إذا كانت هذه زيارتك الأولى يرجى الاطلاع على الرابط التالي الأسئلة ولكي تتمكن من كتابة مواضيع وإرسال رسائل خاصة لابد لك منالتسجيل
صفحة 3 من 4 الأولىالأولى 1234 الأخيرةالأخيرة
النتائج 21 إلى 30 من 40

الموضوع: سورة الأعراف

  1. #21
    Super Moderator
    رقم العضوية : 2
    تاريخ التسجيل : Jun 2016
    المشاركات: 3,273
    التقييم: 10
    الدولة : الأردن
    العمل : طالب علم
    قَالُوا يَا مُوسَى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ (115)

    ونلحظ أنهم لم يؤكدوا لموسى رغبتهم في أن يلقي هو أولا عصاه. ولكنهم أكدوا رغبتهم في أن يكونوا هم أول الملقين. فجاءوا بضمير الفصل وهو (نحن) الذي يفيد التأكيد.
    ونعلم أن مَن يعقِّب ويكون عمله تاليا لمن سبقه، فإن فعله هو الذي سيترتب عليه الحكم. ولابد أن يكون قوي الحجة. هم يريدون أم يكونوا هم المعقبين، وأن موسى الذي يبدأ، لكن عزتهم تفرض عليهم أن يبدأوا هم أولاً؛ لذلك جاءوا بالعبارة التي تحمل المعنيين: * إِمَّآ أَن تُلْقِيَ وَإِمَّآ أَن نَّكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ * [الأعراف: 115]
    فعلم موسى أنهم حريصون، على أن يبدأوا هم بالإِلقاء فأتوا بكلمة (نحن). وفكر موسى أن من صالحه أن يلقوا هم أولاً؛ لأن عصاه ستلقف وتبتلع ما يلقون؛ لذلك يأتي قوله سبحانه: * قَالَ أَلْقَوْاْ فَلَمَّآ أَلْقُوْاْ سَحَرُواْ... *
    قَالَ أَلْقُوا فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ (116)

    هم - إذن - سحروا أعين الناس، والسحر - كما نعلم - لطف حيلة يأتي بأعجوبة تشبه المعجزة. وكأنها تخرق القانون، وهو غير الحيلة التي يقوم بها الحواة؛ لأن الحواة يقومون بخفة حركة، وخفة يد، ليعموا الأمر على الناس. لكن " السحر " شيء آخر، ونعلم أن الحق سبحانه وتعالى خلق كل جنس بقانون؛ خلق الإِنس بقانون، وخلق الجن بقانون، وخلق الملائكة بقانونها:* وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاَّ هُوَ... *[المدثر: 31]
    وكل قانون له خصائصه ومميزاته التي تناسب عنصر تكوينه، فالإِنسان - مثلاً - لأنه مخلوق من الطين له من الكثافة ما يمنعه من التسلل من خلال جدار؛ لأنك لو كنت تجلس وهناك تفاحة وراء الجدار الذي تجلس بجواره فلن يتعدى ريحها ولا طعمها إلى فمك؛ لأن الجدار يحول بينك وبين ذلك، لكن لو كانت هناك جذوة من نار بجانب الجدار الذي تستند عليه لكان من الممكن أن يتعدى أثرها لك؛ لأن النار إشعاعات تنفذ من الأشياء، ولأن الجن مخلوق من نار، لذلك نجد له هذه الخاصية.* إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لاَ تَرَوْنَهُمْ... *[الأعراف: 27]
    فإذا كان الجن له قانون والإِنس له قانون، فهل القانون هو الذي يسيطر؟ لا، بل رب القانون هو الذي يسيطر لأنه جل وعلا فوق القانون. فيأتي الله للإِنس ويُعَلّم واحداً منهم بعضاً من أسرار كونه ليستذل الجن لخدمته، برغم ما للجن من خفة حركة، فسبحانه يوضح: لا تظن أيها الجن أنك قد أخذت خصوصيتك من العنصر الذي يكونك لأن هناك القادر الأعلى وهو المعنصر لك ولغيرك، بدليل أن الإِنسان وهو من عنصر آخر يتحكم فيك بعد أن علمه الله بعضاً من أسرار كونه. ولننتبه دائماً أن العلم بأسرار تسخير الجن هو من ابتلاءات الحق للخلق؛ لأنه سبحانه وتعالى يقول:* وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولاَ إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلاَ تَكْفُرْ... *[البقرة: 102]
    فكأن هاروت وماروت وهما يعلّمان الإِنسان كيف يمارس السحر، ينصحان الإِنسان الذي يرغب في أن يتعلم السحر أولاً، ويوضحان له أنهما فتنة أي ابتلاء واختبار ويقولان له: * فَلاَ تَكْفُرْ * ، مما يدل على أن كل من يتعلم السحر؛ إن قال لك: إني سأستعمله في الخير فهو كاذب؛ لأنه يقول ذلك ساعة صفاء نفسه تجاه الخلق، لكن ماذا إن غافله إنسان من أي ناحية وغلبه على بعض أمره وهو يملك بعضاً من أسرار السحر؟ هل يقدر على نفسه؟ لقد قال إنه أمين وقت التحمل، لكن هل يظل أميناً وقت الأداء؟ إن من يتعلم السحر قد يستخدمه في الانتقام من غيره، وبذلك يضيع تكافؤ الفرص، ونعلم أن تكافؤ الفرص هو الذي يحمي الناس، ويعطي بعضهم الأمن من بعض، ويُلزم كل إنسان حدّه.

    فإذا أخذ إنسان سلاحاً ليس عند غيره فقد يستخدمه ضد من لا يملك مثله، والإِنسي الذي يأخذ سلاح استخدام الجن إنما يأخذ سلاحاً لا يملكه أخوه الإِنسي، وبذلك يكون قد أخذ فرصة أقوى من غيره وفي هذا ابتلاء؛ لأن الإِنسان قد ينجح فيه وقد يخفق فلا يظفر بما يطلبه، وقوله سبحانه: * فَلاَ تَكْفُرْ * يدل على أنهما علما طبائع البشر في أنهم حين يأخذون فرصة أعلى قد يُضْمَنون وقت صفاء نفوسهم، ولكنهم لا يُضْمَنون يوم تعكير نفوسهم.* فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُم بِضَآرِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ... *[البقرة: 102]
    ما دام الحق هو الذي أعطاهم هذه القدرة فهو سبحانه القادر على أن يسلبها منهم، مثلما يمنح الله سبحانه وتعالى القدرة لإِنسان ليكون غنيًّا وقادراً على شراء سلاح ناري، وأن يتدرب على إطلاق النار، فهذا الرجل ساعة يغضب قد يتصور أن يحل خلافه مع غيره أو ينهي غضبه مع أي إنسان آخر بإطلاق الرصاص عليه. لكن لو لم يكن معه " مسدس " فقد ينتهي غضبه بكلمة طيبة يسمعها، إذن فساعة ما يمنع الله أمراً فهو يريد أن يرحم؛ لذلك يقول: * وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولاَ إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلاَ تَكْفُرْ *.
    وفي هذا تحذير لمن يتعلم مثل هذا الأمر، ويريد سبحانه أن يحمي خلقه من هذه المسألة، فلو أنك تتبعت هؤلاء لاستذلوك واستنزفوك، ويتركك الله لهم لأنك اعتقدت فيهم، أما إن قلت " اللهم إنك قد أقدرت بعض خلقك على السحر والشر، ولكنك احتفظت لنفسك بإذن الضر، فإني أعوذ بما احتفظت به مما أقدرت عليه، بحق قولك: * وَمَا هُم بِضَآرِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ * ، ويكفي أن نعلم أنه سبحانه قد قال: * وَمَا هُم بِضَآرِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ *. هنا لن يمكنهم الله منك، إنما إن استجبت وسرت معهم، فهم يستنزفونك، وأراد الله أن يفضح هذه العملية فقال على ألسنة السحرة الذين استدعاهم فرعون:* أَإِنَّ لَنَا لأَجْراً... *[الشعراء: 41 *
    وكأنهم يعترفون بالنقص فيهم، فعلى الرغم من ادعائهم القدرة على فعل المعجزات إلا أنهم عاجزون عن الكسب الذي يوفي حاجاتهم؛ لذلك طلبوا الأجر من فرعون، وهذا حال الذين يشتغلون بالسحر والشعوذة. هم يدعون القدرة ويعانون الفاقة والعوز. هكذا حكم الحق بضيق رزق من يعمل بالسحر، ويفضحهم الحق دائماً، وللعاقل أن يقول: ماداموا يَدّعُون الفلاح فليفلحوا في إصلاح أحوالهم. ومادام الساحر يدعي أنه يعرف أماكن الكنوز المخبوءة فلماذا لا يعرف كنوزاً في الأرض التي ليست مملوكة لأحد ويأخذها لنفسه؟ هذا إن افترضنا أن الساحر أمين للغاية ولا يريد أن يأخذ من خزائن الناس.
    ولذلك تجد كل العاملين بالسحر والشعوذة يموتون فقراء، بشعي الهيئة؛ مصابين في الذرية؛ لأن الكائن منهم استغل فرصة لا توجد لكل واحدٍ من جنسه البشري، وذلك للإِضرار بالناس.

    واقرأ قول الحق سبحانه وتعالى:* وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِّنَ الإِنسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِّنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقاً *[الجن: 6]
    وهنا يقرر الحق أنهم سيعيشون في إرهاق وتعب. ولذلك يتحدد موقفنا من السحر بأننا لا ننكره مثلما ينكره آخرون. فقد قال بعض من العلماء: إن السحرة جاءوا بعصيّ وضعوا فيها زئبقاً، وعند وجود الزئبق تحت أشعة الشمس تعطي له حرارة فتتلوى العصى، لكن نحن لا ننكر السحر، كما لا ننكر الجن لأنه لا يفوتنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " إن عفريتا من الجن تفلّت عليّ البارحة ليقطع عليّ الصلاة فأمكنني الله تبارك وتعالى منه وأردت أن أربطه إلى سارية من سواري المسجد حتى تصبحوا وتنظروا إليه كلكم فذكرت قول أخي سليمان عليه الصلاة والسلام: * رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكاً لاَّ يَنبَغِي لأَحَدٍ مِّن بَعْدِي * ".
    فمادام الحق قد قال: إنه خلق خلقاً لا تدركهم بإحساسك، فنحن نقر بما أبلغنا به الحق؛ لأن وجود الشيء أمر وإدراك وجوده أمر آخر، وكل مخلوق له قانونه، فالعفريت من الجن قال لسيدنا سليمان عن عرش بلقيس:* أَنَاْ آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ... *[النمل: 39]
    وكأن الجن يطلب زمناً ما، فقد يجلس سليمان في مقامه معهم ساعة أو ساعتين أو ثلاثا، لكن الذي عنده علم من الكتاب يقول:* أَنَاْ آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ... *[النمل: 40]
    ولابد أن يكون طرفه قد ارتد في أقل من ثانية بعد أن قال ذلك، ولهذا نجد القرآن يورد ما حدث على الفور فيقول: * فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرّاً عِندَهُ *.
    مما يدل على أن الله قد خلق الأجناس، وخلق لكل جنس قانوناً، وقد يكون هناك قانون أقوى من قانون آخر، لكن صاحب القانون مخلوق لذلك لا يحتفظ به؛ لأن خالق القانون يبطله، ويسلط أدنى على من هو أعلى منه. ولندقق في التعبير القرآني: * سَحَرُواْ أَعْيُنَ النَّاسِ *.
    ونحن أمام أشياء هي العصى والحبال. وجمع من البشر ينظر. ونفهم من قوله الحق: * سَحَرُواْ أَعْيُنَ النَّاسِ * أن السحر يَنْصَبُّ على الرائي له، لكن المرئي يظل على حالته، فالعصى هي هي، والحبال هي هي، والذي يتغير هو رؤية الرائي. ولذلك قال سبحانه في آية ثانية:* ...يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى *[طه: 66]
    إذن فالسحر لا يقلب الحقيقة، بل تظل الحقيقة هي هي ويراها الساحر على طبيعتها. لكن الناس هي التي ترى الحقيقة مختلفة. إذن فالسحرة قد قاموا بعملهم وهو: * سَحَرُواْ أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ *.
    واسترهبوهم أي أدخلوا الرهبة في نفوس الناس من هذه العملية، وظن السحرة أن موسى سيخاف مثل بقية الناس المسحورين، ونسوا أن موسى لن ينخدع بسحرهم؛ لأنه باصطفاء الله له وتأييده بالمعجزة صار منفذاً لقانون الذي أرسله فجعل عصاه حية، وصاحب القانون هو الذي يتحكم. وهم قد جاءوا بسحر عظيم، وهو أمر منطقي؛ لأن العملية هي مباراة كبرى يترتب عليها هدم ألوهية فرعون أو بقاء ألوهيته، لذلك لا بد أن بأتوا يآخر وأعظم ما عندهم من السحر.
    ويقول الحق: * وَأَوْحَيْنَآ إِلَى مُوسَى... *
    ربع الحزب17
    وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ (117)

    ولماذا احتاجت هذه المسألة إلى وحي جديد خصوصاً أنه قد سبق أن تم تدريب موسى على إلقاء العصا؟. ونقول: فيه فرق بين التعليم للإعداد لما يكون، والتنفيذ ساعة يكون، فساعة يأتي أمر التنفيذ يجيء الحق بأمر جديد، فربما يكون قد دخل على بشرية موسى شيء من السحر العظيم، والاسترهاب، هذا ونعلم أن قصة موسى عليه السلام فيها عجائب كثيرة. فقد كان فرعون يقتل الذكران، ويستحي النساء، وأراد ربنا ألا يُقتل موسى فقال سبحانه:* وَأَوْحَيْنَآ إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي اليَمِّ... *[القصص: 7]
    وقوله سبحانه: * أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ * يدل على أن العملية المخوفة لم تأت بعد، بل ستأتي لاحقّاً. وهات أيَّة امرأة وقل لها: إن كنت خائفة على ابنك من أمر ما فارميه في البحر. من المؤكد أنها لن تصدقك، بل ستسخر منك؛ لأنها ستتساءل: كيف أنجيه من موت مظنون إلى موت محقق؟. وهذا هو الأمر الطبيعي، لكن نحن هنا أمام وارد من الله إلى خلق الله، ووارد الله لا يصادمه شك. إذن فالخاطر والإِلهام إذا جاء من الله لا يزاحمهما شيء قط. ولا يطلب الإِنسان عليه دليلاً لأن نفسه قد اطمأنت إليه؛ لذلك ألقت أم موسى برضيعها في البحر.
    ويقدّر الله أنها أم فيقول:* وَلاَ تَخَافِي وَلاَ تَحْزَنِي إِنَّا رَآدُّوهُ إِلَيْكِ... *[القصص: 7]
    ولن يرده إليها فقط، بل سيوكل إليه أمراً جللاً.* ...وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ *[القصص: 7]
    وكأن الحق سبحانه يوضح لأم موسى أن ابنها لن يعيش من أجلها فقط، بل إن له مهمة أخرى في الحياة فسيكون رسولاً من الله. فإذا لم تكن السماء ستحافظ عليه لأجل خاطر الأم وعواطفها، فإن السماء ستحفظه لأن له مهمة أساسية * وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ *. ونلحظ أن الحق هنا لم يأت بسيرة التابوت لكنه في آية ثانية يقول:* إِذْ أَوْحَيْنَآ إِلَى أُمِّكَ مَا يُوحَى * أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ *[طه: 38-39]
    ولم يقل في هذه الآية: * وَلاَ تَخَافِي وَلاَ تَحْزَنِي *؛ لأنه أوضح لها ما سوف يحدث من إلقاء اليم له بالساحل. وقوله في الأولى: * فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ *. هو إعداد للحدث قبل أن يجيء، وفي هذه الآية: * إِذْ أَوْحَيْنَآ إِلَى أُمِّكَ مَا يُوحَى... * إلخ تجد اللقطات سريعة متتابعة لتعبر عن التصرف لحظة الخطر. لكن في الآية الأولى: * وَلاَ تَخَافِي وَلاَ تَحْزَنِي إِنَّا رَآدُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ * نجد البطء والهدوء والرتابة؛ لأنها تحكي عن الإِعداد. لما يكون.
    إذن فالحق سبحانه وتعالى يعطي كل جنس قانوناً، وكل قانون يجب أن يُحترم في نطاقه، لأن تكافؤ الفرص بين الأجناس هو الذي يريده الله. وحينما أراد سبحانه وتعالى أن يبين لنا هذه المسألة أوضح أن على المؤمن أن ينظر إلى المعطيات من وراء التكاليف، وفي آية الدّيْن - على سبيل المثال - نجد الحق يوصي المقترض " المدين " - وهو الضعيف - أن يكتب الدَّيْن، ويعطي بذلك إقراراً للدائن وهو القوي القادر فيقول سبحانه:

    * وَلاَ تَسْأَمُواْ أَن تَكْتُبُوهُ صَغِيراً أَو كَبِيراً إِلَى أَجَلِهِ... *[البقرة: 282]
    والمسألة هنا في ظاهر الأمر أنه يحمي الدائن ونقوده، لكن علينا أن ننتبه إلى أنه يحمي المدين من نفسه؛ لأن الدَّيْن إن لم يكن موثقاً فالمدين لن يبذل الجهد الكافي للسداد، وباجتهاد المدين نفيد الوجود بطاقة فاعلة. ولكن إن لم نوثق الدَّيْن، وتكاسل المدين عن العمل والسداد فقد تشيع الفوضى في المجتمع ويرفض كل إنسان أن يقرض أحداً ما يحتاج إليه. وبذلك تفسد الأمور الاقتصادية.
    إذن فسبحانه حين يأمر بتوثيق الدَّيْن، وإن كان في ظاهر الأمر حماية للدائن. لكنّه في باطن الأمر يحمي سبحانه المدين، لأن هناك فرقاً بين ساعة التحمل للحكم، وساعة أداء الحكم.
    مثال ذلك حين يأتيك إنسان قائلاً: أنا عندي ألف جنيه وخائف أن يضيع مني فخذه أمانة عندك إلى أن أحتاج إليه، وبذلك يكون هذا الإِنسان قد استودعك أمانة ولا يوجد إيصال أو شهود، والأمر مردود إلى أمانة المودَع عنده إن شاء أنكر، وإن شاء أقر. ونجد من يقول لهذا الإِنسان: هات ما عندك. يقول ذلك وفي ذمته ونيته أن صاحب الألف جنيه حين يأتي ليطلبه يعطيه له، إنه يَعِدُ ذلك ساعة التحمل، لكنه لا يضمن نفسه ساعة الأداء، فقد تأتي له ظروف صعبة ساعة الأداء فيتعلل بالحجج ليبعد صاحب المال عنه.
    إذن هناك فرق بين حالة واستعداد حامل الأمانة ساعة الأداء لهذه الأمانة. والمؤمن الحق هو من يتذكر ساعة التحمل والأداء معاً، إنّ بعض الناس يرفض الأمانة ليزيل عن نفسه عبء الأداء.
    والذي يتعلم شيئاً يناقض ناموس وجوده كتعلم السحر نقول له: احذر أن تُبتلى وتُفتن، بل ابتعد واحفظ نفسك ولا تستعمل ذلك، واحذر أن تقول أنا سأستعمل ما تعلمته من سحر في الخير، ومن يأتي لي وهو في أزمة سوف أحلها له بالسحر. ونقول: لهذا الإِنسان: أنت تتكلم عن وقت التحمل، ولكنك لا تتكلم عن وقت الأداء.
    ويقول الحق سبحانه: * وَأَوْحَيْنَآ إِلَى مُوسَى أَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ * [الأعراف: 117]
    والإِفك هو قلب الشيء على وجهه، ومنه الكذب. وعلمنا من قبل أن كل شيء له نسبة كلامية وله نسبة واقعية، فإذا قلت مثلاً " محمد مجتهد " فهذه نسبة كلامية، لكن أيوجد واحد في الواقع اسمه محمد وموثوق في اجتهاده؟. إن كان الأمر كذلك فقد وافقت النسبة الكلامية النسبة الواقعية، ويكون الكلام هو الصدق، أما الكذب فهو أن تقول " محمد مجتهد " ولا يوجد إنسان اسمه محمد، وإن كان موجوداً فهو غير مجتهد، ويكون الكلام كذباً لأن النسبة الكلامية خالفت النسبة الواقعية، وحين يكذب أحد فهو يقلب المسألة ونسمى ذلك كذباً، وشدة الكذب تسمى إفكاً.

    أو الكذب ألا يكون هناك تطابق، وإن لم تكن تعلم، والإِفك أن تتعمد الكذب، وهذا أيضاً افتراء. * أَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ *.
    وهنا يقول الحق سبحانه وتعالى: * فَإِذَا * وهي تعبر عن الفجائية حيث ابتلعت عصا موسى - بعد أن صارت حية - ما أتى السحرة وجاءوا به من الكذب والإِفك وسحروا به أعين الناس.
    ويقول سبحانه بعد ذلك: * فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ... *
    فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (118)

    وقوله: * فَوَقَعَ الْحَقُّ * أي صار الحق النظري واقعاً ملموساً؛ لأن هناك فارقاً بين كلام نظريًّا وكلام يؤيده الواقع، والوقوع عادة يكون من أعلى بحيث يراه ويعرفه كل من يراه.
    وقوله سبحانه: * فَوَقَعَ الْحَقُّ * أي ثبت الحق، فبعد أن كان كلاماً خبريًّا يصح أن يصدَّق ويصح أن يُكَذب. صار بصدقه واقعاً. * فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ *.
    والذي بطل هو ما كانوا يعملون من السحر. إن الحق جعل الصدق موسى واقعاً مشهوداً. وبذلك غُلب السحرة.
    ويقول الحق: * فَغُلِبُواْ هُنَالِكَ وَانقَلَبُواْ صَاغِرِينَ *
    فَغُلِبُوا هُنَالِكَ وَانْقَلَبُوا صَاغِرِينَ (119)

    ولم يغلب السحرة فقط، بل غلب أيضاً فرعون وجماعته، وعاش كل من هو ضد موسى في صَغَار، صغار للمستدعِي وصغار للمستدعَى. لذلك ذيل الحق الآية بقوله: * وَانقَلَبُواْ صَاغِرِينَ * أي أذلاء.
    ويقول الحق بعد ذلك: * وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ *
    وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ (120)

    ولم يقل الحق: وسجد السحرة، ولكنه قال: " ألقى " مما يدل على أن خرورهم للسجود ليس برأيهم، لكنه عملية انبهارية مما حصل أمامهم، كأن شيئاً آخر ألقاهم ساجدين، وهو الانبهار بالحق. فالساحر منهم كان يعتقد أنه هو الذي يسحر، ثم يفاجأ مجموع السحرة أن موسى حين ألقى عصاه رأوها حية بالفعل فعرفوا أن المسألة ليست سحراً، وحينما ألقوا عصيهم وحبالهم التي جاءوا بها من كل المدائن، قيل إنها حُملت على سبعين بعيراً وشاهدوا كيف أن العصا التي صارت حية أو ثعباناً لقفت كل هذا وابتلعته! وحجم العصا هو حجم العصا مهما طالت، وهكذا تيقن أن هذا لا يمكن أن يكون من فعل ساحر، وانظر إلى الاستجابة منهم لمَّا رأوا: * قَالُواْ آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ *
    قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (121)

    وهل هم سجدوا بعد الإِيمان؟ أم آمنوا بعد السجود؟ النص هنا يظهر منه أنهم آمنوا بعد السجود، ولكن كان الأمر يقتضي ألا يسجد أحد إلا لأنه آمن، لكن نحن نعرف أن الإِيمان عمل قلبي، والسجود عمل عضلي وسلوك عملي، فكل منهم آمن بقلبه فسجد.
    وهناك فرق بين أن يؤمنوا فيسجدوا ثم يعلنوا إيمانهم؛ فيقولوا: آمنا برب العالمين؛ لذلك نحن لا نرتب السجود على إيمان، بل نرتب السجود مع القول بالإِيمان وبإعلان الإِيمان؛ لأن إعلان الإِيمان شيء، والإِيمان شيء آخر، فكأنهم آمنوا فخروا ساجدين وبعد هذا قاموا بإعلان الإِيمان، وكأن الناس سألوهم: ما الذي جرى لكم؟ فقالوا: * آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ *.
    إذن فمن يحاول أن يستدرك على النص فعليه أن ينتبه إلى أن إخبارهم عن الإِيمان يعني وجود الإِيمان أولاً، والسحرة قد آمنوا فسجدوا، فاستغرب منهم الناس هذا السجود، وهنا قال السحرة: لا تستغربوا ولا تتعجبوا فنحن قد آمنا برب العالمين. * آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ * [الأعراف: 121]
    وقيل في بعض التفاسير: إن فرعون قال: أنا رب العالمين. لكن السحرة لم يتركوا قوله هذا فأعلنوا أن رب العالمين هو: * رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ *. وقال فرعون: لقد ربيت أنا موسى، فقالوا: لكنك لم ترب هارون.
    ولذلك أوضح الحق هنا أن رب العالمين هو: * رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ *
    رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ (122)

    ولأن السحرة أعلنوها واضحة بالإِيمان برب العالمين رب موسى وهارون، وكان لابد أن يغضب فرعون، فيأتي القرآن بما جاء على لسانه: * قَالَ فِرْعَوْنُ آمَنتُمْ بِهِ... *
    قَالَ فِرْعَوْنُ آمَنْتُمْ بِهِ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّ هَذَا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ لِتُخْرِجُوا مِنْهَا أَهْلَهَا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (123)

    وكأن فرعون مازال يحاول تأكيد سلطانه، ونعلم أن بني إسرائيل اختلطوا بالناس في مصر، ومنهم من تعلم السحر. ولذلك اتهم فرعون السحرة بأنهم قد اتفقوا مع موسى على هذه المسألة.
    لقد كان فرعون في مأزق ويريد أن يخرج منه؛ لأن الناس جميعاً قد شاهدوا المسألة، وهو لا يريدهم أن يتشككوا في ألوهيته، فينهدم الصرح الذي أقامه على الأكاذيب؛ لذلك قال السحرة: إن هذا لمكر مكرتموه في المدينة.. أي أنكم اتفقتم مع موسى، وسيأتي ويقول: اتهاماً لموسى:* إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ... *[طه: 71]
    ونتيجة لهذا المكر المتوهم بين بني إسرائيل وموسى يتوعدهم فرعون: * لأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِّنْ خِلاَفٍ... *
    لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ ثُمَّ لَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ (124)

    والوعيد - كما نراه - قاسٍ وفظيع، فتقطيع الأيدي والأرجل ثم الصلب كلها أمور تخيف، فماذا يكون الرد ممن يتلقون هذا الوعيد، وقد خالطت بشاشة الإِيمان قلوبهم؟ إنهم يقولون: * قَالُواْ إِنَّآ إِلَى... *
    كلمتان خفيفتان على اللسان .. ثقيلتان في الميزان .. حبيبتان إلى الرحمن

    سبحان الله وبحمده .. سبحان الله العظيم

  2. #22
    Super Moderator
    رقم العضوية : 2
    تاريخ التسجيل : Jun 2016
    المشاركات: 3,273
    التقييم: 10
    الدولة : الأردن
    العمل : طالب علم
    قَالُوا إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنْقَلِبُونَ (125)

    إنك قد عجلت لنا الخير لأننا سنكون في جوار ربنا، فأنت بطيشك وحماقتك قد أسديت لنا معروفاً وخيراً من حيث لا تدري. ويزيدون في تقريع فرعون بما يجيء في القرآن على ألسنتهم: * وَمَا تَنقِمُ مِنَّآ إِلاَّ أَنْ آمَنَّا... *
    وَمَا تَنْقِمُ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِآيَاتِ رَبِّنَا لَمَّا جَاءَتْنَا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ (126)

    ما الذي تكرهه منا لأن " تنقم " تعني تكره، وقولهم لفرعون: أليس الذي تكرهه منا أنَّا آمنا بآيات ربنا لما جاءتنا؟ وهل الإِيمان بآيات الإِله حين تجيء مما يُكره؟!! ويسمون ذلك في اللغة تأكيد المدح بما يشبه الذم؛ كأن يقول إنسان: ماذا تكره فيّ؟ أصدقي؟ أمانتي؟ أجودي؟ أعلمي؟
    كأنه يعدد أشياء يعرف كل الناس واقعاً أنها لا تُكره، لكن الخطأ في مقاييس من يكره الصواب، فهي أمور لا تستحق أن تُكره أو تعاب أو تُذَم. لقد تيقنوا أن لقاء الله على الإِيمان هو الخير وكلهم يفضل جوار الله على جوار فرعون. وهذا الذي يعتبره فرعون عقاباً إنما يثبت خيبته حتى في توقع العقوبة؛ لأنه لو لم يهددهم بهذه الميتة فهم سيموتون ليرجعوا إلى الله، وهذا أمر مقطوع به، وكل مخلوق مصيره أن ينقلب إلى الله، وكأنهم أبطلوا وعيد فرعون حين قال لهم:* لأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِّنْ خِلاَفٍ ثُمَّ لأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ *[الأعراف: 124]
    ثم يتجهون إلى ربهم وخالقهم فيقولون: * رَبَّنَآ أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْراً وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ *.
    و " الإفراغ " أن ينصب شيء على شيء ليغمره، وكانهم يقولون: أعطنا يا رب كل الصبر، وهم يحتاجون إلى الصبر لأن فرعون قد توعدهم بأن يقطع أيديهم وأرجلهم. ولذلك قال بعض العارفين بالله: عجبي لسحرة فرعون كانوا أول النهار كفرة سحرة وكانوا آخر النهار شهداء بررة.
    ويقول سبحانه: * وَقَالَ الْمَلأُ مِن قَوْمِ فِرْعَونَ... *
    وَقَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءَهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ (127)

    وهكذا نعرف أن المقربين من فرعون هم أول من خافوا على سلطانهم، ويدل هذا القول أيضاً على أن فرعون لم يتعرض لموسى بأي أذى؛ لأنه مازال يعيش في رهبة اليقين وصولة الحق مما جعله متوجساً وخائفاً من موسى؛ لأن فرعون أول من يعلم أن مسألة ألوهيته كذب كلها، ويعلم جيداً أن موسى على حق، لكن إعلان انهزامه أمام الجمع ليس أمراً سهلاً على النفس البشرية، وسأل الملأ من قوم فرعون الذين اهتز أمامهم سلطانه ومكانته، قالوا: لفرعون: أتترك موسى وقومه ليفسدوا في الأرض؟. أو فيما يبدو أن موسى وهارون تركا المكان بعد أن انتهيا من أمر السحرة، ولم يقبض عليهما فرعون؛ لذلك تساءل الملأ من قوم فرعون: * وَقَالَ الْمَلأُ مِن قَوْمِ فِرْعَونَ أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ * [الأعراف: 127]
    و " يذرك " أي يدعك ويتركك، وكان فرعون يعتقد أن هناك آلهة علويين وآلهة سفليين، وهو رب العالم السفلي كله. لذلك قالوا: * وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ *. وهناك قراءة أخرى " ويذرك إلاهتك أي عبادتك ". أي يتركك أنت ويترك عبادتك. ويقول فرعون: * قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبْنَآءَهُمْ وَنَسْتَحْيِـي نِسَآءَهُمْ *.
    وحتى تلك اللحظة لم يتعرض فرعون لموسى، ولا يزال خوفه من موسى يمنعه من الاقتراب أو الدنو أو الاتصال به ولو بكلمة، إنه يأخذ الحذر من أن يقدم على شيء ضد موسى، فيفاجئه موسى مفاجأة ثانية. ويقال إن الثعبان الذي ظهر ساعة ألقى موسى عصاه فتح شدقيه واتجه إلى فرعون، فقال: كف عني وأومن بما جئت به. وهو أمر محتمل؛ لأن فرعون حتى هذه اللحظة لم يجرؤ على الاقتراب من موسى، وجاء بخبر قتل الأبناء وسبيْ النساء ولم يأت بسيرة موسى. *...سَنُقَتِّلُ أَبْنَآءَهُمْ وَنَسْتَحْيِـي نِسَآءَهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ * [الأعراف: 127]
    والقوي حين يملك القدرة على الضعيف لا يشد الخناق عليه شدًّا ليفتك به؛ لأنه يعرف ضعفه، ويستطيع أن يناله في أي وقت، لكن لو كان الخصم أمامك قويًّا فأنت ترهبه بالقوة حتى يخضع لك. وهنا يقول فرعون: * وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ *.
    إن فرعون يؤكد لقومه أنهم مسيطرون وغالبون، ولن يستطيع قوم موسى أن يفلتوا منهم. ويؤكد فرعون: سنقتل أبناءهم ونستحيي نساءهم؛ لأن الأبناء هم العدة، والنساء عادة شأنهن مبني على الحجاب، وعلى الستر، وفي إبقاء المرأة وقتل الرجل إذلال للرجال؛ لأن التعب سيكون من نصيب النساء. ولذلك كان العرب حين يغيرون على عدو، يصحبون نساءهم لتزيد الحمية ولا يخور ولا يجبن واحد وتراه زوجه أو أخته أو ابنته وهو على هذا الحال، وكذلك كان العرب يخافون الانهزام حتى لا يمسك العدو نساءهم ويأخذهن سبايا.
    وهنا يؤكد فرعون إصراره على إذلال قوم موسى بأن يعيد قتل الأبناء، وأن يستحيي النساء، وكان الفرعون يفعل مثل ذلك الأمر من قبل، والسبب في ذلك أن بني إسرائيل كانوا يساعدون ملوك الهكسوس، وبعد أن طرد الفراعنة الهكسوس، اتجهوا إلى إيذاء بني إسرائيل الذين كانوا في صف الهكسوس، ومن بقي من بني إسرائيل تعرض لتقتيل الأبناء، لكن الحق أنقذ موسى حين أوحى لأمه أن تلقيه في اليم ليربيه فرعون. وها هو ذا فرعون يعيد الكرة مرة أخرى بالأمر بتقتيل الأبناء وسبي النساء.
    ويقول الحق بعد ذلك: * قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ... *
    قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ (128)

    ويقرر موسى الحقيقة الواضحة وهي أن الأرض ليست لفرعون، والعاقبة لا تكون إلاَّ للمتقين. وكأنه بهذا القول يريد أن يردهم إلى حكم التاريخ حيث تكون العاقبة دائماً للمتقين، فإن قال لفرعون: وإنا فوقهم قاهرون، مستعلون غالبون مسلطون مسيطرون، فإن موسى يرد على ذلك: أنا أستعين بمن هو أقوى منك. إن موسى عليه السلام يأمر بأن يستعينوا بالله، ويصبروا على ما ينالهم من بطش فرعون وظلمه.
    ولأن قوم موسى كانوا من المستضعفين، فإن الله وعدهم أن يؤمّنهم في الأرض ويمكن لهم فيها وهذا إخبار من الله وإخبار الله حقائق. ولكن ماذا كان موقف قوم موسى منه بعد هذا النصر العظيم لموسى، والنصر لهم؟. نجد الحق سبحانه يقول: * قَالُواْ أُوذِينَا مِن قَبْلِ... *
    قَالُوا أُوذِينَا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنَا وَمِنْ بَعْدِ مَا جِئْتَنَا قَالَ عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ (129)

    لقد قالوا لموسى: من قبل أن تأتينا أوذينا بأن قتلوا الأبناء واستحيوا النساء، وبعد أن جئت ها نحن أولاء نتلقى الإِيذاء. كأن مجيئك لم يصنع لنا شيئاً. إذن هم نظروا للابتلاءات التي يجريها الله على خلقه، ولم ينظروا إلى المنة والمنحة والعطاء وإلى آلاء الانتصار، وإلى أن فرعون قد حشد كل السحرة، وبعد ذلك هزمهم موسى، وكان يجب أن يكون تنبيها لهم لقدر عطاءات الله، هم يحسبون أيام البلاء، ولم يحسبوا أيام الرخاء.
    وقوله: * فَيَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ * يدل على أنهم سوف يخونون العهود، ويفعلون الأشياء التي لا تتناسب مع هذه المقدمات. وفي الإِسلام نجد عمرو بن عبيد وقد دخل على المنصور قبل أن يكون أميراً للمؤمنين، وكان أمامه رغيف أو رغيفان، فقال: التمسوا رغيفاً لابن عبيد. فرد عليه العامل: لا نجد. فلما ولي الخلافة وعاش في ثراء الملك ونعمته دخل عليه ابن عبيد وقال: لقد صدق معكم الحق يا أمير المؤمنين في قوله: *...عَسَى رَبُّكُمْ أَن يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الأَرْضِ فَيَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ * [الأعراف: 129]
    وقد قال موسى لقومه بعد أن عايروه بعدم قدرته على رد العذاب عنهم. وهكذا استقبل قوم موسى أول هزيمة لفرعون أمام موسى، وقالوا له: أوذينا من قبل أن تأتينا، ومن بعد ما جئتنا، أي بالتذبيح، واستحياء النساء، وقتل الأبناء، فكأن مجيئك لم يفدنا شيئاً لأننا مقيمون على العذاب الذي كنا نُسامه. فلا حاجة لنا بك، ولا ضرورة في أن تكون موجوداً؛ بدليل أن الذي حدث بعدك هو الذي حدث قبلك.
    ولم يلتفتوا إلى أن الإِيذاء من قبل ومن بعد لا ينشأ إلا من عدو، فكأن موسى يرد عليهم بأن أسباب الإِيذاء ستنتهي، وأن الله سيهلك عدوكم الذي آذاكم من قبل ويؤذيكم من بعد. ولن يقتصر الأمر على هذه النعمة؛ بل يزيدكم بأن يستخلفكم في الأرض، ويعطيكم ملكهم ويعطيكم أرضهم. وكأن هنا أمرين: الأمر الأول سلبي: وهو إهلاك العدو، والأمر الثاني إيجابي: وهو استخلافكم في الأرض وهذا أمر لكم، ووعد من الله بأن تكون لكم السيادة والملك وعليكم أن تنتبهوا إلى أن نعمة الله عليكم بإهلاك عدوكم، وباستخلافكم في الأرض لن تترك هكذا، بل أنا رقيب عليكم أنظر ماذا تفعلون، هل تستقبلون هذه النعم بالشكر وزيادة الإِيمان واليقين والارتباط بالله، أو تكفرون بهذه النعمة؟
    وحين يقول الحق سبحانه وتعالى على لسان موسى * عَسَى * فهي كلمة - كما يقول علماء اللغة - تدل على الرجاء، ومعنى الرجاء أن ما بعدها يكون مرجو الحصول. وهناك فرق بين التمني وبين الرجاء. فالتمني أن تتطلب أمراً مستحيلاً أو يكون في الحصول عليه عسر، ولكنك تريد - فقط - بالتمني إشعار حبك له، فأنت إذا قلت: ليت الشباب يعود، فهذا أمر لا يكون، ولكنك تعلن حبك لمرحلة الشباب.

