن تأخذ رطلاً من لحم الرجل؛ هات السكين، واقطع رطلاً واحداً بلا زيادة أو نقصان؛ لأننا سنأخذ مقابل تلك الزيادة من لحمك أنت بنفس السكين، وكذلك إن قطعت من اللحم ما يقل عن الرطل، فسنقطع الناقص لك من لحمك أنت عقاباً لك.
    وتردَّد المرابي اليهودي؛ لأن الجزار ـ أيَّ جزار ـ لا يمكن أن يضبط يده ليقطع رطلاً مكتمل الوزن، بل يقطع أحياناً ما يزيد عن الوزن المطلوب، ويقطع أحياناً ما يقل عن الوزن المطلوب، ثم يكمل أو ينقص الوزن حسب كل حالة.
    وانسحب المرابي اليهودي وتنازل عن دعواه، والذي دفعه إلى ذلك هو عدم قدرته على أخذ المثل، فلو كان قد ارتقى قليلاً في مشاعره لما وصل إلى هذا الحكم.

    والحق سبحانه وتعالى يحضنا على أن نرد العدوان بمثله، وإن أردنا الارتقاء فلنكظم الغيظ، وإن أردنا الارتقاء أكثر فلنخرج الغيظ من القلب ولنكن من العافين عن الناس؛ لننال محبة الله تعالى، لأنه سبحانه وتعالى يقول:
    * وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ *[آل عمران: 134].
    وفي هذا يرتقي المؤمن بمنهج الله سبحانه، فيجعل المعتدَي عليه هو الذي يُحسن.
    وحين تريد أن تفسر حب الله سبحانه للمحسنين فلسفيّاً أو منطقياً أو اقتصادياً، ستجد القضية صحيحة، والله سبحانه وتعالى يقول:
    * وَلْيَعْفُواْ وَلْيَصْفَحُواْ أَلاَ تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ *[النور: 22].
    فإن أساء أخوك إليك سيئة، فإما أن ترد بالمثل، أو تكظم الغيظ أو ترقى إلى العفو، وبذلك تكون من المحسنين؛ لأنك إذا كنت قد ارتكبت سيئة، وعلمت أن الله سبحانه وتعالى يغفرها لك، ألا تشعر بالسرور؟
    إذن: فما دُمْت تريد أن يغفر الله تعالى لك السيئة عنده، فلماذا لا تعفو عن سيئة أخيك في حقك؟
    وقول الحق سبحانه:
    * أَلاَ تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ *[النور: 22].
    وقد جاء الحق سبحانه هنا من ناحية النفس، فجعل عفو العبد عن سيئة العبد بحسنة، فلعفو العبد ثمن عند الله تعالى؛ لأن العبد سيأخذ مغفرة الله تعالى، وفوق ذلك فأنت تترك عقاب المسيء والانتقام منه لربك، وعند التسليم له راحة.
    ولو اقتصصتَ أنت ممن أساء إليك، فقصاصك على قدر قوتك، أما إن تركته إلى قدرة الله تعالى، فهذا أصعب وأشق؛ لأنك تركته إلى قوة القوي.
    وهكذا ينال العافي عن المسيء مرتبة راقية؛ لأنه جعل الله ـ سبحانه وتعالى ـ في جانبه.
    وهناك من يقول: كيف يأمر الدين الناس بأن يحسنوا لمن أساء إليهم؟ ويعلل ذلك بأنه أمر ضد النفس.
    ونقول: إن الإحسان إلى المسيء هو مرحلة ارتقاء، وليست تكليفاً أصيلاً؛ لأن الحق سبحانه قد أباح أن نرد العدوان بمثله، ثم حثَّ المؤمن على أن يكظم غيظه، أو يرتقي إلى العفو وأن يصل إلى الإحسان، وكل هذه ارتقاءات اليقين بالله سبحانه وتعالى.
    وانظر إلى نفسك ـ ولله المثل الأعلى ومنزَّه سبحانه عن كل مَثلٍ ـ إنْ أردت أن تطبق الأمر على ذاتك حين تجد ولداً من أولادك قد اعتدى على أخيه، فقلبك وعواطفك وتلطفاتك تكون مع المعتدَى عليه.
    ومن يقول: كيف يكلّفني الشرع بأن أحسن إلى من أساء إليَّ؟
    نقول له: تذكَّرْ قول الحسن البصري رضي الله عنه: " أفلا أحْسِنُ لمن جعل الله في جانبي ".
    ولو طبَّق العالم هذه القاعدة بيقينٍ وإخلاصٍ لصارت الحياة على الأرض جنة معجَّلة، التسامح، قوامها القرب، ومنهجها الحب.
    وهنا في الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها يقول الحق سبحانه وتعالى:
    * إِلاَّ الَّذِينَ صَبَرُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ أُوْلَـائِكَ لَهُمْ مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ * [هود: 11].
    وإن تسأل أحد: ولماذا ينالون المغفرة؟
    نقول: لأنهم صبروا وغفروا؛ لذلك يهديهم الله تعالى مغفرة من عنده، لأنه صبر على الإساءة، وغفر لمن أساء، فلا بد أن يُثيبه الله تعالى، لا بالمغفرة فقط، ولكن بالأجر الكبير أيضاً.
    ويقول سبحانه بعد ذلك: * فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَضَآئِقٌ بِهِ صَدْرُكَ *
    فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَضَائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ أَنْ يَقُولُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ جَاءَ مَعَهُ مَلَكٌ إِنَّمَا أَنْتَ نَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (12)

    وهنا نجد الحق سبحانه يأتي بصيغة الاستفهام في قوله تعالى:
    * فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَى إِلَيْكَ * [هود: 12].
    وهو استفهام في معرض النهي.
    ولله المثل الأعلى ـ أنت قد تقول لابنك لتحثَّه على الاجتهاد: " لعلَّك سُررت من فشل فلان " وفَحْوَى هذا الخطاب، استفهام في معرض النهي، وهو استفهام يحمل الرجاء.
    وهنا تجد أن الراجي هو ربك ـ سبحانه وتعالى ـ الذي أرسلك بالدعوة.
    ولذلك يأتي قول الحق سبحانه مُبيِّناً: لا يضيق صدرك يا رسول الله من هؤلاء المتعنتين، الذين يريدون أن يخرجوك عن مقامك الذي تلحُّ دائماً في التأكيد عليه، فأنت تؤكد لهم دائماً أنك بشرٌ، وكان المفروض فيهم أن تكون مطلوباتهم منك على مقدار ما أقررت على نفسك، فأنت لم تَقُلْ أبداً عن نفسك إنك إله، ليطلبوا منك آيات تُخالف النواميس، بل أنت مُبلِّغ عن الله تعالى.
    وإياك أن يضيق صدرك فلا تُبلغهم شيئاً مما أنزِلَ إليك؛ لأن البلاغَ هو الحُجَّة عليهم، فلو ضاق صدرُك منهم، وانقصتَ البلاغ الموكَّل إليك؛ لأنهم كلما أبلغوا بآية كذَّبوها، فاعلمْ أن الله سبحانه وتعالى سوف يزيد عقابهم بقدر ما كذَّبوا.
    وكلمة " ضائق " اسم فاعل، ويعني أن الموصوف به لن يظل محتفظاً بهذه الصفة لتكون لازمة له، ولكنها تعبِّر عن مرحلة من المراحل، مثلما نقول: " فلان نَاجِر " أي: أنه قادر على القيام بأعمال النجارة مرَّة واحدة ـ أو قليلاً ـ ولا يحترف هذا العمل.
    وكذلك كلمة " ضائق " وهي تعبِّر في مرحلة لا أكثر مِنْ فَرْط ما قابلوا الرسول صلى الله عليه وسلم من إنكار، وما طالبوا به من أشياء تخرج عن نطاق إنسانيته، فقد طالبوا هنا أن ينزل عليه كَنْزٌ.
    وقد جاء الحق سبحانه بذكر مسألة الكنز؛ ليدلنا على مدى ما عندهم من قيم الحياة، فقيمة القيم عندهم تركزَّتْ في المال؛ ولذلك تمنَّوا لو أن هذا القرآن قد نزل على واحد من الأثرياء، مصداقاً لقول الحق سبحانه:
    * وَقَالُواْ لَوْلاَ نُزِّلَ هَـاذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِّنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ *[الزخرف: 31].
    إذن: فلم يكن اعتراضهم على القرآن، بل على مَنْ نزل عليه القرآن. وفي الآية الكريمة التي نحن بصدد خواطرنا عنها، طلبوا أن ينزل إليه كَنْزٌ، وقد ظنوا أن الثراء سيلهيه هو ومَنْ معه عن الدعوة إلى الله تعالى ونسوا أنهم قد عرضوا الثروة عليه من قبل.
    وهكذا وضح لمن عرض عليه هذا الأمر أن مسألة الكنز لا تشغله صلى الله عليه وسلم.
    والكَنْزُ ـ لغويّاً ـ هو الشيء المجتمع، فإن كانت الماشية ـ مثلاً ـ مليئة باللحم يقال لها: " مُكْتَنِزَةٌ لحماً " ولكن كلمة " الكنز " أطلقت على الشيء الذي هو ثمن لأي شيءٍ، وهو الذهب.

    ولذلك قال الحق سبحانه:
    * وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلاَ يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ *[التوبة: 34].
    ونحن نعلم أن هناك فارقاً بين الرزق المباشر والرزق غير المباشر، فالرزق الغير مباشر هو ما تنتفع به، طعاماً أو شراباً، وهناك شيء يأتي لك بالرزق الغير مباشر؛ لكنه لا يُغني عن الرزق المباشر المستمر.
    فلو أن إنساناً في صحراء ومعه قناطير مقنطرة من الذهب، ولا يجد طعاماً ولا شربة ماء، ماذا يفعل له الذهب " ولو عرض عليه إنسانٌ آخر رغيف خبز وشربة ماء مقابل كل ما يملك من ذهب لوافق على الفور. وهنا لا يكون التقييم أن قنطار الذهب مقابل الرغيف وشربة الماء، ولكن قنطار الذهب هنا مقابل استمرار الحياة وضرورة الحاجة.
    إذن: معنى كلمة " كنز " هو نقد من الذهب والفضة مجتمعاً، ويقال عنه بالعامية عندنا في مصر: " نقود تحت البلاطة " ، ولكن إذا أدَّى صاحب هذا النقد حقَّ الله تعالى فيما ادَّخره، لا يُعتبر كَنْزاً؛ لأن الشرط في الكَنْزِ أن يكون مَخفيّاً، والزكاة التي تُخرَج من المال المدَّخر توضح للمجتمع أن صاحب المال لا يُخفى ما عنده.
    ولذلك لا يُسمَّى الكَنْزُ إلاَّ للشيء المجتمع وممنوع منه حق الله تعالى، فإنْ أدَّى حقُّ الله سبحانه فقد رُفعَتْ عنه الكَنزية؛ لأن الحق سبحانه وتعالى يقول:
    * وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلاَ يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ *[التوبة: 34].
    ومن هذا القول الكريم نفهم أن مَنْ يملك مالاً ويؤدِّي حقَّ الله فيه، لا يُعتبر كَنْزاً، وحين تُنقِص الزكاةُ المالَ في ظاهر الأمر، فهي تدفع الإنسان إلى أن يُحْسِن استثمار هذا المال؛ حتى لا يفقده على مدار أربعين عاماً، بحكم أن زكاة المال هي اثنان ونصف في المائة؛ ولذلك يحاول صاحب المال أن يُثمِّره، وهو بذلك يُهيِّىء فرصة لغير واجدٍ وقادرٍ لأن يعمل، وبذلك تقلُّ البطالة.
    وقد تكون أنت صاحب المال؛ لكنك لا تفهم أسرار التجارة والصناعة، فتشارك مَنْ يفهم في التجارة أو الصناعة، وبذلك تفتح أبواب فرص عمل لمن لا عمل له وقادر على إدارة العمل.
    هذه هي إرادة الحق سبحانه وتعالى في أن يجعل من تكامل المواهب نماءً وزيادة، تكامل مواهب الوَجْد ـ النقود ـ ومواهب الجَهْد، وبين الوجد والجهد تنشأ الحركة، ويتفق صاحب المال مع صاحب الجهد على نسب الربح حسب العرض والطلب؛ لأن كل تبادل إنما يخضع لهذا الأمر ـ العرض والطلب ـ لأن مثل هذا التعاون بين الواجد والقادر ينتج سلعة، والسلعة لا هَوًى لها، ولكن من يملك السلعة ومن يشتري السلعة لهما هوى، فمالكُ السلعة يرغب في البيع بأعلى سعر، ومن يرغب في شراء السلعة يريدها بأقل سعر، لكن السلعة نفسها لا هوى لها.

    وما دام العرض والطلب هو الذي يتحكَّم في السلع، فهذا توازن في ميزان الاقتصاد.
    وعلى سبيل المثال: إن عُرضت اللحوم بسعر مرتفع، فكبرياء الذات في النفس البشرية تدفع غير القادر لأن يقول: إن تناول اللحم يرهقني صحيّاً. ويتجه إلى الأطعمة الأخرى التي يقدر على ثمنها؛ لأن السلعة هي التي تتحكم، أما إذا تدخل أحدٌ في تسعير السلع، بأن اكتنز المال، ولم يخرجه للسوق لاستثماره، حينئذ تختفي قدرة الحركة لصاحب المال، ولا يجد صاحب الموهبة مجالاً لإتقان صنعته.
    وقول الحق سبحانه وتعالى في هذه الآية:
    * لَوْلاَ أُنزِلَ عَلَيْهِ كَنزٌ أَوْ جَآءَ مَعَهُ مَلَكٌ * [هود: 12].
    كلمتان خفيفتان على اللسان .. ثقيلتان في الميزان .. حبيبتان إلى الرحمن

