الدرس الخامس من دروس المنطق
بسم الله الرحمن الرحيم
[أنوَاعُ الدّلالةِ الوَضْعِيَّةِ]
24. دَلالةُ اللَّفْظِ عَلى ما وافَقَهْ
يَدْعُونَها دَلالَةَ المُطابَقَةْ
25. وَجُزْئِــهِ تَـضَمُّناً وَما لَزِمْ
فَــهْوَ الْـتِــزامٌ إِنْ بـِعَقْــلٍ الْتُـــــزَمْ
[أقول: إن علم المنطق لا يتعلق بالألفاظ، كما أوضحناه سابقًا، بل هو يتعلق بالمعاني، وبكيفية الوصول إليها من حيث هي علوم ومطلوبات، ولكن ما دامت الطريقة الأشهر بين البشر في توصيل المعاني المكتسبة والعلوم المستحصلة هي اللغاتِ المتكونةَ من الألفاظ والكلمات، فإن علماء المنطق وضعوا مقدمةً في كتب المنطق يبينون فيها العلاقة بين الألفاظ والمعاني من حيث الدلالة، وذلك لأن الألفاظ مجرد دلالات على المعاني، وليست مولدة لها أصالة، فلذلك بحث العلماء في الألفاظ من هذه الحيثية] أي من حيثية دلالتها على المعاني، [والهدف من بحثهم هذا هو ضبط العلاقة الدلالية بين الألفاظ والمعاني بحيث يتم التعبير بالشكل المطلوب والمطابق على ما يريدون بيانه] أي أن علماء المنطق ليس من شأنهم أن يبحثوا في الألفاظ، لأن مبحث الألفاظ مبحث لغوي، وجزء منه أصولي.
المناطقة يهتمون بالدرجة الأولى بالدلالة المطابَقية، وعلى أكثر حال: بالدلالة التضمنية الواضحة، ذلك أن الدلالة المطابقية هي دلالة على تمام ما وضع اللفظ له، فلا تترك مجالًا للمستمع لكي يفهم أمرًا آخر أو يتحير.
وذكرهم لبقية أنواع الدلالات من باب تتمة المبحث.
[تعريف الدلالة وأقسامُها]
[الدلالة بحسب تعريف المناطقة: كونُ أمرٍ بحيث يفهم منه أمر آخر] أي: كون أمر ما على حالة معينة، أو وضع معين أو نمط معين، أو هيئة معينة، بحيث إذا نظر فيه الإنسان وفكر فيه فإنه يفهم منه معنى، فهذه الحالة للأمر تسمى دلالة، وهذا الأمر قد يكون لفظًا، أو موجودًا خارجيًا، أو أمرًا مقدرًا في الذهن، أو أي شيء آخر بالإطلاق.
وإذا كان الأمر من شأنه إذا نظرت فيه أن يدلك على أمر آخر، فهذا الأمر يسمى ذا دلالة. والحالة المذكورة _أي الدلالة_ قائمة بالأمر المنظور فيه، أي بمحل النظر، وليست قائمة في عقل الإنسان، وهي في نفسها موجودة، سواء حققتها أم لا، فعلتها أم لا.
والأمر المفهوم من محل النظر، يجب أن يكون مستمدًا من محل النظر نفسه، وليس من الناظر نفسه، فنتيجة النظر، أو الأمر المفهوم من النظر، لا بد وأن يكون بينه وبين محل النظر علاقة مباشرة، أي أن يكون محل النظر ذا دلالة عليه.
أما النظر فينقل نتيجة هذه الدلالة من حيزها ويوصلها إلينا، أو نقول: يحصِّلها في نفوسنا، وهذا التحصيل ليس ناتجًا بإرادتنا المحضة، أو عن تحكمنا، بل محل النظر نفسه هو الذي أوصلنا إلى هذا المعنى.
