إذا كانت هذه زيارتك الأولى يرجى الاطلاع على الرابط التالي الأسئلة ولكي تتمكن من كتابة مواضيع وإرسال رسائل خاصة لابد لك منالتسجيل
صفحة 3 من 3 الأولىالأولى 123
النتائج 21 إلى 22 من 22

الموضوع: سورة الانفال

  1. #21
    Super Moderator
    رقم العضوية : 2
    تاريخ التسجيل : Jun 2016
    المشاركات: 3,273
    التقييم: 10
    الدولة : الأردن
    العمل : طالب علم
    لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (68)

    هذه الآية الكريمة تشرح وتبيِّن أن الحق سبحانه وتعالى لا يحاسب أحداً إلا بعد أن ينزل التشريع الذي يرتب المقدمات والنتائج، ويحدد الجرائم والعقوبات، ولولا ذلك لنزل بالمؤمنين العذاب لأخذ الأسرى، من قبل أن تستقر الدعوة، وبما أن الحق تبارك وتعالى لا ينزل العذاب إلا بمخالفة يسبقها التشريع الذي يحددها، لولا ذلك لأنزل العذاب بالمؤمنين، ولكن بما أن هذا الفعل لم يجرَّم من قبل فلا عقاب عليه.
    وينتقل الحق سبحانه وتعالى إلى الغنائم التي حصل عليها المؤمنون في غزوة بدر فيقول تبارك وتعالى: * فَكُلُواْ مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلاَلاً طَيِّباً... *
    فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَالًا طَيِّبًا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (69)

    أي إياكم أن تنفقوا ما غنمتموه بسفاهة في أي شيء لا لزوم له، بل اتقوا الله فيما أعطاكم ومنحكم من غنائم. سواء كانت منقولات أم مالا أم أسرى تجعلونهم يقومون بأعمال يعود نفعها وعائدها إليكم. اتقوا الله في كل هذا ولا تنفقوه بحماقة، وقوله تعالى: * إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ * أي أن الله تعالى قد غفر لكم ما فعلتم قبل أن تنزل هذه الآية الكريمة:
    ثم يخاطب الحق سبحانه وتعالى الأسرى بعد ذلك فيقول: * ياأَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّمَن فِي أَيْدِيكُمْ مِّنَ الأَسْرَىا إِن يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْراً... *
    يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الْأَسْرَى إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (70)

    أي إن صح كلام العباس في إسلامه وأنه كتم الإسلام؛ فالله يعلم ما في قلبه وسوف يعطيه الله خيراً مما أخذ منه. وبالفعل فاء الله على العباس بالخير. فقد أسند الطبري إلى العباس أنه قال: فيّ نزلت - أي هذه الآية - حين أعلمت رسول الله صلى الله عليه وسلم بإسلامي وسألته أن يحاسبني بالعشرين أوقية التي أخذت مني قبل المفاداة فأبى وقال: " ذلك فَيْءٌ " فأبدلني الله من ذلك عشرين عبداً كلهم تاجر بمالي.
    وفي الرواية التي ذكرها ابن كثير (قال العباس فأعطاني الله مكان العشرين الأوقية في الإسلام عشرين عبداً كلهم في يده مال يضرب به مع ما أرجوه من مغفرة الله عز وجل)، وهكذا تحقق قول الله عز وجل
    * يُؤْتِكُمْ خَيْراً مِّمَّآ أُخِذَ مِنكُمْ.. * [الأنفال: 70].
    وبعد أن نزلت هذه الآية الكريمة، وكانت موافقة لما اتخذه رسول الله صلى الله عليه وسلم من قرارات، وأبلغ صلى الله عليه وسلم الأسرى بالحكم النهائي من الله: لا تفكون إلا بالفداء أو بضرب الرقاب. وهنا قال سيدنا عبد الله بن مسعود: يا رسول الله إلا سَهْل بَن بيضاء فإنني عرفته يذكر الإسلام ويصنع كذا وكذا، فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم فما رأيتني في يوم أخوف من أن تقع عليَّ حجارة من السماء مني في ذلك اليوم، حتى قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إلا سَهْل بن بيضاء، وقول الحق تبارك وتعالى:
    * وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ * [الأنفال: 70].
    أي ما دام في قلوبكم الخير وقد آمنتم أو ستدخلون في الإسلام؛ فالله يعلم ما في وسيغفر لكم لأنه غفور رحيم. وعندما استقر الأمر قال بعض من الأسرى: يا رسول الله: إن عندنا مالاً في مكة، اسمح لنا نذهب إلى هناك ونحضر لك الفداء، وخشي صلى الله عليه وسلم أن تكون هذه خدعة واحتيال، فماذا يفعل؟ أيطلق سراحهم ويصدقهم فيحضروا الفدية؟ أم هذه حيلة وقد أضمروا الخيانة والغدر؟.
    فنزل قول الحق سبحانه وتعالى: * وَإِن يُرِيدُواْ خِيَانَتَكَ فَقَدْ خَانُواْ اللَّهَ مِن قَبْلُ... *
    وَإِنْ يُرِيدُوا خِيَانَتَكَ فَقَدْ خَانُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (71)

