إذا كانت هذه زيارتك الأولى يرجى الاطلاع على الرابط التالي الأسئلة ولكي تتمكن من كتابة مواضيع وإرسال رسائل خاصة لابد لك منالتسجيل
النتائج 1 إلى 3 من 3

الموضوع: إِن الله خلق آدم على صورته

  1. #1
    Super Moderator
    رقم العضوية : 2
    تاريخ التسجيل : Jun 2016
    المشاركات: 3,273
    التقييم: 10
    الدولة : الأردن
    العمل : طالب علم
    الهوايه : المطالعة

    إِن الله خلق آدم على صورته

    ذكر خبر مِمَّا يَقْتَضِي التَّأْوِيل ويوهم ظَاهره التَّشْبِيه

    وَهُوَ حَدِيث الصُّورَة وَبَيَان تَأْوِيله فَمن أَقسَام الرُّتْبَة الأولى من هَذِه الْأَخْبَار مِمَّا يدْخل فِي بَاب المستفيض الَّذِي تَلقاهُ أهل الْعلم بِالْقبُولِ وَلم يُنكره مِنْهُم مُنكر وَهُوَ حَدِيث الصُّورَة
    وَقد رُوِيَ ذَلِك على وَجْهَيْن فِي بعض الْأَخْبَار وَهُوَ قَوْله عَلَيْهِ السَّلَام
    إِن الله خلق آدم على صورته
    وَلَا خلاف بَين أهل الْعلم وَالنَّقْل فِي صِحَة ذَلِك
    وَقد رُوِيَ أَيْضا إِن الله خلق آدم على صُورَة الرَّحْمَن وَأهل النَّقْل أَكْثَرهم على إِنْكَار ذَلِك وعَلى أَنه غلط وَقع من طَرِيق التَّأْوِيل لبَعض النقلَة فَتوهم أَن الْهَاء يرجع إِلَى الله تَعَالَى فَنقل على الْمَعْنى على مَا كَانَ عِنْده فِي أَن الْكِنَايَة ترجع إِلَى الله تَعَالَى
    وَقد رُوِيَ فِي بعض أَحَادِيث عِكْرِمَة عَن ابْن عَبَّاس وَفِي حَدِيث أم الطُّفَيْل وَغَيره عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِطْلَاق لفظ الصُّورَة على وَجه آخر وَهُوَ قَوْله عَلَيْهِ السَّلَام
    رَأَيْت رَبِّي فِي أحسن صُورَة // أخرجه التِّرْمِذِيّ //
    بَيَان تَأْوِيل ذَلِك

    فَأَما قَوْله عَلَيْهِ السَّلَام خلق آدم على صورته فقد تَأَوَّلَه المتأولون من أهل الْعلم على وُجُوه كَثِيرَة سنذكرها ثمَّ نزيد فِيهَا مَا وَقع لنا فِي تَأْوِيله مِمَّا يُوَافق تأويلهم وَبَين خطأ من ذهب عَن وَجهه الصَّوَاب فِي تَأْوِيله وَأظْهر وُجُوه التَّأْوِيل فِي ذَلِك
    وَمِمَّا قيل إِن هَذَا الْخَبَر خرج على سَبَب وَذَلِكَ أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مر بِرَجُل يضْرب ابْنه أَو عَبده فِي وَجهه لطما وَيَقُول قبح الله وَجهك وَوجه من أشبه وَجهك
    فَقَالَ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم
    إِذا ضرب أحدكُم عَبده فليتق الْوَجْه فَإِن الله خلق آدم على صورته // أخرجه البُخَارِيّ //

    وَقد نقل الناقلون هَذِه الْقِصَّة مَعَ هَذِه اللَّفْظَة من الطّرق الصَّحِيحَة وَإِنَّمَا ترك بعض الروَاة بعض الْخَبَر إختصارا على مَا يذكر مِنْهُ للدلالة على مَا يحذف إِذا كَانَت الْقِصَّة عِنْده مَشْهُورَة مضبوطة بِنَقْل الْإِثْبَات لِأَن أَكثر الْغَرَض عِنْدهم الْأَسَانِيد دون الْمُتُون فَلذَلِك ترك بَعضهم ذكر السَّبَب فِيهِ
    فَالْأولى أَن يحمل الْمُخْتَصر من ذَلِك على الْمُفَسّر حَتَّى يَزُول الْإِشْكَال وَإِنَّمَا قَالَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لَهُ ذَلِك لِأَنَّهُ سَمعه يَقُول
    قبح الله وَجهك وَوجه من أشبه وَجهك وَذَلِكَ سبّ للأنبياء وَلِلْمُؤْمنِينَ فزجره عَن ذَلِك
    وَخص آدم بِالذكر لِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي ابتدئت خلقَة وَجهه على الْحَد الَّذِي يحتذى عَلَيْهَا من بعده كَأَنَّهُ ينبهه على أَنَّك قد سببت آدم وَمن ولد مُبَالغَة فِي الردع لَهُ عَن مثله وَإِذا كَانَ كَذَلِك فَهَذَا وَجه ظَاهر وَالْهَاء كِنَايَة عَن الضَّرْب فِي وَجهه وَلَا شُبْهَة فِيهِ