[وهذا التعريف لا يَشترط لتحقق الدلالة أن يفهم الأمر الثاني بالفعل من الأول] أي لا يشترط حصول الفهم في نفسك بالفعل، [ولكن يشترط إمكانية الفهم، فلو لم يفهم] بالفعل [لما انتفى كون الأول دالًا، والثاني مدلولًا.
والدالُّ ينقسم إلى لفظٍ وإلى غير لفظٍ.
فغير اللفظ إما دالٌّ بالعقل، كدلالة التغير على الحدوث، أو بالعادة، كدلالة المطر على النبات، والحمرة على الخجل، والصفرة على الوجل، أو] دالٌّ [ بالوضع، كدلالة الإشارة باليد أو الرأس مثلًا على معنى "نعم" أو "لا"].
هذه أنحاء الدلالات، ودلالة الحمرة على الخجل وما شابه، تسمى عادية، أي من عادة الإنسان، وقد تسمى دلالة طبيعية.
[واللفظ إما دالٌّ بالعقل] أي: إذا تأملنا في اللفظ، فإن نفس اللفظ من حيث كونه لفظًا، من دون ملاحظة كونه دالًا على معنى بالوضع اللغوي، وذلك [كدلالة اللفظ على وجود اللافظ من وراء جدار] فإن مجرد كونه لفظًا، أي صوتًا صادرًا من وراء جدار، يدل على وجود الإنسان الذي صدر منه هذا اللفظ من وراء الجدار.
فمجرد سماع هذا الصوت _سواء دل الصوت على معنى، أو لم يدل_ فهذا السماع دال بالعقل على وجود اللافظ الذي صدر منه الصوت، فالدلالة العقلية للَّفظ لا تتوقف على ملاحظة معنى وضعي، فإنك لو سمعت لفظ "ديز" _وقد علمت أن لا معنى وضعيًا له_ فبمجرد سماعك له فإنك تحكم بوجود شخص ما صدر منه لفظ "ديز" فقد دلك هذا اللفظ إذن على وجود اللافظ دلالة عقلية.
وإذا سمعت لفظ "زيد" فإنك وبمجرد سماعك له قد تحكم بوجود شخص ما صدر منه لفظ "زيد" من دون أن تلاحظ ما هو المعنى الذي يدل عليه "زيد" _بالرغم من وجود هذا المعنى_ فقد دلك هذا اللفظ إذن على وجود اللافظ دلالة عقلية.
لكنك إذا لاحظت المعنى الذي يدل عليه لفظ "زيد"، فعندئذ قد تحكم _مثلًا_ بوجود شخص اسمه "زيد" لعل اللافظ أراد الحديث عنه، إلا أن هذه الدلالة ليست عقلية، لأنها استفيدت من المعنى الوضعي، فهي دلالة وضعية، إذ لولا ملاحظتك للمعنى الوضعي للفظ "زيد"، لما تمكنت من الحكم بوجود زيد.
والمثال الأقرب والأسهل: هو صوت بكاء الطفل، فإنه عبارة عن صوت ليس فيه أي معنى، ومع ذلك فإنه يدلك على وجود الطفل، والدلالة عقلية].
[أو] دالٌّ [بالعادة] أو يقال: بالطبع [كدلالة "أَحْ" أو "أُحْ"على وجع الصدر].
[أو] دالٌّ [بالوضع كدلالة لفظ أسد على الحيوان المفترس، وهذه الدلالة الوضعية] أي التي وضعت في أصل اللغة [هي المعتبرة في المنطق، فلا يعتبر شيء من الدلالات الأخرى عند المناطقة] أي في كتبهم وتآليفهم.
الدلالة العادية هي بالأصل دلالة عقلية، لكن بملاحظة العادة، والدلالة الشرعية هي دلالة عقلية بملاحظة الشريعة، والدلالة الحسية هي دلالة عقلية بملاحظة الحس، فالعقل هو الأساس في كل شيء من حيث الدلالة.
حتى الشريعة فلا يمكن أن تفهم منها معنى إلا بملاحظة العقل، فلو انعدم العقل فلا دلالة للشريعة على شيء، ولذلك كان العقل شرط التكليف.