    وقصارى ما يعطيه أن يعلمنا أنك تحب هذا المتمنَّي. لكن هل يتحقق أو لا يتحقق.. فهذه ليست واردة.
    لكن " الرجاء " شيء محبوب يوشك أن يقع. وهكذا نعرف أن الرجاء أقوى من التمني. وأداة التمني " ليت " وأداة الرجاء " عسى ". وحين يكون بعد " عسى " ما يُرْجَى فلذلك مراحل تتفاوت بقوة أسباب الرجاء في الوقوع. فأنا مثلاً إذا قلت: عسى أن أكرمك فهذا أمر يعود إليّ أنا، لأنَّ إكرامي لك يقتضي بقائي، وعدم تغير نفسي من ناحيتك، فمن الجائز أن تتغير نفسي قبل أن أكرمك ولا يقع إكرامي لك. هذا هو الرجاء من صاحب الأغيار، ومادمت صاحب أغيار فقد لا أقدر على الإِكرام، أو أقدر ولكني لم أعد أحب هذا الأمر فقد انصرفت نفسي عنه، وهذا يفسد الرجاء ويقلل الأمل في حصوله. فإذا قلت لإِنسان: عسى الله أن يكرمك فلان وهو مساويه، فهذا أمر مستبعد قليلاً؛ لأن من يقول ذلك لا يملك أن يقوم فلان بإِكرام المساوي له، لأنه صاحب أغيار.
    لكن إذا قلت: عسى الله أن يكرمك فهذه أقوى، لأن ربنا لا يعجزه شيء عن إكرام إنسان. وهل يقبل الله أن يجيب رجاءك؟ هذه مسألة تحتاج إلى وقفة، فسبحانه من ناحية القوة له مطلق القدرة فلا شيء يعطله أو يستعصي أو يتأبى عليه. فإذا ما قال الحق عن نفسه: * عَسَى رَبُّكُمْ * فقد انتهت المسألة وتقرر الوعد وتحقق، وهذا ما يقال عنه رجاء محقق. إذن مراحل الرجاء هي: عسى أن أكرمك، وعسى أن يكرمك زيد، وعسى الله أن يكرمك، وأقوى ألوان الرجاء أن بعد الحق بالإِكرام أو بالرحمة. * عَسَى رَبُّكُمْ أَن يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ... * [الأعراف: 129]
    والكلام كما نراه هو من موسى، ولا يقدر على هذه المسألة إلا الله، فما موقع هذا من تحقيق الرجاء؟. نعلم أن موسى رسول أرسله الله لهداية الخلق، وأرسله مؤيداً بالمعجزة، فإذا كان الرسول المؤيد بالمعجزة قد أمره الله أن يبلغهم ذلك، فيكون الرجاء منه مقبولاً: * عَسَى رَبُّكُمْ أَن يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ *.
    ومرة تكون إزالة الشيء الضار نعمة بمفردها، أما أن يهلك الله عدوي ويعطيني الحق مكانة عدوي العالية فهذه نعمة إيجاب، تكون بعد نعمة سلب. ومثل هذا ما سوف يحدث يوم القيامة؛ لأن الحق يقول:* فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ... *[آل عمران: 185]
    ومجرد الزحزحة عن النار فضل ونعمة، فما بالك بمن زُحزح عن النار وأدخل الجنة؟. لقد نال نعمتين. وهنا يقول الحق سبحانه: * عَسَى رَبُّكُمْ أَن يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ *. وتلك وحدها نعمة تليها نعمة أخرى هي: * وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الأَرْضِ *.

    لكن ثمن هذه النعم هو أن ينظر ماذا تعملون؟. هل ستشكرون هذه النعم وتكونون عباداً صالحين، أو تجحدونها وتكفرونها؟ فالإِنسان ظلوم كفار.
    وكلمة " ينظر " إذا جاءت على الإِنسان فُهِم المراد منها أي يراك بناظره. وإذا أُسندت لله فالأمر مختلف، فتعالى الله أن تكون له حدقة عين مثل عيوننا. لكنه سبحانه لا يجهل شيئاً لينظره؛ لأنه هو - سبحانه - عالمه قبل أن يقع. ونعلم أن هناك فارقاً بين الحكم على المخلوق بعلم الخالق، وبين الحكم على المخلوق بعمل المخلوق.
    مثال ذلك نجد الأستاذ في مادة ما يعرف مستويات الطلاب الذين يدرسون على يديه. وعميد الكلية يقول له: ما رأيك؟ فيقول فلان تلميذ يستحق النجاح بتقدير مرتفع والثاني لابد أن يرسب. الأستاذ يقول هذا الحكم بناء عن علمه بحال كل طالب. لكن إذا أرسب الأستاذ طالباً بناء على تقديره دون امتحان فالطالب الذي رسب قد يقول لأستاذه: أنت شططت في الحكم؛ ولو مكنتني من الامتحان لنجحت. وحين يقرر العميد امتحان الطالب، ويؤدي الامتحان بالفعل، ولكنه يرسب. هنا يتأكد للعميد أن الحكم برسوب طالب قد عرفه الأستاذ أولاً ثم تلا ذلك إخفاق الطالب في الامتحان.
    إن الله سبحانه حين يقول: * فَيَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ *. هو سبحانه لا ينظرها ليعلمها - حاشا الله - فهو عالمها، ولكنه لا يريد أن يحكم بعلمه على خلقه. ولكن يريد أن يحكم على خلقه بفعل خلقه، وسبحانه عالم أزلاً بكل من يهدي ومن يضل. ولذلك خلق الجنة وخلق النار لتسع كل منهما كل الخلق، ولم يخلق أماكن في الجنة على قدر من سوف يدخلونها فقط، وكذلك لم يخلق أماكن في النار لا تسع فقط أهل النار، بل يمكنها أن تسع كل الخق، ولم يحكم بعلمه في هذه المسألة، بل يترك الحكم الأخير لواقع الأشياء مادام هناك اختيار للإِنسان، فعلى فرض أنكم جميعاً آمنتم فلكم كلكم أماكن في الجنة. وعلى فرض أنكم - والعياذ بالله - كفرتم فلكم أماكن في النار، وسبحانه لن ينشئ شيئاً جديداً، بل أعد كل شيء وانتهى الأمر.
    وحين يأتي أهل الجنة ليدخلوا الجنة، وأهل النار ليدخلوا النار سوف يكون لأهل الجنة مقاعد أخرى كانت مخصصة لمن دخلوا النار. ويعلن لأهل الجنة: أورثتموها وخذوها أنتم:* وَنُودُواْ أَن تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا... *[الأعراف: 43]
    وهي ميراث من الذين كانت معدة لهم ولم يقوموا بالعمل المؤهل لامتلاكها. فإياك أن تفهم أن نظر الله إلى خلقه ليعلم منه شيئاً. لا. أنَّه العليم أزلاً.
    ولذلك يقول الحق سبحانه وتعالى:* وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ... *[الحديد: 25]
    وسبحانه يعلم أزلاً ويتحقق بسلوك الناس علمهم بأفعالهم واقعاً، وعلم الواقع هو الذي يكون حجة على الخلق. وهنا في الآية التي نحن بصددها ثلاثة أشياء: أن يهلك سبحانه عدوكم، وأن يستخلفكم في الأرض، فينظر كيف تعملون. ونحقق فيما تحقق منهما.
    وجاء سبحانه في مقدمة الإِهلاك، فقال: * وَلَقَدْ أَخَذْنَآ آلَ فِرْعَونَ بِالسِّنِينَ... *
    وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ (130)

    وهكذا نرى أن الإِهلاك لم يحدث دفعة واحدة، بل على مراحل لعلهم إذا أصابتهم شدة يضرعون إلى الله.
    نحن نعلم أن السنة هي العام.. أي من مدة إلى نهاية مدة مثلها، لكنها تطلق - أيضاً - على الجدب والقحط. ولذلك يقول الرسول صلى الله عليه وسلم في دعائه على قومه:
    " اللهم اجعلها عليهم سنين كسني يوسف "
    أي أن ينزل بهم سبحانه بعضاً من الجدب ليتأدبوا قليلاً.
    ويقال: " أسنت القوم " أي أصابهم قحط وجدب. إذن فالسنة المراد منها هنا القحط والجدب.
    ولماذا سماها سنة؟ لأن نعم الله متوالية كثيرة، وابتلاءاته لخلقه بالشرِّ قليلة في الكون، وسبحانه ينعم عليهم مدة طويلة ثم يبتليهم في لحظة، فإذا ما ابتلاهم في وقت يؤرخ به، ويقال حدث الابتلاء سنة كذا, فيقال: سنة الجراد، سنة حريق القاهرة، وهكذا نجد الناس تؤرخ بالأحداث المفجعة؛ لأن الأحداث السارة عادة تكون أكثر من الأحداث السيئة. ولذلك قلنا إن الذي يعد أيام البلاء عليه أن يقارنها بأيام الرخاء، وعلى الواحد منا أن ينظر إلى أيام السنة التي عاشها، إن جاء له يوم بلاء حزن نقل له: وكم مرة عشت ونعمت بالرخاء؟ ونجد أن أيام الرخاء هي أكثر من أيام البلاء: * وَلَقَدْ أَخَذْنَآ آلَ فِرْعَونَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِّن الثَّمَرَاتِ *.
    وعرفنا أن السنين - كما قلنا - تعني الجدب والقحط، أما قوله سبحانه: * وَنَقْصٍ مِّن الثَّمَرَاتِ * فهو يدل على أن بعضاً من الثمار كان موجوداً، أو كان الجدب والقحط في البادية، أما " نقص الثمرات " فكان في الحضر، ويقال: إن النخلة الواحدة في الحضر كانت لا تطرح في السنة إلا بلحة واحدة. ولماذا هذه البلحة؟ لأن أسباب رحمته سبحانه يجب أن تبقى في خلقه، ولو أن النخل كله لم يطرح ولا بلحة واحدة لا نقطع نسل النخيل؛ لذلك يُبقي الله أسباب رحمته لنا.
    إننا نرى في واقعنا مهما حاولوا أن يستزرعوا فواكهه بدون بذور بواسطة التقدم العلمي المعاصر، نجد ثمرة وقد شذت وفيها بذرة، لماذا؟ يقال لنا لاستبقاء النوع، فلو خرجت كل الثمار بلا بذور ثم أكلناها جميعها فكيف نزرع محصولاً جديداً؟ ولذلك قلنا من قبل إن الحق سبحانه وتعالى من رحمته بالخلق في استبقائه للنعم ومقومات الحياة لم يجعل الثمار حلوة تستساغ إلا بعد أن تَنْضج بذرتها، فأنت حين تفتح البطيخة إن كان بذرها أبيض تجد طعمها لا يستساغ وترميها. لكن حين يسودَّ بذرها ويكون صالحاً لأن تعيد زراعته، هنا تكون ثمرة البطيخة ناضجة وحلوة الطعم. وبذلك يوضح لك الحق أن الثمار لن تصير مقبولة ومستساغة إلا بعد أن تنضج بذرتها لتكون صالحة لاستنباتها من جديد، وفي هذا استبقاء للرحمة، وحتى مع العاصين نجده سبحانه يستبقي الرحمة معهم.

    * وَلَقَدْ أَخَذْنَآ آلَ فِرْعَونَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِّن الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ * [الأعراف: 130]
    وقوله: * لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ * يعني أن على الإِنسان أن يتذكر أنه الخليفة في الأرض وأنه غير أصيل في الكون حتى يظل العالم مستقيماً. لكن الذي يفسد العالم أن الإِنسان حينما تستجيب له أسباب الحياة، وسننها الكونية ويحرث ويبذر ويطلع الزرع، ويشعل النار ويستخرج المياه من الآبار ينسى أن كل ذلك " أسباب " ولا يتذكر المُسبِّب إلا حينما تمتنع عليه الأسباب.
    والمثال في حياتنا اليومية أن الإِنسان منا إذا جاء ليفتح صنبور المياه في البيت فلم يجد ماءً فيتجه أول ما يتجه إلى محبس المياه الذي يتحكم في مياه المنزل ويرى هل به خلل أو سدد، وإن وجده سليماً، يبحث هل أنبوبة وماسورة المياه الرئيسية مكسورة أو لا؟ وإن كانت ماسورة المياه سليمة فهو يبحث عن الخلل في آلة رفع المياه، ويظل يبحث في الأسباب الكثيرة، وقديماً لم تكن المياه تأتي إلا من الآبار وعندما لا يوجد في البئر ماء يقول العبد: يا رب اسقني. والحضارة الآن أبعدتنا بالأسباب عن المسبِّب.
    والحق قد أخذ قوم فرعون بالسنين ونقص الثمرات لينفض أيديهم من أسبابها، فإذا نفضت اليد من الأسباب لم يبق إلا أن يلتفتوا إلى المسبِّب ويقولون: " يا رب " ويقول القرآن عن الإِنسان:* وَإِذَا مَسَّ الإِنسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنبِهِ أَوْ قَاعِداً أَوْ قَآئِماً... *[يونس: 12]
    إذن فالإِنسان يذكر المسبِّب حين تمتنع عنه الأسباب، لأنها مقومات الحياة، فإذا امتنعت مقومات الحياة يقول الإِنسان: يا رب، وهكذا كان ابتلاء الله لقوم فرعون بأخذهم بالسنين ونقص الثمرات ليذكروا خالقهم.
    ويقول الحق بعد ذلك: * فَإِذَا جَآءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قَالُواْ... *
    فَإِذَا جَاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قَالُوا لَنَا هَذِهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَلَا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (131)

    والحسنة إذا أطلقت فهي الأمر الذي يأتي من ورائه الخير. ولكن الحسنة مرة تكون لك، ومرة تُطْلَب منك، فالحسنة التي لك في ذاتك أولاً أن تكون في عافية وسلام، ثم الحسنة في مقومات الذات ومقومات الحياة، وهي في النبات، والحيوان، والخصب والثروة. والحسنة المطلوبة منك هي أيضاً لك. فسبحانه يطلب منك عمل شيء يورِّثك في الآخرة حسنة، ولذلك يقول سبحانه:* مَن جَآءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا... *[الأنعام: 160]
    وهذه هي الحسنة التي تعطي الإِنسان خيراً فيما بعد. إذن فالحسنة التي في ذاتك من عافية وسلامة أو في مقومات الذات من ثمرات وحيوانات وخصب وأعشاب وثراء فكلها موقوتة بزمن موقوت هو الدنيا. والحسنة الثانية غير محدودة لأن زمنها غير محدود. فأي الحسنات أرجح وأفضل بالنسبة للإِنسان؟. إنها حسنة الآخرة.
    وقوله الحق: * فَإِذَا جَآءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ * أي جاء لهم قدر من الخصب والثمار وغير ذلك من الرزق يقولون: " لنا هذه " أي أننا نستحقها؛ فواحد يقول: أنا أستحقها لأنني رتبت لها وأتقنت الزراعة والحصاد مثلما قال قارون:* إِنَّمَآ أُوتِيتُهُ عَلَىٰعِلْمٍ عِندِي... *[القصص: 78]
    وأجرى عليه الحق التجربة، فمادام يدعي أنه جاء بالمال على علم من عنده فليجعل العلم الذي عنده يحافظ له على المال أو يحافظ له على ذاته. وهم قالوا عن الحسنات التي يهبها الله لهم: " قالوا لنا هذه " أي نستحقها، لأننا قدمنا مقدمات تعطينا هذه النتائج. وجرت العادة قديماً بأن يفيض النيل كل سنة يغمر الأرض، ثم يبذرون الحب وينتظرون الثمار. فإن جاءت لهم سيئة مثل أخذهم الله لهم بالسنين ينسبون ذلك لموسى. *...وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُواْ بِمُوسَى وَمَن مَّعَهُ أَلا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِندَ اللَّهِ وَلَـاكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ * [ الأعراف: 131]
    فإذا ما جاءتهم سيئة يطَّيَّرون أي يتشاءمون لأن الطيرة هي التشاؤم، وضده التفاؤل، ويقال: " فلان طائره نحس " ، و " فلان طائره يمن وسعد ". وقديماً حينما كانوا يريدون طلب مسألة ما، يأتون بطير ويضعه صاحب المسألة على يده ويزجره ويثيره، فإن طار يميناً فهذا فأل حسن، وإن طار يساراً فهذا فأل سيئ، والحق هنا يوضح: لا تظلموا موسى، لأن شؤمكم أو حظكم السيئ ليس من موسى؛ لأن موسى لا يملك في كون الله شيئاً، وإنما المالك للكون هو رب موسى. وكأن الحق يريدهم أيضاً ألا يفتنوا في موسى إن صنع شيئاً يأتي لهم بخير، وهنا يقول لهم لا تتطيروا بموسى، لأن طائركم من عند الله.
    ولأن أحداث الحياة صنفان: حدث لك فيه مدخل، مثل التلميذ الذي لم يذاكر ويرسب، أو إنسان لا يحسن قيادة سيارته فقادها فعطبت به أو أصاب أحداً إصابة خطيرة، وهنا لا غريم لهذا الإِنسان، بل هو غريم نفسه.
    كلمتان خفيفتان على اللسان .. ثقيلتان في الميزان .. حبيبتان إلى الرحمن

    سبحان الله وبحمده .. سبحان الله العظيم

  3. #23
    Super Moderator
    رقم العضوية : 2
    تاريخ التسجيل : Jun 2016
    المشاركات: 3,273
    التقييم: 10
    الدولة : الأردن
    العمل : طالب علم
    وهناك شيء يقع عليك، واسمه حدث قهري، فالإِنسان في الأحداث بين أمرين اثنين: إما مصيبة دخلت عليه من ذات نفسه لتقصيره في شيء. وإمَّا أحداث قدرية تنزل بالإِنسان ونقول إنها من عند الله لحكمة لا يعرفها الإِنسان؛ لأن الإِنسان ينظر إلى سطحيات الأشياء، وإلى عاجل الأمر فيها، ولكنه لا ينظر إلى عاقبة الأمر. ولهذا تحدث له بعض من الأحداث ليس له فيها مدخل.
    مثال ذلك: أن يكون للإِنسان ابن نجيب وذكي وترتيبه دائماً من العشرة الأوئل، ثم جاء في ليلة الامتحان أو في يوم الامتحان وأصابه صداع جعله لا يعرف كيف يجيب عن أسئلة الامتحان ورسب، وهذه مصيبة ليس له مدخل فيها.
    وعادة ما يحزن الناس من مثل هذه المصائب لكن المؤمن يقول: إن الولد لم يقصر، وهذا أمر جاء من الله، وسبحانه منزه عن العبث، بل حكيم ولابد أن له حكمة في مثل هذه الأمور. وبعد مدة تتبين الحكمة، فلو كان الولد قد نجح لأصابته عين الحسود. وحدث له ما يكره، فكأن الله يصنع له تميمة يحميه بها من الحسد. وقديماً حين كانوا يصنعون للطفل الجميل " فاسوخة " ، ولا يهتمون بنظافته ولا بملابسه، لماذا؟ يقال حتى لا تتجه إليه عين العائن الحاسد.
    وأقول: وما الذي يدرك أن الله سبحانه وتعالى صنع الحادث الطارئ ليرد عنه العين، ويُسكت الناس عنه؟ وما الذي يدريك أن الله أراد له أن يرسب هذا العام لأنه لم يكن يستطيع الحصول على المجموع الذي يدخله الكلية التي يريدها، ثم يستذكر في العام التالي وتكون المذاكرة سهلة بالنسبة له، ونقول له: احمد ربك على أنك لم تنجح في العام السابق وأن الله أراد بك خيراً.. لتبذل جهداً وتنجح وتنال المجموع الذي أردته لنفسك.
    إذن فالمقادير التي تجري على الناس بدون دخل لهم فيها، فلله فيها حكمة، وهنا يقال: * طَائِرُهُمْ عِندَ اللَّهِ * ، أما إن كان للإِِنسان دخل فيما يجري له فيقال: طائرك من عندك أنت وشؤمك من نفسك وعصيانك. * فَإِذَا جَآءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قَالُواْ لَنَا هَـاذِهِ وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُواْ بِمُوسَى وَمَن مَّعَهُ أَلا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِندَ اللَّهِ وَلَـاكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ * [الأعراف: 131]
    ألم يتطير اليهود في المدينة برسول الله صلى الله عليه وسلم حينما قالوا: قلت الأمطار وارتفعت الأسعار من شؤم مجيء هذا الرجل، ولم يتفهموا حكم الله. لقد كانوا سادة في الجزيرة؛ لأنهم أهل علم بالكتاب وسيطروا على حركة السوق التجارية، وتعاملوا في الربا وتجارة السلاح وكان عندهم الحصون، والأسلحة، وأراد الله أن يشغلهم بأخذ شيء من أسبابهم ويهد كيانهم ليلفتهم إلى أنهم خرجوا عن المنهج إلى أن هناك رسولاً قد جاء بعودة إلى المنهج.
    وقوله الحق: * وَلَـاكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ * يفيد أن هناك قلة تعلم. فما موقف هذه القلة، ولماذا لم يرفضوا موقف الكثرة؟. كان موقفهم هو الصمت خوفاً من الطغيان؛ لأن الطاغية أجبرهم وقهرهم وجعلهم يسكتون ولا يعترضون على باطل، ونرى في حياتنا كثيراً من الناس يعلمون الزور ويعلمون الطغيان ولكنهم لا يتكلمون.
    ويقول الحق بعد ذلك: * وَقَالُواْ مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِ مِن آيَةٍ... *
    وَقَالُوا مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِ مِنْ آيَةٍ لِتَسْحَرَنَا بِهَا فَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ (132)

    أي وقال قوم فرعون لموسى عليه السلام: أي شيء تأتينا به من المعجزات لتصرفنا عما نحن فلن نؤمن لك، وسموا ما جاء به موسى " آية " استهزاء منهم وسخرية. وكل هذه مقدمات تبرز الإِهلاك الذي قال الله فيه:* عَسَى رَبُّكُمْ أَن يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ... *[الأعراف: 129]
    وأعلنوا أن ما جاء به موسى هو سحر على الرغم من أنهم رأوا السحرة الذين برعوا في السحر وعرفوا طرائقه وبذّوا فيه سواهم قد خروا ساجدين وآمنوا، كيف يحدث هذا والسحرة كلهم جُمِعوا إلى وقت معلوم؟ وشهد كل الناس التجربة الواقعية التي ابتلعت فيها عصا موسى كل سحر السحرة فآمنوا وسجدوا، فكيف يتأتى لمن لا يعرفون السحر أن يتهموا موسى بالسحر؟ وكيف يظنون أن ما يأتي به من آيات الله هو لون من السحر؟. إنهم يقولون كلمة " مهما " وهي تدل على استمرارية العناد في نفوسهم مثلما يقول واحد لآخر: لقد صممت على ألا أقبل كلامك، فيكرر الرجل: انتظر لتسمع حجتي الثانية فقد تقنعك، فيقول: مهما تأتني من حجج فلن أسمع لك، وهذا يعني استمرارية العناد والجحود والتمرد ويقدمون حيثيات هذا الجحود فيقولون: * وَقَالُواْ مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِ مِن آيَةٍ لِّتَسْحَرَنَا بِهَا فَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ * [الأعراف: 132]
    وإذا كانوا يظنون أن آيات الله التي مع موسى من السحر، فهل للمسحور إرادة مع الساحر؟. لو كانت المسألة سحراً لسحركم وانتهى الأمر. وقلنا قديماً في الرد على الذين قالوا: إن محمداً يسحر ليؤمنوا به، قلنا إذا كان هو قد سحر الناس ليؤمنوا به، فلماذا لم يسحركم لتؤمنوا وتنفض المسألة؟ إن بقاءكم على العناد دليل على أنه لا يملك شيئاً من أمر السحر.
    وأنت ساعة تسمع كلمة " مهما " تعرف أن هناك شرطاً، وله جواب، ويقول العلماء: إن أصلها " مه " أي كُفّ عن أن تأتينا بأية آية فلن نصدقك. وهذا يعني أن هناك إصرار وعناداً على عدم الإِيمان.
    ويبين الحق عقابه لهم على ذلك: * فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ... *
    فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ آيَاتٍ مُفَصَّلَاتٍ فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ (133)

    وكلمة " الطوفان " يراد بها طغيان ماء، والماء - كما نعلم - هو سبب الحياة، وقد يجعله الله سبباً للدمار حتى لا تفهم أن المسائل بذاتيتها، بل بتوجيهات القادر عليها، وعندما ننظر إلى الطوفان الذي أغرق من قبل قوم نوح، ولم ينج أحد إلا من ركب مع نوح في السفينة؛ وهنا مع قوم موسى لا توجد سفينة، لأن الله يريد أن يؤكد لهم العقاب على طغيانهم. وإذا كان الطوفان قد أصاب آل فرعون ومعهم بنو إسرائيل لدرجة أن الواحد منهم كانت المياه تبلغ التراقي فيبقى واقفاً لأنه لو جلس يموت، ويظل هكذا، وأمطرت عليهم السماء سبعة أيام، لا يعرفون فيها الليل من النهار ويرون أمامهم بيوت بني إسرائيل لا تلمسها المياه، وهذه معجزة واضحة، لقد عمّ الطوفان وأراد الحق أن ينجي بني إسرائيل منه دون حيلة منهم حتى لا يقال آية كونية جاءت على هيئة طوفان وانتهت المسألة، لكن الطوفان جاء لبيوتهم ولم يلمس بني إسرائيل.
    وقال الرواة: إن الطوفان دخل على فرعون حتى صرخ واستنجد بموسى، وقال له: كف عنا هذا ونؤمن بما جئت به، ودعا موسى ربه فكف عنهم الطوفان. لكنهم عادوا إلى الكفر.
    وجعل الله من آياته لمحات، وإشارات، بدأت بالطوفان، وحين يوضح ربنا: أنا عذبت بالطوفان قوم نوح، وقوم فرعون، فهو يعطينا ملامح تشعرنا بصدق القضية، فيهبط السيل في أي بلد ويهدم الديار ويغرق الزرع والحيوانات، لنرى صورة كونية، وكذلك الجراد يرسله الله على فترات فيهبط في أي وقت من الأوقات، ونقيم الحملات لمكافحته، وهذا دليل على صدق الأشياء التي حكى الله عنها، فلو لم يوجد جراد ولا طوفان لكنا عرضة ألا نصدق. وابتلاهم الله بالقمل كذلك.
    * وَالْقُمَّلَ * هو غير القَمْل. فالقَمْل هو الآفة التي تصيب الإِنسان في بدنه وثيابه وتنشأ من قذارة الثياب، أما القُمَّل فقيل هو السوس الذي يصيب الحبوب، ومفردها قُمَّلَة، وقيل هو ما نسميه بالقراد، وقيل هو الحشرات التي تهلك النبات والحرث، وحين نراه نفزع ونبحث عن تخليص الزرع منه باليد والمبيدات، وكل ذلك من تنبيهات الحق للخلق، وهي مجرد تنبيه وإرشاد ولَفْتٌ للالتفات إلى الحق.
    وكذلك يرسل الله عليهم * والضَّفَادِعَ * ، وعندما يضع أي إنسان منهم يده في شيء يجد فيها الضفادع؛ فإناء الطعام يرفع عنه الغطاء فترى فيه الضفادع، والمياه التي يشربها يجد فيها الضفادع!! وإن فتح فمه تدخل ضفدعة في الفم!!. فهي آية ومعجزة، وكذلك * والدَّمَ * ، فكان كل شيء ينقلب لهم دماً.
    ويقال: إن امرأة من قوم فرعون أرادت أن تشرب ماء، فذهبت إلى امرأة من بني إسرائيل وقالت لها: خذي الماء في فمك ومُجيه في فمي، كأنها تريد أن تحتال على ربنا وتأخذ مياها من غير دم، فينتقل من فم الإسرائيلية وهو ماء، فإذا ما دخل فم المرأة التي هي من قوم فرعون صار دماً.

    * فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ آيَاتٍ مّفَصَّلاَتٍ... * [الأعراف: 133]
    وقوله سبحانه: * مُّفَصَّلاَتٍ * أي لم يأت بها جل وعلا كلها مجتمعة مع بعضها البعض لتفزعهم دفعة واحدة وتختبرهم أيعلنون الإِيمان أم لا؟ بل جاء سبحانه بكل آية مُفصلة عن الآخرى؛ فلا توجد آية مع آية أخرى في وقت واحد، أو جاء بها علامات واضحات فيها مواعظ وعبر، مما يدل على موالاة الإِنذارات للرغبة في أن يَذّكروا، وأن يرتدعوا، فلو اذكروا وارتدعوا من آية واحدة يكف عنهم سبحانه البأس.
    وأرسل سبحانه الآيات وهي: طوفان، جراد، قمل، ضفادع، دم، هذه آيات خمس في هذه آيات خمس في هذه الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها، ومن قبل قال الحق إنه أخذهم بالسنين، وكذلك نقص الثمرات، فأصبحت الآيات سبعاً، ومن قبل كانت عصا موسى التي كانت تلقف ما صنعه السحرة فصارت ثماني آيات، وكذلك " اليد البيضاء " التي أراها موسى لفرعون وملئه فيصبح العدد تسع آيات، إذن فالآيات بترتيبها هي: العصا، واليد، والأخذ بالسنين، ونقص الثمرات، والطوفان، والجراد، والقمل، والضفادع، والدم.
    والآيات المفصلات.. هي عجائب؛ كل منها عجيبة يسلطها الله على مَن يريد إذلاله، ويبتلي الله بها نوعا من الناس ولا يبتلي بها قوماً آخرين. فماذا كان موقفهم من الآيات العجائب؟ نجد الحق يذيل الآية: * فَاسْتَكْبَرُواْ وَكَانُواْ قَوْماً مُّجْرِمِينَ *. إنهم لم يؤمنوا، بل تكبروا وأجرموا في حق أنفسهم وقطعوا ما بينهم وبين الإِيمان.
    ويقول الحق بعد ذلك: * وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ... *
    وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ قَالُوا يَا مُوسَى ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِنْدَكَ لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إِسْرَائِيلَ (134)

    هم إذن بعد أن استكبروا وكانوا قوماً مجرمين، وتوالت عليهم الأحداث، والرجز هو الأمور المفزعة وما نزل بهم من العذاب، وهنا ذهبوا إلى موسى ليسألوه أن يدعو الله ليكشف ويرفع عنهم ما نزل بهم من العقاب. إذن فهم آمنوا بأن موسى مرسل من رب، وهم قد فهموا أن الرجز الذي عاشوا فيه لن يرتفع إلا من ذلك الرب. وهذا ينقض ربوبية إلههم فرعون، لأنه لو كانت ربوبية فرعون في عقيدتهم لذهبوا إليه ولم يذهبوا إلى عدوهم موسى ليسألوه أن يدعو لهم الله. ومن هنا نأخذ أكثر من قضية عقدية هي أولاً: أن ألوهية فرعون باطلة، وثانياً: أن موسى مقبولْ الدعاء عند ربه، وثالثاً: أنه إن لم يكشف ربه هذا العذاب فسيستمر هذا العذاب، وكل هذه مقدمات تعطي الإِيمان بالله. *... قَالُواْ يامُوسَى ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِندَكَ لَئِن كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إِسْرَآئِيلَ * [الأعراف: 134]
    أي ادع ربّك بما أعطاك الله من العهد أن ينصرك لأنك رسوله المؤيَّد بمعجزاته وهو لن يتخلى عنك. ادع الله أن يرفع عنا العذاب والله لئن رفعت وكشفت عنا ما نحن فيه من العذاب لنؤمنن بك ولنصدقن ما جئت به ولنرسلن ونطلقن معك بني إسرائيل، وقد كانوا يستخدمونهم في أحط وأرذل الأعمال، ولكنهم في كل مرة بعد أن يكشف الحق عنهم العذاب يعودون إلى نقض العهد بدليل قوله سبحانه عنهم: * فَلَماَّ كَشَفْنَا عَنْهُمُ الرِّجْزَ... *
    فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الرِّجْزَ إِلَى أَجَلٍ هُمْ بَالِغُوهُ إِذَا هُمْ يَنْكُثُونَ (135)

    فكأن لهم مع كل آية نقضاً للعهد، وانظر الفرق بين العبارتين: بين قوله الحق: * فَلَماَّ كَشَفْنَا عَنْهُمُ الرِّجْزَ إِلَى أَجَلٍ هُم بَالِغُوهُ إِذَا هُمْ يَنكُثُونَ * وبين قوله السابق: * ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِندَكَ لَئِن كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ * ، فمن إذن يكتشف الرجز؟ إن الكشف هنا منسوب إلى الله، وكل كشف للرجز له مدة يعرفها الحق، فهو القائل: * إلَى أَجَلٍ هُم بَالِغُوهُ إِذَا هُمْ يَنكُثُونَ *.
    والنكث هو نقض العهد.
    ويتابع سبحانه: * فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ... *
    فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ (136)

    ويوضح هنا سبحانه أنه مادام قد أخذهم بالعقاب في ذواتهم، وفي مقومات حياتهم، وفي معكرات صفوهم لم يبق إلا أن يهلكوا؛ لأنه لا فائدة منهم؛ لذلك جاء الأمر بإغراقهم، لا عن جبروت قدرة، بل عن عدالة تقدير؛ لأنهم كذبوا بالآيات وأقاموا على كفرهم. ويلاحظ هنا أن أهم ما في القضية وهو الإِغراق قد ذكر على هيئة الإِيجاز، وهو الحادث الذي جاء في سورة أخرى بالتفصيل، فالحق سبحانه يقول:* وَأَوْحَيْنَآ إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي إِنَّكُم مّتَّبَعُونَ *[الشعراء: 52]
    ولم يأت الحق هنا بتفاصيل قصة الإِغراق؛ لأن كل آية في القرآن تعالج موقفاً، وتعالج لقطة من اللقطات؛ لأن القصة تأتي بإجمال في موضع وبإطناب في موضع آخر، وهنا يأتي موقف الإِغراق بإجمال: * فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ *.
    وكلمة * فَأَغْرَقْنَاهُمْ * لها قصة طويلة معروفة ومعروضة عرضاً آخر في سورة أخرى، فحين خرج موسى وبنو إسرائيل من مصر خرج وراءهم فرعون، وحين رأى بنو إسرائيل ذلك قالوا بمنطق الأحداث: * إِنَّا لَمُدْرَكُونَ *. مدركون من فرعون وقومه لأن أمامهم البحر وليس عندهم وسيلة لركوب البحر. لكن موسى المرسل من الله علم أن الله لن يخذله؛ لأنه يريد أن يتم نعمة الهداية على يديه، كان موسى عليه السلام ممتلئاً باليقين والثقة لذلك قال بملء فيه:* كَلاَّ إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ *[الشعراء: 62]
    هو يقول: " كلا " أي لن يدركوكم لا بأسبابه، بل أسباب من أرسله بدليل أنه جاء بحيثيتها معها وقال: * إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ *. لقد تكلم بمنطق المؤمن الذي أوى إلى ركن شديد، وأن المسائل لا يمكن أن تنتهي عند هذا الوضع؛ لأنه لم يؤد المهمة بكاملها، لذلك قال: " كلا " يملء فيه، مع أن الأسباب مقطوع بها. فالبحر أمامهم والعدو من خلفهم، وأتبع ذلك بقوله: * إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ * بالحفظ والنصرة.. أي أن الأسباب التي سبق أن أرسلها معي الله فوق نطاق أسباب البشر، فالعصا سبق أن نصره الله بها على السحرة، وهي العصا نفسها التي أوحى له سبحانه باستعمالها في هذه الحالة العصيبة قائلاً له:* اضْرِب بِّعَصَاكَ الْبَحْرَ... *[الشعراء: 63]
    ونعرف أن البحر وعاء للماء، وأول قانون للماء هو السيولة التي تعينه على الاستطراق، ولو لم يكن الماء سائلاً، وبه جمود وغلظة لصار قطعاً غير متساوية، ولكن الذي يعينه على الاستطراق هو حالة السيولة، ولذلك حين نريد أن نضبط دقة استواء أي سطح نلجأ إلى ميزان الماء.
    وقال الحق سبحانه لموسى عليه السلام:* اضْرِب بِّعَصَاكَ الْبَحْرَ *[الشعراء: 63]
    وحين ضرب موسى بعصاه البحر امتنع عن الماء قانون السيولة وفقد قانون الاستطراق، ويصور الله هذا الأمر لنا تصويراً دقيقاً فيقول: * فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ *.

    أي صار كل جزء منه كالطود وهو الجبل، ونجد في الجبل الصلابة، وهكذا فقد الماء السيولة وصار كل فرق كالجبل الواقف، ولا يقدر على ذلك إلا الخالق، لأن السيولة والاستطراق سنة كونية، والذي خلق هذه السنة الكونية هو الذي يستطيع أن يبطلها. وحين سار موسى وقومه في اليابس، وقطع الجميع الطريق الموجود في البحر سار خلفهم فرعون وجنوده وأراد موسى أن يضرب البحر بعصاه ليعود إلى السيولة وإلى الاستطراق حتى لا يتبعه فرعون وجنوده، وهذا تفكير بشري أيضاً، ويأتي لموسى أمر من الله:* وَاتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْواً... *[الدخان: 24]
    أي اترك البحر ساكناً على هيئته التي هو عليها ليدخله فرعون وقومه، إنه سبحانه لا يريد للماء أن يعود إلى السيولة والاستطراق حتى يُغري الطريق اليابس فرعون وقومه فيأتوا وراءكم ليلحقوا بكم، فإذا ما دخلوا واستوعبهم اليابس؛ أعدنا سيولة الماء واستطراقه فيغرقون؛ ليثبت الحق أنه ينجي ويهلك بالشيء الواحد، وكل ذلك يجمله الحق هنا في قوله: * فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ *. و " اليم " هو المكان الذي يوجد به مياه عميقة، ويطلق مرة على المالح، ومرة على العذب، فمثلاً في قصة أم موسى، يقول الحق:* وَأَوْحَيْنَآ إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي اليَمِّ... *[القصص: 7]
    وكان المقصود باليم هناك النيل، لكن المقصود به هنا في سورة الأعراف هو البحر. ويأتي سبب الإِغراق في قوله: * بِأَنَّهُمْ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا وَكَانُواْ عَنْهَا غَافِلِينَ *.
    كيف إذن يعذبهم ويغرقهم نتيجة الغفلة، ونعلم أن الغفلة ليس لها حساب؟ بدليل أن الصائم قد يغفل ويأكل ويصح صيامه. ويقال إن ربنا أعطى له وجبة تغذيه بالطعام وحسب له الصيام لأنه غافل. لكن هنا يختلف أمر الغفلة؛ فالمراد بـ " غافلين " هنا أنهم قد كانوا قد كذبوا بآيات الله ثم أعرضوا إعراضاً لا يكون إلا عن غافل عن الله وعن منهجه، ولو أنهم كانوا عباداً مستحضرين لمنهج الله لما صح أن يغفلوا، وهذا القول يحقق ما سبق ان قاله سبحانه:* عَسَى رَبُّكُمْ أَن يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ... *[الأعراف: 129]
    ثم يأتي بعد ذلك القول الذي يحقق ما سبق أن قاله سبحانه:* وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الأَرْضِ فَيَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ *[الأعراف: 129]
    ويقول الحق تأكيداً لذلك: * وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ... *
    وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُوا وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ (137)

    أي صارت مصر والشام تحت إمرة بني إسرائيل، وهي الأرض التي باركها الله، بالخصب، وبالنماء، بالزروع، بالثمار، بالحيوانات، وبكل شيء من مقومات الحياة، وترف الحياة: * وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَآئِيلَ بِمَا صَبَرُواْ *.
    * وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ * أي استمرت عليهم الكلمة وتم وعد الله الصادق بالتمكين لبني إسرائيل في الأرض ونصره إياهم على عدوهم، واكتملت النعمة؛ لأن الله أهلك عدوهم وأورثهم الأرض، وتحققت كلمته سبحانه التي جاءت على لسان موسى:* ...وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الأَرْضِ فَيَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ *[الأعراف: 129]
    هكذا تمت كلمة الله بقوله سبحانه: * وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُواْ يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا * [الأعراف: 137]
    ونعلم أن كلمة * مَشَارِقَ الأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا * تقال بالنسبيات؛ فليس هناك مكان اسمه مشرق وآخر اسمه مغرب، لكن هذه اتجاهات نسبية؛ فيقال هذا مشرق بالنسبة لمكان ما، وكذلك يقال له " مغرب " بالنسبة لمكان آخر. وحين ينتقل الإِنسان إلى مكان آخر يوجد مشرق آخر ومغرب آخر. وعلى سبيل المثال نجد من يسكن في الهند واليابان يعلمون أن منطقة الشرق الأوسط بالنسبة لهم مغرب، ومن يسكنون أوروبا يعرفون أن الشرق الأوسط بالنسبة لهم مشرق.
    وقلنا من قبل: إن الحق حين جاء " بالمشرق والمغرب " بصيغة الجمع كما هنا فذلك إنما يدل على أن لكل مكان مشرقاً، ولكل مكان مغرباً؛ فإذا غربت الشمس في مكان فهي تشرق في مكان آخر. وفي رمضان نجد الشمس تغرب في القاهرة قبل الإسكندرية بدقائق.
    ونعلم أن سبب هذه الدورة إنما هو ليبقى ذكر الله بكل مطلوبات الله في كل أوقات الله، مثال ذلك حين نصلى نحن صلاة الفجر نجد أناساً يصلون في اللحظة نفسها صلاة الظهر، ونجد آخرين يصلون صلاة العصر، وقوماً غيرهم يصلون صلاة المغرب، وغيرهم يصلي صلاة العشاء. وبذلك تحقق إرادة الله في أن هناك عبادة في كل وقت وفي كل لحظة، فحين يؤذن مسلم قائلاً " الله أكبر " لينادي لصلاة الفجر، هناك مسلم آخر يقول: " الله أكبر " مناديًّا لصلاة الظهر أو العصر أو المغرب أو العشاء، وهذا هو الاختلاف في المطالع أراد به سبحانه أن يظل اسمه مذكوراً على كل لسان في كل مكان لتعلو " الله أكبر، الله أكبر " في كل مكان.
    وأنت إذا حسبت الزمن بأقل من الثانية تجد أن كون الله لا يخلو من " لا إله إلا الله " أبداً: * وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ الْحُسْنَى *. ونعلم أن كلمة " الحسنى " وصف للمؤنث، و " كلمة " مؤنثة، والكلمة هي قوله الحق:* وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُواْ فِي الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ *[القصص: 5]
    لقد قال الحق القصة بإيجاز، وهذه هي التي قالها ربنا وهي كلمة " الحسنى " لأنه سبحانه لم يعط لهم نعمة معاصرة لنعمة العدو، بل نعمة على أنقاض العدو، فهي نعمة تضم إهلاك عدوهم، ثم أعطاهم بعد ذلك أن جعلهم أئمة وهداة وورثهم الأرض: * وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَآئِيلَ بِمَا صَبَرُواْ *.

    وهم بالفعل قد صبروا على الإِيذاء الذي نالوه وذكره سبحانه من قبل حين قال:* يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنَآءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَآءَكُمْ... *[البقرة: 49]
    وجاء عقاب الله لقوم فرعون: *... وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُواْ يَعْرِشُونَ * [الأعراف: 137]
    والتدمير هو أن تدرك شيئاً وتخربه، وقد ظل ما فعله الله بقوم فرعون باقيًّا في الآثار التي تدلك على عظمة ما فعلوا، وتجد العلماء في كل يوم يكتشفون تحت الأرض آثاراً كثيرة. ومن العجيب أن كل كشوف الآثار تكون تحت الأرض، ولا يوجد كشف أثري جاء من فوق الأرض أبداً.
    وكلمة " دمرنا " تدل على أن الأشياء المدمرة كانت عالية الارتفاع ثم جاءت عوامل التعرية لتغطيها، ويبقى الله شواهد منها لتعطينا نوع ما عمّروا؛ كالأهرام مثلاً. وكل يوم نكتشف آثاراً جديدة موجودة تحت الأرض مثلما اكتشفنا مدينة طيبة في وادي الملوك، وكانت مغطاة بالتراب بفعل عوامل التعرية التي تنقل الرمال من مكان إلى مكان. وأنت إن غبت عن بيتك شهراً ومع أنك تغلق الأبواب والشبابيك قبل السفر؛ ثم تعود فتجد التراب يغطي جميع المنزل والأثاث؛ كل ذلك بفعل عوامل التعرية التي تنفذ من أدق الفتحات، ولذلك لو نظرت إلى القرى القديمة قبل أن تنشأ عمليات الرصف التي تثبت الأرض نجد طرقات القرية التي تقود إلى البيوت ترتفع مع الزمن شيئاً فشيئاً وكل بيت تنزل به قليلاً، وكل فترة يردمون أرضية البيوت لتعلو، وكل ذلك من عوامل التعرية التي تزيد من ارتفاع أرضية الشوارع. وكل آثار الدنيا لا تكتشف إلا بالتنقيب، إذن فكلمة " دمرنا " لها سند. والحق يقول عن أبنية فرعون:* وَفِرْعَوْنَ ذِى الأَوْتَادِ *[الفجر: 10]
    كلمتان خفيفتان على اللسان .. ثقيلتان في الميزان .. حبيبتان إلى الرحمن

    سبحان الله وبحمده .. سبحان الله العظيم

  4. #24
    Super Moderator
    رقم العضوية : 2
    تاريخ التسجيل : Jun 2016
    المشاركات: 3,273
    التقييم: 10
    الدولة : الأردن
    العمل : طالب علم
    ونجد الهرم مثلاً كشاهد على قوة البناء، وإلى الآن لم يكتشف أحد كيف تم بناء الهرم. وكيف تتماسك صخوره دون مادة كالأسمنت مثلاً، بل يقال: إن بناء الهرم قد تم بأسلوب تفريغ الهواء، ولا أحد يعرف كيف نقل المصريون الصخرة التي على قمة الهرم. إذن فقد كانوا على علم واسع. وإذا ما نظرنا إلى هذا العلم عمارة وآثاراً وتحنيطاً لجثث القدماء، إذا نظرت إلى كل هذا وعلمت أن القائمين به كانوا من الكهنة المنسوبين للدين، لتأكدنا أن أسرار هذه المسائل كلها كانت عند رجال الدين، وأصل الدين من السماء، وإن كان قد حُرِّف. وهذا يؤكد لنا أن الحق هو الذي هدى الناس من أول الخلق إلى واسع العلم. * وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُواْ يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَآئِيلَ بِمَا صَبَرُواْ وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُواْ يَعْرِشُونَ * [الأعراف: 137]
    و " يعرشون " أي يقيمون جنات معروشات، وقلنا من قبل: إن الزروع مرة تكون على سطح الأرض وليس لها ساق ومرة يكون لها ساق، وثالثة يكون لها ساق لينة فيصنعون له عريشة أو كما نسميه نحن التكعيبة لتحمله وتحمل ثمرهُ.
    وبعد ذلك يقول الحق: * وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَآئِيلَ... *
    وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْا عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ قَالُوا يَا مُوسَى اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ (138)

    لقد قالوا ذلك وهم مازالوا مغمورين في نعم الله إنجاء من عدو، واستخلافاً في الأرض، ومع ذلك بمجرد أن طلعوا إلى البر ورأوا جماعة يعبدون صنماً طالبوا موسى أن يجعل لهم صنماً يعبدونه. لقد حسدوا من يجهلون قيمة الإِيمان ويعكفون على عبادة الأصنام، ويعكف تعني أن يقيم إقامة لازمة، ومنه الاعتكاف في المسجد، أي الانقطاع عن حركة الحياة خارج المسجد إلى عبادة الله في بيته. * يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَّهُمْ قَالُواْ يامُوسَى اجْعَلْ لَّنَآ إِلَـاهاً كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ... * [الأعراف: 138]
    وهذا القول من قوم موسى هو قمة الغباء، كأن الإِله بالنسبة لهم مجهول على رغم أنه قد أسبغ عليهم من النعم الكثير، وهذه أول خيبة، وهم يريدون أن يكون الإِله مجعولاً برغم أن الإِله بكمالاته وطلاقة قدرته جاعل، ولكن عقيلتهم لم تستوعب النعم الغامرة وقلوبهم مغلقة لم يعمها الإِيمان. وقالوا: اجعل لنا إلهاً! وأرادوا أن ينحت لهم الأصنام، وقد يقول واحد منهم: رأس الإِله كبيرة قليلاً صغّرها بعض الشيء، وأنفه غير مستقيمة فلنعدلها بالإِزميل، وقولهم: * اجْعَلْ لَّنَآ إِلَـاهاً *. وهذا ما يجعلنا نفهم أن عقولهم لم تستوعب حقيقة الإِيمان؛ لذلك يقول لهم موسى: * إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ *.
    ولم يقل لهم: " لا تعلمون " بل قال: " تجهلون " لأن هناك فارقاً بين عدم العلم بالشيء، وبين الجهل بالشيء، فعدم العلم يعني أن الذهن قد يكون خالياً من أي قضية، أما " الجهل " فهو يعني أن تعلم مناقضاً للقضية، إذن فهناك قضية يعتقدها الجاهل ولكنها غير واقعية. أما الذي لا يعلم فليس في باله قضية، وحين تأتي له القضية يقتنع بها، ولا يحتاج ذلك إلى عملية عقلية واحدة مثل الأمي مثلاً الذي لا يعلم، لأن ذهنه خال من قضية، أما الذي يعلم قضية مخالفة فهو يحتاج من الرسول إلى عمليتين عقليتين: الأولى أن يخرج ما في نفسه من قضية الجهل، والثانية أن يعطي له القضية الجديدة، إن الذي يخرج ما في نفسه من قضية الجهل، والثانية أن يعطي له القضية الجديدة، إن الذي يرهق العالم هم الجهلاء لا الأميون، لأن الأمي حين تعطي له المعلومة فليس عنده ما يناقضها. لكن الجاهل عنده ما يناقضها ويخالف الواقع.
    ويقول سبحانه بعد ذلك: * إِنَّ هَـاؤُلاءِ مُتَبَّرٌ... *
    إِنَّ هَؤُلَاءِ مُتَبَّرٌ مَا هُمْ فِيهِ وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (139)

    و * مُتَبَّرٌ * أي هالك ومدمر، وهنا يوضح لهم موسى أن هؤلاء الجماعة التي تعبد الأصنام؛ وهم وأصنامهم هالكون، وما يعملون هو باطل لأن قضايا الكون إن أردتم أن تعرفوا حقيقتها، فلابد لها من ثبوث، والحق ثابت لا يتغير أبداً لأن له واقعاً يُستقرأ، ومثال ذلك إذا حصلت حادثة بالفعل أمامنا جميعاً، ثم طلب من كل واحد على انفراد أن يقول ما رآه فلن نختلف في الوصف لأننا نستوحي واقعاً، لكن إن كانت القضية غير واقعية فكل واحد سيقولها بشكل مختلف، ولذلك نجد من لباقة القضاء أن القاضي يحاور الشهود محاورات ليتبيّن ما يثبتون عليه وما يتضاربون فيه. وإن كان الشهود يستوحون حقيقة واقعية، فلن يختلفوا في روايتهم، ولكنهم يختلفون حين لا يتأكد أحدهم من الواقعة أو أن تكون غير حقيقية.
    والمثل العربي يقول: " إن كنت كذوباً فكن ذكوراً " أي إن كذبت - والعياذ بالله - وقلت قولاً غير صادق فعليك أن تتذكر كذبتك، وأنت لن تتذكرها لأنها أمر متخيّل وليس أمراً ثابتاً. وقد يجوز أن يأخذ غير الواقع زهوة ولمعاناً فنقول: إياك أن تغتر بهذه الزهوة لأن الحق سبحانه وتعالى يقول:* أَنَزَلَ مِنَ السَّمَآءِ مَآءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَداً رَّابِياً وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَآءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِّثْلُهُ كَذالِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَآءً وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ كَذالِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الأَمْثَالَ *[الرعد: 17]
    لقد شبه سبحانه الباطل بالزبد وهو ما يعلو السائل أو الماء من الرغوة والقش والمخلفات التي تعوم على سطح المياه إنه يتلاشى ويذهب، أما ما ينفع الناس فيبقى. ونحن نختبر المعادن لنعرف هل هي مغشوشة أو لا.. ونعرضها على النار، فيطفوا ما فيها من مادة غير أصيلة وما فيها من شوائب، ويبقى في القاع المعدن الأصيل.
    وهنا يقول الحق على لسان موسى: * إِنَّ هَـاؤُلاءِ مُتَبَّرٌ مَّا هُمْ فِيهِ وَبَاطِلٌ مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ * [الأعراف: 139]
    والأحداث إما فعل أو قول، والقول: عملية اللسان، والفعل: لبقية الجوارح، وكل الأحداث ناشئة عن قول أو عن فعل، والقول والفعل معاً هما " عمل ". ولذلك يقول الحق:* لِمَ تَقُولُونَ مَا لاَ تَفْعَلُونَ *[الصف: 2]
    إذن فالعمل يشمل القول، ويشمل الفعل.
    وقوله الحق: * وَبَاطِلٌ مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ * إن الأصنام التي كانوا يصنعونها ويعبدونها، كانت تقوم على أقوال وأفعال، كأن يقولوا: يا هبلٍ، يا لات، يا عزّى، ويناجون هذه الأصنام ويطلبون منها أن تحقق لهم بعضاً من الأعمال وكانوا يقفون أمامها صاغرين أذلاء، إذن فقد صدر منهم قول وفعل يضمهما معاً العمل.
    ويتابع الحق على لسان موسى عليه السلام: * قَالَ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِيكُمْ... *
    قَالَ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِيكُمْ إِلَهًا وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ (140)

    هم حينما قالوا لموسى اجعل لنا إلهاً كما لهم آلهة، قال لهم أولاً: * إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ * ، ثم قال: * إِنَّ هَـاؤُلاءِ مُتَبَّرٌ مَّا هُمْ فِيهِ وَبَاطِلٌ مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ * ، وبعد ذلك رجع إلى الدليل على أن هذا طلب جهل، وأن الذين يعبدون الأصنام من دون الله إنما يفعلون باطلاً؛ فقال: * قَالَ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِيكُمْ إِلَـاهاً وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ *.
    وقوله: * أَغَيْرَ اللَّهِ * أي أن الإِله الذي عرفتم بالتجربة العملية أنه فضلكم على العالمين ورأيتم ما صنع بعدوكم الذي استذلكم وسامكم سوء العذاب، إنه قد أهلكه ودمره، هل يمكن أن تطلبوا ربًّا غيره؟
    وقوله: * قَالَ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِيكُمْ * أي أأطلب لكم إلهاً غيره؟ وفي سؤاله هذا استنكار لأنه يتبعه بتفضيل الله لهم على العالم، ثم أراد أن يذكرهم بقمة التفضيل لهم فيقول سبحانه على لسان موسى: * وَإِذْ أَنْجَيْنَاكُمْ مِّنْ آلِ فِرْعَونَ... *
    وَإِذْ أَنْجَيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُقَتِّلُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ (141)

    وإذا سمعت " إذ " فافهم ان معناها ظرف زمان يريد الحق أن نتذكر ما حدث فيه، و " إذ " يعني جيداً ولا يغيب عن بالكم حين أنجاكم الله من آل فرعون يسومونكم سوء العذاب وأفظعه وأشده.
    ويقول بعدها مبيناً ومفسراً ذلك العذاب: * يُقَتِّلُونَ أَبْنَآءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَآءَكُمْ *.
    ونلحظ أنه لم يأت بالعطف هنا، فلم يقل: يسومونكم سوء العذاب يقتلون أبناءكم ويستحيون نساءكم. مما يدل على أنه جاء بقمة سوء العذاب؛ لأن الاحتقار، والتسخير هما جزء من العذاب. لكن قمة العذاب هي تقتيل الأبناء، واستحياء النساء.
    وفي آية ثانية يقول سبحانه:* وَإِذْ نَجَّيْنَاكُم مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنَآءَكُمْ... *[البقرة: 49]
    أي أنهم تعرضوا للتقتيل، وتعرضوا للتذبيح، وفي آية ثالثة يقول:* إِذْ أَنجَاكُمْ مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ وَيُذَبِّحُونَ أَبْنَآءَكُمْ... *[إبراهيم: 6]
    لقد جاء بـ " الواو " هنا للعطف. لأن المتكلم هنا مختلف، فقد يكون المتكلم الله، وسبحانه يمتن بقمة النعم. لكن: * وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَاقَوْمِ اذْكُرُواْ * ، فموسى يمتن بكل النعم التي ساقها الله إلى بني إسرائيل صغيرة وكبيرة.
    ويذيل الحق الآية الكريمة: * وَفِي ذالِكُمْ بَلاءٌ مِّن رَّبِّكُمْ عَظِيمٌ *.
    هو بلاء شديد الإِيلام والوقع لفراق من يقتل أو يذبح، وبلاء آخر في الهم والحزن على من يستبقي من النساء لاستباحة أعراضهن وامتهانهن في الخدمة.
    ويقول الحق بعد ذلك: * وَوَاعَدْنَا مُوسَى... *
    نصف الحزب17
    وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلَاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً وَقَالَ مُوسَى لِأَخِيهِ هَارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلَا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ (142)

    وعلمنا من قبل في مسألة الأعداد أن هناك أسلوبين: الأسلوب الأول إجمالي، والثاني تفصيلي؛ فمرة يتفق التفصيل مع الإِجمال، وبذلك لا توجد شبهة أو إشكال، وسبحانه في سورة البقرة يقول:* وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً... *[البقرة: 51]
    جاء بها هناك بالإِجمال. لكنه شاء هنا في سورة الأعراف ألا يأتي بها مرة واحدة مجملة. بل فصلها بثلاثين ليلة ثم أتمّها الحق بعشر أخر لمهمة سنعرفها فيما بعد، ليكون الميقات قد تم أربعين ليلة، وإذا جاء العدد مجملاً مرة، ومفصلاً مرة، واتفق الإِجمال مع التفصيل فلا إشكال. لكن إذا اختلف الإِجمال عن التفصيل فعادة يُحْمَل التفصيل على الإِجمال، لأن المفصَّل يمكن أن يتداخل ليصير إلى الإِجمال.
    وضربنا من قبل المثل في خلق السماء والأرض في ستة أيام، وكل آيات الخلق تأتي بخبر الستة أيام وهي مجملة. لكنه شاء سبحانه في موضع آخر بالقرآن أن يقول:* قُلْ أَإِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَندَاداً ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ * وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِن فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَآ أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَآءً لِّلسَّآئِلِينَ *[فصلت: 9-10]
    وظاهر الأمر هنا أن المهمة قد اكتمل أمرها وخلقها في ستة أيام، لكنه قال جل وعلا بعدها:* ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَآءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قَالَتَآ أَتَيْنَا طَآئِعِينَ * فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ.. *[فصلت: 11-12]
    وهنا في موقف أيام خلق الدنيا نجد إجمالاً وتفصيلاً، والتفصيل يصل في ظاهر الأمر بأيام الخلق إلى ثمانية، والإِجمال يحكي أنها ستة أيام فقط.
    فهل هي ستة أيام أم ثمانية أيام؟ نقول: إنها ستة أيام لأننا نستطيع أن ندخل المفصل بعضه في بعضه، فإذا قلت: سافرت من مصر إلى طنطا في ساعتين، وإلى الإِسكندرية في ثلاث ساعات، فمعنى هذا القول أن الساعتين دخلتا في الثلاث الساعات: * وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلاَثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ *.
    والوعد هو أن الله وعد موسى بعد أن تحدث عملية إنجاء بني إسرائيل أنه - سبحانه - سينزل عليه كتاباً يجمع فيه كل المنهج المراد من خلق الله لتسير حركة حياتهم عليه، لكن ما إن ذهب موسى لميقات ربه حتى عبدوا العجل، في مدة الثلاثين يوماً ولم يشأ الله أن يرسل موسى بعد الثلاثين يوماً بل أتمها بعشر آخر حتى لا يعود موسى ويرى ما فعله قومه؛ لأنه بعد أن عاد أمسك برأس أخيه يعنفه ويشتد عليه ويأخذ بلحيته يجره إليه إذ كيف سمح لبني إسرائيل أن يعبدوا العجل. وفي ذلك يقول الحق على لسان هارون:* قَالَ يَبْنَؤُمَّ لاَ تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلاَ بِرَأْسِي إِنِّي خَشِيتُ أَن تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَآئِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي * [طه: 94]
    فكأن العشرة أيام زادوا عن الثلاثين يوماً ليعطيك الصورة الأخيرة الموجودة في سورة البقرة.
    وهنا يقول الحق في سورة الأعراف: * وَقَالَ مُوسَى لأَخِيهِ هَارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلاَ تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ * [الأعراف: 142]
    و " اخلفني " أي كن خليفة لي فيهم إلى أن أرجع وذلك فيما هو مختص بموسى من الرسالة فاستخلاف موسى لهارون ليس تكليفاً لهارون بامتداد إرسال الله لموسى وهارون، فأسلوب تقديم موسى وهارون أنفسهما لفرعون جاء بضمير التثنية التي تجمع بين موسى وهارون:* إِنَّا رَسُولاَ رَبِّكَ... *[طه: 47]
    لأن كلاًّ منهما رسول، وقول الحق: * وَقَالَ مُوسَى لأَخِيهِ هَارُونَ * فيه التحنن، أي أنني لي بك صلة قبل أن تكون شريكاً لي في الرسالة فأنا أخ لك وأنت أخ لي، ومن حقي عليك أن تسمع كلامي وتخلفني. فالأخوة مقرونة بأنك شريك معي في الرسالة إذن نجد أن موسى قد قدم حيثية الأخوة والمشاركة في الرسالة. وأكد موسى عليه السلام بكلمة " قومي " أنهم أعزاء عليه، ولا يريد بهم إلا الخير الذي يريده لنفسه، فإذا جاءكم بأمر فاعلموا أنه لصالحكم، وإذا نهاكم نهيّا فاعلموا أن موسى هو أول من يطبقه على نفسه.
    وقيل كان موسى عليه السلام قد قام بإعداد نفسه للقاء ربه، ولابد أن يكون الإِعداد بطهر وبتطهير وبتزكية النفس بصيام، فصام ثلاثين يوماً، وبعد ذلك أنكر رائحة فمه، فأخذ سواكاً وتسوك به ليذهب رائحة فمه، فأوضح الحق سبحانه له: أما علمت يا موسى أن خلوف فم الصائم أطيب عندي من ريح المسك. وما دمت قد أزلت الخلوف وأنا أريد أن تقبل عليّ بريح المسك فزد عشرة أيام؛ حتى تأتي كذلك. وقال بعض العلماء: إن تفصيل الأربعين إلى ثلاثين وإلى عشرة، لأن الثلاثين يوماً هي الأيام التي عبد فيها القوم بعد موسى العجل، فكان ولابد أن تكون هناك فترة من الفترات؛ حتى يميز الله الخبيث من الطيب. * وَقَالَ مُوسَى لأَخِيهِ هَارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلاَ تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ * [الأعراف: 142]
    وهنا أمر ونهى " أصلح " هي أمر، و " لا تتبع " هي نهي، ونعرف أن كل تكاليف الحق سبحانه وتعالى محصورة في " افعل كذا " ، و " لا تفعل كذا " ، ولا يقول الحق للمكلَّفين: " افعلوا كذا " إلا إذا كانوا صالحين للفعل ولعدم الفعل، وإن قال لهم: " لا تفعلوا " فلابد أن يكونوا صالحين للفعل ولعدم الفعل، ولذلك أوضحنا من قبل ان الله ركز كل التكاليف في مسألة آدم وحواء في الجنة فقال: * وَكُلاَ مِنْهَا رَغَداً حَيْثُ شِئْتُمَا * ، وكان هذا هو الأمر. وقال: * وَلاَ تَقْرَبَا هَـاذِهِ الشَّجَرَةَ * ، وهذا نهي: * وَأَصْلِحْ وَلاَ تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ *.
    وكلمة " أصلح " تستلزم أن يبقى الصالح على صلاحه فلا يفسده، وإن شاء الله يزيد فيه صلاحاً فليفعل.

    وقوله: * وَلاَ تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ * لأنه قول موجه لنبي وهو هارون، لا يتأتى منه الإِفساد، ولكنَّ موسى أعلمه أنه ستقوم فتنة بعد قليل، فكأن موسى قد ألهم أنه سيحدث إفساد، فقصارى ما يطلبه من أخيه هارون ألاَّ يتبع سبيل المفسدين، ولذلك سيقول هارون بعد ذلك مبرراً تركه بني إسرائيل على عبادة العجل بعد أن بذل غاية جهده في منعهم وإنذارهم حتى قهروه واستضعفوه ولم يبق إلا أن يقتلوه.* ...إِنِّي خَشِيتُ أَن تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَآئِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي *[طه: 94]
    ويقول الحق بعد ذلك: * وَلَمَّا جَآءَ مُوسَى... *
    وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ (143)

    والميقات هو الوقت الذي يعد لعمل من الأعمال. ونسميه وقت العمل. وغلب على أشياء في الإِسلام، كمواقيت الحج. ونحن نعلم أن كل عمل وحدث يتطلب أمرين يُظْرَف فيهما، أي يكونان ظرفاً له؛ فلابد له من مكان يحدث فيه، ومن زمان يحدث فيه كذلك، واسمهما ظرف الزمان، وظرف المكان. إلا أن ظرف الزمان غير قار أي غير ثابت؛ فقد يأتي الصبح ويذهب ويأتي بعده، الظهر، والعصر والمغرب والعشاء. لكن ظرف المكان قار وثابت.
    والمواقيت - إذن - إما أن يتحكم فيها الزمان، وإما أن يتحكم فيها المكان، وإما أن يتحكم فيها المكان والزمان معاً. فإذا أخذنا المواقيت على أنها زمن كل فعل نجد فريضة " الصوم " لها زمن محدد وهو رمضان. فالذي يتحكم في الصوم هو الزمن، فيكون ويحدث في أي مكان. وكذلك صيام عرفة يتحكم فيه أيضاً الزمان لأنه صيام يوم عرفة، ومن يجلس في أي مكان يصوم يوم عرفة ولكنه غير مطلوب من الحاج. ولكن الوقوف بعرفة يتحكم فيه المكان والزمان معاً. والإِحرام بالحج أو العمرة يتحكم فيه المكان وهو ما يسمى بالميقات المكاني ولكل أهل جهة ميقاتهم المكاني الذي يطلب منهم ألاَّ يمروا عليه إلاَّ وهم محرمون. فمرة يتحكم الزمان، ومرة يتحكم المكان، وثالثة يتحكمان معاً.
    وجاء موسى لميقاتنا المضروب له بعد أربعين ليلة.
    وهل جاء موسى للميقات أو جاء في الميقات؟ لقد جاء في الميقات، واللام تأتي بمعنى " عند ". ونعلم أن " اللام " تأتي بمعنى " عند " كثيراً في القرآن، مثل قوله:* أَقِمِ الصَّلاَةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ الَّيْلِ... *[الإِسراء: 78]
    أي أقم الصلاة عند دلوك الشمس أي عند زوالها عن وسط وكبد السماء إلى غسق الليل. ومن الدلوك إلى الغسق نجد صلاة الفجر ثم الظهر ثم العصر ثم المغرب ثم العشاء، وهذه أربعة فروض، وبقي الفرض الخامس وهو الفجر، وقال فيه الحق:* ...وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُوداً *[الإِسراء: 78]
    ولماذا بدأ بدلوك الشمس؟ وهل النهار يبدأ بالظهر أو يبدأ بالصبح؟. إن الإسراء والمعراج كانا ليلاً، ورسول الله جاء صباحاً إلى مكة، وقد فرضت الصلاة في المعراج، فكانت أول فريضة هي الظهر، وكأن الحق يعني خذ الغاية وخذ البداية، وكانت البداية هي صلاة الظهر والعصر والمغرب والعشاء وبقي الفجر، وجاء فيه: * وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُوداً *.
    ثم يخص الله رسوله بالتهجد وهو قيام الليل إنه فرض على رسول الله دون غيره، فإنه بالنسبة لسائر الأمة تطوع.* وَمِنَ الَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَّكَ عَسَى أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَّحْمُوداً *[الإِسراء: 79]
    ومن يتشبه برسول الله فله الثواب الجزيل والأجر العظيم ولكن هذا الأمر مرجعه إلى اختيار المسلم: * وَلَمَّا جَآءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ *.

