ينقسم علم الحديث عند أئمة هذا الفن إلى قسمين: الأول: علم الحديث رواية، والثاني: علم الحديث دراية، والقسم الأول هو نص الحديث نفسه، أو هو متنه، وهو ما أضيف إلى النبي صلى الله عليه وسلم أو إلى صحابي، من جهة العناية بنقل ذلك وضبطه وتحرير ألفاظه، والقسم الثاني هو علم الحديث دراية، وهو علم يُبحث فيه عن أحوال الراوي والمروي من حيث القبول والرد، وهو ما يعرف بسند الحديث.

فعلم الحديث رواية هو الذي يشتمل على ضبط الحديث، ونقله، وروايته، وتحرير ألفاظه، ومن كتب هذا النوع: الصحيحان والسنن الأربعة وكذلك المسانيد والمعاجم والأجزاء الحديثية، وعلم الحديث دراية هو العلم الذي تعرف به حقيقة الرواية وشروطها وأنواعها وأحكامها وحال الرواة وشروطهم وأصناف المرويات وفقهها، وهذا العلم يخدم النوع الأول، قال العلماء: "والعلم المخصوص بالدراية يبين المخصوص بالرواية".

ومما هو معلوم ومتفق عليه عند أهل الحديث أن موضوع علم الحديث يُعنى بمعرفة السند والمتن جميعاً؛ أما السند فمن جهة أحوال أفراده ورواته واتصاله أو انقطاعه وعلوه أو نزوله وغير ذلك، وأما المتن فمن جهة صحته أو ضعفه وما يتعلق بذلك، ومعلوم أيضاً أن فائدة علم الحديث هو: معرفة الحديث الصحيح وتمييزه عن الحديث السقيم الذي فيه علّة، ومعرفة الحديث المقبول من المردود، فغاية علم الحديث دراية أنه يتم به حفظ الدين من التحريف والتبديل، فبه نميز بين الصحيح والسقيم من الأحاديث، ولولاه لاختلط الحديث الصحيح بالضعيف والموضوع، واختلط كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم بكلام غيره. ولهذا جاء في تعريف ابن سيد الناس للمحدث بأنه من اشتغل بالحديث رواية ودراية، واطلع على كثير من الرواة والروايات في عصره، وتميز في ذلك حتى عرف فيه خطه واشتهر فيه ضبطه. قال الحاكم: "والحديث الصحيح لا يعرف بروايته فقط، وإنما يعرف بالفهم والحفظ وكثرة السماع".

تعريف علم الحديث رواية

هو الكلام الذي ينتهى إليه السند، ويشتمل على ما أضيف إلى النبي صلى الله عليه وسلم، من أقواله أو أفعاله أو أحواله، أو إلى الصحابي فمن دونه، وقيل: ما نقل عن النبي صلى الله عليه وسلم من قول أو فعل، أو صفة، خلقية أو خُلقية، التي وصلت إليها بالسند المتصل، وما يتعلق بها من حيث ضبطها وتحريرها، وهي الأحاديث التي توجد في الصحاح كالبخاري ومسلم، أو السنن كسنن الترمذي وأبي داود وابن ماجه، وغيرهم، أو المسانيد، كمسند أحمد وغيره، أو المعاجم كمعجم الطبراني، أو غيرها من كتب الحديث، قال الصنعاني: "علم يشتمل على نقل ما أضيف إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وقيل: أو إلى صحابي فمن دونه: قولاً، أو فعلاً، أو هماً، أو تقريراً، أو صفة"، والحديث بهذا المعنى هو رديف مصطلح السنة عند علماء الحديث، حيث عرفها العلماء بقولهم: "هي كل ما أثر عن الرسول صلى الله عليه وسلم من قول، أو فعل، أو تقرير، أو صفة خَلْقية أو خُلُقية، أو سيرة"، ويضاف إليها كذلك: "ما أضيف للصحابي وللتابعي".

وقد تحدث العلماء في تفريقهم بين الحديث الصحيح والحديث الحسن عن شروط تعود للسند، وأخرى تعود للمتن والسند معاً، واتفقوا على أن هناك شرطان أساسيان لقبول الحديث ويرجعان للسند والمتن معا وهما: سلامة الحديث من الشذوذ، وسلامته من العلة القادحة، وبينوا أن الشذوذ قد يكون في السند، وقد يكون في المتن، ولكن أكثر ما يكون الشذوذ في المتن، وتحدثوا كذلك على أن العلة قد تكون في السند، وقد تكون في المتن، وبينوا كذلك أن ما يعرف بالشاذ من الحديث أو المنكر أو المعل أو المضطرب أو المدرج، أو المقلوب، أو الاضطراب، أو الإدراج، أو القلب، أو الغرابة كل ذلك قد يقع في السند، وقد يقع في المتن.