    وَالْوَجْه الآخر مِمَّا تَأَوَّلَه عَلَيْهِ النَّاس أَن الْكِنَايَة فِي قَوْله صورته ترجع إِلَى آدم وَذَلِكَ يَنْقَسِم إِلَى وُجُوه
    أَحدهَا أَن يكون مَعْنَاهُ وَفَائِدَة تعريفنا نعْمَة الله تَعَالَى على أَبينَا آدم عَلَيْهِ السَّلَام أَن فَضله بِأَن خلقه بِيَدِهِ وَأَسْكَنَهُ جنته وأسجد لَهُ مَلَائكَته وَعلمه مَا لم يُعلمهُ أحدا قبله من الْأَسْمَاء والأوصاف ثمَّ عَصَاهُ وَخَالفهُ فَلم يُعَاقِبهُ على ذَلِك

    بِسَائِر مَا عاقب بِهِ الْمُخَالفين لَهُ فِي نَحوه وَذَلِكَ أَنه رُوِيَ فِي الْخَبَر أَنه أخرج آدم من الْجنَّة وَأخرج مَعَه الْحَيَّة والطاووس فعاقب الْحَيَّة بِأَن شوه خلقهَا وسلبها قَوَائِمهَا وَجعل أكلهَا من التُّرَاب وشوه رجْلي الطاووس وَلم يشوه خلقَة آدم بل أبقى لَهُ حسن الصُّورَة وَلم يَجْعَل عُقُوبَته فِي ذَلِك
    فَعرفنَا صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بذلك أَن أَبَاكُم آدم عَلَيْهِ السَّلَام كَانَ فِي الْجنَّة على الصُّورَة الَّتِي كَانَ عَلَيْهَا فِي الدُّنْيَا لم يُغير الله خلقته وَتَكون فَائِدَة ذَلِك تعريفنا الْفرق بَينه وَبَين سَائِر من أخرجه من الْجنَّة مَعَه وإبانته مِنْهُم فِي الرُّتْبَة والدرجة وَهَذِه فَائِدَة لَا يُمكن الْوُقُوف عَلَيْهَا إِلَّا بِخَبَر الصَّادِق
    وَالْوَجْه الثَّانِي من ذَلِك إِذا قُلْنَا إِن الْهَاء يرجع إِلَى آدم فسبيله أَن النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام أفادنا إبِْطَال قَول أهل الذِّمَّة أَنه لم يكن إِنْسَان إِلَّا من نُطْفَة وَلَا نُطْفَة إِلَّا من إِنْسَان فِيمَا مضى وَيَأْتِي لَيْسَ لذَلِك أول وَلَا آخر وَأَن النَّاس إِنَّمَا ينتقلون من نشوء على تَرْتِيب مُعْتَاد وَإِن كَانَ ذَلِك أبدا كَانَ كَذَلِك فَعرفنَا صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بتكذيبهم وَأَن أول الْبشر آدم عَلَيْهِ السَّلَام خلق على صورته الَّتِي كَانَ عَلَيْهَا وعَلى الْهَيْئَة الَّتِي شوهد عَلَيْهَا من غير أَن كَانَ من نُطْفَة قبله أَو عَن تناسل أَو تنقل من صغر إِلَى كبر كالمعهود من أَحْوَال أَوْلَاده فَأَما مَا دلّت عَلَيْهِ دَلَائِل الْعُقُول من كَون هَذَا الْعَالم ذَا ابْتِدَاء وإنتهاء
    وَأفَاد بِهِ مَا لَا يُوصل إِلَيْهِ إِلَّا بِالسَّمْعِ إِلَّا أَن الأَصْل الَّذِي هُوَ مِنْهُ توالدنا لم يكن عَن توالد قبله بل خلق كَمَا كَانَ عَلَيْهِ وَهُوَ آدم عَلَيْهِ السَّلَام خلقه الله عز وَجل من صلصال كالفخار ثمَّ خلق فِيهِ الرّوح وَلم يكن قطّ فِي صلب وَلَا رحم وَلَا كَانَ علقَة وَلَا مُضْغَة وَلَا مراهقا وَلَا طفْلا بل خلق ابْتِدَاء بشرا سويا كَمَا شوهد // أخرجه البُخَارِيّ وَمُسلم
    وعهد
    وَالْوَجْه الثَّالِث من وُجُوه هَذَا التَّأْوِيل فِي الرُّجُوع بِالْهَاءِ إِلَى آدم عَلَيْهِ السَّلَام على مَا ذهب إِلَيْهِ بَعضهم فِي تَأْوِيله وَهُوَ أَنه أفادنا صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَن الله عز وَجل خلق آدم على الصُّورَة الَّتِي كَانَ عَلَيْهَا من غير أَن كَانَ ذَلِك حَادِثا أَو شَيْئا مِنْهُ عَن توليد عنصر أَو تَأْثِير طبع أَو فلك أَو ليل أَو نَهَار إبطالا لقَوْل الطبائعيين
    إِن بعض مَا عَلَيْهِ آدم عَلَيْهِ السَّلَام من هَيْئَة وَصُورَة لم يخلقه الله عز وَجل وَإِنَّمَا كَانَ ذَلِك من فعل الطَّبْع أَو تَأْثِير الْفلك // أخرج عبد الرزاق //
    فنبه بذلك على أَن الله تَعَالَى هُوَ الْخَالِق لآدَم عَلَيْهِ السَّلَام على مَا كَانَ فِيهِ من الصُّورَة والتراكيب والهيئات لم يُشَارِكهُ فِي خلق صُورَة من صوره أَو هَيْئَة من هيئاته أحد سواهُ فاستفدنا بذلك بطلَان قَول من قَالَ بتوليد الطَّبْع وإيجابه وتأثير الْفلك وتغييره
    وَخص آدم عَلَيْهِ السَّلَام بِالذكر تَنْبِيها على أَن من شَاركهُ من الْمَخْلُوقَات فِي مَعْنَاهُ وَهَذِه طَريقَة للْعَرَب فِي التفهيم تذكرا على مَا فِي هَذَا الْبَاب للدلالة على الْأَدْنَى