    وهذه المسألة تحتاج إلى بحث، وقوله سبحانه: * وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ * هو قول يدل على أن كلاماً حصل من الله لموسى فكيف يحدث ذلك وسبحانه قد قال في مسألة الكلام بالنسبة للبشر كلاماً عاماً:* وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلاَّ وَحْياً أَوْ مِن وَرَآءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَآءُ... *[الشورى: 51]
    وفي هذا نفي أن يكلم الله البشر. إلا بالوسائل الثلاث: الوحي أو من وراء حجاب أو يرسل رسولاً، والوحي بالنسبة للأنبياء يكون بإلقاء المعنى في قلب النبي دفعة، مع العلم اليقيني بأن ذلك من الله عز وجل، وقد يراد بالوحي الإِلهامات؛ مثل الوحي إلى أم موسى، والوحي إلى الحواريين، وكذلك إلى الملائكة، وقد يراد بالوحي: التسخير؛ كالوحي للأرض، والنحل.
    وبعد ذلك.. * أَوْ مِن وَرَآءِ حِجَابٍ * أي أن يسمع كلاماً ولا يرى متكلماً، * أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً * هو جبريل عليه السلام. والقرآن لم ينزل إلا بطريقة واحدة، بواسطة نزول جبريل على سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم. فما نزل القرآن بالإِلهام، وما نزل القرآن من وراء حجاب بل نزل بواسطة رسول من الله وهو جبريل وله علامات.
    وهنا في كلام موسى نقول إن الكلام وقع فيه من وراء حجاب وهنا نمسك عن الخوض فيما وراء ذلك لأنه غيب لم يكشف لنا عنه ونترك الأمر فيه الله.
    وقد سبق أن قلنا: إن صفات الله لا يوجد مثلها في البشر. فليس وجود الإِنسان كوجود الله، وليس غنى الإِنسان كغنى الله، وكذلك لن يكون أبداً كلامك ككلام الله، لأن كل شيء يخص الله إنما نأخذه في إطار * لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ *. وقد بين الحق سبحانه وتعالى أن كلامه لموسى تميز لموسى، ولذلك يقول الحق:* إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالاَتِي وَبِكَلاَمِي... *[الأعراف: 144]
    ويجب أن نأخذ كل وصف يوجد في البشر، ويوجد مثله. في وصف الله مثل " استوى " ، و " جلس " و " وجه " ، و " يد " نأخذ كل ذلك في إطار * لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ *. * وَلَمَّا جَآءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ... * [الأعراف: 143]
    وحينما خص الله موسى بميزة أن تكلم إليه، حصل من موسى استشراق اصطفائي، وكأنه قال لنفسه: مادام قد كلمني فقد أقدر أن أراه؛ لأن استطابة الأنس تمد للنفس سبل الأمل في الامتداد في الأشياء مثلما قال موسى من قبل رداً على سؤال الله:* وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يامُوسَى *[طه: 17]
    كان الجواب يكفي أن يقول: " عصا " لكنه قال:* قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي... *[طه: 18]
    قال ذلك على الرغم من أن الحق لم يسأله: ما تفعل بها؟ وأراد بالكلام أن يطيل الأنس بربه، وكأنه عرف أنه من غير اللائق أن يكون الجواب مجرد كلمة رداً على سؤال.
    كلمتان خفيفتان على اللسان .. ثقيلتان في الميزان .. حبيبتان إلى الرحمن

    سبحان الله وبحمده .. سبحان الله العظيم

  5. #25
    Super Moderator
    رقم العضوية : 2
    تاريخ التسجيل : Jun 2016
    المشاركات: 3,273
    التقييم: 10
    الدولة : الأردن
    العمل : طالب علم
    ولله المثل الأعلى - نجد الإِنسان منا حين يرى طفلاً صغيراً فهو يداعبه ويطيل الكلام معه إيناساً له. وحين وجد موسى أن الله يكلمه استشرفت نفسه أن يراه: * وَلَمَّا جَآءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ *.
    لم يقل موسى: أرني ذاتك. بل قال: * أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ * كأنه يعلم أنه بطبيعة تكوينه يعرف أنه لا يمكن أن يرى الله، لكن إن أراه الله، فهذا أمر بمشيئة الحق, وقدم موسى الطلب معلقاً بمشيئة الله وإرادته؛ لأنه يعلم أنه غير معد لاستقبال رؤية الله؛ لأن تكوينه لا يقوى على ذلك، وحتى في الوحي والكلام لم يكلم ربنا الناس مباشرة، بل لابد أن يصطفى من الملائكة رسلاً، ثم تكون مرحلة ثانية أن يصطفى من البشر رسلاً، ويبلغ الرسل الناس كلام الله؛ لأن الصفات الكمالية العليا الخالقة لا يمكن أن يستوعبها المخلوق.
    ضربنا المثل من قبل - ولله المثل الأعلى - بصناعات البشر، وأن الإِنسان حين ينام ليلاً، قد يستيقظ لأي شيء، فإذا كانت الدنيا ظلاماً قد يحطم الأشياء التي هي أقل منه أو تحطمه الأشياء التي هي أكثر صلابه منه؛ وإن اصطدم بشيء صغير فقد يكسره، وإن اصطدم بدولاب أو حائط فقد ينكسر الإِنسان. ولذلك ترك الإِنسان في البيت شيئاً من النور الضئيل؛ ليستفيد من سكون الليل وظلمته، فيضع ما نسميه " الوناسة " قوة شمعتين أو خمس شمعات، ولا يقدر أن يركبها على قوة التيار الموجود في المنزل؛ لأنها تفسد فوراً، لذلك يأتي لها بمحول يأخذ من القوي ويعطي الضعيف.
    إذن إذا كانت صناعة البشر نجد فيها الضعيف الذي لا يأخذ من القوي إلا بواسطة، فمن باب أولى أنه لا يمكن أن يتلقى خلق الله عن الله إلا بواسطة. وكانت الواسطة من البشر اصطفاء ومن الملائكة اصطفاء، فليس كل ذلك صالحاً لهذه المسألة، فمصطفى من الملائكة يعطي مصطفى من البشر.
    وبعد ذلك يعطي المصطفى من البشر للبشر. كذلك الرؤية وسيظهر ذلك لنا حينما يعطي الله الدليل على أنه خلقكم لا على هيئة أن تروه الآن، ولكن حين تبرزون في الآخرة وتعدون إعداداً آخر، فمن الممكن أن تنالوا شرف رؤيته: * وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ *.
    ولا يستوي الناس في ذلك؛ لأن المؤمن هو من ينال شرف النظر إلى الله، أما الكافر فهو محجوب عن رؤية الحق. يقول تعالى في شأن الكفار: * كَلاَّ إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ * فلا يستوي المؤمن والكافر في هذه الحالة، فمادام الكافر محجوبا فالمؤمن غير محجوب ويرى ربَّه. وقال موسى: * رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ *.

    قال الحق: * قَالَ لَن تَرَانِي *.
    وفي اللغة نجد أن " لن " تأتي تأبيدية، أي تؤبد المستقبل أي لا يحدث ولا يتحقق ما بعدها. فهل معنى ذلك أن قول الحق: * لَن تَرَانِي * أن موسى لن يرى الله في الدنيا ولا في الآخرة؟. ونقول: ومن قال إن زمن الآخرة هو زمن الدنيا؟ إن هذه لها زمن وتلك لها زمن آخر:* يَوْمَ تُبَدَّلُ الأَرْضُ غَيْرَ الأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ وَبَرَزُواْ للَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ *[إبراهيم: 48]
    إذن فزمن الآخرة وإعادة الخلق فيها سيكون أمراً آخر، يكفي أن أهل الجنة سيأكلون ولن تكون لهم فضلات، إنه خلق جديد. إن مجيء " لن " في قوله الحق: * لَن تَرَانِي * تأبيدها إضافي، أي بالنسبة للدنيا، وفيها تعليل لعدم قدرة موسى على الرؤية، وأضاف سبحانه: * وَلَـاكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكّاً وَخَرَّ موسَى صَعِقاً... * [الأعراف: 143]
    وسبحانه هنا يعلل لموسى بعملية واقعية فأوضح: لن تراني ولكن حتى أطمئنك أنك مخلوق بصورة لا تمكنك من رؤيتي انظر إلى الجبل، والجبل مفروض فيه الصلابة، والقوة، والثبات، والتماسك؛ فإن استقر مكانه، يمكنك أن تراني. إن الجبل بحكم الواقع، وبحكم العقل، وبحكم المنطق أقوى من الإِنسان، وأصلب منه وأشد، ولما تجلّى ربه للجبل اندك. والدكُّ هو الضغط على شيء من أعلى ليسوَّي بشيء أسفل منه. والحق هو القائل:* كَلاَّ إِذَا دُكَّتِ الأَرْضُ دَكّاً دَكّاً *[الفجر: 21]
    وهنا في موقف موسى وحواره مع الله يتأكد لنا أن الله تجلى على خلق من خلقه، ولكن أيقدر المتجلَِّي عليه على هذا التجلي أم لا يقدر؟. إن أقدره الله فهو يقدر، أما إن لم يقدره الله فلن يقدر. والجبل هو الأصلب، فلما تجلى له ربه اندك، إذن فمن الممكن أن يتجلى الله على بعض خلقه، ولكن المهم أيقوى المستقبل للتجلي أو لا يقوى؟ ولم تقو طبيعة موسى على التجلي لله بدليل أن الأقوى منه لم يقو. وبعد ذلك أراد الله أن يلفتنا لفتة تصاعدية. ويبين لنا أن موسى قد صعق لرؤية المتجلَّى عليه فكيف لو رأى المتجلِّي؟!! * فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكّاً وَخَرَّ موسَى صَعِقاً *. ويقال: خر الشيء إذا سقط من أعلى إلى أسفل، ويقول الحق في آية قرآنية:* وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعاً... *[ص: 24]
    والحق يخبرنا هنا: * وَخَرَّ موسَى صَعِقاً * ، وصعقه تُطلق ويراد بها الوفاة، ولكن هنا صعقة أخرى تعبر عن الإِغماءة الطويلة. وصعقة الوفاة يقول فيها الحق سبحانه:* ...فَصَعِقَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الأَرْضِ إِلاَّ مَن شَآءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنظُرُونَ *[الزمر: 68]
    إذن النفخة الأولى لصعق وموت الجميع، ثم تأتي النفخة الثانية للبعث. وهنا يقول الحق: * فَلَمَّآ أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ *.

    وهذا يدل على أن الصعقة ليست هي الصعقة المميتة، وأفاق سيدنا موسى من الصعقة، وانتبه إلى أنه لم يكن من اللائق أن يطلب الرؤية المباشرة لله. وكما نقول: " فلان فاق لنفسه " وهنا " أفاق " موسى على حاجتبن اثنتين، أفاق من الغشية التي حصلت له من الصعقة، وكأنَّه تساءل: لماذا انصعقت؟ لقد انصعق لأنه سأل ربنا ما ليس له به علم: * فَلَمَّآ أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ * ، وساعة تسمع كلمة " سبحانك " اعرف أنَّه يراد بها التنزيه لله من الحدث الذي نحن بصدده وهو رؤيته - تعالى - أي تنزيها لك يا رب أن يراك مخلوقك؛ لأن الرؤية قدرة بصر على مرئي، ومعنى: " رأيت الشيء " أي أن عين البشر قد قدرت على الشيء، ولو أننا نحن المخلوقين رأينا الله بقانون الضوء، فهذا يعني أن أبصارنا تقدر على ربنا وهذا لا يمكن أبداً؛ لأن المقدور لا ينقلب قادراً، والقادر لا ينقلب مقدوراً. *... فَلَمَّآ أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَاْ أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ * [الأعراف: 143]
    وتوبة موسى هنا من أنه سأل الله ما ليس له به علم، ولأنه لم يقف عند التجليات المخالفة لنواميس الكون، وأنَّ ربنا فقد أعطاه بدون أن يسأل، لقد كلمه الله، فلماذا يُصعد المسألة ويطلب الرؤية؟ ولماذا لم يترك الأمور للفيوضات التي يعطيها الله له ويتنعم بفيض جود لا ببذل مجهود؟.
    ويقرر موسى ويقول: * وَأَنَاْ أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ * ، أي بأنّ ذاتك - سبحانك - لا يقدر مخلوق أن يراها ويدركها. لقد شعر موسى ببعض من انكسار الخاطر لأنه طمح إلى ما يفوق استطاعته وقال: * سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَاْ أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ * وكأنه قد فهم ما أوضحه الحق له: لا تلتفت إلى ما منعتك، ولكن انظر إلى ما أعطيتك: * قَالَ يامُوسَى إِنِّي... *
    قَالَ يَا مُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَاتِي وَبِكَلَامِي فَخُذْ مَا آتَيْتُكَ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ (144)

    والاصطفاء هو استخلاص الصفوة، وقوله: * اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ * تعبير فيه دقة الأداء لأنه لو قال اصطفيتك فقط، ولم يقل على الناس، فقد يُفهم الاصطفاء على الملائكة أيضاً. ولكن الاصطفاء هنا محدد في دائرة الاصطفاء البشري: * إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالاَتِي وَبِكَلاَمِي *. ولقائل أن يقول: إن الحق اصطفى غيره أيضاً من الرسل، والحق هو القائل:* إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى ءَادَمَ وَنُوحاً... *[آل عمران: 33]
    ونقول: هناك فرق بين اصطفاء رسالة منفردة، وبين اصطفاء في رسالة ومعها شيء زائد، وأضرب هذا المثل - ولله المثل الأعلى - فإذا جئت كمدرس لتلاميذ وأعطيت واحداً منهم هدية عبارة عن قلم كمكافأة، ثم أعطيت الثاني قلماً وزجاجة حبر، أنت بذلك اصطفيت التلميذ الأول بهدية القلم، واصطفيت الآخر باجتماع قلم وزجاجة حبر في هدية واحدة. والاصطفاء هنا لموسى بالرسالة كما اصطفى غيره من الرسل بالإضافة إلى شرف الكلام: * اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالاَتِي وَبِكَلاَمِي *.
    وعرفنا من قبل أن " رسالاتي " هي في مجموعها رسالة واحدة، ولكن الرسالة مع سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم استمرت جزئياتها ثلاثاً وعشرين سنة في النزول، فكأن كل نجم رسالة، أو كل باب من أبواب الخير رسالة، فهي رسالات متعددة، أو أن رسالته جمعت رسالات السابقين: * قَالَ يامُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالاَتِي وَبِكَلاَمِي فَخُذْ مَآ آتَيْتُكَ وَكُنْ مِّنَ الشَّاكِرِينَ * [الأعراف: 144]
    أي لا تنظر إلى ما منعتك، بل اذكر أني اصطفيتك وكلمتك وعليك أن تشكر لي هذا. ولذلك يجب على الإِنسان المؤمن حين يتلقى قضاء الله فيه أن ينظر دائماً إلى ما بقي له من النعم. لا إلى ما سلب عنه من النعم. ولذلك نجد المؤمن المتفاءل ينظر إلى الكوب الذي نصفه مملوء بالماء فيقول: الحمد لله نصف الكوب ملآن. أما المتشائم فيقول: إن نصف الكوب فارغ، وبرغم أن كُلاًّ منهما يقرر الحقيقة إلا أن المؤمن المتفائل نظر إلى ما بقي من نعم الله.
    إننا نجد ابن جعفر حين ذهب للخليفة الأموي في دمشق وجرحت رجله في أثناء السير من المدينة إلى دمشق، ولم تكن هناك عناية طبية فتقيحت، وحين أحضروا له الأطباء وقرروا قطع رجله، قال بعض الحاضرين: التمسوا له مرقداً أي دواء تخدير يجعله لا يحس بالألم، فقال: لا، فإني لا أريد أن أغفل عن ربي لحظة عين، فلما قطعوها أخذوها ليدفنوها، فقال هاتوها. فأحضروها له وأمسك بها وقال: اللهم إن كنت قد ابتليت في عضو فقد عافيت في أعضاء.
    هذه نظرة المؤمن الذي لا ينظر إلى ما أُخذ منه بل ينظر إلى ما بقي له. وكذلك كان توجيه الحق لموسى عليه السلام، فقد أوضح له: لا تنظر إلى أني منعتك الرؤية، لا، بل انظر الاصطفاء وشرف الكلمة إلى الخالق واشكر ذلك.
    ويقول الحق بعد ذلك: * وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الأَلْوَاحِ... *
    وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا سَأُرِيكُمْ دَارَ الْفَاسِقِينَ (145)

    والكتْب هو الرقم بقلم على ما يكتب عليه من ورق أو جلد أو عظم أو أي شيء، وعندما يقول ربنا: * وَكَتَبْنَا * فالله لم يزاول الكتابة بنفسه، ولكن أرسله من الملائكة يكتبون بأمر من الحق وهو القائل:* إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَاَ قَدَّمُواْ... *[يس: 12]
    وكتابة الرسل من الملائكة لأعمالنا هي بالأمر من الله، ومرة ينسب الأمر إلى الأعلى، أو ينسب إلى المباشر أو إلى الواسطة: * وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الأَلْوَاحِ مِن كُلِّ شَيْءٍ مَّوْعِظَةً وَتَفْصِيلاً *.
    ونحن نعرف الألواح، وكنا نكتب عليها قديماً. وللكتابة على الألواح سبب، فقديماً كانوا يكتبون على أي شيء مبسوط، وتبين لنا الآثار أن هناك كتباً مكتوبة على جلود الحيوانات، مثلاً نجد قدماء المصريين قد كتبوا على الأحجار، مثل حجر رشيد الذي أتاح لنا معرفة تاريخهم. وكان العرب يكتبون على القحف المأخوذ من النخل، وكذلك كتبوا على عظام الذبائح، أخذوا منها قطعة العظم المبسوطة مثل عظم اللوح وكتبوا عليها، وكانت هذه الوسيلة مشهورة جدًّا لديهم، وصار كل مكتوب يسمونه لوحاً. * وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الأَلْوَاحِ مِن كُلِّ شَيْءٍ... * [الأعراف: 145]
    وقوله سبحانه: * مِن كُلِّ شَيْءٍ * يعني: من كل شيء تتطلبه خلافة الإِنسان في الأرض في الوقت المناسب له؛ فالرسل تأتي بعقيدة، لكن قد يأتي تشريع مناسب للفترة الزمنية التي جاء فيها الرسول، ويضيف الله لرسول آخر يأتي من بعده، إلى أن جاء محمد صلى الله عليه وسلم بالمنهج المكتمل إلى قيام الساعة.
    لقد أوضح سبحانه أنه كتب في الألواح الموعظة والتفصيل لمنهج الحياة، والموعظة تعني ألاَّ تنشئ حكماً للسامع، بل تعظه بتنفيذ ما عُلِم له من قبل، ولذلك يقال: واعظ وهو الذي لا يُنشئ مسائل جديدة. بل يعرف أن المستمع يعلم أركان الدين ويعظه بما يعلم.
    وقوله الحق سبحانه: * وَتَفْصِيلاً لِّكُلِّ شَيْءٍ فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ * أي أن الكلام لم يأت مجملاً، بل يأتي بالتفصيل، ويأمر الحق موسى أن يقبل على الموعظة والتفصيلات التي في الألواح بقوة. ولماذا جاء الأمر هنا بأن يأخذها بقوة؟ لأن الإِنسان حين يؤمر أمراً قد يكون الأمر مخالفاً لرتابة ما ألف، وحين يُنهي نهيا قد يكون هذا النهي مخالفاً لرتابة ما ألف. وبذلك ينزع هذا النهي أو ذلك الأمر الإِنسان مما ألف، ويأخذه ويخرجه عما اعتاد.
    إن الإِنسان في هذه الحالة يحتاج إلى قوة نفس تتغلب على الشهوة الرتيبة التي تخلقها العادة، ولذلك فمن يريد أن يقبل على منهج الله فعليه أن يعرف أن المنهج سوف يخرجه مما ألف، ولابد أن يقبل على المنهج بقوة وعزم ليواجه إلف النفس، لأن إلف النفس قد يقول للإِنسان: لا تفعل، والمنهج يقول له: " افعل " وعلى المؤمن - إذن - أن يأخذ التكاليف بقوة، لأن شهوات النفس تحقق متع الدنيا الزائلة، والمنهج يعطي متعة طويلة الأجل.

    إن الشهوة قد تحقق للإِنسان لذة على مقدار قدرته واستعداده، لكن التكليف يعطي للمؤمن نفعاً يتناسب مع طلاقة قدرة الله في النفع. إذن لابد أن تشحن نفسك بما يعطيه الله لك من المنهج، وإياك ساعة أن ترى المنهج مطالباً لك ببعض من الجهد أن تقول: إن تلك أمور صعبة لأنك لست وحدك في المنهج، بل معك غيرك. فإذا قال لك: لا تسرق، إياك أن تقول: أيحدد المنهج حريتي؟ لا، لا تنظر إلى أن حظر وتحريم السرقة هو تحديد لحريتك بل هو صيانة لك من أن يعتدي عليك آخرون؛ فقد قال المنهج للناس كلهم لا تسرقوا منه وأنت الكاسب في هذه الحالة. ويتابع الحق بيان ما في الألواح من قيم فيقول سبحانه: * وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُواْ بِأَحْسَنِهَا *.
    " أحسن " تفيد أن هناك مرتبة أقل منها وهي " حسن "؛ فأمرهم الحق أن يتركوا الحسن ويأخذوا بالأحسن، ونعلم أن الإِنسان من الأغيار، إذا ما أصابته مصيبة من أحد يعتبره غريماً له، فإذا ما كان للإِنسان غريم تحركت نوازع نفسه إلى عقابه بمثل ما أصابه به. وهذا ما يبيحه الله في القصاص، ولكن الله يطلب من المؤمن إن قدر على نفسه أن يعفو، إذن فالعقوبة بالقصاص أو بغيره مادامت مشروعة من الله بمثل ما عوقبت فهذه مرتبة الحسن، لكن إذا تركت نوازع نفسك وعفوت فهذه مرتبة " الأحسن " ، وجاءت هذه الترقيات لأن الحق سبحانه وتعالى خلق في الإِنسان عواطف وغرائز، وللعواطف والغرائز مهمة في حركة الحياة، ولكن العواطف لا يمكن أن يسيطر عليها الإِنسان، ولذلك لا يقنن الله للعاطفة ولكنه سبحانه يقنن للغرائز. كيف؟.
    نحن نعلم أن " حب الطعام " غريزة، ولكن يجب ألا يصل حب الطعام إلى مرتبة النهم والشره. وأيضاً " بقاء النوع " أو المتعة الجنسية أوجدها الحق من أجل بقاء النوع. لكن لا يصح أن تتحول إلى درجة الشرود والوقوع في أعراض الناس وانتهاك حرماتهم، وحب الاستطلاع غريزة، والذين اكتشفوا الكشوف العلمية جاءت أعمالهم من حب استطلاعهم على أسرار الوجود. لكن لا يصح ولا ينبغي أن يصل حب الاستطلاع إلى التجسس الاستذلالي.
    إن للإِنسان غرائز يعليها الشرع؛ أمَّا الحب فهو مسألة عاطفية. فالمشرع، يقول لك: أحبب من شئت وأبغض من شئت، ولكن لا تظلم من أبغضته ولا تظلم الناس لحساب من أحببت.
    ولنا في رسول الله أسوة حسنة حين قال:
    " لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من نفسه وولده ووالده والناس أجمعين ".
    فقال عمر: كيف؟.
    وكررها رسول الله فعلم عمر - رضي الله عنه - بفطرته أن ذلك أمر تكليفي.

    وعرف أن الحب المراد هو الحب العقلي. فيقول المؤمن لنفسه: من أنا لولا رسول الله صلى الله عليه وسلم؟. وكل مؤمن يحب رسول الله حبًّا عقليًّا، وقد يتسامى إلى أن يصير حبًّا عاطفيًّا. والإِنسان منا - كما قلنا سابقاً - يحب الدواء بعقله لا بعاطفته لأنه مُرّ، ولكنه يغضب إن اختفى الدواء من الأسواق ويفرح بمن يأتي له به.
    إذن التكليف يتطلب الحب العقلي. ومن أخبار سيدنا عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - عندما مرّ أمامه قاتل أخيه زيد بن الخطاب فقال له عمر: ازو نفسك عني فأنا لا أحبك، فرد الرجل بكل جرأة إيمانية: أو عدم حبك لي يمنعني حقًّا من حقوقي؟. قال عمر: لا، قال الرجل: إنما يبكي على الحب النساء.
    والحق يقول هنا: * يَأْخُذُواْ بِأَحْسَنِهَا * فمثلاً، حين يُقْتَلُ إنسان فلولي الدم أن يقتص، لكن الحق يحنن قلب ولي الدم على القاتل فيقول:* فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ... *[البقرة: 178]
    وحين يسمى الحق القاتل أخاً فهو يهدئ من صراع العواطف ويخفف من رغبة الانتقام. ويقول سبحانه أيضاً:* وَلَمَن صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الأُمُورِ *[الشورى: 43]
    ونجده سبحانه يؤكد أن مثل هذا الأمر من " عزم الأمور " لأنه أمر يتطلب الصبر والمغفرة. ومادام المؤمن قد استطاع أن يصبر وأن يغفر لغريم له، أفلا يصبر إذا نزلت مصيبة عليه بدون غريم كمرض مفاجئ أو افتقاد حبيب؟. من إذن غريمك في المرض؟ وممن تغضب، وعلى من تهيج وإلى أين انفعالك؟ ولذلك يقول لك الحق سبحانه: * وَاصْبِرْ عَلَى مَآ أَصَابَكَ * أي مما لا غريم لك فيه، ويوضح لك سبحانه: * إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الأُمُورِ *. ونلحظ أن الحق هنا لم يؤكد " باللام " لكنه أكد الأخرى " باللام "؛ لأن لك غريماً يهيجك ساعة أن تراه، وفي الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها يقول الحق لسيدنا موسى: * وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُواْ بِأَحْسَنِهَا *.
    يعني إذا وجدت لهم ذريعة ووسيلة وسبباً إلى شيء ويوجد ما هو أحسن فأمرهم أن يأخذوا بالأحسن، لماذا؟؛ لأن الإِنسان إذا روَّض نفسه وذللها وعودها على الأحسن يكون قد فهم عن الله. ونفرض أن واحداً أساء إليك ويمكنك أن تسيء إليه، فعليك أن تراعي في ردك للإِساءة أن تكون بقدرها مصداقاً لقوله الحق سبحانه:* فَعَاقِبُواْ بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ... *[النحل: 126]
    ولكن منَ منا يتصف بالدقة في الموازين النفسية حتى يستطيع أن يعرف المثلية بالهوى؟ فإن كان هناك من صفعك وتريد أن ترد الصفعة، فمن أين لك أن تقدر حجم الألم الذي في صفعتك له؟. لا يمكن لك أن تحدد هذا القدر من الألم؛ لأن هذه مسألة تتناسب مع القوة.

    إذن لماذا تدخل نفسك في متاهات، ولماذا لا تعفو وينتهي الأمر؟
    وحين يدلك الحق على أن العفو أحسن، إنما يريد بذلك أن ينهي شراسة النفوس وضغن الصدور. فحين يقتل إنسانٌ إنسانا آخرَ؛ سيكون هناك قصاص ودم، ولكن إذا عفا وليّ الدم تكون حياة المعفو عنه هبة من وليّ الدم فيستحي القاتل - بعد ذلك - أن يجعل أية حركة من حركات هذه الحياة ضد وليّ الدم أو من ينسب إلى وليّ الدم، وحينذاك تنتهي أي ضغينة أو رغبة في الثأر، ولذلك نجد البلاد التي تحدث فيها الثأرات وتستشري فيها عادة الأخذ بالثأر - مثل صعيد مصر - نجد القاتل إذا ما أخذ كفنه على يده ودخل على وليّ الدم وقال له: أنا جئت إليك.. يعفو عنه وليّ الدم وتفهم العائلة كلها أن حياة المطلوب للثأر صارت هبة من وليّ الدم، وتصفى الثأرات وتنتهي. ولذلك جاء الأمر من الحق بالأخذ بالأحسن: * وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُواْ بِأَحْسَنِهَا *. ومثال آخر على الأخذ بالأحسن، قد نجد مديناً غير قادر أن يوفي الدين، هنا نجد الحق يقول:* فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ... *[البقرة: 280]
    اقترض الرجل لأنه محتاج؛ لأن القرض لا يكون إلا عن حاجة، وهو عكس السؤال الذي يكون عن حاجة أو عن غير حاجة، ولهذا نجد ثواب القرض أكثر من ثواب الصدقة؛ لأن المقترض لا يقترض إلا عن حاجة، ولأن المتصدق حين يتصدق بشيء من ماله يكون قد أخرج هذا المال من نفسه ولم يعد يتعلق به. لكن القرض تتعلق به النفس، فكلما صبر المقرِض مع تعلق نفسه بماله أخذ أجراً، وهكذا يكون القرض أحسن من الصدقة.
    إذن فهناك حَسَن وهناك أحسن، الحَسَن هو أن تأخذ حقك المشروع، والأحسن أن تتنازل عنه، ومن يتنازلون هم الفاهمون عن الله فهماً واسعاً، ولنا المثل والأسوة في سيدنا الحسن البصري - رضي الله عنه - الذي أحسن لمن أساء إليه فقال كلمته: " ألا نحسن إلى من جعل الله في جانبنا ". ودائماً أضرب هذا المثل - ولله المثل الأعلى - هب أن إنساناً عنده أولاد وأساء واحد منهم للآخر. نجد قلب الأب يكون مع من أُسي إليه، وكذلك الأمر فينا نحن خلق الله. إن أساء واحد من خلق الله إلى واحد آخر من خلق الله؛ نجد رب الخلق مع من أُسيء إليه، وعلى من أسيء إليه أن يقول: هذا الإِنسان الذي أساء إلي قد جعل ربنا في جانبي ولذلك فهو يستحق أن أحسن إليه. ولهذا يقول الحق سبحانه:* الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَـتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ *[الزمر: 18]
    وفي آية ثانية يقول الحق:* وَاتَّبِعُـواْ أَحْسَنَ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُـمْ... *[الزمر: 55]
    ويذيل الحق الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها بقوله: * سَأُوْرِيكُمْ دَارَ الْفَاسِقِينَ *.

    ودار الفاسقين هي النار، وكأن الحق هنا يقول: سأريكم النار، ونعلم أن كل البشر سيمرون عليها ويرونها، ولكن المؤمنين سيعبرونها ويردون عليها ويدخلون الجنة. ولقائل أن يقول: ولماذا تأتي سيرة النار هنا؟ ونقول: جاءت سيرة النار ليرهب ويخيف النفس ويحملها على أن تبتعد عن كل ما أمر يقرب إلى النار. والقول هنا أيضاً لبني إسرائيل الذين نصرهم الحق على قوم فرعون وأخذوا منهم الكنوز والمقام الكريم. وكأن الحق يقول لهم: إن كنتم تحبون أن يكون مآلكم مثل مآل قوم فرعون فافعلوا مثلهم، وإن كنتم لا تريدون هذا المآل فالتزموا منهج الحق.
    إذن فقوله الحق: * سَأُوْرِيكُمْ دَارَ الْفَاسِقِينَ * معناه حملهم على ما في الألواح من عظة، وعلى أن يأخذوه بقوة، وعلى أن يتبعة أحسن ما أنزل على الله. أو * دَارَ الْفَاسِقِينَ * هي المدائن التي دمرّت وخربت بتمرد وكفر وعصيان أهلها وفسقهم لتعتبروا فلا تفسقوا مثل فسقهم فينكل الله بكم مثل نكاله بهم، وأنتم تمرون عليها في الغدو والرواح.
    ويقول الحق بعد ذلك: * سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِي... *
    كلمتان خفيفتان على اللسان .. ثقيلتان في الميزان .. حبيبتان إلى الرحمن

    سبحان الله وبحمده .. سبحان الله العظيم

  6. #26
    Super Moderator
    رقم العضوية : 2
    تاريخ التسجيل : Jun 2016
    المشاركات: 3,273
    التقييم: 10
    الدولة : الأردن
    العمل : طالب علم
    سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لَا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ (146)

    والآيات جمع آية وهي الأمر العجيب، وتطلق ثلاث إطلاقات، فإما أن تكون آية كونية مثل قوله تعالى: * إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ الَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لأُوْلِي الأَلْبَابِ * ، وإما أن تكون آية دلالة على صدق الرسول في البلاغ، وإما أن تكون آية قرآنية فيها حكم من أحكام الله، وهنا يقول الحق: * سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِي الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ... * [الأعراف: 146]
    إذن يوضح سبحانه هنا أنه سيصرف الذين يتكبرون في الأرض بغير الحق عن أن ينظروا نظر اعتبار في آيات الكون، أو أن الذين يتكبرون في الأرض بغير الحق سيبطل كيدهم في أن يتجهوا للحق بالهدم؛ لأن الواحد من هؤلاء ساعة يرى آية من آيات الله سينظر إليها على أنها سحر، أو شعوذة، أو أن يقول عنها إنها ضمن أساطير الأولين.
    إذن وجه الصرف أن يسلط الحق عليه من الكبر ما يجعله غير قادر على وزن الآية بالميزان الصحيح لها، والمتكبر هو من ظن أن غيره أدنى منه وأقل منزلة، ومقومات الكبر قد تكون قوة، لكن ألم يرَ المتكبر قويًّا قد ضعف؟ وقد يكون الثراء من مقومات التكبر، لكن ألم يرَ المتكبر غنيًّا قد افتقر؟ أو يكون المتكبر صاحب جاه، ألم يرَ ذا جاه صار ذليلاً؟.
    إذن فمن يتكبر، عليه أن يتكبر بشيء ذاتي لا يُسْلَب منه أبداً. فإذا ما أردت أن تطبق هذا على البشر فلن تجد واحداً يستحق أن يكون متكبراً أبداً؛ لأنه لا يوجد في الإِنسان خاصية ذاتية فيه تلازمه ولا تفارقه أبداً، بل كلها موهوبة، ومن الأغيار التي تحدث وقد تزول. فكلها من الله وليست أموراً ذاتية؛ لأن القوة فيك إن كانت ذاتية فحافظ عليها، ولن تستطيع. وإن كان الثراء ذاتيًّا فحافظ على غناك أبداً، ولن تستطيع. وإن كانت العزة ذاتية فحافظ على عزتك أبداً ولن تستطيع. إذن فمقومات الكبرياء في البشر غير ذاتية.
    وقوله سبحانه: * يَتَكَبَّرُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ * يفيد أن هناك كبرياء بحق لمن يملك في ذاته كل عناصر القوة والثراء والجاه والعزة، ولذلك فالكبرياء لله وحده. واعلموا أن كل متكبر في الأرض لا يخطر الله بباله؛ لأنه لو خطر الله بكماله وجلاله في باله لتضاءل؛ لأن الله يخطر فقط ببال المتواضعين من الناس، ولذلك نضرب هذا المثل: إننا نجد من حولنا إنساناً هو الرئيس الأعلى، وهناك رئيس لطائفة ومرؤوس لآخر، وهناك مرؤوس فقط. والرئيس المرؤوس لا يستطيع أن يجلس مع المرؤوسين له بتكبر ويضع ساقاً على ساق ويعطي أوامر؛ لأنه قد يلتفت فيجد رئيسه وقد دخل عليه. فلو فعل الرئيس المرؤوس ذلك لضحك منه المرؤوسون له.