    ويوضح الحق سبحانه وتعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم: لا توافقهم على ما يريدون، فهم إن أضمروا لك الخيانة فقد خانوا الله من قبل فمكنك منهم فلا تأمن لهم، وسبحانه يعلم ما في صدورهم.
    وبعد أن تكلم سبحانه عن قصة بدر وأسرى بدر، والمواقف التي وقفها رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحابته في هذه القصة، أراد سبحانه وتعالى أن يصنف الأمة الإسلامية المعاصرة لرسول الله صلى الله عليه وسلم إلى عناصرها، ونعلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صاح بالدعوة الإسلامية في مكة، ومكة هي مركز سيادة العرب، وكانت قبيلة قريش هي سيدة جميع قبائل العرب وسيدة الجزيرة كلها، لأن قريشاً سيدة مكة، ومكة فيها بيت الله الحرام، وكانت كل قبيلة من قبائل العرب يكون بعض من أبنائها في بطن سيادة قريش خلال الحج، وما دامت كل قبيلة تذهب إلى مكة فهي تطلب حماية قريش، ولم توجد قبيلة تعادي قريشاً أو تجرؤ على مهاجمتها؛ لأنها تعلم أنه سيجيء يوم تكون فيه تحت حماية قريش وتحت رحمتها حين الحج إلى بيت الله الحرام.
    إذن فسيادة قريش نشأت من وجود البيت. ولو أن هذا البيت لم يكن موجوداً لكان مركز قريش كمركز أي قبيلة من العرب، ولو أن البيت قد هدم من أبرهة، لكانت سيادة قريش قد انتهت. ولذلك نجد الحق سبحانه وتعالى يقول في سورة الفيل:* أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ * أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ * وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْراً أَبَابِيلَ * تَرْمِيهِم بِحِجَارَةٍ مِّن سِجِّيلٍ * فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَّأْكُولٍ *[الفيل: 1-5].
    ثم تأتي بعدها مباشرة السورة الكريمة التي توضح لنا أن الله سبحانه وتعالى حين حفظ بيته وفتك بجيوش المعتدين فجعلهم كعصف مأكول، قد أكد هذه السيادة لقريش فيقول تبارك وتعالى في السورة التي سميت باسمها:* لإِيلاَفِ قُرَيْشٍ * إِيلاَفِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَآءِ وَالصَّيْفِ * فَلْيَعْبُدُواْ رَبَّ هَـاذَا الْبَيْتِ * الَّذِي أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ *[قريش: 1-4].
    إذن فالذي أعطى السيادة لقريش هو بيت الله الحرام. ولذلك تذهب قوافلهم بالتجارة لليمن والشام ولا يجرؤ أحد من القبائل أن يتعرض لها. ولو لم يكن بيت الله الحرام في مكة وقريش سادة مكة؛ لما كان لهم هذا الوضع المتميز والمكانة العالية، إذن فعز قريش في بيت الله الحرام، وأمنهم وسيادتهم في أنهم جالسون في راحة وتنتقل قوافلهم إلى الشام وإلى اليمن. ثم تعود محملة بالخير والربح وهم آمنون مطمئنون. وحين أعلن رسول الله صلى الله عليه وسلم دعوته كان ذلك الإعلان في مكة، وقد أعلنها صلى الله عليه وسلم في وجه الجبابرة وأقوياء الجزيرة العربية كلها.