    فَإِذا عرف أَن صُورَة آدم وتركيبه وهيئته لم يخلقها أحد إِلَّا الله عز وَجل علم سَائِر المصورات من أودلاه وَغَيرهم فَحكمهَا كَذَلِك
    وَقَالَ بَعضهم الْهَاء يرجع إِلَى بعض الْمَشَاهِير من النَّاس والفائدة فِي الْخَبَر يعرفنا أَن صُورَة آدم عَلَيْهِ السَّلَام كَانَت كهذه الصُّورَة إبطالا لقَوْل من زعم أَنَّهَا كَانَت على هَيْئَة أُخْرَى كَمَا رُوِيَ فِي بعض الرِّوَايَات من ذكر طوله وقامته وَذَلِكَ مِمَّا لَا يوثق بِهِ إِذْ لَيْسَ فِي ذَلِك خبر صَحِيح وَإِنَّمَا الْمعول فِي مثله على كَعْب أَو وهب من أَحَادِيث التَّوْرَاة وَلَا ثِقَة بِشَيْء من ذَلِك وَلم يثبت من وجهة أُخْرَى أَنه قد كَانَت خلقَة آدم عَلَيْهِ السَّلَام على خلاف هَذِه الْخلقَة على الْحَد الزَّائِد الَّذِي يخرج عَن الْمَعْهُود من متفاوت الْبشر
    والطريقة الثَّانِيَة فِي تَأْوِيل ذَلِك أَن يكون الْهَاء كِنَايَة عَن الله وَهَذَا أَضْعَف الْوَجْهَيْنِ من قبل أَن الظَّاهِر أَن الْهَاء ترجع إِلَى أقرب الْمَذْكُور إِلَيْهِ إِلَّا أَن تدل دلَالَة على خلاف ذَلِك
    وَإِذا قُلْنَا هَذَا احْتمل وُجُوهًا
    أَحدهَا أَن يكون معنى الصُّورَة على هَذَا معنى الصّفة كَمَا يُقَال عرفني صُورَة هَذَا الْأَمر أَي صفته وَلَا صُورَة لِلْأَمْرِ على الْحَقِيقَة إِلَّا على معنى الصّفة وَيكون تَقْدِير التَّأْوِيل فِيهِ أَن الله عز وَجل خلق آدم على صفته وَذَلِكَ أَن الْمَخْلُوقَات قِسْمَانِ
    جماد ونام
    والنامي نَوْعَانِ حَيَوَان وَمَا لَيْسَ بحيوان
    وَالْحَيَوَان على نَوْعَيْنِ نَاس وبهائم ثمَّ سوى الْجِنّ وَالْملك ثمَّ لم يشرف من الْحَيَوَان والجماد شَيْء سوى الْإِنْسَان للإضافة إِلَى النامي والبهائم وَلم يشرف من
    نوع الْحَيَوَان النَّاطِق أحد سوى الْأَنْبِيَاء وَذَلِكَ أَن نوعا من الْعُقَلَاء من الْحَيَوَان كالجن وَالْملك وَالْإِنْس خص بِالْعقلِ والنطق وَشرف بِهِ وَذَلِكَ من خِصَال كَمَال التعالي ثمَّ لما كَانَ أكمل الْأَشْيَاء نعتا وأتمها رفْعَة وتعظيما هُوَ الله عز وَجل وَكَانَ الْحَيّ الْعَالم الْقَادِر السَّمِيع الْبَصِير الْمُتَكَلّم المريد وَذَلِكَ نعوت عَظمَة وَعزة وجلالة خلق آدم على صفته مِمَّا هِيَ صفة التعالي حَيا عَالما قَدِيرًا سميعا بَصيرًا متكلما مُخْتَارًا مرِيدا
    فميزه من الجماد والنامي بِمَا نفخ فِيهِ من الرّوح
    وميزه من الْبَهَائِم بِمَا ركب فِيهِ من الْعقل والنطق
    وميزه من جنسه من وقته بِأَن نبأه وأرسله
    وميزه من الْمَلَائِكَة بِأَن قدمه عَلَيْهِم وأسجدهم لَهُ وجعلهم تلاميذه وَأمرهمْ أَن يتعلموا مِنْهُ فحصلت لَهُ رُتْبَة الْجلَال وَالْعَظَمَة مِمَّا نَوعه الله عز وَجل بِأَن حصل سجودا لَهُ مُخْتَصًّا بِالْعلمِ بِمَا لَا يُشَارِكهُ فِيهِ فِي حَالَة غَيره فتميز بِهَذِهِ الصِّفَات وَهِي صِفَات التعالي من سَائِر الْعَالمين والمخلوقين فِي وقته فَعرفنَا
    عَلَيْهِ السَّلَام بذلك إسباغ نعم الله عز وَجل عَلَيْهِ وتشريفه إِيَّاه بخصال التعالي وَهِي صِفَات مِمَّا فِي صِفَات الله على الإختصاص
    وَالْوَجْه الثَّانِي من قَوْلنَا أَن الْهَاء رَاجِعَة إِلَى الله وَهُوَ أَن يعلم من طرق الإضافات إِلَى الله عز وَجل وطرق التَّخْصِيص فِيهَا وَذَلِكَ أَن من الْأَشْيَاء مَا يُضَاف إِلَى الله عز وَجل من طَرِيق أَنه فعله كَمَا يُقَال خلق الله وَأَرْض الله وسماء الله
    وَقد يُضَاف مثل هَذِه الْإِضَافَة على معنى الْملك فَيُقَال رزق الله وعبد الله وَقد يُقَال على معنى الإختصاص من طَرِيق التنويه يذكر الْمُضَاف إِذا خص بِالْإِضَافَة إِلَيْهِ وَذَلِكَ نَحْو قَوْله نَاقَة الله فَإِنَّهَا إِضَافَة تَخْصِيص وتشريف يُفِيد التحذير والورع عَن التَّعَرُّض لَهَا
    وَمن ذَلِك قَوْله تَعَالَى
    {ونفخت فِيهِ من روحي}
    كلمتان خفيفتان على اللسان .. ثقيلتان في الميزان .. حبيبتان إلى الرحمن