    فكذلك الناس الذين لا يستحضرون الله في بالهم نجدهم مثار سخرية، لكن الذين يستحضرون الله الذي له الكبرياء في السموات والأرض لا يتكبرون أبداً.
    إنه سبحانه يصرف عن المتكبرين النظر في الآيات الكونية فلا يعتبرون، ويصرف عنهم تصديق الآيات الدالة على نبوة الأنبياء، ويصرف عنهم القدرة على تصديق أحكام القرآن، ويطبع على قلوبهم، فما بداخل هذه القلوب من الكفر لا يخرج، وما في خارج هذه القلوب من الإِيمان لا يدخل. وهم برغم حركتهم في الحياة إلا أن الحق يعجزهم عن رؤية آياته في الكون. * وَإِن يَرَوْاْ كُلَّ آيَةٍ لاَّ يُؤْمِنُواْ بِهَا وَإِن يَرَوْاْ سَبِيلَ الرُّشْدِ لاَ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً وَإِن يَرَوْاْ سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً... * [الأعراف: 146]
    وحين يرى أهل الكبر الآية الكونية أو الآية الإِعجازية أو آيات الأحكام فهم لا يؤمنون بها، وحين يرون سبيل الرشد لا يتخذونه سبيلاً؛ لأن سبيل الرشد يضغط على شهوات النفس وهواها، فينهى عن السيئات وهم لا يقدرون على كبح جماح شهواتهم لأنها تمكنت منهم، ولكن سبيل الغي يطلق العِنان لشهوات النفس، ولا يكون كذلك إلا إذا غفل عن معطيات الإِيمان الذي يحرمه من شيء ليعطيه أشياء أثمن، وهكذا تكون نظرة أهل الكبر سطحية. ونلحظ أن كلمة السبيل تأتي مرة كمذكر كقوله؛ * لاَ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً * ، ومرة تأتي مؤنثة، فالحق يقول: * قُلْ هَـاذِهِ سَبِيلِي *.
    وهنا يقول الحق عن الذين يتبعون سبيل الغي من أهل الكبر: * ذالِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا وَكَانُواْ عَنْهَا غَافِلِينَ *. وقديماً قلنا إن الغفلة لا توجب الجزاء عليها؛ لأن الغافل ساهٍ وناس، ولكن هؤلاء صدفوا عن الأمر صدوفاً عقليًّا مقصوداً، لدرجة أنهم لا يعيرون الإيمان أي التفات.
    ويقول الحق بعد ذلك: * وَالَّذِينَ كَذَّبُواْ... *
    وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَلِقَاءِ الْآخِرَةِ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (147)

    وقد جاء لفظ الآيات هنا أكثر من مرة، فقد قال الحق: * وَإِن يَرَوْاْ كُلَّ آيَةٍ لاَّ يُؤْمِنُواْ بِهَا *. ويقول أيضاً: * ذالِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا *. ويقول سبحانه: * وَالَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا *.
    إذن فالمسألة كلها مناطها في الآيات الكونية للاستدلال على من أوجدها، والإِعجازية للاستدلال على صدق مَنْ أرسل من الرسل، والقرآنية لأخذ منهج الله لتقويم واستواء حركة الإِنسان. * وَالَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا وَلِقَآءِ الآخِرَةِ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ... * [الأعراف: 147]
    ويقال: حبط الشيء أي انتفخ وورم من علة أو مرض. أي أنهم في ظاهر الأمر يبدو لهم أنهم عملوا أعمالا حسنة ولكنها في الواقع أعمال باطلة وفاسدة، وقد يوجد من عمل عملاً حسناً نافعاً للناس، ولكن ليس في باله أنه بفعل ذلك إرضاء لله، بل للشهرة لينتشر ذكره ويذيع صِيتُه ويثني الناس عليه، أو للجاه والمركز والنفوذ. ولذلك حين " سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم: من الشهيد؟. قال:
    " من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله ".
    لأن الرجل قد يقاتل حمية، أو ليعرف الناس مثلاً أنه شجاع. إذن فهناك من يعمل عملاً ليفتخر به. ويقال مثلاً: إن الكفار هم من اكتشفوا الميكروب وصعدوا إلى الفضاء. ونقول: نعم لقد أخذوا التقدير من الناس لأن الناس كانت في بالهم، ولن يأخذوا التقدير من الله لأنهم عملوا أعمالهم وليس في بالهم الله. والإِنسان يأخذ أجره ممن عمل له، والله سبحانه وتعالى لن يضيع أجر أعمالهم الحسنة، بل أعطى لهم أجورهم في الدنيا، لكن حرث الآخرة ليس لهم.* مَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا... *[الشورى: 20]
    فمن زرع وأحسن اختيار البذور، واختيار التربة وروى بنظام يأتي له الزرع بالثمر لأنه أخذ بالأسباب، وهذا اسمه عطاء الربوبية وهو عطاء عام لكن مَن خلق الله، مؤمناً كان أو كافراً، عاصيًّا أو طائعاً، لكن عطاء الألوهية يكون في اتباع المنهج بـ " افعل ولا تفعل " وهذا خاص بالمؤمنين، فإذا ما أحسنوا استعمال أسباب الحياة في السنن الكونية. يأخذون حظهم منها، والكافرون أيضاً يأخذون حظهم منها، إذا أحسنوا الأخذ بالأسباب؛ ويكون ذلك بتخليد الذكرى وإقامة التماثيل لهم. وأخذ المكافآت والجوائز وحفلات التكريم. أما جزاء الآخرة فيأخذه من عمل لرب الآخرة، أما من لم يفعلوا من أجل لقاء الله فهو سبحانه يقول في حقهم:* وَقَدِمْنَآ إِلَى مَا عَمِلُواْ مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَآءً مَّنثُوراً *[الفرقان: 23]
    وكذلك يقول:* وَالَّذِينَ كَفَرُواْ أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَآءً... *[النور: 39]
    فالكافرون مثلهم مثل الظمآن الذي يسير في صحراء ويخيل له أن أمامه ماء، ويمشي ويمشي فلا يجد ماء.

    أما غير الظمآن فلا يهمه إن كان هناك ماء أو لا يوجد ماء، فالظمآن ساعة يرى السراب يمني نفسه بأن المياه قادمة وأنه سيحصل عليها.* كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَآءً حَتَّى إِذَا جَآءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً... *[النور: 39]
    وليس المهم أنه لم يجده شيئاً، بل يفاجأ: * وَوَجَدَ اللَّهَ عِندَهُ *. إنه يفاجأ بأن الإِله الذي كان لا يصدق بأنه موجود يجده أمامه يوم القيامة فيوفيه حسابه ويجزيه على عمله القبيح. إذن فإن عمل الإِنسان عملاً فلينتظر الأجر ممن عمل له، وإن عمل الإِنسان عملاً وليس في باله الله فعليه ألاّ يتوقع الأجر منه، وعلى الرغم من ذلك يعطي الله لهؤلاء الأجر في قانون نواميس الحياة الكونية؛ لأن من يحسن عملاً يأخذ جزاءه عنه. * وَالَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا وَلِقَآءِ الآخِرَةِ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ هَلْ يُجْزَوْنَ إِلاَّ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ * [الأعراف: 147]
    هم إذن كذبوا بآيات الله، وكذبوا باليوم الآخر، ولم يعملوا وفق منهج الإِيمان، فلهم جزاء وعقاب من الحق الذي أنزل هذا المنهج، ولكنّهم أعرضوا عنه وكذبوه.
    ولذلك يقول سبحانه:* قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُم بِالأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً * الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً *[الكهف: 103-104]
    ويقول الحق بعد ذلك: * وَاتَّخَذَ قَوْمُ... *
    وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لَا يُكَلِّمُهُمْ وَلَا يَهْدِيهِمْ سَبِيلًا اتَّخَذُوهُ وَكَانُوا ظَالِمِينَ (148)

    وقوله: * مِن بَعْدِهِ * أي من بعد ذهابه لميقات ربه بعد أن قال لهارون: * اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي *.
    بعد ذلك اتخذ قوم موسى من حليهم عجلاً جسداً له خُوار، ونعرف أن الحلي هو ما يُتَزين به من الذهب، والجواهر والأشياء الثمينة، وسيد هذه الحلي هو الذهب دائماً، ونعلم أن الصائغ الماهر يشكل الذهب كما يريد، وإن انكسر يسهل إصلاحه، كما أن كسر الذهب بطيء، ولذلك يقال: إن الذهب كالإِنسان الطيب، كسره بطيء، واجباره سهل.
    وساعة نسمع كلمة " زينة " قد يدخل فيها الماس والزمرد، والياقوت، لكن الذهب سيد هذه الحلي. ونعلم أن العالم مهما ارتقى، فلن يكون هناك رصيد لأمواله إلا الذهب، ولذلك لم يأت سبحانه بالياقوت، أو بالجواهر، أو بالماس. ولذلك إذا أطلقت كلمة " الحلي " فالمراد بها الذهب.
    وهذه الزينة هي التي صنع منها موسى السامري تمثال العجل، وبطبيعة الحال أخذ الحلي الذهبية لأن الماس والجواهر لا يمكن صهرها. لكن من أين جاء قوم موسى بالحلي وقد كانوا مستضعفين، ومستذلين؟ لقد احتالوا على أهل مصر وأخذوا منهم الحلي كسلفة سيردونها من بعد ذلك. ثم جاء رحيلهم فأخذوا الحلي معهم!
    وغرق قوم فرعون وبقيت الحلي مع قوم موسى، وصنع موسى السامري من ذهب هذه الحلي عجلاً، والعجل هو الذكر من ولد البقر، وساعة تسمع قوله: * عِجْلاً جَسَداً * أي أنه مُحَجَّم، أي له حجم واضح. وأخذ أهل التفسير من كلمة " جسداً " أن ذلك العجل هو بدن لا روح له، مثلما نقول: " فلان هذا مجرد جثة ". أي كأنه جثة بلا روح.
    وقوله الحق: * عِجْلاً جَسَداً لَّهُ خُوَارٌ * ، هذا القول يدل على أن جسدية العجل لم تكن لها حياة؛ لأنه لو كان جسداً فيه روح لما احتاج إلى أن يقول عجلاً جسداً له خوار، ولاكتفي بالقول بأنه عجل. لكن قوله سبحانه: * لَّهُ خُوَارٌ * دليل على أن الجسدية في العجل لا تعطي له الحياة. وجاء بالوصف في قوله: * لَّهُ خُوَارٌ * والخُوار هو صوت البقر. وقد صنعه من الذهب وكأنه يريد أن يتميز عن الآلهة التي كانت من الأحجار، وحاول أن يجعله إلهاً نفيساً، فصنعه - كما نعرف - من الحلي المسروقة، وصنعه بطريقة أن هذا العجل الجسد إذا ما استقبل من دبره هبة الهواء؛ صنعت وأحدثت في جوفه صوتاً يشبه صوت وخوار البقر الذي يخرج من فمه، وهذه المسألة نراها في الناي وهو أنبوبة من القصب مما يسمى الغاب البلدي وتصنع به ثقوب، ويعزف عليه العازف ليخرج منه النغمة التي يريدها.
    وحين صنع موسى السامري العجل بهذه الحيلة، حدث هذا الصوت مشابها لخوار البقر.

    وقصة هذا العجل تأتي في سورة طه بوضوح وسنتعرض لها حين نتعرض بخواطرنا الإِيمانية لسورة طه بإذن الله: *...عِجْلاً جَسَداً لَّهُ خُوَارٌ أَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّهُ لاَ يُكَلِّمُهُمْ وَلاَ يَهْدِيهِمْ سَبِيلاً اتَّخَذُوهُ وَكَانُواْ ظَالِمِينَ * [الأعراف: 148]
    ولماذا اختار السامري العجل؟ لأنهم حين خروجهم من مصر، رأوا قدماء المصريين وهم يعبدون العجل لمزية فيه، فقد كانوا يرون فيه مظهر قوة، كما عبد الآخرون الشمس حين رأوا فيها مظهر قوة، وكذلك من عبدوا القمر، والنجوم. وقدماء المصريين عبدوا العجل لأن فيضان النيل كان يغمر الأرض بالمياه، وكانوا يستخدمون العجل. حين يريدون حرث الأرض. وكان أَيِّدًا، أي قويًّا وشديداً في حرث الأرض وهذا مظهر من مظاهر القوة، ولكن كيف اتخذ قوم موسى من بعده عجلاً يعبدونه بعد أن أتم عليهم الله المنة العظيمة حين أنجاهم وأغرق فرعون وآله؟. وهنا أوضح لنا الله أنه جاوز ببني إسرائيل البحر ومروا على قوم يعبدون الأصنام؛ فقالوا لموسى عليه السلام: اجعل لنا إلهاً كما لهم آلهة.
    ويأتي القول من الحق: *... أَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّهُ لاَ يُكَلِّمُهُمْ وَلاَ يَهْدِيهِمْ سَبِيلاً اتَّخَذُوهُ وَكَانُواْ ظَالِمِينَ * [الأعراف: 148]
    وهذه قضية تهدم كل عبادة دون عبادة الله؛ لأن العبد لابد أن يتلقى من المعبود أوامر، وأن يكون عند المعبود منهج يريد من العبد أن ينفذه، وأن يأتي المنهج بواسطة رسل يبلغون رسالات الله وكلام الله للبشر. أما الذين يعبدون الشمس - مثلاً - فنسألهم: لماذا تعبدونها؟ وما المنهج الذي أرسلته الشمس لكم؟. إن العبادة هي طاعة العابد للمعبود في " افعل " و " لا تفعل " فهل قالت لكم الشمس " افعلوا " و " لا تفعلوا "؟ لا؛ لأنه لا توجد واسطة كلامية تقول لكم المنهج، وكيف يوجد - إذن - معبود بدون منهج للعابد؟ وهل قالت: إن من يعبدني سأشرق عليه، وأعطيه الضوء والحرارة، ومن لا يعبدني فلن أعطيه شيئاً من ذلك؟ لم تقل الشمس ذلك فهي تعطي من آمن بها ومن كفر، ولم ترسل خبراً عن الآخرة وقيام القيامة.
    وهكذا يبطل أمامنا كل عبادة لغير الله من ناحية أن العبادة تقتضي أمراً ونهيا، في " افعل " و " لا تفعل " ولم يقل معبود من هؤلاء ما الذي نطيعه وما الذي نعصاه. والأصل في المعبود أنه يهدي العابد السبيل الموصل إلى خيره في الدنيا وفي الآخرة. لذلك يقول الحق: * أَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّهُ لاَ يُكَلِّمُهُمْ وَلاَ يَهْدِيهِمْ سَبِيلاً اتَّخَذُوهُ وَكَانُواْ ظَالِمِينَ *. و * وَكَانُواْ ظَالِمِينَ * لأنهم أعطوا حقًّا لمن ليس له الحق، والحق سبحانه أعلى قمة في الحق، ولذلك قال عن الشرك به: * إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ *.
    ويقول الحق بعد ذلك: * وَلَمَّا سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ... *
    وَلَمَّا سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ وَرَأَوْا أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّوا قَالُوا لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنَا رَبُّنَا وَيَغْفِرْ لَنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (149)

    هذا يوضح لنا أن عبادة العجل بين قوم موسى صار لها جمهور. لكن الناس الذين امتلكوا قدراً من البصيرة، أو بقية إيمان قالوا: هذه الحكاية سخيفة، وما كان لنا أن نفعلها وندموا على ما كان، ويقال: سُقِط في يده، وهذه من الدلالات الطبيعية الفطرية التي لا تختلف فيها أمة عن أمة، بل هي في كل الأجناس، وفي كل لغة تشير إلى أن الإِنسان إذا ما فعل فعلا وحدث له عكس ما يفعل يعض على الأنامل ندماً وغمًّا، وهذه من الدلالات الفطرية الباقية لنا من الالتقاء الطبعي في المخاطبات، في كل الأجناس. ويعض الإِنسان الأنامل لأنه عمل شيئاً ما كان يصح أن يعمله، فإذا كان الشيء عظيماً فهو لا يكتفي بالأنملة بل يمسك يده كلها ويعضها. والحق يقول: * وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ *.
    و " سُقط في أيديهم " أي جاءت أنيابهم على أيديهم، كأن الندم بلغ أشده، إن ذلك حدث من التائبين الذين أبصروا بعيونهم ورأوا أن ذلك باطل وخسران. أي قالوا: لئن لم يتداركنا الله برحمته ومغفرته لنكونن من الهالكين، وهذا اعتراف منهم بذنبهم والتجاء إلى الله عز وجل.
    ويقول الحق بعد ذلك: * وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَى... *
    وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا قَالَ بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي مِنْ بَعْدِي أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ وَأَلْقَى الْأَلْوَاحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ قَالَ ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكَادُوا يَقْتُلُونَنِي فَلَا تُشْمِتْ بِيَ الْأَعْدَاءَ وَلَا تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (150)

    وكون موسى يعود إلى قومه حالة كونه غضبان أسِفاً، يدلنا على أنه علم الخبر بحكاية العجل. والغضب والأسف عملية نفسية فيها حزن وسموها: " المواجيد النفسية " ، أي الشيء الذي يجده الإِنسان في نفسه، وقد يعبر عن هذه المواجيد بانفعالات نزوعية، ولذلك تجد فارقاً بين من يحزن ويكبت في نفسه، وبين من يغضب، فمن يغضب تنتفخ أوداجه ويحمر وجهه ويستمر هياجه، وتبرق عيناه بالشر وتندفع يداه، وهذا اسمه: غضبان. وصار موسى إلى الحالتين الاثنتين؛ وقدّم الغضب لأنه رسول له منهجه. ولا يكفي في مثل هذا الأمر الحزن فقط، بل لابد أن يكون هناك الغضب نتيجة هياج الجوارح.
    وقديماً قلنا: إن كل تصور شعوري له ثلاث مراحل: المرحلة الأولى. مرحلة إدراكية، ثم مرحلة وجدانية في النفس، ثم مرحلة نزوعيه بالحركة، وضربنا المثل لذلك بالوردة. فمن يرى الوردة فهذا إدراك، وله أن يعجب بها ويسر من شكلها ويطمئن لها ويرتاح، وهذا وجدان. لكن من يمد يده ليقطفها فهذا نزوع حركي. والتشريع للإِدراك أو للوجدان لكنه قنن للسلوك. إلا في غض البصر عما حرم الله وذلك رعاية لحرمة الأعراض.
    والأسف عند موسى لن يظهر للمخالفين للمنهج. بل يظهر الغضب وهو عملية نزوعية، ونلحظ بكلمة أَسِف. وهي مبالغة. فهناك فرق بين أَسِف وآسف، آسف خفيفة قليلاً، لكن أسِف صيغة مبالغة، مما يدل على أن الحزن قد اشتد عليه وتمكن منه. * قَالَ بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي مِن بَعْدِي أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ... * [الأعراف: 150]
    وقوله سبحانه: * أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ * أي استبطأتموني، وهذا نتيجة لذهاب موسى لثلاثين ليلة وأتممها بعشر، فتساءل موسى: هل ظننتم أنني لن آتي؟ أو أنني أبطأت عليكم؟ وهل كنتم تعتقدون وتؤمنون من أجلي أو من أجل إله قادر؟. ولذلك قال سيدنا أبو بكر رضي الله عنه: عندما انتقل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الرفيق الأعلى:
    " من كان يعبد محمدًّا فإن محمدًّا قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت ". وهنا يقول سيدنا موسى: افترضوا أنكم عجلتم الأمر واستبطأتموني أو خفتم أن أكون قد مت. فهل كنتم تعبدونني أو تعبدون ربنا.
    * أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ وَأَلْقَى الأَلْوَاحَ * ، ونعلم أن الألواح فيها المنهج، وقدر موسى على أخيه: * وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ * وهذا " النزوع الغضبي " الذي جعله يأخذ برأس أخيه، كأن الأخوة هنا لا نفع لها، فماذا كان رد الأخ هارون:؟ *...قَالَ ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكَادُواْ يَقْتُلُونَنِي فَلاَ تُشْمِتْ بِيَ الأَعْدَآءَ وَلاَ تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ * * الأعراف: 150]
    نلحظ أنه قال: " ابن أم " ولم يقل: " ابن أب " لأن أبا موسى وهارون طُوي اسمه في تاريخ النبوات ولم يظهر عنه أي خبر، والعلم جاءنا عن أمه لأنها هي التي قابلت المشقات في أمر حياته، لذلك جاء لنا بالقدر المشترك البارز في حياتهما، ولأن الأمومة مستقر الأرحام؛ لذلك أنت تجد أخوة من الأم، وأخوة من الأب فقط، وأخوة من الأب والأم، والأخوة من الأب والأم أمرهم معروف.

    لكن نجد في أخوة الأم حناناً ظاهراً، ويقل الحنان بين الأخوة من الأب. وجاء الحق هنا بالقدر المشترك بينهما - موسى وهارون - وهو أخوة الأم، وله وجود مستحضر في تاريخهم. أما الأب عمران فنحن لا نعرف عنه شيئاً، وكل الآيات التي جاءت عن موسى متعلقة بأمه، لذلك نجد أخاه هارون يكلمه بالأسلوب الذي يحننه: * قَالَ ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكَادُواْ يَقْتُلُونَنِي *.
    ومادام قد قال: * وَكَادُواْ يَقْتُلُونَنِي * فهذا دليل على أنه وقف منهم موقف المعارض والمقاوم الذي أدى ما عليه إلى درجة أنهم فكروا في قتله، ويتابع الحق بلسان هارون: * فَلاَ تُشْمِتْ بِيَ الأَعْدَآءَ وَلاَ تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ *.
    والشماتة هي إظهار الفرح بمصيبة تقع بخصم، والأعداء هم القوم الذين اتخذوا العجل، وقد وصفهم بالأعداء كدليل على أنه وقف منهم موقف العداوة، وأن موقف الخلاف بين موسى وهارون سيفرحهم، وقوله: * وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ *.. إجمال للرأس في عمومها، وفي آية أخرى يقول: * لاَ تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلاَ بِرَأْسِي *.
    ولقد صنع موسى ذلك ليسمع العذر من هارون؛ لأنه يعلم أن هارون رسول مثله، وأراد أن يسمعنا ويسمع الدنيا حجة أخيه حين أوضح أنه لم يقصر. قال: إن القوم استغضعفوني لأني وحدي وكادوا يقتلونني، مما يدل على أنه قاومهم مقاومة وصلت وانتهت إلى آخر مجهودات الطاقة في الحياة؛ حتى أنهم كادوا يقتلونه، إذن فهو لم يوافقهم على شيء، ولكنه قاوم على قدر الطاقة البشرية، لذلك يذيل الحق الآية بقوله سبحانه: * وَلاَ تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ *.
    وكأنه يقول: لموسى إنك أن آخذتني هذه المؤاخذة في حالة غضبك، ربما ظُنَّ بي أنني كنت معهم، أو سلكت مسلكهم في اتخاذ العجل وعبادته. وأراد الحق سبحانه أن يبين لنا موقف موسى وموقف أخيه؛ فموقف موسى ظهر حين غضب على أخيه وابن أمه، وموقف هارون الذي بيّن العلة في أن القوم استضعفوه وكادوا يقتلونه، ولا يمكن أن يطلب منه فوق هذا، وحينما قال هارون ذلك تنبه موسى إلى أمرين:
    الأمر الأول: أنه كيف يلقي الألواح وفيها المنهج؟ والأمر الثاني: أنه كيف يأخذ أخاه هذه الأخذة قبل أن يتبين وجه الحق منه؟
    ويقول الحق على لسانه بعد ذلك: * قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي... *
    قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِأَخِي وَأَدْخِلْنَا فِي رَحْمَتِكَ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (151)

    قال يا رب اغفر لي إن كان قد بدر مني شيء يخالف منطق الصواب والحق. واغفر لأخي هارون ما صنع، فقد كان يجب عليه أن يأخذ في قتال من عبدوا العجل حتى يمنعهم أو ينالوا منه ولو مادون القتل جرحاً أو خدشاً أو.. أو.. إلخ.
    ويطلب موسى لنفسه ولأخيه الرحمة: * وَأَدْخِلْنَا فِي رَحْمَتِكَ وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ * [الأعراف: 151]
    وحين تسمع * أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ * أو * خَيْرُ الرَّازِقِينَ * ، أو * خَيْرُ الْوَارِثِينَ * ، أو * أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ * ، وكل جمع هو وصف لله، وإنه بهذا أيضاً يدعو خلقه إلى التخلق بهذا الخلق، ويوصف به خلقه. فاعلم أن الله لم يحرمهم من وصفهم بهذه الصفات لأن لهم فيها عملا وإن كان محدودا يتناسب مع قدرتهم ومخلوقيتهم وعبوديتهم، فضلا على أنها عطاء ومنحة منه - سبحانه - أما صفات الله فهي صفات لا محدودة ولا متناهية جلالا وكمالا وجمالا فسبحانه * لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ * ، فإذا كان خلق الله هو * أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ * فهذا يعني أنه سبحانه لم يمنع الرحمة من خلقه على خلقه؛ فمن رحم أخاه سُميِّ رحيماً، وراحماً، ولكن الله أرحم الراحمين؛ لأن الرحمة من كل إنسان ضمان لمظهرية الغضب في هذا الأحد، يقال: " رحمت فلاناً " أي من غضبك عليه وعقوبتك، وإنّ عقوبتك على قدر قوتك، لكن الله حين يريد أن يأخذ واحداً بذنب فقوته لا نهاية لها، وكذلك رحمته أيضاً لا نهاية لها.
    ويقول الحق بعد ذلك: * إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُواْ... *
    كلمتان خفيفتان على اللسان .. ثقيلتان في الميزان .. حبيبتان إلى الرحمن

    سبحان الله وبحمده .. سبحان الله العظيم

  7. #27
    Super Moderator
    رقم العضوية : 2
    تاريخ التسجيل : Jun 2016
    المشاركات: 3,273
    التقييم: 10
    الدولة : الأردن
    العمل : طالب علم
    إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ (152)

    حين يقال: * اتَّخَذُواْ الْعِجْلَ * قد نجد من يتساءل: هل اتخذوه مذبوحاً يأكلونه؟ أو يثير الأرض أو يسقي الحرث ويدير السواقي؟ لأن العجل موجود لهذه المهام، لكنهم لم يأخذوا العجل لتلك المهام، بل إنهم قد اتخذوا العجل إلهاً ومعبوداً، أما اتخاذه فيما خُلِقَ له فلا غبار عليه، وهو هنا محذوف ومتروك لفطنة السامع؛ فإذا اتخذنا العجل فيما خُلِقَ له العجل لا ينالنا غضب من الله، أما الذين سينالهم غضب الله فهم من اتخذوا العجل في غير ما خُلِقَ له، إنهم اتخذوه إلهاً: * سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي الْحَياةِ الدُّنْيَا *.
    وقوله: * سَيَنَالُهُمْ * يدل على أن أوان الغضب والذلة لم يأت بعد، وسيحدث في المستقبل، ومستقبل الدنيا هو الآخرة، ولكن الحق هنا يقول: إن الذلة ستحدث في الدنيا، فكيف يكون * سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ * مع أنهم تابوا؟ ويوضح سبحانه لنا ذلك في قوله: * فَتُوبُواْ إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ *.
    فبعضهم تاب إلى بارئه وقتل نفسه فلماذا إذن الغضب؟
    ويوضح الحق لنا أن الذي ينالهم من الغضب هو ما ألجأهم إلى أن يقال لهم: " اقتلوا أنفسكم " ، وهكذا نفهم أن قوله تعالى: * سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ * أي قبل أن يتوبوا، وقتل النفس هو منتهى الذلة ومنتهى الإهانة. *... سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي الْحَياةِ الدُّنْيَا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ * [الأعراف: 152]
    أي أن هذا الأمر ليس بخاصية لهم، فكل مفتر يتجاوز حده فوق ما شرعه الله لابد أن يناله هذا الجزاء؛ لأن ربنا حين يقول لنا ما حدث في تاريخهم؛ وحين يسرد لنا هذه القصة فإنه يريد من وراء ذلك - سبحانه - أن يعتبر السامع للقصة في نفسه. واعتبار السامع للقصة في نفسه لا يتأتى إلا بأن يقول له الله تنبيهاً وتحذيراً: * وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ * أي احذر أن تكون مثل هؤلاء فينالك ما نالهم، وهو سبحانه ينبه كلا لينتفع من هذه العبرة وهذه اللقطة فإنَّ التاريخ مسرود لأخذ العبرة، والعظة ليتعظ بها السامع.
    ويقول الحق بعد ذلك: * وَالَّذِينَ عَمِلُواْ... *
    وَالَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ ثُمَّ تَابُوا مِنْ بَعْدِهَا وَآمَنُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (153)

    وهذا ما حدث، فبعد أن اتخذوا العجل، وقال لهم: اقتلوا أنفسكم توبة إلى بارئكم، ثم تابوا إلى الله وآمنوا بما جاءهم، غفر الله لهم. وإذا كان الحق قد قص علينا مظهرية جباريته فإنه أيضاًً لم يشأ أن يدعنا في مظهرية الجبارية، وأراد أن يدخلنا في حنان الرحمانية. لذلك يقول هنا: * وَالَّذِينَ عَمِلُواْ السَّيِّئَاتِ ثُمَّ تَابُواْ مِن بَعْدِهَا وَآمَنُواْ إِنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ * [ الأعراف: 153]
    وقوله: * ثُمَّ تَابُواْ * أي ندموا على ما فعلوا وأصروا وعزموا على ألاَّ يعودوا، ونعلم من قبل أن التوبة لها مظهريات ثلاثة؛ أولاً: لها مظهرية التشريع، ولها مظهرية الفعل من التائب ثانياً، ولها قبولية الله للتوبة من التائب ثالثاً. ومشروعية التوبة نفسها فيها مطلق الرحمة، ولو لم يكن ربنا قد شرع التوبة سيستشري شره في السيئة فهذه رحمة بالمذنب، وبالمجتمع الذي يعيش فيه المذنب. بعد ذلك يتوب العبد، ثم يكون هنا مظهرية أخرى للحق، وهو أن يقبل توبته.
    التوبة - إذن - لها تشريع من الله، وذلك رحمة، وفعل من العبد بأن يتوب، وذلك هو الاستجابة، وقبول من الله، وذلك هو قمة العطاء والرحمة منه سبحانه.
    وقوله الحق: * وَالَّذِينَ عَمِلُواْ السَّيِّئَاتِ ثُمَّ تَابُواْ مِن بَعْدِهَا وَآمَنُواْ... * [الأعراف: 153]
    إنَّ هذا القول يدل على أن عمل السيئة يخدش الإِيمان، فيأمر سبحانه عبده: جدّد إيمانك، واستحضر ربك استحضاراً استقباليًّا؛ لأن عملك السيئة يدل على أنك قد غفلت عن الحق في أمره ونهيه، وحين تتوب فأنت تجدد إيمانك وتجد ربك غفوراً رحيماً: * إِنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ *.
    إن ذنب العبد يكون فيما خالف منهج ربه في " افعل " و " لا تفعل " ، ومادام العبد قد استغفر الله وتاب فسبحانه يقبل التوبة. ويوضح: إذا كنت أنا غفوراً رحيماً، فإياكم يا خلقي أن تُذَكِّروا مذنباً بذنبه بعد أن يتوب؛ لأن صاحب الشأن غفر، فإياك أن تقول للسارق التائب: " يا سارق " ، وإياك أن تقول للزاني التائب: " يا زاني " ، وإياك أن تقول للمرتشي التائب: " يا مرتشي " لأن المذنب مادام قد جدّد توبته وآمن، وغفر الله له، فلا تكن أنت طفيليًّا وتبرز له الذنب من جديد.
    ويقول الحق بعد ذلك: * وَلَماَّ سَكَتَ عَن مُّوسَى... *
    وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ أَخَذَ الْأَلْوَاحَ وَفِي نُسْخَتِهَا هُدًى وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ (154)

    وهل للغضب سكوت؟ هل للغضب مشاعر حتى يسكت؟ نعم؛ لأن الغضب هيجان النفس لتعمل عملاً نزوعيًّا أمام من أذنب، فكأن الغضب يلح عليه، ويقول للغاضب: اضرب، اشتم، اقتل. كأن الغضب قد مُثِّل وصُوِّر في صورة شخص له قدرة إصدار الأوامر، فشبَّه الله الغضب بصورة إنسان يلح على موسى في أن يفعل كذا، ويفعل كذا، فلما قال الله ذلك كأن الغضب قد سكت عنه.
    أو هو كما قال إخواننا العلماء: من القلب في اللغة، أي أنه يقلب المسألة، اتكالاً على أن فطنة السامع سترد كل شيء إلى أصله؛ كما نسمع في اللغة: خرق الثوبُ المسمارَ، نفهم من هذا القول أن المسمار هو الذي قام بخرق الثوب؛ لأننا لن نتخيل أنّ الثوب يخرق مسماراً. ويسمى ذلك " القلب " أي أن يأتي بمسألة مقلوبة تفهمها فطنة السامع. أو أن المسمار مستقر في مكانه، والثوب هو الذي طرأ عليه فانخرق، فيكون سبب الخرق من الثوب، فكأن الفاعلية الحقيقية من الثوب: * وَلَماَّ سَكَتَ عَن مُّوسَى الْغَضَبُ *.
    أو تكون كلمة (سكت) كناية عن أن الغضب زال وانتهى. * وَلَماَّ سَكَتَ عَن مُّوسَى الْغَضَبُ أَخَذَ الأَلْوَاحَ وَفِي نُسْخَتِهَا هُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ * [الأعراف: 154]
    وأول عمل قام به موسى ساعة أن كان غضبان أسفاً أنه ألقى الألواح، وأول ما ذهب الغضب عنه وزايله أخذ الألواح، وهذا أمر منطقي، فالغضب جعله يلقي الألواح، ويأخذ برأس أخيه، ثم فهم ما فعله أخوه واعتذر به فقبل عذره، وطلب من الله أن يغفر له، وأن يغفر لأخيه وانتهى الغضب وكانت الألواح ملقاة فأخذها ثانية. *... وَفِي نُسْخَتِهَا هُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ * [الأعراف: 154]
    النسخة من الكتاب مأخوذة من الشيء المنسوخ أي المنقول من مكان إلى مكان، ويقال: نسخت الكتاب الفلاني من الكتاب الفلاني. أي أن هناك كتاباً مخطوطاً ثم نقلناه بالطباعة أو بالكتابة إلى نسخة أو عدد من النسخ، أي أخذته من الأصل إلى الصورة، واسمه منسوخ، وكلمة نُسخة على وزن " فُعْلَة " وتأتي بمعنى مفعولة، فنسخة تعني منسوخة، وفي القرآن مثل هذا كثير. والحق سبحانه وتعالى قال:* إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَن شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَن لَّمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلاَّ مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ... *[البقرة: 249]
    و " غُرْفة " أي مغروفة، وهي القليل من المياه في اليد لتبل الريق فقط، والغرفة أيضاً تكون في البيوت؛ لأنها مكان متقطع من مكان آخر ولها جدران تحددها. واسمها غرفة لأنها مغروفة من المكان في حيز مخصوص. وهنا يقول الحق سبحانه: * وَفِي نُسْخَتِهَا هُدًى وَرَحْمَةٌ *.
    و " هدى " المقصود بها المنهج الموصل للغاية في " افعل " و " لا تفعل ".