    ولو كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد بدأ دعوته في قبيلة ضعيفة خارج مكة لقالوا: استضعفهم وغرر بهم، أو لقالوا يريدون به السيادة، أي أنهم كقبيلة مستضعفة لم يأخذوا رسالة رسول الله صلى الله عليه وسلم إيمانا، ولكنهم أخذوها سلماً ليسودوا بها الجزيرة العربية. ولكن شاء الحق تبارك وتعالى أن يكون ميلاد الرسالة في مكة وأول من سمعها هم سادة قريش؛ لتأتي في مركز السيادة ويكون المراد بها هو الحق، وإعلاءه في وجه سادة الجزيرة العربية.
    ثم كانت المعركة بين سادة قريش والإسلام وآذوا رسول الله صلى الله عليه وسلم والذين معه وحاولوا إيقاف الدعوة بكل الطرق وشتى الحيل. لكن هل انتصروا؟ ثم هل امتد الإسلام وانتشر من مكة؟. لا، بل كانت الهجرة إلى المدينة، ومن هناك امتد الإسلام.
    إذن فقد بدأ الإسلام من مكان السيادة في الجزيرة العربية، ولكنه انتشر من مكان لا سيادة فيه، لماذا؟ لأن الإسلام لو انتشر من مكة لقالوا: قوم ألفوا السيادة على الناس، وتعصبوا لواحد منهم؛ ليمدوا سيادتهم من الجزيرة العربية إلى أماكن أخرى في العالم. ولكن النصر جاء من المدينة لتعلم الدنيا كلها: أن الإيمان بمحمد هو الذي خلق العصبية لمحمد، وهو الذي حقق النصر لمحمد، ولم يخلق العصبية لرسول الله أنه من قريش، أو أنه من قبيلة اعتادت سيادة الجزيرة العربية.
    ويصنف الحق سبحانه وتعالى لنا المؤمنين برسول الله صلى الله عليه وسلم؛ وهؤلاء منهم المهاجرون. ومنهم الأنصار، ومنهم جماعة مؤمنة لم يهاجروا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولكنهم هاجروا بعد ذلك. ومنهم جماعة آمنوا ولم يهاجروا من مكة وبقوا فيها حتى الفتح.
    إذن: هناك أربع طوائف: الذين هاجروا مع الرسول إلى المدينة، والأنصار الذين استقبلوهم وآووهم. وطائفة لم يهاجروا مع رسول الله ولكنهم هاجروا بعد ذلك، وطائفة بقيت في مكة حتى الفتح.
    ويقول الحق تبارك وتعالى: * إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَواْ وَّنَصَرُواْ أُوْلَـائِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍ... *
    إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلَّا عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (72)

    الفئة الأولى في هذه الآية هم المهاجرون وقال فيهم الحق تبارك وتعالى:
    * إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ * [الأنفال: 72].
    والفئة الثانية هم الأنصار الذين قال فيهم الحق تبارك وتعالى:
    * وَالَّذِينَ آوَواْ وَّنَصَرُواْ * [الأنفال: 72].
    ثم يوحد الله تعالى بين المهاجرين والأنصار فيقول عز وجل:
    * أُوْلَـائِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍ * [الأنفال: 72].
    وبعض من العلماء فسر قول الحق: * بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍ * على أنها تشمل الالتحام الكامل، لدرجة أنه كان يرث بعضهم بعضا أولاً - حسب قول العلماء - إلى أن نزلت آيات الإرث فألغت ذلك التوارث الذي كان بينهم.
    وقول الحق تبارك وتعالى:* وَأْوْلُواْ الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَىا بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ *[الأنفال: 75].
    أبعدت هذا المعنى، وبعض العلماء قال: إن الولاية هي النصر، وهي المودة، وهي التمجيد، وهي الإكبار، فقالوا: هذه صفات الولاية، وهناك آية أخرى عن الأنصار يقول فيها الحق تبارك وتعالى:* وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلاَ يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّآ أُوتُواْ وَيُؤْثِرُونَ عَلَىا أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ *[الحشر: 9].
    وقد عرفنا الكثير عن الإيثار من الأنصار الذي قد بلغ مرتبة لا يتسامى إليها البشر أبداً إلا بصدق الإيمان، ذلك أن الرجل الذي يعيش في نعمة وله صديق أو حبيب يحب أن يتحفه بمشاركته في نعمته، فإذا كان عنده سيارة مثلاً يعطيها له ليستخدمها، وإذا كان له بيت جميل قد يدعوه للإقامة فيه بعض الوقت، وإذا كان عنده ثوب جميل أو فاكهة نادرة قد يعطيه منها، إلا المرأة فهي النعمة التي يأنف الرجل أن يشاركه فيها أحد.
    ولكن عندما وصل المهاجرون إلى المدينة وتركوا نساءهم في مكة، كان الأنصاري يجيء للمهاجر ويقول له: انظر إلى نسائي والتي تعجبك منهن أطلقها لتتزوجها. هذه مسألة لا يمكن أن يصنعها إلا الإيمان الكامل، وحين يصنعها الإيمان، فهذا الإيمان يجدع أنف الغيرة ويمنعها أن تتحرك، ولا يكون هناك من له أكثر من زوجة ومن هو محروم من المرأة.
    وقد حدد الحق لنا ميزة كل طائفة من طوائف المؤمنين وبين أحكامهم: فالطائفة الأولى المهاجرون الذين آمنوا وتركوا دينهم الذي ألفوه، ثم هاجروا وتركوا أوطانهم وبيوتهم وأموالهم وزوجاتهم وأولادهم وجمالهم وزروعهم، ثم بعد ذلك عملوا لينفقوا على أنفسهم بمال يكتسبونه وينفقون منه أيضاً على الجهاد؛ مع أنهم تركوا أموالهم وكل ما يملكون في مكة، فكأنهم ضحوا بالمال وضحوا بالنفس. ودخلوا وهم قلة بلغت ما بلغت فلن تزيد عن ثلاثمائة ودخلوا في معركة مع الكثرة المشركة، ولم يكونوا واثقين من النصر ولكنهم كانوا يطلبون الشهادة.
    إذن فهم آمنوا، هذه واحدة، وهاجروا، وهذه الثانية، وجاهدوا بأموالهم هذه الثالثة، وجاهدوا بأنفسهم هذه الرابعة، وكانوا أسوة لأنهم سبقوا إلى الإيمان والجهاد فشجعوا غيرهم على أن يؤمنوا، ولذلك فلهم أجر من سن سنة حسنة، ولهم أجر من عمل بها، وهؤلاء هم السابقون الأولون ولهم منزلة عالية وعظيمة عند الله عز وجل.