    سبحان الله وبحمده .. سبحان الله العظيم

  2. #2
    Super Moderator
    رقم العضوية : 2
    تاريخ التسجيل : Jun 2016
    المشاركات: 3,273
    التقييم: 10
    الدولة : الأردن
    العمل : طالب علم
    وَقَول الْمُسلمين للكعبة بَيت الله تَخْصِيصًا بِالذكر فِي الْإِضَافَة إِلَيْهِ تَشْرِيفًا وَهُوَ كَقَوْلِه أَيْضا فِي إِضَافَة الْمُؤمنِينَ إِلَى نَفسه بِلَفْظ الْعُبُودِيَّة فِي قَوْله تَعَالَى
    {وَعباد الرَّحْمَن الَّذين يَمْشُونَ على الأَرْض هونا} إِلَى آخر صفاتهم
    وَقَوله
    {إِن عبَادي لَيْسَ لَك عَلَيْهِم سُلْطَان}
    وَالْوَجْه الآخر من الْإِضَافَة نَحْو قَوْلك كَلَام الله وَعلم الله وقدرة الله وَفِي إِضَافَة إختصاص من طَرِيق الْقيام بِهِ كَمَا يُقَال فِي إِضَافَة الأَرْض إِلَى الْمحل وَمَا لَا يقوم بِنَفسِهِ إِلَى مَا يقوم بِنَفسِهِ وَلَيْسَ ذَلِك من جِهَة الْملك وَالْفِعْل والتشريف بل ذَلِك على معنى أَن ذَاته غير منعوتة مِنْهُ قيَاما بهَا وقعودا ووجودا ثمَّ نَظرنَا فِي إِضَافَة الصُّورَة إِلَى الله عز وَجل فَلم يَصح أَن يكون وَجه إضافتها إِلَيْهِ على نَحْو إِضَافَة
    الصّفة إِلَى الْمَوْصُوف بهَا من حَيْثُ تقوم بِهِ لإستحالة أَن يقوم بِذَاتِهِ عز وَجل حَادث بِوَجْه وَلَا صُورَة وَلَا تأليف وَلَا غَيره لِأَن مَا قَامَ بِذَات من تأليف وَصُورَة لم يألف غير مَا لم يقم بِهِ وَبِذَلِك يمْنَع أَن يكون غَيره قد تصور بهَا وَذَلِكَ محَال فَبَقيَ من وُجُوه الإضافات كَذَا الْملك وَالْفِعْل والتشريف فَأَما الْملك وَالْفِعْل فوجهه عَام وَيبْطل فَائِدَة التَّخْصِيص فَبَقيَ أَنَّهَا إِضَافَة تشريف
    وَطَرِيق ذَلِك أَن الله عز وَجل هُوَ الَّذِي ابْتَدَأَ تَصْوِير آدم لَا على مِثَال بل اخترعه اختراعا ثمَّ اخترع من بعده على مِثَاله فتشرفت صورته بِالْإِضَافَة إِلَيْهِ من حَيْثُ كَانَت مَخْصُوصَة بهَا على هَذَا الْوَجْه ثمَّ سَائِر وُجُوه التشريف مِمَّا خص بهَا آدم عَلَيْهِ السَّلَام من فضائله مِمَّا ذكرنَا بعضه
    وَاعْلَم أَنا إِذا قُلْنَا إِن الْهَاء يرجع إِلَى الله عز وَجل فِي قَوْلهم فِي صورته على بعض الْمعَانِي الَّتِي ذكرنَا فَإِن تَأْوِيل مَا يرْوى من هَذَا الْخَبَر على إِظْهَار الرَّحْمَن بعد ذكر الصُّورَة على مَا فِيهِ من الضعْف وَالْعلَّة عِنْد أهل النَّقْل وَأَنه يكون مَحْمُولا على مَا ذَكرْنَاهُ
    إِذا قُلْنَا إِن الْهَاء ترجع إِلَى الله عز وَجل وَقد أنكر بعض أَصْحَابنَا صِحَة هَذِه اللَّفْظَة من طَرِيق الْعَرَبيَّة وَقَالَ لَا يجوز فِي اللُّغَة أَن يُقَال مثله وَلَو كَانَ المُرَاد ذَلِك لَكَانَ يَقُول
    إِن آدم خلق على صُورَة الرَّحْمَن دون أَن يُقَال إِن الله خلق آدم على صورته لِأَن تقدم ذكره بإسم الظَّاهِر فَإِذا أُعِيد ذكره لكني عَنهُ بِالْهَاءِ من غير إِعَادَة اسْمه بِالظَّاهِرِ كَقَوْلِك
    إِن زيدا ضرب عَبده وَلَا يُقَال إِن زيدا ضرب عبد زيد وَالْمرَاد بزيد الثَّانِي هُوَ المُرَاد بِالْأولِ
    قَالُوا وَإِذا لم يكن ذَلِك سائغا من جِهَة الْعَرَبيَّة وَلَا ثَابتا من جِهَة النَّقْل لم يكن للإستعمال بِهِ وَجه
    وَمن أَصْحَابنَا من قَالَ
    إِن هَذَا لَيْسَ مِمَّا يُمكن أَن يدْفع بِهِ هَذَا الْخَبَر على هَذَا الْوَجْه وَإِنَّمَا طَرِيق دفع ذَلِك من جِهَة النَّقْل وتعليل أَمر رُوَاته لِأَن مثله قد يَصح فِي الْعَرَبيَّة وَقد وَردت بذلك أشعار الْعَرَب فَمن ذَلِك قَول عدي بن زيد
