ذكر خبر آخر مِمَّا ذكر فِيهِ الصُّورَة

وَهُوَ من الْأَخْبَار الَّتِي ذكرت فِي الصِّحَاح رفع الحَدِيث إِلَى أَن قَالَ
فيأتيهم فِي صُورَة غير الصُّورَة الَّتِي يعرفونها فَيَقُول
أَنا ربكُم فَيَقُولُونَ نَعُوذ بِاللَّه مِنْك هَذَا مَكَاننَا حَتَّى يأتينا رَبنَا فَإِذا جَاءَ رَبنَا عَرفْنَاهُ
قَالَ فيأتيهم فِي الصُّورَة الَّتِي يعرفونها فَيَقُول أَنا ربكُم
فَيَقُولُونَ أَنْت رَبنَا فيأتونه
وَفِي بعض أَلْفَاظ هَذَا الْخَبَر أَنه يَقُول لَهُم : أَو تعرفونه إِذا رَأَيْتُمُوهُ
فَيَقُولُونَ نعم
فَيَقُول وبماذا تعرفونه
فَيَقُولُونَ بَيْننَا وَبَينه عَلامَة إِذا رَأَيْنَاهُ عَرفْنَاهُ
هَذَا الْخَبَر مَشْهُور وَفِيه طول وقصة ذكرنَا مِنْهُ مَا يحْتَاج إِلَى تَأْوِيل وَتَأْويل ذَلِك وتخريجه يحْتَمل وجودهَا
أَحدهَا أَن تكون فِي هَا هُنَا بِمَعْنى الْبَاء كَمَا روينَا عَن ابْن عَبَّاس فِي قَوْله عز وَجل
{فِي ظلل من الْغَمَام}
وَإِذا كَانَ سائغا فِي اللُّغَة إِبْدَال الْبَاقِي وَفِي بِالْبَاء لم يُنكر أَن يكون معنى فِي هَا هُنَا معنى الْبَاء
وَقد يسوغ أَيْضا فِي الْكَلَام وَلَا فرق فِيهِ بَين أَن يَقُول الْحَرَكَة فِي المتحرك وَالْحَرَكَة بالمتحرك وَإِذا كَانَ معنى الْبَاء أَعم فتقديره على هَذَا التَّخْرِيج والتأويل
أَن الله عز وَجل يَأْتِيهم يَوْم الْقِيَامَة بِصُورَة غير صورته الَّتِي يعرفونها فِي الدُّنْيَا وَتَكون الْإِضَافَة فِي الصُّورَة إِلَيْهِ من طَرِيق الْملك وَالتَّدْبِير كَمَا يُقَال سَمَاء الله وأرضه وَبَيت الله وناقته على وجهة الْملك وَالْفِعْل لَا على الْوَجْه الَّذِي لَا يَلِيق بِهِ فَيكون الْمَعْنى فِي ذَلِك أَن الْخلق عرفُوا الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى بدلالاته المنصوبة وآياته الَّتِي ركبهَا فِي الصُّور وَهِي الْأَعْرَاض الدَّالَّة على حُدُوث الْأَجْسَام واقتضائها مُحدثا لَهَا من حَيْثُ كَانَا محدثين
وَأما الْإِتْيَان بِهِ فعلى معنى ظُهُور فعله لَهَا مِنْهُ وَهُوَ معنى قَوْله تَعَالَى
{فَأتى الله بنيانهم من الْقَوَاعِد}
وَقَوله تَعَالَى
{وَجَاء رَبك}
وَقَوله
{الرَّحْمَن على الْعَرْش اسْتَوَى} على أحد التَّأْوِيل
أما قَوْله غير الصُّورَة الَّتِي يعرفونها فَيحْتَمل أَن يكون الْمَعْنى فِي ذَلِك أَنه يَأْتِيهم يَوْم الْقِيَامَة بِصُورَة على خلاف ذَلِك الشكل وَتلك الْهَيْئَة الَّتِي كَانَت الصُّورَة عَلَيْهَا فِي الدُّنْيَا مَا لم يعرفوه وَلم يعهدوه لَيْسَ ذَلِك مُنْكرا لِأَن عادات أهل الْقِيَامَة وَمَا يظْهر لَهُم من الْأَهْوَال وعجائب الْخلق من صُورَة الْمَلَائِكَة وزبانية الْعَذَاب وخزنة الْجنان مِمَّا لم يعهدوا على شكلها وهيئتها فِي الدُّنْيَا
وَأما قَوْله فَيَقُول أَنا ربكُم فقد قَالَ بعض أهل الْعلم
