تمهيد:
من الناس من يمنع اتباع المذاهب، وحجتهم في ذلك أنه يجب –أو ينبغي- على المرء اتباع القرآن والسنة فقط، وأن أئمة المذاهب منعوا أتباعهم من التقليد، فهل يلزم اتباع أحد هذه المذاهب؟ وهل صح عن المذاهب الأربعة قولهم بأنه لا يجوز التقليد؟
تعريف التقليد:
التقليد في اللغة: وضع الشيء في العنق حالة كونه محيطًا بالعنق، وذلك الشيء يسمى قلادة، وجمعها: قلائد(1).
والتقليد في الاصطلاح: أخذ مذهب الغير بلا معرفة دليله(2).
حكم التقليد:
المكلفون بالنسبة لأحكام الشريعة وأدلتها قسمان:
قسم قادر على أخْذ الأحكام من أدلتها بطريق الاجتهاد، وقسم دون ذلك.
والأول: هم المجتهدون، والثاني: هم المقلِّدون، ولابُدَّ لكل منهما من معرفة الحكم الشرعي؛ ليعمل به حسبما كُلِّف.
فالأول -بمقتضى التكليف العام- مأمور بالاجتهاد للعمل بالأحكام الشرعية واتِّباعها. والثاني مأمور بتقليده كذلك.
وجمهور الأصوليين على أن المقلِّد يشمل: العامي المحض؛ لعجزه عن النظر والاجتهاد، والعالم الذي تعلم بعض العلوم المعتبرة في الاجتهاد، ولكنه لم يبلغ رتبة الاجتهاد، فكل منهما يلزمه التقليد.
وقد اتفق العلماء على مشروعية التقليد ووجوبه عند عدم التمكن من الاجتهاد، يقول العلامة الشيخ محمد حسنين مخلوف في كتابه: "بلوغ السول" (ص: 15) تحت عنوان "استناد أقوال المجتهدين إلى المآخذ الشرعية": "وقد اعتبر الأصوليون وغيرهم أقوال المجتهدين في حق المقلدين القاصرين كالأدلة الشرعية في حق المجتهدين، لا لأن أقوالهم لذاتها حجة على الناس تثبت بها الأحكام الشرعية كأقوال الرسل عليهم الصلاة والسلام، فإن ذلك لا يقول به أحد؛ بل لأنها مستندة إلى مآخذ شرعية بذلوا جهدهم في استقرائها وتمحيص دلائلها مع عدالتهم وسعة اطلاعهم واستقامة أفهامهم وعنايتهم بضبط الشريعة وحفظ نصوصها، ولذلك شرطوا في المستثمر للأدلة المستنبط للأحكام الشرعية من أدلتها التفصيلية - لكونها ظنية لا تنتج إلا ظنا- أن يكون ذا تأهل خاص وقوة خاصة وملكة قوية يتمكن بها من تمحيص الأدلة على وجه يجعل ظنونه بمثابة العلم القطعي؛ صونا لأحكام الدين عن الخطأ بقدر المستطاع".

ثم قال: "وكما أمر الله تعالى -ورسوله صلى الله عليه وسلم- المستعدِّين للاجتهاد ببذل الوسع في النظر في المآخذ الشرعية لتحصيل أحكامه تعالى، أمر القاصرين عن رتبة الاجتهاد من أهل العلم باتِّباعهم والسعي في تحصيل ما يؤهلهم لبلوغ هذا المنصب الشريف، أو ما هو دونه حسب استعدادهم في العلم والفهم، وأمر العامَّة -الذين ليسوا من أهل العلم- بالرجوع إلى العلماء والأخذ بأقوالهم كما قال تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: 43]، أي: بحكم النازلة ليخبروكم بما استنبطوه من أدلة الشريعة مقرونًا بدليله: من قول الله تعالى، أو قول رسوله صلى الله عليه وسلم، أو مجردا عنه.