    سبحان الله وبحمده .. سبحان الله العظيم

  6. #6
    Super Moderator
    رقم العضوية : 2
    تاريخ التسجيل : Jun 2016
    المشاركات: 3,273
    التقييم: 10
    الدولة : الأردن
    العمل : طالب علم
    فكلمة " لولا " ـ كما نعلم ـ للتمني، وهم تمنوا الكنز أولاً، ثم طلبوا مجيء مَلَك، وكيف ينزل المَلَك؟ أينزل على خِلقته أم على خِلْقته بأن يتجسد على هيئة رجل؟
    والحق سبحانه وتعالى يقول:
    * وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكاً لَّجَعَلْنَاهُ رَجُلاً *[الأنعام: 9].
    وإن نزل المَلَك على هيئة رجل فكيف يتعرَّفون إلى أصله كمَلَك؟ وهذا غباء في الطلب.
    وأيضاً قال الحق سبحانه وتعالى:
    * وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَن يُؤْمِنُواْ إِذْ جَآءَهُمُ الْهُدَى إِلاَّ أَن قَالُواْ أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَراً رَّسُولاً * قُل لَوْ كَانَ فِي الأَرْضِ مَلائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِم مِّنَ السَّمَآءِ مَلَكاً رَّسُولاً *[الإسراء: 94ـ95].
    ولو أنزله الحق سبحانه مَلَكاً فسوف يكون من نفس طبيعتهم البشرية، وسوف يلتقي بهم ويتكلم معهم، ولن يستطيعوا تمييزه عن بقية الناس وسوف يُكذِّبونه أيضاً.
    وهنا في الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها يقول الحق سبحانه رَدًّا له عن هذا الطلب: * إِنَّمَآ أَنتَ نَذِيرٌ * [هود: 12].
    وهذا الكلام موجَّه من الله سبحانه للرسول صلى الله عليه وسلم ليُلقِّنه الحجة التي يرد بها عليهم، وقد قال لهم الرسول صلى الله عليه وسلم عن نفسه إنه نذير وبشير، وقد طلب غيركم الآيات، وحين جاءت الآيات التي طلبوها لم يؤمنوا، بل ظلُّوا على تكذيبهم؛ فنكَّل الحق سبحانه بهم.
    إذن: فالعناد بالكفر لا ينقلب إلى إيمان بمجرد نزول الآيات، والحق سبحانه هو القائل:
    * وَمَا مَنَعَنَآ أَن نُّرْسِلَ بِالآيَاتِ إِلاَّ أَن كَذَّبَ بِهَا الأَوَّلُونَ *[الإسراء: 59].
    أي: أن الآيات التي طلبها الكافرون لم يأت بها الله سبحانه؛ لأن الأولين قد كذَّبوا بها؛ ولذلك يبلغ الحق سبحانه رسوله صلى الله عليه وسلم هنا بقوله:
    * إِنَّمَآ أَنتَ نَذِيرٌ * [هود: 12].
    وهو صلى الله عليه وسلم قد نزل عليه القرآن بالنذارة والبشارة.
    ويُنهي الحق سبحانه وتعالى الآية بقوله:
    * وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ * [هود: 12].
    وأنت حين توكِّل إنساناً في البيع والشراء والهِبَة والنَّقل، وله حرية التصرف في كل ما خصك، وترقب سلوكه وتصرُّفه، فإنْ أعجبك ظللتَ على تمسكك بتوكيله عنك، وإن لم يعجبك تصرُّفه فأنت تُلْغي الوكالة، هذا في المجال البشري، أما وكالة الله سبحانه وتعالى على الخَلْق فهي باقية أبداً، وإن أبى الكافرون منهم.
    يقول الحق سبحانه بعد ذلك: * أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُواْ بِعَشْرِ سُوَرٍ *
    أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (13)

    وفي قول الحق سبحانه وتعالى هنا بيان لِلَوْنٍ آخر من مصادمة الكافرين لمنهج رسول الله صلى الله عليه وسلم والإيمان به، فقالوا: إن محمداً قد افترى القرآن.
    والافتراء: هو الكذب المتعمَّد، ومعنى الكذب المتعمد أنه كلام يخالف واقعاً في الكون.
    فإذا كان الواقع نَفْياً وأنت قلت قضيةَ إثبات؛ تكون قد خالفت الواقع، كأن يُوجد في الكون شرٌّ ما ثم تقول أنت: لا يوجد شرٌّ في هذا المكان، وهكذا يكون الواقع إيجاباً والكلام نفْياً.
    وكذلك أن يكون في الواقع نَفْيٌّ وفي الكلام إيجابٌ، فهذا أيضاً كذبٌ؛ لأن الصدق هو أن تتوافق القضية الكلامية مع الواقع الكوني، فإن اختلفتْ مع الواقع الكوني صار الكلام كاذباً.
    والكذب نوعان: نوع متعمد، ونوع غير متعمد. والكذب خرق واقع واختلاق غير موجود. ويقال خرقت الشيء أي: أنك أتيت لواقع وبدَّلت فيه.
    والحق سبحانه وتعالى يقول:
    * وَخَرَقُواْ لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ *[الأنعام: 100].
    ويقول أيضاً الحق سبحانه:
    * وَتَخْلُقُونَ إِفْكاً *[العنكبوت: 17].
    أي: تأتون بشيء من عدم، وهو من عندكم فقط.
    ويقول الله سبحانه تعالى:
    * وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ *[الأنعام: 116].
    وحين اتهموا محمداً صلى الله عليه وسلم بهتاناً بأنه افترى القرآن جاء الرد من القرآن الكريم بمنتهى البساطة، فأنتم ـ معشر العرب ـ أهل فصاحة وبلاغة، وقد جاء القرآن الكريم من جنس ونوع نُبوغكم، وما دمتم قد قُلْتم: إن محمداً قد افترى القرآن، وأن آيات القرآن ليست من عند الله، فلماذا لا تفترون مثله؟
    وما دام الافتراء أمراً سهلاً بالنسبة لكم، فلماذا لا تأتون بمثل القرآن ولو بعشْر سور منه؟ وأنتم قد عِشْتم مع محمد منذ صِغَره، ولم يكن له شعْر، ولا نثر، ولا خطابة، ولا علاقة له برياضاتكم اللغوية، ولم يزاول الشعر أو الخطابة، ولم يشترك في أسواق البلاغة والشعر التي كانت تُعقد في الجاهلية مثل سوق عكاظ.
    وإذا كان مَنْ لا رياضة له على الكلام ولا على البلاغة، قد جاء بهذا القرآن؛ فَلْيكُنْ لديكم ـ وأنتم أهل قُدْرة ودُرْبة ورياضة على البلاغة أن تأتوا ببعض من مثله، وإن كان قد افترى القرآن فلماذا لا تفترون مثله؟
    وأنتم تعرفون المعارضات التي تُقام في أسواق البلاغة عندكم، حين يقول شاعر قصيدة، فيدخل معه شاعر أخر في مباراة ليلقي قصيدة أفضل من قصيدة الشاعر الأول، ثم تُعقد لجان تحكيم تُبَيِّن مظاهر الحُسْن ومظاهر السوء في أي قصيدة.
    ولو كان محمدٌ صلى الله عليه وسلم قد افترى القرآن ـ كما تقولون ـ فأين أنتم؟ ألم تعرفوه منذ طفولته؟ ولذلك يأمر الحق سبحانه رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقول:
    * قُل لَّوْ شَآءَ اللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلاَ أَدْرَاكُمْ بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُراً مِّن قَبْلِهِ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ * [يونس: 16].
    فهَل أثرَ عن محمد صلى الله عليه وسلم أنه قال شعراً أو ألقى خطبة أو تَبارَى في عكاظَ أو المربد أو ذي المجاز أو المَجَنَّة، وتلك هي أسواق البلاغة ومهرجاناتها في تلك الأيام؟
    هو لم يذهب إلى تلك الأماكن منافساً أو قائلاً.
    إذن: أفليسَ الذين تنافسوا هناك أقدر منه على الافتراء؟ ألم يكن امرؤ القيس شاعراً فَحْلاً؟ لقد كان، وكان له نظير يعارضه.
    وكذلك كان عمرو بن كلثوم، والحارث بن حِلَّزة اليشْكُري، كما جاء في عصور تالية آخرون مثل: جرير والفرزدق.
    إذن: فأنتم تعرفون مَنْ يقولون الشعر ومَنْ يعارضونهم من أمثالهم من الشعراء.
    إذن: فهاتوا مَنْ يفتري مثل سور القرآن، فإنْ لم تفتروا، فمعنى ذلك أن القرآن ليس افتراء.
    ولذلك يقول الحق سبحانه هنا:
    * أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُواْ بِعَشْرِ سُوَرٍ مِّثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ * [هود: 13].
    فهل كانوا قادرين على قبول التحدي، بأنْ يأتُوا بعشر سُوَر من مثل القرآن الكريم في البيان الآسر وقوة الفصاحة وأسرار المعاني؟
    لقد تحدَّاهم بأن يأتوا ـ أولاً ـ بمثل القرآن، فلم يستطيعوا، ثم تحدَّاهم بأن يأتوا بعشر سور، فلم يستطيعوا، وتحدَّاهم بأن يأتوا بسورة، ثم تحدَّى أن يأتوا ولو بحديث مثله، فلم يستطيعوا.
    وهنا جاء الحق سبحانه بالمرحلة الثانية من التحدي، وهو أنْ يأتوا بِعَشْر سُور، ولم يكتف الحق سبحانه بذلك، بل طالبهم أن يَدْعُوا مَجْمَعاً من البُلَغَاء، فقال سبحانه:
    * وَادْعُواْ مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِّن دُونِ اللَّهِ * [هود: 13].
    أي: هاتوا كلَّ شركائكم وكل البُلغاء، من دون الله تعالى.
    الحق سبحانه وتعالى هنا يقطع عليهم فرصة الادّعاء عليه سبحانه حتى لا يقولوا: سوف ندعو الله؛ ولذلك طالبهم الحق سبحانه أن يُجنِّبوه * وَادْعُواْ مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِّن دُونِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ * [هود: 13].
    أي: إن كنتم صادقين في أن محمداً صلى الله عليه وسلم قد افترى القرآن، وبما أنكم أهل ريادة في الفصاحة فَلْتفتروا عَشْر سُوَرٍ من مثل القرآن، أنتم ومَنْ تستطيعون دعوتهم من الشركاء.
    لذلك كان الرد الحكيم من الله في قول الحق سبحانه بعد ذلك: * فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُواْ لَكُمْ فَاعْلَمُواْ *
    فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ وَأَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (14)

    والخطاب هنا موجَّه إلى الذين ادَّعوا أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قد افترى القرآن، أو أن الخطاب مُوجَّه لرسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لأن الحق سبحانه وتعالى قال في الآية السابقة:
    * قُلْ فَأْتُواْ بِعَشْرِ سُوَرٍ مِّثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُواْ مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِّن دُونِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ * فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُواْ لَكُمْ *[هود: 13ـ14].
    أي: إن لم يردُّوا على التحدي، فليعلموا وليتيقَّنوا أن هذا القرآن هو من عند الله تعالى، بشهادة الخصوم منهم.
    ولماذا عدَّل الحق سبحانه هنا الخطاب، وقال:
    * فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُواْ لَكُمْ * [هود: 14].
    أي: من تدعونهم، ثم قال سبحانه:
    * فَاعْلَمُواْ أَنَّمَآ أُنزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ * [هود: 14].
    وقد قال الحق سبحانه ذلك؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم مُطالَبٌ بالبلاغ وما بلغه الرسول صلى الله عليه وسلم للمؤمنين مطلوب منه أن يُبلغوه، وإنْ لم يستجيبوا للرسول صلى الله عليه وسلم أو للمؤمنين، ولم يأتِ أحد مع مَنْ يتهم القرآن بأنه مُفترًى مِن محمدٍ.
    وقد يكون هؤلاء الموهوبون خائفين من التحدي؛ لأنهم عرفوا أن القرآن حق، وإن جاءوا ليفتروا مثله فلن يستطيعوا، ولذلك فاعلموا ـ يا مَنْ لا تؤمنون بالقرآن ـ أن القرآن: * أَنَّمَآ أُنزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ * [هود: 14].
    إذن: فالخطاب يكون مرَّة ـ موجَّهاً للنبي صلى الله عليه وسلم ولأمته.
    ولذلك عَدَلَ الحق سبحانه عن ضمير الإفراد إلى ضمير الجمع في قوله تعالى:
    * فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُواْ لَكُمْ فَاعْلَمُواْ أَنَّمَآ أُنزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ * [هود: 14].
    أي: ازدادوا علماً أيها المؤمنون بأن القرآن إنما نزل من عند الله.
    والعِلْم ـ كما نعلم ـ مراحل ثلاث: علم يقين، وعين يقين، وحق يقين.
    أو أن الخطاب مُوجَّه للكافرين الذين طلب القرآن منهم أن يَدْعُوا من يستطيعون دعاءه ليعاونهم في معارضة القرآن: * فَاعْلَمُواْ أَنَّمَآ أُنزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ * [هود: 14].
    وأعلى مراتب العِلْم عند الحق سبحانه الذي يعلم كل العلم أزلاً، وهو غير علمنا نحن، الذَي يتغير حسب ما يتيح لنا الله سبحانه أن نعلم، فأنت قد تكون عالماً بشيءٍ وتجهل أشياء، أوعلمتَ شيئاً وغابتْ عنك أشياء.
    ولذلك تجد الأطباء، وأصحاب الصناعات الدقيقة وغيرهم من الباحثين والعلماء يستدرك بعضهم البعض، فحين يذهب مريض لطبيب مثلاً ويصف له دواءً لا يستجيب له، فيذهب المريض إلى طبيب آخر، فيستدرك على الطبيب الأول، فيصف دواء، وقد لا يستجيب له المريض مرة ثانية، وهنا يجتمع الأطباء على هيئة " مجمع طبي " يُقرّر ما يصلح أو لا يصلح للمريض.
    ويستدرك كلٌّ منهم على الآخر إلى أن يصلوا إلى قرار، والذي يستدرك هو الأعلم؛ لأن الطبيب الأول كتب الدواء الذي أرهق المريض أو لم يَستجبْ له، وهو قد حكم بما عنده من عِلْم، كذلك بقية الباحثين والعلماء.

    وما دام فوق كل ذي علمٍ عليمٌ؛ فالطبيب الثاني يستدرك على الطبيب الأول.. وهكذا.
    ولكن أيوجد أحدٌ يستدرك على الله سبحانه وتعالى؟ لا يوجد.
    وما دام القرآن الكريم قد جاء بعلم الله تعالى، فلا علم لبشر يمكن أن يأتي بمثل هذا القرآن.
    * فَاعْلَمُواْ أَنَّمَآ أُنزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ وَأَن لاَّ إِلَـاهَ إِلاَّ هُوَ * [هود: 14].
    وجاء الحق سبحانه هنا بأنه لا إله إلا هو؛ حتى لا يدَّعي أحدٌ أن هناك إلهاً آخر غير الله.
    وذكر الله سبحانه هنا أن هذا القرآن قد نزل في دائرة:
    * لاَّ إِلَـاهَ إِلاَّ هُوَ * [هود: 14].
    وما دام الحق سبحانه قد حكم بذلك فلنثق بهذا الحكم.
    مثال ذلك: هو حكم الحق سبحانه على أبي لهب وعلى امرأته بأنهما سيدخلان النار فهل كان من الممكن أن يعلن أبو لهب إسلامه، ولو نفاقاً؟ طبعاً لا؛ لأن الذي خلقَه علم كيف يتصرف أبو لهب.
    لذلك نجد بعد سورة المسد التي قررت دخول أبي لهب النار، قول الحق سبحانه:
    * قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ *[الإخلاص: 1].
    أي: أن الحق سبحانه ما دام قد أصدر حكمه بأن أبا لهب سيدخل وزوجه النار، فلن يقدر أحد على أن يُغيِّر من حكمه سبحانه، فلا إله إلا هو.
    ويُنهي الحق سبحانه الآية الكريمة بقوله تعالى:
    * فَهَلْ أَنتُمْ مُّسْلِمُونَ * [هود: 14].
    وهذا استفهام، أي: طلب للفهم، ولكن ليس كل استفهام طلباً للفهم، فهذا الاستفهام هنا صادر عن إرادة حقيقية قادرة على فرض الإسلام على من يستفهم منهم.
    ولكنه سبحانه شاء أن يأتي هذا الاستفهام على لسان رسوله ليقابله جواب، ولو لم يكن السائل واثقاً أنه لا يوجد إلا الإسلام لما قالها، ولو لم يكن السائل واثقاً أنه لا جواب إلا أن يُسْلِم السامع، ما جعل جواب السامع حجة على السامع.
    وقائل هذا الكلام هو الخالق سبحانه، ولله المثل الأعلى، وهو سبحانه مُنزَّه عن كل مثل، تجد إنساناً يحكي لك أمراً بتفاصيله، ثم يسألك: هل أنا صادق فيما قلت لك؟.. وهو يأتي بهذا الاستفهام؛ لأنه واثق من أنك ستقول له: نعم، أنت صادق.
    وإذا نظرنا في آية تحريم الخمر والميسر ـ على سبيل المثال ـ نجد الحق سبحانه وتعالى يقول:
    * إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَآءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاَةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُّنتَهُونَ *[المائدة: 91].
    وكأن هذا الاستفهام يحمل صيغة الأمر بأن: انتهوا من الخمر والميسر، واخجلوا مما تفعلون.
    إذن: فقول الحق سبحانه في آخر الآية الكريمة:
    * فَهَلْ أَنتُمْ مُّسْلِمُونَ * [هود: 14] يعني: أسلموا، واتركوا اللجاجة بأن القرآن قد جاء من عند محمد، أو أنه افتراه، بل هو من عند الله سبحانه الذي لا إله إلا هو.
    ويقول الحق سبحانه بعد ذلك: * مَن كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا *
    مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ (15)

