إذا كانت هذه زيارتك الأولى يرجى الاطلاع على الرابط التالي الأسئلة ولكي تتمكن من كتابة مواضيع وإرسال رسائل خاصة لابد لك منالتسجيل
صفحة 5 من 18 الأولىالأولى ... 3456715 ... الأخيرةالأخيرة
النتائج 41 إلى 50 من 171

الموضوع: سورة البقرة

  1. #41
    Super Moderator
    رقم العضوية : 2
    تاريخ التسجيل : Jun 2016
    المشاركات: 3,273
    التقييم: 10
    الدولة : الأردن
    العمل : طالب علم
    عطاء؛ فأنت تأخذ من الجيل الذي سبقك وتعطي للجيل الذي يليك.. ولكنك لا تعطيه كما هو، ولكن لابد أن تضيف عليه. وهذه الإضافة هي التي تصنع الحضارات.
    وقوله تعالى: " بقوة ".. أي لا تأخذوا التكليف بتخاذل.. والإنسان عادة يأخذ بقوة ما هو نافع له.. ولذلك فطبيعة مناهج الله أن تؤخذ بقوة وبيقين.. لتعطي خيرا كثيرا بقوة وبيقين.. وإذا أخذت منهج الله بقوة فقد ائتمنت عليه وأن صدرك قد انشرح وتريد أن تأخذ أكثر.. لذلك تجد في القرآن الكريم يسألونك عن كذا.. دليل على أنهم عشقوا التكليف وعلموا أنه نافع فهم يريدون زيادة النفع.
    ومادام الحق سبحانه وتعالى قال: } خُذُواْ مَآ ءَاتَيْنَاكُم بِقُوَّةٍ {.. فقد عشقوا التكليف ولم يعد شاقا على أنفسهم.
    وقوله تعالى: } وَاذْكُرُواْ مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ {.. إذكروا ما فيه أي ما في المنهج وأنه يعالج كل قضايا الحياة واعرفوا حكم هذه القضايا.. } لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ { أي تطيعون الله وتتقون عقابه وعذابه يوم القيامة.

    ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَكُنْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ (64)
    بعد أن بيّن الحق سبحانه وتعالى لنا كيف أمر اليهود بأن يتذكروا المنهج ولا ينسوه.. وكان مجرد تذكرهم للمنهج يجعلهم يؤمنون بالإسلام وبرسول الله صلى الله عليه وسلم لأنه مكتوب عندهم في التوراة ومذكورة أوصافه.. ماذا فعل اليهود؟
    يقول الحق تبارك وتعالى: { ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ مِّن بَعْدِ ذالِكَ }.. أي أعرضتم عن منهج الله ونسيتموه ولم تلتفتوا إليه.. { فَلَوْلاَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَكُنْتُم مِّنَ الْخَاسِرِينَ } ما هو الفضل وما هي الرحمة؟ الفضل هو الزيادة عما تستحق.. يقال لك هذا حقك وهذا فضل مني أي زيادة على حقك..
    عن عائشة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " سدّدوا وقاربوا وأبشروا فإنه لا يُدْخِلُ أحداً الجنةَ عملهُ قالوا: ولا أنت يا رسولَ الله؟ قال: ولا أنا إلا أن يتغمدني الله بمغفرة ورحمة "
    فإذا تساءلت كيف يتم هذا؟ وكيف أنه لا أحد يدخل الجنة بعمله؟ نقول نعم لأن عمل الدنيا كله لا يساوي نعمة من نعم الله على خلقه؛ فأنت تذكرت العمل ولم تتذكر الفضل.. وكل من يدخل الجنة فبفضل الله سبحانه وتعالى.. حتى الشهداء الذين أعطوا حياتهم وهي كل ما يملكون في هذه الدنيا.. يقول الحق سبحانه وتعالى عنهم:{ فَرِحِينَ بِمَآ آتَاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُواْ بِهِم مِّنْ خَلْفِهِمْ أَلاَّ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ }[آل عمران: 170]
    فإذا كان هؤلاء الشهداء وهم في أعلى مراتب الجنة قد دخلوا الجنة بفضل الله.. فما بالك بمن هم أقل منهم أجرا.. والله سبحانه وتعالى له فضل على عباده جميعا.. واقرأ قوله تعالى:{ إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَـاكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَشْكُرُونَ }[البقرة: 243]
    أما الرحمة فهي التي فتحت طريق التوبه لغفران الذنوب. والله سبحانه وتعالى يريد أن يلفتنا إلى أنه لولا هذا الفضل لبني إسرائيل.. ولولا أنه فتح لهم باب الرحمة والمغفرة ليعودوا مرة أخرى إلى ميثاقهم ومنهجهم.. لولا هذا لكانوا من الخاسرين الذين أصابهم خسران مبين في الدنيا والآخرة.. ولكن الله تبارك وتعالى بفضل منه ورحمة قد قادهم إلى الدين الذي حفظه الله سبحانه وتعالى بقدرته من أي تحريف.. فرفع عنهم عبء حفظ الكتاب.. وما ينتج عن ذلك من حمل ثقيل في الدنيا.. ورحمهم برسول الله صلى الله عليه وسلم الذي أرسله رحمة للعالمين.. مصداقا لقوله تبارك وتعالى:{ وَمَآ أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ }[الأنبياء: 107]
    وأعطاهم فضل هذا الدين الخاتم الذي حسم قضية الإيمان في هذا الكون.. ومع هذه الرحمة وهذا الفضل.. بأن نزل إليهم في التوراة أوصاف رسول الله صلى الله عليه وسلم وموعد بعثه.. فتح لهم بابا حتى لا يصبحوا من الخاسرين.. ولكنهم تركوا هذا الباب كما تولوا عن دينهم.

    وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ (65)
    بعد أن بين الله جل جلاله لنا كيف أنه فتح باب الفضل والرحمة لليهود فتركوه.. أراد أن يبين لنا بعض الذي فعلوه في مخالفة أوامر الله والتحايل عليها.. والله تبارك وتعالى له أوامر في الدين وأوامر تتعلق بشئون الدنيا.. وهو لا يحب أن نأخذ أي أمر له يتعلق بالدين أو بالدنيا مأخذ عدم الجد.. أو نفضل أمرا على أمر.. ولذلك تجد في سورة الجمعة مثلا قول الحق تبارك وتعالى:{ ياأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاَةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْاْ إِلَىا ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُواْ الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ * فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاَةُ فَانتَشِرُواْ فِي الأَرْضِ وَابْتَغُواْ مِن فَضْلِ اللَّهِ }[الجمعة: 9-10]
    هذان أمران أحدهما في الدين والثاني يتعلق بالدنيا.. وكلاهما من منهج الله.. فالله لا يريدك أن تتاجر وتعمل وقت الصلاة.. ولا أن تترك عملك بلا داع وتبقى في المسجد بعد الصلاة.. إذا نودي للصلاة فإلى المسجد.. وإذا قضيت الصلاة فإلى السعي للرزق.. وهناك يومان في الأسبوع ذكرا في القرآن بالإسم وهما يوم الجمعة والسبت.. بينما أيام الأسبوع سبعة، خمسة أيام منها لم تذكر في القرآن بالإسم.. وهي الأحد والإثنين والثلاثاء والأربعاء والخميس.. الجمعة هي عيد المسلمين الذي شرع فيه إجتماعهم في المساجد وأداء صلاة الجماعة.. ونلاحظ أن يوم الجمعة لم يأخذ اشتقاقه من العدد.. فأيام الأسبوع نسبت إلى الأعداد فيما عدا الجمعة والسبت. لذلك تجد الأحد منسوب إلى واحد والإثنين منسوب إلى إثنين.. والثلاثاء منسوب إلى ثلاثة والأربعاء منسوب إلى أربعة والخميس منسوب إلى خمسة..
    كان المفروض أن ينسب يوم الجمعة إلى ستة ولكنه لم ينسب.. لماذا؟ لأنه اليوم الذي اجتمع فيه للكون نظام وجوده.. فسماه الله تبارك وتعالى الجمعة وجعله لنا عيدا.. والعيد هو اجتماع كل الكون في هذا اليوم، إجتماع نعمة الله في إيجاد الكون وتمامها في ذلك اليوم.. فالمؤمنون بالله يجتمعون اجتماع حفاوة بتمام خلق الكون لهم.. والسبت.. الباء والتاء تفيد معنى القطع.. وسبت ويسبت سبتا إذا انقطع عمله.. ونلاحظ أن خلق السموات والأرض تم في ستة أيام مصداقا لقوله تعالى:{ هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ }[الحديد:4]
    وكان تمام الخلق يوم الجمعة.. وفي اليوم السابع وهو يوم السبت.. كان كل شيء قد استقر وفرغ من خلق الكون.. ولذلك له سبات أي أن هذا اليوم يسمى سباتا.. لأن فيه سكون الحركة بعد تمام الخلق.. فلما أراد اليهود يوما للراحة أعطاهم الله يوم السبت وأراد الحق تبارك وتعالى أن يبتليهم في هذا اليوم والابتلاء هو إمتحانهم فقد كانوا يعيشون على البحر وعملهم كان صيد السمك.
    وكان الإبتلاء في هذا اليوم حيث حرم الله عليهم فيه العمل وجعل الحيتان التي يصطادونها تأتي إليهم وقد بدت أشرعتها وكانوا يبحثون عنها طوال الأسبوع وربما لا يجدونها.. وفي يوم السبت جاءتهم ظاهرة على سطح الماء تسعى إليهم لتفتنهم.. واقرأ قوله سبحانه وتعالى:{ وَسْئَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعاً وَيَوْمَ لاَ يَسْبِتُونَ لاَ تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ نَبْلُوهُم بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ }[الأعراف: 163]
    وهكذا يمتلئ سطح البحر بالأسماك والحيتان يوم السبت.. فإذا جاء صباح الأحد اختفت بعيدا وهم يريدون أن يجعلوا السبت عيدا لهم لا يفعلون فيه أي شيء.. ولكنهم في الوقت نفسه يريدون أن يحصلوا على هذه الأسماك والحيتان.. صنعوا شيئا اسمه الحياض العميقة ليحتالوا بها على أمر الله بعدم العمل في هذا اليوم.. وفي الوقت نفسه يحصلون على الأسماك.. هذه الحياض يدخلها السمك بسهولة.. ولأنها عميقة لا يستطيع الخروج منها ويتركونه يبيت الليل وفي الصباح يصطادونه.. وكان هذا تحايلا منهم على مخالفة أمر الله.. والله سبحانه وتعالى لا يحب من يحتال في شيء من أوامره.
    ويقول الله تعالى: } وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَواْ مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُواْ قِرَدَةً خَاسِئِينَ {.. وهذه قصة مشهورة عند اليهود ومتواترة.. يعلمها الأجداد للآباء والأباء للأحفاد.. وهي ليست جديدة عليهم وإن كان المخاطبون هم اليهود المعاصرين لرسول الله صلى الله عليه وسلم.. ولذلك عندما سمع: } ولقد علمتم { أي لقد عرفتم ومعنى ذلك أن القصة عندكم معروفة.. وكأنها من قصص التراث التي يتناقلونها..
    وقوله تعالى: } الَّذِينَ اعْتَدَواْ مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ {.. المفعول هنا واحد هنا حيلة مذكورة أنهم اعتدوا على أمر الله بالراحة يوم السبت.. هم حقيقة لم يصطادوا يوم السبت.. ولكنهم تحايلوا على الممنوع بنصب الفخاخ للحيتان والأسماك.. وكانوا في ذلك أغبياء.. وقد كان الممنوع أن يأخذوا السمك في حيازتهم بالصيد يوم السبت.. ولكنهم أخذوه في حيازتهم بالحيلة والفخاخ.. وقوله تعالى: " اعتدوا " أي تجاوزوا حدود الله المرسومة لهم.. وعادة حين يحرم الله شيئا يأتي بعد التحريم قوله تعالى:{ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلاَ تَقْرَبُوهَا }[البقرة: 187]
    لأنه يريد أن يمنعك من الإغراء.. حتى لا تقع في المعصية فيقول لك لا تقترب.. ولكن بني إسرائيل اعتدوا على حكم الله متظاهرين بالطاعة وهم عاصون.. وحسبوا أنهم يستطيعون خداع الله بأنهم طائعون مع أنهم عاصون.. وصدر حكم الله عليهم: } فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُواْ قِرَدَةً خَاسِئِينَ {.
    كلمتان خفيفتان على اللسان .. ثقيلتان في الميزان .. حبيبتان إلى الرحمن