تعريف علم الحديث دراية

هو سند الحديث أو سلسلة الرواة الذين نقلوا هذا المتن، ويسمى الإسناد، وهو الطريق الموصل إلى ثبوت المتن، وكلاهما أي السند والإسناد بمعنى واحد، وهو من خصائص الأمة، وله أهمية كبيرة في الوقوف على صحة المتن، عبر عنها الإمام ابن المبارك بقوله: (الإسناد من الدين، ولولا الإسناد لقال من شاء ما شاء) وقال ابن الصلاح: "إن الرواية بالأسانيد المتصلة ليس المقصود بها في عصرنا وكثير من الأعصار قبله إثبات ما يروى بها؛ إذ لا يخلو إسناد منها عن شيخ لا يدري ما يرويه ولا يضبط ما في كتابه ضبطاً يصلح لأن يعتمد عليه في ثبوته ، وإنما المقصود منها إبقاء سلسلة الإسناد ، والتي خصت بها هذه الأمة.

فالمراد بعلم الحديث دراية عند الإطلاق، هو ما يتبع الراوي والمروي، ويقال: إن واضع هذه التسمية هو الإمام الحافظ ابن شهاب الزهري في خلافة عمر بن عبد العزيز.

ويندرج تحت علم الحديث دراية عدة أنواع من العلوم منها: علم الرجال وتواريخ الرواة، وعلم الجرح والتَّعديل، وغيرها، وهو ما يُعرف به قوانين الرّواية وشروطها وأنواعها وأحكامها، وحال الرّواة وشروطهم وأنواع المرويّات، وما يتعلّق بذلك،

ويندرج تحت تحت علم الحديث رواية عدة أصناف من علوم الحديث كذلك، منها: الحديث المرفوع، والموقوف، والمقطوع، وغريب الحديث، ومختلف الحديث وغيرها، حيث أوصلها بعض العلماء كالإمام ابن الصلاح وغيره إلى ما يزيد على ستين نوعاً، وقد اشتهر علم الحديث دراية عند المتأخرين بعلم مصطلح الحديث، أو علم أصول الحديث، أو علوم الحديث، وعرفه بعضهم كابن جماعة وغيره بأنه العلم الذي يعرف منه حقيقة الرواية، وشروطها، وأنواعها، وأحكامها، ويعرف بها أحوال الرواة وشروطهم، وأصناف مروياتهم، وكل ما يتعلق بهه. وفصل بعضهم فقال: فحقيقة الرواية هي ما يتعلق بطرق نقل الأحاديث، وشروطها: ما يتعلق بأنواع التحمل والأداء، من حيث القراءة على الشيخ، أو سماعه، أو الإجازة، أو المناولة، أو الوجادة وغيرها، أما أنواع الرواية، فهي ما يتعلق بالاتصال والانقطاع، التي توصلنا إلى الحكم على الرواية من حيث القبول أو الرد. وأما حال الرواة: فهو ما يتعلق بالعدالة والضبط، الموصلة إلى التعديل أو التجريح، قال الحافظ ابن حجر: "معرفة القواعد المعرّفة بحال الراوي والمروي".

ويدخل تحت باب دراية الحديث ما يتعلق بالشواهد والمتابعات، والعلل التي تكون في بعض الأحاديث مثل ما يسمى بالاضطراب وما يسمى بالإدراج ونحو ذلك، وما يتعلق بالتعديل، وهو الوقوف على ما يدل على ثقة الرواي وضبطه مما يؤدي إلى قبول روايته، وما يتعلق بالجرح الذي هو بيان ما يجرح به الراوي ويؤدي إلى ردِّ روايته ثم الوقوف على مسائل تعارض الجرح مع التعديل، وكيفة التعامل عند ذلك.

ويدخل كذلك ما يتعلق بالترجيح بين الروايات عند تعارض الوصل والإرسال، أو الوقف والرفع، وكل ذلك حسب قرائن الترجيح المعروفة، وهذه المرجحات كثيرة يعرفها جهابذة وأئمة هذا الفن، الذين طال بهم الاشتغال بعلم الحديث، ووقفوا على دقائق هذا الفن وخفاياه، ومن أنواع المرجحات كثرة العدد، أو مزيد الحفظ، أو طول ملازمة للشيخ، وغير ذلك من القرائن المعروفة التي يصعب الوقوف عليها في هذا المختصر.

أهمية هذا التقسيم

تظهر أهمية هذا التقسيم أن علماء الحديث كانوا يعتنون بالمتن والسند جميعا، وهو ما يعرف في أيامنا هذه بالنقد الداخلي أي المتن، والخارجي أي السند، وأنهم كانوا يدعون إلى دراسة الحديث سنداً ومتناً، ومنه الاهتمام بعلوم الحديث بشقيه، بما فيها من أنواع الحديث الشاذ والمنكر والمضطرب والموضوع وغيره، من أنواع علوم الحديث المبثوثة في مصنفات علوم الحديث، مما يصعب حصرها، هذا والله تعالى أعلم.