    وكان الكافرون قد تكلموا بما أورده الحق سبحانه على ألسنتهم وقالوا:
    * لَوْلاَ أُنزِلَ عَلَيْهِ كَنزٌ *[هود: 12].
    فهم ـ إذن ـ مشغولون بنعيم الدنيا وزينتها.
    والحياة تتطلب المقومات الطبيعية للوجود، من ستر عورة، وأكل لقمة وبيت يقي الإنسان ويؤويه. أما الزينة فأمرها مختلف، فبدلاً من أن يرتدي الإنسان ما يستر العورة، يطلب لنفسه الصوف الناعم شتاء، والحرير الأملس صيفاً، وبدلاً من أن يطلب حجرة متواضعة تقيه من البرد أو الحر، يطلب لنفسه قصراً.
    وفي ذلك يقول الحق سبحانه وتعالى:
    * زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ *[آل عمران: 14].
    وكل هذه أشياء تدخل في متاع الحياة الدنيا، ويقول الحق سبحانه:
    * ذالِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ *[آل عمران: 14].
    إذن: ما معنى كلمة " زينة "؟
    معنى كلمة " زينة " أنها حُسْنٌ أو تحسين طارىء على الذات، وهناك فرق بين الحسن الذاتي والحسن الطارىء من الغير.
    والمرأة ـ على سبيل المثال ـ حين تتزين فهي تلبس الثياب الجميلة الملفتة، وتتحلّى بالذهب البرَّاق، فهو المعدن الذي يأخذ نفاسته من كثرة تلألئه الذي يخطف الأبصار، ولا تفعل ذلك بمغالاة إلا التي تشك في جمالها.
    أما المرأة الجميلة بطبيعتها، فهي ترفض أن تتزين؛ ولذلك يسمونها في اللغة: " الغانية " ، أي: التي استغنت بجمالها الطبيعي عن الزينة، ولا تحتاج إلى مداراة كِبرَ أذنيها بقُرْط ضخم، ولا تحتاج إلى مداراة رقبتها بعقد ضخم، ولا تحاول أن تداري معصمها الريان بسوار، وترفض أن تُخفِي جمال أصابعها بالخواتم.
    وحين تُبالغ المرأة في ذلك التزيُّن فهي تعطي الانطباع المقابل.
    وقد يكون المثل الذي أضربه الآن بعيداً عن هذا المجال، لكنه يوضح كيف يعطي الشيء المبالَغ فيه المقابل له.
    وفي ذلك يقول المتنبي:الطِّيبُ أنت إذَا أصَابكَ طِيبهُ والماءُ أنتَ إذا اغتسلتَ الغاسلُوهو هنا يقول: إن الطيب إذا ما أصاب ذلك الإنسان الموصوف، فالطيب هو الذي يتطيَّب، كما أن الماء هو الذي يُغْسَل إذا ما لمس هذا الإنسان، وكذلك تأبى المرأة الجميلة أن تُزيِّن نَحْرَها بقلادة؛ لأن نحرها بدون قلادة يكون أكثر جمالاً.
    ويقال عن مثل هذه المرأة " غانية "؛ لأنها استغنتْ بجمالها.
    ويقال عن جمال نساء الحضر: إنه جمال مصنوع بمساحيق، وكأن تلك المساحيق مثبتة على الوجه بمعجون كمعجون دهانات الحوائط، وكأن كل واحدة تفعل ذلك قد جاءت بسكين من سكاكين المعجون لتملأ الشقوق المجعدة في وجهها.
    ولحظة أن يسيح هذا المعجون ترتبك، ويختل مشهد وجهها بخليط الألوان؛ ولذلك يقال:حُسْنُ الحضَارةِ مُجْلُوبٌ بِتَطْريةٍ وفي البدَاوةِ حُسْنٌ غيرُ مَجْلوبِ

    إذن: فالزينة هي تحسين الشيء بغيره، والشيء الحسن يستعني عن الزينة.
    وهنا يقول الحق سبحانه وتعالى:
    * مَن كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لاَ يُبْخَسُونَ * [هود: 15].
    أي: إن كفرتم بالله فهو سبحانه لا يضن عليكم في أن يعطيكم مقومات الحياة وزينتها؛ لأنه رب، وهو الذي خلقكم واستدعاكم إلى الوجود، وقد ألزم الحق سبحانه نفسه أن يعطيكم ما تريدون من مقومات الحياة وزينتها؛ لأنه سبحانه هو القادر على أن يوفِّي بما وعد.
    وهو سبحانه يقول هنا:
    * نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ * [هود: 15].
    أي: أنهم إن أخذوا بالأسباب فالحق سبحانه يُلزم نفسه بإعطاء الشيء كاملاً غير منقوص.
    كلمتان خفيفتان على اللسان .. ثقيلتان في الميزان .. حبيبتان إلى الرحمن

    سبحان الله وبحمده .. سبحان الله العظيم

  7. #7
    Super Moderator
    رقم العضوية : 2
    تاريخ التسجيل : Jun 2016
    المشاركات: 3,273
    التقييم: 10
    الدولة : الأردن
    العمل : طالب علم
    وهم في هذه الدار الدنيا لا يُبْخَسون في حقوقهم، فمن يتقن عمله يأخذ ثمرة عمله.
    وهذا القول الكريم يحُلُّ لنا إشكالاً كبيراً نعاني منه، فهناك مَنْ يقول: إن هؤلاء المسلمين الذين يقولون: لا إله إلا الله، محمد رسول الله، ويقيمون الصلاة، ويبنون المساجد، بينما هُمْ قومٌ متخلّفون ومتأخّرون عن رَكْب الحضارة، بينما نجد الكافرين وهم يَرْفُلُون في نعيم الحَضَارة.
    ونقول: إن لله تعالى عطاءَ ربوبية للأسباب، فمن أحسنَ الأسباب حتى لو كان كافراً، فالأسباب تعطيه، ولكن ليس له في الآخرة من نصيب؛ لأن الحق سبحانه يقول:
    * وَقَدِمْنَآ إِلَى مَا عَمِلُواْ مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَآءً مَّنثُوراً *[الفرقان: 23].
    والحق سبحانه يجزي الكافر الذي يعطي خيراً للناس بخيرٍ في الدنيا، ويجزي الصادق الذي لا يكذب من الكفار بصدق الآخرين معه في الدنيا، ويجزي من يمدُّ يده بالمساعدة من الكفار بمساعدة له في الدنيا.
    وكلها أعمال مطلوبة في الدِّين، ولكنَّ الكافر قد يفعلها، فيردُّ الله سبحانه وتعالى له ما فعل في الدنيا، وإنْ كان قد فعل ذلك ليُقَال: إن فلاناً عَمِلَ كذا، أو فلاناً كان شَهْماً في كذا، فيُقال له: " علْمتَ لِيُقال وقد قِيل ".
    وإذا كان الكافرون يأخذون بالأسباب؛ فالحق سبحانه يعطيهم ثمرة ما أخذوا من الأسباب.
    ويجب أن نقول لمن يتهم المسلمين بالتخلُّف:
    لقد كان المسلمون في أوائل عهدهم متقدمين، وكانوا سادة حين طبَّقوا دينهم، ظاهراً وباطناً، شكلاً ومضموناً.
    وعلى ذلك فالتخلُّف ليس لازماً ولا ملازماً للإسلام، وإنما جاء التخلُّف لأننا تركنا روح الإسلام وتطبيقه.
    وإنْ عقدنا مقارنة بين حال أوربا حينما كانت الكنيسة هي المسيطرة، كنا نجد طل صاحب نشاط عقلي مُبْدِعٍ ينال القتل عقوبة على الإبداع، وكانت تسمى تلك الأيام في أوربا " العصور المظلمة ".
    وحينما جاءت الحروب الصليبية وعرفت أوربا قوة الإسلام والمسلمين، ودحرهم المسلمون، بدأوا في محاولة الخروج على سلطان البابا والكنيسة، وعندما فعلوا ذلك تَقَدَّموا.
    هم ـ إذن ـ عندما تركوا سلطان البابا تقدموا، ونحن حين تركنا العمل بتعاليم الإسلام تخلَّفنا.
    إذن: فأيُّ الجَرْعَتيْن خير؟
    إن واقع الحياة قد أثبت تقدُّم المسلمين حين أخذوا بتعاليم الإسلام، وتخلفوا حين تركوها.

    وهكذا.. فمعيار التقدُّم هو الأخذْ بالأسباب، فمن أخذ بالأسباب وهو مؤمن نال حُسْن خير الدنيا وحُسْن ثواب الآخرة، ومَنْ لم يؤمن وأخذ بالأسباب نال خير الدنيا ولم يَنَلْ ثواب الآخرة.
    والحق سبحانه وتعالى هو القائل:
    * وَالَّذِينَ كَفَرُواْ أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَآءً حَتَّى إِذَا جَآءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً وَوَجَدَ اللَّهَ عِندَهُ *[النور: 39].
    وهكذا يُفاجأ بالإله الذي كذَّب به.
    والحق سبحانه يقول:
    * مَّثَلُ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ لاَّ يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُواْ عَلَى شَيْءٍ *[إبراهيم: 18].
    إذنْ: فمن أراد الدنيا وزينتها، فالحق الأعلى سبحانه يوفِّيه حسابه ولا يبخسه من حقه شيئاً، فحاتم الطائي ـ على سبيل المثال ـ أخذ صفة الكرم، وعنترة أخذ صفة الشجاعة،ـ وكل إنسان أحسن عملاً أخذ أجره، ولكن عطاء الآخرة هو لمن عمل عمله لوجه الله تعالى، وآمن به.
    وحتى الذين دخلوا الإسلام نفاقاً وحاربوا مع المسلمين، أخذوا نصيبهم من الغنائم، ولكن ليس لهم في الآخرة من نصيب.
    إذن: فالوفاء يعني وجود عَقْد، وما دام هناك عقد بين العامل والعمل، وأتقن العاملُ العملَ فلا بد أن يأخذ أجره دون بَخْس؛ لأن البَخْسَ هو إنقاص الحق.
    ويقول الحق سبحانه من بعد ذلك: * أُوْلَـائِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ *
    أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (16)

    إذن: فالنار مثوى هؤلاء الذين عملوا من أجل الدنيا دون إيمان بالله، فقد أخذوا حسابهم في الدنيا، أما عملهم فقد حبط في الآخرة، والحَبَط هو انتفاخ الماشية حين تأكل شيئاً أخضر لم ينضح بعد، ويقال في الريف عن ذلك: " انتفخت البهيمة " أي: أن هناك غازات في بطنها، وقد يظنها الجاهل سِمْنةً، لكن هذا الانتفاخ يزول بزوال سببه.
    وعمل الكافرين إنما يحبط في الآخرة؛ لأنه باطل.
    ويقول الحق سبحانه بعد ذلك: * أَفَمَن كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّهِ وَيَتْلُوهُ *
    أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ وَمِنْ قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى إِمَامًا وَرَحْمَةً أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الْأَحْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ فَلَا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ (17)

    والبيِّنة هي بصيرة الفطرة السليمة التي تُلْفِت الإنسان إلى وجود وجب الوجود، وتوضِّح للإنسان أن هذا الكون الجميل البديع لا بُدَّ له من واجد.
    وهكذا تكون الهداية بالبصيرة والفطرة.
    والعربي القديم حين سار في الصحراء ووجود بَعْراً مُلْقَى في الصحراء، ورأى أثر قدم، فقال: " البَعْرة تدل على البعير، والأثر يدل على المسير، وسماء ذات أبراج وأرض ذات فجاج وبحار ذات امواج، أفلا يدل كُلُّ ذلك على اللطيف الخبير؟ ".
    وهكذا اهتدى الرجل بالفطرة، وهي بيِّنة من الله.
    وقد أودع الله سبحانه في كل إنسان فطرة، وبهذه الفطرة شهدنا في عالم الذَّرِّ.
    وفي ذلك يقول الحق سبحانه:
    * وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي ءَادَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَى شَهِدْنَآ *[الأعراف: 172].
    إذن: فالبيِّنة هي:إيمان الفطرة المركوز في ذرات الأشياء.
    وقد تُضبِّب الشهوات هذا الإيمان، فلا يحمل نفسه على المنهج فيرسل الحق سبحانه رحمة منه رسلاً تذكِّرنا بالبينات الأولى، وتدلنا على العلل والأحكام حتى تنضمَّ البينة من الرسل على البينة من الفطرية في الكائن.
    وهكذا يبيِّن الحق سبحانه وتعالى مناط الاقتناع بدين الله، فقد يكون هذا الأمر مجهولاً للخلق، فيريد سبحانه أن يبيِّن لنا أن هذا الجهل هو جهل غير طبيعي؛ لأن الفطرة السليمة تهتدي قبل أن يجيء رسولٌ يُلْفِتنا إلى القوة العليا التي تدبِّر حركة هذا الكون.
    وقد ضربت من قبل مثلاً لذلك بمن سقطتْ به طائرة في الصحراء، لا ماء فيها ولا طعام ولا أنيس ولا مأوى، ثم غلبه النوم فنام، وحين استيقظ وجد مائدة منصوبة عليها أطايب الطعام وأطيب الشراب، ووجد صواناً منصوباً ليأوي إليه؛ فلا بد لهذا الإنسان أن يدور بفكره سؤالٌ: من صنع هذا؟
    وهو سيسأل نفسه هذا السؤال قبل أن يستمتع بشيء من هذا، خصوصاً وأنه لم يجد أحداً يقول له: أنت في ضيافتي.
    إذنْ: فلا بد أن يفكر بعقله.
    وكذلك الإنسان الذي طرأ على الوجود، وما ادَّعى واحدٌ من خَلْق الله تعالى أنه خلق هذا الوجود، وما ادَّعى أحدٌ أنه خلق السموات والأرض، وما ادَّعى أحدٌ أنه سخَّر كلَّ ما في الكون لخدمة الإنسان.
    وكان من الواجب على الإنسان قبل أن ينعم بهذا، أن يفكر: من الذي صنع له كل ذلك؟ فإذا جاء رسول من جنس الإنسان ليقول له: أنا جئت لأحل لك اللغز المطلوب لك.
    هنا كان على الإنسان أن يرهف سمعه لذلك الرسول؛ لأنه قد جاء ليحلَّ للإنسان أمراً يشغل باله.
    ومن لطف الله سبحانه بنا أنه يطلب منا مقدَّماً أن نفكر في ذلك، بل تركنا فترة طويلة بلا تكليف في هذه الدنيا، لينعم الإنسان بخير ربه، وبعد ذلك إذا ما جاء اكتمال الرشد ونضج، ولم يكن مكرهاً؛ فالحق سبحانه وتعالى يكلفه بتكاليف الإيمان.