    سبحان الله وبحمده .. سبحان الله العظيم

  2. #42
    Super Moderator
    رقم العضوية : 2
    تاريخ التسجيل : Jun 2016
    المشاركات: 3,273
    التقييم: 10
    الدولة : الأردن
    العمل : طالب علم
    وعادة أنك لا تأمر إنسانا أمرا إلا إذا كان في قدرته أن يفعله.. الأمر هنا أن يكونوا قردة. فهل يستطيعون تنفيذه؟ وأن يغيروا خلقتهم إلى قردة.. إنه أمر في مقدرة الله وحده فكيف يقول لهم كونوا قردة؟
    نقول إن الآمر نفسه هنا هو الذي يستطيع أن يجعلهم قردة.. وهذا الأمر يسمى أمراً تسخيريّاً ولم يقل لهم كونوا قردة ليكونوا هم بإرادتهم قردة.. ولكنه سبحانه بمجرد أن قال كونوا قردة كانوا.. وهذا يدلنا على انصياع المأمور للأمر وهو غير مختار.. ولو كان لا يريد ذلك ولا يلزم أن يكونوا قد سمعوا قول الله أو قال لهم.. لأنه لو كان المطلوب منهم تنفيذ ما سمعوه ربما كان ذلك لازما.. ولكن بمجرد صدور الأمر وقبل أن ينتبهوا أو يعلموا شيئا كانوا قردة.
    ولقد اختلف العلماء كيف تحول هؤلاء اليهود إلى قردة؟ كيف مسخوا؟ قال بعضهم لقد تم المسخ وهم لا يدرون.. فلما وجدوا أنفسهم قد تحولوا إلى خلق أقل من الإنسان.. لم يأكلوا ولم يشربوا حتى ماتوا.. وقال بعض العلماء أن الإنسان إذا مسخ فإنه لا يتناسل، ولذلك فبمجرد مسخهم لم يتناسلوا حتى انقرضوا.. ولماذا لم يتناسلوا؟ لأن الله سبحانه وتعالى يقول:{ وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىا }[الأنعام: 164]
    ولو أنهم تناسلوا.. لتحمل الأبناء وزر آبائهم.. وهذا مرفوض عند الله.. إذن فمن رحمة الله أنهم لا يأكلون ولا يشربون ولا يتناسلون.. ويبقون فترة ثم ينقرضون بالأمراض والأوبئة وهذا ما حدث لهم.
    قد يقول بعض الناس لو أنهم مسخوا قردة.. فمن أين جاء اليهود الموجودون الآن؟ نقول لهم أنه لم يكن كل اليهود عاصين.. ولكن كان منهم أقلية هي التي عصت ومسخت.. وبقيت الأكثرية ليصل نسلها إلينا اليوم.. وقد قال علماء آخرون أن هناك آية في سورة المائدة تقول:{ قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِّن ذالِكَ مَثُوبَةً عِندَ اللَّهِ مَن لَّعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ أُوْلَـائِكَ شَرٌّ مَّكَاناً وَأَضَلُّ عَن سَوَآءِ السَّبِيلِ }[المائدة: 60]
    إذن هذه قضية قوم غضب الله عليهم ومسخهم قردة وخنازير وعبدة الطاغوت.. ولقد أخبرنا الله جل جلاله أن اليهود مسخوا قردة.. ولكنه لم يقل لنا أنهم مسخوا خنازير.. فهل مسخوا قردة؟ ثم بعد ذلك إزداد غضب الله عليهم ومسخوا خنازير؟ وهل نقلهم الله من إنسانية إلى بهيمية في القيم والإرادة والخلقة؟
    نقول علينا أولا أن ننظر إلى البهيمية التي نقلهم الله إليها.. نجد أن القردة هي الحيوان الوحيد المفضوح العورة دائما.. وإن عورته لها لون مميز عن جسده.
    وأنه لا يتأدب إلا بالعصا.. واليهود كذلك لم يقبلوا المنهج إلا عندما رفع فوقهم جبل الطور.. وما هم فيه الآن ليس مسخ خلقه ولكن مسخ خُلُق.. والخنازير لا يغارون على أنثاهم وهذه لازمة موجودة في اليهود.. وعبدة الطاغوت.. الطاغوت هو كل إنسان تجاوز الحد في البغي والظلم.. وعباد الطاغوت هم الطائعون لكل ظالم يعينونه على ظلمه وهم كذلك.
    إذن فعملية المسخ هذه سواء تمت مرة واحدة أو على مرتين مسألة شكلية.. ولكن الله سبحانه وتعالى أعطانا في الآية التي ذكرناها في سورة المائدة سمات اليهود الأخلاقية.. فكأنهم مسخوا خلقه ومسخوا أخلاقا.

    فَجَعَلْنَاهَا نَكَالًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ (66)

    يريد الله تبارك وتعالى أن يلفتنا إلى أنه بعد أن جعل المسخة الخلقية والأخلاقية لليهود: { فَجَعَلْنَاهَا نَكَالاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهَا } أي ما معها: { وَمَا خَلْفَهَا } أي ما بعدها: " والنكال " هو العقوبة الشديدة.. والعقوبة لابد أن تنشأ عن تجريم أولا.. هذا هو المبدأ الإسلامي والمبدأ القانوني.. فرجال القانون يقولون لا عقوبة إلا بتجريم ولا تجريم إلا بنص.. قبل أن تعاقب لابد أن تقول أن هذا الفعل جريمة عقوبتها كذا وكذا.. وفي هذه الحالة عندما يرتكبها أي إنسان يكون مستحقا للعقوبة.. ومادام هذا هو الموقف فلابد من تشريع.
    والتشريع ليس معناه أن الله شرع العقوبة.. ولكن معناه محاولة منع الجريمة بالتخويف حتى لا يفعلها أحد.. فإذا تمت الجريمة فلابد من توقيع العقوبة.. لأن توقيعها عبرة للغير ومنع له من ارتكابها.. وهذا الزجر يسمى نكولا ومنها النكول في اليمين أي الرجوع فيه.
    إذن قوله تعالى: { فَجَعَلْنَاهَا نَكَالاً }.. أي جعلناهم زجرا وعقابا قويا.. حتى لا يعود أحد من بني إسرائيل إلى مثل هذه المخالفة: { نَكَالاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهَا }.. أي عقوبة حين يرويها الذين عاصروها تكفي لكيلا يقتربوا من هذه المعصية أبدا.. وتكون لهم موعظة لا ينسونها: { وَمَا خَلْفَهَا } يعني جعلناها تتوارثها الأجيال من بني إسرائيل جيلا بعد جيل.. كما بيننا الأب يحكي لابنه حتى لا يعود أحد في المستقبل إلى مثل هذا العمل من شدة العقوبة: { وَمَوْعِظَةً لِّلْمُتَّقِينَ }.. أي موعظة لكل الناس الذين سيبلغهم الله تبارك وتعالى بما حدث من بني إسرائيل وما عاقبهم به.. حتى يقوا أنفسهم شر العذاب يوم القيامة الذي سيكون فيه ألوان أشد كثيرا من هذا العذاب.. على أننا لابد أن نلفت الإنتباه إلى أن مبدأ أنه لا عقوبة إلا بتجريم ولا تجريم إلا بنص هو مبدأ إلهي.. ولذلك يقول الله سبحانه وتعالى:{ وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّىا نَبْعَثَ رَسُولاً }[الإسراء: 15]
    أي يأتي الرسول أولا ليجرم هذه الأفعال.. فإن ارتكبها أحد من خلق الله حقت عليه العقوبة.. ومن هنا فإن كل ما يقال عن قوانين بأثر رجعي مخالف لشريعة الله تبارك وتعالى وعدله.. فلا يوجد في عدالة السماء ما يقال عنه أثر رجعي.

    وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ (67)

    تعرضنا إلى هذه الآية الكريمة في بداية سورة البقرة.. لأن السورة سميت بهذا الاسم.. ونلاحظ هنا أن الله سبحانه وتعالى أتى بحرف: " وإذ ".. يعني واذكروا: { وَإِذْ قَالَ مُوسَىا لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُواْ بَقَرَةً }.. ولم يقل لماذا أمرهم بأن يذبحوا البقرة.. ولابد أن نقرأ الآيات إلى آخر القصة لنعرف السبب في قوله تعالى:{ وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْساً فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا وَاللَّهُ مُخْرِجٌ مَّا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ * فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْيِي اللَّهُ الْمَوْتَىا وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ }[البقرة: 72-73]
    والمفروض في كل الأمور أن الأمر تسبقه علته.. ولكن هذه عظمة القرآن الكريم.. لأن السؤال عن العلة أولا معناه أن الأمر صادر من مساو لك.. فإذا قال لك إنسان إفعل كذا.. تسأله لماذا حتى أطيع الأمر وأنفذه.. إذن الأمر من المساوي هو الذي تسأل عن علته.. ولكن الأمر من غير المساوي.. كأمر الأب لإبنه والطبيب لمريضه والقائد لجنوده.. مثل هذا الأمر لا يسأل عن علته قبل تنفيذه.. لأن الذي أصدره أحكم من الذي صدر إليه الأمر.. ولو أن كل مكلف من الله أقبل على الأمر يسأل عن علته أولا.. فيكون قد فعل الأمر بعلته. فكأنه قد فعله من أجل العلة.. ومن هنا يزول الإيمان.. ويستوي أن يكون الإنسان مؤمنا أو غير مؤمن.. ويكون تنفيذ الأمر بلا ثواب من الله..
    إن الإيمان يجعل المؤمن يتلقى الأمر من الله طائعا.. عرف علته أو لم يعرف.. ويقوم بتنفيذه لأنه صادر من الله.. ولذلك فإن تنفيذ أي أمر إيماني يتم لأن الأمر صادر من الله.. وكل تكليف يأتي.. علة حدوثه هي الإيمان بالله.. ولذلك فإن الحق سبحانه وتعالى يبدأ كل تكليف بقوله تعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ }.. أي يا من آمنت بالله ربا وإلها وخالقا.. خذ عن الله وافعل لأنك آمنت بمن أمرك.
    في هذه الآيات التي نحن بصددها أراد الله تعالى أن يبين لنا ذلك. فجاء بالأمر بذبح البقرة أولا.. وبالعلة في الآيات التي روت لنا علة القصة.. وأنت حين تعبد الله فكل ما تفعله هو طاعة لله سبحانه وتعالى.. سواء عرفت العلة أو لم تعرفها؛ فأنت تؤدي الصلاة لأن الله تبارك وتعالى أمرك بأن تصلي.. فلو أديت الصلاة على أنها رياضة أو أنها وسيلة للاستيقاظ المبكر.. أو أنها حركات لازمة لليونة المفاصل فإن صلاتك تكون بلا ثواب ولا أجر.. إن أردت الرياضة فاذهب إلى أحد النوادي وليدربك أحد المدربين لتكون الرياضة على أصولها.
    وأن أردت اللياقة البدنية فهناك ألف طريقة لذلك.. وإن أردت عبادة الله كما أمرك الله فلتكن صلاتك التي فرضها الله عليك لأن الله فرضها.. وكذلك كل العبادات الأخرى..
    الصوم ليس شعورا بإحساس الجائع.. ولا هو طريقة لعمل الرجيم ولكنه عباده.. إن لم تصم تنفيذا لأمر الله بالصوم فلا ثواب لك.. وإن جعلت للصيام أي سبب إلا العبادة فإنه صيام لا يقبله الله.. والله أغنى الشركاء عن الشرك.. فمن أشرك معه أحدا ترك الله عمله لمن أشركه.. وكذلك كل العبادات.
    هذا هو المفهوم الإيماني الذي أراد الله سبحانه وتعالى أن يلفتنا إليه في قصة بقرة بني إسرائيل.. ولذلك لم يأت بالعلة أو السبب أولا.. بل أتى بالقصة ثم أخبرنا سبحانه في آخرها عن السبب.. وسواء أخبرنا الله عن السبب أو لم يخبرنا فهذا لا يغير في إيماننا بحقيقة ما حدث.. وإن القصة لها حكمة وإن خفيت علينا فهي موجودة.
    قوله تعالى: } إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُواْ بَقَرَةً {.. أعطى الله تبارك وتعالى الأمر أولا ليختبر قوة إيمان بني إسرائيل.. ومدى قيامهم بتنفيذ التكليف دون تلكؤ أو تمهل.. ولكنهم بدلا من أن يفعلوا ذلك أخذوا في المساومة والتباطؤ: } وَإِذْ قَالَ مُوسَىا لِقَوْمِهِ {.. كلمة قوم تطلق على الرجال فقط.. ولذلك يقول القرآن الكريم:{ ياأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ يَسْخَرْ قَوْمٌ مِّن قَوْمٍ عَسَىا أَن يَكُونُواْ خَيْراً مِّنْهُمْ وَلاَ نِسَآءٌ مِّن نِّسَآءٍ عَسَىا أَن يَكُنَّ خَيْراً مِّنْهُنَّ }[الحجرات: 11]
    إذن قوم هم الرجال.. لأنهم يقومون على شئون أسرهم ونسائهم.. ولذلك يقول الشاعر العربي:وما أدري ولست أخال أدري أَقَوْمٌ آل حصنٍ أم نساءُفالقوامة للرجال.. والمرأة حياتها مبنية على الستر في بيتها.. والرجال يقومون لها بما تحتاج إليه من شئون.. والمفروض أن المرأة سكن لزوجها وبيتها وأولادها وهي في هذا لها مهمة أكبر من مهمة الرجال.. قوله تعالى: } إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ {.. الأمر طلب فعل. وإذا كان الآمر أعلى من المأمور نسميه أمرا.. وإذا كان مساويا له نسميه إلتماسا.. وإذا كان إلى أعلى نسميه رجاء ودعاء.. على أننا لابد أن نلتفت إلى قوله تعالى على لسان زكريا:{ هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِن لَّدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً }
    كلمتان خفيفتان على اللسان .. ثقيلتان في الميزان .. حبيبتان إلى الرحمن