إِن هَذَا آخر محنة الْمُؤمن وَأَنه يظْهر هَذَا القَوْل فعلا من الله عز وَجل فِي بعض هَذِه الصُّور محنة للمكلفين فِي الدُّنْيَا من أهل الْإِيمَان فَيظْهر مِنْهُم عَن صدق توحيدهم وَصِحَّة إِيمَانهم مَا يكون إنكارا لذَلِك وَتَكون الْفَائِدَة فِيهِ يعرفنا تأييد الله تَعَالَى لأهل الْإِيمَان بِهِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة وتثبيته لَهُم كَمَا قَالَ عز وَجل
{يثبت الله الَّذين آمنُوا بالْقَوْل الثَّابِت فِي الْحَيَاة الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَة}
أَي يثبتهم فِي الدُّنْيَا على الْحق عِنْد ظُهُور القَوْل والمحن ويثبتهم فِي العقبى أَيْضا فِي مَوَاضِع المحن
وَإِنَّمَا قيل للدنيا دَار محنة وتكليف مُطلقًا وَإِن كَانَ من نوعها قد يَقع مِنْهَا فِي العقبى فَلَا يُطلق عَلَيْهَا أَنَّهَا دَار تَكْلِيف ومحنة بل يُقَال إِنَّهَا دَار جَزَاء لِأَن الْغَالِب ذَلِك عَلَيْهَا وَهَذَا كَمَال يقعل فِي الدُّنْيَا جَزَاء وَلَا يُضَاف إِلَيْهَا لِأَنَّهُ لَا يغلب عَلَيْهَا إِذا لم يكن بِهِ
وَأما قَوْله أَنهم يَقُولُونَ إِذا جَاءَ رَبنَا عَرفْنَاهُ فَيحْتَمل أَن يكون مَعْنَاهُ مجيئا بِإِظْهَار فعل يبديه فِي قُلُوبهم من زَوَائِد يَقِين وَعلم وبصر عِنْدَمَا يحدث لَهُم من إِدْرَاكه ومعانيه لِأَن سَائِر مَا أضيف إِلَى الله تَعَالَى من إتْيَان ومجيء فَهُوَ لظُهُور نوع من تَدْبيره فِي فضل أَو عدل
وَأما قَوْله {فيأتيهم فِي الصُّورَة الَّتِي يعرفونها} فَإِن معنى الْإِتْيَان متأول على الْوَجْه الَّذِي مضى بَيَانه وَيكون تَقْدِير تَأْوِيله إِنَّه إِذا ظهر لَهُم نوع الصُّور الْمَعْهُودَة لَهُم شكلا وهيئه وَخلق إدراكهم بِهِ وخاطبهم بِأَن أسمعهم كَلَامه

وأفهمهم مُرَاده تثبتوا وأيقنوا أَن المكلم لَهُم هُوَ رَبهم عز ذكره وَتَكون الْفَائِدَة فِي ذَلِك تعريفنا مَا يَفْعَله الله عز وَجل فِي العقبى من ألطافه بأوليائه فِي عصمتهم وحراستهم وتثبيتهم وتأييدهم حَتَّى لَا يستفزهم مُشَاهدَة تِلْكَ الْأَهْوَال الْعَظِيمَة وَلَا يستخفهم أَمر تِلْكَ الصُّور الْمُنكرَة الَّتِي لم يعهدوا مثلهَا
وَأما قَوْله إِنَّه يَقُول لَهُم إِذا رَأَيْتُمُوهُ عرفتموه فَيَقُولُونَ نعم بَيْننَا وَبَينه عَلامَة الْخَبَر فَإِن معنى ذَلِك أنباؤنا بِحسن ثباتهم أَولا وآخرا وَذَلِكَ بِمَا وجده من فَضله عز وَجل فِي إدامة معرفتهم وبصيرتهم وَإِزَالَة قبُول الْخَطَأ والزيغ عَنْهُم
وَأما تَفْسِير الْعَلامَة وَذكر مَا بَينهَا فَمن أهل الْعلم من قَالَ
إِن تِلْكَ الْعَلامَة الَّتِي أشاروا إِلَيْهَا إِنَّا نعرفه بهَا هُوَ مَا بَينه وَبَين خلقه فِي الصُّور والأجسام من الْمُخَالفَة والمباينة وَأَنه لَا يشبه شَيْئا مِنْهَا وَلَا يُشبههُ شَيْء مِنْهَا
وَمِنْهُم من قَالَ
إِن تِلْكَ الْعَلامَة مَا مَعَهم من الْمعرفَة بِهِ وَأَنَّهُمْ عبدوه فِي الدُّنْيَا من معرفَة بمعبود