    ولا بد للإنسان أن يتساءل: فكل شيء ـ مهما كان تافهاً ـ لا بد له من صانع، والمصباح الذي يضيء دائرة قطرها 20 متراً، عرفنا صانعه، ودرسنا المعامل التي أنجزته، والإمكانات التي تم استخدامها، والمواد التي صنع منها، أفلا نعرف تاريخ هذه الشمس، ومن جعلها لا تحتاج إلى صيانة ولا إلى وقود ولا إلى قطع غيار، وتنير نصف الكرة الأرضية؟
    هذه مسألة كان يجب أن نبحثها؛ لنرى آفاق تلك البينة، بينة نور وقوة وفطرة، يهبها الله للإنسان المفكر؛ ليهتدي إلى أن وراء هذه الكون خالقاً مدبراً.
    فإذا ما جاء إنسان مثله ليقول له: إن خالق الدنيا هو الله تعالى، وهو سبحانه يطلب منك كذا وكذا، كان أمراً منطقياً وطبيعياً أن نسمع لهذا الإنسان ونطابق ما يقول على إحساس الفطرة ورؤية البينات.
    إذن: فنحن نصل إلى المجهول أولاً بالفطرة، وقد نصل بالبديهة التي لا تشوبها أدنى شبهة، فأنت حين ترى دخاناً تعتقد بالبديهة أن هناك ناراً، وحين تسير في الصحراء وترى خضرة؛ ألا تعتقد أن هناك مياهاً ترويها؟
    هذه ـ إذن ـ أمور تعرفها بالبديهة، ولا تحتاج إلى بحث أو جهد.
    وهناك أمور قد تتطلب منك جهداً عقلياً تبحث به عما بعد المقدمات، مثل الجهد العقلي الذي استدل به العربي على أن هناك إلهاً خالقاً يُدير هذا الكون، فاستدل من البعرة على وجود البعير، وأن أثر القدم يدل على المسير، واستنتج من ذلك أن الكواكب ذات الأبراج، والأرض ذات الفجاج، والبحار ذات الأمواج، كلها أمور تدل على وجود اللطيف الخبير.
    كل هذه الأمور لم يقدر العقل إلا على الحكم عليها جملة، وإن لم يعرف التفصيل.
    لقد عرف العقل أن وراء هذا الكون خالقاً، صانعاً، حكيماً، لكنه لم يعرف اسماً له، وهذا أمر لا يعرفه الإنسان بالعقل، ولا يعرف أيضاً ما هو المنهج المطلوب لهذا الخالق، وبماذا يجزي المطيع له، ولا بماذا يعاقب العاصي له.
    إذن: لا بد من بلاغ عن الله تعالى يدل على القوة التي اقتنعت بها جملة.
    والمفكرون بالعقل في الكون يعلمون أن وراء هذا الكون خالقاً، لكن لا يعرفون اسمه، ولا مطلوبه.
    إذن: فأنت لا تعرف اسم الله إلا منه، عن طريق الوحي إلى رسوله، ولا تعرف مطلوب الله إلا من الرسول الذي أنزل عليه البلاغ.
    ومن رحمة الله بالإنسان أنه سبحانه قد أرسل رسولاً، ومع هذا الرسول معجزة هي القرآن؛ لأن العقل حتى حين يهتدي إلى قوة القادر الأعلى سبحانه، فإنها ستظل بالنسبة له مبهمة، وحين أنزل الحق سبحانه القرآن الكريم فقد أنزله رحمة بعباده وبينة لهم.

    * أَفَمَن كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّهِ وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِّنْهُ * [هود: 17].
    فالقرآن حجة ونور، وهو يهدي البصيرة الفطرية والموجودة في الإنسان * وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِّنْهُ * [هود: 17] هو من أنزل عليه الوحي، ويخبرنا عن الحق سبحانه وتعالى ما يوضح لنا أن الخالق الأعلى والقوة المطلقة هو الله سبحانه ويوضح لنا الشاهد مطلوب الله تعالى.
    ونحن هنا أمام ثلاثة شهود:
    الشاهد الأول: هو الحجة والبينة.
    والشاهد الثاني: هو البرهان والبصيرة التي يهتدي إليها العقل، والرسول هو من يبين لنا المنهج بعد الإجمال.
    وهذا الرسول جاء من قبله كتاب موسى:
    * وَمِن قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى إِمَاماً وَرَحْمَةً * [هود: 17].
    وهذا هو الشاهد الثالث.
    ومن لا يلتفت إلى المدلول بالأدلة الثلاثة مقصِّر؛ فمن عنده تلك البينة، ومن سمع الشاهد من الرسول، والشاهد الذي قبله، وهو كتاب موسى عليه السلام وشاهد بعده إلى نفس قوم موسى لا بد أن يقوده ذلك إلى الإيمان.
    وقول الحق سبحانه:
    * أُوْلَـائِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ * [هود: 17].
    إشارة إلى من التفتوا إلى الأدلة: بينة، وشاهداً، وشاهداً من قبله.
    ثم يقول الحق سبحانه:
    * وَمَن يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الأَحْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ * [هود: 17].
    والكفر ـ كما علمنا ـ هو الستر، والكفر في ذاته دليل على الإيمان، فلا يفكر أحد بغير موجود.
    فوجود المكفور به سابق على الكفر، والكفر طارىء عليه.
    إذن: فالكفر طارىء على الإيمان؛ لأن الإيمان هو أصل الفطرة.
    * وَمَن يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الأَحْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ * [هود: 17].
    وكلمة " أحزاب " جمع حزب. والحزب هو الجماعة الملتقية على مبدأ تتحمس لتنفيذه، مثل الأحزاب التي نراها في الحياة السياسية، وهي أحزاب بشرية تتصارع في المناهج والغايات، وهم أحرار في ذلك؛ لأنهم يتصارعون بفكر البشر.
    أما في العقيدة الأولى، فَمنَ المُخطِّط الأعلى، وهو الحق سبحانه وتعالى، فالمنهج يأتي منه؛ لأن هذا المنهج يوصل إليه؛ لذلك قال الله سبحانه عمَّن يتبعون منهجه:
    * أُوْلَـائِكَ حِزْبُ اللَّهِ *[المجادلة: 22].
    أي: أنهم يدخلون في حزب يختلف عن أحزاب البشر التي تختلف أو تتفق في فكر البشر.
    وهنا يقول الحق سبحانه:
    * وَمَن يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الأَحْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ * [هود: 17].
    والمقصود بهم كفار قريش عبدة الأوثان، والصابئة واليهود والنصارى الذين لم يؤمنوا برسالة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكل منهم جماعة تمثل حزباً، ويقول عنهم الحق سبحانه:
    * كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ *[المؤمنون: 53].
    ومن يكفر من هؤلاء برسالة رسول الله وبرسول الله فالجزاء هو النار، وبذلك بيَّن لنا الحق سبحانه أن هنالك حزبين: حزب الله، والأحزاب الأخرى، وهما فريقان كلّ منهما مواجه للآخر.
    ويقول الحق سبحانه لرسوله، والمراد أيضاً أمة محمد صلى الله عليه وسلم:
    * فَلاَ تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِّنْهُ * [هود: 17].
    أي: لا تكن يا رسول الله في شك من ذلك؛ لأن رسالتك وبعثتك تقوم على أدلة البينة والفطرة والهدى والنور المطلوب من الله تعالى، والشاهد معك، كما شهد لك من جاء من قبلك أنك جئت بالمنهج الحق:
    * إِنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ * [هود: 17].

    والحق ـ كما علمنا من قبل ـ هو الشيء الثابت الذي لا يعتريه تغيير، وهذا الحق لا يمكن أن يأتي إلا من إله لا تتغير أفعاله.
    ويُنهي الحق سبحانه الآية بقوله:
    * وَلَـاكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يُؤْمِنُونَ * [هود: 17].
    وهؤلاء لا يؤمنون عناداً؛ لأن الأدلة منصوبة بأقوى الحجج، ومَنْ يمتنع عليها هو مجرد معاند.
    والحق سبحانه يقول في مثل هؤلاء المعاندين:
    * وَجَحَدُواْ بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَآ أَنفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوّاً *[النمل: 14].
    أي: أنهم مع كفرهم يعلمون صدق الأدلة على رسالة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعلى صدق بعثته، فيكون كفرهم حنيئذ كفر عناد؛ لأن الأدلة منصوبة بأقوى الحجج، فيكون من يمتنع على الإيمان بهذه الأدلة إنساناً معانداً.
    يقول الحق سبحانه وتعالى: * وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِباً *
    وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أُولَئِكَ يُعْرَضُونَ عَلَى رَبِّهِمْ وَيَقُولُ الْأَشْهَادُ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ (18)

    هذه الآية تبدأ بخبر مؤكد في صيغة استفهام، حتى يأتي الإقرار من هؤلاء الذين افتروا على الله كذباً، والإقرار سيد الأدلة.
    الواحد من هؤلاء المفترين إذا سمع السؤال وأدار ذهنه في الظالمين، فلن يجد ظلماً أفدح ولا أسوأ من الذي يفتري على الله كذباً، ويقر بذلك.
    وهكذا شاء الحق سبحانه أن يأتي هذا الخبر في صيغة استفهام، ليأتي الإقرار اعترافاً بهذا الظلم الفظيع.
    وهؤلاء المكذبون يُعرَضون على الله مصداقاً لقول الحق سبحانه:
    * أُوْلَـائِكَ يُعْرَضُونَ عَلَى رَبِّهِمْ * [هود: 18].
    والعرض إظهار الشيء الخفي لنقف على حاله.
    ومثال ذلك في حياتنا: هو الاستعراض العسكري حتى يبيِّن الجيش قوته أمام الخصوم، وحتى تُبلغ الدولة غيرها من الدول بحجم قوتها.
    وكذلك نجد الضابط يستعرض فرقته ليقف على حال أفرادها، ويقيس درجة انضباط كل فرد فيها وحسن هندامه، وقدرة الجنود على طاعة الأوامر.
    ومثال آخر من حياتنا: فنحن نجد مدير المدرسة يستعرض تلاميذها لحظة إعلان نتائج الامتحان، ويرى المدير والتلاميذ خزي المقصر منهم أو الذي لم يؤد واجبه بالتمام.
    فما بالنا بالعرض على الله تعالى، حين يرى المكذبون حالهم من الخزي؟
    ذلك أنهم سيفاجأون بوجود الله الذي أنكروه افتراءً؛ لأن الحق سبحانه يقول:
    * وَالَّذِينَ كَفَرُواْ أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَآءً حَتَّى إِذَا جَآءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً وَوَجَدَ اللَّهَ عِندَهُ *[النور: 39].
    فأيُّ خزي ـ إذن ـ سيشعرون به؟!
    ويُظهر الحق سبحانه وتعالى ما كان مخفيّا منهم حين يعرض الكل على الله تعالى مصداقاً لقوله سبحانه:
    * وَعُرِضُواْ عَلَى رَبِّكَ صَفَّاً *[الكهف: 48].
    وكذلك يُعرضون على النار؛ لأن الحق سبحانه هو القائل:
    * النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوّاً وَعَشِيّاً *[غافر: 46].
    وهكذا يظهر الخزي والخجل والمهانة على هؤلاء الذين افتروا على الله تعالى.
    وهو سبحانه يعلم كل شيء أزلاً، ولكنه سبحانه شاء بذلك أن يكشف الناس أمام بعضهم البعض، وأمام أنفسهم، حتى إذا ما رأى إنسان في الجنة إنساناً في النار، فلا يستثير هذا المشهد شفقة المؤمن؛ لأنه يعلم أن جزاء المفتري هو النار.
    ويا ليت الأمر يقتصر على هذا الخزي، بل هناك شهادة الأشهاد؛ لأن الحق سبحانه وتعالى يقول في نفس الآية:
    * وَيَقُولُ الأَشْهَادُ هَـاؤُلاءِ الَّذِينَ كَذَبُواْ عَلَى رَبِّهِمْ * [هود: 18].
    والأشهاد جمع له مفرد، هو مرة " شاهد " ، مثل " صاحب " و " أصحاب " ، ومرة يكون المفرد " شهيد " مثل " شريف " و " أشراف ".
    والأشهاد منهم الملائكة؛ لأن الحق سبحانه يقول:
    * مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ *[ق: 18].
    وكذلك الحق سبحانه:
    * وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ * كِرَاماً كَاتِبِينَ * يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ * [الإنفطار: 10ـ12].
    كلمتان خفيفتان على اللسان .. ثقيلتان في الميزان .. حبيبتان إلى الرحمن

    سبحان الله وبحمده .. سبحان الله العظيم

  8. #8
    Super Moderator
    رقم العضوية : 2
    تاريخ التسجيل : Jun 2016
    المشاركات: 3,273
    التقييم: 10
    الدولة : الأردن
    العمل : طالب علم
    أو شهود من الأنبياء الذين بلغوهم منهج الله؛ لأن الحق سبحانه يقول:
    * فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَـاؤُلاءِ شَهِيداً *[النساء: 41].
    وأيضاً الشهيد على هؤلاء هو المؤمن من أمة محمد عليه الصلاة والسلام، فيبلِّغها إلى غيره، مصداقاً لقول الحق سبحانه:
    * وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى النَّاسِ *[البقرة: 143].
    وكلمة " الشهادة " تعني: تسجيل ما فعلوا، وتسجل أيضاً أنهم بُلِّغوا المنهج وعاندوه وخرجوا عليه، فارتكبوا الجريمة التي تقتضي العقاب، لأن العقوبة لا تكون إلا بجريمة، ولا تجريم إلا بنص، ولا نص إلا بإعلام.
    ولذلك نجد القوانين التي تصدر من الدولة تحمل دائماً عبارة " يُعمل بالقانون من تاريخ نشره في الجريدة الرسمية ".
    إذن: فعمل الأشهاد أن يعلنوا أن الذين أنكروا الرسالة والرسول قد بُلِّغوا المنهج، وبُلِّغوا أن إنكار هذا المنهج وإنكار هذا الرسول هو الجريمة الكبرى، وأن عقوبة هذا الإنكار هي الخلود في النار.
    ولأن الحق سبحانه وتعالى هو العدل نفسه؛ لذلك فلا عقاب إلا بالتأكيد من وقوع الجريمة، لذلك لا بد من شهادات متعددة، ولذلك يأتي الشاهد من الملائكة، وهو من جنس غير جنس المعروضين، ويأتي الشاهد من الأنبياء وهو من جنس البشر إلا أنه معصوم.
    وكذلك يأتي الشاهد من الإخوة المؤمنين الذين يشهدون أنهم قد بُلِّغوا منهج الإيمان، ثم تأتي شهادة هي سيدة الشهادات كلها، وهي شهادة الأبعاض على الكل.
    يقول الحق سبحانه:
    * وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَآءُ اللَّهِ إِلَى النَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ * حَتَّى إِذَا مَا جَآءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُم بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ * وَقَالُواْ لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدتُّمْ عَلَيْنَا قَالُواْ أَنطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ *[فصلت: 19ـ21]ٍ.
    فالجوارح تنطق لتقيم الحجة على أولئك المذنبين.
    وسؤال المذنبين عن كيفية وقوع النطق لا لزوم له؛ لذلك نجد السؤال هنا " لمَ "؛ لأن الجوارح كانت هي أدوات المذنبين في ارتكاب الجرائم؛ لأن اليد هي التي امتدت لتسرق، واللسان هو الذي نطق قول الزور، والقلب هو الذي حقد، والساق هي التي مشت إلى المعصية.
    والإنسان ـ كما نعلم ـ مركَّب من جوارح، وهذه الجوارح لها أجهزة تكوِّن الكل الإنساني، ومدير كل الجسم هو العقل، فهو الذي يأمر اليد لتمتد وتسرق، أو تمتد لتربت على اليتيم؛ والعين تأخذ أوامرها من العقل، فإما أن يأمرها بأن تنظر إلى جمال الكون، وتعتبر بما تراه من أحداث، أو يأمرها بأن تنظر إلى الحرام.
    إذن: الجوارح خادمة مطيعة مُسخَّرة لذلك الإنسان وإرادته، لكن الأمر يختلف في الآخرة، حيث لا أمر لأحد إلا الله.
    والحق سبحانه القائل:
    * لِّمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ *[غافر: 16].
    فالجوارح تقول يوم القيامة لأصحابها: كنا نفعل ما تأمروننا به من المعاصي رغماً عنا؛ لأننا كنا مُسخَّرين لكم في الدنيا، والآن انحلَّتْ إرادتكم عنا فقلنا ما أجبرتمونا على فعله.
    وهكذا تعترف الأشهاد، مصداقاً لقول الحق سبحانه:
    * وَيَقُولُ الأَشْهَادُ هَـاؤُلاءِ الَّذِينَ كَذَبُواْ عَلَى رَبِّهِمْ أَلاَ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ * [هود: 18].
    وما داموا قد كذبوا على ربهم، فالمكذوب عليه هو الله، ولا بد أن يطردهم من الرحمة، وهم قد ارتكبوا قمة الظلم وهو الشرك به والإلحاد وإنكار الرسول صلى الله عليه وسلم والرسالة.
    ويقول الحق سبحانه بعد ذلك: * الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ *
    الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ (19)