    سبحان الله وبحمده .. سبحان الله العظيم

  3. #43
    Super Moderator
    رقم العضوية : 2
    تاريخ التسجيل : Jun 2016
    المشاركات: 3,273
    التقييم: 10
    الدولة : الأردن
    العمل : طالب علم
    هل هذا أمر من زكريا؟ طبعا لا. لأنه دعاء والدعاء رجاء من الأدنى إلى الأعلى.. قوله تعالى: } اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ {.. لو أن إنسانا يعقل أدنى عقل ثم يطلب منه أن يذبح بقرة.. أهذه تحتاج إلى إيضاح؟ لو كانوا ذبحوا بقرة لكان كل شيء قد تم دون أي جهد.
    فمادام الله قد طلب منهم أن يذبحوا بقرة.. فكل ما عليهم هو التنفيذ..
    ولكن أنظر إلى الغباء حتى في السؤال.. إنهم يريدون أن يفعلوا أي شيء لإبطال التكليف.. لقد قالوا لموسى نبيهم إنك تهزأ بنا.. أي أنهم استنكروا أن يكلفهم الله تبارك وتعالى بذبح بقرة على إطلاقها دون تحديد.. فاتهموا موسى أنه يهزأ بهم.. كأنهم يرون أن المسألة صعبة على الله سبحانه وتعالى.. لا يمكن أن تحل بمجرد ذبح بقرة.. وعندما سمع موسى كلامهم ذهل.. فهل هناك نبي يهزأ بتكليف من تكليفات الله تبارك وتعالى.. أينقل نبي الله لهم أمرا من أوامر الله جل جلاله على سبيل الهزل؟
    هنا عرف موسى أن هؤلاء اليهود هم جاهلون.. جاهلون بربهم وبرسولهم وجاهلون بآخرتهم.. وأنهم يحاولون أن يأخذوا كل شيء بمقاييسهم وليس بمقاييس الله سبحانه وتعالى.. فاتجه إلى السماء يستعيذ بالله من هؤلاء الجاهلين.. الذين يأتيهم اليسر فيريدونه عسرا. ويأتيهم السهل فيريدونه صعبا.. ويطلبون من الله أن يعنتهم وأن يشدد عليهم وأن يجعل كل شيء في حياتهم صعبا وشاقا.

    قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا فَارِضٌ وَلَا بِكْرٌ عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ فَافْعَلُوا مَا تُؤْمَرُونَ (68)

    وكان سؤالهم يبين نقص درجة الإيمان عندهم.. لم يقولوا ادع لنا ربنا.. بل قالوا إدع لنا ربك، وكأنه رب موسى وحده.. ولقد تكررت هذه الطريقة في كلام بني إسرائيل عدة مرات.. حتى إنهم قالوا كما يروي لنا القرآن الكريم:{ فَاذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ }[المائدة: 24]
    ولقد استمر الحوار بينهم وبين موسى فترة طويلة.. يوجهون السؤال لموسى فيدعو الله فيأتيه الجواب من الله تبارك وتعالى.. فبدلا من أن ينفذوا الأمر وتنتهي المسألة يوجهون سؤالا آخر.. فيدعو موسى ربه فيأتيه الجواب، ويؤدي الجواب إلى سؤال في غير محله منهم.. ثم يقطع الحق سبحانه وتعالى عليهم أسباب الجدل.. بأن يعطيهم أوصافا لبقرة لا تنطبق إلا على بقرة واحدة فقط.. فكأنهم شددوا على أنفسهم فشدد الله عليهم..
    نأتي إلى أسئلة بني إسرائيل.. يقول الحق سبحانه وتعالى: { قَالُواْ ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّن لَّنَا مَا هِيَ }.. سؤال لا معنى له ولا محل.. لأن الله تبارك وتعالى قال لهم إنها بقرة.. ولم يقل مثلا إنها حيوان على إطلاقه فلم يكن هناك محل للسؤال.. فجاء الحق تبارك وتعالى يقول لهم: { إِنَّهَا بَقَرَةٌ لاَّ فَارِضٌ وَلاَ بِكْرٌ }.. الفارض في اللغة هو الواسع والمراد به بقرة غير مسنة.. ولكن ما العلاقة بين سن البقرة وبين الواسع؟ البقرة تتعرض للحمل كثيرا وأساسا هي للبن وللإنجاب.. ومادامت قد تعرضت للحمل كثيرا يكون مكان اللبن فيها في اتساع.. أي أن بطنها يزداد اتساعا مع كل حمل جديد.. وعندما يكون بطن البقرة واسعاً يعرف أنها مسنة وولدت كثيرا وصارت فارضا.
    وكلمة " بكر " لها معانٍ متعددة منها أنه لم يطأها فحل.. ومنها أنها بكر ولدت مرة واحدة.. ومنها أنها ولدت مرارا ولكن لم يظهر ذلك عليها لأنها صغيرة السن.
    وقوله تعالى: { عَوَانٌ بَيْنَ ذالِكَ }.. يعني وسط بين هذه الأوصاف كلها.. الحق بعد ذلك يقرعهم فيقول: { فَافْعَلُواْ مَا تُؤْمَرونَ }.. يعني كفاكم مجادلة ونفذوا أمر الله واذبحوا البقرة.. ولكنهم لم يسكنوا أنهم يريدون أن يحاوروا.. ولذلك غيروا صيغة السؤال.

    قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا لَوْنُهَا قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا تَسُرُّ النَّاظِرِينَ (69)

    بحثوا عن سؤال آخر: ما لونها؟ كأن الله تبارك وتعالى حين حدثهم عن السن فتحوا الأبواب ليسألوا ما لونها؟ مع أنه سبحانه وتعالى قال لهم: { فَافْعَلُواْ مَا تُؤْمَرونَ }.. فلم يفعلوا بل سألوا ما لونها؟ { قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَآءُ } والصفرة لون من الألوان.. ثم قال جل جلاله: { فَاقِـعٌ لَّوْنُهَا }.. يعني صفرة شديدة.. ثم قال: { تَسُرُّ النَّاظِرِينَ }.. يعني أن كل من ينظر إليها يُسر لنضارتها ونظافتها وحسن مظهرها وتناسق جسدها..
    وصف البقرة بأنها صفراء هذا لون معروف.. وفي الألوان لا يمكن أن تحدد لونا إلا برؤيته.. ولذلك فإن المحسَّات في الألوان لابد أن تسبق معرفتها وبعد ذلك تأتي باللون المطلوب.. لذلك لا يقال صفراء فقط لأنك لا تستطيع تحديده؛ لأن اللون الأصفر له درجات لا نهاية لها.. ومزج الألوان يعطيك عدداً لا نهائيا من درجاتها.. ولذلك فإن المشتغلين بدهان المنازل لا يستطيعون أن يقوموا بدهان شقة بلون إلا إذا قام بعمل مزيج اللون كله مرة واحدة.. حتى يخرج الدهان كله بدرجة واحدة من اللون.. ولكن إذا طلبت منه أن يدهن الشقة باللون نفسه.. بشرط أن يدهن حجرة واحدة كل يوم فإنه لا يستطيع.. فإذا سمعت صفراء يأتي اللون الأصفر إلى ذهنك.. فإذا سمعت " فاقع " فكل لون من الألوان له وصف يناسبه يعطينا دقة اللون المطلوب.. " فاقع " أي شديد الصفرة.
    أظن أن المسألة قد أصبحت واضحة.. إنها بقرة لونها أصفر فاقع تسر الناظرين.. وكان من المفروض أن يكتفي بنو إسرائيل بذلك ولكنهم عادوا إلى السؤال مرة أخرى.

    قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ (70)

    وبرغم أن ما قيل لبني إسرائيل.. واضح تمام الوضوح عن البقرة.. وعمرها وشكلها ولونها ومنظرها.. فإن الله سبحانه وتعالى أراد أن يؤدبهم فجعلهم ينظرون إلى البقر.. وهذا يقول هذه هي والآخر يقول لا بل هي في مكان كذا.. والثالث يقول لا بل هي في موقع كذا.. وعادوا إلى موسى يسألونه أن يعود إلى ربه ليبين لهم لأن البقر تشابه عليهم.. وهنا ذكروا الله الذي نسوه ولم ينفذوا أمره منذ أن قال لهم اذبحوا بقرة ثم قال لهم: { فَافْعَلُواْ مَا تُؤْمَرونَ }.. فطلبوا منه الهداية بعد أن تاهوا وضاعوا بسبب عنادهم وجدلهم.. وجاء الجواب من الله سبحانه وتعالى.

    قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا ذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ وَلَا تَسْقِي الْحَرْثَ مُسَلَّمَةٌ لَا شِيَةَ فِيهَا قَالُوا الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ (71)