    إنّه يوصل للغاية وهي ثواب الآخرة. إذن فالهدى والرحمة شيء واحد له طرفان، فالهدى هو المنهج الذي إن اتبعته تصل إلى الرحمة، ولذلك يقول الحق: * هُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ *.
    وهكذا نجد المنهج هدى ورحمة، فمن يسمع كلام الله ويتبعه يهتدي ويرحمه ربنا؛ لأنه جعل الله في باله, وخاف من صفات الجبارية في الحق، ولهذا لابد أن يستحضر الإِنسان أو المؤمن رهبته لربه وخوفه منه - سبحانه - ليكون المنهج هدى ورحمة له. ويكون من الذين يرهبون ربهم.
    وساعة ترى المفعول تقدم في مثل قوله سبحانه هنا: *... لِّلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ * [الأعراف: 154]
    نفهم أن هذا هو ما يسمى في اللغة " اختصاص " وقََصْر مثلما قال الحق في فاتحة الكتاب: * إِيَّاكَ نَعْبُدُ *.
    وما الفرق بين * إِيَّاكَ نَعْبُدُ * و " نعبدك "؟ إن قلنا: " نعبدك " فهو قول لا يمنع من العطف عليه، فقد نعبدك ونعبد الشركاء معك؛ لكن قولنا: * إِيَّاكَ نَعْبُدُ * أي خصصناك بالعبادة وقصرناها عليك سبحانك فلا تتعدى إلى غيرك.
    إذن حين تقدم المفعول فهذا هو عمل الاختصاص. ومثال ذلك في حياتنا حين نقول: " أكرمتك " ، ولا مانع أن نقول بعدها " وأكرمت زيداً وأكرمت عمراً ". لكن إن قلت: إياك أكرمت، فهذا يعني أني لم أكرم إلا إياك. وهنا يقول الحق: * لِّلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ *. ولقائل أن يقول: ألا يمكن أن يدعي أحد الرهبة ظاهراً وأنه ممتثل لأمر الله رياء أو سمعة حتى يقول الناس: إن فلاناً حسن الإِسلام، ويأخذون في الثناء عليه؟ ولكن هنا نجد التخصيص الذي يدل على أن العبد لا يرهب أحداً غير الله، وأن الرهبة خالصة لله، وليست رياء، ولا سمعة، ولا لقصد الثناء.
    ويقول الحق سبحانه بعد ذلك: * وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ... *
    وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا لِمِيقَاتِنَا فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ قَالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَنْ تَشَاءُ وَتَهْدِي مَنْ تَشَاءُ أَنْتَ وَلِيُّنَا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الْغَافِرِينَ (155)

    وكلمة " اختار " تدل على أن العمل الإِختياري يُرجح العقل فيه فعلاً على عدم فعل أو على فعل آخر، وإلا فلا يكون في الأمر اختيار؛ لأن " اختار " تعني طلب الخير والخيار، وكان في مكنتك أن تأخذ غيره، وهذا لا يتأتى إلا في الأمور الاختيارية التي هي مناط التكليف، مثال ذلك: اللسان خاضع لإِرادة صاحبه الاختيارية التي هي مناط التكليف، مثال ذلك: اللسان خاضع لإِرادة صاحبه فخضع للمؤمن حين قال: لا إله إلا الله، وخضع للملحد حين قال - لعنه الله -: لا وجود لله، ولم يعص اللسان في هذه، ولا في تلك. والذي رجح أمراً على أمر هو ترجيح الإِِيمان عند المؤمن في أن يقول: لا إله إلا الله، وترجيح الإِلحاد عند الملحد في أن يقول ما يناقض ذلك. والحق هنا يقول: * وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلاً *.
    والذين درسوا اللغة يقولون: إن هناك حدثاً. وأنّ هناك موجدا للحدث نسميه فاعلاً مثل قولنا: " كتب زيد الدرس " أي أن زيداً هو الذي أدى الكتابة، ونسمي " الدرس " الذي وقعت عليه الكتابة مفعولاً به، ومرة يكون هناك ما نسميه " مفعولاً له " أو " مفعولاً لأجله " مثل قول الابن: قمت لوالدي إجلالاً، فالذي قام هو الابن، والإِجلال كان سبباً في إِيقاع الفعل فنسميه " مفعولا لأجله ": ونقول: " صُمْت يوم كذا " ونسميه " مفعولاً فيه " ، وهو أن الفعل، وقع في هذا الزمن. فمرة يقع الحدث على شيء فيكون مفعولاً به، ومرة يقع لأجل كذا فيكون مفعولاً لأجله، ومرة يقع في يوم كذا؛ العصر أو الظهر فيكون مفعولاً فيه، ومرة يكون مفعولاً معه " مثل قولنا: سرت والنيل: أي أن الإِنسان سار بجانب النيل وكلما مشى وجد النيل في جانبه.
    وهنا يقول الحق: * وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلاً لِّمِيقَاتِنَا... * [الأعراف: 155]
    ولأن اختيار موسى للسبعين كان وقع من القوم؛ فيكون المفعول قد جاء من هؤلاء القوم، ويسمى " مفعولاً منه "؛ لأنه لم يخترهم كلهم، إنما اختار منهم سبعين رجلاً لميقاته مع الله سبحانه.
    وقالوا في علة السبعين إن من اتبعوا موسى كانوا أسباطاً، فأخذ من كل سبط عدداً من الرجال ليكون كل الأسباط ممثلين في الميقات، وكلمة " ميقات " مرت قبل ذلك حن قال الله:* وَلَمَّا جَآءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ... *[الأعراف: 143]
    وهل الميقات هذا هو الميقات الأول؟ لا؛ لأن الميقات الأول كان لكلام موسى مع الله، والميقات الثاني هو للاعتذار عن عبدة العجل. * وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلاً لِّمِيقَاتِنَا فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ قَالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ... * [الأعراف: 155]
    ولماذا أخذتهم الرجفة؟
    لأنهم لم يقاوموا الذين عبدو العجل المقاومة الملائمة، وأراد الله أن يعطي لهم لمحة من عذابه، والرجفة هي الزلزلة الشديدة التي تهز المرجوف وتخيفه ونترهبه من الراجف. وحين أخذتهم الرجفة قال موسى: * رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِّن قَبْلُ وَإِيَّايَ *.
    أوضح موسى: لقد أحضرتهم من قومهم. وأهلوهم يعرفون أن السبعين رجلاً قد جاءوا معي، فإن أهلكتهم يا رب فقد يظن أهلهم أنني أحضرتهم ليموتوا وأسلمتهم إلى الهلاك. ولو كنت مميتهم يا رب وشاءت مشيئتك ذلك لأمتّهم من قبل هذه المسألة وأنا معهم أيضاً. ويضيف القرآن على لسان موسى والقوم معاً: *... أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَآءُ مِنَّآ إِنْ هِيَ إِلاَّ فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَن تَشَآءُ وَتَهْدِي مَن تَشَآءُ أَنتَ وَلِيُّنَا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنتَ خَيْرُ الْغَافِرِينَ * * الأعراف: 155]
    أنت أرحم يا رب من أن تهلكنا بما فعل السفهاء منا، وهذا القول يدل على أن العملية عملية فعل، والفعل هو عبادة العجل؛ فلو أن هذا هو الميقات الأول لما احتاج إلى مثل هذا القول؛ لأن قوم موسى لم يكونوا قد عبدوا العجل بعد. ولكنهم قالوا بعد الميقات الأول: مادام موسى قد كلم الله، فلابد لنا أن نرى الله، وقالوا فعلاً لموسى:* أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً... *[النساء: 153]
    إذن نجد أن ما حصل من قوم موسى بعد الميقات الأول هو قولهم: * أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً * وليس الفعل، أما هنا فالآية تتحدث عن الفعل: * أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَآءُ مِنَّآ إِنْ هِيَ إِلاَّ فِتْنَتُكَ *.
    وهكذا نعلم أن الآية تتحدث عن ميقات ثانٍ تحدد بعد أن عبد بعضهم العجل، والفتنة هي الاختبار، والاختبار ليس مذموماً في ذاته، ولا يقال في أي امتحان إنه مذموم. إنما المذموم هو النتيجة عند من يرسب، والاختبار والامتحان غير مذموم عند من ينجح.
    إذن فالفتنة هي الابتلاء والاختبار، وهذا الاختبار يواجه الإِنسان الجاهل الذي لا يعلم بما تصير إليه الأمور وتنتهي إليه ليختار الطريق ويصل إلى النتيجة. ولا يكون ذلك بالنسبة لله؛ لأنه يعلم أزلاً كل سلوك لعباده، لكن هذا العلم لا يكون حجة على العباد؛ ولابد من الفعل من العباد ليبرز ويظهر ويكون له وجود في الواقع لتكون الحجة عليهم. والأخذ بالواقع هو الأعدل.
    وقول موسى عليه السلام: * إِنْ هِيَ إِلاَّ فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَن تَشَآءُ وَتَهْدِي مَن تَشَآءُ... * [الأعراف: 155]
    هذا القول يعني: أنك يا رب قد جعلت الاختبار لأنك خلقتهم مختارين؛ فيصح أن يطيعوا ويصح أن يعصوا. والله سبحانه هو من يُضل ويهدي؛ لأنه مادام قد جعل الإِنسان مختاراً فقد جعل فيه القدرة على الضلال، والقدرة على الهدى.
    وقد بيّن سبحانه من يشاء هدايته، ومن يشاء إضلاله فقال:* ...وَاللَّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ * [آل عمران: 86]
    والسبب في عدم هدايتهم هو ظلمهم، وكذلك يقول الحق:* ...وَاللَّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ *[البقرة: 264]
    وهكذا نرى أن الكفر منهم هو الذي يمنعهم من الهداية. إذن فقد جعل الله للعبد أن يختار أو أن يختار الضلال، وما يفعله العبد ويختاره لا يفعله قهراً عن الله؛ لأنه سبحانه لو لم يخلق كلا منا مختاراً لما استطاع الإِنسان أن يفعل غير مراد الله، ولكنه خلق الإِنسان مختاراً، وساعة ما تختار - أيها الإِنسان - الهداية أو تختار الضلال فهذا ما منحه الله لك، وسبحانه قد بيّن أن الذي يظلم، والذي يفسق هو أهل لأن يعينه الله على ضلاله، تماماً كما يعين من يختار الهداية؛ لأنه أهل أن يعينه الله على الهداية.
    ويقول الحق على لسان سيدنا موسى في نهاية هذه الآية: *...أَنتَ وَلِيُّنَا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنتَ خَيْرُ الْغَافِرِينَ * [الأعراف: 155]
    والولي هو الذي يليك، ولا يليك إلا من قربته منك بودك له، ولم تقربِّه إلا لحيثية فيه قد تعجبك وتنفعك وتساعدك إذا اعتدى عليك أحد أو تأخذ من عمله لأنه عليم. إذن فالمعنى الأول لكلمة الولي أي القريب الذي قربته لأن فيه خصلة من الخصال التي قد تنفعك، أو تنصرك، أو تعلمك.
    وقول موسى * أَنتَ وَلِيُّنَا * أي ناصرنا، والأقرب إلينا، فإن ارتكب الإِنسان منا ذنباً فأنت أولى به، إنك وحدك القادر على أن تغفر ذنبه؛ لذلك يقول موسى: * فَاغْفِرْ لَنَا * ، ونعلم من هذا أنه يطلب درء المفسدة أولاً لأن درءها مقدم على جلب المصلحة، فقدم موسى عليه السلام طلب غفر الذنب، ثم طلب ودعا ربّه أن يرحمهم، وهذه جلب منفعة. وقد قال ربنا في مجال درء المفسدة: * فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ * وهذا درء مفسدة وهو البعد عن النار: * وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ *. وهذا جلب منفعة ومصلحة.
    إذن فدرء المفسدة مقدم على جلب المصلحة، - وعلى سبيل المثال - إنك ترى تفاحة على الشجرة، وتريد أن تمد يدك لتأخذها، ثم التفت فوجدت شابًّا يريد أن يقذفك بطوبة، فماذا تصنع؟ انت في مثل هذه الحالة الانفعالية تدفع الطوبة أولاً ثم تأخذ التفاحة من بعد ذلك. وهذا هو درء المفسدة المقدم على جلب المصلحة، وهنا درء المفسدة متمثل في قول موسى: * فَاغْفِرْ لَنَا * ثم قال بعد ذلك: * وَارْحَمْنَا * وهذا جلب مصلحة، والقرآن يقول:* وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَآءٌ وَرَحْمَةٌ... *[الإِسراء: 82]
    لأن الداء يقع أولاً، وحين تذهب لمنهج القرآن يشفيك من هذا الداء، والرحمة ألاَّ يجيء لك داء بالمرة. فإذا أخذت القرآن لك نصيراً فلن يأتي لك الداء أبداً. *...فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنتَ خَيْرُ الْغَافِرِينَ * [الأعراف: 155]
    ومثلها مثل قول الحق سبحانه: * خَيْرُ الرَّازِقِينَ * ، و * خَيْرُ الْمَاكِرِينَ * ، و * خَيْرُ الْوَارِثِينَ * و * خَيْرُ الْغَافِرِينَ * هنا؛ لأن المغفرة قد تكون من الإِنسان للإِنسان، ولكنا نعرف أن مغفرة الرب فوق مغفرة الخلق؛ لأن الغافر من البشر قد يغفر رياء، وقد يغفر سمعة، قد يغفر لأنه خاف بطش المقابل. لكنه سبحانه لا يخاف من أحد، وهو خير الغافرين من غير مقابل.
    ويقول الحق بعد ذلك: * وَاكْتُبْ لَنَا... *
    ثلاثة أرباع الحزب17
    وَاكْتُبْ لَنَا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ قَالَ عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاءُ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ (156)

    ونلحظ أن هذه الآية تضم طلبات جديدة لسيدنا موسى من ربّه بعد قوله: * فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا *. ونرى أن خير الغافرين تعود لقول موسى - عليه السلام -: * فَاغْفِرْ لَنَا * أما الحسنة في قوله: * وَاكْتُبْ لَنَا فِي هَـاذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً * فإنها تعود على طلب الرحمة: * وَاكْتُبْ لَنَا فِي هَـاذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ *.
    هو إذن يطلب الحسنة في الدنيا وكذلك في الآخرة، والحسنة لها معنى " لغوي " ، ومعنى " شرعي " أما المعنى اللغوي فكل ما يستحسنه الإِنسان يُسمى حسنة، ولكن الحسنة الشرعية هي ما حسنه الشرع، فالشرع رقيب على كل فعل من أفعالنا وتصرفاتنا، فالحسنة ليست ما يستحسنه الإِنسان؛ لأن الإِنسان قد يستحسن المعصية، وهذا استحسان بشري بعيد عن المنهج، أما الاستحسان الشرعي فهو في تنفيذ المنهج بـ " افعل " و " لا تفعل ".
    والحسنة المعتبرة في عرف المكلفين من الله هي الحسنة الشرعية؛ لأن الإِنسان قد يستحسن شيئاً وهو غير شرعي لأنه ينظر إلى عاجلية النفع فيه، ولا ينظر إلى آجلية النفع، ولا ينظر إلى كمية النافع. والنفع - كما نعلم - في الدنيا على قدر تصورك في النفع، أما النفع في الآخرة فلا يعلم قدره إلا علاّم الغيوب - سبحانه - إذن فقوله: * وَاكْتُبْ لَنَا فِي هَـاذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً * يكون المراد بها الحسنة الشرعية في الدنيا عملاً، وفي الآخرة جزاءً.
    ونلحظ أن موسى أراد بالحسنة الأولى ما يعم الحسنة الشرعية والحسنة اللغوية؛ فهو دعاء بالعافية والنعم الجلية الطيّبة؟، وكل خير الدنيا في ضوء منهج الله. والحق سبحانه وتعالى يقول:* قُلْ هِي لِلَّذِينَ آمَنُواْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ... *[الأعراف: 32]
    إذن فالحسنة الخالصة هي في يوم القيامة، ولكن هناك من ينتفع بها في الدنيا؛ فالجماد منتفع برحمة الله، والنبات برحمة الله، والحيوان منتفع برحمة الله، والكافر منتفع برحمة الله. كل ذلك في الدنيا، وهي الرحمة التي وسعت كل شيء، لكن مسالة الآخرة كجزاء على الإِحسان فهو جزاء خاص بالمؤمنين.
    ويتابع الحق على لسان موسى عليه السلام: * إِنَّا هُدْنَـآ إِلَيْكَ *.
    و " هاد " أي رجع، و " هدنا إليك " أي رجعنا إليك، وهذا كلام موسى عن نفسه وعن أخيه، وعن القوم الذين عبدوا العجل ثم تابوا، وما دمنا قد رجعنا إليك يا ربي فأنت أكرم من أن تردنا خائبين. ويرد الحق سبحانه: *...قَالَ عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَآءُ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَـاةَ وَالَّذِينَ هُم بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ * [الأعراف: 156]
    وقوله الحق: * عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَآءُ * أي لا يوجد من يدفعني ويرشدني في توجيه العذاب لأحد؛ فحين يذنب عبد ذنباً أنا أعذبه أو أغفر له؛ لذلك لا يقولن عبد لمذنب إن الله لابد أن يعذبه؛ لأنه سبحانه هو القائل: * عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَآءُ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ... * [الأعراف: 156]
    وما المقصود بالرحمة هنا؟ أهي الرحمة في الدنيا أو الرحمة في الآخرة؟ إنها الرحمة في الدنيا التي تشمل الطائع والعاصي، والمؤمن والكافر، ولكنها خالصة في اليوم الآخر - كما قلنا - للمؤمنين.
    وقوله سبحانه: * فَسَأَكْتُبُهَا * يدل على أن هذا سيكون في الآخرة. أي أن رحمة الله وسعت كل شيء في الدنيا ولكنها رحمة تنتهي بالنسبة للكافرين في إطار الدنيا، ولكن بالنسبة للمؤمنين فهي رحمة مستمرة قد كتبها الله أزلاً وتعطي للمؤمنين فضلاً ومنًّة وعطاء منه - سبحانه - *...فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَـاةَ وَالَّذِينَ هُم بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ * [الأعراف: 156]
    وعندما سمع بعض اليهود ذلك قالوا: نحن متقون، فقيل لهم: في أي منهج أنتم متقون أفي منهج موسى؟ لو كنتم متقين في منهج موسى - كما تزعمون - لآمنتم بمحمد - صلى الله عليه وسلم - لأن من تعاليم موسى أن تؤمنوا برسول الله محمد - عليه الصلاة والسلام - ولذلك جاء قوله تعالى: * الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ... *
    كلمتان خفيفتان على اللسان .. ثقيلتان في الميزان .. حبيبتان إلى الرحمن

    سبحان الله وبحمده .. سبحان الله العظيم

  8. #28
    Super Moderator
    رقم العضوية : 2
    تاريخ التسجيل : Jun 2016
    المشاركات: 3,273
    التقييم: 10
    الدولة : الأردن
    العمل : طالب علم
    الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (157)

    فهذه تسع صفات لسيدنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهي أن الله أوحى إليه كتابًا مختصاً به وهو القرآن، وأنه صاحب المعجزات، أنه بلّغ ونبأ بأفضل وأتم العقائد والعبادات والأخلاق - وهو - عليه الصلاة والسلام - الأمي الذي لم يمارس القراءة والكتابة ولم يجلس إلى معلم، فهو - عليه السلام - باقٍ على الحالة التي ولد عليها، وقد ذكره ربّه - جل وعلا - باسمه وصفاته ونعوته عند اليهود والنصارى في التوارة والإِنجيل وقد كتمها الكافرون منهم أو أساءوا تأويلها، كما وصفه ربه بأنه يأمرهم بالمعروف ويكلفهم بفعل ما تدعوا إليه الطبائع المستقيمة والفطر السليمة؛ لأن في ذلك النجاح في الدنيا والفلاح في الآخرة، وأنه - صلى الله عليه وسلم - يزجرهم وينهاهم عن كل منكر مستهجن تستقبحه الجبلة القويمة، والخلقة السوية، ويحل لهم ما حرم عليهم من الطيبات التي منعوا منها وحظرها الله عليهم جزاء طغيانهم وضلالهم، ويحرم عليهم كل ضار وخبيث: كأكل الميتة والمال الحرام من الربا والرشوة والغش، ويخفف عنهم ما شق عليهم وثقل من التكاليف التي كانت في شريعة موسى - عليه السلام - كقطع الأعضاء الخاطئة وتحريم الغنائم عليهم ووجوب إحراقها، وكذلك يخفف الله ويحط عنهم المواثيق الشديدة التي فرضت عليهم عقابا لهم على فسوقهم وظلمهم.
    يقول - جل شأنه -:* فَبِظُلْمٍ مِّنَ الَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَن سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيراً * وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُواْ عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَاباً أَلِيماً *[النساء: 160-161]
    وهكذا أعلم الله الرسل السابقين على سيدنا رسول الله أن يبلغوا أقوامهم بمجيء محمد صلى الله عليه وسلم، وأن يؤمن الأقوام التي يشهدون ويعاصرون رسالته صلى الله عليه وسلم، صحيح أن رسول الله لم يكن معاصراً لأحد من الرسل، ولكن البشارة به قد جاءت بها أنبياؤهم وسجلت في الكتب المنزلة عليهم، وكل رسول سبق سيدنا محمداً صلوات الله وسلامه عليه، قد أمره الله أن يبلغ الذين أرسل إليهم أن يتبعوا الرسول محمداً ويؤمنوا به ولا يتمسكوا بسلطة زمنية ويخافوا أن تنزع منهم. ومادام الرسول صلى الله عليه وسلم قد جاء ومعه معجزة وبينة فلابد أن يؤمنوا به.* وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّيْنَ... *[آل عمران: 81]
    إذن فقد صنع الله سبحانه وتعالى خميرة إيمانية حتى لا يتعارض اتباع الأديان. ولا يفهم أصحاب دين موجود أن ديناً آخر جاء لينسخه ويأخذ منه السلطة الزمنية؛ لأن رسالة الإِيمان موصولة وتحدث الأقضية للناس بامتداد الزمان. فكل الرسل يحرصون على أن تكون الحياة آمنة سعيدة تتساند فيها المواهب ولا تتعاند فيها الحركات.

    وقد طلب الحق من الرسل ذلك وأخذ عليهم العهد وبعد ذلك أكده فقال:
    * أَأَقْرَرْتُمْ * واستوحى منهم الكلام الذي يؤيد هذا المنهج. ولذلك لا يصح لتابع نبي أن يصادم رسالة جديدة مؤيدة بمعجزة ومؤيدة بمنهج يضمن للإِنسان الحياة وسلامتها وسعادتها.
    ولم يكتف الحق بأن يجعل الإِيمان برسالة رسول الله صلى الله عليه ونسلم مجرد خبر، بل وضع لمحمد وحده سمة في الكتب التي سبقته، ووصفه لهم مشخصاً، وحين يصفه مشخصاً فهذا أوضح من الخبر عنه بكلام. ولذلك قال عبدالله بن سلام عندما سأله عمر رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أنا أعلم به منّي يا بني. قال: وَلِمَ؟ قال: لأني لست أشك في محمد أنه نبيّ، فأما ولدي فلعل والدته قد خانت، فقبّل عمر رأسه. ولذلك يقول الحق سبحانه: * يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَآءَهُمُ *.
    ولا شك أن الإِنسان يعرف ابنه معرفة دقيقة. ورسول الله صلى الله عليه وسلم كانت له سمات خاصة وهي التي تثبت شخصيته صلى الله عليه وسلم المادية، وليس الأمر في رحلة الإِسراء والمعراج مجرد كلام، بل إنه حينما سئل عن هذه الرحلة قال: " رأيت موسى وإذا رجل ضَرْبٌ، رَجَلٌ كأنه من رجال شنوءة، ورأيت عيسى فإذا رَبعة أحمر كأنه خرج من ديماس- الحمَّام- وأنا أشبه ولد إبراهيم به ".
    وكذلك أعطى الله في التوراة والإِنجيل لا الخبر عن محمد صلى الله عليه وسلم فقط، بل أعطي تفاصيل صورته بحيث تتشخص لهم، فلا يلتبس به عند مجيئه مع التشخيص شريك، فبقول سبحانه: * يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَآءَهُمُ *. ولكن فريقاً منهم كتموا الحق ليحتفظوا بالسلطة الزمنية، لأنهم كانوا يظنون أنه حين يأتي دين جديد سيأخذ منهم هذه السلطة الزمنية ويقود الأمم والشعوب. لقد أراد الحق سبحانه وتعالى أن يجعل رسل السماء إلى الأرض متعاونين لا متعاندين، ينصر بعضهم بعضاً. كما جاء في سورة الفتح:* مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّآءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَآءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الإِنجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ مِنْهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً *[الفتح: 29]
    لقد جاء الحق بصورة المؤمنين برسالة رسول الله صلى الله في التوراة والإِنجيل، لأن الدين الإِسلامي الذي نزل على محمد لن يأتي دين بعده؛ لذلك جاء بسيرة رسول الله وصفاته وصفات أتباعه في التوراة والإِنجيل، وفي هذا الدين ما تفتقده اليهودية التي انجرفت إلى مادية صرفة وتركت الروحانيات؛ لذلك تأتي سيرة أتباع محمد في التوراة: * سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ *.
    حين أسرف اليهود في المادية أراد الله أن يأتي برسول يجنح ويميل إلى الروحانية وهو سيدنا عيسى بن مريم عليه السلام.

    . ليحصل الاعتدال في تناول الحياة دون إفراط أو تفريط.
    إذن فالحق سبحانه وتعالى مهد لكل رسول بأن يبشر به الرسول السابق لأنه لا معاندات في الرسالات. ولما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم هو خاتم الموكب الرسالي، كان ولابد أن يصفه الله - سبحانه - وصفًّا ليس بالكلام، بل يصفه كصورة، بحيث إذا رأوه يعرفونه، ولذلك نجد سيدنا سلمان الفارسي حين رأى رسول الله في المدينة ورأى منه علامات كثيرة أحب أن يرى فيه علامة مادية، فرأى في كتف الرسول خاتم النبوة.
    ولكن هل نفع ذلك؟ نعم، فكثير من الناس آمن به. " وقد أقام رسول الله مناظرة بينه وبين اليهود بواسطة عبدالله بن سلام، الذي قال بعد أن أسلم بين يدي رسول الله: " يا رسول الله إن اليهود قوم بهت إن علموا بإسلامي قبل أن تسألهم بهتوني عندك، فجاءت اليهود ودخل عبدالله البيت، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: أي رجل فيكم عبدالله بن سَلاَم؟ قالوا: أعلمنا وابن أعلمنا وأخيرنا وابن أخيرنا. فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: أفرأيتم إن أسلم عبدالله؟ قالوا: أعاذه الله من ذلك؟ فخرج عبدالله إليهم، فقال: أشهد أن لا إله إلاَّ الله، وأشهد أن محمداً رسول الله. فقالوا: شرنا وابن شرنا ووقعوا فيه ".
    إذن فالأوصاف الكلامية والأوصاف الشخصية المشخصة جاءت حتى لا يقال: إن أديان السماء تتعاند، إنها كلها متكاتفة في أن تصل الأرض بالسماء على ما تقتضيه حالة العصر زماناً ومكاناً. وقديماً كان العالم معزولاً عن بعضه، وكل بيئة لها أجواؤها وداءاتها؛ فيأتي الرسول ليعالج في مكان خاص داءات خاصة، لكن الله جاء برسوله صلى الله عليه وسلم بعد أن توحدت هذه الداءات في الدنيا؛ جاء رسولنا الكريم ليعالج هذه الداءات العالمية، وجاء رسول الله مؤيداً بأوصافه ومؤيداًُ بتعاليمه التي تخفف عنهم إصرهم وأغلالهم، والإِصر هو الحِمْل الثقيل، والأغلال جمع غُلّ وهو الحديدة التي تجمع اليدين إلى العنق لتقييد الحركة.
    وقد ذكر الحق الأوصاف ومهَّد الأذهان إلى مجيء رسالة محمد صلى الله عليه وسلم ليضع عنهم الأغلال بالنور الذي نزل على محمد صلى الله عليه وسلم، فالرسالة المحمدية هي الجامعة المانعة، ولذلك يقول الحق بعد ذلك: * قُلْ ياأَيُّهَا النَّاسُ... *
    قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (158)

    هنا يأمر الحق رسوله بالآتي: * قُلْ ياأَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً * في رسالة تعم الزمان، وتعم المكان. وفي ذلك يقول رسول الله:
    " أعطيت خمساً لم يُعْطَهن أحد من الأنبياء قبلي.. نُصرت بالرعب مسيرة شهر، وجُعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً، فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصل، وأحلت لي الغنائم وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى الناس كافة وأعطيت الشفاعة ".
    ثم بعد ذلك أراد الحق سبحانه وتعالى أن يثبت عمومية الرسالة بعمومية تسخير الكون للخلق؛ لذلك كان الحديث موجهاً إلى كافة الناس: * قُلْ ياأَيُّهَا النَّاسُ *. وكل من يطلق عليهم ناس فالرسول مرسل إليهم: * إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً * وأراد سبحانه أن يعطينا الحيثيات التي تجعل لله رسولاً يبلغ قومه وكافة الأقوام منهج الله في حركة حياتهم، فقال: * الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ *.
    ومادام هو الذي يملك السموات والأرض، ولم يدّع أحد من خلقه أنه يملكها، وفي السموات والأرض وما بينهما حياتنا ومقومات وجودنا فهو سبحانه أولى وأحق أن يعبد. ولو أن السماء لواحد، والهواء لواحد، والأرض لواحد، وما بينهما لواحد لكان من الممكن أن يكون إله هنا، وإله هناك وإله هنالك. وفي هذا يقول الحق:* إِذاً لَّذَهَبَ كُلُّ إِلَـاهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلاَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ... *[المؤمنون: 91]
    إذن فما دام الوجود كله من السموات والأرض وما سواهما لله، فهو الأوْلى أن يعبد، وأول قمة العبادة أن تشهد بأنه لا إله إلا الله، وحيثية ألوهيته الأولى أن له ملك السماوات والأرض. وما دام إلهاً فلا بد أن يطاع، ولا يطاع إلا بمنهج، ولا منهج إلا بافعل ولا تفعل. وأول المنهج القمة العقدية إنه هو التوحيد. وجعل الله للتوحيد حيثية من واقع الحياة فقال: * يُحْيِـي وَيُمِيتُ *. وهذا أمر لم يدعه أحد أبداً؛ لأن الله هو الذي له ملك السموات والأرض، ولأنه يحيي ويميت.
    ولذلك نجد من حاجّ إبراهيم في ربه يقول الحق عنه:* أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِـي وَيُمِيتُ... *[البقرة: 258]
    وحاول هذا الملك أن يدير حواراً سفسطائيًّا مضللا ليفحم ويسكت إبراهيم - عليه السلام - فقال:* أَنَا أُحْيِـي وَأُمِيتُ... *[البقرة: 258]
    وذلك بأن يأمر بقتل انسان ثم يعفو عنه، وهو بذلك لا يميته بل يحييه في منطق السفسطائيين. لكن هل الأمر بالقتل هو الموت؟. طبعا لا؛ لأن هناك فارقا بين الموت والقتل، فقد يقتل إنسان إنساناً آخر، لكنه لا يمكن أن يميته؛ لأن الموت يأتي بدون هدم بنيته بشيء؛ برصاصة أو بحجر أو بقنبلة. ولا أحد قادر على أن يميت احداً إذا رغب في أن يميته، فالموت هو الحادث بدون سبب، لكن أن يقتل إنسان إنساناً آخر فهذا ممكن، ولذلك يقول الحق سبحانه عن نفسه: * يُحْيِـي وَيُمِيتُ فَآمِنُواْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ... * [الأعراف: 158]
    وانظروا إلى الدقة في الأداء؛ فما دام قد أمر الحق رسوله أن يقول: إني رسول الله إليكم جميعاً، وحيثية الإِيمان هي الإِقرار والاعتقاد بوحدانية الإِله الذي له ملك السموات والأرض، وهو لا إله إلا هو، وهو يحيي ويميت؛ لذلك يدعوهم إلى الإِيمان بالخالق الأعلى: * فَآمِنُواْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ *.
    لم يقل محمدٌ وآمنوا بي؛ لأنها ليست مسألة ذاتية في شخصك ما يا محمد، إنما هو تكريم لرسالتك إلى الناس، فالإِِيمان لا بذاتك وشخصك، ولكن لأنك رسول الله، فجاء بالحيثية الأصلية * فَآمِنُواْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ * ، والرسول قد يكون محمداً أو غير محمد.. وبعد ذلك قال في وصف النبي: * النَّبِيِّ الأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ *. والأمية - كما علمنا من قبل - شرف في سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وهو صلى الله عليه وسلم يؤمن بكلمات الله، وهي إما بما بلغنا عنه من أسلوب القرآن، وإمّا بالذي قاله موسى لقومه: " وجعل كلامي في فيه ".
    ويقول فيه عيسى - الذي لا يتكلم من قِبَل نفسه -، وإنما تأتي له كلمات ربنا في فمه، والقول الشامل في وصف كلمات محمد صلى الله عليه وسلم: ما بيّنه الحق في قوله:* وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى *[النجم: 3]
    أو أن الإِيمان بالكلمات هو أن يؤمن بأن كل كون الله مخلوق بكلمة منه:* إِنَّمَآ أَمْرُهُ إِذَآ أَرَادَ شَيْئاً أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ *[يس: 82]
    ولقائل أن يقول: كيف يخاطب الله شيئاً وهو لم يكن بعد؟ ونقول: إنه سبحانه قد علمه أزلاً، ووجوده ثابت وحاصل، ولكن الله يريد أن يبرز هذا الموجود للناس، فوجود أي شيء هو أزلي في علم الله، وكأنه يقول للشيء: اظهر يا كائن للوجود ليراك الناس بعد أن كنت مطموراً في طيّ قدرتي.
    وسواء أكانت الكلمة بخلق الأسباب، مثل خلث الشمس والقمر أم بخلق شيء بلا أسباب، كعيسى - عليه السلام - فأنه " كلمة منه " أي كلمة تخطت نطاق الأسباب؛ بأن ولدت سيدتنا مريم من غير رجل. وفي هذا تخطٍ للأسباب، ولذلك قال الحق سبحانه:
    * بِكَلِمَةٍ مِّنْهُ *. ونعلم أن كل شيء لا يكون إلا بكلمة منه سبحانه، ولكن بكلمة لها أسباب، أو بكلمة لا أسباب لها. والكلمات هي أيضاً الآيات التي فيها منهج الأحكام، ولذلك يأتي قوله الحق:* قُولُواْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَآ أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَآ أُنزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ وَمَآ أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمْ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ *[البقرة: 136]
    ويروي لنا الأثر أن سيدنا موسى عليه السلام قال لربه:
    " أني أجد في الألواح أمة يؤمنون بالكتاب الأول وبالكتاب الآخر ويقاتلون فصول الضلالة حتى يقاتلوا الأعور الكذاب، فاجعلهم أمتي قال: تلك أمة أحمد ".