    وهنا يحدثنا القرآن عن هؤلاء الذين كفروا بالله وآياته ورسوله صلى الله عليه وسلم، ولم يكتفوا بكفرهم، بل تمادوا وأرادوا أن يصدوا غيرهم عن الإيمان.
    وبذلك تعدَّوا في الجريمة، فبعد أن أجرموا في ذواتهم؛ أرادوا لغيرهم أن يُجرم.
    وسبق أن أنزل الحق سبحانه خطاباً خاصّاً بأهل الكتاب، الذين سبق لهم الإيمان برسول سابق على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولكن أعماهم الطمع في السلطة الزمنية فطمسوا الآيات المبشرة برسول الله في كتبهم، وهم بذلك إنما صدُّوا عن سبيل الله، وأرادوا أن تسير الحياة معوجَّة.
    يقول الحق سبحانه:
    * قُلْ ياأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ تَبْغُونَهَا عِوَجاً وَأَنْتُمْ شُهَدَآءُ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ *[آل عمران: 99].
    وقد أرسل الحق سبحانه رسوله صلى الله عليه وسلم ليعدل المُعوجَّ من أمور المنهج. والعوج هو عدم الاستقامة والسوائية، وقد يكون في القيم، وهي ما قد خفي من المعنويات، فتقول: أخلاق فلان فيها عوج، وأمانة فلان فيها عوج.
    ويقول الحق سبحانه:
    * الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجَا *[الكهف: 1].
    وهنا في الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها يقول الله سبحانه:
    * وَيَبْغُونَهَا عِوَجاً * [هود: 19].
    أما في الأمور المحسة فلا يقال: " عِوَج " ، بل يقال: " عَوَج، فأنت إذا رأيت شيئاً معوجاً في الأمور المحسة تقَول: عَوَج.
    لكننا نقرأ في القرآن قول الحق سبحانه:
    * وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنسِفُهَا رَبِّي نَسْفاً * فَيَذَرُهَا قَاعاً صَفْصَفاً * لاَّ تَرَى فِيهَا عِوَجاً وَلا أَمْتاً *[طه: 105ـ107].
    وقد أوردها الحق سبحانه هنا بهذا الشكل لدقة الأداء القرآني؛ لأن هناك عوجاً حسياً يحسه الإنسان، مثلما يسير الإنسان في الصحراء؛ فيجد الطريق منبسطاً ثم يرتفع إلى ربوة ثم ينبسط مرة أخرى، ثم يقف في الطريق جبل، ثم ينزل إلى وادٍ، وأي إنسان يرى مثل هذا الطريق يجد فيه عوجاً.
    أما إذا كنت ترى الأرض مبسوطة مسطوحة كالأرض الزراعية، فقد تظن أنها أرض مستوية، ولكنها ليست كذلك؛ بدليل أن الفلاح حين يغمر الأرض بالمياه، يجد بقعة من الأرض قد غرقت بالماء، وقطعة أخرى من نفس الأرض لهم تمسها المياه، وبذلك نعرف أن الأرض فيها عوج لحظة أن جاء الماء، والماء ـ كما نعلم ـ هو ميزان كل الأشياء المسطوحة.
    ولذلك حين نريد أن نحكم استواء جدار أو أرض، فنحن نأتي بميزان الماء؛ لأنه يمنع حدوث أي عوج مهما بلغ هذا العوج من اللطف والدقة التي قد لا تراها العين المجردة.
    وفي يوم القيامة يأتي أصحاب العوج في العقيدة، ويصورهم الحق سبحانه في قوله:
    * يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدَّاعِيَ لاَ عِوَجَ لَهُ وَخَشَعَتِ الأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَـانِ فَلاَ تَسْمَعُ إِلاَّ هَمْساً *[طه: 108].
    هم ـ إذن ـ يصطفُّون بلا اعوجاج، كما يصطف المجرمون تبعاً لأوامر من يقودهم إلى السجن، في ذلة وصَغَار ولا ينطقون إلا همساً.
    وهنا يقول الحق سبحانه:
    * الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجاً وَهُمْ بِالآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ * [هود: 19].
    والسبب في صَدِّهم عن سبيل الله أنهم يريدون الحال مُعْوجاً ومائلاً، وأن يُنفِّروا الناس من الإيمان ليضمنوا لأنفسهم السلطة الزمنية ويفسدون في الأرض؛ لأن مجيء الإصلاح بالإيمان أمر يزعجهم تماماً، ويسلب منهم ما ينتفعون به بالفساد.
    ويقول الحق سبحانه بعد ذلك: * أُولَـائِكَ لَمْ يَكُونُواْ مُعْجِزِينَ فِي الأَرْضِ *
    أُولَئِكَ لَمْ يَكُونُوا مُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ يُضَاعَفُ لَهُمُ الْعَذَابُ مَا كَانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَمَا كَانُوا يُبْصِرُونَ (20)

    والإعجاز هو الامتناع، وأعجزت فلاناً، أي: برهنت على أنه ممتنع عن الأمر وغير قادر عليه.
    وقد تجلَّى الإعجاز ـ على سبيل المثال ـ في عجز هؤلاء الذين أنكروا أن القرآن معجزة أن يأتي بآية من مثله.
    والمعجز في الأرض هو من لا تقدر عليه.
    ويبيِّن لنا الحق سبحانه في هذه الآية أن هؤلاء الكافرين لا يُعجزون الله في الأرض، بدليل أن هناك نماذج من أمم قد سبقت وكفرت، فمنهم من أخذته الريح، ومنهم من خسف الله بهم الأرض، ومنهم من غرق، وإذا انتقلوا إلى الآخرة فليس لهم ولي أو نصير من دون الله؛ لأن الولي هو القريب منك، ولا يقرب منك إلا من تحبه، ومن ترجو خيره.
    فإذا قَرُب منك إنسان له مواهب فوق مواهبك، نضح عليك من مواهبه، وإذا كان من يقرب منك قوياً وأنت ضعيف، ففي قوته سياج لك، وإن كان غنياً، فغناه ينضح عليك، وإن كان عالماً أفادك بعلمه، إن كان حليماً أفادك بحلمه لحظة غضبك، وكل صاحب موهبة تعلو موهبتك وأنت قريب منه، فسوف يفيدك من موهبته.
    والولي هو النصير أيضاً؛ لأنك أول ما تستصرخ سيأتي لك القريب منك.
    وهؤلاء الذين يصدُّون عن سبيل الله لن يجدوا وليّاً ولا نصيراً في الآخرة ـ وإن وجدوه في الدنيا ـ لأن كل إنسان في الآخرة سيكون مشغولاً بنفسه:
    * يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّآ أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُم بِسُكَارَى وَلَـاكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ *[الحج: 2].
    ويقول الحق سبحانه:
    * ياأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمْ وَاخْشَوْاْ يَوْماً لاَّ يَجْزِي وَالِدٌ عَن وَلَدِهِ وَلاَ مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَن وَالِدِهِ شَيْئاً *[لقمان: 33].
    وكذلك يقول الحق سبحانه:
    * يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ * وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ * لِكُلِّ امْرِىءٍ مِّنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ *[عبس: 34ـ37].
    إذن: فهؤلاء الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله لا يُعجزون الله في الأرض، ولا يجدون الولي أو النصير في الآخرة، بل:
    * يُضَاعَفُ لَهُمُ الْعَذَابُ * [هود: 20].
    ونحن نفهم الضِّعْفَ على أنه الشيء يصير مرتين، ونظن أن في ذلك قوة، ونقول: لا؛ لأن الذي يأتي ليسند الشيء الأول ويشفع له، كان الأول بالنسبة له ضعيف.
    إذن: فالمُضَاعفة هي التي تظهر ضعف الشيء الذي يحتاج إلى ما يدعمه.
    ومُضَاعفة العذاب أمر منطقي لهؤلاء الذين أرادوا الأمر عوجاً، وصدوا عن سبيل الله تعالى، وأرادوا بذلك إضلال غيرهم.
    وقول الحق سبحانه:
    * يُضَاعَفُ لَهُمُ الْعَذَابُ * [هود: 20].
    لا يتناقض مع قوله الحق:
    * وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى *[الأنعام: 164].
    لأن هؤلاء الذين صدوا عن سبيل الله ليس لهم وزر واحد، بل لهم وِزْران: ووزر الضلال في ذواتهم، ووزر الإضلال لغيرهم.

    وهناك آية تقول:
    * وَالَّذِينَ لاَ يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَـاهًا آخَرَ وَلاَ يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ وَلاَ يَزْنُونَ وَمَن يَفْعَلْ ذالِكَ يَلْقَ أَثَاماً * يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ *[الفرقان: 68ـ69].
    أي: أن مَنْ يفعل ذلك يَلْقَ مضاعفة للعذاب.. لماذا؟
    لأنه كان أسوة لغيره في أن يرتكب نفس الجرم.
    والحق سبحانه وتعالى لا يريد للذنوب أن تنتشر، ولذلك نجد الحق سبحانه وتعالى يحض على أن يرى المؤمنون من ارتكب الجُرْم لحظةَ العقاب، مثلما يقول سبحانه في الزنا:
    * وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَآئِفَةٌ مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ *[النور: 2].
    وحين يرى المؤمنون وقوع العقوبة على جريمة ما، ففي ذلك تحذير من ارتكاب الجُرْم، وحدّ من وقوع الجرائم.
    وهنا في الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها يضاعف العذاب لأولئك الذين صَدُّوا عن سبيل الله، وأرادوا إضلال غيرهم، فارتكبوا جريمتين:
    أولاهما: ضلالهم.
    والثانية: إضلالهم لغيرهم.
    ولذلك تجد بعضاً من الذين أضلُّوا يقولون يوم القيامة:
    * رَبَّنَآ أَرِنَا الَّذَيْنِ أَضَلاَّنَا مِنَ الْجِنِّ وَالإِنسِ نَجْعَلْهُمَا تَحْتَ أَقْدَامِنَا لِيَكُونَا مِنَ الأَسْفَلِينَ *[فصلت: 29].
    ويقولون أيضاً:
    * رَبَّنَآ إِنَّآ أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَآءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلاْ * رَبَّنَآ آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْناً كَبِيراً *[الأحزاب: 67ـ68].
    إذن: فالدعوة إلى الانحراف إضلال، وعمل الشيء بالانحراف إضلال؛ لأنه أسوة أمام الغير.
    ومضاعفة العذاب لا تعني الإحراق مرة واحدة في النار؛ لأن الحق سبحانه لو تركنا للنار لتحرقنا مرة واحدة لانتهى الإيلام؛ ولذلك أراد الحق سبحانه أن يكون هناك عذاب بعد عذاب.
    يقول الحق سبحانه:
    * كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُوداً غَيْرَهَا لِيَذُوقُواْ الْعَذَابَ *[النساء: 56].
    فهو عذاب على الدوام.
    أو أن العذاب الذي يضاعف له لون آخر، فهناك عذاب للكفر، وهناك عذاب للإفساد.
    يقول الحق سبحانه:
    * زِدْنَاهُمْ عَذَاباً فَوْقَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُواْ يُفْسِدُونَ *[النحل: 88].
    فالعذاب على الكفر لا يلغي العذاب على المعاصي التي يرتكبها الكافر.
    فإذا كانت الشاة القرناء يُقتصُّ للشاة الجلحاء منها، أي: أن الشاة التي لها قرون وتنطح الشاة التي لا قرون لها، فيوم القيامة يتم القصاص منها، رغم أنه لا حساب للحيوانات؛ لأنها لا تملك الاختيار، ولكنها سوف تُستخدم كوسيلة إيضاح لميزان العدالة.
    ويقول الحق سبحانه:
    * يُضَاعَفُ لَهُمُ الْعَذَابُ مَا كَانُواْ يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَمَا كَانُواْ يُبْصِرُونَ * [هود: 20].
    أي: ما كانوا يستطيعون الاستفادة من السمع رغم وجود آلة السمع، فلم يستمعوا لبلاغ الرسول صلى الله عليه وسلم، ولا استطاعوا الاستفادة من أبصارهم ليروا آيات الله سبحانه وتعالى في الكون، فكأنهم صُمٌّ عُمْيٌ، أو يضاعف لهم العذاب مدة استطاعتهم السمع والإبصار.
    وفي آية أخرى يقول الحق سبحانه:
    * أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ *[مريم: 38].
    أي: أن سمعهم وأبصارهم ستكون سليمة وجيدة في الآخرة.
    ويقول الحق سبحانه بعد ذلك: * أُوْلَـائِكَ الَّذِينَ خَسِرُواْ أَنْفُسَهُمْ *
    أُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (21)

