عبد الحق بن غالب بن عطية الأندلسي
أولًا: نبذة عن ترجمة ابن عطيّة الأندلسي:

× اسمه ونسبه:
عبد الحقّ بن غالب بن عبد الرحمن-وقيل عبدالملك- بن غالب بن عبد الرؤوف بن عبد الله بن تمام بن عطيّة المُحَارِبِيّ الغرناطي المالكي، أبو محمد.

× مولده ونشأته وطلبه للعلم:
ولد سنة ثمانين وأربع مائة، نشأ في بيت علم وفضل، فأبوه غالب كان أكبر علماء غرناطة، ولذا فقد اعتنى به والده، ولحق به الكبار، فبدأ طلبه للعلم وهو صغير على يدي علماء غرناطة، ومنهم والده الذي قرأ عليه كتب الحديث والتفسير والفقه واللغة والأدب، واستمرت رعايته له حتى إنه كان أبوه ربما أيقظ ابنه في الليلة مرتين يقول له: (قم يا بني أكتب كذا وكذا في موضع كذا من تفسيرك)، وكان يتوقد ذكاء، فبرع في علوم كثيرة منها: التفسير، والقراءات، والفقه، والحديث، واللغة، والشعر، وبرع في شتى العلوم، حتى ولي قضاء المرية في سنة تسع وعشرين وخمس مائة، وكان يتوخى الحق والعدل.

× شيوخه:
تلقى العلم من مشايخ الأندلس، ومنهم:
1/ أبوه الحافظ أبو بكر غالب.
2/ الحافظ أبي علي الغساني.
3/ محمد بن الفرج مولى ابن الطلاع.
4/ أبو الحسين يحيى بن أبي زيد المقرئ ابن البياز، وغيرهم.

× تلاميذه:
تتلمذ على يديه الكثير، منهم:
1/ أبو القاسم بن حبيش الحافظ.
2/ أبو محمد بن عبيد الله.
3/ أبو جعفر بن مضاء.
4/ عبد المنعم بن الفرس.
5/ أبو جعفر بن حكم، وآخرون.

× أقوال العلماء فيه:
1/ قال خلف بن بشكوال (ت 578): ( كان واسع المعرفة، قوي الأدب، متفننا في العلوم، أخذ الناس عنه - رحمه الله تعالى -).
2/ قال ابن الزبير (ت 708): (كان فقيها جليلا، عارفا بالأحكام والحديث والتفسير، نحويا لغويا أديبا، بارعا شاعرا مفيدا، ضابطا سنيا، فاضلا من بيت علم وجلالة، غاية في توقد الذهن وحسن الفهم وجلالة التصرف).
3/ قال الذهبي (ت 748): (الإمام، العلامة، شيخ المفسرين، ... كان إماما في الفقه، وفي التفسير، وفي العربية، قوي المشاركة، ذكيا فطنا مدركا، من أوعية العلم).
4/ قال ابن فرحون (ت 799): (كان القاضي أبو محمد: عبد الحق فقيهاً عالماً بالتفسير والأحكام والحديث والفقه والنحو واللغة والأدب مقيداً حسن التقييد له نظم ونثر ولي القضاء بمدينة المرية وكان غاية في الدهاء والذكاء والتهمم بالعلم سري الهمة في اقتناء الكتب ولما ولي توخى الحق وعدل في الحكم وأعز الخطة).
5/ قال السيوطي (ت 911): (وألف: تفسير القرآن العظيم، وهو أصدق شاهد له بإمامته في العربية وغيرها).
6/ قال الداوودي (ت 945): (الإمام الكبير قدوة المفسرين ...، كان فقيها عالما بالتفسير والأحكام والحديث والفقه، والنحو واللغة والأدب، مفيدا حسن التقييد ....، وكانت له يد في الإنشاء والنظم والنثر، وكان يتوقد ذكاء).