    وقول موسى آمنوا بالكتاب الآخر، هو الذي يدل عليه قول الحق سبحانه:* قُولُواْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَآ أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَآ أُنزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ... *[البقرة: 136]
    ويذيل الحق الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها بقوله:
    * وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ *. و " لعل " رجاء وطلب. ونعلم أن كل طلب يتعلق بأحد أمرين: إما طلب لمحال لكنك تطلبه لتدل بذلك على أنك تحبه، وهو لون من التمني مثل قول من قال: ليت الشباب يعود يوماً، إنه يعلم أن الشباب لا يعود لكنه يقول ذلك ليشعرك بأنه يحب الشباب. أو كقول إنسان: ليت الكواكب تدنو لي فأنظمها عقود مدح، وهذا طلب لمحال، إلا أنه يريد أن يشعرك بأن هذا أمر يحبه، إمَّا طلب ممكن التحقيق. وهو ما يسمى بالرجاء. وله مراحل: فأنت حين ترجو لإِنسان كذا، تقول: لعل فلاناً يعطيك كذا، والإِدخال في باب الرجاء أن تقول: لعلي أعطيك؛ لأن الرجاء منك أنت، وأنت الذي تقوله، ومع ذلك قد لا تستطيع تحقيقه، والأقوى أن تقول: لعل الله يعطيك. أما الله يعطيك. ولكنها من كلامك أنت فقد يستجيب الله لك وقد لا يستجيب، أما إذا قال الله: لعلكم، فهذا أرجي الرجاءات، ولابد أن يتحقق.
    وحينما يتكلم الحق عن قوم موسى، يتكلم عنهم بعرض قصصهم، وفضائحهم للعهد بعد نعم الله الواسعة الكثيرة عليهم، وأوضح لنا: إياكم أن تأخذوا هذا الحكم عاماً؛ لأن الحكم لو كان عاماً، لما وُجد من أمة موسى من يؤمن بمحمد. ولذلك قلنا قديماً إن هناك ما يسمى " صيانة الاحتمال ". ومثال على ذلك نجد من اليهود من آمنوا برسالة رسول الله مثل مخريق الذي قال فيه رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " مخريق خير يهود ". وعبدالله بن سلام إن بعض اليهود كانوا مشغولين بقضية الإِيمان، ولذلك لا تأخذ المسألة كحكم عام؛ لأن من قوم موسى من يصفهم الحق بالقول الكريم: * وَمِن قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ... *
    وَمِنْ قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ (159)

    وحين يسمع قوم موسى هذا القول سيقولون في أنفسهم أنه يعلم ما في صدورنا من تفكير في الإِيمان برسالة صلى الله عليه وسلم. ولكن لو عمَّم الحكم فمن يفكر في الإِيمان بمحمد يقول: لماذا يصدر حكماً ضدي وأنا أفكر في الإِيمان؟ لكن الحق " صان الاحتمال " وأوضح لكل واحد من هؤلاء الذين يفكرون في الإِيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم أن يتجه إلى إعلان الإِيمان فقال: * وَمِن قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ * [الأعراف: 159]
    أي يدلون الناس على الحق ويدعونهم إلى طريق الخير، وبهذا الحق يعدلون في حكمهم بين الناس ولا يجورون.
    ويقول الحق بعد ذلك: * وَقَطَّعْنَاهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ... *
    وَقَطَّعْنَاهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْبَاطًا أُمَمًا وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى إِذِ اسْتَسْقَاهُ قَوْمُهُ أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْبَجَسَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ وَظَلَّلْنَا عَلَيْهِمُ الْغَمَامَ وَأَنْزَلْنَا عَلَيْهِمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (160)

    وحين يقول الحق " قطعناهم " فهذه عودة لقوم موسى، ونعرف أن القرآن لا يخصص كأي كتاب فصلاً لموسى وآخر لعيسى وثالثاً لمحمد، لا، بل يجعل من المنهج الإِيماني عجينة واحدة في الدعوة، فيأتي بقضية عيسى، ثم يدخل في الدعوة قضية موسى وغيره وهكذا، ثم يرجع إلى القضية الأصلية كي يستغل انفعالات النفس بعد أي قصة من القصص.
    وهنا يعود الحق سبحانه لقوم موسى مرة أخرى. فبعد أن أنصفهم وبيّن أن فيهم أمة يهدون بالحق وبه يعدلون. يقول: * وَقَطَّعْنَاهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْبَاطاً أُمَماً *. والمقصود هنا بنو إسرائيل، ومعنى " قطعت الشيء " أن الشيء كان له تمام وجودي مع بعضه، ثم قطعته وفصلت بعضه عن بعض، وجعلته قطعاً وأجزاء. فهم كلهم بنو إسرائيل، ولكن الحق يوضح أنه قطعهم وجعلهم " أسباطاً " ، و " السبط " هو ولد والولد، وهم هنا أولاد سيدنا يعقوب وكانوا اثني عشر ولداً، وحكت سورة يوسف وقالت:* ...ياأَبتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ *[يوسف: 4]
    وحين تعد وتحصي ستجد أحد عشر كوكباً مرئية، وتضم إليها الشمس والقمر والرائي، فيصير العدد أربعة عشر واترك الشمس والقمر لأنهما يرمزان إلى يعقوب وزوجه، وخذ الأحد عشر كوكباً، وأضف الرائي وهو يوسف فيكون العدد اثنى عشر. وهؤلاء هم الاثنى عشر سبطاً، فقد أنجب سيدنا يعقوب اثنى عشر ابناً من أمهات مختلفة، وعرفنا من قبل أن الأمهات حين تتعدد فالميول الأهوائية بين الأبناء قد تتعاند. ولذلك تنبأ سيدنا يعقوب وقال لسيدنا يوسف:* لاَ تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُواْ لَكَ كَيْداً... *[يوسف: 5]
    هذا أول دليل على أنهم مختلفون، وهو سبب من أسباب وحيثية التقطيع: * وَقَطَّعْنَاهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْبَاطاً *.
    وفي سورة يوسف نقرأ:* هَـاذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِن قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقّاً... *[يوسف: 100]
    وهنا يقول الحق سبحانه: * وَأَوْحَيْنَآ إِلَى مُوسَى إِذِ اسْتَسْقَاهُ قَوْمُهُ أَنِ اضْرِب بِّعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانبَجَسَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْناً... * [الأعراف: 160]
    إنهم لا يريدون حتى مجرد الاشتراك في الماء تحسباً للاختلاف فيما بينهم، فجعل الحق لكل سبط منهم عيناً يشرب منها ليعالج ما فيهم من داءات الغيرة والحقد على بعضهم البعض؛ لأن الحق قال عنهم: * وَقَطَّعْنَاهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْبَاطاً أُمَماً *.
    وهنا وقفة لغوية فقط، والأسباط في أولاد يعقوب وإسحاق يقابلون القبائل في أولاد إسماعيل، وأولاد إسماعيل " العرب " يسمونهم قبائل، وهؤلاء يسمونهم " أسباطاً " ، ونعرف أن لفظ " اثنتي " يدل على أنهم إناث، و " عشرة " أيضاً إناث، لأننا نقول: " جاءني رجلان اثنان " و " امرأتان اثنتان "؛ أي اثنان للذكور، واثنتان للإِناث، وكلمة " اثنتي عشرة " عدد مركب وتمييزه يكون دائماً مفرداً، ولذلك يقول الحق: * أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً *.

    إذن " اثنتا عشرة " يدل على أنه مؤنث. لكن المذكور هنا " سبط " وسبط مذكر، ولنا أن نعرف أنه إذا جمع صار مؤنثاً لأنهم يقولون: " كل جمع مؤنث " وأيضاً فالمراد بالأسباط القبائل، ومفردها قبيلة وهي مؤنثة، وقطعهم أي كانت لهم - من قبل - وحدة تجمعهم، فأراد الحق أن يلفتنا إلى أنهم من شيء واحد، فجاء بكلمة " أسباط " مكان قبيلة، وقبيلة مفردة مؤنثة، ويقال: " اثنتا عشرة قبيلة " ، ولا يقال اثنتا عشرة قبائل، فوضع أسباطاً، موضع قبيلة لأن كل قبيلة تضم أسباطاً لذا جاء التمييز مذكراً... * وَقَطَّعْنَاهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْبَاطاً أُمَماً... * [الأعراف: 160]
    أي جعلنا كل سبط أمة بخصوصها. والواقع الكوني أثبت أنهم كذلك؛ لأنك لا تجد لهم - فيما مضى - تجمعاً قوميًّا وهو ما يسمونه " الوطن القومي لليهود " برغم أن الدول الظالمة القوية أعانوهم وأقاموا لهم وطنًّا على أرض فلسطين، ومع ذلك نجد في كل بلد طائفة منهم تعيش معزولة عن الشعوب التي تحيا في رحابها، وكأنهم لا يريدون أن يذوبوا في الشعوب، ففي باريس - مثلاً - تجد " حي اليهود " ، وفي لندن المسألة نفسها، وفي كل مدينة كبيرة تتكرر هذه الحكاية، فهم يعيشون فيها بطقوسهم وبشكلهم وبأكلهم، وبعاداتهم معزولين عن الشعوب، وكأنهم ينفذون قدر الله فيهم: * وَقَطَّعْنَاهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْبَاطاً أُمَماً *.
    وقطعهم ربنا في الأرض أي أنه نشرهم في البلاد، ولم يجعل لهم وطناً مستقلاً، ولذلك ستقرأ في سورة الإِسراء إن شاء الله: * وَقُلْنَا مِن بَعْدِهِ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ اسْكُنُواْ الأَرْضَ... *.
    أي أنه سبحانه قال لهم بعد سيدنا موسى: اسكنوا الأرض وحين تقول لنا يا رب: " اسكن " فأنت تحدد مكاناً من الأرض. كأن يسكن الإِنسان في الإِسكندرية أو القاهرة أو الأردن أو سوريا، لكن أن يصدر الحكم بأن * اسْكُنُواْ الأَرْضَ * فهذا يعني أن انساحوا فيها فلا تجمع لكم.
    ويقول الحق: * فَإِذَا جَآءَ وَعْدُ الآخِرَةِ جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفاً *.
    أي أنه حين يجيء وعد الآخرة تكون ضربة قاضية عليكم - أيها اليهود - لأن عدوكم لن يتتبعكم في كل أمة من الأمم، ويبعث جيشاً يحاربكم في كل مكان تعيش فيه طائفة منكم، لكن إذا جاء وعد الآخرة يأتي بهم الحق لفيفاً ويتجمعون. في هذا الوطن القومي الذين يفرحون به، ونقول لهم: لا تفرحوا فهذا هو التجمع الذي قال الله عنه: * جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفاً * لتكون الضربة موجهة لكم في مكان واحد تستأصلكم وتقضي عليكم.
    ويأتي الحق بعد ذلك بخبر المعجزات: * وَأَوْحَيْنَآ إِلَى مُوسَى إِذِ اسْتَسْقَاهُ قَوْمُهُ أَنِ اضْرِب بِّعَصَاكَ الْحَجَرَ... * [الأعراف: 160]
    كلمتان خفيفتان على اللسان .. ثقيلتان في الميزان .. حبيبتان إلى الرحمن

    سبحان الله وبحمده .. سبحان الله العظيم

  9. #29
    Super Moderator
    رقم العضوية : 2
    تاريخ التسجيل : Jun 2016
    المشاركات: 3,273
    التقييم: 10
    الدولة : الأردن
    العمل : طالب علم
    و " استسقى " المراد منه هو طلب السقيا، والسقيا هي طلب الماء الذي يمنع على الإِنسان العطش، ومادام قد طلبوا السقيا فلابد أنهم يعانون من ظمأ، كأنهم في التيه. وأراد الله سبحانه أن يبرز لهم نعمه وقت الحاجة، فقد تركهم إلى أن عطشوا ليستسقوا وليشعروا بنعمة الرِّي.
    والحق يقول: * إِذِ اسْتَسْقَاهُ قَوْمُهُ * ، أي طلبوا من سيدنا موسى أن يسأل الله السقيا. فلماذا لجأوا إلى موسى وقت الظمأ؟ وقال لهم موسى: ليس بذاتي أرويكم، ولكن سأستسقي لكم ربي، ونعلم أن مقومات الحياة بالترتيب الوجودي الاضطراري: الهواء والماء والطعام. وساعة ترى " همزة " وسيناً " وتاء " واقعة على شيء من الأشياء فاعرف أنه أمر مطلوب ومرغوب فيه.
    مثال ذلك: حين سار موسى والعبد الصالح ونزلا قرية استطعما أهلها، أي طلبا طعاماً وهذا هو المقوم الثالث للحياة. وهنا " استسقى " أي طلب المقوم الثاني وهو الماء، ونعلم أن المقوم الأول وهو الهواء لا نستغني عنه. لذا لم يضعه الله في يد أحد بل أعطاه ومنحه كل الخلق.
    ولما كان الهواء غير مملوك وهو مشاع؛ لذلك لم توجد فيه هذه العملية. إنما الطعام يُمكن أن يُملك، والماء يُمكن أن يُملك، فقال سبحانه مرة " استطعم " ، وقال هنا " استسقى " ، ولم يوجد " استهوى " لطلب الهواء، لكن وجد في القرآن " استهوى " بمعنى طلب أن تكون على هواه:* اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ... *[الأنعام: 71]
    أي طلبت الشياطين أن يكون هواه ومراده تبعاً لما يريدون لا لما يريده الله.
    وقصة الاستسقاء وردت من قبل في سورة البقرة: * وَإِذِ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ *. وفي سورة الأعراف التي نحن بصدد خواطرنا عنها هم الذين طلبوا الاستسقاء. فهل هناك تعارض؟. طبعاً لا؛ لأن قوم موسى طلبوا السقيا من موسى، فطلب لهم السقيا من ربه. فهل هذا تكرار؟ لا؛ لأنه سبحانه تكلم عن الواسطة، وبعد ذلك تكلم عن الأصل، وهو سبحانه الواهب للماء؛ فقال هنا: " إذ استسقاه قومه " ، وفي سورة البقرة قال: * وَإِذِ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ *.
    وهذا ترتيب طبيعي. أقول ذلك لنعرف الفارق بين العبارتين حتى نؤكد أنه لا خلاف ولا تكرار؛ لأن المستسقي هنا القوم، والمستسقي لهم هنا هو موسى والمستسقي منه هو الله - جلت قدرته- وهذا أمر طبيعي.
    والحق سبحانه يقول في سورة البقرة:* وَإِذِ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِب بِّعَصَاكَ الْحَجَرَ... *[البقرة: 60]
    ونجد الوحي نزل إلى موسى بقوله: * فَقُلْنَا اضْرِب *؛ وهنا في سورة الأعراف نجد الحق يقول: * وَأَوْحَيْنَآ إِلَى مُوسَى إِذِ اسْتَسْقَاهُ قَوْمُهُ أَنِ اضْرِب بِّعَصَاكَ الْحَجَرَ... * [الأعراف: 160]
    ولنا أن نعرف أَنَّ * فَقُلْنَا * تساوي " أوحينا " تماماً، لأن المقصود بالقول هنا ليس من مناطات تكليم الله لموسى، بل مناط هذه القضية غير المناط في قوله الحق: * وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيماً *.

    فليس كل وحي لموسى جاء بكلام مباشر من الله، بل سبحانه كلمه مرة واحدة كتشريف له، ثم أوحي له من بعد ذلك كغيره من الرسل.
    وقوله الحق: * أَنِ اضْرِب بِّعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانبَجَسَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْناً... * [الأعراف: 160]
    هذا القول يدلنا على الإِعجاز المطلق، فمرة أمر الحق موسى أن يضرب الماء بالعصا * فَانفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ * ، ومرة يأمره هنا أن يضرب الحجر فينحبس منه الماء، وهكذا نرى طلاقة قدرة الله في أن يعطي ويمنع بالشيء الواحد، ولم يكن ذلك إلا بالأسباب التي في يد الله يحركها كيف يشاء. ولذلك رأينا أمر الله حين ضرب موسى البحر بعصاه، فصار كل فرق كالطود، أي كالجبل، وامتنعت السيولة، ولما خرج موسى وقومه إلى البر بعد أن عبر البحر أراد أن يضرب البحر ليعود ثانية إلى سيرته الأولى من السيولة، فأوحى له الله: * وَاتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْواً *.
    أي تركه كما هو عليه؛ لأن الله يريد أن يغتر فرعون وقومه بأن يروا اليابس طريقاً موجوداً بين الماء، فيحاولوا النفاذ منه وراء موسى وقومه، وما أن دخل فرعون وقومه خلف موسى حتى عاد الماء إلى سيولته فغرق فرعون وقومه. وهكذا أنجى الله وأغرق بالشيء الواحد، وكذلك في أمر العصا؛ إنها حين ضربت الماء فلقته فصار كل فرق كالطود والجبل الشامخ، ثم ضرب موسى بها الحجر فانبجست منه اثنتا عشرة عينا من الماء، وهكذا نرى قدرة من بيده القدرة والأسباب. * اضْرِب بِّعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانبَجَسَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْناً... * [الأعراف: 160]
    وهنا تعبير " انبجست " ، وهناك تعبير " انفجرت " ، ونعلم أن الانبجاس يحدث أولاً ثم يتبعه الانفجار ثانياً، فالانبجاس أن يأتي الماء قطرة قطرة، ثم يأتي الانفجار وتتدفق المياه الكثيرة، فكان موسى عليه السلام أول ما يضرب الضربة تأتي وتجيء المياه قليلة ثم تنفجر بعد ذلك. إذن فقد تكلم الحق عن المراحل التي أعقبت الضربة في لقطات متعددة لمظهر واحد؛ له أولية وله آخرية.
    وحين تكلم أمير الشعراء عن عطاء الله وقدرته قال:
    سبحانك اللهم خير معلم علمت بالقلم القرون الأولىرسلت بالتوراة موسى مرشداً وابن البتول فعلَّم الإِنجيلاثم جاء لسيدنا محمد وقال:
    وفجرت ينبوع البيان محمداً فسقى وناول التنزيلاوهنا توفيق رائع في العبارة حين قال: " فسقى الحديث " ، فالحديث سقيا أما القرآن فمناولة من الله لخلقه. والحق يقول: * فَانبَجَسَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْناً *.
    إن الضربة واحدة من عصا واحدة، وكان المفترض أن تحدث هذه الضربة عينا واحدة تنبع منها المياه، لكن الحق أرادها اثنتي عشرة عينا وعلم كل أناس مشربهم؛ لذلك كان لابد أن يكون المكان متسعاً.

    وأن هذه الضربة كانت إيذاناً بالانفعال من الأرض. * فَانبَجَسَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْناً قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَّشْرَبَهُمْ... * [الأعراف: 160]
    ومن أين عرف كل قسم منهم الماء الذي يخصه؟ إنها قسمة الله وصارت كل عين تجذب أصحابها، فلم يتزاحموا، وهذا يدل أيضاً على التساوي، فلم تنفجر عين بماء أكثر من الأخرى فتثير الطمع، لا، بل انتظم الجميع فيما أراده الحق: * قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَّشْرَبَهُمْ *.
    والحق هنا يتكلم عن رحلة بني إسرائيل في التيه، وفي الصحراء والشمس محرقة، ولا ماء، فاستسقوا موسى، فطلب لهم السقيا من الله، وجاءت لهم اثنتا عشرة عينا حتى لا يتزاحموا، وعرف كل منهم مشربه.
    ويضيف الحق: * وَظَلَّلْنَا عَلَيْهِمُ الْغَمَامَ *.
    ولأن الشمس محرقة يرحمهم الله بمسيرة من الغمامات تظللهم، ولكل سبط غمامة على قدره، فإذا كان الواحد من البشر حين يوزع جماعة من كتل صغيرة، لا يعجز أن يضعهم في عشرين خيمة مثلا، فهل يعجز ربنا عن ذلك؟ طبعاً لا. وإذا كان الحق قد ضمن لنا في الأرض الرزق حتى لا نجوع، ولا نعرى، ولا تحرقنا الشمس، ونجد ماء. إذن لقد بقي أمر الطعام لهؤلاء. فقال: لا تحرقنا الشمس، ونجد ماء. إذن لقد بقي أمر الطعام لهؤلاء. فقال: * وَأَنْزَلْنَا عَلَيْهِمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ... * [الأعراف: 160]
    ساعة تأتي كلمة " أنزلنا " نعرف أنها مسألة جاءت من علو، ولا يُفترض أن يكون مكانها عاليًّا، لكن هي مسألة جاءت من أعلى من قدرتك، أي من فوق أسبابك إنها بقدرة الأعلى.
    و " المنّ " مادة بيضاء اللون حلوة الطعم مثل قطرات الزئبق. يجدونه على الشجر. ولا يزال هذا الشجر موجوداً إلى الآن في العراق، يهزونه صباحاً فيتساقط ما على الورق من قطرات متجمدة لونها أبيض، فيأخذونه على ملاءة بيضاء واسمه عندهم المنْ - أيضاً - وهو طعم القشدة وليونتها، وحلاة العسل.
    و " السلوى " هو طير من رتبة الدجاجيات يستوطن أوروبا وحوض البحر المتوسط واحدته " سَلواة " وهو " السُّماني " ويسميه أهل السواحل " السُّمان " وهو يأتي مهاجراً ولم يربه أحد، وفي هذا إنزال من الله لأنه رزق من فوق قدرة العباد وأسبابهم. * وَأَنْزَلْنَا عَلَيْهِمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ... * [الأعراف: 160]
    وهناك مصانع تصنع المن في أشكال مختلفة وأنواع من الحلوى جميلة، ومن زار العراق ذاقه أو أحضره لأهله. والسلوى - كما قلنا - هو طائر " السمان " الموجود في بيئة أخرى يغريه ربنا بالطقس الدافئ فيأتي إلينا لنأخذه، وهذه الطيور جاءت طالبة استمرار الحياة، ويبعثها ربنا لتصير لنا طعاماً ليدلل على أنه حين يريد الماء، وكما ظلّلهم بالغمام، وبذلك صارت حاجاتهم قدريَّة ليس لهم فيها أسباب وجاءت لهم بالهناء.

    فقالوا: ومن يدرينا أن الرزق الذي يأتينا من المن والسلوى سيستمر، ثم كيف لنا أن نصبر على طعام واحد؟ إنهم قالوا لنبيهم سيدنا موسى ما حكاه القرآن بقوله:* وَإِذْ قُلْتُمْ يَامُوسَى لَن نَّصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ الأَرْضُ مِن بَقْلِهَا وَقِثَّآئِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا... *[البقرة: 61]
    وهنا قال الحق: اذهبوا إلى أي مِصْرٍ من الأمصار والمدن تجدوا ما تريدون: * اهْبِطُواْ مِصْراً فَإِنَّ لَكُمْ مَّا سَأَلْتُمْ *. لقد أعطاهم الحق الرزق بدون السببية، إنه منه مباشرة، فكان من الواجب أن تشكروا من أراحكم، وجعل لكم الرزق ميسرا. لكنهم لم يشكروا الله، بل تمردوا، ولذلك ذيل الحق الآية بقوله: * وَمَا ظَلَمُونَا وَلَـاكِن كَانُواْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ *. نعم فهم ظلموا بعدم شكر النعمة.
    ويقول الحق بعد ذلك: * وَإِذْ قِيلَ لَهُمُ اسْكُنُواْ... *
    وَإِذْ قِيلَ لَهُمُ اسْكُنُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ وَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ وَقُولُوا حِطَّةٌ وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا نَغْفِرْ لَكُمْ خَطِيئَاتِكُمْ سَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ (161)

    وهذه القصة مذكورة أيضاً في سورة البقرة، ونعرف أن قوله سبحانه: * وَإِذْ قِيلَ لَهُمُ * ، ولم يذكر الحق من القائل؛ لأن طبيعة الأمر في الأسباط أنه سبحانه جعل لكل سبط منهم عيناً يشرب منها، وكل سبط له نقيب، وهذا دليل على أنهم لا يأتلفون؛ فلا يكون القول من واحد إلى الجميع، بل يصدر القول من المشرع الأعلى وهو الحق إلى الرسول، والرسول يقول للنقباء، والنقباء يقولون للناس.
    وبعد أن تلقى موسى القول أبلغه للنقباء، والنقباء قالوه للأسباط، وفي آية أخرى قال الحق: * وَإِذْ قُلْنَا *. وهذا القول الأول وضعنا أمام لقطة توضح أن المصدر الأصيل في القول هو الله، ولأنهم أسباط ولكل سبط مشرب؛ لذلك يوضح هنا أنه أوحى لموسى. وساعة ما تسمع " وإذ " فاعلم أن المراد اذكر حين قيل لهم اسكنوا هذه القرية، لقد قيل إن هذه القرية هي بيت المقدس أو أريحا، لكنهم قالوا: لن ندخلها أبداً لأن فيها قوماً جبارين وأضافوا:* ...فَاذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ *[المائدة: 24]
    والحق لا يبين لنا القرية في هذه الآية؛ لأن هذا أمر غير مهم، بل جاء بالمسألة المهمة التي لها وزنها وخطرها وهي تنفيذ الأمر على أي مكان يكون: * اسْكُنُواْ هَـاذِهِ الْقَرْيَةَ وَكُلُواْ مِنْهَا *.
    ويوضح الحق: أنا تكفلت بكم فيها كما تكفلت بكم في التيه من تظليل غمام، وتفجير ماء غماما، وتفجير ماء من صخر، ومَنّ وسلوى. وحين أقول لكم ادخلوا القرية واسكنوها فلن أتخلى عنكم: * وَكُلُواْ مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ *. وقديماً كان لكل قرية باب؛ لذلك يتابع سبحانه: * وَقُولُواْ حِطَّةٌ وَادْخُلُواْ الْبَابَ سُجَّداً *.
    والحطة تعني الدعاء بأن يقولوا: يا رب حط عنا ذنوبنا فنحن قد استجبنا لأمرك وجئنا إلى القرية التي أمرتنا أن نسكنها، وكان عليهم أن يدخلوها ساجدين؛ لأن الله قد أنجاهم من التيه بعد أن أنعم عليهم ورفّههم فيه. وإذا ما فعلوا ذلك سيكون لهم الثواب وهو: *... نَّغْفِرْ لَكُمْ خَطِيئَاتِكُمْ سَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ * [الأعراف: 161]
    وسبحانه يغفر مرة ثم يكتب حسنة، أي سلب مضرة، وجلب منفعة، لكن هناك في سورة البقرة قد جاء النص التالي:* وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُواْ هَـاذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُواْ مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَداً وَادْخُلُواْ الْبَابَ سُجَّداً وَقُولُواْ حِطَّةٌ نَّغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ *[البقرة: 58]
    فالكيان العام واحد ونجد خلافاً في الألفاظ واللقطات عن الآية التي وردت في سورة الأعراف. أول خلاف * وَإِذْ قُلْنَا * ، و * وَإِذْ قِيلَ * ، وشاء الحق ذلك ليأتي لنا بلقطة مختلفة كنا أوضحنا من قبل. ففي آية سورة البقرة يقول سبحانه: * ادْخُلُواْ * وفي آية سورة الأعراف يقول: * اسْكُنُواْ * ، ونعلم أن الدخول يكون لغاية وهي السكن أي ادخلوا لتسكنوا، وأوضح ذلك بقوله في سورة الأعراف: * اسْكُنُواْ * ليبين أن دخولهم ليس للمرور بل للإِقامة.

    وأراد سبحانه أن يعطيهم الغاية النهائية؛ لأنه لا يسكن أحد في القرية إلا إذا دخلها.
    وهكذا نرى أن كلمات القرآن لا تأتي لتكرار، بل للتأسيس وللإِتيان بمعنى جديد يوضح ويبين ويشرح. ويقول الحق هنا في سورة الأعراف: * وَكُلُواْ مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ *. وفي آية سورة البقرة يقول: * فَكُلُواْ مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَداً *.
    وحين أمرهم الله بالدخول وكانوا جوعى أمرهم الحق أن يأكلوا، على الفور والتوّ بتوسع، لذلك أتى بكلمة " رغداً " لأن حاجتهم إلى الطعام شديدة وملحة، لكنه بعد أن أمرهم بالسكن أوضح لهم أن يأكلوا؛ لأن السكن يحقق الاستقرار ويتيح للإِنسان أن يأكل براحة وتأن. وقال الحق هنا في سورة الأعراف: * وَقُولُواْ حِطَّةٌ وَادْخُلُواْ الْبَابَ سُجَّداً *. أي أنه قدم قولهم " حطة " على السجود، وفي آية سورة البقرة قدم السجود فقال:* وَادْخُلُواْ الْبَابَ سُجَّداً وَقُولُواْ حِطَّةٌ... *[البقرة: 58]
    جاء الحق بهذا الاختلاف لأنه علم أن انفعالات السامعين تختلف ساعة الدخول، فهناك من ينفعل للقول، فيقول أول دخوله ما أمر به من طلب الحطة وغفران الذنب من الله، وهناك آخر ينفعل للفعل فيسجد من فور الدخول تنفيذاً لأمر الله. وأيضاً قال الحق هنا في سورة الأعراف: *... نَّغْفِرْ لَكُمْ خَطِيئَاتِكُمْ سَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ * [الأعراف: 161]
    وفي سورة البقرة يقول: * نَّغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ *.
    ونعلم أن صيغة الجمع تختلف؛ فهناك " جمع تكسير " وجمع تأنيث، ففي جمع التكسير نغير من ترتيب حروف الكلمة، مثل قولنا " قفل " فنقول في جمعها " أقفال ". أما في جمع التأنيث فنحن نزيد على الكلمة ألفاً وتاء بعد حذف ما قد يوجد في المفرد من علامة تأنيث، مثل قولنا " فاطمة " ، و " فاطمات " ، و " أكلة " ، و " أكلات " وهذا جمع مؤنث سالم، أي ترتيب حروفه لم يتغير، وجمع المؤنث السالم يدل على القلة. لكن جمع التكسير يدل على الكثرة فجاء- سبحانه- بجمع المؤنث السالم الذي يدل على القلة وبجمع التكسير الذي يدل على الكثرة لاختلاف درجات ونسب الخطايا؛ لأن المخاطبين غير متساوين في الخطايا، فهناك من ارتكب أخطاء كثيرة، وهناك من أخطأ قليلاً. والاختلاف حدث أيضاً في عجز الآيتين، فقال في سورة البقرة: * وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ * وجاء عجز سورة الأعراف بدون " واو " فقال: * سَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ *.
    وقد عودنا ودعانا الحق إلى أن نقول: اغفر لنا وأنت خير الغافرين، وارحمنا وأنت خير الراحمين، واكتب لنا في هذه الدنيا حسنة. وهنا يوضح سبحانه: أنا لن أكتفي بأن أغفر لكم وأن أرفع عنكم الخطايا. لكني سأزيدكم حسناً، وفي هذا سلب للضرر وجلب للنفع. كأن الله حينما قال: " خطاياكم " بجمع التكسير الذي ينبئ ويدل على كثرة الذنوب والخطايا و " خطيآتكم " التي تدل على القلة انشغلوا وتساءلوا: وماذا بعد الغفران يا رب فقيل؟ لهم: * سَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ * هل يغفر لنا فقط، أو أنه سيجازينا بالحسنات أيضاً؟ وكانت إجابة الله أنه سيغفر لهم ويزيدهم ويمدهم بالحسنات. وقد عقدنا هذه المقارنة المفصلة بين آية سورة البقرة وآية سورة الأعراف لنعرف أن الآيات لا تتصادم مع بعضها البعض، بل تتكامل مصداقاً لقول الحق:* ...وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلاَفاً كَثِيراً *[النساء: 82]
    ويقول الحق بعد ذلك: * فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُواْ... *
    فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَظْلِمُونَ (162)

    هذه الآية تدل على أنهم افترقوا فرقتين؛ لأن الحق سبحانه مادام قد قال: * مِنْهُمْ * فهذا يعني أن بعضهم قالوا وفعلوا المطلوب، وبعضهم ظلموا وبدلوا القول، فقد أمرهم الحق أن يقولوا: " حطة " وطلب منهم أن يدخلوا سجداً. والتغيير منهم جاء في القول؛ لأن القول قد يكون بين الإِنسان وبين نفسه بحيث لا يسمعه سواه. لكن الفعل مرئي مما يدل على أن بعضهم يرائي بعضاً، ففي القول أرادوا أن يهذروا ويتكلموا بما لا ينبغي ولا يليق، فبدلاً من أن يقولوا: " حطة " قالوا: " حنطة " استهزاءً بالكلمة.
    وهكذا نرى أن التبديل جاء في القول، لكن الفعل لم يأت فيه كلام، وإن قال بعضهم: إن التبديل أيضاً حدث من بعضهم في الفعل. فبدلاً من أن يدخلوا ساجدين دخلوا زاحفين على مقعداتهم، كنوع من التعالي، لكن الحق لم يذكر شيئاً من ذلك؛ لأن سلوكهم في الفعل قد يكون السبب فيه أن بعضهم لا قدرة له على الفعل. * فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنْهُمْ قَوْلاً غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ... * [الأعراف: 162]
    وكأن الحق يذكرنا بما فعله معهم من رعايتهم في أثناء التيه وكيف ظلل عليهم الغمام وأنزل عليهم المن والسلوى، واستسقى لهم موسى فجاءت المياه. لكن غريزة التبديل والتمرد لم تغادرهم. وما داموا قد بدَّلوا في كلمات الله، فعليهم أن ينالوا العقاب: * فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِجْزاً مِّنَ السَّمَآءِ *.
    وهناك آية ثانية في سورة البقرة يقول فيها الحق:* فَأَنزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ رِجْزاً مِّنَ السَّمَآءِ *[البقرة: 59]. والفارق بين " الإِنزال " وبين " الإِرسال " أن الإِنزال يكون مرة واحدة. أما الإِرسال فهو مسترسل ومتواصل. ولذلك يقول الحق سبحانه في المطر: * وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَآءِ مَآءً طَهُوراً *. لأن المطر لا ينزل طوال الوقت من السماء. لكن في الإِرسال استمرار، اللهم إلا بعضاً من تأثير الهواء. ولذلك يقول الحق: * وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ *. فالذي يحتاج إلى استمرارية في الفعل يقول فيه الحق: " أرسل " بدليل أن الله حينما أراد أن يجيء بالطوفان ليغرق المكذبين بموسى قال:* فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ... *[الأعراف: 133]
    وعندما أراد أن يرغب عاداً قوم سيدنا هود في الاستغفار والتوبة والرجوع عما كانوا عليه من الكفر والآثام قال لهم:* وَياقَوْمِ اسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَآءَ عَلَيْكُمْ مِّدْرَاراً... *[هود: 52]
    إذن فالإِرسال يعني التواصل، أما الإِنزال فهو لمرة واحدة، وأراد الحق سبحانه من قصة بني إسرائيل أن يأتي لنا بلقطة فجاء بكلمة " أنزلنا " ، ولقطة أخرى جاء فيها بـ " أرسلنا "؛ لأن العقوبة تختلف باختلاف المذنبين، والمذنبون مقولون بالتشكيك، فهذا له ذنب صغير، وآخر ذنبه أكبر، وكل إنسان يأخذ العذاب على قدر ذنبه؛ فمن أذنب ذنباً صغيراً أنزل الله عليه عقاباً على قدر ذنبه.