    والطائفة الثانية الأنصار وهم الذين آووا هذه واحدة، ونصروا هذه الثانية، وأحبوا من هاجر إليهم، هذه الثالثة. وهؤلاء جمعهم الله في الولاية أي النصرة والمودة والتعظيم والإكبار. ثم يأتي القول من الحق تبارك وتعالى:
    * وَالَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يُهَاجِرُواْ مَا لَكُمْ مِّن وَلاَيَتِهِم مِّن شَيْءٍ حَتَّىا يُهَاجِرُواْ * [الأنفال: 72].
    وهؤلاء هم الطائفة الثالثة الذين آمنوا وتركوا دينهم الذي ألفوه. ولكنهم لم يهاجروا ولم يتركوا أوطانهم ولا أولادهم ولا أزواجهم ولا أموالهم، إذن فيهم خصلة تمدح وخصلة ثانية ليست في صالحهم؛ فموقفهم بين بين، ولكن لأنهم لم يهاجروا لذلك يأتي الحكم من الله:
    * مَا لَكُمْ مِّن وَلاَيَتِهِم مِّن شَيْءٍ حَتَّىا يُهَاجِرُواْ * [الأنفال: 72].
    إذن فهذه الطائفة آمنت ولم تهاجر، ولكن عدم هجرتهم لا يجعل لهم عليكم ولاية، إلا أن قوله تبارك وتعالى:
    * مَا لَكُمْ مِّن وَلاَيَتِهِم مِّن شَيْءٍ حَتَّىا يُهَاجِرُواْ * [الأنفال: 72].
    وفي هذا تشجيع لهم حتى يهاجروا، كأن تقول لابنك: ليس لك عندي مكافأة حتى تذاكر. وفي هذا تشجيع له على المذاكرة. ولم يقطع الله سبحانه وتعالى أمامهم الطريق إلى الهجرة لأنهم ربما فهموا أن الهجرة لم تكن إلا في الأفواج الأولى لأنه قال: و * الَّذِينَ آمَنُواْ وَهَاجَرُواْ * أي أن الباب مفتوح.
    وكلمة " هاجروا " مأخوذة من الفعل الرباعي " هاجر " ، والاسم " هجرة " والفعل " هاجر ". وهجر غير هاجر. فقد يترك الإنسان مكاناً يقيم فيه فيكون هذا معناه " هجر " أي ترك وهو عن قلة وضيق تدفع إلى الهرب، إنما هاجر لا بد أن يكون هناك تفاعل بين اثنين ألجأه إلى أن يهاجر، إذن فهناك عمليتان، اضطهاد الكفار للمسلمين؛ لأنهم لو لم يضطهدوهم وعاشوا في أمان يعلنون إيمانهم وإسلامهم، ما حدثت الهجرة. ولكن الاضطهاد الذي لاقاه المسلمون كان تفاعلاً أدى إلى هجرتهم، والمتنبي يقول:إذا ترحلت عن قوم وقد قدروا ألا تفارقهم فالراحلون هموأي أنك إذا تركت قوماً دون أن يكرهوك على ذلك تكون أنت الذي رحلت عنهم، ولكن المهاجرة التي قام بها المسلمون كانت بسبب أن الكفار ألجأوهم إلى ذلك، إذن هجر تكون من جهة واحدة، واسم الهجرة مأخوذ من هاجر، فكأن الله سبحانه وتعالى يقول: إن الدار التي اضطهدتم فيها كان يصح أن تهجروها. ويوضح الحق سبحانه وتعالى:
    * وَالَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يُهَاجِرُواْ مَا لَكُمْ مِّن وَلاَيَتِهِم مِّن شَيْءٍ حَتَّىا يُهَاجِرُواْ وَإِنِ اسْتَنصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ * [الأنفال: 72].