× آثاره:
تُعد مؤلفات ابن عطية قليلة إذا قيست بعلمه العزيز، والفنون التي برع فيها، ولعل السبب في ذلك أن القاضي يرى أن طالب العلم بعد ما يحصل أساسيات العلوم أن يقصر همته على فن واحد؛ حتى يكون لأهل ذلك الفن كالحصن المشيد، والذخر العتيد، قال -رحمه الله-: (فإني لما رأيت العلوم فنونا، وحديث المعارف شجونا، وسلكت فإذا هي أودية، وفي كل للسلف مقامات حسان وأندية، رأيت أن الوجه لمن تشزن للتحصيل، وعزم على الوصول، أن يأخذ من كل علم طرفا خيارا، ولن يذوق النوم مع ذلك إلا غرارا، ولن يرتقي هذا النجد، ويبلغ هذا المجد، حتى ينضي مطايا الاجتهاد، ويصل التأويب بالإسئاد، ويطعم الصبر ويكتحل بالسهاد، فجريت في هذا المضمار صدر العمر طلقا، وأدمنت حتى تفسخت أينا وتصببت عرقا، إلى أن انتهج بفضل الله عملي، وحزت من ذلك ما قسم لي، ثم رأيت أن من الواجب على من احتبى، وتخير من العلوم واجتبى، أن يعتمد على علم من علوم الشرع، يستنفد فيه غاية الوسع، يجوب آفاقه، ويتتبع أعماقه، ويضبط أصوله، ويحكم فصوله، ويلخص ما هو منه، أو يؤول إليه، ويعنى بدفع الاعتراضات عليه، حتى يكون لأهل ذلك العلم
كالحصن المشيد، والذخر العتيد، يستندون فيه إلى أقواله، ويحتذون على مثاله.
فلما أردت أن أختار لنفسي، وأنظر في علم أعد أنواره لظلم رمسي، سبرتها بالتنويع والتقسيم، وعلمت أن شرف العلم على قدر شرف المعلوم فوجدت أمتنها حبالا، وأرسخها جبالا، وأجملها آثارا، وأسطعها أنوارا، علم كتاب الله جلت قدرته، وتقدست أسماؤه، الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، تنزيل من حكيم حميد...).
والذي رأيته أو قرأت ما ألّفه هو :
1/ المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز، فأحسن فيه وأبدع، وطار بحسن نيته كل مطار.
2/ البرنامج لابن عطية، ضمنه مروياته وأسماء شيوخه.