    ومن تمادى أرسل الله عليه عذاباً يستمر على قدر ذنوبه الكبيرة.
    وهنا يقول الحق: *...فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِجْزاً مِّنَ السَّمَآءِ بِمَا كَانُواْ يَظْلِمُونَ * [الأعراف: 162]
    و " رجزاً " أي عذاباً، وهناك رِجْز، ورُجْز، والرِّجز يُولد من الرُّجز؛ وينشأ مثل قوله الحق: * وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ *. أي اهجر الرُّجز.. أي المآثم والمعاصي والذنوب لتسلم من الرِّجز.. أي من العذاب. وهنا يبين الحق أنهم تلقوا العذاب بسبب ظلمهم، وهناك في الآية الأخرى قال: * بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ *.
    والفسق يسبق الظلم؛ لأن الإِنسان لا يمكن أن يظلم نفسه بمخالفة منهج إلا إذا فسق أولاً، ولذلك جاء الحق بالمسبَّب وجاء السبب، وهكذا نتأكد أن كل كلمة في القرآن جاءت لمعنى أساسي تؤديه ولا تكرار إلا لمجموع القصة في ذاتها، أما لقطات القصة هنا، ولقطات القصة هناك فأمور جاءت تأسيساً في كل شيء لتعطي معاني ولقطات جديدة.
    ويقول الحق بعد ذلك: * وَسْئَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ... *
    وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ لَا تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ نَبْلُوهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (163)

    هنا سؤال عن القرية التي كانت حاضرة البحر، ونعلم أن القرية الأولى التي دخلوها هي " بيت المقدس " ولم تكن على البحر، والقرية التي كانت على البحر هي " أيلة " أو " مدين " أو " طبرية " ، المهم أنها كانت " حاضرة البحر " أي قريبة من البحر ومشرفة عليه؛ لأننا نقول فلان حضر، أي كان بعيداً فاقترب. فمثل الإِسكندرية يمكن أن نسميها حاضرة البحر.
    وقوله: " واسألهم " والسؤال هنا موجه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ليوجه السؤال إلى أهل الكتاب، ويطلب منهم أن ينظروا في كتبهم ليعرفوا أن ما يقوله هو وحي من الله إليه؛ لأنهم يعلمون أنه صلى الله عليه وسلم لم يجلس إلى معلم، ولم يقرأ في كتاب، وإنما علّمه من أرسله، إنّه صلى الله عليه وسلم لا يريد أن يَعْلَم منهم، بل يريد أن يُعْلِمَهم أنه يعلم، وهم يعلمون أنه لا مصدر له كعلم سائر البشر؛ لا جلس على معلم ولا قرأ في كتاب ولذلك تجد " ماكُنَّات " القرآن أي قوله الحق: " ما كنت " و " ماكنت " و " ما كنت " و " ما كنت " مثل قوله:* وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنَآ إِلَى مُوسَى الأَمْرَ... *[القصص: 44]
    ومثل قوله تعالى:* وَمَا كُنتَ ثَاوِياً فِي أَهْلِ مَدْيَنَ تَتْلُواْ عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا... *[القصص: 45]
    ومثل قوله تعالى:* ...وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُون أَقْلاَمَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ *[آل عمران: 44]
    إذن فأنت يا رسول الله لم تكن معهم لتقول ما حدث وحصل لهم، بل إن ذلك موجود عندهم في كتبهم، إذن فالذي علمك هو من أرسلك. كذلك هنا مصداقاً لقوله تعالى:* وَمَا كُنتَ تَتْلُواْ مِن قَبْلِهِ مِن كِتَابٍ وَلاَ تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذاً لاَّرْتَابَ الْمُبْطِلُونَ *[العنكبوت: 48]
    وفي هذا القول أمر من الله سبحانه وتعالى أن يخبرهم أنه سبحانه قد علمه وأعلمه بما لا يستطيعون إنكاره ليتيقنوا أن الله يعلمه ليؤمنوا به. * وَسْئَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ... * [الأعراف: 163]
    وكلمة " واسألهم " تحل لنا إشكالات كثيرة، مثال ذلك حديث الإِسراء، وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى بالأنبياء بصلاة إبراهيم.
    فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لقد رأيتني في الحجر وقريش تسألني عن مسراي، فسألوني عن أشياء من بيت المقدس لم أثبتها فكربت كرباً مثله قط، فرفعه الله إليّ أنظر إليه، ما سألوني عن شيء إلا أنبأتهم به، وقد رأيتني في جماعة من الأنبياء، وإذا موسى قائم يصلي وإذا هو رجل جعد كأنه من رجال شنوءة، وإذا عيسى قائم يصلي أقرب الناس شبها به عروة بن مسعود الثقفي، وإذا إبراهيم قائم يصلي أقرب الناس شبهاً به صاحبكم - يعني نفسه - فحانت الصلاة فأممتهم فلما فرغت قال قائل: يا محمد هذا مالك خازن جهنم فالتفت إليه فبدأني بالسلام ".
    كلمتان خفيفتان على اللسان .. ثقيلتان في الميزان .. حبيبتان إلى الرحمن

    سبحان الله وبحمده .. سبحان الله العظيم

  10. #30
    Super Moderator
    رقم العضوية : 2
    تاريخ التسجيل : Jun 2016
    المشاركات: 3,273
    التقييم: 10
    الدولة : الأردن
    العمل : طالب علم
    وتأتي آية في القرآن تقول:* وَسْئَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رُّسُلِنَآ... *[الزخرف: 45]
    والأمر لرسول الله عليه الصلاة والسلام أن يسأل رسل الله من قبله، ومتى يسألهم؟ لابد أن توجد فرصة ليلتقوا فيسأل. إذن حين يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم إنه التقى بالأنبياء وكلمهم وصلى بهم فالخبر مصدق لأنه أدى أمر الله: * وَسْئَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْر *. والسؤال هنا سؤال للتقرير والتقريع والتوبيخ: وما قصة القرية التي كانت حاضرة البحر؟
    لقد قلنا إن حاضرة البحر أي القريبة من البحر، ونفهم أن ما تتعرض له الآية من سؤالهم يشير إلى أنّ للبحر فيه مدخلاً؛ لأن المسألة متعلقة بالحيتان والسمك والصيد؛ لذلك لابد أن تكون بلدة ساحلية. *...إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعاً وَيَوْمَ لاَ يَسْبِتُونَ لاَ تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ نَبْلُوهُم بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ * [الأعراف: 163]
    وحيتان جمع حوت، مثلما يجمعون " نُوناً " - وهو الحوت أيضاً - على " نينان "؛ وهو صنف من الأسماك. لقد حرم الله عليهم العمل في يوم معين لينقطعوا فيه للعبادة وهو يوم " السبت " ، ومازالت عندهم بعض هذه العادات، حتى إن واحداً منهم زار أمريكا ورفض أن يركب سيارة يوم السبت لأنه يوم عطلة، ورفض كذلك أن يعمل حتى جاء اليوم التالي. وشاء الحق سبحانه أن يؤدبهم حينما ارتكبوا أشياء مخالفة للمنهج، وسلب منهم وقتاً للعمل وقال:* فَبِظُلْمٍ مِّنَ الَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ... *[النساء: 160]
    وفي هذه مُثُل وعِبَر لأي منحرف، ولكل منحرف نقول: إياك أن تظن أنك بانحرافك عن منهج الله ستأخذ أشياء من وراء ربنا وتسرقها، لا؛ لأن ربنا قادر أن يبتيله بعقاب يفوق ما أخذ آلاف المرات، فالمرتشي مثلاً يفتح له الله أبواباً من الأمراض ومن العلل ومن المصائب فيضيع عليه كل شيء أخذه.
    إذن فقد استحل بنو إسرائيل أشياء محرمة، فابتلاهم الله بأن يحرمهم من أشياء كانت حلالاً لهم. وهكذا نرى أن ما وقع عليهم من عقاب كان بظلمهم لأنفسهم؛ لأنهم انشغلوا بالدنيا وبالمادة، فحرم عليهم العمل في يوم السبت، وهؤلاء الذين كانوا يقيمون قريباً من حاضرة البحر يبتليهم الله البلاء العظيم، ويرون السمك في المياه وهو يرفع زعانفه كشراع المركب، وتطل عليهم أشرعة الحيتان وهم في بيوتهم، وهذا ابتلاء من ربهم لهم وعقاب؛ لأنهم ممنوعون من صيده، ويرون هذا السمك أمامهم في يوم السبت، لكن في بقية الأيام التي يباح فيها العمل، كيوم الأحد والاثنين والثلاثاء والأربعاء والخميس والجمعة لا تظهر لهم ولا سمكة واحدة: * وَيَوْمَ لاَ يَسْبِتُونَ لاَ تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ نَبْلُوهُم بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ *.

    وهنا قالوا: ما دام ربنا قد حرم علينا أن نصطاد يوم السبت فعلينا أن نحتال. وصنعوا كيساً من السلك المضفر والذي نسميه " الجوبية " وهم أول من صنعوا هذه الجوبية بشكل خاص، ويدخل السمك فيها ولا يستطيع الخروج منها، فيأتي السمك يوم السبت في الجوبية ويستخرجونه يوم الأحد. وفي هذا اعتداء. أو يصنعون حوضاً له مدخل وليس له مخرج وفي هذا مكر. وتمكر لهم السماء بحيلة أشد. لقد أراد الله ابتلاءهم لأنهم فسقوا عن المنهج. وخرجوا عن الطاعة، واستحلوا أشياء حرمهما الله؛ لذلك يحرم الله عليهم أشياء أحلها لغيرهم.
    ويقول الحق بعد ذلك: * وَإِذَا قَالَتْ أُمَّةٌ مِّنْهُمْ لِمَ... *
    وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (164)

    وحينما تجد أن طائفة قالت قولاً، فلابد أن هناك أناساً قيل لهم هذا القول. إذن ففيه " قوم واعظون " ، و " قوم موعوظون " ، و " قوم مستنكرون وعظ الواعظين ". وهكذا صاروا ثلاث فرق:
    الذين قالوا وعظاً لهم: لماذا لا تلتزمون بمنهج الله؟ هؤلاء هم المؤمنون حقًّا. وقالوا ذلك لأنهم رأوا من يخالف منهج الله. والذين لاموا الواعظين هم الصلحاء من أهل القرية الذين يئسوا من صلاح حال المخالفين للمنهج.
    وحين ندقق في الآية: * وَإِذَا قَالَتْ أُمَّةٌ مِّنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ... * [الأعراف: 164]
    نعلم أن القائلين هم من الذين لم يعتدوا، ولم يعظوا وقالوا هذا التساؤل لمن وعظوا؛ لأنهم رأوا الوعظ مع الخارجين على منهج الله لا ينفع. كما قال الله لرسوله صلى الله عليه وسلم: * لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ أَلاَّ يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ *.
    هنا يسأل الحق رسوله: ولماذا تُحزن نفسك وتعمل على إزهاق روحك. وهنا قال بعض بني إسرائيل: لم تعظون هؤلاء المغالين في الكفر، لماذا ترهقون أنفسكم معهم، إنهم يعملون من أجل أن يعذبهم الله. وماذا قال الواعظون؟: * قَالُواْ مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ *.
    وما هي المعذرة إلى الله؟. يقال: " عذرك فلان إذا كنت قد فعلت فعلاً كان في ظاهره أنه ذنب ثم بينت العذر في فعله، كأن تقول: لقد جعلتني انتظرك طويلاً وتأخرت في ميعادك معي. انت تقول ذلك لصديق لك لأنه أتى بعمل مخالف وهو التأخر في ميعادٍ ضربه لك. فيرد عليك: تعطلت مني السيارة ولم أجد وسيلة مواصلات، وهذا عذر. إذن فمعنى " العذر " هو إبداء سبب لأمر خالف مراد الغير. ولذلك يقال: أعذر من أنذر، والحق يقول:* وَجَآءَ الْمُعَذِّرُونَ مِنَ الأَعْرَابِ... *[التوبة: 90]
    ونعلم أيضاً أن هناك مُعْذِراً. والمُعَذِّر هو من يأتي بعذر كاذب، والمُعْذِر هو من يأتي بعذر صادق. وقال الواعظون: نحن نعظهم، وأنتم حكمتم بأن العظة لا تنفع معهم لأنهم اختاروا أن يهلكهم الله ويعذبهم ولكنا لم نيأس، وعلى فرض أننا يئسنا من فعلهم، فعلى الأقل قد قدمنا لربنا المعذرة في أننا عملنا على قدر طاقتنا.
    وكلمة " وَعْظ " تقتضي أن نقول فيها: إن هناك فارقاً بين بلاغ الحكم، والوعظ بالحكم؛ فالوعظ أن تكرر لموعوظ ما يعلمه لكنه لا يفعله. كأن تقول لإِنسان: قم إلى الصلاة، هو يعلم أن الصلاة مطلوبة لكنه لا يقوم بأدائها.
    إذن فالوعظ معناه تذكير الغافل عن حكم، ومن كلمة الوعظ نشأت الوعَّاظ. وهم من يقولون للناس الأحكام التي يعرفونها، ليعملوا بها، فالوعاظ إذن لا يأتون بحكم جديد.
    وبعض العلماء قال: إن قول الحق: * لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ * ليس مراداً به الفئة التي لم تفعل الذنب ولم تعظ، إنما يراد به الفئة الموعوظة، كأن الموعوظين قالوا: إن ربنا سيعذبنا فلماذا توعظوننا؟. ونقول: لا؛ لأن عجز الآية ينافي هذا. فالحق يقول: * مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ *.
    ومجيء " لعلهم " يؤكد أن هذا خبر عن الغير لا أنَّه من الموعوظين.
    ويقول الحق بعد ذلك: * فَلَماَّ نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ... *
    فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (165)

    ويخبرنا الحق هنا أن الموعوظين حينما نسوا ما وعظهم به بعض المؤمنين أهلكهم الله بالعذاب الشديد جزاءً لخروجهم وفسوقهم عن المنهج وأنجى الله الفرقة الواعظة. وماذا عن الفرقة الثالثة التي لم تنضم إلى الواعظين أو الموعوظين؟ الذين قالوا: * لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ * إن قولهم هذا لون من الوعظ؛ فساعة يخوفونهم بأن ربنا مهلك أو معذب من يخرج على منهجه، فهو وعظ من طرف آخر.
    وقوله الحق: * فَلَماَّ نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ * يدل على أنه قد وعظهم غيرهم وذكروهم. ويعذب الحق هؤلاء الذين ضربوا عرض الحائط بمنهجه ولم يسمعوا مَن وعظوهم، وخرجوا على تعاليمه فظلموا أنفسهم واستحقوا العذاب الشديد؛ فالمسألة ليست تعنتاً من الله؛ لأنهم السبب في هذا، إما بفسق، وإمّا بظلم للنفس.
    ويقول الحق بعد ذلك: * فَلَماَّ عَتَوْاْ عَن مَّا نُهُواْ عَنْهُ... *
    فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ مَا نُهُوا عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ (166)

    وأخذهم بعذاب يدل على أنه لم يزهق حياتهم ويميتهم؛ لأن العذاب هو إيلام من يتألم، والموت ليس عذاباً لأنه ينهي الإِحساس بالألم، ولنتعرف على الفارق بين الموت والعذاب حين نقرأ قصة الهدهد مع سيدنا سليمان، يقول سيدنا سليمان حين تنبه لغياب الهدهد عندما وجد مكانه خاليا:* مَالِيَ لاَ أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَآئِبِينَ * لأُعَذِّبَنَّهُ عَذَاباً شَدِيداً أَوْ لأَاْذْبَحَنَّهُ... *[النمل: 20-21]
    هكذا نرى الفارق بين العذاب وبين الموت. وهنا يقول الحق: * فَلَماَّ عَتَوْاْ عَن مَّا نُهُواْ عَنْهُ * و " عتوا " تعني أبْوا وعصوْا واستكبروا فحق عليهم عذاب الله الذي أوضحه قول الحق: * كُونُواْ قِرَدَةً خَاسِئِينَ *.
    لأن " العتو " كبرياء وإباء؛ فيعاقبهم الله بأن جعلهم كأخس الحيوانات فصيرهم أشباه القرود، كل منهم مفضوح السوءة، يسخر الناس منهم ويستهزئون بهم. فهل انقلبوا قردة؟. نعم؛ لأنك حين تأمر إنساناً بفعل.. أَلاَ تُقَدِّر قبل الأمر له بالفعل أنه صالح أن يفعل وألا يفعل؟. وحين يقول الله: * كُونُواْ قِرَدَةً * فهل في مكنتهم أن يصنعوا من أنفسهم قردة؟. ونقول: إن هذا اسمه " أمر تسخيري " أي اصبحوا وصُيرِّوا قردة. وقد رأوهم على هذه الهيئة من وعظوهم، وهي هنا مقولة " خبر " نصدقه بتوثيق من قاله، وكان هذا الخبر واقعاً لمن شاهده.
    ولذلك نجد المعجزات التي حدثت لسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم غير القرآن الذي وصلنا ككتاب منهج ومعجزة وسيظل كذلك إلى قيام الساعة، لكن ألم ينبع الماء من بين أصابعه صلى الله عليه وسلم؟ لقد حدث ذلك وغيره من المعجزات وشاهده أصحابه صلى الله عليه وسلم، وأخبرونا بالخبر، وكان ذلك آية تُثبِّت يقينهم وإيمانهم. وتثبت لنا خبراً، فإن اتسع لها ذهنك فأهلاً وسهلاً، وإن لم يتسع لها فلا توقف إيمانك؛ لأنها آية لم تأت من أجلك أنت، وكل معجزة كونية حدثت لرسول الله فالمراد بها من شاهدها، ووصلتك أنت كخبر، إن وثقت بالخبر صدقته، وإن لم تثق به ووقفت عنده فلن ينقص إيمانك. غير أنه يجب على من وصل إليه الخبر بطريق مقطوع به، أن يصدق ويذعن.
    وقد أخبر الحق هنا بالأمر بقوله: * كُونُواْ قِرَدَةً خَاسِئِينَ * بأنه أوقع عليهم عذاباً بأن جعلهم قردة خاسئين، فهذا عقاب للذين عتوا عمَّا نهوا عنه. والذين وعظوهم أو عاصروهم هم من شاهدوا وقوع العذاب.
    وهل الممسوخ يظل ممسوخاً؟. إن الممسوخ قرداً أو خنزيراً، يظل فترة كذلك ليراه من رآه ظالماً، ثم بعد ذلك يموت وينتهي.
    ويقول الحق بعد ذلك: * وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ... *
    وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذَابِ إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (167)

    وتَأَذَّن نجد مادتها من الهمزة والذال والنون، فمنه أُذُن، ومنها أَذَان، وكلها يراد بها الإِعلام، والوسيلة للإِعلام هي الأذن والسمع، حتى الذي سنُعلمه بواسطة الكتابة نقول له ليسمع. ثم يكتب ويقرأ، وما قرأ إلا بعد أن سمع؛ لأنه لن يعرف القراءة إلا بعد أن يسمع أسماء الحروف " ألف " ، " باء " إلخ، ثم تهجاها. إذن فلا أحد يقرأ إلا بعد أن يسمع، وهكذا يكون السمع هو الأصل في المعلومات، ونقول في القرآن:* إِذَا السَّمَآءُ انشَقَّتْ * وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ *[الانشقاق: 1-2]
    وأذنت لربها.. أي سمعت لربها، فبمجرد أن قال لها: " انشقي " امتثلت وانشقت. * وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَن يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذَابِ إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌْ * [الأعراف: 167]
    والكلام هنا بالنسبة لبني إسرائيل، ويبين لنا سبحانه أنهم مع كونهم مختارين في أن يفعلوا، " فإن مواقفهم الإِيمانية ستظل متقلبة مترددة، ولن يهدأ لهم حال في نشر الفساد وإشاعته، ولذلك يسلط الله عليهم من يسومهم سوء العذاب ولماذا؟.
    لأنهم منسوبون لدين، والله لا يسوم العذاب للكافر به وللملحد، لأنه بكفره وإلحاده خرج عن هذه الدائرة، إذ لم يبعث الله له رسولا. ولكن المنسوب لله ديانة، والمنسوب لله رسالة، والمنسوب لله كتاباً؛ إذا فسد مع كون الناس ويعلمون عنه أنه تابع لنبي، وأن له كتاباً، حينئذ يكون أسوة سيئة في الفساد للناس، فإذا ما سلط الله عليهم العذاب فإنما يسلط عليهم لا لأجل الفساد فقط، ولكن لأنه فساد لمن هو منسوب إلى الله. وعرفنا أن مادة أذن كلها مناط الإِعلام، وحينما تكلم الله عن خلقنا قال:* وَاللَّهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئاً وَجَعَلَ لَكُمُ الْسَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ... *[النحل: 78]
    إنّ الحق - سبحانه - يسمي العرب المعاصرين لرسول الله أميين، أي ليس عندهم شيء من أسباب العلم، وسبحانه خلق لنا وسائل العلم. بأن جعل لنا السمع والأبصار والأفئدة، وهي وسائل العلم التي تبدأ بالسمع ثم بالأبصار ثم الأفئدة. ومن العجيب أنه رتبها في أداء وظيفتها؛ لأن الإِنسان منا إذا كان له وليد - كما قلنا سابقاً - ثم جاء أحد بعد ميلاده ووضع أصبعه أمام عينه فإنه لا يطرف؛ لأنه عينه لم تؤد بعد مهمة الرؤية، وعيون الوليد لا تؤدي مهمة الرؤية إلا بعد مدة من ثلاثة أيام إلى عشرة، ولكنك إذا جئت في أذنه وصرخت انفعل.
    إن هذا دليل على أن أذنه أدت مهمتها من فور ولادته، بينما عينه لا تؤدي مهمة الرؤية إلا بعد مدة، فأولاً يأتي السمع، ثم يأتي البصر، ومن السمع والبصر تتكون المعلومات، فتنشأ عند الإِنسان معلومات عقلية، ويقولون للطفل مثلاً: إياك أن تقبل على هذه النار حتى لا تحرقك، فلا يصدق، ومنظر النار يجذبه فيلمسها، فتلسعه مرة واحدة، وبعد أن لستعه النار مرة واحدة، لم يعد في حاجة إلى أن يتكرر له القول: بأن النار محرقة.

    فقد تكونت عنده معلومة عقلية. فأولاً يأتي السمع، ثم الأبصار، ثم تأتي الأفئدة. ولذلك قال سبحانه: * لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ *. تشكرون له سبحانه أن أمدكم بوسائل العلم ليخرجكم مِن أميتكم.
    وهناك لفتة إعجازية أخرى؛ فحين تكلم الحق عن وسائل العلم، تكلم عن السمع بالإِفراد، وعن الأبصار بالجمع. مع أن هذه آلة، وهذه آلة؛ فقال: (السمع والأبصار) ولم يقل السمع والبصر، ولم يقل الأسماع والأبصار؛ لأن السمع هي الآلة التي تلتقط الأصوات، وليس لها سد من طبيعتها، أما العين فليست كذلك، ففي طبيعة تكوينها حجاب لتغمض. وإذا أنت أصدرت صوتاً من فمك يسمعه الكل، وعلى هذا فمناط السمع واحد، لكن في أي منظر من المناظر قد تكون لديك رغبة في أن تراه، فتفتح عينيك، وإن لم تكن بك رغبة للرؤية فأنت تغمضهما.
    إذن فالأبصار تتعدد مرائيها، أما السمع فواحد ولا اختيار لك في أن تسمع أو لا تسمع. أما البصر فلك اختيار في أن ترى أو لا ترى، وهذه الأمور رتبها لنا الحق في القرآن قبل أن ينشأ علم وظائف الأعضاء، ورتبها سبحانه فأفرد في السمع، وجمع في البصر مع أنهما في مهمة واحدة، إلا آية واحدة جاءت في القرآن:* ...إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولـائِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً *[الإِسراء: 36]
    قال الحق ذلك لأن المسئولية هنا هي الفردية الذاتية، وكل واحد مسئول عن سمعه وبصره وفؤاده، وليس مسئولاً عن أسماع وأبصار وأفئدة الناس. ونرى مادة السمع قد تقدمت، وبعدها جاءت مادة البصر إلا في آية واحدة أيضاً، تتحدث عن يوم القيامة:* رَبَّنَآ أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا... *[السجدة: 12]
    هنا قدّم الحق مادة الإبصار على مادة السمع؛ لأن هول القيامة ساعة يأتي سنرى تغيراً في الكون قبل أن نسمع شيئاً. * وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَن يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذَابِ إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌْ * [الأعراف: 167]
    وتأذَّن أي أَعْلم الله إعلاماً مؤكداً بأنكم يا بني إسرائيل ستظلون على انحراف دائم، ولذلك سيسلط الله عليكم من يسومكم سوء العذاب، إما من جهة إيمانية، مثلما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم في بني النضير وبني النضير وبني قريظة وبني قينقاع وخيبر، وإما أن يسلط عليهم حاكماً ظالماً غير متدين، مصداقاً لقوله الحق:* وَكَذالِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضاً... *[الأنعام: 129]
    وكذلك مثلما حدث من بختنصر، وهتلر. إذن * وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ * أي أعلم ربك إعلاماً مؤكداً؛ لأن البشر قد يُعْلمون بشيء، ولكن قدرتهم ليست مضمونة لكي يعملوا ما أعلموا به، فإذا أعلمت أنت بشيء فأنت قد لا تملك أدوات التنفيذ، أمّا الله - سبحانه - فهو المالك لأدوات التنفيذ، والإعلام منه مؤكد، ولذلك يُعْلم بالشيء، أما غيره فالظروف المحيطة به قد لا تساعده على أن ينفذ.

    مثال ذلك: صحابة رسول الله الأول وهم مستضعفون ولم يستطيعوا أن يحموا أنفسهم من اضطهاد المشركين والكافرين، وصار كل واحد يبحث لنفسه عن مكان يأمن فيه؛ منهم من يذهب إلى الحبشة أو يذهب إلى قوي يحتمي به، فينزل الله في هذه الظروف العصيبة آية قرآنية لرسول الله يقول فيها:* سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ *[القمر: 45]
    وتساءل البعض كيف يُهزمون ونحن غير قادرين على حماية أنفسنا. فعندما نزلت هذه الآية قال سيدنا عمر: أي جمع يُهزم، قال عمر: فلما كان يوم بدر رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يثب في الدروع وهو يقول: * سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ * ، فعرفت تأويلها يومئذ. إن الله سبحانه وتعالى أَعْلَمَ بالنصر. وهو قادر على إنفاذ ما أعْلَم به على وفق ما أعَلم؛ لأنه لا يوجد إله آخر يصادمه. إذن * وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ * يعني أعلم إعلاماً مؤكداً، وحيثية الإعلام المؤكد أنه لا توجد قوة أخرى تمنع قدرته ولا تنقض حكمه. * وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ... * بالأعراف: 167]
    أي يبعث الله عليهم من يسومهم سوء العذاب. وهناك بنص القرآن مبعوث، والله يخلي بينه وبينهم، فلا يمنعهم الله منه، إنما يسلط الله عليهم العذاب باختيار الظالم. مثلما قال الحق:* أَلَمْ تَرَ أَنَّآ أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزّاً *[مريم: 83]
    أي أنه - سبحانه - أرسلهم لهذه المهمة وخلّى بينهم وبين الذين يستمعون إليهم: * وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ *.
    وكلمة * إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ * تفيد أن هذا العنصر، المشاكس من اليهود سيبقى في الكون كخميرة (عكننة) إلى أن تقوم الساعة، لماذا؟!
    هم يقومون بمهمة الشر في الوجود، ولولا أن هذا الشر موجود في الوجود، ويعضُّ الناس بمساوئه وإفساداته، لم يكن من الناس من يتهافت على الحق وعلى الخير. فالشر - إذن - جاء ليعضّ الناس بآلامه وإفساده ليتجه الناس إلى الخير، ولذلك تجد أقوى انفعالات تعتمل في صدور المسلمين وأقوى نزوع حركي إلى الإِسلام حين يجدون مَن يضطهد قضية الإِسلام.
    إنَ مهمة الشر في الوجود أنه يجمع عناصر الخير في الوجود ومهمة الباطل في الوجود أنه يحفز عناصر الحق ويحضهم على محاربة الشر ومناهضته؛ لأن الباطل حين يعم، ويتضايق منه الناس، ترفع يدها وتقول: يا ناس افعلوا الخير. ولو لم يحدث ذلك فلن تجد من يقبل على الخير بحمية وحرارة. * وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَن يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذَابِ... * [الأعراف: 167]
    (ويسوم) من مادتها سام، ونسمعها في البهائم ونسميها السائمة وهي التي تطلب مقومات حياتها، وليس صاحبها هو الذي يجهز لها مقومات حياتها. أما البهائم التي تُرْبط وليست سائمة التي تجد من يجهز لها طعامها، إذن أصل " سام " أي طلب، وبهيمة سائمة أي تطلب رزقها وأكلها بنفسها.
    و " سام " أيضاً أي طلب العذاب. ولا يطلب أحد العذاب إلا أن يكون قد أفرغ قوته في التعذيب. فيطلب ممن يقدر على العذاب أن يعذب، أي أن الله يسلط ويبعث عليهم من يقوم بتعذيبهم جهد طاقته، فإذا فترت طاقته أو ضعفت فإنه يستعين على تعذيبهم بغيره.
    إذن فطلب العذاب معناه أنّه: عَذَّب هو، ولم يكتف بأنه عذَّب بل طلب لهم عذاباً آخر، و * يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذَابِ * أي العذاب السيء الشديد. ويذيل الحق الآية بقوله تعالى: *...إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌْ * [الأعراف: 167]
    ومعنى سرعة الشيء أن تأخذه زمناً أقل مما يتوقع له؛ لن السرعة هي اختصار الزمن. * لَسَرِيعُ الْعِقَابِ * هي للدنيا وللآخرة، فساعة يقترفون ذنباً. يسلط عليهم من يعذبهم في الدنيا، أما الآخرة ففيها سرعة عالية؛ لأن مسافة كل إنسان إلى العذاب ليست هي عمر الدنيا، فالإِنسان بمجرد أن يموت تنتهي الدنيا بالنسبة له. والرسول صلى الله عليه وسلم يقول: " إذا مات أحدكم فقد قامت قيامته ".
    إن هناك سرعة لحساب الآخرة. وحتى لو افترضنا أننا سنبقى جميعاً دون حساب إلى أن تنتهي الدنيا، فإن الحساب سيكون سريعاً لأن كل لحظة تمر على أي إنسان تقربه من العقاب، وحتى لو كان عمر الدنيا مليون سنة، فكل يوم يمر سينقص من عمر الدنيا.
    وحين يقول الحق سبحانه بعد سرعة العقاب * وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌْ * قد نجد من يسأل كيف والحديث هنا عن العقاب؟ ونقول: إنه سبحانه الذي يتكلم. وهو القادر، فإذا قال: أنه لسريع العقاب، فهذا يعني أنه يسرع بعقاب المفسدين والظالمين؛ لأنه غفور رحيم بالمظلومين الذين يُظلمون، إذن فسرعة عقاب الظّلمَة رحمة منه بالمظلومين. أو أن الله كما قال " سريع العقاب " فإنه - سبحانه - يأتي بالمقابل لكي يشجع كل إنسان على الدخول في رحمته.
    ويقول سبحانه بعد ذلك: * وَقَطَّعْنَاهُمْ فِي الأَرْضِ... *
    وَقَطَّعْنَاهُمْ فِي الْأَرْضِ أُمَمًا مِنْهُمُ الصَّالِحُونَ وَمِنْهُمْ دُونَ ذَلِكَ وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (168)

    وقد قال سبحانه قبل ذلك أيضاً:* وَقَطَّعْنَاهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْبَاطاً أُمَماً... *[الأعراف: 160]
    ولكن القول هنا يجيء لمعنى آخر: * وَقَطَّعْنَاهُمْ فِي الأَرْضِ أُمَماً مِّنْهُمُ الصَّالِحُونَ وَمِنْهُمْ دُونَ ذالِكَ *.
    وقد قطعهم الحق حتى لا يبقى لهم وطن، ويعيشون في ذلة؛ لأنهم مختلفون غير متفقين مع بعضهم منذ البداية، كانوا كذلك منذ أن كانوا أسباطاً وأولاد إخوة على خلاف دائم. وهنا يقول الحق: * وَقَطَّعْنَاهُمْ فِي الأَرْضِ أُمَماً *.
    ومعنى * وَقَطَّعْنَاهُمْ * أي أن كل قطعة يكون لها تماسك ذاتي في نفسها، وأيضاً لا تشيع في المكان الذي تحيا فيه، ولذلك قلنا: إنهم لا يذوبون في المجتمعات أبداً،- كما قلنا - فعندما تذهب إلى أسبانيا مثلاً تجد لهم حيًّا خاصًّا، كذلك فرنسا، وألمانيا، وكل مكان يكون لهم فيه تجمع خاص بهم، لا يدخل فيه أحد، ولا يأخذون أخلاقاً من أحد، وشاء الحق بعد ذلك أن قال لهم:* ادْخُلُوا الأَرْضَ المُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ... *[المائدة: 21]
    كلمتان خفيفتان على اللسان .. ثقيلتان في الميزان .. حبيبتان إلى الرحمن

    سبحان الله وبحمده .. سبحان الله العظيم

صفحة 3 من 4 الأولىالأولى 1234 الأخيرةالأخيرة

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

المفضلات

المفضلات

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •  

RSS RSS 2.0 XML MAP html  PHP  info tags Maps maptags vbmaps

الساعة معتمدة بتوقيت جرينتش +3 . الساعة الآن : 18:35.
الموقع غير مسؤول عن أي اتفاق تجاري أو تعاوني بين الأعضاء
فعلى كل شخص تحمل مسئولية نفسه إتجاه مايقوم به من بيع وشراء وإتفاق وأعطاء معلومات موقعه
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي موقع الأشاعرة و لا نتحمل أي مسؤولية قانونية حيال ذلك (ويتحمل كاتبها مسؤولية النشر)
الساعة الآن 10:17 AM
Powered by vBulletin® Version 4.2.3
Copyright © 2018 vBulletin Solutions, Inc. Translate By soft