الدرس الثانى من دروس المنطق :
[قال الناظم رحمه الله تعالى ونفعنا بعلومه في الدارين آمين:]
[مقدمة]
1. الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذي قَدْ أَخْرَجا
نَتائِجَ الفِكْرِ لأَرْبابِ الحِجَا
2. وَحَطَّ عَنْهُمْ مِنْ سَمَاءِ العَقْلِ
كُلَّ حِجَابٍ مِنْ سَحابِ الجَهْلِ
3. حَتى بَدَتْ لَهُمْ شُمُوسُ المَعْرِفةْ
رَأَوْا مُخَدَّراتِـها مُنْكَشِفَةْ
4. نَحْمَدُهُ جَلَّ عَلى الإِنْعامِ
بِنِعْمَةِ الإِيمانِ وَالإِسْلامِ
5. مَنْ خَصَّنا بِخَيْرِ مَنْ قَدْ أَرْسَلا
وَخَيْرِ مَنْ حَازَ المَقامَاتِ العُلَى
6. مُحَمَّدٍ سَيِّدِ كُلِّ مُقْتَــفَى
العَرَبِيِّ الهَاشِمِيِّ المُصْطَفى
7. صَلَّى عَلَيْهِ اللَّهُ ما دامَ الحِجا
يَخُوضُ مِنْ بَحْرِ المَعاني لُجَجا
8. وآلِهِ وَصَحْبِه ذَوِي الهُدَى
مَنْ شُبِّهُوا بَأَنْجُمٍ في الاهْتِدا

أرباب الحجا: أي أصحاب العقول، وشبه العقل بالسماء، والجهل بالسحاب، فصار الجهل كأنه يحجب العقل، كما يحجب السحاب السماء.
[بدأ المصنف كلامه بمقدمة ملائمة لعلم المنطق، حمد الله تعالى فيها بسبب إنعامه على الإنسان بنعمة العقل والفكر، فهي أكبر نعم الله تعالى على الخلق، وبها تميز الإنسان عن غيره من الحيوانات].
الإنسان يعرّف بأنه حيوان ناطق، فالمعنى الذي يفصل الإنسان عن غيره من الحيوانات هو النطق، والنطق معناه التفكير ولو بالقوة، فليس في الحيوانات من لديه القدرة على التفكير بمثل أو بنوع المستوى الذي عند الإنسان، فنوع التفكير عند الحيوانات مختلف عنه عند الإنسان، وكثير من العلماء قال بأن الحيوانات لا يوجد عندها تفكير بمعنى التفكير، بل هي تتبع وهمها وغرائزها والمعاني الجزئية، وأما الإنسان فهو يفكر بالمعاني الكلية، ويبني الجزئيات على الكليات، وهذا غير موجود عند الحيوانات.
[وحمد اللهَ تعالى أيضًا على نعمة الإسلام والإيمان، وإرسال الرسل، فذلك لا يجب أصلًا على الله تعالى فعله] لأنه لو كان إرسال الرسل والإنعام بالإيمان واجبًا على الله تعالى، لما كان مستحقًا للحمد على ذلك، لأن الذي يفعل واجبًا عليه لا يستحق الحمد أصلًا، وإنما يستحق الحمد من يفعل الخير متفضلًا، أي بلا سبق وجوب ولذلك قال: [فهو أنعم بها على الناس تفضلًا، ولهذا يستحق الحمد والشكر.
ويستحق الله تعالى أيضًا الحمد والشكر على أن أرسل إلينا أفضل البشر سيدنا محمدًا عليه الصلاة والسلام، ودعا لآل النبي وصحبه فهم لذلك مستحقون.