    أي لا بد أن يكون هناك التضامن الإيماني دون الولاية الكاملة للمؤمنين الذين لم يهاجروا. فالإيمان له حقه في قوله تعالى:
    * وَإِنِ اسْتَنصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ * [الأنفال: 72].
    ولكن النصر هنا مشروط بشرط آخر هو:
    * إِلاَّ عَلَىا قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِّيثَاقٌ * [الأنفال: 72].
    فاحفظوا هذا الميثاق لأن نقض العهود الميثاقية ليس من تعاليم الدين الإسلامي. ولكن ما دام بينكم وبينهم ميثاق فيجب أن تتم التسوية عن طريق التفاهم. فعليكم احترام ما اتفقتم وتعاهدتم عليه. ثم يقول الحق سبحانه وتعالى:
    * وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِير * [الأنفال: 72].
    أي يعلم ويرى كل ما تصنعون وقد جمعهم الله سبحانه وتعالى كمؤمنين في آية واحدة وكلهم في مراتب الإيمان وهم قسم واحد.
    ثم يأتي الحديث بعد ذلك عن القسم الثاني المقابل فيقول سبحانه وتعالى: * وَالَّذينَ كَفَرُواْ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍ... *
    وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ (73)

    فالكفار - كما نعلم - وكما تحدثنا الآية الكريمة بعضهم أولياء بعض.
    فإن لم يتجمع المؤمنون ليترابطوا ويكونوا على قلب رجل واحد، فالكفار يتجمعون بطبيعة كفرهم ومعاداتهم للإسلام. وإن لم يتجمع المسلمون بالترابط نجد قول الحق تحذيراً لهم من هذا:
    * إِلاَّ تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ * [الأنفال: 73].
    فسبحانه يريد لنا أن نعلم أننا إن لم نعش كمسلمين متحدين ننحاز لبعضنا البعض في جماعة متضامنة، وتآلف وإيمان، إن لم نفعل ذلك فسوف تكون هناك فتنة شديدة وفساد كبير. لماذا؟. لأن المؤمنين إن لم يتجمعوا ذابوا مع الكافرين، وستوجد ذبذبة واختلال في التوازن الإيماني جيلاً بعد جيل. ولو حدث مثل هذا الذوبان، سيتربى الأولاد والأطفال في مجتمع يختلط فيه الكفر بالإيمان، فيأخذوا من هذا، ويأخذوا من ذاك، فلا يتعرفون على قيم دينهم الأصيلة، وقد يضعف المسلمون أمام إغراء الدنيا فيتبعون الكافرين. ولكن إن عاش المسلمون متضامنين متعاونين تكون هناك وقاية من أمراض الكفر، وكذلك لا يجتريءعليهم خصومهم.
    أما إذا لم يتجمعوا ولم يتحدوا فقد يتجرأ عليهم الخصوم ويصبحون قلة هنا، وقلة هناك وتضيع هيبتهم، ولكن إذا اتحدوا كانوا أقوياء، ليس فقط بإيمانهم، ولكن بقدرتهم الإيمانية التي تجذب غير المسلمين لأهذا الدين. وينشأ الفساد الكبير حين لا يتضامن المسلمون مع بعضهم البعض فيجتريء عليهم غير المسلمين ويصبحون أذلةً وهم أغلبيةٌ، ولا يهابهم أحد مع كثرة عددهم، ولا يكونون أسوة سلوكية. بل يكونون أسوة سيئة للإسلام. ويقول الحق سبحانه وتعالى:
    * وَالَّذينَ كَفَرُواْ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍ * [الأنفال: 73].
    فهل هذا توجيه من الله جل جلاله لهم، أو إخبار بواقع حالهم؟
    لقد طلب الحق سبحانه وتعالى من المؤمنين أن يكونوا أولياء بعض، ولكن هل قوله تعالى: * وَالَّذينَ كَفَرُواْ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍ * هو طلب للكافرين، كما هو طلب من الله للمؤمنين؟ نقول: لا، لأن الذين كفروا لا يقرأون كلام الله عز وجل، وإذا قرأوه لا يعملون به.
    إذن فهذا إخبار بواقع كوني للكافرين. فعندما يطلب الله سبحانه وتعالى من المؤمنين أن يكونوا أولياء بعض، فهذا تشريع يطلب الله لأن يحرص عليه المؤمنون، أما إذا قال إن الكفار بعضهم أولياء بعض. فهذا إخبار بواقع كوني لهم.
    إن الإسلام جاء على أهل أصنام من قريش، ويهود في المدينة هم أهل كتاب، وكذلك كان الأوس والخزرج كفاراً مثل قريش؛ ولكن الإسلام جمعهم وجعل بعضهم أولياء بعض، وكان بين الأوس والخزرج وبين اليهود قبل الإسلام عداء، وإن لم يصل إلى الحرب؛ لأنهم كانوا يحتاجون لمال اليهود وعلمهم وأشياء أخرى، وكان اليهود يستفتحون على الأوس والخزرج بمجيء النبي محمد المذكور عندهم في التوراة ويقولون لهم: أطل زمان نبي سنتبعه ونقتلكم قتل عاد وإرم.