× عقيدته:
القاضي ابن عطية -رحمه الله- أشعري العقيدة، فهو يثبت أن العباد يرون ربهم يوم القيامة، ويثبت أن القضاء والقدر من الله خيره وشره، ويثبت أن صاحب الكبيرة لا يخلد في النار، وأن الشفاعة ثابتة لعصاة الموحدين، ويرد على من خالف، وهذا كله موافق لمذهب أهل السنة والجماعة، إلا أنه قد وقع في تأويل بعض الصفات كالاستواء، والوجه، واليد، والإتيان والمجيء، ومثال ما وقع من تأويلات:
في صفة العلو في قوله تعالى: {وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ} [البقرة: 255]، قال: (والْعَلِيُّ: يراد به علو القدر والمنزلة لا علو المكان، لأن الله منزه عن التحيز).
وفي صفة الغضب في قوله تعالى: {غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ} [الفاتحة: 7]، قال: (والغضب عليهم هو من الله تعالى، وغضب الله تعالى عبارة عن إظهاره عليهم محنا وعقوبات وذلة ونحو ذلك، مما يدل على أنه قد أبعدهم عن رحمته بعدا مؤكدا مبالغا فيه). (14)
وفي صفة اليد في قوله تعالى: {بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ} [المائدة: 64] ، قال: (العقيدة في هذه المعنى نفي التشبيه عن الله تعالى وأنه ليس بجسم ولا له جارحة ولا يشبه ولا يكيف ولا يتحيز في جهة كالجواهر ولا تحله الحوادث تعالى عما يقول المبطلون.
ثم اختلف العلماء فيما ينبغي أن يعتقد في قوله تعالى: }بَلْ يَداهُ وفي قوله: بِيَدَيَّ{ [ص: 75]، }وعَمِلَتْ أَيْدِينا{ [يس: 71]، }ويَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ{ [الفتح: 10]، }ولِتُصْنَعَ عَلى عَيْنِي{ [طه: 39]، }وتَجْرِي بِأَعْيُنِنا{ [القمر: 14]، }واصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنا{ [الطور: 48]، }وكُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ{ [القصص: 88] ونحو هذا، فقال فريق من العلماء منهم الشعبي وابن المسيب وسفيان يؤمن بهذه الأشياء وتقرأ كما نصها الله ولا يعن لتفسيرها ولا يشقق النظر فيها.
قال القاضي أبو محمد: وهذا قول يضطرب لأن القائلين به يجمعون على أنها ليست على ظاهرها في كلام العرب فإذا فعلوا هذا فقد نظروا وصار السكوت عن الأمر بعد هذا مما يوهم العوام ويتيه الجهلة.
وقال جمهور الأمة: بل تفسر هذه الأمور على قوانين اللغة ومجاز الاستعارة وغير ذلك من أفانين كلام العرب. فقالوا في العين والأعين إنها عبارة عن العلم والإدراك، كما يقال فلان من فلان بمرأى ومسمع، إذا كان يعنى بأموره وإن كان غائبا عنه، وقالوا في الوجه إنه عبارة عن الذات وصفاتها، وقالوا في اليد واليدين والأيدي إنها تأتي مرة بمعنى القدرة كما تقول العرب لا يد لي بكذا، ومرة بمعنى النعمة كما يقال لفلان عند فلان يد، وتكون بمعنى الملك كما يقال يد فلان على أرضه، وهذه المعاني إذا وردت عن الله تبارك وتعالى عبر عنها باليد أو الأيدي أو اليدين استعمالا لفصاحة العرب ولما في ذلك من الإيجاز، وهذا مذهب أبي المعالي والحداق، وقال قوم من العلماء منهم القاضي ابن الطيب: هذه كلها صفات زائدة على الذات ثابتة لله دون أن يكون في ذلك تشبيه ولا تحديد، وذكر هذا الطبري وغيره، وقال ابن عباس في هذه الآية، يَداهُ نعمتاه، ثم اختلفت عبارة الناس في تعيين النعمتين فقيل نعمة الدنيا ونعمة الآخرة، وقيل النعمة الظاهرة والنعمة الباطنة، وقيل نعمة المطر ونعمة النبات.
قال القاضي أبو محمد: والظاهر أن قوله تعالى: بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ عبارة عن إنعامه على الجملة، وعبر عنه بيدين جريا على طريقة العرب في قولهم فلان ينفق بكلتا يديه ...).
وغيرها من الأمثلة التي توضح وقوعه في تأويل صفات الله تعالى على اعتقاد مذهب الأشاعرة، غير أن مكانته العلمية، ورسوخ قدمه في اللغة، وتضلعه فيها، وقيمة تفسيره يخفف ما هو فيه، رحمه الله وغفر له.

ثانيًا: ابن عطيّة الأندلسي مفسرًا:
× منهجه في التفسير:
1- يفسر ابن عطية بالسنة النبوية، ولكن دون ذكر أسانيد المرويات، وكثيرًا لا يذكر تخريج الحديث، ويكتفي أحيانًا بذكر الصحابي الراوي للحديث.
2- يفسر القرآن بأقوال الصحابة والتابعين في تفسير القرآن، دون أسانيد أقوالهم.
3- يتعرض كثيرًا للقراءات وتوجيهها في آيات الذكر الحكيم.
4- يكثر في تفسيره من ذكر وجوه الاحتمالات التي يمكن حمل الآية عليها، ناقلًا ذلك عن المفسرين وغيرهم، فيقوم بتفسير الآية بعبارة عذبة سهلة، مناقشًا ما ينقله من آراء ما أمكنه.
5- كان كثير الاستشهاد بالشعر العربي، فعني بالشواهد الأدبية للعبارات.
6- كثير الاهتمام بالصناعة النحوية، فقد كان يحتكم إلى اللغة العربية عند ما يوجه بعض المعاني التفسيرية.
7- كان ينقل عن ابن جرير الطبري كثيرًا، ويناقش رأيه، ويرد عليه أحيانا.

× مصادره في التفسير:
لا شك أن المصادر تعتبر النواة الأولى للمفسر، سواء كانت هذه المصادر تلقى عن الشيوخ أو متمثلة في الكتب التي استفاد منها في كتابة التفسير، فيمكن أن نقسم المصادر إلى نوعين: المصدر الأول وهو شيوخه وقد تقدم الكلام عليهم، والمصدر الثاني وهو الكتب التي استفاد منها في كتابة التفسير، وهي:
1- جامع البيان في تفسير القرآن، للطبري.
2- معاني القرآن للزجاج.
3- المقتضب لأبي العباس المبرد.
4- مجاز القرآن لأبي عبيدة معمر بن المثنى.
5- الموطأ وهو لإمام دار الهجرة مالك بن أنس.
6- الواضحة لعبد الملك بن حبيب السلمي.
وغيرهم.

