الدرس الثالث من دروس المنطق
من المقدمة السابقة، نستطيع أن نعرف السبب الرئيس في اعتراض بعض العلماء المسلمين على المنطق، وهو أن مسائل علم المنطق كانت مخلوطة بالعقائد اليونانية، وعقائد الشعوب الأخرى التي نقلت منها الكتب. ولذلك اهتم المصنف هنا بالكلام على حكم علم المنطق وسبب اختلاف المسلمين فيه فقال:
15. وَالخُلْفُ في جَوازِ الاشْتِغالِ
بِهِ عَلى ثَلاثَةٍ أَقْوالِ
16. فَابْنُ الصَّلاحِ وَالنَّواوي حَرَّما
وَقالَ قَوْمٌ يَنْبَغي أَنْ يُعْلَما
17. وَالقَوْلَةُ الـمَشْهُورَةُ الصَّحِيحةْ
جَوَازُهُ لِسالِمِ القَريحَةْ
18. مُمَارِسِ السُّنَّةِ وَالكِتابِ
لِيَهْتَدي بِهِ إِلى الصَّوابِ
[قرر المصنف أن العلماء لم يتفقوا على رأي واحد في] كتب [علم المنطق، بل افترقوا على ثلاثة أقوال. نذكرها فيما يلي:
الرأي الأول: تحريم علم المنطق، وهذا الرأي قال به الإمام النووي وابن الصلاح وغيرهما، وقد بنوا قولهم على أن المنطق مقدمة للفلسفة، والفلسفة مخالفة للدين، وما كان مقدمة للفاسد فهو فاسد مثله] لاحظ أنه استدلال منطقي من الإمامين.
[ولكن هذا الرأي لا يسلم إلا إذا أثبتوا أن المنطق لا يمكن أن يستفاد منه إلا في الفلسفة، أي إذا أمكنهم إثبات أن المنطق مقدمةً للفلسفة خاصة، قد يسلم لهم ما قالوه.
وأيضًا فإنه يجب عليهم إثبات أن الفلسفة فاسدة مطلقًا لكونها فلسفة، وهذا فيه نظر، فالفلسفة فعل عقلي في الوجود وكليات الطبيعة والعقليات، قد يكون صحيحًا مطابقًا وقد لا يكون كذلك، فليس كل فلسفة باطلة، بل بعض الأنظار الفلسفية صحيحة، وكذلك نقول إن علم الكلام نظر عقلي في الكليات الطبيعية والشرعية والعقلية، ولا يمكن أن نقول بفساد علم الكلام مطلقًا، بل ما كان منه صحيحًا فهو صحيح وما كان فاسدًا فهو فاسد، بل هذه قاعدة في كل العلوم، كعلم أصول الفقه واللغويات والتفسير، بل في الطبيعيات والرياضيات، وغيرها. فالمنطق إذًا لم يثبت أنه مقدمة للفلسفة فقط، بل قد يكون مقدمةً لغيرها من العلوم، فلا يصح القول ببطلانه مطلقًا.
وهذا ما أثبته المحققون من العلماء، فقد أثبتوا أن المنطق مقدمةً لسائر العلوم، لا للفلسفة فقط، وبناء على ذلك فلا يمكن القول بحرمته مطلقًا كما أطلقه أصحاب هذا القول.
الرأي الثاني: بعض العلماء أوجبوا علم المنطق مطلقًا. وقال بعضهم: يجب على الناس وجوب كفاية أن يعلموا المنطق، وهذا الرأي أخصُّ من الإيجاب مطلقًا، لأنه إيجاب على سبيل الكفاية، كسائر العلوم الإسلامية، وقد يُفْهَمُ من كلامهم مجردُ نَدْبِهِ.
ولصاحب هذا الرأي أن يُفَصِّلَ فيقول: القدر الضروري من المنطق واجبٌ وجوبَ عين، وقد صرح به الغزالى في أوائل كتاب المستصفى في أصول الفقه، وبادر إلى تأليف عدة كتب في المنطق أودع فيها أمثلةً شرعيةً غيرَ متعارضةٍ مع الدين، متوافقةً مع عقائده، فجرده من الأمثلة الفلسفية المتعارضة مع الدين، فخلا كتابه من أسباب اعتراض العلماء على علم المنطق. وتبعه على هذا القول كثير من العلماء المحققين.