    إذن كان اليهود يتوعدون الكفار، لما بينهم من عداء عقدي وديني، فلما بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم كفر اليهود برسالته والتحموا مع كفار قريش وقالوا:* هَاؤُلاءِ أَهْدَىا مِنَ الَّذِينَ آمَنُواْ سَبِيلاً *[النساء: 51].
    أي أن كفار قريش أهدى من الذين آمنوا بمحمد، فالولاء بين الكافرين واليهود جاء لهم بعد أن كانوا أعداء، لكنهم اتحدوا بعد ذلك ضد المؤمنين، فإذا كان هذا حدث بين الكفار واليهود؛ فيجب على المؤمنين أن يكون بعضهم أولياء بعض؛ لأنهم اجتمعوا على شيء يعاديه الجميع. وهذا ينفي مسألة الإرث التي قال بها بعض العلماء من أن المؤمنين بعضهم أولياء بعض أي يرث بعضهم بعضا؛ لأنه لو كان هذا صحيحاً فكأن الله شرع للكافرين - أيضا - أن يرث بعضهم بعضاً؛ لأنه استخدم كلمة أولياء بالنسبة لهم أيضاً. والحق سبحانه وتعالى لم يشرع للكافرين.
    وبعد أن بينا أقسام المؤمنين الذين عاصروا رسول الله صلى الله عليه وسلم وعرفنا أنهم أربعة، ذكرنا ثلاثة منهم هم المهاجرون والأنصار والذين آمنوا ولم يهاجروا، وبقي من هذه الأقسام الذين آمنوا وهاجروا بعد ذلك، ويقول الحق تبارك وتعالى: * وَالَّذِينَ آمَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَواْ وَّنَصَرُواْ... *
    كلمتان خفيفتان على اللسان .. ثقيلتان في الميزان .. حبيبتان إلى الرحمن

    سبحان الله وبحمده .. سبحان الله العظيم

  2. #22
    Super Moderator
    رقم العضوية : 2
    تاريخ التسجيل : Jun 2016
    المشاركات: 3,273
    التقييم: 10
    الدولة : الأردن
    العمل : طالب علم
    وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (74)

    أي إياكم أن تقولوا بأنهم لم يهاجروا معكم. وتنكروا أنهم منكم. بل هم منكم وأولياؤكم فهم قد اتبعوكم بإحسان.
    وما الذي جعل الحق سبحانه وتعالى يذكر هذا مرة أخرى؟. لقد تكلم سبحانه وتعالى عن الذين آمنوا وجاهدوا في سبيل الله والذين نصروا، ولننتبه إلى أن هذا ليس تكراراً لأنه سبحانه وتعالى يذكر لنا هنا أنهم جاهدوا بالمال والنفس. وقد جاءت هذه الآية لتثبيت الحكم الشرعي. وانظر إلى عجز كل آية لتعرف. ففي عجز هذه الآية:
    * أُولَـائِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقّاً لَّهُمْ مَّغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ * [الأنفال: 74].
    والحكم الشرعي بالنسبة لهم هو أن يكونوا أولياء بعض، وهذا ما ذكره الله سبحانه وتعالى في الآية السابقة حيث يقول:* إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَواْ وَّنَصَرُواْ أُوْلَـائِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍ *[الأنفال: 72].
    أي أعطانا الحكم الشرعي في ولاية بعضهم لبعض. وأوضح أن هؤلاء لا بد أن يكونوا أولياء، وهذا هو الحكم المطلوب منهم، ولكنه سبحانه في هذه الآية الكريمة:
    * وَالَّذِينَ آمَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَواْ وَّنَصَرُواْ أُولَـائِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقّاً * [الأنفال: 74].
    فلم يتكلم الحق سبحانه وتعالى هنا عن الولاية ولم يعط حكماً بها، وإنما قال سبحانه وتعالى: * هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقّاً * وهذا حصر يسمونه قصراً، أي أن غيرهم لا يكون مؤمنا حقا، مثلما تقول: فلان هو الرجل، يعني أن غيره لا تعد رجولته كاملة من كل نواحيها. وهذه مبالغة إيمانية.
    ثم يذيل الحق سبحانه وتعالى الآية الكريمة التي نحن بصدد خواطرنا عنها بقوله الكريم:

