ذكر خبر آخر فِي مثل هَذَا الْمَعْنى

وَقد رُوِيَ فِي هَذِه الْقِصَّة أَيْضا فِي خبر آخر
أَن الله عز وَجل لما قبض الذُّرِّيَّة من ظهر آدم بكفه قَالَ : خُذ أَيهمَا شِئْت قَالَ
أخذت يَمِين رَبِّي وكلتا يَدَيْهِ يَمِين // أخرجه السُّيُوطِيّ فَفَتحهَا فَإِذا فِيهَا صُورَة آدم وَذريته
قَالَ مُحَمَّد بن شُجَاع انْفَرد بِرِوَايَة هَذَا الحَدِيث حَاتِم بن إِسْمَاعِيل وَكَانَ ضَعِيفا والمقبري وَكَانَ مدلسا وانتشر عَنهُ كَانَ يُدَلس فِيمَا يرْوى عَن أبي هُرَيْرَة رَضِي الله عَنهُ فَلَعَلَّ هَذَا الحَدِيث من هذَيْن الْوَجْهَيْنِ
فَأَما إِذا قيل على مَا فِيهِ أمكن أَن يكون تَأْوِيله على بعض هَذِه الْوُجُوه الَّتِي ذكرنَا
أما قَوْله قبض الذُّرِّيَّة من ظهر آدم فَلَعَلَّ الْوَجْه الَّذِي بَينا تَأْوِيله أَن القبضة أضيفت إِلَيْهِ ملكا وفعلا وتقديرا أَو حكما وأمرا
وَأما الْكَفّ فقد ذكرنَا فِيمَا قبل أَنه يحْتَمل وُجُوهًا وَذكرنَا شَوَاهِد ذَلِك
فَإِن حمل على معنى الْقُدْرَة وَالْملك صَحَّ وَإِن حمل على معنى النِّعْمَة والأثر الْحسن صَحَّ لِأَن ذَلِك مِمَّا حدث فِي ملكه بقدرته وَعَن ظُهُور نعْمَته عل بَعضهم وآثاره الْحَسَنَة فيهم

وَأما قَوْله عَلَيْهِ السَّلَام أخذت يَمِين رَبِّي فَيحْتَمل وَجها
أَحدهَا أَن الْيَمين لما كَانَ محلا للطيب من ذُريَّته اخْتَار مَا كَانَ اخْتَارَهُ الله عز وَجل وأضيف الْيَمين من الله تَعَالَى إِلَى الله تَعَالَى من طَرِيق الْملك وَالْقُدْرَة وَالْفِعْل الَّذِي جعله فِي الْيَمين من أهل السَّعَادَة وهم أولياؤه فقد أَخَذته على معنى أخترتهم وواليتهم وأحببتهم
وَيحْتَمل أَن يكون ذَلِك على معنى مَا ذكرنَا من قَوْلهم تلقاها عرابة بِالْيَمِينِ
وَيكون الْيَمين من الْيمن فأثر الله من ظَهرت فيهم وُجُوه الْبركَة واليمن والسعادة من الله عز وَجل وأضيف الْيَمين إِلَى الله على معنى أَنه هُوَ الَّذِي أسعد بِهِ
وَقَوله وَقَالَ مُحَمَّد بن شُجَاع مَعْنَاهُ أَنِّي رددت أَمْرِي فِي ذَلِك إِلَى رَبِّي تَعَالَى واخترت مَا اخْتَار وفوضت إِلَيْهِ لِأَنَّهُ قَالَ لَهُ خُذ أَيهمَا شِئْت فَترك أَن يخْتَار ورد الْأَمر إِلَيْهِ كَأَنَّهُ أَرَادَ اخْتَرْت مَا يخْتَار وآثرت مَا يؤثره
وَأما قَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم
وكلتا يَدَيْهِ يَمِين فقد ذكر بعض مَشَايِخنَا فِي تَأْوِيل ذَلِك أَنه كَانَ يَقُول
إِن الله عز ذكره الْمَوْصُوف بيد الصّفة لَا بيد الْجَارِحَة وَإِنَّمَا تكون يَد الْجَارِحَة

يَمِينا وَشمَالًا لِأَنَّهُمَا يكونَانِ لتبعيض وتجزيء ذِي أَعْضَاء وأغيار وَلما لم يكن مَا وصف الرب بِهِ يَد جارحة وَبَين النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ذَلِك بقوله وكلتا يَدَيْهِ يَمِين أَي لَيست هِيَ يَد جارحة
وَقيل أَيْضا فِي ذَلِك إِن المُرَاد أَن الله عز ذكره لما وصف باليدين وَيَد الْجَارِحَة تكون إِحْدَاهمَا يَمِينا وَالْأُخْرَى شمالا واليسرى تنقص أبدا فِي الْغَالِب عَن الْيَمين فِي الْقُوَّة والبطش عرفنَا صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كَمَال صفة الله عز وَجل وَأَنه لَا نقص فِيهَا وَأَن مَا وصف بِهِ من الْيَدَيْنِ لَيْسَ كَمَا وصف بِهِ ذُو الْجَوَارِح الَّذِي تنقص مياسره عَن ميامنه
وَيحْتَمل أَيْضا أَن يكون معنى ذَلِك أَن آدم عَلَيْهِ السَّلَام لما قيل لَهُ خُذ أَيهمَا شِئْت
فَقَالَ أخذت يَمِين رَبِّي وكلتا يَدَيْهِ يَمِين إِنَّمَا أَرَادَ بِهِ بَيَان الشُّكْر وَالنعْمَة لَا بَيَان الحكم والإعتراف بِالْملكِ فَذكر الْفضل وَالنعْمَة لِأَن جَمِيع مَا بيدَيْهِ جلّ وَعز من مننه فضل وَطول مُبْتَدأ فَمن منفوع يَنْفَعهُ وَمن مَدْفُوع عَنهُ يَحْرُسهُ فقصد قصد الشُّكْر والتعظيم للمنة وَأَن مَا اخْتَارَهُ هُوَ الْكل والجميع حظا مِمَّا وَرَاءه تصغيرا لَهُم وتهجينا
وَقَالَ بَعضهم معنى كلتا يَدَيْهِ يَمِين أَرَادَ وصف الرب تَعَالَى بغاية الْجُود وَالْكَرم وَالْإِحْسَان وَالْفضل وَذَلِكَ لِأَن الْعَرَب تَقول لمن هُوَ كَذَلِك كلتا يَدَيْهِ يَمِين وَإِذا نقص حَظّ الرجل وبخس نصِيبه قبل جعل سَهْمه فِي الشمَال وَإِذا لم

يكن عِنْده إجتلاب مَنْفَعَة وَلَا دفع مضرَّة قيل لَيْسَ فلَان بِالْيَمِينِ وَلَا بالشمال وَلذَلِك قَالَ الفرزدق يمدح
كلتا يَدَيْهِ يَمِين غير مُخْتَلفَة