ذكر خبر آخر فِي معنى مَا تقدم ذكره

وَهَذَا النمط فِي هَذِه الْأَحَادِيث مَا رُوِيَ عَنهُ عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام أَيْضا من قَوْله
لَا شخص أحب للغيرة من الله سُبْحَانَهُ
وَقد رُوِيَ هَذَا الحَدِيث على وُجُوه أثبتها عِنْد أهل النَّقْل مَا رُوِيَ فِي أَنه قَالَ
لَا أحد أغير من الله تَعَالَى
وَرُوِيَ أَيْضا
لَا شَيْء أغير من الله تَعَالَى وَمن غيرته حرم الْفَوَاحِش // أخرجه الْأَمَام أَحْمد //
وَفِي هَذَا الْخَبَر مِمَّا يتَأَوَّل لفظان
أَحدهمَا لفظ الْغيرَة وَالثَّانِي معنى الشَّخْص
فَأَما معنى الْغيرَة فَهُوَ الزّجر وَالتَّحْرِيم لِأَن الغيور هُوَ الَّذِي يزْجر عَمَّا يغار عَلَيْهِ ويحظر الدنو مِنْهُ وَقد بَين عَقِبَيْهِ بقوله وَمن غيرته حرم الْفَوَاحِش أَي
زجر عَنْهَا وحظرها
وَقد رُوِيَ فِي الْخَبَر أَن بعض أَزوَاجه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَهْدَت إِلَيْهِ شَيْء فِي غير يَوْمهَا فَأخْبرت عَائِشَة رَضِي الله عَنْهَا بذلك فبددته فَقَالَ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم
غارت أمكُم أَي زجرت عَن إهداء مَا أنفذ
وَمِنْه أَيْضا مِمَّا روى أَبُو هُرَيْرَة رَضِي الله عَنهُ عَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَنه قَالَ
إِن سعد بن عبَادَة سيدكم لغيور وَأَنا أغير مِنْهُ وَالله أغير مني // أخرجه البُخَارِيّ //
وَمعنى ذَلِك أَنه لزجور عَن الْمَحَارِم وَأَنا أزْجر مِنْهُ وَالله أزْجر من الْجَمِيع عَمَّا لَا يحب من الْأَفْعَال
وَأَن لفظ الشَّخْص فَغير ثَابت من طَرِيق السَّنَد وَإِن صَحَّ فَالْمَعْنى مَا بَينه فِي الحَدِيث الآخر وَهُوَ قَوْله لَا أحد وَاسْتعْمل لفظ الشَّخْص مَوضِع أحد على أَنه يحْتَمل أَن يكون هَذَا من بَاب الْمُسْتَثْنى من غير جنسه ونوعه وَمَا كَانَ من صفته كَمَا قَالَ الله تَعَالَى
{مَا لَهُم بِهِ من علم إِلَّا اتِّبَاع الظَّن}
وَلَيْسَ يظنّ من معنى الْعلم بِوَجْه كَذَلِك يكون تَقْدِيره إِن الْأَشْخَاص
الموصوفة بالغيرة لَا تبلغ غيرتها وَإِن تناهت غيرَة الله عز وَجل وَإِن لم يكن شخصا بِوَجْه وَإِنَّمَا منعنَا من إِطْلَاق الشَّخْص عَلَيْهِ تَعَالَى الْأُمُور
أَحدهَا أَن اللَّفْظ لم يثبت من طَرِيق السّمع
وَالثَّانِي أَن الْأمة قد اجْتمعت على الْمَنْع مِنْهُ
وَالثَّالِث أَن مَعْنَاهُ أَن يكون أجساما مُوَافقَة على نوع من التَّرْكِيب وَقد منعت الجسمية من إِطْلَاق الشَّخْص مَعَ قَوْلهم بالجسم فَدلَّ ذَلِك على تَأْكِيد مَا قُلْنَا من الْإِجْمَاع على مَنعه فِي صفته