    (لَا أرى الْمَوْت يسْبق الْمَوْت شَيْء ... نقض الْمَوْت ذَا الْغنى والفقيرا)
    فَأَعَادَ ذكر الْمَوْت بِلَفْظِهِ وَلم يكن عَنهُ بِالْهَاءِ وَلم يقل لَا أرى الْمَوْت يسْبقهُ شَيْء وَمثله فِي الْقُرْآن
    {يَوْم نحْشر الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَن وَفْدًا}
    وَلم يقل إِلَيْنَا وَإِلَيْهِ فَإِذا كَانَ مثله سائغا لم يكن لإنكاره من هَذَا الْوَجْه
    معنى دون أَن يُقَال إِن الْإِثْبَات من أهل النَّقْل لم يرووه على هَذَا الْوَجْه بل كلهم أَجمعُوا على نقل قَوْله على صورته صورته بِالْهَاءِ كِنَايَة لَا إِظْهَارًا وَذَلِكَ مُحْتَمل للوجوه الَّتِي ذَكرنَاهَا إِن رَجَعَ بِهِ إِلَى آدم فَيحْتَمل وَهُوَ الْأَقْرَب وَإِن رَجَعَ بِهِ إِلَى الْمَضْرُوب على مَا روى فِي السَّبَب فِيهِ مَعَه فَظَاهر أَيْضا وَإِن رَجَعَ بِهِ إِلَى الله عز وَجل وَهُوَ الْأَبْعَد كَانَ طَرِيق تَأْوِيله مَا بَيناهُ لِأَنَّهُ أُرِيد بِهِ إِثْبَات صُورَة الله تَعَالَى على التَّحْقِيق وَهُوَ بهَا مصورا ومتصورا لِأَن صورته هِيَ التَّأْلِيف والهيئة وَذَلِكَ لَا يَصح إِلَّا على الْأَجْزَاء المتألفة والأجسام المركبة وَقد تَعَالَى الله عز ذكره عَن أَن يكون جسما أَو جوهرا أَو مؤلفا مركبا
    وَمن أَصْحَابنَا من قَالَ
    إِن الْهَاء ترجع إِلَى آدم وَيكون مَعْنَاهُ وَفَائِدَته تَكْذِيب القهرية لما زعمت أَن من صُورَة آدم وَصِفَاته مَا لم يخلقه الله عز وَجل
    وَذَلِكَ أَن الْقَدَرِيَّة على أَن صِفَات آدم على نَوْعَيْنِ
    مِنْهَا مَا خلقه الله وَمِنْهَا مَا خلقهَا آدم لنَفسِهِ فَأخْبر النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بتكذيبهم
    وَأَن الله تَعَالَى خلق آدم على جَمِيع صوره وَصِفَاته ومعانيه وأعراضه وَمثله فِي الْكَلَام أَن يُقَال عرفني هَذَا الْأَمر على صورته إِذا أردْت أَن يعرفك على الإستيفاء والإستقصاء دون الإستبقاء
    وكما أفادنا صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بذلك تَكْذِيب الطبائعيين فِي كَون بعض هيئات الْبشر من توليد الطَّبْع وإيجابه كَذَلِك أفادنا تَكْذِيب الْقَدَرِيَّة حَيْثُ زعمت أَن من مَعَاني آدم عَلَيْهِ السَّلَام وأعراضه وَكثير من هيئاته لم يخلقه الله عز وَجل وَإِنَّمَا خلقه آدم وأبدعه هُوَ من دون الله عز وَجل
    وَوجه آخر مِمَّا يحمل عَلَيْهِ تَأْوِيل هَذَا الْخَبَر إِذا قُلْنَا إِن الْهَاء ترجع إِلَى آدم وَهُوَ أَن يكون مَعْنَاهُ إِشَارَة إِلَى مَا نقُول على أصولنا إِن الله عز وَجل خلق السعيد سعيدا والشقي شقيا فَلَمَّا خلق آدم وَقد علم أَنه يَعْصِي وَيُخَالف أمره وَكتب ذَلِك عَلَيْهِ وَأَنه عز ذكره هَكَذَا خلقه على مَا علم وَأَرَادَ أَن يكون عَلَيْهِ وَشهد لذَلِك حَدِيث مُحَاجَّة مُوسَى لآدَم عَلَيْهِمَا السَّلَام لما قَالَ مُوسَى لآدَم لما التقيا فِي السَّمَاء
    أَلَسْت الَّذِي خلقك الله بِيَدِهِ وأسجد لَك مَلَائكَته وأسكنك جنته ثمَّ عصيته وخالفت أمره
    فَقَالَ آدم عَلَيْهِ السَّلَام
    أَكَانَ ذَلِك شَيْء مني أَو أَمر كتبه الله عز وَجل عَليّ قبل أَن يخلقني
    فَقَالَ مُوسَى ذَلِك مِمَّا كتبه عَلَيْك قبل خلقك قَالَ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم :
    فحج آدم مُوسَى ثَلَاثًا