لَا يشبه شَيْئا مِمَّا عرفوه وَلَا يجوز أَن يشبه شَيْئا وَلَا أَن يُشبههُ شَيْء فَإِذا رَأَوْا مَا عرفوه بِمثل هَذِه الْمعرفَة علمُوا أَن الَّذِي رَأَوْهُ هُوَ الَّذِي عرفوه
فكون علامتهم عَن الرُّؤْيَة معرفتهم فَإِذا كَانَ مرئيهم فِي العقبى معروفهم فِي الدُّنْيَا أيقنوا أَنه معبودهم
وَحكي عَن ابْن أبي عَاصِم النَّبِيل أَنه كَانَ يَقُول فِي تَأْوِيل الحَدِيث
إِن ذَلِك تَغْيِير يَقع فِي عُيُون الرائين كنحو مَا يتخيل للْإنْسَان الشَّيْء بِخِلَاف مَا هُوَ بِهِ فيتوهمه الشَّيْء على الْحَقِيقَة
وَاعْلَم أَنه لَا بُد أَن يحمل هَذَا الحَدِيث على نوع مِمَّا قُلْنَا لإستحالة أَن يكون الله تَعَالَى ذكره على صور كَثِيرَة يجهلونه مرّة ويعرفونه مرّة أَو يكون مِمَّن يحل الصُّور فتنتقل الصُّورَة لإستحالة أَن يكون الله عز وَجل حَالا ومحلا صُورَة أَو مصورا وَإِنَّمَا إِتْيَانه بالصورة بعد الصُّورَة من طَرِيق الْفِعْل كَمَا يحدث الشَّيْء بعد الشَّيْء ويغير الْجِسْم من حَال إِلَى حَال بإحداث تَغْيِير
وَإِضَافَة الصُّورَة إِلَيْهِ فِي هَذِه الْأَحَادِيث فَهِيَ بِمَعْنى الْملك وَالْفِعْل لَا بِمَعْنى التَّصَوُّر بالشَّيْء من الصُّور تَعَالَى الله عَن ذَلِك علوا كَبِيرا لِأَن الْهَيْئَة وَالصُّورَة والتركيب والتأليف كل ذَلِك إِنَّمَا يَصح على الْأَجْسَام المحدودة والجواهر
المخلوقة وتعاقب الْحَوَادِث وَتغَير مَا تقوم بِهِ فِيهَا عَلامَة حدث مَا تقوم بِهِ
وَيحْتَمل أَيْضا وَجها آخر وَهُوَ أَن الصُّورَة هَا هُنَا بِمَعْنى الصّفة فَيكون تَقْدِير الْمَعْنى فِيهِ مَا يظْهر لَهُم من بطشه وَشدَّة بأسه يَوْم الْقِيَامَة وَإِظْهَار معايب الْخلق ومساويهم وفضائحهم وَإِنَّمَا عرفوه ساترا حَلِيمًا غفارًا كَرِيمًا فَيظْهر لَهُم مِنْهَا أَن ذَلِك مِنْهُ وَهُوَ معنى قَوْله فَيَقُول أَنا ربكُم على معنى قَول الْقَائِل قَالَت رجْلي فخذك وأذني فطنت على معنى ظُهُور ذَلِك فيهمَا فَيَقُولُونَ عِنْد ظُهُور ذَلِك مِنْهُ مستعيذين بِاللَّه
هَذَا مَكَاننَا أَي نَلْبَث وَنَصْبِر حَتَّى تظهر رَحمته وَكَرمه وَهُوَ إتْيَان الرب لَهُم بِإِظْهَار جوده لَهُم وَعطفه عَلَيْهِم فيأتيهم بعد ذَلِك عِنْد ثباتهم وَفِي الصُّورَة الَّتِي يعرفونها على معنى إبداء عَفوه ومغفرته وحلمه على الصّفة الَّتِي يعرفونه فِي الدُّنْيَا من ستره ومغفرته وحلمه
وَإِذا كَانَ لفظ الصُّورَة مُسْتَعْملا فِي معنى الصّفة كَمَا ذكرنَا فِي قَول الْقَائِل عرفني صُورَة من هَذَا الْأَمر أَي صفته لم يُنكر أَن تكون الْفَائِدَة فِي هَذَا الْخَبَر مَا قُلْنَا وَأَن يكون هَذِه الْأَلْفَاظ من متشابه أَلْفَاظ الْأَحَادِيث جَارِيَة مجْرى متشابه أَلْفَاظ أَي الْكتاب امتحانا بهَا أهل الْعلم لإستنباط الصَّحِيح من مَعَانِيهَا وَالْوُقُوف على الْحَد الْوَاجِب فِيهَا وافتتان أهل الْبَاطِن بهَا وخروجهم عَن الْهدى والرشد وَالْحق فِيهَا على النَّحْو الَّذِي جرى عَلَيْهِ حكم متشابه أَي الْكتاب ومحكمها