الرأي الثالث: وهو القول الذي رجحه المصنف، بل هو رأي جمهور العلماء، وهو أن تَعَلُّمَ علم المنطق يجوز للذي مارس علوم الكتاب والسنة، وتحققت في نفسه العلوم الإسلامية، فاطمأنَّ إليها، فمن كان هذا شأنه، فإن علم المنطق ينفعه في فكره ونظره ليس فقط في الكتاب والسنة، بل في سائر العلوم، كالطبيعيّات والرياضيات.
وقالوا: إن الإنسان الذي يلتزم قواعد المنطق فإنه يصبح أقرب إلى الاهتداء إلى الأقوال الصواب، لأن المنطق آلة للتفكير الصحيح، ومن عرف آلية التفكير الصحيح يكون أقرب إلى الالتزام بها ممن لم يعرفها. كمن يعرف علم النحو فإنه يكون أقرب إلى معرفة التركيب الصحيح للكلام العربي ممن لم يعرفه بل اعتمد فقط على خبرته باللغة وسليقته، فعلم المنطق مع أنه علم يتوافق مع العقل الصحيح، بل إن قواعده منها الضروري ومنها النظري، إلا أن كونه متوافقًا مع العقل الصحيح لا يكفي لمعرفة الناس به، ولا يكفي لالتزام الناس بالطريق الصحيح في التفكير، بل لا بدَّ لهم مع ذلك أن يتعلموا القواعد التفصيلية فيه، فإن التزامهم بهذه القواعد متوقف على علمهم بها. وكذلك فإننا لا نقول إن كلَّ من عرف القواعد الصحيحة يلتزم بها، فإن التزامه بالقواعد الصحيحة متوقف على إرادته وفعله لذلك واكتسابه، لا على مجرد علمه.
والمتأمل في هذا القول يرى أن له وجهًا قويًا، خاصة في شرطهم سلامة القريحة أي الذكاء والنباهة لجواز تعلم علم المنطق، فإن هذا ليأمن قارئه من أن تتمكن بعض الشبه في عقله، فيضل، وهذا هو الشرط أيضًا في تعلم علم الكلام وغيره من العلوم الدقيقة الجليلة القدر.
ونستطيع القول بناء على هذا التحقيق أن لا تعارض كبيرًا بين هذا الرأي وبين الرأي الثاني الذي أوجب المنطق على البعض القادر على حلِّ الشبه والمتمكن من العلوم الإسلامية.
والتحقيق في هذه المسألة أن المنطق من حيث هو علم، بعد تجريده من الأمثلة الفلسفية، والمخالفة للعقائد الدينية، فهذا القدر منه لم يحصل خلاف من أحد من العلماء المعتبرين في جواز الاشتغال به، وأما لو نظرنا في المنطق لا من حيث هو علم بل من حيث الكتب التي ألفها المناطقة على اختلاف مذاهبهم، سواءً كانوا فلاسفة أم غيرهم من المتشرعة، فهذا المفهوم هو القدر الذي حصل الخلاف فيه بين العلماء على الأقوال الثلاثة السابقة.
ومعنى ذلك أن القدر المبين في كتب العلماء المحققين كهذا الكتاب، وكتاب السنوسي وكتاب التفتازاني والكاتبي وغيرهم من العلماء المحققين، فلم يقل أحد من العلماء المعتبرين بحرمة النظر في هذا القدر، بل الخلاف الممكن تقديره هنا هو هل الشخص المعين قادر على فهم المنطق أو لا؟ فإن كان قادرًا فلا بأس في ذلك، وإلا فلا، شأنه شأن سائر العلوم.
وأما الكتب المخلوطة بعقائد الفلاسفة ككتب الفارابي وابن سينا وغيرهم، فهذه هي التي يتصور فيها الخلاف المذكور، فمن حرَّمها، نظر إلى اشتمالها على العقائد الفاسدة، وعدم قدرة كل الناس على الرد عليها واستبيان غلطهم فيها، ومن أوجبها على الكفاية أو ندبها على الكفاية، علَّق نظره إلى أن بعض الناس هم القادرون على ذلك. وأن الرد على شبه الفلاسفة والمخالفين للدين لا يتم إلا بالنظر فيها والتمكن من الرد على شبههم المودعة فيها وفي غيرها، فأوجبها وجوب كفاية على القادرين. ومن قال بجوازها مطلقًا لممارس الكتاب والسنة وعلوم الدين الصحيحة، فهذا نظر إلى الكتب المنطقية المحررة، كهذا الكتاب، فالنظر في هذا الكتاب إذن ودراسته جائز على جميع الأقوال وواجب على بعضها، بلا توقف].
والحمد لله رب العالمين
الى اللقاء فى الدرس القادم ان شاء الله