    * لَّهُمْ مَّغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ * [الأنفال: 74].
    وهنا يتكلم الحق سبحانه وتعالى عن الجزاء. والجزاء إما أن يكون في الدنيا، ولذلك حكم الله لهم بأنهم هم المؤمنون حقا، وإما أن يكون الجزاء في الآخرة. وجزاء الآخرة يمحو السيئات ويرفع الدرجات فقوله: * لَّهُمْ مَّغْفِرَةٌ * أي تمحي سيئاتهم. وقوله تعالى: * وَرِزْقٌ كَرِيمٌ * أي تضاعف لهم الحسنات في الجنة. فكأن الآية الأولى كان مقصوداً بها حكم الولاية. وهو حكم مطلوب منهم. والآية الثانية تكلمت عن الجزاء وبينت جزاءهم في الدنيا والآخرة. والجزاء في الدنيا أنهم هم المؤمنون حقا، أمَّا الجزاء في الآخرة فهو محو الذنوب حتى لا يعاقبوا. ورفع درجاتهم بإعطائهم الثواب؛ وهو رزق كريم.
    والمغفرة لهم على قليل الذنوب؛ لأنه لا يوجد أحد بلا كبوة في شيء من الأشياء ولا أحد معصوم مثل الرسل فهم وحدهم الذين عصمهم الله من الوقوع في المعاصي، ولذلك فالحق سبحانه وتعالى يغفر لمن ذكرهم في هذه الآية النزوات الصغيرة، ولهم رزق كريم أيضاً. والرزق هو ما انتفع به الإنسان، وإن كان الناس ينظرون إلى الرزق على أنه المادة فقط؛ من مال وأرض وعقار وطعام ولباس، ولكنَّ الحقيقة أن الرزق مجموع أشياء متعددة؛ منها ما هو مادي وما هو معنوي.

    فالاستقامة رزق، والفضيلة رزق، والعلم رزق، والتقوى رزق، وكلما امتد نفع الرزق يوصف بأنه حسن وجميل. وهنا وصف الحق الرزق بأنه كريم. والكرم هو مجموع الأشياء التي فيها محاسن. وإذا جاء الرزق بلا تعب يكون كريماً، فالهواء رزق لا عمل لك فيه؛ يمر عليك فتتنفس، والماء رزق لا عمل لك فيه لأنه يهبط عليك من السماء، والطعام رزق لك فيه عمل قليل، فأنت بذرت ورويت وانتظرت حتى جاء الثمر.
    إذن فهناك رزق لا عمل لك فيه مطلقاً وهو رزق في قمة الكرم، وهناك رزق لك فيه عمل ضئيل وهو رزق كريم لأنه أكبر من العمل. وأنت حين تعطي إنساناً أجره ليس هذا مناّ أو كرما منك لأنه مقابل عمل، ولكن الكرم أن تعطيه بلا مقابل. ورزق الجنة بلا مقابل لأنه بمجرد أن يخطر الشيء على بالك وتشتهيه تجده أمامك.
    إذن فهو رزق في قمة الكرم، والحق سبحانه وتعالى قد جعل الكرم من صفات الرزق، فالرزق يعرف عنوانك ومكانك وأنت لا تعرف عنوانه ولا مكانه لأنك قد تبذل جهداً كبيراً في زراعة أرضك ثم تأتي آفة وتصيب الزرع فلا يعطيك رزقاً. وقد تذهب إلى مكان وأنت خالي الذهن فتأتيك صفقة فيها رزق وفير.
    إذن فالرزق يعرف مكانك ويأتي إليك ولكنك لا تعرف أين هو. وقد حدد الله سبحانه وتعالى الرزق وقسمه على عباده، وكل رزق مقسوم لك سيصل إليك ولن يذهب إلى غيرك، وأنت قد تأكل طعاماً تلتذ به ثم يهيج معدتك فتفرغ معدتك منه، ويأتي طائر ليلتقط بعضه؛ هذا رزق الطائر تعافه أنت. وقد تأكل الطعام ويتحول إلى مكونات في دمك ثم تذهب تتبرع بهذا الدم إلى غيرك.
    إذن فهذا الطعام الذي أكلته وتحول إلى دم في جسدك ليس رزقك ولكنه رزق من نقل إليه الدم. ولذلك إذا قرأت القرآن تجد أن الحق سبحانه وتعالى يقول:* وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُّطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَداً مِّن كُلِّ مَكَانٍ *[النحل: 112].
    ويقول الحق سبحانه وتعالى بعد ذلك: * وَالَّذِينَ آمَنُواْ مِن بَعْدُ وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ مَعَكُمْ فَأُوْلَـائِكَ مِنكُمْ... *
    وَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْ بَعْدُ وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا مَعَكُمْ فَأُولَئِكَ مِنْكُمْ وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (75)