    التعديل الأخير تم بواسطة فيصل عساف ; 09-24-2016 الساعة 12:41 AM
    كلمتان خفيفتان على اللسان .. ثقيلتان في الميزان .. حبيبتان إلى الرحمن

    سبحان الله وبحمده .. سبحان الله العظيم

  3. #3
    Super Moderator
    رقم العضوية : 2
    تاريخ التسجيل : Jun 2016
    المشاركات: 3,273
    التقييم: 10
    الدولة : الأردن
    العمل : طالب علم
    فدلنا صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بقوله
    إِن الله خلق آدم على صورته على مثل هَذَا الْمَعْنى وَإنَّهُ خلق مِمَّن سبق الْعلم بِحَالهِ أَنه يَعْصِي ثمَّ يَتُوب فيتوب الله تَنْبِيها على وجوب جَرَيَان قَضَاء الله على خلقه وَأَنه إِنَّمَا يحدث الْأُمُور ويغير الْأَحْوَال على حسب مَا يخلق عَلَيْهِ الْمَرْء ويتيسر لَهُ وَهَذَا أَيْضا تأييد لمذهبنا فِي إِضَافَة تَقْدِير الْأُمُور كلهَا إِلَى الله عز وَجل
    وَاعْلَم أَن بعض أَصْحَابنَا الْمُتَكَلِّمين فِي تَأْوِيل هَذَا الْخَبَر حاد على وَجه الصَّوَاب وسلك طَرِيق الْخَطَأ والمحال فِيهِ وَهُوَ ابْن قُتَيْبَة توهما أَنه مستمسك بِظَاهِرِهِ غير تَارِك لَهُ فَقَالَ
    إِن لله عز وَجل صُورَة لَا كالصور كَمَا أَنه شَيْء لَا كالأشياء
    فَأثْبت لله تَعَالَى صُورَة قديمَة زعم أَنَّهَا لَا كالصور وَأَن الله خلق آدم على تِلْكَ الصُّورَة وَهَذَا جهل من قَائِله وتوغل فِي تَشْبِيه الله تَعَالَى بخلقه
    وَالْعجب مِنْهُ أَنه تَأَول الْخَبَر ثمَّ زعم أَن الله صُورَة لَا كالصور ثمَّ قَالَ
    إِن آدم مَخْلُوق على تِلْكَ الصُّورَة وَهَذَا كَلَام متناقض متهافت يدْفع أَوله آخِره وَذَلِكَ
    أَن قَوْله لَا كالصور ينْقض قَوْله إِن الله خلق آدم عَلَيْهَا لِأَن الْمَفْهُوم من قَول الْقَائِل فعلت هَذَا على صُورَة هَذَا أَي ماثلته بِهِ واحتذيت فِي فعله بِهِ وَهَذَا يُوجب أَن صُورَة آدم عَلَيْهِ السَّلَام كصورته جلّ ثَنَاؤُهُ وَيمْنَع تَأْوِيله أَن لَهُ صُورَة لَا كالصور وليت شعري إِلَى أَي وَجه ذهب فِي إِضَافَة الصُّورَة إِلَى الله عز وَجل
    أَرَادَ بِهِ إِثْبَات الرب تَعَالَى مصورا بِصُورَة لَا تشبه الصُّور
    أم إثْبَاته مصورا بأمثال هَذِه الصُّور
    أم أَرَادَ بِهِ أَن لَهُ هَيْئَة مَخْصُوصَة وَصُورَة مُعينَة مَعْلُومَة
    أم رَجَعَ بذلك إِلَى إِثْبَات صفة لَهُ سَمَّاهَا صُورَة لَا على معنى وَجه الْهَيْئَة والتأليف
    وَلَيْسَ يَخْلُو مَا ذهب إِلَيْهِ من هَذِه الْأَقْسَام وكل ذَلِك فَاسد لَا يَلِيق بِاللَّه عز وَجل لإقتضائه أَن يكون مؤلفا مركبا ذَا حد وَنِهَايَة وَبَعض وَغَايَة وكل ذَلِك يُؤَدِّي إِلَى القَوْل بنفيه تَعَالَى وَقد بَينا وَجه ذَلِك قبل وَلَا معنى لحمل ذَلِك على صفة طريقها السّمع على نَحْو مَا قُلْنَا فِي الْيَد وَالْعين لخلو الْكَلَام من فَائِدَة لَو حمل على ذَلِك فَإِذا لم يخرجوه من الْوُجُوه الَّتِي يَنْقَسِم إِلَيْهَا مَذْهَب هَذَا الْقَائِل فقد بَان خطاؤه وعدوله عَن وَجه الصَّوَاب فِي تَأْوِيله