فإن ذكر الدليل من المجتهد أو العالم الموثوق به بالنسبة لـمَن لم يعلم حكم الله في النازلة غير لازم خصوصًا إذا كان مـمَّن لا يفهم وجه الدلالة كأكثر عامَّة الأمة، أو كان الدليل ذا مقدمات يتوقف فهمها وتقريب الاستدلال بها على أمور ليس للعامي إلمام بها". (3)

ويقول الشاطبي: "فتاوي المجتهدين بالنسبة إلى العوام كالأدلة الشرعية بالنسبة إلى المجتهدين، والدليل عليه: أن وجود الأدلة بالنسبة إلى المقلدين وعدمها سواء إذ كانوا لا يستفيدون منها شيئًا، فليس النظر في الأدلة والاستنباط من شأنهم ولا يجوز ذلك لهم ألبتة، وقد قال تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾، والمقلِّد غير عالم، فلا يصح له إلا سؤال أهل الذكر، وإليهم مرجعه في أحكام الدين على الإطلاق، فَهُمْ إذًا القائمون له مقام الشارع، وأقوالهم قائمة مقام الشارع". (4)

والعوام في زمن الصحابة والتابعين كانوا إذا نزلت بهم حادثة، أو وقعت لهم واقعة يهرعون إلى الصحابة والتابعين ليسألوهم عن حكم الله في تلك الحادثة، وكانوا يجيبونهم عن هذه المسائل من غير أن ينكروا عليهم ذلك، ولم ينقل عنهم أنهم أمروا هؤلاء السائلين بأن يجتهدوا ليعرفوا الحكم بأنفسهم، فكان ذلك إجماعًا من الصحابة والتابعين على أن مَن لم يقدر على الاجتهاد فطريق معرفته للأحكام هو سؤال القادر عليها، فتكليف العوام بالاجتهاد فيه مخالفة لهذا الإجماع السكوتي.

وكذلك فإن القول بمنع التقليد فيه ما فيه من تكليف مَن لا قدرة له على الاجتهاد بمعرفة الحكم عن دليله، وهو تكليفٌ له بما ليس في وسعه، فيكون منهيًّا عنه؛ لقوله تعالى: ﴿لا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: 286]، ويضاف إلى ذلك أنه يؤدي إلى ترك الناس مصالحهم الضرورية، والاشتغال عن معايشهم في الحياة الدنيا، بتعطيل الحرف والصناعات لمعرفة الأحكام، وفي ذلك فساد للأحوال.

واتباع المذاهب في إطار الدراسة والتفقه مما لا فكاك منه ولا بديل عنه؛ لأن هذه المذاهب الفقهية الأربعة المتبعة قد خُدِمت خدمة لم تتوفر لغيرها فاعتني بنقلها وتحريرها ومعرفة الراجح فيها واستدل لها وترجم لأئمتها بما جعل كل واحد منها مدرسة مستقلة لها أصول معلومة وفروع محررة يتحتم على من أراد التفقه في الدين أن يسلك أحدها متعلمًا ودارسًا ومتدربًا، فتكون بدايته هو من حيث انتهوا هم.
وأما الاعتراض على اتباع المذاهب بأن الدليل الذي أوجب الشرع علينا اتباعه هو الكتاب والسنة، وليس كلام الأئمة.
فجوابه: أن الدليل ليس هو الكتاب والسنة فقط، بل الدليل يشمل أيضًا الإجماع، والقياس، وقول الصحابي، وشرع من قبلنا، والعرف، والاستحسان، وغير ذلك.

وفَهْمُ معنى الدليل على أنه الكتاب والسنة فقط قصور ظاهر؛ لأن الدليل معناه أعم من أن يكون محصورًا في الكتاب والسنة فقط، فالكتاب والسنة إنما هي نصوص يستنبط ويستخرج منهما المجتهد الأحكام، وكذلك من غيرهما من الأدلة.
وكذلك فإن أقوال الأئمة المجتهدين ليست قسيمًا للكتاب والسنة، بل إن أقوالهم هي نتاج فهمهم لهما، فأقوالهم تفسير وبيان للكتاب والسنة.

فالأخْذ بأقوال الأئمة ليس تركًا للآيات والأحاديث، بل هو عين التمسُّك بهما، فإن الآيات والأحاديث ما وصلت إلينا إلا بواسطتهم، مع كونهم أعلم ممن بعدهم بصحيح الأحاديث وسقيمها، وحسنها وضعيفها، ومرفوعها ومرسلها، ومتواترها ومشهورها، وتاريخ المتقدم والمتأخر منها، والناسخ والمنسوخ، وأسبابها، ولغاتها، وسائر علومها مع تمام ضبطهم وتحريرهم لها.