    إذن فمن آمن بعد هؤلاء الأولين وهاجر وجاهد له أيضاً مغفرة ورزق كريم.
    هكذا حدد الحق سبحانه وتعالى فئات المؤمنين وجعل لكل فئة مقامها، فالذين آمنوا هم جميعاً قد انتموا انتماء أوليا إلى الله، ولذلك نجد أن الحق سبحانه وتعالى قد خلق الإنسان مقهوراً في أشياء ومختاراً في أشياء يفعلها أو لا يفعلها، والمؤمن يختار ما أراده الله تعالى له؛ ففعل ما قال له: " افعل " ، ولم يفعل ما قال له: " لا تفعل " ، فكأنه اختار مرادات الله في التشريع.
    إن معنى الإيمان أن يستقر في قلبك وأن تؤمن أن الله تعالى بكل صفات كماله خلق لنا هذا الكون وخلقنا، وأننا جئنا إلى هذا الكون فوجدناه قد أعد لنا إعداداً جيداً، كل ما فيه مسخر لخدمة الإنسان، وأعطانا الله سبحانه وتعالى الاختيار في أشياء، وجعلنا من رحمته مقهورين في أشياء.
    مثلا دقات القلب والدورة الدموية وأجزاء جسمك الداخلية مقهورة لله عز وجل لا دخل لاختيارك فيها، وكذلك التنفس فأنت تتنفس وأنت نائم ولا تعرف كيف يحدث ذلك، ولكن الأفعال التي تصدر منك بعد فكر، تلك هي الأفعال التي جعل الله لك فيها اختياراً. ولو أرادك الخالق أن تكون مقهورا لفعل، ولو أراد أن يؤمن الناس جميعاً لفعل؛ ولكنه سبحانه وتعالى ترك لهم الاختيار؛ فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر؛ ليعرف مَنْ مِن عباده أحب الله فأطاعه في التكليف، ومَنْ مِن الخلق قد عصاه.
    إذن فالانتماء الأول للمسلم هو انتماء الإيمان، وللإنسان انتماءات أخرى؛ ينتمي لوطنه ولأهله ولأولاده ولماله، ولمن الانتماء الأول يجب أن يكون لله تعالى، بحيث يترك الناس أوطانهم وأموالهم وأهلهم إذا كان الإيمان يقتضي ذلك. والإنسان المؤمن هو الذي يترك اختياره فيختار ما أمر به الله عز وجل، ويجعل كل ما يملكه في خدمة ذلك؛ فيجاهد بنفسه لأن الله أمره بذلك، ويجاهد بماله لأن الله أمره بذلك. إذن فالمؤمن الحق لا انتماء له إلا لله. فالذين هاجروا والذين آووا ونصروا، تركوا أموالهم وأولادهم وكل ما يملكون حبا في الله وطاعة له.
    فالأنصار لم يهاجروا ولكنهم وضعوا كل إمكاناتهم في إيواء المهاجرين حبا لله؛ فتنازلوا عن مساكن لهم وأموال لهم، وتنازلوا عن زوجاتهم في سبيل الله كل منهم مؤمن حقًا، أما الفئة الثانية فهناك نقص في إيمانهم؛ ذلك أنهم لم يهاجروا رغم إسلامهم وفضلوا أن يبقوا مع أولادهم وأهلهم. ولذلك قال الله سبحانه وتعالى عنهم:* مَا لَكُمْ مِّن وَلاَيَتِهِم مِّن شَيْءٍ *[الأنفال: 72].
    أي ليس مطلوباً أن توالوهم، لكن إذا استنصروكم في الدين فعليكم النصر، لماذا؟ لأنهم لم يتركوا الانتماءات الأخرى مثل المال والولد والأهل ومكان الإقامة. والفئة الثالثة هم الذين جاءوا بعد ذلك، لم تكن هناك هجرة ليهاجروا ولكن من آمن منهم وجاهد وترك اختياره وخضع لاختيار الله خضوعاً تاما يكون كالمؤمنين الأوائل؛ لأنهم تركوا كل الانتماءات من أجل الله تعالى. ثم يختتم الحق سبحانه سورة الأنفال بهذه الآية الكريمة: * وَالَّذِينَ آمَنُواْ مِن بَعْدُ وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ مَعَكُمْ فَأُوْلَـائِكَ مِنكُمِْ... *
    كلمتان خفيفتان على اللسان .. ثقيلتان في الميزان .. حبيبتان إلى الرحمن

    سبحان الله وبحمده .. سبحان الله العظيم

صفحة 3 من 3 الأولىالأولى 123

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

المفضلات

المفضلات

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •  

RSS RSS 2.0 XML MAP html  PHP  info tags Maps maptags vbmaps

الساعة معتمدة بتوقيت جرينتش +3 . الساعة الآن : 18:35.
الموقع غير مسؤول عن أي اتفاق تجاري أو تعاوني بين الأعضاء
فعلى كل شخص تحمل مسئولية نفسه إتجاه مايقوم به من بيع وشراء وإتفاق وأعطاء معلومات موقعه
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي موقع الأشاعرة و لا نتحمل أي مسؤولية قانونية حيال ذلك (ويتحمل كاتبها مسؤولية النشر)
الساعة الآن 12:09 PM
Powered by vBulletin® Version 4.2.3
Copyright © 2018 vBulletin Solutions, Inc. Translate By soft