× نماذج من تفسيره:
× في تفسيره لمعنى (ينقضون) في قوله تعالى: {الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ} [البقرة: 27]، قال: (النقض رد ما أبرم على أوله غير مبرم، والعهد في هذه الآية التقدم في الشيء والوصاة به.
واختلف في تفسير هذا العهد: فقال بعض المتأولين: هو الذي أخذه الله على بني آدم حين استخرجهم من ظهر أبيهم آدم كالذر.
وقال آخرون: بل نصب الأدلة على وحدانية الله بالسماوات والأرض وسائر الصنعة هو بمنزلة العهد.
وقال آخرون: بل هذا العهد هو الذي أخذه الله على عباده بواسطة رسله أن يوحدوه وأن لا يعبدوا غيره.
وقال آخرون: بل هذا العهد هو الذي أخذه الله تعالى على أتباع الرسل والكتب المنزلة أن يؤمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم، وأن لا يكتموا أمره.
قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه: فالآية على هذا في أهل الكتاب، وظاهر ما قبل وبعد أنه في جميع الكفار.
وقال قتادة: «هذه الآية هي فيمن كان آمن بالنبي عليه السلام ثم كفر به فنقض العهد» .
قال القاضي أبو محمد رحمه الله: لم ينسب الطبري شيئا من هذه الأقوال، وكل عهد جائز بين المسلمين فنقضه لا يحل بهذه الآية...).
× في تفسير قوله تعالى: { وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا} [البقرة: 114]، قال: ("وَمَنْ أَظْلَمُ" الآية، مَنْ رفع بالابتداء، وأَظْلَمُ خبره، والمعنى لا أحد أظلم.
واختلف في المشار إليه من هذا الصنف الظالم، فقال ابن عباس وغيره: المراد النصارى الذين كانوا يؤذون من يصلي ببيت المقدس ويطرحون فيه الأقذار، وقال قتادة والسدي: المراد الروم الذين أعانوا بختنصر على تخريب بيت المقدس حين قتلت بنو إسرائيل يحيى بن زكرياء عليه السلام، وقيل: المعنّي بختنصر، وقال ابن زيد: المراد كفار قريش حين صدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المسجد الحرام، وهذه الآية تتناول كل من منع من مسجد إلى يوم القيامة أو خرب مدينة إسلام، لأنها مساجد، وإن لم تكن موقوفة، إذ الأرض كلها مسجد لهذه الأمة، والمشهور مسجد بكسر الجيم، ومن العرب من يقول مسجد بفتحها...).
× وفي قوله تعالى: {ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ } [البقرة: 196]، قال: (واختلف الناس في حاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرامِ بعد الإجماع على أهل مكة وما اتصل بها، وقال الطبري: بعد الإجماع على أهل الحرم، وليس كما قال: فقال بعض العلماء: من كان حيث تجب الجمعة عليه بمكة فهو حضري، ومن كان أبعد من ذلك فهو بدوي.
قال القاضي أبو محمد: فجعل اللفظة من الحضارة والبداوة، وقال بعضهم: من كان بحيث لا تقصر الصلاة إلى مكانه فهو حاضر أي شاهد، ومن كان أبعد من ذلك فهو غائب، وقال عطاء بن أبي رباح: مكة وضجنان وذو طوى وما أشبهها حاضر والمسجد الحرام.
وقال ابن عباس ومجاهد: أهل الحرم كله حاضر والمسجد الحرام، وقال مكحول وعطاء: من كان دون المواقيت من كل جهة حاضر والمسجد الحرام.
وقال الزهري: من كان على يوم أو يومين فهو من حاضري المسجد الحرام، ثم أمر تعالى بتقواه على العموم، وحذر من شديد عقابه).

× وفاته:
توفي: بحصن لورقة، في الخامس والعشرين من شهر رمضان، سنة اثنتين وأربعين وخمس مائة، رحمه الله رحمة واسعة.