    " بقرة لا ذلول ".. البقرة الذلول هي البقرة المروضة الممرنة تؤدي مهمتها بلا تعب.. تماما مثل الخيل المروضة التي لا تتعب راكبها لأنها تم ترويضها.. وسيدنا إسماعيل هو أول من روض الخيل وساسها.. وقال الله سبحانه وتعالى لهم أول وصف للبقرة أنها ليست مروضة.. لا أحد قادها ولا قامت بعمل.. إنها انطلقت على طبيعتها وعلى سجيتها في الحقول بدون قائد.. { تُثِيرُ الأَرْضَ } أي لم تستخدم في حراثة الأرض أو فلاحتها.. { وَلاَ تَسْقِي الْحَرْثَ }.. أي لم تستخدم في إدارة السواقي لسقية الزرع.. { مُسَلَّمَةٌ لاَّ شِيَةَ فِيهَا } أي خالية من العيوب لا أذنها مثقوبة. ولا فيها أي علامة من العلامات التي يميز الناس أبقارهم بها.. ولا رجلها عرجاء، خالية من البقع والألوان غير اللون الأصفر الفاقع.. وكلمة { لاَّ شِيَةَ فِيهَا }.. أي لا شيء فيها.
    والمتأمل في وصف البقرة كما جاء في الآيات يرى الصعوبة والتشدد في اختيار أوصافها.. كأن الحق تبارك وتعالى يريد أن يجازيهم على أعمالهم.. ولم يجد بنو إسرائيل إلا بقرة واحدة تنطبق عليها هذه المواصفات فقالوا { الآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ } كأن ما قاله موسى قبل ذلك كان خارجا عن نطاق الحق. وذبحوا البقرة ولكن عن كره منهم.. لأنهم كانوا حريصين على ألا يذبحوها، حرصهم على عدم تنفيذ المنهج. هم يريدون أن يماطلوا الله سبحانه وتعالى.. والله يقول لنا أن سمة المؤمنين أن يسارعوا إلى تنفيذ تكاليفه.. واقرأ قوله تعالى:{ وَسَارِعُواْ إِلَىا مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ }[آل عمران: 133]
    وهذه السرعة من المؤمنين في تنفيذ التكاليف.. دليل على عشق التكليف.. لأنك تسارع لتفعل ما يطلبه منك من تحبه.. وقوله تعالى: { وَمَا كَادُواْ يَفْعَلُونَ }.. يدلنا على أنهم حاولوا الإبطاء في التنفيذ والتلكؤ.
    إننا لابد أن نلتفت إلى أن تباطؤ بني إسرائيل في التنفيذ خدم قضية إيمانية أخرى.. فالبقرة التي طلبها الله منهم بسبب عدم قيامهم بتنفيذ الأمر فور صدوره لهم بقرة نادرة لا تتكرر.. والمواصفات التي أعطيت لهم في النهاية.. لم تكن تنطبق إلا على بقرة واحدة ليتحكم صاحبها في ثمنها ويبيعها بأغلى الأسعار..
    والقصة أنه كان هناك في بني إسرائيل رجل صالح.. يتحرى الحلال في الرزق والصدق في القول والإيمان الحقيقي بالله. وعندما حضرته الوفاة كان عنده عجلة وكان له زوجة وابنهما الصغير.. ماذا يفعل وهو لا يملك سوى العجلة. اتجه إلى الله وقال: اللهم إني استودعك هذه العجلة لولدي، ثم أطلقها في المراعي.
    لم يوصِّ عليها أحداً ولكن استودعها الله. استودعها يد الله الأمينة على كل شيء.. ثم قال لامرأته إني لا أملك إلا هذه العجلة ولا آمن عليها إلا الله.. ولقد أطلقتها في المراعي..
    وعندما كبر الولد قالت له أمه: إن أباك قد ترك لك وديعة عند الله وهي عجلة.. فقال يا أمي وأين أجدها؟.. قالت كن كأبيك هو توكل واستودع، وأنت توكل واسترد.. فقال الولد: اللهم رب إبراهيم ورب موسى.. رد إلي ما استودعه أبي عندك.. فإذا بالعجلة تأتي إليه وقد أصبحت بقرة فأخذها ليريها لأمه.. وبينما هو سائر رآه بنو إسرائيل. فقالوا إن هذه البقرة هي التي طلبها الرب.. وذهبوا إلى صاحب البقرة وطلبوا شراءها فقال بكم.. قالوا بثلاثة دنانير.. فذهب ليستشير أمه فخافوا أن ترفض وعرضوا عليه ستة دنانير.. قالت أمه لا.. لا تباع.. فقال الابن لن أبيعها إلا بملء جلدها ذهبا، فدفعوا له ما أراد.. وهكذا نجد صلاح الأب يجعل الله حفيظا على أولاده يرعاهم وييسر لهم أمورهم.

    وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا وَاللَّهُ مُخْرِجٌ مَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ (72)

    قصة القتيل هي أن رجلا ثريا من بني إسرائيل لم يكن له ولد يرثه.. وكان له أقارب كل منهم يريد أن يستأثر بأموال هذا الرجل.. والمال والذهب هما حياة بني إسرائيل.. فتآمر على هذا الرجل الثري ابن أخيه فقتله ليرثه ويستولي على أمواله.. ولكنه أراد أن يبعد التهمة عن نفسه فحمل الجثة وألقاها على باب قرية مجاورة ليتهم أهلها بقتل الثري.. وفي الصباح قام أهل القرية ووجدوا جثة الثري أمام قريتهم.. ووجدوه غريبا عن القرية فسألوا من هو؟ حتى وصلوا إلى ابن أخيه.. فتجمع أهل القتيل واتهموهم بقتله.. وكان أشدهم تحمسا في الاتهام القاتل ابن أخيه..
    وقوله تعالى { فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا } الدرأ هو الشيء حين يجئ إليك وكل واحد ينفيه عن نفسه.. إدارأتم أي أن كلا منكم يريد أن يدفع الجريمة عن نفسه فكل واحد يقول لست أنا..
    وليس من الضروري أن يتهم أحد آخر غيره.. المهم أن يدفعها عن نفسه.
    ولقد حاول أهل القريتين.. قرية القتيل، والقرية التي وجدت أمامها الجثة. أن يدفع كل منهما شبهة الجريمة عن نفسه وربما يتهم بها الآخر.. ولم يكن هناك دليل دامغ يرجح اتهاما محددا. بل كانت الأدلة ضائعة ولذلك استحال توجيه اتهام لشخص دون آخر أو لقرية دون أخرى.
    وكان التشريع في ذلك الوقت ينص على أنه إذا وجد قتيل على باب قرية ولم يستدل على قاتله.. فإن قرية القتيل وأهله يأخذون خمسين رجلا من أعيان القرية التي وجدت بجوارها الجثة.. فيلقوا اليمين بأنهم ما قتلوه.. ولا علموا قاتله.. وإذا كان الأعيان والأكابر أقل من خمسين رجلا.. تكررت الأيْمان حتى تصير خمسين يمينا.. فيحلفون أنهم ما قتلوه ولا يعرفون قاتله.. عندما يتحمل بيت المال دية القتيل.
    كلمتان خفيفتان على اللسان .. ثقيلتان في الميزان .. حبيبتان إلى الرحمن

    سبحان الله وبحمده .. سبحان الله العظيم

  4. #44
    Super Moderator
    رقم العضوية : 2
    تاريخ التسجيل : Jun 2016
    المشاركات: 3,273
    التقييم: 10
    الدولة : الأردن
    العمل : طالب علم
    ولكن الله كان يريد شيئا آخر.. يريد أن يرد بهذه الجريمة على جحود بني إسرائيل باليوم الآخر.. ويجعل الميت يقف أمامهم وينطق اسم قاتله.. ويجعلهم يرون البعث وهم أحياء.. ولذلك قال سبحانه وتعالى: { وَاللَّهُ مُخْرِجٌ مَّا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ }.. أي أن بني إسرائيل أو أولئك الذين ارتكبوا الجريمة دبروها على أن تبقى في طي الكتمان فلا يعلم أحد عنها شيئا.. ولذلك جاء الشاب وقتل عمه دون أن يراه أحد.. ثم حمل الجثة خفية في ظلام الليل وخرج بها فلم يلتفت أحد إليه.. ثم ذهب إلى قرية مجاورة وألقى بالجثة على باب القرية وأهلها نائمون وانصرف عائدا..
    كانت كل هذه الخطوات في رأيه ستجعل الجريمة غامضة لا تنكشف أبدا ولا يعرف سرها أحد. ولكن الله تبارك وتعالى أراد غير ذلك.. أراد أن يكشف الجريمة بطريقة لا تحتمل الجدل، وفي نفس الوقت يرد على جحود بني إسرائيل للبعث.. بأن يريهم البعث وهم أحياء.
    فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْيِي اللَّهُ الْمَوْتَى وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (73)

    احتدم الخلاف بين بني إسرائيل وكادت تحدث فتنة كبيرة.. فقرروا أن يلجأوا إلى موسى عليه السلام ليطلب من الله تبارك وتعالى أن يكشف لهم لغز هذه الجريمة ويدلهم على القاتل.. وجاء الأمر من الله سبحانه وتعالى أن اذبحوا البقرة ولو ذبحوا بقرة أية بقرة لانتهت المشكلة.. ولكنهم ظلوا يقولون ما لونها وما شكلها إلى آخر ما رويناه.. حتى وصلوا إلى البقرة التي كان قد استودعها الرجل الصالح عند الله حتى يكبر ابنه فاشتروها وذبحوها.. فأمرهم الله أن يضربوه ببعضها. أي أن يضربوا القتيل بجزء من البقرة المذبوحة بعد أن سال دمها وماتت..
    وانظر إلى العظمة في القصة.. جزء من ميت يُضرب به ميت فيحيا.. إذن المسألة أعدها الحق بصورة لا تجعلهم يشكون أبدا.. فلو أن الله أحياه بدون أن يضرب بجزء من البقرة. لقالوا لم يكن قد مات، كانت فيه حياه ثم أفاق بعد اغماءة. ولكن الله أمرهم أن يذبحوا بقرة حتى تموت ليعطيهم درسا إيمانيا بقدرة الله وهم الماديون الذين لا يؤمنون إلا بالماديات.. وأن يأخذوا جزءاً أو أجزاء منها وأن يضربوا به القتيل فيحيا وينطق باسم قاتله ويميته الله بعد ذلك..
    يقول الحق جل جلاله.. { كَذَلِكَ يُحْيِي اللَّهُ الْمَوْتَىا وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ } ليرى بنو إسرائيل وهم على قيد الحياة كيف يحيى الله الموتى وليعرفوا أن الإنسان لا يبقى حيا بأسباب الحياة.. ولكن بإرادة مسبب الحياة في أن يقول " كن فيكون ".

    ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (74)

    لماذا ذكر الحق سبحانه وتعالى القلب ووصفه بأنه يقسو ولم يقل نفوسكم ـ لأن القلب هو موضع الرقة والرحمة والعطف.. وإذا ما جعلنا القلب كثير الذكر لله فإنه يمتلئ رحمة وعطفا.. والقلب هو العضو الذي يحسم مشاكل الحياة.. فإذا كان القلب يعمر باليقين والإيمان.. فكل جارحة تكون فيها خميرة الإيمان.
    وحتى نعرف قوة وقدرة وسعة القلب على الإيمان واحتوائه أوضح الله تعالى هذا المعنى في كتابه العزيز حيث يقول:{ اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَاباً مُّتَشَابِهاً مَّثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَىا ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَن يَشَآءُ وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ }[الزمر: 23]
    وهكذا نرى أن الجلود تقشعر من هول الوعيد بالنار.. ومجرد قراءة ما ذكره القرآن عنها.. وبعد ذلك تأتي الرحمة، وفي هذه الحالة لا تلين الجلود فقط ولكن لابد أن تلين القلوب لأنها هي التي تعطي اللمحة الإيمانية لكل جوارح الجسد..
    ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:
    " ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب "
    إذن فالقلب هو منبع اليقين ومصب الإيمان، وكما أن الإيمان في القلب فإن القسوة والكفر في القلب.. فالقلب حينما ينسى ذكر الله يقسو.. لماذا؟.. لأنه يعتقد أنه ليس هناك إلا الحياة الدنيا وإلا المادة فيحاول أن يحصل منها على أقصى ما يستطيع وبأي طريقة فلا تأتي إلا بالظلم والطغيان وأخذ حقوق الضعفاء، ثم لا يفرط فيها أبدا لأنها هي منتهى حياته فلا شيء بعدها.
    إنه يجد إنساناً يموت أمامه من الجوع ولا يعطيه رغيفا.. وإذا خرج الإيمان من القلب خرجت منه الرحمة وخرج منه كل إيمان الجوارح.. فلمحة الإيمان التي في اليد تخرج فتمتد اليد إلى السرقة والحرام.. ولمحة الإيمان التي في العين تخرج فتنظر العين إلى كل ما حرم الله. ولمحة الإيمان التي في القدم تخرج فلا تمشي القدم إلى المسجد أبدا ولكنها تمشي إلى الخمارة وإلى السرقة.. لأنه كما قلنا القلب مخزن الإيمان في الجسم.
    ويشبه الحق تبارك وتعالى قسوة قلوبهم فيقول: { فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً }.. الحجارة هي الشيء القاسي الذي تدركه حواسنا ومألوف لنا ومألوف لبني إسرائيل أيضا.. لأن لهم مع الحجارة شوطا كبيرا عندما تاهوا في الصحراء.. وعندما عطشوا وكان موسى يضرب لهم الحجر بعصاه.
    الله تبارك وتعالى لفتهم إلى أن المفروض أن تكون قلوبهم لينة ورفيقة حتى ولو كانت في قسوة الحجارة.
    ولكن قلوبهم تجاوزت هذه القسوة فلم تصبح في شدة الحجارة وقسوتها بل هي أشد.
    ولكن كيف تكون القلوب أشد قسوة من الحجارة.. لا تنظر إلى لينونة مادة القلوب ولكن انظر إلى أدائها لمهمتها.
    الجبل قسوته مطلوبة لأن هذه مهمته أن يكون وتداً للأرض صلبا قويا، ولكن هذه القسوة ليست مطلوبة من القلب وليست مهمته.. أما قلوب بني إسرائيل فهي أشد قسوة من الجبل.. والمطلوب في القلوب اللين، وفي الحجارة القسوة.. فكل صفة مخلوقة لمخلوق ومطلوبة لمهمة.. فالخطاف مثلا أعوج.. هذا العوج يجعله يؤدي مهمته على الوجه الأكمل.. فعوج الخطاف استقامة لمهمته.. وحين تفسد القلوب وتخرج عن مهمتها تكون أقسى من الحجارة.. وتكون على العكس تماما من مهمتها..
    ثم يقول الحق تبارك وتعالى: } وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَآءُ { [البقرة: 74]
    هنا يذكرهم الله لما رأوه من الرحمة الموجودة في الحجارة.. عندما ضرب موسى الحجر بالعصا فانفجرت منه العيون. وذلك مثل حسي شهدوه. يقول لهم الحق جل جلاله: أن الرحمة تصيب الحجارة فيتفجر منها الأنهار ويخرج منها الماء ويقول سبحانه: } وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ {..
    إذن فالحجارة يصيبها اللين والرحمة فيخرج منها الماء. ولكن قلوبكم إذا قست لا يصيبها لين ولا رحمة فلا تلين أبدا ولا تخشع أبدا. والله سبحانه وتعالى نزل عليكم التوراة وأعطاكم من فضله ورحمته وستره ومغفرته الكثير.. كان المفروض أن تلين قلوبكم لذكر الله.
    ولكن ما الفرق بين تفجر الأنهار من الحجارة وبين تشققها ليخرج منها الماء؟ عندما تتفجر الحجارة يخرج منها الماء. نحن نذهب إلى مكان الماء لنأخذ حاجتنا.. ولكن عندما تتفجر منها الأنهار فالماء هو الذي يأتي إلينا ونحن في أماكننا.. وفرق بين عطاء تذهب إليه وعطاء يأتي إليك.. أما هبوط الحجر من خشية الله فذلك حدث عندما تجلى الله للجبل فجعله دكا. واقرأ قوله تعالى:{ فَلَمَّا تَجَلَّىا رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكّاً وَخَرَّ موسَىا صَعِقاً }[الأعراف: 143]
    يذكرهم الحق سبحانه كيف أن الجبل حين تجلى الله له هبط وانهار من خشية الله. وهكذا لا يعطيهم الأمثلة مما وقع لغيرهم، ولكن يعطيهم الأمثلة مما وقع لهم.
    وقوله تعالى: } وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ { أي تذكروا أن الله سبحانه وتعالى لا يغيب عنه شيء وأن كل ما تعملونه يعرفه وأنكم ملاقونه يوم القيامة ومحتاجون إلى رحمته ومغفرته، فلا تجعلوا قلوبكم تقسو حتى لا يطردكم الله من رحمته كما خلت قلوبكم من ذكره.

    أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (75)

    يعطينا الحق تبارك وتعالى هنا الحكمة.. فيما رواه لنا عن بني إسرائيل وعن قصصهم. لأنهم سيكون لهم دور مع المسلمين في المدينة، ثم في بيت المقدس، ثم في المسجد الأقصى.. فهو يروي لنا كيف أتعبوا نبيهم وكيف عصوا ربهم. وكيف قابلوا النعمة بالمعصية والرحمة بالجحود. وإذا كان هذا موقفهم يا محمد مع الله ومع نبيهم.. فلا تطمع أن يؤمنوا لك ولا أن يدخلوا في الإسلام، مع أنهم عندهم التوراة تدعوهم إلى الإيمان بمحمد عليه الصلاة والسلام..
    هذه الآيات تحمل أعظم تعزية للرسول الكريم. وتطالبه ألا يحزن على عدم إيمان اليهود به لأنه عليه البلاغ فقط؛ ولكن حرص رسول الله صلى الله عليه وسلم على أن يؤمن كل أهل الأرض يهود ونصارى وكفاراً، ليس معناه أنه لم يفهم مهمته، ولكن معناه أنه أدرك حلاوة التكليف من ربه، بحيث يريد أن يهدي كل خلق الله في الأرض.. فيطمئنه الله ويقول له لا تعتقد أنهم سيؤمنون لك. وليس معنى عدم إيمانهم أنك لست صادقا.. فتكذيبهم لك لا ينبغي أن يؤثر فيك.. فلا تطمع يا محمد أن يؤمنوا لك..
    ما هو الطمع؟.. الطمع هو رغبة النفس في شيء غير حقها وإن كان محبوبا لها.. والأصل في الإنسان العاقل ألا يطمع إلا في حقه.. والإنسان أحيانا يريد أن يرفه حياته ويعيش مترفا ولكن بحركة حياته كما هي. نقول له إذا أردت أن تتوسع في ترفك فلابد أن تتوسع في حركة حياتك؛ لأنك لو أترفت معتمدا على حركة حياة غيرك فسيفسد ميزان حركة الحياة في الأرض، أي إن كنت تريد أن تعيش حياة متزنة فعش على قدر حركة حياتك؛ لأنك إن فعلت غير ذلك تسرق وترتش وتفسد. فإن كان عندك طمع فليكن فيما تقدر عليه.
    إذن فكلمة " افتطمعون " هنا تحدد أنه يجب ألا نطمع إلا فيما نقدر عليه. هؤلاء اليهود هل نقدر على أن نجعلهم يؤمنون؟ يقول الله تبارك وتعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم.. هذا أمر زائد على ما كلفت به.. لأن عليك البلاغ، وحتى لو كان محببا إلى نفسك.. فإن مقدماتهم مع الله لا تعطيك الأمل في أنك ستصل إلى النتيجة التي ترجوها..
    وهذه الآية فيها تسرية لرسول الله صلى الله عليه وسلم عما سيلاقيه مع اليهود. وتعطيه الشحنة الإيمانية التي تجعله يقابل عدم إيمان هؤلاء بقوة وعزيمة.. لأنه كان يتوقعه فلا يحزن ولا تذهب نفسه حسرات، لأن الله تبارك وتعالى قد وضع في نفسه التوقع لما سيحدث منهم.. فإذا جاء تصرفهم وفق ما سيحدث.
    يكون ذلك أمرا محتملا من النفس..
    والحق سبحانه وتعالى يقول: } وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلاَمَ اللَّهِ { انظر إلى الأمانة والدقة.. فريق منهم ليس كلهم.. هذا هو ما استنبط منه العالم نظرية صيانة الاحتمال.. وهي عدم التعميم بحيث تقول أنهم جميعا كذا. لابد أن تضع احتمالا في أن شخصا ما سيؤمن أو سيشذ أو سيخالف.. هنا فريق من أهل الكتاب عرفوا صفات رسول الله صلى الله عليه وسلم من التوراة والإنجيل.. وعندما بعث آمنوا به، وهؤلاء لم يحرفوا كلام الله. لو أن القرآن جاء بالحكم عاما لتغيرت نظرة الكافرين للإسلام.. ولقالوا لقد قال عنا هذا الدين أننا حرفنا كتاب الله ولكننا لم نحرفه ونحن ننتظر رسوله.. فكأن هذا الحكم غير دقيق.. ولابد أن شيئا ما خطأ.. لأن الله الذي نزل هذا القرآن لا يخفي عليه شيء ويعرف ما في قلوبنا جميعا.. ولكن لأن الآية الكريمة تقول أن فريقا منهم كانوا يسمعون كلام الله ثم يحرفونه.. الكلام بلا تعميم ومنطبق بدقة على كل حال..
    كلمتان خفيفتان على اللسان .. ثقيلتان في الميزان .. حبيبتان إلى الرحمن

    سبحان الله وبحمده .. سبحان الله العظيم

  5. #45
    Super Moderator
    رقم العضوية : 2
    تاريخ التسجيل : Jun 2016
    المشاركات: 3,273
    التقييم: 10
    الدولة : الأردن
    العمل : طالب علم
    الحق جل جلاله يقول: } ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِن بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ {. هذه معصية مركبة سمعوا كلام الله وعقلوه وعرفوا العقوبة على المعصية ثم بعد ذلك حرفوه.. لقد قرأوه في التوراة وقرأوا وصف رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أنهم يعرفونه كأبنائهم.. ثم حرفوا كلام الله وهم يعلمون.. ومعنى التحريف تغيير معنى الكلمة.. كانوا يقولون السَّأم عليكم بدلا من السلام عليكم.. ولم يتوقف الأمر عند التحريف بل تعداه إلى أن جاءوا بكلام من عندهم وقالوا أنه من التوراة.
    وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَا بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ قَالُوا أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (76)


    هذه صور من صور نفاق اليهود. والناس مقسمون إلى ثلاث: مؤمنون وكافرون ومنافقون.. المؤمن انسجم مع نفسه ومع الكون الذي يعيش فيه.. والكافر انسجم مع نفسه ولم ينسجم مع الكون، والكون يلعنه.. والمنافق لا انسجم مع نفسه ولا انسجم مع الكون، والآية تعطينا صورة من صور النفاق وكيف لا ينسجم المنافق مع نفسه ولا مع الكون.. فهو يقول ما لا يؤمن به.. وفي داخل نفسه يؤمن بما لا يقول. والكون كله يلعنه، وفي الآخرة هو في الدرك الأسفل من النار. وهذه الآية تتشابه مع آية تحدثنا عنها في أول هذه السورة.. وهي قوله تعالى:{ وَإِذَا لَقُواْ الَّذِينَ آمَنُواْ قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْاْ إِلَىا شَيَاطِينِهِمْ قَالُواْ إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ }
    في الآية الأولى كان الدور لليهود، وكان هناك منافقون من غير اليهود وشياطينهم من اليهود.. وهنا الدور من اليهود والمنافقين من اليهود. الحق سبحانه وتعالى يقول: { وَإِذَا لَقُواْ الَّذِينَ آمَنُواْ قَالُواْ آمَنَّا } وهل الإيمان كلام؟.. الإيمان يقين في القلب وليس كلاما باللسان.. والاستدلال على الإيمان بالسلوك فلا يوجد إنسان يسلك سبيل المؤمنين نفاقا أو رياء.. يقول آمنت نفاقا ولكن سلوكه لا يكون سلوك المؤمن.. ولذلك كان سلوكهم هو الذي يفضحهم. يقول تعالى: { وَإِذَا خَلاَ بَعْضُهُمْ إِلَىا بَعْضٍ قَالُواْ أَتُحَدِّثُونَهُم بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ }.. وفي سورة أخرى يقول الحق:{ وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُواْ آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْاْ عَضُّواْ عَلَيْكُمُ الأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ }
    وفي سورة المائدة يقول سبحانه:{ وَإِذَا جَآءُوكُمْ قَالُواْ آمَنَّا وَقَدْ دَّخَلُواْ بِالْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُواْ بِهِ }
    هنا أربع صور من صور المنافقين.. كلها فيها التظاهر بإيمان كاذب.. في الآية الأولى { وَإِذَا خَلَوْاْ إِلَىا شَيَاطِينِهِمْ قَالُواْ إِنَّا مَعَكُمْ } وفي الآية الثانية: { وَإِذَا خَلاَ بَعْضُهُمْ إِلَىا بَعْضٍ قَالُواْ أَتُحَدِّثُونَهُم بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ }. وفي الآية الثالثة: { عَضُّواْ عَلَيْكُمُ الأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ }. وفي الآية الرابعة: { وَقَدْ دَّخَلُواْ بِالْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُواْ بِهِ }.
    إن رسول الله صلى الله عليه وسلم حينما بعث كان اليهود يقولون للمؤمنين هذا هو نبيكم موجود عندنا في التوراة أوصافه كذا.. حينئذ كان أحبار اليهود ينهونهم عن ذلك ويقولون لهم: { أَتُحَدِّثُونَهُم بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَآجُّوكُم بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ } فكأنهم علموا صفات رسول الله صلى الله عليه وسلم ولكنهم أرادوا أن يخفوها.. إن الغريب أنهم يقولون: { بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ }. وإذا كان هذا فتحا من الله فلا فضل لهم فيه.. ولو أراد الله لهم الفتح لآمنت القلوب..
    قوله تعالى: { لِيُحَآجُّوكُم بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ } يدل على أن اليهود المنافقين والكفار وكل خلق الأرض يعلمون أنهم من خلق الله، وأن الله هو الذي خلقهم.