ثم ثنَّى المصنف بذكر مقدمة عامة في فائدة علم المنطق ليقرب مفهومه إلى الأذهان، فقال:]

9. وَبَعْدُ فَالمَنْطِقُ لِلْجَـنَـانِ
نِسْبَتُهُ كَالنَّحْوِ لِلِّسانِ
10. فَيَعْصِمُ الأفكارَ عَنْ غَيِّ الخَطا
وَعَنْ دَقيقِ الفَهْمِ يَكْشِفُ الغِطَا
11. فهَاكَ مِنْ أُصُولِهِ قَواعِدا
تَجْمَعُ مِنْ فُنُونِهِ فَوائِدا
12. سَمَّيْـتُـهُ بِالسُّلَّمِ المُنَوْرَقِ
يُرْقَى بِهِ سَماءُ عِلْمِ المَنْطِقِ
13. وَاللَّـهَ أَرْجُو أَنْ يَكُونَ خَالِصَا
لِوَجْهِهِ الكَريمِ لَيْسَ قالِصَا
14. وَأَنْ يَكونَ نافِعاً لِلْمُبْتدي
بِهِ إِلى المُطَوَّلاتِ يَهْتدي
[أقول: المنطق بالنسبة للفكر والتعقل، يشبه في فائدته النحوَ بالنسبة للتمكن من اللغة، فكلما ازداد فهم الإنسان للنحو، فإنه يزداد تمكنًا في لغته وكلامه.
والمنطق يفيد الإنسان كذلك في فكره، فإن العارف بعلم المنطق يتميز عن غيره بأنه يعرف تمامًا كيف يفكر تفكيرًا صحيحًا، ويعرف إذا أراد أن ينقد الآخرين كيف هي الوسائل الصحيحة للنقد، ونحن لا نقصد بالفكر والتفكير كيفية التعبير عن التفكير] لأن التعبير عن التفكير يكون من باب اللغة لا المنطق الذي هو آلة داخلية، [بل إننا نقصد فقط، كيف يزداد تمكن الإنسان من استعمال عقله لكي يتوصل إلى العلوم والمعارف الصحيحة باستعمال المقدمات المناسبة.
فالمنطق يرتب عقلية الإنسان الداخلية، ولذلك فإن فائدة المنطق إنما هي للجنان كما قال المصنف، وليست للسان، فإن اللسان يتدرب بالآداب والنحو واللغويات الأخرى، وليس المنطق لغة للسان، بل هو لغة للعقل والجنان والفكر.
وندعو الله تعالى أن يهيئ للقارئ الاستفادة من هذا الشرح، وأن يجعله في ميزان حسناتنا.
ونحن لا ندعي أن هذا الشرح يحتوي دقائق علم المنطق، بل هو يشرح كلياته وقواعده العامة، بحيث يكون مفيدًا للمبتدئ في هذا العلم، فإن مَن يريد التعمق في هذا العلم لا يجوز له أن يكتفي بهذا القدر، بل عليه أن يترقى بعد ذلك إلى المطولات التي تحتوي دقائق العلم.
وليعلم طالب العلم أن الانتقال إلى المطولات لا يمكن إلا بعد فهم نحوِ هذه المقدمات المختصرات، فإن الترقي في العلوم لا يحصل عادة إلا تدرجًا، والعلم العادي] أي الذي يحصل بالطرق العادية [هو الذي يجب على الخلق الالتزام بأحكامه، فيستحيل] عادة [فهم دقائق العلوم إلا بعد فهم كلياتها].
يوجد في كل علم مسائلُ أمهاتٌ، بعد ذلك فالمسائل الأخرى والفروع تبنى على هذه الأمهات، فالذي يريد تعلم أصول الفقه لا يجوز له أن يذهب مباشرة إلى شروح المحصول، أو البحر المحيط، بل يقرأ أولًا في الورقات والمنهاج وشرح مختصر المنهاج ونحوها. وهذا في حق من يريد دراسة فن ما بالكامل، وأما من يريد معرفة مسألة ما، فلا حرج أن يرجع إلى أي المراجع شاء بشرط أن يمتلك الآلات الكافية.
والكتاب الذي بين أيدينا مؤلف لتوضيح القواعد الأساسية، ويعطي دارسه كليات علم المنطق بحيث يصير عنده علم المنطق حاضرًا حضورًا إجماليًا في ذهنه، من الألف إلى الياء، وحضورًا تفصيليًا في بعض المسائل.