وهذا كله مع كمال إدراكهم وقوة ديانتهم، واعتنائهم وورعهم ونور بصائرهم، فتفقهوا في القرآن والسنة على مقتضى قواعد العلوم التي لابد منها في ذلك، واستخرجوا أسرار القرآن والأحاديث، واستنبطوا منها فوائد وأحكاما، وبيَّنوا للناس ما يخفى عليهم على مقتضى المعقول والمنقول، فيسروا عليهم أمر دينهم، وأزالوا المشكلات باستخراج الفروع من الأصول، ورد الفروع إليها، فاستقر بسببهم الخير العميم.
الرد على دعوى نهي الأئمة عن تقليدهم:
وأما الاعتراض بأن أئمة المذاهب نهوا عن تقليدهم إذا خالف رأيهم الحديث الصحيح.
فجوابه: أن دعوى أن الأئمة المجتهدين قد نهَوا عن تقليدهم مطلقًا هي دعوى باطلة؛ فإنه لم ينقل عن أحد منهم ذلك، ولو ثبت عنهم فتَرْكُ التقليد لقولهم هو عين التقليد لهم، وهو منهي عنه عندكم، فكيف يجب ترك التقليد بتقليد قولهم؟ فالأمر بتقليدهم في أمرهم بترك التقليد إيجاب للنقيضين، وهو باطل.

ولو سلم ثبوت النقل عن الأئمة بالنهي عن تقليدهم فالمراد تحريم التقليد على مَن كان أهلا للاجتهاد.
وأما ما نقل عن الإمام الشافعي من قوله: (إذا صح الحديث فهو مذهبي) وما شابه ذلك مما نقل عن غيره من الأئمة فقد أجاب الإمام النووي عن ذلك بقوله: "وكان جماعة من متقدمي أصحابنا إذا رأوا مسألة فيها حديث, ومذهب الشافعي خلافه عملوا بالحديث, وأفتوا به قائلين: مذهب الشافعي ما وافق الحديث, ولم يتفق ذلك إلا نادرًا, ومنه ما نقل عن الشافعي فيه قول على وفق الحديث.

وهذا الذي قاله الشافعي ليس معناه أن كل واحد رأى حديثًا صحيحًا قال: هذا مذهب الشافعي، وعمل بظاهره, وإنما هذا فيمن له رتبة الاجتهاد في المذهب على ما تقدم من صفته أو قريب منه, وشرطه أن يغلب على ظنه أن الشافعي رحمه الله لم يقف على هذا الحديث أو لم يعلم صحته, وهذا إنما يكون بعد مطالعة كتب الشافعي كلها ونحوها من كتب أصحابه الآخذين عنه وما أشبهها، وهذا شرط صعب قَلَّ مَن يتصف به, وإنما اشترطوا ما ذكرنا؛ لأن الشافعي رحمه الله ترك العمل بظاهر أحاديث كثيرة رآها وعلمها, لكن قام الدليل عنده على طعن فيها أو نسخها أو تخصيصها أو تأويلها أو نحو ذلك.

قال الشيخ أبو عمرو –يعني: ابن الصلاح- رحمه الله: ليس العمل بظاهر ما قاله الشافعي بالهين, فليس كل فقيه يسوغ له أن يستقل بالعمل بما يراه حجة من الحديث, وفيمن سلك هذا المسلك من الشافعيين من عمل بحديث تركه الشافعي رحمه الله عمدًا, مع علمه بصحته لمانع اطلع عليه وخفي على غيره, كأبي الوليد موسى بن أبي الجارود ممن صحب الشافعي، قال: صحَّ حديثُ: (أَفْطَرَ الحَاجِمُ وَالمحْجُومُ). (5)

فأقول: قال الشافعي: أفطر الحاجم والمحجوم, فرُدَّ ذلك على أبي الوليد; لأن الشافعي تركه مع علمه بصحته, لكونه منسوخًا عنده, وبيَّن الشافعي نسخه واستدل عليه, وستراه في (كتاب الصيام) إن شاء الله تعالى, وقد قدمنا عن ابن خزيمة أنه قال: لا أعلم سنة لرسول الله صلى الله عليه وسلم في الحلال والحرام لم يودعها الشافعي كتبه. وجلالة ابن خزيمة وإمامته في الحديث والفقه, ومعرفته بنصوص الشافعي بالمحل المعروف.