    إذن: فهم خسروا أنفسهم؛ لأنهم بظلم النفس وإعطائها شهوة عاجلة زمنها قليل، أخذوا عذاباً آجلاً زمنه خالد.
    وفي هذا ظلم للنفس، وهذه قمة الخيبة، وهذا يدل على اختلال الموازين،
    وأنت قد تظلم غيرك فتأخذ من عنده بعضاً من الخير لتستفيد به، وبذلك تظلم الغير لصالح نفسك.
    وظلم النفس يعني أنك تعطيها متعة عاجلة وتغفل عنها عذاباً آجلاً، والمتعة العاجلة لها مدة محدودة، أما العذاب فلا مدة تحدده.
    ولذلك يقول الحق سبحانه وتعالى:
    * وَضَلَّ عَنْهُمْ مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ * [هود: 21].
    أي: لم يهتد إليهم ما كانوا يعبدونهم من دون الله، ولو كان لهؤلاء الذين عبدوهم قوة يوم القيامة؛ لهرعوا إليهم ليستنقذوهم من العذاب، ولكنهم بلا حول ولا قوة؛ لأن الحق سبحانه قد حكم على هؤلاء الكافرين، وقال:
    * وَمَا لَهُمْ فِي الأَرْضِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ *[التوبة: 74].
    وكذلك هؤلاء الآلهة المعبودة من دون الله تعالى، أو شركاء مع الله، لا يهتدون إليهم، حتى بفرض قدرتهم على النصرة، فتلك الآلهة أو الشركاء لا يهتدون إليهم، ولا يعرفون لهم مكاناً.
    وقول الحق سبحانه: * وَضَلَّ عَنْهُمْ * [هود: 21].
    أي: غاب وتاه عنهم.
    وقوله سبحانه: * مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ * [هود: 21].
    أي: ما كانوا يدَّعونه كذباً.
    ويقول الحق سبحانه بعد ذلك: * لاَ جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الآخِرَةِ *
    لَا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ (22)

    واختلف العلماء في معنى كلمة * لاَ جَرَمَ * ، والمعنى العام حين تسمع كلمة * لاَ جَرَمَ * أي: حق وثابت، أو لا بد من حصول شيء محدد.
    وحين يقول الحق سبحانه:
    * لاَ جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ الْنَّارَ *[النحل: 62].
    أي: حَقَّ وثبت أن لهم النار؛ نتيجة ما فعلوا من أعمال، وتلك الأعمال مقدمة بين يدي عذابهم، فحين نسمع * لاَ جَرَمَ * ومعها العمل الذي ارتكبوه، تثق في أنه يحق على الله ـ سبحانه ـ أن يعذبهم.
    وقال بعض العلماء: إن معنى: * لاَ جَرَمَ * حق وثبت.
    وقال آخرون: إن معنى * لاَ جَرَمَ * هو لا بد ولا مفر.
    والمعنيان ملتقيان لأن انتفاء البُدِّية يدل على أنها ثابتة.
    وكان يجب على العلماء أن يبحثوا في مادة الكلمة، ومادة الكلمة هي " الجرم " ، والجرم: هو القطع، ويقال: جرم يده، أي: قطع يده.
    وقول الحق سبحانه هنا:
    * لاَ جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الآخِرَةِ هُمُ الأَخْسَرُونَ * [هود: 22].
    أي: لا قَطْع لقول الله فيهم بأن لهم النار، ولا شيء يحول دون ذلك أبداً، ولا بد أن ينالوا هذا الوعيد؛ وهكذا التقى المعنى بـ " لا بد ".
    إذن: فساعة تسمع كلمة " لا جرم " ، أي: ثبت، أو لا بد من حدوث الوعيد.
    كلمتان خفيفتان على اللسان .. ثقيلتان في الميزان .. حبيبتان إلى الرحمن

    سبحان الله وبحمده .. سبحان الله العظيم

  9. #9
    Super Moderator
    رقم العضوية : 2
    تاريخ التسجيل : Jun 2016
    المشاركات: 3,273
    التقييم: 10
    الدولة : الأردن
    العمل : طالب علم
    وأيضاً تجد كلمة " الجريمة " مأخوذة من " الجرم " ، وهي قطع ناموس مستقيم، فحين نقرر ألا يسرق أحد من أحد شيئاً، فهذا ناموس مستقيم، فإن سرق واحد من آخر، فهو قد قطع الأمن والسلام للناس، وأيُّ جريمة هي قَطْع للمألوف الذي يحيا عليه الناس.
    وأيضاً يقال: جرم الشيء أي: اكتسب شرَّه، ومنه الجريمة، ولذلك يقال: من الناس من هو " جارم " وهي اسم فاعل من الفعل: " جرم " ، مثل كلمة " كاتب " من الفعل " كتب " و " مجروم عليه " وهي اسم مفعول، مثلها مثل " مكتوب ".
    فإن أخذت الجريمة من قطع الأمر السائد في النظام، فهؤلاء الذين افتروا على الله وظلموا وصدوا عن سبيل الله، فلا جريمة في أن يعذبهم الله بالنار.
    ومثل هذه العقوبة ليست جريمة؛ لأن العقوبة على الجريمة ليست جريمة، بل هي مَنْع للجريمة.
    وهكذا تلتقي المعاني كلها، فحين نقول: * لاَ جَرَمَ * فذلك يعني أنه لا جريمة في الجزاء؛ لأن الجريمة هي الآثام العظيمة التي ارتكبوها.
    ولذلك يقول الحق سبحانه وتعالى:
    * وَجَزَآءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا *[الشورى: 40].
    وقد سمَّاها الحق سيئة؛ لأنها تسيء إلى المجتمع أو تسيء إلى الفرد نفسه.
    ولهذا يقول الحق سبحانه:
    * وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُواْ بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ *[النحل: 126].
    وهكذا نجد أن هناك معاني متعددة لتأويل قول الحق سبحانه: * لاَ جَرَمَ * ، فهي تعني: لا قطع لقول الله في أن المشركين سيدخلون النار، أو لا بد أن يدخلوا النار، أو حق وثبت أن يدخلوا النار، أو لا جريمة من الحق سبحانه عليهم أن يفعل بهم هكذا؛ لأنهم هم الذين فعلوا ما يستحق عقابهم.

    ويقول الحق سبحانه:
    * لاَ جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الآخِرَةِ هُمُ الأَخْسَرُونَ * [هود: 22].
    وكلمة (الأخسرون) جمع " أخسر " وهي أفعل تفضيل لخاسر، وخاسر اسم فاعل مأخوذ من الخسارة.
    والخسارة في أمور الدنيا أن تكون المبادلة إجحافاً لواحد، كأن يشتري شيئاً بخمسة قروش وكان يجب أن يبيعها بأكثر من خمسة قروش، لكنه باعها بثلاثة قروش فقط، فبعد أن كان يرغب في الزيادة، باع الشيء بمنا ينقص عن قيمته الأصلية.
    ومن يفعل ذلك يسمى " خاسر " ، والخسارة في الدنيا موقوتة بالدنيا، ومن يخسر في صفقة قد يربح في صفقة أخرى.
    ولنفترض أنه قد خسر في كل صفقات الدنيا، فما أقصر وقت الدنيا! لأن كل ما ينتهي فهو قصير، لكن خسارة الآخرة لا نهاية لها.
    ويقول الحق سبحانه وتعالى:
    * قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُم بِالأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً * الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً *[الكهف: 103ـ104].
    وهكذا وصفهم الحق سبحانه مرة بأنهم الأخسرون، ومرة يقول سبحانه واصفاً الحكم عليهم:
    * أَلاَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ *[الزمر: 15].
    وهو خسران محيط يستوعب كل الأمكنة.
    وشاء الحق سبحانه بعد ذلك أن يأتي بالمقابل لهؤلاء، وفي ذلك فيض من الإيناسات المعنوية؛ لأن النفس حين ترى حكماً على شيء تأنس أن تأخذ الحكم المقابل على الشيء المقابل.
    فحين يسمع الإنسان قول الحق سبحانه:
    * إِنَّ الأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ *[الانفطار: 13].
    فلا بد أن يأتي إلى الذهن تساؤل عن مصير الفُجَّار، فيقول الحق سبحانه:
    * وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ *[الانفطار: 14].
    وهذا التقابل يعطي بسطة النفس الأولى وقبضة النفس الثانية، وبين البسطة والقبضة توجد الموعظة، ويوجد الاعتبار.
    ويأتي الحق سبحانه هنا بالمقابل للمشركين الذين صدوا عن سبيل الله، فصاروا إلى النار، والمقابل هم المؤمنون أصحاب العمل الصالح.
    فيقول الحق سبحانه: * إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ *
    إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَخْبَتُوا إِلَى رَبِّهِمْ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (23)

    الإيمان ـ كما نعلم ـ أمر عقدي، يعلن فيه الإنسان إيمانه بإله واحد موجود، ويلتزم بالمنهج الذي أنزله الله سبحانه وتعالى على الرسول صلى الله عليه وسلم، ومن آمن بالله تعالى ولم يعمل العمل الصالح يتلقَّ العقاب؛ لأن فائدة الإيمان إنما تتحقق بالعمل الصالح.
    لذلك نجد الحق سبحانه وتعالى يقول لنا:
    * قَالَتِ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُواْ وَلَـاكِن قُولُواْ أَسْلَمْنَا *[الحجرات: 14].
    أي: اتبعتم ظاهر الإسلام.
    وهكذا نعرف أنه يوجد مُتيقِّن بصحة واعتقاد بأن الإله الواحد الأحد موجود، وأن الرسول صلى الله عليه وسلم مُبلِّغ عن الله عز وجل؛ لكن العمل الذي يقوم به الإنسان هو الفيصل بين مرتبة المؤمن، ومرتبة المعلم.
    فالذي يُحسن العمل هو مؤمن، أما من يؤدي العمل بتكاسل واتِّباع لظواهر الدين، فهو المسلم، وكلاهما يختلف عن المنافق الذي يدَّعي الحماس إلى أداء العبادات، لكنه يمكر ويبِّيت العداء للإسلام الذي لا يؤمن به.
    وكان المنافقون على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم أسبق الناس إلى صفوف الصلاة، وكانوا مع هذا يكتمون الكيد ويدبرون المؤامرات ضد النبي صلى الله عليه وسلم.
    وهنا يقول الحق سبحانه وتعالى:
    * إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ وَأَخْبَتُواْ إِلَى رَبِّهِمْ * [هود: 23].
    هذا القول يبيِّن لنا أن معيار الإيمان إنما يعتمد على التوحيد، وإتقان أداء ما يتطلبه منهج الله سبحانه، وأن يكون كل ذلك بإخبات وخضوع، ولذلك يقال: رُبَّ معصية أورثت ذلاً وانكساراً، خير من عبادة أورثت عزّاً واستكباراً.
    أي: أن المؤمن عليه ألا يأخذ العبادة وسيلة للاستكبار.
    وكلمة * وَأَخْبَتُواْ * أي: خضعوا خشية لله تعالى، فهم لا يؤدون فروض الإيمان لمجرد رغبتهم في ألاَّ يعاقبهم الله، لا بل يؤدون فروض الإيمان والعمل الصالح خشية لله.
    وأصل الكلمة من " الخبت " وهي الأرض السهلة المطمئنة المتواضعة، وكذلك الخبت في الإيمان.
    ويصف الحق سبحانه أهل الإيمان المخبتين بأنهم:
    * أُوْلَـائِكَ أَصْحَابُ الجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ * [هود: 23].
    أي: الملازمون لها، وخلودهم في الجنة يعني أنهم يقيمون في النعيم أبداً، ونعيم الجنة مقيم ودائم، على عكس نعيم الدنيا الذي قد يفوته الإنسان بالموت، أو يفوت النعيم الإنسان بالسلب؛ لأن الإنسان في الدنيا عرضة للأغيار، أما في الآخرة، فأهل الإيمان أصحاب العمل الصالح المخبتون لربهم، فهم أهل النعيم المقيم أبداً.
    وهكذا عرض الحق سبحانه حال الفريقين: الفريق الذي ظلم نفسه بافتراء الكذب وعلى الله، وصدوا عن سبيل الله، وابتغوا الأمر عوجاً، هؤلاء لن يُعجزوا الله، وليس لهم أولياء يحمونهم من العذاب المضاعف.
    وهم الذين خسروا أنفسهم، ولن يجدوا عوناً من الآلهة التي عبدوها من دون الله، ولا شيء بقادر على أن يفصل بينهم وبين العذاب، وهم الأخسرون.
    أما الفريق الثاني فهم الذين آمنوا وعملوا الصالحة بخشوع وخشية ومحبة لله سبحانه وتعالى، وهم أصحاب الجنة الخالدون فيها.
    إذن: فلكل فريق مسلكه وغايته.
    لذلك يقول الحق سبحانه بعد ذلك: * مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ كَالأَعْمَى وَالأَصَمِّ *

    مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ كَالْأَعْمَى وَالْأَصَمِّ وَالْبَصِيرِ وَالسَّمِيعِ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (24)

    والفريقان هما من تحدثنا عنهما من قبل.
    وكلمة " الفريق " تعني: جماعة يلتقون عند غاية وهدف واحد، مثلما نقول: فريق كرة القدم أو غيره من الفرق، فهي جماعات، كل جماعة منها لها هدف يجمعها.
    ونحن نجد الحق سبحانه وتعالى يقول:
    * فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ *[الشورى: 7].
    وكلمة * الْفَرِيقَيْنِ * جاءت في الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها؛ لأن كل فرقة تضم جماعة مختلفة عن الجماعة الأخرى، ولهؤلاء متعصبون، وللآخرين متعصبون.
    ويضرب الحق سبحانه وتعالى في هذه الآية المثل بسَيِّدَي الحواس الإداركية في الإنسان، وهما السمع والبصر، فهما المصدران الأساسيان عند الإنسان لأخذ المعلومات، إما مسموعة، أو مرئية، ثم تتكون لدى الإنسان قدرة الاستنباط والتوليد مما سمعه بالأذن ورآه بالعين.
    ولذلك قال لنا الحق سبحانه:
    * وَاللَّهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئاً وَجَعَلَ لَكُمُ الْسَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ *[النحل: 78].
    إذن فما دام الحق سبحانه قد جعل السمع و الأبصار والأفئدة مصادر تأتي منها ثمرة، هي المعلومات وتمحيصها، فالحق سبحانه يستحق الشكر عليها.
    ونحن نعلم أن الطفرات الحضارية وارتقاءات العلم، إنما تأتي بمن سمع ومن رأى، ثم جاءت من الاستنباط أفكار تطبيقية تفيد البشرية.
    ومثال ذلك: هو من رأى إناء طعام وله غطاء، وكان بالإناء ماء يغلي، فارتفع الغطاء عن الإناء.
    هذا الإنسان اكتشف طاقة البخار، واستنبط أن البخار يحتاج حيِّزاً أكبر من حيز السائل الموجود في الإناء؛ لذلك ارتفع الغطاء عن الإناء، وارتقى هذا الاكتشاف ليطور كثيراً من أوجه الحياة.
    ولو أن كل إنسان وقف عند ما يسمعه أو يراه ولم يستنبط منه شيئاً لما تطورت الحياة بكل تلك الارتقاءات الحضارية.
    وهنا يقول الحق سبحانه:
    * مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ كَالأَعْمَى وَالأَصَمِّ وَالْبَصِيرِ وَالسَّمِيعِ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلاً * [هود: 24].
    ولن يشك كل من الأعمى أو الأصم أن من يرى أو من يسمع هو خير منه، ولا يمكن أن يستوي الأعمى بالبصير، أو الأصم بمن يسمع.
    وهكذا جاء الحق سبحانه وتعالى بالأشياء المتناقضة، ليحكم الإنسان السامع أو القارىء لهذه الآية، وليفصل بحكم يُذكِّره بالفارق بين الذي يرى ومن هو أعمى، وكذلك بين من يسمع ومن هو أصم، ومن الطبيعي ألا يستويان.
    لذلك يُنهي الحق سبحانه الآية بقوله تعالى:
    * أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ * أي: ألا تعتبرون بوجود هذه الأشياء.
    ونحن نعلم أن الله سبحانه وتعالى قد قال لنا:
    * فَإِنَّهَا لاَ تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَـاكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ *[الحج: 46].
    أي: أن الإنسان قد يكون مبصراً، أو له أذن تسمع، لكنه لا يستخدم حاسة الإبصار أو حاسة السمع فيما خلقت من أجله في التقاط مجاهيل الأشياء.
    وبعد أن بيَّن الحق سبحانه وَصْفَ كل طرف وصراعه مع الآخر، واختلاف كل منهما في الغاية، والصراع الذي بينهما تشرحه قصص الرسل عليهم السلام.
    ويقول الحق سبحانه في بعض من مواضع القرآن الكريم، وفي كل موضع لقطات من قصة أي رسول، واللقطة التي توجد في سورة قد تختلف عن اللقطة التي في سورة أخرى.
    ومثال ذلك: أن الحق سبحانه قد تكلم في سورة يونس عن نوح وموسى وهارون ويونس عليهم السلام، وهنا ـ في سورة هود ـ تأتي مرة أخرى قصة نوح عليه السلام، فيقول سبحانه وتعالى: * وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً إِلَى قَوْمِهِ *
    وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ (25)