    فَأَما مَا رُوِيَ فِي غير هَذَا الْخَبَر من ذكر الصُّورَة كنحو حَدِيث ابْن عَبَّاس وَأم الطُّفَيْل أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ
    رَأَيْت رَبِّي فِي أحسن صُورَة
    فَإِن طَرِيق مخرج ذَلِك على الْوَجْه الَّذِي يَصح لَا يَخْلُو من أحد وَجْهَيْن
    أَحدهمَا أَن يكون قَوْله فِي أحسن صُورَة يرجع إِلَى النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَيكون الْمَعْنى رَأَيْت أبي وَأَنا فِي أحسن صُورَة كَمَا يَقُول الْقَائِل
    رَأَيْت الْأَمِير فِي أحسن زِيّ وَمرَاده وَأَنا فِي أحسن زِيّ وَيكون فَائِدَة ذَلِك تعريفنا أَن الله عز وَجل زين خلقته وجمل صورته عِنْد رُؤْيَته زِيَادَة إكرام وتعظيم وَيحْتَمل أَن يكون معنى الصُّورَة معنى الصّفة كَقَوْل الْقَائِل صُورَة الْأَمر كَذَا وَكَذَا أَي صفته كَذَا فَتكون الْفَائِدَة على هَذَا الْوَجْه فِيهِ الْإِخْبَار عَن حسن حَاله عندالله عز وَجل وتوقير الرب بإنعامه عَلَيْهِ وإعظامه وَذَلِكَ أَن الرَّائِي قد يرى المرئي وَيكون حَال الرَّائِي عَن المرئي محمودة مَقْبُولَة فيتلقاه المرئي بالإكرام والإجلال وَقد يُخَالف ذَلِك فيتلقاه بِخِلَافِهِ
    فَعرفنَا صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وجود زوائده وَحُصُول فَوَائده عِنْد لِقَاء الله عز وَجل وَأَنه كَانَ عِنْده فِي أحسن صُورَة وأجمل حَال
    وَالْوَجْه الثَّانِي أَن تكون الصُّورَة بِمَعْنى الصّفة وَيرجع ذَلِك إِلَى الله وَذَلِكَ أَن قَوْلك رَأَيْت الْأَمِير رَاكِبًا يحْتَمل مَعْنيين
    أَحدهمَا أَن يكون الرّكُوب حَال الرَّائِي
    وَالثَّانِي أَن يكون الرّكُوب حَال المرئي
    وكلا الْوَجْهَيْنِ سَائِغ مُحْتَمل
    فَإِذا قُلْنَا إِن قَوْله فِي أحسن صُورَة يرجع إِلَى الله تَعَالَى فَإِن فَائِدَته على نَحْو مَا ذكرنَا أَيْضا قبل وَهُوَ أَن يفيدنا أَنه رأى الله عز وَجل وَهُوَ على أحسن صِفَاته مَعَه فِي إنعامه عَلَيْهِ والإقبال والإفضال إِلَيْهِ والإجلال وَيكون حسن الصّفة يرجع إِلَى حسن الْإِحْسَان وَالْإِكْرَام وَمَا تَلقاهُ بِهِ من الرَّحْمَة والرضوان والجود والإمتنان
    وَقد يُقَال فِي صفة الله تَعَالَى أَنه جميل وَأَن لَهُ جمالا وجلالا وَالْمرَاد بوصفنا أَنه جميل أَنه مُجمل فِي أَفعاله والإجمال فِي الْفِعْل هُوَ فعل الْجمال لمن يجملهم بِهِ وَذَلِكَ نوع الْإِحْسَان وَالْإِكْرَام فَكَذَلِك حسن صفة الله تَعَالَى يرجع إِلَى مَا يظْهر من فعل النعم والإبتداء بالمنن
    وَقد يكون حسن الصُّورَة وجمالها مِمَّا يرجع إِلَى الرب عز ذكره من نفي التناهي فِي العظمة والكبرياء والعلو والرفعة حَتَّى لَا مُنْتَهى وَلَا غَايَة وَرَاءه
    وَيكون معنى الْخَبَر على ذَلِك تعريفنا مَا تزايدت من معارفه عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام وَعند رُؤْيَته لرَبه عز ذكره لعظمته وكبريائه وبهائه وَبعده من شبه خلقه وتنزيهه من صِفَات النَّقْص وتعريه من كل عيب
    فَإِذا كَانَ كَذَلِك فَحمل الْخَبَر على أحد هَذِه الْوُجُوه هُوَ الْأَلْيَق بتوحيد الله وَالْأولَى بصفاته وَبِقَوْلِهِ عز وَجل