    . وماداموا يعلمون ذلك فلماذا يكفرون بخالقهم؟ } لِيُحَآجُّوكُم بِهِ { أي لتكون حجتهم عليكم قوية عند الله.. ولكنهم لم يقولوا عند الله بل قالوا } عِنْدَ رَبِّكُمْ { والمحاجة معناها أن يلتقي فريقان لكل منهما وجهة نظر مختلفة. وتقام بينهما مناظرة يدلي فيها كل فريق بحجته. واقرأ قوله تعالى:{ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَآجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ }
    هذه هي المناظرة التي حدثت بين إبراهيم عليه السلام والنمرود الذي آتاه الله الملك.. ماذا قال إبراهيم؟{ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِـي وَيُمِيتُ }
    هذه كانت حجة إبراهيم في الدعوة إلى الله، فرد عليه النمرود بحجة مزيفة. قال أنا أحيي وأميت.. ثم جاء بواحد من جنوده وقال لحراسه اقتلوه.. فلما اتجهوا إليه قال اتركوه.. ثم التفت إلى إبراهيم:{ قَالَ أَنَا أُحْيِـي وَأُمِيتُ }
    جدل عقيم لأن هذا الذي أمر النمرود بقتله. كان حيا وحياته من الله.. والنمرود حين قال اقتلوه لم يمته ولكن أمر بقتله.. وفرق بين الموت والقتل.. القتل أن تهدم بنية الجسد فتخرج الروح منه لأنه لا يصلح لإقامتها.. والموت أن تخرج الروح من الجسد والبنية سليمة لم تهدم.. الذي يميت هو الله وحده، ولذلك يقول الحق تبارك وتعالى:{ وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفإِنْ مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَىا أَعْقَابِكُمْ }[آل عمران: 144]
    والنمرود لو قتل هذا الرجل ما كان يستطيع أن يعيده إلى الحياة.. ولكن إبراهيم عليه السلام.. لم يكن يريد أن يدخل في مثل هذا الجدل العقيم.. الذي فيه مقارعة الحجة. بالحجة يمكن فيه الجدال ولو زيفا.. ولذلك جاء بالحجة البالغة التي لا يستطيع النمرود أن يجادل فيها:{ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ }[البقرة: 258]
    هذا هو معنى الحاجّة.. كل طرف يأتي بحجته، وما داموا يحاجونكم عند ربكم وهم يعتقدون أن القضية لن تمر أمام الله بسلام لأنه رب الجميع وسينصف المظلوم من الظالم.. إذا كانت هذه هي الحقيقة فهل أنتم تعملون لمصلحة أنفسكم؟ الجواب لا.. لو كنتم تعلمون الصواب ما كنتم وقعتم في هذا الخطأ فهذا ليس فتحا..
    وقوله تعالى: } أَفَلاَ تَعْقِلُونَ { ختام منطقي للآية.. لأن من يتصرف تصرفهم ويقول كلامهم لا يكون عنده عقل.. الذي يقول } لِيُحَآجُّوكُم بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ { يكون مؤمنا بأن له ربا، ثم لا يؤمن بهذا الإله ولا يخافه لا يمكن أن يتصف بالعقل.

    أَوَلَا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ (77)


    يبين الله لنا بأنه يعلم أمرهم وما يفعلون. لقد ظنوا أن الله غافل عندما خلا بعضهم إلى بعض وقالوا: { أَتُحَدِّثُونَهُم بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَآجُّوكُم بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ }.. الله علم وسمع.. وعندما يلاقي المنافقون المؤمنين ويقولون آمنا.. { وَإِذَا خَلَوْاْ عَضُّواْ عَلَيْكُمُ الأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ } هذا انفعال حركي ليس فيه كلام يقال ولكن فيه واقع يرى.. ومع ذلك فهو ليس سرا.
    ما هو السر وما هو العلن؟.. الأمر المعلن هو الذي يخرج منك إلى من عنده آلة السماع ليسمعك.. والأمر المعلن يخرج منك إلى من عنده آلة الرؤية ليراك.. فإن كان حركة بلا صوت فهذا عدته العين.. وإن كان بصوت فعدته الأذن.. هذه وسائل الإدراك الأصلية.
    وقوله تعالى { يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ } ألم يكن أولى أن يقول سبحانه يعلم ما يعلنون وما يسرون.. وإذا كان يعلم ما نسر أفلا يعلم ما نعلن؟.. لاشك أنه يعلم.. ولكنها دقة في البلاغة القرآنية؛ ذلك أن المتكلم هو الله سبحانه.
    ونحن نعلم أن الله غيب.. وغيب يعني مستور عن حواسنا.. ومادام الله غيبا فهو يعلم الغيب المستور.. ربما كان العلن الظاهر له قوانين أخرى.. فمثلا إذا كان هناك شخص في المنزل، ثم يقول " أنا اعلم ما في المنزل وما هو خارج المنزل.. لو قال أنا اعلم ما في المنزل لقلنا له أنت داخله فلا غرابة في ذلك.. ولكنك مستور عما في الخارج فكيف تعلمه؟
    ومادام الله غيباً فقوله ما يسرون أقرب لغيبه. وما يعلنون هي التي تحتاج وقفة. لا تظنوا أن الله تبارك وتعالى لأنه غيب لا يعلم إلا ما هو مستور وخفي فقط.. لا.. إنه يعلم المشهود والغائب.. إذن فالمناسب لأن الله غيب عن أبصارنا وكوننا لا ندركه أن يقول ما يسرون أولا..
    ما معنى ما يسرون؟.. السر هو ما لم تهمس به إلى غيرك.. لأن همسك للغير بالشيء لم يعد سرا.. ولكن السر هو ما تسره في نفسك ولا تهمس به لأحد من الناس.. وإذا كان السر هو ما تسره في نفسك، فالعلن هو ما تجاهر به. ويكون علنا مادام قد علمه اثنان.. والعلن عند الناس واضح والسر عندهم خفي.. والله سبحانه وتعالى حين يخبرنا أنه غيب.. فليس معنى ذلك أنه لا يعلم إلا غيباً. إنه يعلم السر والعلن.. والله جل جلاله يقول في القرآن الكريم:{ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى }[طه: 7]
    فإذا كان السر هو ما تخفيه في نفسك وله واقع داخلك.. " ما هو أخفى " هو أن الله يعلم أنك ستفعله قبل أن تفعله. ويعلم أنه سيحدث منك قبل أن يحدث منك.

    وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ (78)
    الله سبحانه وتعالى لازال يتحدث عن أهل الكتاب.. فبعد أن بين لنا الذين يقول: { أَتُحَدِّثُونَهُم بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَآجُّوكُم بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ }.. انتقل سبحانه وتعالى إلى طائفة أخرى وهم من أسماهم بالأميين.. وأصح قول في الأمي هو أنه كما ولدته أمه. أي لم يعلم شيئاً من ثقافة وعلم في الوجود منذ لحظة نزوله من بطن أمه. ولذلك فإن الأمي على إطلاقه هو الذي لا يكتسب شيئاً من ثقافة الوجود حوله، بصرف النظر عن أن يقال كما ولدته أمه.. لأن الشائع في المجتمعات أن الذي يعلم هم الخاصة لا العامة.. وعلى أية حال فالمعاني كلها ملتقية في تعريف الأمي.
    قوله تعالى: { وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ }.. تلاحظ أن هناك معسكرات من الأميين واجهت الدعوة الإسلامية.. فالمعسكر الأول كان المشركين في مكة، والمعسكر الثاني كان أهل الكتاب في المدينة. وأهل الكتاب تطلق على أتباع موسى وأتباع المسيح.. ولكن في الجزيرة العربية كان هناك عدد لا يذكر من النصارى.. وكان هناك مجتمع. والمقصود من قوله تعالى: { وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لاَ يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلاَّ أَمَانِيَّ } هم اليهود الذين كان لهم مجتمع في المدينة.. ومادام الحق سبحانه وتعالى قال: { وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ }.. معنى هذا أنه لابد أن يكون هناك منهم غير أميين.. وهؤلاء هم الذين سيأتي قول الله تعالى عنهم في الآية التالية:{ فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ }[البقرة: 79]
    هنا قسّم الله تبارك وتعالى اليهود إلى أقسام.. منهم قسم أُمِّي لا يعرفون الكتاب وما يقوله لهم أحبارهم هو الذي يعرفونه فقط.. وهؤلاء ربما لو كانوا يعلمون ما في التوراة.. من صفات رسول الله صلى الله عليه وسلم لآمنوا به.. والكتاب هنا يقصد به التوراة.. والله سبحانه وتعالى لم ينف عنهم مطلق العلم.. ولكنه نفى خصوصية العلم، لأنه قال لا يعلمون إلا أماني.. فكأن الأماني يعلمونها من الكتاب.
    ولكن ما الأماني؟.. إنها تطلق مرة بدون تشديد الياء ومرة بتشديد الياء.. فإن كانت التخفيف تكون جمع أمنية.. وإن كانت بالتشديد تكون جمع أمنية بالتشديد على الياء.. الأمنية تجدها في القرآن الكريم في قوله تعالى:{ لَّيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ }[النساء: 123]
    هذه بالنسبة للجمع. أما بالنسبة للمفرد.. في قوله تعالى:{ وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلاَ نَبِيٍّ إِلاَّ إِذَا تَمَنَّىا أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ }[الحج: 52]
    ما هي الأمنية؟الأمنية هي الشيء الذي يحب الإنسان أن يحدث ولكن حدوثه مستحيل إذن لن يحدث ولن يكون له وجود
    كلمتان خفيفتان على اللسان .. ثقيلتان في الميزان .. حبيبتان إلى الرحمن

    سبحان الله وبحمده .. سبحان الله العظيم

  6. #46
    Super Moderator
    رقم العضوية : 2
    تاريخ التسجيل : Jun 2016
    المشاركات: 3,273
    التقييم: 10
    الدولة : الأردن
    العمل : طالب علم
    ولذلك قالوا إن من معاني التمني اختلاق الأشياء.. الشاعر الذي قال:أَلا لَيْتَ الشَّـبابَ يعـودُ يوماً فَأُخْبِرُهُ بما فَعَلَ المَشِـيبُهل الشباب يمكن أن يعود؟.. طبعاً مستحيل.. هذا شيء لن يحدث.. والشاعر الذي قال:لَيْـتَ الكـواكبَ تَـدْنُو لِي فَأَنْظمَـهَا عُقُـودَ مَـدْحٍ فَـما أَرْضَى لَـكُمْ كَـلِمِهل النجوم ستنزل من السماء وتأتي إلى هذا الشاعر.. ينظمها أبيات شعر إلى حبيبته.. إذن من معاني التمني الكذب والاختلاق. ولقد فسر بعض المستشرقين قول الله تبارك وتعالى: } وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلاَ نَبِيٍّ إِلاَّ إِذَا تَمَنَّىا { (أي قرأ): } أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ { (أي في قراءته).. وطبعا الشيطان لن يلقي في قراءة الرسول إلا كذبا وإفتراء وكفرا.. إقرأ قوله سبحانه:{ أَفَرَأَيْتُمُ اللاَّتَ وَالْعُزَّىا * وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الأُخْرَىا * أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الأُنْثَىا * تِلْكَ إِذاً قِسْمَةٌ ضِيزَىا }[النجم: 19-22]
    قال أعداء الإسلام مادام قد ذكر في القرآن أسماء الغرانيق.. وهي الأصنام التي كان يعبدها الكفار.. ومنها اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى.. إذن فشفاعة هذه الأصنام ترتجى في الآخرة.. وهذا كلام لا ينسجم مع منطق الدين كله يدعو لعبادة الله وحده.. وخرج المستشرقون من ذلك بأن الدين فعلا يدعو لعبادة الله وحده.. إذن فيكون الشيطان قد ألقى في أمنيته فيما يقوله رسول الله.. ثم أحكم الله سبحانه آياته فقال تعالى:{ إِنْ هِيَ إِلاَّ أَسْمَآءٌ سَمَّيْتُمُوهَآ أَنتُمْ وَآبَآؤُكُم مَّآ أَنزَلَ اللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ }[النجم: 23]
    هم يريدون بذلك أن يشككوا.. في أنه من الممكن أن يلقي الشيطان بعض أفكاره في قول رسول الله صلى الله عليه وسلم.. ولكن الله سبحانه ينسخ ما يلقي الشيطان ويحكم آياته.
    إن الله جل جلاله لم يترك وحيه لعبث الشيطان.. ولذلك سنبحث الآية بعيداً عن كل ما قيل.. نقول لو أنك تنبهت إلى قول الله تعالى: } وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلاَ نَبِيٍّ إِلاَّ إِذَا تَمَنَّىا { لو قلنا تمنى بمعنى قرأ، ثم أن الله ينسخ ما يلقي الشيطان ثم يحكم الله آياته.. إذن هو سبحانه لن يترك رسوله يخطئ.. وبذلك ضمنا أن كل ما ينتهي إليه الرسول صواب.. وأن كل ما وصلنا عن الرسول محكم.. فنطمئن إلى أنه ليس هناك شيء يمكن أن يلقيه الشيطان في تمني الرسول ويصلنا دون أن ينسخ.
    فإذا قلنا: إن الله ينسخ ما يلقي الشيطان فما الذي جعلكم تعرفون ما ألقاه الشيطان مادام رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يقل لكم إلا المحكم.. ثم من هو الرسول؟ بَشَرٌ أُوحِيَ إليه بمنهج من السماء وأمر بتبليغه.. ومن هو النبي؟.. بشر أوحي إليه بمنهج.