    والآية توضِّح مسألة إرسال نوح عليه السلام كرسول لقومه، وعلى نوح الرسول أن يمارس مهمته وهي البلاغ، فيقول:
    * إِنَّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ * [هود: 25].
    ونحن نلحظ أن همزة (إن) في إحدى قِرَاءَتَى الآية تكون مكسورة، وفي قراءة أخرى تكون مفتوحة، أما في القراءة بالكسر فتعني أن نوحاً عليه السلام قد جاء بالرسالة فبلغ قومه وقال:
    * إِنَّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ * [هود: 25].
    وأما في القراءة الأخرى بالفتح فتعني أن الرسالة هي:
    * إِنَّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ * [هود: 25].
    فكأن القراءة الأولى تعني الرواية عن قصة البلاغ، والقراءة الثانية تحدد مضمون الرسالة: * إِنَّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ * [هود: 25].
    والقراءة الأولى فيها حذف القول، وحذف القول كثير في القرآن، مثل قوله تعالى:
    * وَالمَلاَئِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِّن كُلِّ بَابٍ * سَلاَمٌ عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ *[الرعد: 23ـ24].
    وهذا يعني أن الملائكة يدخلون على المؤمنين في الجنة من كل باب، وساعة الدخول يقول الملائكة:
    * سَلاَمٌ عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ *[الرعد: 24].
    وقول نحو عليه السلام: * إِنَّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ * [هود: 25].
    نعلم منه أن النذير ـ كما قلنا من قبل ـ هو من يخبر بشرٍّ لم يأت وقته بعد، حتى يستعد السامع لملاقاته، وما دام أن نبي الله نوحاً قد جاء نذيراً، فالسياق مستمر؛ لأن الحق سبحانه قال في الآية التي قبلها:
    * مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ *[هود: 24].
    أي: أن هناك فريقاً عاصياً وكافراً وله نذير، أما الفريق الآخر فله بشير، يخبر بخير قادم ليستعد السامع أيضاً لاستقباله بنفس مطمئنة.
    والفريق الكافر الذي يستحق الإنذار، يأتي لهم الحق سبحانه بنص الإنذار في قوله تعالى: * أَن لاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ اللَّهَ *
    أَنْ لَا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ (26)

    ونحن نعلم أن نوحاً عليه السلام محسوب على قومه، وهم محسوبون عليه؛ ولذلك نجده خائفاً عليهم؛ لأن الرباط الذي يربطه بهم رباط جامع قوي.
    وكذلك نجد الحق سبحانه يُحنِّن قلوب الرسل إليهم لعلهم يحسنون استقبال الرسول.
    ومثال ذلك: قول الحق سبحانه:
    * وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُوداً *[الأعراف: 65].
    ولأن الرسول أخ لهم فلن يغشَّهم أو يخدعهم.
    واستقبل الملأ من قوم نوح الأمر بما يقوله الحق سبحانه عنهم: * فَقَالَ الْمَلأُ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قِوْمِهِ *
    فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا نَرَاكَ إِلَّا بَشَرًا مِثْلَنَا وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ (27)

    والملأ ـ كما نعلم ـ هم وجوه القوم، وهم السادة الذين يملأون العيون مهابة، ويتصدرون أي مجلس.
    وهناك مثل شعبي في بلادنا يوضح ذلك المعنى حين نقول: " فلان يملأ العين ".
    أي: أن العين حين تنظر إليه لا تكون فارغة، فلا جزء في العين يرى غيره.
    ويقال أيضاً: " فلان قَيْد النواظر " أي: أنه إذا ظهر تقيَّدت به كل النواظر، فلا تلتفت إلى سواه، ولا يمكن أن يكون كذلك إلا إذا كانت فيه مزايا تجذب العيون إليه بحيث لا تتحول عنه.
    والمراد بذلك هو الحاشية المقربة، أو الدائرة الأولى التي حول المركز، فَحَوْل كل مركز هناك دوائر، والملأ هم الدائرة الأولى، ثم تليهم دائرة ثانية، ثم ثالثة وهكذا، والارتباك إنما ينشأ حين يكون للدائرة أكثر من مركز، فتتشتت الدوائر.
    وردَّ الذين يكوِّنون الملأ على سيدنا نوح قائلين:
    * مَا نَرَاكَ إِلاَّ بَشَراً مِّثْلَنَا * [هود: 27].
    أي: أنه لا توجد لك ميزة تجعلك متفوقاً علينا، فما الذي سوَّدك علينا لتكون أنت الرسول؟
    وقولهم هذا دليل غباء؛ لأن الرسول ما دام قد جاء من البشر، فسلوكه يكون أسوة، وقوله يصلح للاتباع، ولو كان الرسول من غيرِ البشر لكان من حق القوم أن يعترضوا؛ لأنهم لن يستطيعوا اتخاذ الملاك أسوة لهم.
    ولذلك بيَّن الحق سبحانه هذه المسألة في قوله تعالى:
    * وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَن يُؤْمِنُواْ إِذْ جَآءَهُمُ الْهُدَى إِلاَّ أَن قَالُواْ أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَراً رَّسُولاً *[الإسراء: 94].
    وجاء الرد منه سبحانه بأن قُلْ لهم:
    * لَوْ كَانَ فِي الأَرْضِ مَلائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِم مِّنَ السَّمَآءِ مَلَكاً رَّسُولاً *[الإسراء: 95].
    إذن: فالرسول إنما يجيء مُبلِّغ منهج وأسوة سلوك، فإذا لم يكن من جنس البشر، فالأسوة لن تصلح، ولن يستطيع إلا البلاغ فقط.
    ومثال ذلك: أنت حين ترى الأسد في أي حديقة من حدائق الحيوان، يصول ويجول، ويأكل اللحم النَّيء المقدم له من الحارس، أتحدثك نفسك أن تفعل مثله؟.. طبعاً لا، لكنك إن رأيت فارساً على جواد ومعه سيفه، فنفسك قد تحدثك أن تكون مثله.
    وهكذا نجد أن الأسوة تتطلب اتحاد الجنس؛ ولذلك قلنا: إن الأسوة هي الدليل على إبطال من يدَّعي الألوهية لعزير أو لعيسى عليهما السلام.
    ثم يقول الحق سبحانه وتعالى ما جاء على لسان الملأ الكافر من قوم نوح:
    * وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلاَّ الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا * [هود: 27].
    والأراذل جمع " أرذل " ، مثل قولنا: " أفاضل قوم " ، وهي جمع " أفضل ".
    والأرذل هو الخسيس الدنيء في أعين الناس. ورذال المال أي: رديئه. ورذال كل شيء هو نفايته.
    ونرى في الريف أثناء مواسم جمع " القطن " عملية " فرز " القطن، يقوم بها صغار البنين والبنات، فيفصلون القطن النظيف، عن اللوز الذي لم يتفتح بالشكل المناسب؛ لأن اللوزة المصابة عادة ما تعاني من ضمور، ولم تنضج النضج الصحيح.
    كلمتان خفيفتان على اللسان .. ثقيلتان في الميزان .. حبيبتان إلى الرحمن

    سبحان الله وبحمده .. سبحان الله العظيم

  10. #10
    Super Moderator
    رقم العضوية : 2
    تاريخ التسجيل : Jun 2016
    المشاركات: 3,273
    التقييم: 10
    الدولة : الأردن
    العمل : طالب علم
    وكذلك يفعل الفلاحون في موسم جمع " البلح " ، فيفصلون البلح الجيد عن البلح المعيب.
    إذن: فرذال كل شيء هو نفايته.
    وقد قال الملأ من الكفار من قوم نوح:
    * وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلاَّ الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا * [هود: 27].
    أي: أنهم وصفوا من آمنوا بنوح عليه السلام بأنهم نفاية المجتمع.
    وجاء الحق على ألسنتهم بقولهم في موضع آخر:
    * وَاتَّبَعَكَ الأَرْذَلُونَ *[الشعراء: 111].
    ولم يَنْفِ نوح عليه السلام ذلك؛ لأن الذين اتبعوه قد يكونون من الضعاف، وهَم ضحايا الإفساد؛ لأن القوى في المجتمع لا يقربه أحد؛ ولذلك فإنه لا يعاني من ضغوط المفسدين، أما الضعاف فهم الذين يعانون من المفسدين؛ فما إن يظهر المُخلِّص لهم من المفسدين فلا بد أن يتمسكوا به.
    ولكن ذلك لا يعني أن الإيمان لا يلمس قلوب الأقوياء، بدليل أن البعض من سادة وأغنياء مكة استجابوا للدعوة المحمدية مثل: أبي بكر الصديق، وعمر بن الخطاب، وعثمان بن عفان، وعبد الرحمن بن عوف، رضي الله عنهم.
    ولكن الغالب في دعوات الإصلاح أنه يستجيب لها المطحونون بالفساد، هؤلاء الذين يشعرون بالغليان في مراجل الألم بسبب الفساد، وما إن يظهر داعية الإصلاح ويريد أن يزحزح الفساد، فيلتفُّون حوله ويتعاطفون معه، وإن كانوا غير عبيد، لكن محكومين بالغير، فهم يؤمنون علناً برجل الإصلاح، وإن كانوا عبيداً مملوكين للسادة؛ فهم يؤمنون خفية، ويتحمل القوي منهم الاضطهاد والتعذيب.
    إذن: فكل رسول يأتي إنما يأتي في زمن فساد، وهذا الفساد ينتفع به بعض الناس؛ وطغيان يعاني منه الكثيرون الواقع عليهم الفساد والطغيان.
    ويأتي الرسول وكأنه ثورة على الطغيان والفساد؛ لذلك يتمسك به الضعفاء ويفرحون به، وتلتف قلوبهم حوله.
    أما المنتفعون بالفساد فيقولون: إن أتباعك هم أراذلنا. وكأن هذا القول طَعْن في الرسول، لكنهم أغبياء؛ لأن هذا القول دليل على ضرورة مجيء الرسول؛ ليخلص هؤلاء الضعاف، ويجيء الرسول ليقود غضبة على فساد الأرض، ولينهي هذا الفساد.
    وهي غضبة تختلف عن غضبة الثائر العادي من الناس، فالثائر من الناس يرى من يصفق له من المطحونين بالفساد.
    لكن آفة الثائر من البشر شيء واحد، هي أنه يريد أن يستمر ثائراً، ولكن الثائر الحق هو الذي يثور ليهدم الفساد، ثم يهدأ ليبني الأمجاد، فلا يسلط السيف على الكل، ولا يفضِّل قوماً على قوم، ولا يدلل مَنْ طُغِي عليهم، ويظلم مَنْ طغوا.
    بل عليه أن يحكم بين الناس بالعدل والرحمة؛ لتستقيم الأمور، وتذهب الأحقاد، ويعلم الناس كلهم أن الثائر ما جاء ضد طائفة بعينها، وإنما جاء ضد ظلم طائفة لغيرها، فإذا أخذ من الظالم وأعطى المظلوم؛ فليجعل الاثنين سواء أمام عينيه.

    ومن هنا يجيء الهدوء والاستقرار في المجتمع.
    إذن: فقد كان قول الكافرين من ملأ قوم نوح.
    * وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلاَّ الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا * [هود: 27].
    هو قول يؤكد وجود الفساد في هذا المجتمع، وأن الضعاف المطحونين من الفساد قد اتبعوا نوحاً عليه السلام.
    ويقول الحق سبحانه:
    * بَادِيَ الرَّأْيِ * [هود: 27].
    والبادي هو الظاهر؛ ضد المستتر.
    وهناك قراءة أخرى هي * بَادِيءَ الرَّأْيِ *؟
    أي: بعد بدء الرأي.
    والآية هنا تقول:
    * بَادِيَ الرَّأْيِ * [هود: 27].
    أي: ظاهر الأمر، فساعة ما يُلْقى إلى الإنسان أيُّ شيء فهو ينظر له نظرة سطحية، ثم يفكر بإمعان في هذا الشيء.
    وساعة يسمع الإنسان دعوى أو قضية، فعليه ألا يحكم عليها بظاهر الأمر، بل لا بد أن يبحث القضية أو الدعوى بتروٍّ وهدوء.
    وهم قد قالوا لنوح عليه السلام: أنت بشر مثلنا، وقد اتبعك أراذلنا؛ لأنهم نظروا إلى دعوتك نظرة ظاهرية، ولو تعقَّبوا دعوتك وتأمَّلوها ونظروا في عواقبها بتدبُّر لما آمنوا بها.
    ويكشف الحق سبحانه هذا الغباء فيهم، فقول الملأ بأن الضعفاء كان يجب عليهم أن يتدبروا الأمر ويتمعنوا في دعوة نوح قبل الإيمان به، ينقضه إصرار الضعفاء على الإيمان؛ لأنه يؤكد أن جوهر الحكم عندهم جوهر سليم؛ لأن الواحد من هؤلاء الضعفاء لا يقيس الأمر بمقياس من يملك المال، ولا بمقياس من يملك الجاه، ولا بمقياس من له سيادة،بل قاس الضعيف من هؤلاء الأمر بالقلب، الذي تعقَّل وتبصَّر، وباللسان الذي أعلن الإيمان؛ لأن الإنسان بأصغريه: قلبه ولسانه.
    إذن: فهذا الملأ الكافر من قوم نوح ـ عليه السلام ، قد حكم بأن الضعاف أراذل بالمقاييس الهابطة، لا بالمقاييس الصحيحة.
    ولو امتنع هؤلاء الذي يُقال عنهم " أراذل " عن خدمة من يقال لهم " سادة " لذاق السادة الأمرَّين، فهم الذين يقدِّمون الخدمة، ولو لم يصنع النجار أثاث البيت لما كانت هناك بيوت مؤثثة.
    ولو امتنع العمال عن الحفر والبناء لما كانت هناك قصور مشيدة.
    ولو امتنع الطاهي عن طهي الطعام لما كانت هناك موائد ممتدة، وكل خدمات هؤلا ء الضعاف تصب عند الغني أو صاحب المال أو صاحب الجاه.
    وهكذا نرى أن الكون يحتاج إلى من يملك الثورة ـ ولو عن طريق الميراث ـ ليصرف على من يحتاجه المجتمع أيضاً، وهم الضعاف الذين يعطون الخير من كدِّهم وإنتاجهم.
    إذن: فالضعفاء هم تتمة السيادة.
    وحين نمعن النظر لوجدنا أن سيادة الثَّريِّ أو صاحب الجاه إنما تأتي نتيجة لمجهودات من يقال عنهم: إنهم أراذل.
    ولو أنهم تخلَّوا عن الثرى أو صاحب الجاه، لما استطاع أن يكون سيداً. ويذكر لنا الحق سبحانه بقية ما قاله الملأ الكافر من قوم نوح:
    * وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِن فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ * [هود: 27].