    {لَيْسَ كمثله شَيْء وَهُوَ السَّمِيع الْبَصِير}
    وَقد ذكر بعض المتأولين لهَذِهِ الْأَخْبَار فِي تَأْوِيل مَا رُوِيَ عَنهُ عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام فِي قَوْله
    رَأَيْت رَبِّي فِي أحسن صُورَة أَن ذَلِك كَانَ رُؤْيا مَنَام وَقد ذكر فِي حَدِيث أم الطُّفَيْل حَدِيث الْمَنَام نصا وَفِي بعض أَحَادِيث ابْن عَبَّاس رَضِي الله عَنهُ قَالَ
    وَإِذا كَانَ كَذَلِك مَنْصُوصا فقد زَالَ الشَّك فِيهِ وَإِن لم يكن مَنْصُوصا فَإِن الْأَمر فِيهِ مَحْمُول على ذَلِك وَهُوَ أَن الْجَمِيع من مثبتي الرُّؤْيَة ونفاتها قد قَالُوا بِجَوَاز رُؤْيَة الله عز وَجل فِي الْمَنَام وَقَالُوا
    إِن رُؤْيا النّوم وهم قد جعله الله تَعَالَى دلَالَة للرائي على أَمر يكون أَو كَانَ من طَرِيق التَّعْبِير والأوهام قد يتَعَلَّق بالموهوم على خلاف مَا عَلَيْهِ الموهوم فَلَا يُنكر أَن يُقَال مثله فِيهِ من طَرِيق الرُّؤْيَا إِلَّا أَنه سُبْحَانَهُ بِبَعْض تِلْكَ الْأَوْصَاف الَّتِي تعلّقت بهَا الرُّؤْيَا مُتَحَقق وَذَلِكَ مَعْهُود مثله فِي أَحْوَال الرُّؤْيَا
    إِن الرَّائِي قد يرى فِي الْمَنَام مَا لَا يكون على مَا يرَاهُ
    كمن يرى فِي الْمَنَام كَأَنَّهُ يطير أَو كَأَنَّهُ انْقَلب حمارا وَهُوَ فِي مَوضِع آخر غير الْموضع الَّذِي هُوَ فِيهِ فَيكون ذَلِك توهما مِنْهُ لَا رُؤْيَة حَقِيقَة وَقد يَصح مثله على الْأَنْبِيَاء والأولياء إِذْ قد وَردت الْأَخْبَار برؤيا الْأَنْبِيَاء وَالصَّالِحِينَ أَنهم رَأَوْا فِي منامهم أَشْيَاء كَانَت أَحْكَامهَا بِخِلَاف مَا رَآهَا وَصَحَّ ذَلِك لِأَنَّهَا أَوْهَام تجْرِي مجْرى الدلالات بإختلاف طَرِيق التأويلات
    وَقد ذكر بعض أَصْحَاب التَّعْبِير ذَلِك فِي كتبهمْ الْمَوْضُوعَة لذَلِك وعبروا ذَلِك بتأويله كَمَا عبروا أَيْضا من يرى النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي الْمَنَام أَو يرى الْقِيَامَة أَو الْجنَّة وَالنَّار فِي سَائِر مَا يرى فِي الْمَنَام مِمَّا لَهُ تَعْبِير قَالَ
    وَإِذا كَانَ ذَلِك سائغا وَقد ذكره نصا بعض الروَاة وَجب أَن يكون التَّأْوِيل مَحْمُولا عَلَيْهِ لإستحالة كَون الْبَارِي مصورا بالصورة والهيئة والتركيب وَالْحَد وَالنِّهَايَة
    وَقد تهور بعض الْمُتَكَلِّمين فِي ذَلِك أَيْضا فَغير اللَّفْظ المسموع إِلَى مَا لم يضْبط وَلم ينْقل تعسفا فِي التَّأْوِيل فَقَالَ
    إِنَّمَا هُوَ رَبِّي بِكَسْر الرَّاء وَهُوَ اسْم عبد كَانَ لعُثْمَان رَضِي الله عَنهُ رَآهُ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي النّوم على تِلْكَ الصِّفَات وَهَذَا غلط
    لِأَن التَّأْوِيل والتخريج إِنَّمَا يكون لمسموع مضبوط مَنْقُول وَلم يثبت سَماع ذَلِك على هَذَا الْوَجْه وَلَا حَاجَة إِلَى مثل هَذَا التعسف مَعَ إتساع طرق التَّأْوِيل فِي بعض الْوُجُوه الَّتِي ذكرنَا
    وَذكر بَعضهم أَيْضا أَنه أَرَادَ بذلك رئي فَنقل رَبِّي على التَّصْحِيف والرائي هُوَ التَّابِع من الْجِنّ
    قَالَ فَلَا يُنكر أَن يكون الْجِنّ متصورا بِبَعْض هَذِه الصُّور وَهَذَا أَيْضا تعسف لأجل أَن القَوْل بالتصحيف إِنَّمَا يكون الْمُعْتَمد عَلَيْهِ إِذا روى بعض الْإِثْبَات ذَلِك على هَذَا الْحَد مسموعا مضبوطا وَلم يُمكن أَن يحمل على ضَرْبَيْنِ وعَلى حَالين مُخْتَلفين
    كَيفَ وَلم ينْقل على هَذَا الْوَجْه وَلم يثبت أَنه كَانَ الأَصْل على هَذَا الْحَد وَإِنَّمَا وَقع التَّصْحِيف من جِهَة التَّأْوِيل وَلَا حَاجَة تَدْعُو إِلَى دَعْوَى تَصْحِيف على
    من ضبط مَا سمع فَنقل لأجل مَا توهم أَو تعذر فِي تَخْرِيج مَعْنَاهُ على الْوَجْه الصَّحِيح فَبَطل ذَلِك أَيْضا وَجَمِيع مَا ذَكرْنَاهُ من تِلْكَ الْوُجُوه أقرب إِلَى الصَّوَاب وأليق لحكم الْبَاب مِمَّا ذكرهَا هَؤُلَاءِ المتعسفون

    كلمتان خفيفتان على اللسان .. ثقيلتان في الميزان .. حبيبتان إلى الرحمن

    سبحان الله وبحمده .. سبحان الله العظيم

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

المفضلات

المفضلات

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •  

RSS RSS 2.0 XML MAP html  PHP  info tags Maps maptags vbmaps

الساعة معتمدة بتوقيت جرينتش +3 . الساعة الآن : 18:35.
الموقع غير مسؤول عن أي اتفاق تجاري أو تعاوني بين الأعضاء
فعلى كل شخص تحمل مسئولية نفسه إتجاه مايقوم به من بيع وشراء وإتفاق وأعطاء معلومات موقعه
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي موقع الأشاعرة و لا نتحمل أي مسؤولية قانونية حيال ذلك (ويتحمل كاتبها مسؤولية النشر)
الساعة الآن 02:25 PM
Powered by vBulletin® Version 4.2.3
Copyright © 2018 vBulletin Solutions, Inc. Translate By soft