قال الشيخ أبو عمرو: فمَن وجد من الشافعية حديثًا يخالف مذهبه نظر إن كملت آلات الاجتهاد فيه مطلقًا, أو في ذلك الباب أو المسألة كان له الاستقلال بالعمل به، وإن لم يكمل وشق عليه مخالفة الحديث بعد أن بحث فلم يجد لمخالفته عنه جوابًا شافيًا فله العمل به إن كان عمل به إمام مستقل غير الشافعي, ويكون هذا عذرًا له في ترك مذهب إمامه هنا, وهذا الذي قاله حسن متعين(6) " اهـ.
قال ابن حجر في تحفة المحتاج -وهو شافعي- : وحاصل المعتمد من ذلك أنه يجوز تقليد كلٍّ من الأئمة الأربعة، وكذا من عداهم ممن حُفِظَ مذهبه في تلك المسألة ودُوِّنَ حتى عرفت شروطه وسائر معتبراته. انتهى.
وقال في البحر الرائق -وهو حنفي- : فصل: يجوز تقليد من شاء من المجتهدين وإن دونت المذاهب كاليوم، وله الانتقال من مذهبه لكن لا يتبع الرخص. انتهى.
وقال في الفواكه الدواني -وهو مالكي- : قال بعض المحققين: المعتمد أنه يجوز تقليد الأربعة، وكذا من عداهم ممن يحفظ مذهبه في تلك المسائل ودُوِّن حتى عُرفت شروطه وسائر معتبراته. انتهى.
وذهب بعض العلماء إلى أنه لا يجوز الخروج عن المذاهب الأربعة لا عملاً ولا فتوى ولا قضاء، ومن هؤلاء ابن الصلاح وابن رجب الحنبلي وغيرهم، ولابن رجب هذا رسالة لطيفة سماها (الرد على من اتبع غير المذاهب الأربع) وقد قال فيها مبيناً علة المنع من اتباع غيرها: قد نبهنا على علة المنع من ذلك، وهو أن مذاهب غير هؤلاء لم تشتهر ولم تنضبط، فربما نُسِبَ إليهم ما لم يقولوه أو فُهم عنهم ما لم يريدوه، وليس لمذاهبهم من يذب عنها وينبه على ما يقع من الخلل فيها، بخلاف هذه المذاهب المشهورة. انتهى.
وقال الحطاب في مواهب الجليل: قال القرافي: ورأيت للشيخ تقي الدين ابن الصلاح ما معناه أن التقليد يتعين لهؤلاء الأئمة الأربعة دون غيرهم، لأن مذاهبهم انتشرت وانبسطت، حتى ظهر فيها تقييد مطلقها وتخصيص عامها وشروط فروعها، فإذا أطلقوا حكماً في موضع، وجد مكملاً في موضع آخر، وأما غيرهم فتنقل عنه الفتاوى مجردة، فلعل لها مكملاً أو مقيداً أو مخصصاً لو انضبط كلام قائله لظهر، فيصير في تقليده على غير ثقة بخلاف هؤلاء الأربعة، قال -يعني القرافي -: وهذا توجيه حسن فيه ما ليس في كلام إمام الحرمين. انتهى.
وبالغ بعض العلماء حتى نقل الإجماع على وجوب اتباع المذاهب الأربعة دون غيرها، قال في الفواكه الدواني: وقد انعقد إجماع المسلمين اليوم على وجوب متابعة واحد من الأئمة الأربعة ( أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد بن حنبل ) رضي الله عنهم، وعدم الخروج عن مذاهبهم، وإنما حرم تقليد غير هؤلاء الأربعة من المجتهدين -مع أن الجميع على هدى- لعدم حفظ مذاهبهم لموت أصحابهم وعدم تدوينها. انتهى.
وقال في مراقي السعود:
والمجمع اليوم عليه الأربعة ===== وقَفْوُ غيرها الجميعُ منعه
وهذا الإجماع غير مسلم، وقد رده غير واحد من أهل العلم.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) معجم مقاييس اللغة 5/19، المصباح المنير 2/704، القاموس المحيط 1/329، مختار الصحاح ص 548، أساس البلاغة ص 785، شرح الكوكب المنير (4/ 517)، روضة الناظر وجنة المناظر (2/ 381).
(2) التحبير شرح التحرير (8/ 4011).
(3) بلوغ السول (ص: 15).
(4) الموافقات (4/292-293).
(5) رواه أبو داود في كتاب الصوم، باب: في الصائم يحتجم برقم 2367، من حديث ثوبان، والترمذي في باب كراهية الحجامة للصائم برقم 774 ، سنن الترمذي ت شاكر (3/ 136) من حديث رافع بن خديج، وقال: «وَحَدِيثُ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. وَذُكِرَ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ أَنَّهُ قَالَ: "أَصَحُّ شَيْءٍ فِي هَذَا البَابِ حَدِيثُ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ"»
(6) مقدمة المجموع (1/105).