    وهم ـ بهذا القول ـ قد أنكروا أن سيادتكم إنما نشأت بجهد من قالوا عنهم إنهم أراذل، وأنكروا فضل هؤلاء الناس.
    ويُلفتنا الحق سبحانه وتعالى إلى الآفة الي تنتاب بعض المجتمعات حين يذكر لنا ما قاله الكافرون:
    * وَقَالُواْ لَوْلاَ نُزِّلَ هَـاذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِّنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ * أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَّعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِّيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضاً سُخْرِيّاً *[الزخرف: 31ـ 32].
    إذن: فالحق سبحانه هو الذي قسم المعيشة، وآفة الحكم أن ننظر إلى المرفوع على أنه الغنى، لا، فليس المرفوع هو الغنى، بل هو كل ذي موهبة ليست في سواه.
    وما دام مرفوعاً في مجال فهو سيخدم غيره فيه، وغيره سيخدمونه فيما رُفعوا فيه؛ لأن المسألة أساسها التكامل.
    لذلك لا يُديم الله سبحانه غِنَى أحدٍ أبد الدهر، بل جعل الدنيا دُوَلاً بين الناس.
    إذن: فلو عرف هذا الملأ الكافر من قوم نوح ـ عليه السلام ـ معنى كلمة الفضل لما قالوها؛ لأن الفضل هو الزائد عن المطلوب للكائن، في المحسوسات أو المعاني والفضل يقتضي وجود فاضل ومفضول.
    ولينظر كل طاغية في حياته ليرى ما الفاضل فيها؟
    إنه بعض من المال أو الجاه، وكل مَنْ يخدم هذا الطاغية هم أصحاب الفضل؛ لأن سيادة الطاغية مبنية على عطائهم.
    فهم أصحاب الفضل، ما دام الفضل هو الأمر الزائد عن الضروري.
    إذن: فحقيقة ارتباط العالم بعضه ببعض، هو ارتباط الحاجة لا ارتباط السيطرة، ولذلك حين نرى مسيطراً يطغى، فنحن نقول له: تعقَّل الأمر؛ لأنك ما سيطرت إلا بأناس من الأراذل، فإظهار قوته تكون بمن يُجيدون تصويب السلاح، أو بمن تدربوا على إيذاء البشر، فهو يبني سيادته ببعض الأراذل، كوسائل لتحقيق سيطرته.
    وقول الكافرين من ملأ نوح ـ عليه السلام ـ:
    * وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِن فَضْلٍ * [هود: 27].
    يكشف أنهم قد فهموا الفضل على أنه الغِنَى، والجاه والمناصب، وهم قد أخطأوا الفهم.
    ويُنهي الحق سبحانه الآية بقوله:
    * بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ * [هود: 27].
    والظن هو الراجح، والمرجوح هو الوهم؛ وهذا يثبت أن في الإنسان فطرة تستيقظ في النفس كومضات فالمتكبر يمضي في كبره إلى أن تأتي له ومضة من فطرته، فيعرف أن الحق حق، وأن الباطل باطل.
    وحين جاءت هذه الومضة في نفوس هذا الملأ الكافر، قالوا:
    * بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ * [هود: 27].
    ولم يقولوا: " نعتقد أنكم كاذبون ".
    ويقول الحق سبحانه بعد ذلك: * قَالَ ياقَوْمِ أَرَأَيْتُمْ *.
    قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتَانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنْتُمْ لَهَا كَارِهُونَ (28)

    وقول نوح عليه السلام: * أَرَأَيْتُمْ * أي: أخبروني إن كنت على بين موهوبة من الله تعالى ونور وبصيرة وفطرة بالهداية، وآتاني الحق سبحانه: * رَحْمَةً * أي: رسالة، بينما خفيت هذه المسألة عنكم، فهل أجبركم على ذلك؟ لا؛ لأن الإيمان لا بد أن يأتي طواعية بعد إقناع ملموس، وانفعال مأنوس، واختيار بيقين.
    وحين ننظر في قوله:
    * أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنتُمْ لَهَا كَارِهُونَ * [هود: 28].
    نجد الهمزة الاستفهامية ثم الفعل " نلزم " ثم كاف المخاطبة، وهنا نكون أمام استفهام، وفعل، وفاعل مطمور في الفعل، ومفعول أو هو كاف المخاطبة، ومفعول ثان هو الرحمة.
    إذن: فلا إلزام من الرسول لقومه بأن يؤمنوا؛ لأن الإيمان يحتاج إلى قلوب، لا قوالب، وإكراه القوالب لا يزرع الإيمان في القلوب.
    والحق سبحانه يريد من خلقه قلوباً تخشع، لا قوالب تخضع، ولو شاء سبحانه لأرغمهم وأخضعهم كما أخضع الكون كله له، سبحانه القائل:
    * أَأَنتُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمِ السَّمَآءُ *[النازعات: 27].
    فالحق سبحانه وتعالى أخضع السماء والشمس والقمر، وكلَّ الكون، وهو سبحانه يقول لنا:
    * لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ أَكْـبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ *[غافر: 57].
    والكون كله يخضع لمشيئة الله سبحانه وتعالى.
    وقد خلق الحق سبحانه الملائكة وهم جنس أعلى من البشر، وقال سبحانه عنهم:
    * لاَّ يَعْصُونَ اللَّهَ مَآ أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ *[التحريم: 6].
    إذن: فالحق سبحانه وتعالى لو أراد قوالب لأخضع الخلق كلهم لعبادته، ولكنه سبحانه وتعالى يريد قلوباً تخشع؛ ولذلك يقول تبارك وتعالى:
    * لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ أَلاَّ يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ * إِن نَّشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِّنَ السَّمَآءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ *[الشعراء: 3ـ4].
    وهكذا نعلم أن الحق سبحانه مُنَزَّهٌ عن رغبة أخضاع القوالب البشرية، بل شاء سبحانه أن يجعل الإنسان مختاراً؛ ولذلك لا يُكْرِهُ الله سبحانه أحداً على الإيمان.
    والدِّين لا يكون بالإكراه، بل بالطواعية والرضا.
    والحق سبحانه وتعالى هو القائل:
    * لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ *[البقرة: 256].
    وهكذا يطلب الحق سبحانه من الخلق أن يعرضوا أمر الإيمان على العقل، فالعقل بالإدراك ينفعل متعجباً لإبداع المبدع، وعند الإعجاب ينزع إلى اختياره بيقين المؤمن.
    يقول الحق:
    * إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ الَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لأُوْلِي الأَلْبَابِ *[آل عمران: 190].
    والإكراه إنما يكون على أمر غير مُتَبَيَّن، أما الدِّين فأمر يتبيَّن فيه الرشد؛ لأن المنهج حين يطلب منك ألا تسرق غيرك، فهو يضمن لك ألا يسرقك الغير، وحين يأمرك ألا تنظر إلى محارم غيرك، فهو يحمي محارمك، وحين يأمرك ألا تغتاب أحداً، وألا تحقد على أحد، ففي هذا كله راحة للإنسان.
    إذن: فما يطلبه المنهج هو كل أمر مريح للإنسان، وأنت إن نظرت في مطلوبات المنهج فلن تجدها مطلوبة منك وحدك، ولكن مطلوبة من الناس لك أيضاً.

    وهو تبادل مراد من الله لإعمار الكون أخذاً وعطاء.
    ولذلك لا يحتاج مثل هذا الرشد إلى إكراه عليه، بل تجد فيه البينة واضحة فاصلة بينه وبين الغَيِّ.
    والآفة أن بعضاً من الناس يستخدمون هذه الآية في غير موضعها، فحين تطلب من مسلم أن يصلِّي تجده يقول لك:
    * لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ *[البقرة: 256].
    ولك أن تقول له: لا إكراه في الحَمْل على الدِّين والإيمان به، لكنك إذا آمنت بالدِّين فإياك أن تكسره، بتعطيل منهجه أو الإعراض عنه.
    ولذلك يشدِّد الحق سبحانه عقوبة الخروج من الدين؛ لأن الحق سبحانه لم يُكرِه أحداً على الدخول في الدين، بل للإنسان أن يفكر ويتدبر؛ لأنه إن دخَل في الدين وارتكب ذنباً فسيلقى عقاب الذنب؛ لأنه دخل برغبته واختاره بيقينه، فالمخالفة لها عقابها.
    إذن: فالدخول إلى الإيمان لا إكراه فيه، ولكن الخروج من الدين يقتضي إقامة الحد على المرتدِّ ومعاقبة العاصي على عصيانه.
    وعندما يعلم الجميع هذا الأمر فهم يعلمون أن الحق سبحانه وتعالى قد جعل الصعوبة في الدخول إلى الدين عن طريق تصعيب آثار الخروج منه.
    ويقول الحق سبحانه بعد ذلك على لسان نوح عليه السلام: * وَياقَوْمِ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مَالاً *
    وَيَا قَوْمِ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مَالًا إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ وَلَكِنِّي أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ (29)

    ومثل هذا القول بمعناه جاء مع كل رسول، ففي مواضع أخرى يقول الحق سبحانه:
    * قُل لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً *[الأنعام: 90].
    لأن العِوَض في التبادل قد لا يكون مالاً، بل قد يكون تمراً، أو شعيراً أو قطناً أو غير ذلك، والأجر ـ كما نعلم ـ هو أعم من أن يكون مالاً أو غير مال؛ لذلك يقول الحق سبحانه هنا:
    * لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مَالاً إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَى اللَّهِ * [هود: 29].
    وهكذا نجد أن الحق سبحانه قد أغْلَى الأمر.
    وقول الرسول:
    * إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَى اللَّهِ * [هود: 29].
    هو قول يدل على أن الأمر الذي جاء به الرسول هو أمر نافع؛ لأن الأجرة لا تستحق إلا مقابل المنفعة.
    ونحن نعلم أن مبادلة الشيء بعينه أو ما يساويه؛ تُسمَّى شراء، أما أن يأخذ الإنسان المنفعة من العين، وتظل العين ملكاً لصاحبها، فمن يأخذ هذه المنفعة يدفع عنها إيجاراً، فكان نوحاً عليه السلام يقول: لقد كنت أستحق أجراً لأنني أقدِّم لكم منفعة، لكنني لن آخذ منكم شيئاً، لا زُهْداً في الأجر، ولكني أطمع في الأجر ممن هو أفضل منكم وأعظم وأكبر.
    ولأن هذا الملأ الكافر قد وصف من اتبع نوحاً بأنهم أراذل؛ لذلك ياتي الرد من نوح عليه السلام:
    * وَمَآ أَنَاْ بِطَارِدِ الَّذِينَ آمَنُواْ * [هود: 29].
    ويوضح هذا الرد أن نوحاً عليه السلام لا يمكن أن يطرد إنساناً من حظيرة الإيمان لأنه فقير، فاليقين الإيماني لا علاقة له بالثروة أو الجاه أو الفقر والحاجة.
    ولا يُخْلِي رسولٌ مكاناً من أتباعه الفقراء ليأتي الأغنياء، بل الكلُّ سواسية أمام الله سبحانه وتعالى.
    والحق سبحانه يقول:
    * وَلاَ تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِم مِّن شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِّن شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ *[الأنعام: 52].
    وقد جعل الحق سبحانه هؤلاء الذين يطلق عليهم كلمة " أراذل " فتنة، فمن تكبَّر بسبب فقر وضعف أتباع الرسل، فليغرق في كِبْره.
    لذلك يقول الحق سبحانه:
    * وَكَذالِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِّيَقُولواْ أَهَـاؤُلاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّن بَيْنِنَآ أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ *[الأنعام: 53].
    وأيضا يأمر الحق سبحانه رسوله بأن يضع عينه على هؤلاء الضعاف، وألا ينصرف عنهم أو عن أي واحد منهم، فيقول الحق سبحانه:
    * وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلاَ تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ *[الكهف: 28].
    جاء هذا القول حتى لا ينشأ فساد أو عداء بين المؤمنين برسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا يقال: " فلان مُقَرَّبٌ منه "؛ ولذلك كان صلى الله عليه وسلم إذا جلس؛ يوزع نظره على كل جلسائه، حتى يظن كل جالس أن نظره لا يتحول عنه.

    وفي هذه الآية الكريمة التي نحن بصدد خواطرنا عنها يقول الحق سحبانه وتعالى على لسان سيدنا نوح ـ عليه السلام ـ وصفاً لهؤلاء الضعاف الذين آمنوا:
    * إِنَّهُمْ مُّلاَقُواْ رَبِّهِمْ * [هود: 29].
    وفي هذا بيانٌ أن نوحاً ـ عليه السلام ـ لن يطرد هؤلاء الضعاف المؤمنين، فلو طردهم وهم الذين سيلقون الله تعالى، أيسمح نوح عليه السلام أن يقال عنه أمام الحق ـ تبارك وتعالى ـ إنه قد طرد قوماً آمنوا رسالته؟ طبعاً لا.
    ونحن نعلم أن الحق سبحانه يحاسب رسله، والمرسَل إليهم، فهو سبحانه القائل:
    * فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ *[الأعراف: 6].
    إذن: فنوح ـ عليه السلام ـ يعلم أنه مسئول أمام ربه، ولكن هذا الملأ الكافر من قومه يجهلون؛ ولذلك يقول الحق سبحانه في نهاية هذه الآية الكريمة على لسان نوح عليه السلام:
    * وَلَـاكِنِّي أَرَاكُمْ قَوْماً تَجْهَلُونَ * [هود: 29].
    أي: أنهم لا يفهمون مهمة نوح عليه السلام، وأنه مسئول أمام ربه.
    ويقول الحق سبحانه من بعد ذلك: * وَياقَوْمِ مَن يَنصُرُنِي مِنَ اللَّهِ *
    كلمتان خفيفتان على اللسان .. ثقيلتان في الميزان .. حبيبتان إلى الرحمن

    سبحان الله وبحمده .. سبحان الله العظيم

صفحة 1 من 4 123 ... الأخيرةالأخيرة

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

المفضلات

المفضلات

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •  

RSS RSS 2.0 XML MAP html  PHP  info tags Maps maptags vbmaps

الساعة معتمدة بتوقيت جرينتش +3 . الساعة الآن : 18:35.
الموقع غير مسؤول عن أي اتفاق تجاري أو تعاوني بين الأعضاء
فعلى كل شخص تحمل مسئولية نفسه إتجاه مايقوم به من بيع وشراء وإتفاق وأعطاء معلومات موقعه
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي موقع الأشاعرة و لا نتحمل أي مسؤولية قانونية حيال ذلك (ويتحمل كاتبها مسؤولية النشر)
الساعة الآن 01:26 PM
Powered by vBulletin® Version 4.2.3
Copyright © 2018 vBulletin Solutions, Inc. Translate By soft