فهذا الكتاب مناسب للمبتدئين، ويوجد غيره مثل إيساغوجي وشروحه لأثير الدين الأبهري، ويوجد كتب أعلى من هذا المستوى، ككتاب التهذيب للتفتازاني، ويوجد كتب أعلى من كتاب التهذيب كالشمسية للكاتبي، ثم بعدها يأتي مطالع الأنظار للأُرموي، وهذا في الكتب المعتمدة في التدريس، والكتب ككتب الغزالي لا يذكرها عادة العلماء في التصنيفات لأنها لم تعتمد للتدريس، لأن الإمام الغزالي اتبع فيها أساليب خاصة فيه، وغالبًا العلماء لا يدرسون إلا ما تم تنقيحه وتهذيبه وتحريره بتتابع الأنظار عليه من عدة علماء، حتى يحصل التثبت منها، ثم بعد ذلك يعتمد للتدريس.
مثلًا: كتاب "معيار العلم" للإمام الغزالي: ذكر فيه الإمام نظرات خاصة فيه، وأساليب خاصة به، ولم يتعقبه فيها العلماء ويحرروا مسائله، فربما يكون هناك بعض الإشكالات، أو بعض الألفاظ التي تحتاج لتوضيح، ولذلك لم يعتمد العلماء كتابه للتدريس، ولكن لا شك أن هذا الكتاب من أكثر الكتب فائدة.
السلم المنورق ألفه العلامة الأخضري رحمه الله تعالى عندما كان طالبًا في الأزهر، ليسهل على الطلاب تعلم المنطق، فرآه شيخه وأقره للتدريس، وهكذا يشجع الربانيون تلامذتهم وينمّون مهاراتهم.
[تمهيد]
[فصل في جواز الاشتغال به]
[إن المنطق أساسًا علم ليس مختصًا بأمة معيّنة دون ما عداها من الأمم، وذلك كسائر العلوم المشتركة، ولكن بعض الشعوب برعت في بعض العلوم دون غيرها، واهتمت بها أكثر من اهتمام غيرها، واليونان كان هو الشعب الذي اهتم بعض فلاسفته بتدوين هذا العلم وبيان أركانه، وأسسه الكلية، وهذا لا يعني مطلقًا أن غير اليونان من الناس لم يعرفوا المنطق، بل ثبت عند الباحثين أن غير اليونان من الشعوب عرفت المنطق وكتبت فيه] كالفينيقيين في لبنان، وشعوب العراق والهند، ولهم تدوينات فيه، كذلك الصينيون، والمصريون القدماء، وثبت يقينًا أن فلاسفة اليونان كان أبرعهم وأشهرهم يسافر من اليونان إلى مصر والعراق وفينيقيا ويدرس هناك العلوم ثم يرجع إلى اليونان، ومنهم أرسطو وأفلاطون. وهذه النقطة يحاول الغربيون والمستشرقون إخفاءها. "وأنا لم أعرف علمًا من العلوم أصوله برزت في أوروبا".
[ ثم انتشر العلم إلى الناس عن طريق اليونان، ووصل علم المنطق إلى المسلمين، فاشتغل به الناس أولًا عن طريق الترجمات التي وصلت إليهم، وكان المترجمون ينقلون المنطق مع أمثلته التي كان يستعملها فلاسفة اليونان، وهذه الأمثلة كانت تعبر عن عقائدهم وأفكارهم ولا تطابق عقائد المسلمين ومبادئهم . فكان العلم مخلوطًا بأمثلة فلسفية في أول معرفتهم به، ثم لما اشتغل به علماء الدين الناقدون، حرروا المسائل الأصلية لعلم المنطق عن الأمثلة التي تتخلله، وحرروه منها، بل زادوا على ذلك بأن ضربوا أمثلة مطابقة للفقه والعقيدة الإسلامية.
من المقدمة السابقة، نستطيع أن نعرف السبب الرئيس في اعتراض بعض العلماء المسلمين على المنطق، وهو أن مسائل علم المنطق كانت مخلوطة بالعقائد اليونانية، وعقائد الشعوب الأخرى التي نقلت منها الكتب. ولذلك اهتم المصنف هنا بالكلام على حكم علم المنطق وسبب اختلاف المسلمين فيه فقال:]