    ولم يؤمر بتبليغه.. ومادام لم يؤمر بتبليغه يكون خاصا بهذا النبي.. ويكون النبي قدوة سلوكية.. لأنه يطبق منهج الرسول الذي قبله فهو لم يأت بجديد.
    الآية الكريمة جاءت بكلمتي رسول أو نبي.. إذا كان معنى أمنية الشيطان مستقيما بالنسبة للرسول فهو غير مستقيم بالنسبة للنبي.. لأن النبي لا يقرأ شيئاً، ومادام النبي ذكر في الآية الكريمة فلابد أن يكون للتمني معنى آخر غير القراءة.. لأن النبي لم يأت بكلام يقرؤه على الناس.. فكأنه سيقرأ كلاما محكما ليس فيه أمنية الشيطان أي قراءته.
    إن التمني لا يأتي بمعنى قراءة الشيطان.. وأمنية الرسول والنبي أن ينجحا في مهمتهما.. فالرسول كمبلغ لمنهج الله، النبي كأسوة سلوكية.. المعنى هنا يختلف.. الرسول أمنيته أن يبلغ منهج الله.. والشيطان يحاول أن ينزع المنهج من قلوب الناس.. هذا هو المعنى.. والله سبحانه وتعالى حين يحكم آياته ينصر الإيمان ليسود منهج الله في الأرض وتنتظم حركة الناس.. هذا هو المعنى.
    وكلمة تمني في هذه الآية الكريمة بمعنى أن الرسول أو النبي يحب أن يسود منهجه الأرض.. والشيطان يلقي العراقيل والله يحكم آياته وينصر الحق. ويجب أن نفهم الآية على هذا المعنى.. وبهذا ينتفي تماما ما يدعيه المستشرقون من أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حينما كان يقرأ ما يوحى إليه يستطيع الشيطان أن يتدخل ويضع كلاما في الوحي.. مستحيل.
    وقوله تعالى: } وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لاَ يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلاَّ أَمَانِيَّ {.. معناها أنه يأتي قوم لا يعرفون شيئاً عن الكتاب إلا ظنا.. فيصدقهم هؤلاء الأميون دون علم.. وكان الله سبحانه يريد أن يلفتنا إلى أن كثيرا من المذاهب الدينية في الأرض ينشأ عن المبلغين لها.. فهناك أناس يأتمنون آخرين ليقولوا لهم ما إنتهت إليه الأحكام الدينية.. فيأتي الأمي أو غير المثقف يسأل عالما عن حكم من الأحكام الشرعية.. ثم يأخذ منه الحكم ويطبقه دون أن يناقشه.. لأن علمه قد إنتهى عند السؤال عن الفتوى.. والحق سبحانه وتعالى كما يقول:{ وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىا }[الأنعام: 164]
    أي لا يحمل أحد ذنب أحد يوم القيامة.. فيقول تعالى:{ لِيَحْمِلُواْ أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ }[النحل: 25]
    بعض الناس يظن أن الآيتين بينهما تعارض.. نقول لا.. ومن يرتكب إثما يحاسب عليه.. ومن يضل غيره بفتوى غير صحيحة يحل له بها ما حرم الله.. فإنه يحمل معاصيه ومعاصي من أضل.. فيكون له وزر لأنه ضل، ووزر لأنه أضل غيره.. بل وأكثر من ذلك.. فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:

    " من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه لا ينقص ذلك من أجورهم شيئاً، ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من تبعه لا ينقص ذلك من آثامهم شيئاً "
    ولابد أن نتنبه إلى خطورة الفتوى في الدين بغير علم.. الفتوى في الدنيا أقصى ما يمكن أن تؤدي إليه هو أن تجعلك تخسر صفقة.. لكن الفتوى في الدين ستدوم عمرا طويلا..
    الحق تبارك وتعالى يقول: } وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَظُنُّونَ {.. والظن كما قلنا هو نسبة راجحة ولكن غير مؤكدة.. وإذا كان التمني كما ورد في اللغة هو القراءة.. فهؤلاء الأمِّيون لا يعلمون الكتاب إلا قراءة لسان بلا فهم.. ولذلك قال الله سبحانه وتعالى عن اليهود:{ مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُواْ التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَاراً }[الجمعة: 5]
    وهكذا نرى أن هناك صنفا يحمل التوراة وهو لا يعرف عنها شيئا.. والله جل جلاله قال إن مثله كالحمار.. ولكن أقل من الحمار، لأن الحمار مهمته أن يحمل الأثقال.. ولكن الإنسان ليست مهمته أن يحمل ما يجهل.. ولكن لابد أن يقرأ الكتاب ويعلم المطلوب منه.
    فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ (79)

    هذه الآية الكريمة جاءت في القسم الثاني من اليهود وهو المقابل للأميين.. وهم إما أميون لا يعلمون الكتاب.. وإما يعلمون ولكنهم يغيرون فيه ويكتبونه بأيديهم ويقولون هذا من عند الله. ولذلك توعدهم الله تبارك وتعالى فقال: ويل لهم، وبدأ الآية بالوعيد بالجزاء مباشرة. نلاحظ أن كلمة ويل في اللغة تستعمل معها كلمتي ويح وويس.. وكلها تعني الهلاك والعذاب.. وتستعمل للتحسر على غفلة الإنسان عن العذاب.. واقرأ قوله تعالى:{ ياوَيْلَتَنَا مَالِ هَـاذَا الْكِتَابِ لاَ يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلاَ كَبِيرَةً إِلاَّ أَحْصَاهَا }[الكهف: 49]
    وقوله جل جلاله:{ ياوَيْلَنَا قَدْ كُنَّا فِي غَفْلَةٍ مِّنْ هَـاذَا }[الأنبياء: 97]
    هذه الويلات تعني الحسرة وقت رؤية العذاب.. وقيل إن الويل وَادٍ في جهنم يهوي الإنسان فيه أربعين خريفا والعياذ بالله.. والحق تبارك وتعالى ينذر الذين يكتبون الكتاب بأيديهم أن عذابهم يوم القيامة سيكون مضاعفا.. لأن كل من ارتكب إثما نتيجة لتزييفهم للكتاب سيكونون شركاء وسيحملون عذابهم معهم يوم القيامة، وسيكون عذابهم مضاعفا أضعافا كثيرة.
    يقول الحق سبحانه وتعالى: { فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ }.. ألم يكن يكفي أن يقول الحق فويل للذين يكتبون الكتاب ويكون المعنى مفهوما.. يكتبون الكتاب بماذا؟ بأيديهم.. نقول لا.. لأن الفعل قد يتم بالأمر وقد يتم بالفعل.. رئيس الدولة مثلا يتصل بأحد وزرائه ويقول له ألم أكتب إليك كتابا بكذا فلماذا لم تنفذه؟ هو لم يكتب هذا الكتاب بيده ولكنهم كتبوه بأمره، ورؤساء الدول نادرا ما يكتبون كتبا بأيديهم.
    إن الله سبحانه وتعالى يريد هنا أن يبين لنا مدى تعمد هؤلاء للإثم.. فهم لا يكتفون مثلا بأن يقولوا لغيرهم إكتبوا.. ولكن لاهتمامهم بتزييف كلام الله سبحانه وتزويره يقومون بذلك بأيديهم ليتأكدوا بأن الأمر قد تم كما يريدون تماما.. فليس المسألة نزوة عابرة.. ولكنها مع سبق الإصرار والترصد.. وهم يريدون بذلك أن يشتروا ثمنا قليلا، هو المال أو ما يسمى بالسلطة الزمنية.. يحكمون ويكون لهم نفوذ وسلطان.
    ولقد كان أهل الكتاب في الماضي إذا اختلفوا في شيء.. ذهبوا إلى الكهان والرهبان وغيرهم ليقضوا بينهم.. لماذا؟ لأن الناس حين يختلفون يريدون أن يستتروا وراء ما يحفظ كبرياءهم إن كانوا مخطئين.. يعني لا أنهزم أمامه ولا ينهزم أمامي.. وإنما يقولون ارتضينا حكم فلان.. فإذا كنا سنلجأ إلى تشريع السماء ليحكم بيننا.. لا يكون هناك غالب ومغلوب أو منهزم ومنتصر.. ذلك حين أخضع أنا وأنت لحكم الله يكون كل منا راضيا بنتيجة هذا الحكم.
    ولكن رجال الدين اليهودي والمسيحي أخذوا يصدرون فتاوى متناقضة.
    كلمتان خفيفتان على اللسان .. ثقيلتان في الميزان .. حبيبتان إلى الرحمن

    سبحان الله وبحمده .. سبحان الله العظيم

  7. #47
    Super Moderator
    رقم العضوية : 2
    تاريخ التسجيل : Jun 2016
    المشاركات: 3,273
    التقييم: 10
    الدولة : الأردن
    العمل : طالب علم
    كل منهم حسب مصلحته وهواه.. ولذلك تضاربت الأحكام في القضايا المتشابهة.. لأنه لم يعد الحكم بالعدل.. بل أصبح الحكم خاضعا لأهواء ومصالح وقضايا البشر.. وحين يكتبون الكتاب بأيديهم ويقولون هذا من عند الله.. إنما يريدون أن يخلعوا على المكتوب قداسة تجعل الإنسان يأخذه بلا مناقشة.. وبذلك يكونون هم المشرعين باسم الله، ويكتبون ما يريدون ويسجلونه كتابه، وحين أحس أهل الكتاب بتضارب حكم الدين بما أضافه الرهبان والأحبار، بدأوا يطلبون تحرير الحكم من سلطة الكنيسة.
    ولكن لماذا يكتب هؤلاء الناس الكتاب بأيديهم ويقولون هذا من عند الله؟!.. الحق سبحانه وتعالى يقول: } لِيَشْتَرُواْ بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً {.. وقد قلنا إن الإنسان لا يشتري الثمن.. ولكن يدفع الثمن ويشتري السلعة.. ولكنك هنا تدفع لتأخذ ثمنا.. تدفع من منهج الله وحكم الله فتغيره وتبدله لتأخذ ثمنا موقوتا.. والله سبحانه وتعالى يعطيك في الآخرة الكثير ولكنك تبيعه بالقليل.. وكل ثمن مهما بلغ تأخذه مقابل منهج الله يعتبر ثمنا قليلا.
    والحق سبحانه وتعالى: يقول } فَوَيْلٌ لَّهُمْ مِّمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ {.. الآية الكريمة بدأت بقوله تعالى: } فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ {.. ثم جاء قوله تعالى: } فَوَيْلٌ لَّهُمْ مِّمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَّهُمْ مِّمَّا يَكْسِبُونَ {.. فساعة الكتابة لها ويل وعذاب.. وساعة بيع الصفقة لها ويل وعذاب.. والذي يكسبونه هو ويل وعذاب.
    لقد انتشرت هذه المسألة في كتابة صكوك الغفران التي كانت تباع في الكنائس لمن يدفع أكثر. والحق سبحانه وتعالى يقول: } وَوَيْلٌ لَّهُمْ مِّمَّا يَكْسِبُونَ {.. وكلمة كسب تدل على عمل من أعمال جوارحك يجلب لك خيرا أو نفعا وهناك كسب وهناك اكتسب.. كسب تأتي بالشيء النافع، واكتسب تأتي بالشيء الضار.. ولكن في هذه الآية الكريمة الحق سبحانه وتعالى قال: } وَوَيْلٌ لَّهُمْ مِّمَّا يَكْسِبُونَ {.. وفي آية ثانية قال: } بَلَىا مَن كَسَبَ سَيِّئَةً {.
    فلماذا تم هذا الإستخدام؟ نقول إن هذا ليس كسبا طبيعيا، إنما هو افتعال في الكسب.. أي اكتساب.. ولابد أن نفهم إنه بالنسبة لجوارح الإنسان.. فإن هناك القول والفعل والعمل.. بعض الناس يعتقد إن هناك القول والعمل.. نقول لا.. هناك قول هو عمل اللسان.. وفعل هو عمل الجوارح الأخرى غير اللسان.. وعمل وهو أن يوافق القول الفعل.. لذلك فإن الله سبحانه وتعالى يقول:{ ياأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لِمَ تَقُولُونَ مَا لاَ تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتاً عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُواْ مَا لاَ تَفْعَلُونَ }[الصف: 2-3]
    إذن هناك قول وفعل وعمل.. والإنسان إذا استخدم جوارحه استخداما سليما بفعل ما هو صالح له.. فإذا انتقل إلى ما هو غير صالح إلى ما يغضب الله فإن جوارحه لا تفعل ولكنها تفتعل.
    تتصادم ملكاتها بعضها مع بعض والإنسان وهو يفتح الخزانة ليأخذ من ماله يكون مطمئنا لا يخاف شيئا.. والإنسان حين يفتح خزانة غيره يكون مضطربا وتصرفاته كلها افتعال.. والإنسان مع زوجته منسجم في هيئة طبيعية، بعكس ما يكون في وضع مخالف.. إنها حالة افتعال.. وكل من يكسب شيئا حراما افتعله.. ولذلك يقال عنه اكتسب.. إلا إذا تمرس وأصبح الحرام لا يهزه، أو ممن نقول عنهم معتادو الإجرام.. في هذه الحالة يفعل الشيء بلا افتعال لأنه اعتاد عليه.. هؤلاء الذين وصلوا إلى الحد الذي يكتبون فيه بأيديهم ويقولون من عند الله.. أصبح الإثم لا يهزهم، ولذلك توعدهم الله بالعذاب مرتين في آية واحدة.

    وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (80)
    هنا يكشف الله سبحانه وتعالى فكر هؤلاء الناس.. لقد زين لهم الشيطان الباطل فجعلهم يعتقدون أنهم كسبوا فعلا وأنهم أخذوا المال والجاه الدنيوي وفازوا به.. لأنهم لن يعذبوا في الآخرة إلا عذابا خفيفا قصيرا.. ولذلك يفضح الله تبارك وتعالى ما يقولونه بعضهم مع بعض.. ماذا قالوا؟: { وقَالُواْ لَن تَمَسَّنَا النَّارُ إِلاَّ أَيَّاماً مَّعْدُودَةً }.
    المس يعني اللمس الخفيف أو اقتراب شيء من شيء.. ولكن لا يحس أحدهما بالآخر إلا إحساسا خفيفا لا يكاد يذكر.. فإذا أتيت إلى إنسان ووضعت أَنَا مِلَكَ على يده يقال مسست.. ولكنك لم تستطع بهذا المس أن تحس بحرارة يده أو نعومة جلده.. ولكن اللمس يعطيك إحساسا بما تلمس: { وَقَالُواْ لَن تَمَسَّنَا النَّارُ إِلاَّ أَيَّاماً مَّعْدُودَةً } وهكذا أخذوا أقل الأقل في العذاب.. ثم أقل الأقل في الزمن فقالوا أياما معدودة.. الشيء إذا قيل عن معدود فهو قليل.. أما الشيء الذي لا يحصى فهو الكثير.. ولذلك حين يتحدث الله عن نعمه يقول سبحانه:{ وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ اللَّهِ لاَ تُحْصُوهَآ }[النحل: 18]
    فمجرد الإقبال على العد معناه أن الشيء يمكن إحصاؤه.. فإن لم يكن ممكنا لا يُقبل أحد على عده، ولا نرى من حاول عدَّ حبات الرمل أو ذرات الماء في البحار.. نِعَمُ الله سبحانه وتعالى ظاهرة وخفية لا يمكن أن تحصى، ولذلك لا يقبل لا يُقبل أحد على إحصائها.. وإذا سمعت كلمة " أياما معدودة " فأعلم أنها أيام قليلة.. ولذلك نرى في سورة يوسف قول الحق جل جلاله:{ وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ }[يوسف: 20]
    قولهم لن تمسنا النار إلا أياما معدودة.. دليل على غبائهم لأن مدة المس لا تكون إلا لحظة.. ولكنها أماني وضعها الشيطان في عقولهم ليأتي الرد من الله في قوله سبحانه: { قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِندَ اللَّهِ عَهْداً فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ } أي إذا كان ذلك وعداً من الله، فالله لا يخلف وعده. والله يأمر رسوله صلى الله عليه وسلم أن يقول لهم لستم أنتم الذين تحكمون وتقررون ماذا سيفعل الله سبحانه وتعالى بكم.. بل هو جل جلاله الذي يحكم.. فإن كان قد أعطاكم عهدا فالله لا يخلف وعده.
    وقوله تعالى: { أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ }.. هنا أدب النبوة والخلق العظيم لرسول الله صلى الله عليه وسلم.. فبدلا من أن يقول لهم أتفترون على الله أو أتكذبون على الله.. أو أتختلقون على الله ما لم يقله.. قال: { أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ } إن الذي يختلق الكلام يعلم أنه مختلق.
    إنه أول من يعلم كذب ما يقول، وقد يكون له حجة ويقنع من أمامه فيصدقه، ولكنه يظل يعلم إن ما قاله مختلق رغم أنهم صدقوه.. ولذلك فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " إنما أنا بشر وإنكم تختصمون إليّ فلعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض فأقضي له على نحو ما أسمع فمن قضيت له بحق مسلم فإنما هي قطعة من النار فليأخذها أو ليتركها "
    إذن مختلق الشيء يعرف إن هذا الشيء مختلق. وهؤلاء اليهود هم أول من يعلم إن قولهم.. } لَن تَمَسَّنَا النَّارُ إِلاَّ أَيَّاماً مَّعْدُودَةً { قول مختلق.. ولكن لمن يقولون على الله ما هو افتراء وكذب؟ يقولون للأميين الذين لا يعرفون الكتاب.

    بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (81)

    أراد الله سبحانه وتعالى أن يوضح كذبهم.. فجاء القرآن قائلا: " بلى " وهي حرف جواب مثل نعم تماما.. ولكن " بلى " حرف جواب في النفي.. يعني ينفي الذي قبله.. هم قالوا لن تمسنا النار إلا أياما معدودة ورسول الله سألهم هل اتخذوا عند الله عهدا أو يقولون على الله ما لا يعلمون، فجاء القرآن ليقول: { بَلَىا مَن كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيـئَتُهُ فَأُوْلَـئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ }.. بداية الجواب ببلى تنفي ما قالوا.. لأن بلى تأتي بعد النفي.. ونعم تأتي بعد الإجابة.. فإذا قال إنسان ليس لك عندي شيء وقلت نعم، فمعناها أنه صحيح أنك ليس لك عندي شيء.. أما إذا قلت بلى، فمعنى ذلك أن لك عندي شيئا أو أشياء.. ولذلك بعد قولهم { لَن تَمَسَّنَا النَّارُ إِلاَّ أَيَّاماً مَّعْدُودَةً }.. لو جاء بعدها نعم، لكان قولهم صحيحا، ولكن بلى نفت.. وجاء الكلام بعدها مؤكدا النفي:
    { مَن كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيـئَتُهُ فَأُوْلَـئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ } هم قالوا لن تمسنا النار.. قال لن تمسكم فقط بل أنتم فيها خالدون.. وقوله تعالى: { أَصْحَابُ النَّارِ }.. الصحبة تقتضي نوعا من الملازمة فيها تجاذب المتصاحبين.. ومعنى ذلك أنه سيكون هناك تجاذب بينهم وبين النار..
    هنا نلاحظ أن الحق سبحانه وتعالى قال: { بَلَىا مَن كَسَبَ سَيِّئَةً }.. وكان السياق يقتضي أن يقال اكتسب.. ولكن لأنهم ظنوا أنهم كسبوا.. كما بينا في الآية السابقة.. وقوله تعالى: { وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيـئَتُهُ }.. إحاطة بحيث لا يوجد منفذ للإفلات من الخطيئة لأنها محيطة به. وأنسب تفسير لقوله تعالى: { كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيـئَتُهُ }.. أن المراد الشرك.. لأن الشرك هو الذي يحيط بالإنسان ولا مغفرة فيه.. والله تعالى يقول:{ إِنَّ اللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآءُ }[النساء: 48]
    ولذلك فهؤلاء لم يكونوا عصاة فقط.. ولكنهم كانوا كافرين مشركين. والدليل قوله تعالى: { هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ }.. وأصحاب الصغائر أو الكبائر الذين يتوبون منها لا يخلدون في النار.. ولكن المشرك بالله والكافر به هم الخالدون في النار.. وكل من لم يؤمن بسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم كافر.. لأن الله سبحانه وتعالى قال:{ وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ }[آل عمران: 85]
    ولذلك قلت هناك فرق بين.. الإنسان الذي يرتكب معصية لأنه لا يقدر على نفسه فيندم ويتوب.. وبين إنسان يفرح بالمعصية.. ولذلك يقول الحق سبحانه وتعالى:{ إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٍ }[النساء: 17]
    وهناك من يندم على المعصية وهذا له توبة.. وهناك من يفرح بالمعصية وهذا يزداد معصية.
    كلمتان خفيفتان على اللسان .. ثقيلتان في الميزان .. حبيبتان إلى الرحمن

    سبحان الله وبحمده .. سبحان الله العظيم

  8. #48
    Super Moderator
    رقم العضوية : 2
    تاريخ التسجيل : Jun 2016
    المشاركات: 3,273
    التقييم: 10
    الدولة : الأردن
    العمل : طالب علم
    وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (82)
    عندما يذكر الله سبحانه وتعالى في القرآن الكريم.. العذاب والنار، يأتي بالمقابل وهو النعيم والجنة.. وذلك أن المقابلة ترينا الفرق.. وتعطي للمؤمن إحساسا بالسعادة.. لأنه زحزح عن عذاب الآخرة، وليس هذا فقط.. بل دخل الجنة ليقيم خالدا في النعيم.. ولذلك يقول سبحانه:{ فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ }[آل عمران: 185]
    إذن الفوز في الآخرة ليس على درجة واحدة ولكن على درجتين.. أولى درجات الفوز أن يزحزح الإنسان على النار ولو إلى الأعراف وهذا فوز عظيم.. يكفي إنك تمر على الصراط المضروب فوق النار وترى ما فيها من ألوان العذاب، ثم بعد ذلك تنجو من هذا الهول كله.. يكفي ذلك ليكون فوزا عظيما.. لأن الكافر في هذه اللحظة يتمنى لو كان ترابا حتى لا يدخل النار.. فمرور المؤمن فوق الصراط ورؤيته للنار نعمة لأنه يحس بما نجا منه.. فإذا تجاوز النار ودخل إلى الجنة لينعم فيها نعيما خالدا كان هذا فوزاً آخر.. ولذلك حرص الله تبارك وتعالى أن يعطينا المرحلتين. فلم يقل: من زحزح عن النار فاز.. ولم يقل من أدخل الجنة فاز.. بل قال { فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ }.. وجاءت هذه الآية الكريمة بعد آيات العذاب لتعطينا المقارنة.

    وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ (83)

    أخذ الله سبحانه وتعالى على بني إسرائيل ثمانية أشياء: الميثاق.. وهو العهد الموثق المربوط ربطا دقيقا وهو عهد الفطرة أو عهد الذر.. مصداقا لقوله تعالى:{ وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي ءَادَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَىا أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَىا }[الأعراف: 172]
    وهناك عهد آخر أخذه سبحانه وتعالى على رسله جميعا.. أن يبشروا برسالة رسول الله صلى الله عليه وسلم.. ويطلبوا من أتباعهم أن يؤمنوا به عند بعثه.. أو ألا يكتموا ما في كتبهم وإلا يغيروه.. والميثاق هو كل شيء فيه تكليف من الله.. ذلك أنك تدخل في عقد إيماني مع الله سبحانه وتعالى بأن تفعل ما يأمر به وتترك ما نهى عنه.. هذا هو الميثاق.. كلمة الميثاق وردت في القرآن الكريم بوصف غليظ.. في علاقة الرجل بالمرأة.. قال سبحانه وتعالى:{ وَإِنْ أَرَدْتُّمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَّكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَاراً فَلاَ تَأْخُذُواْ مِنْهُ شَيْئاً أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَاناً وَإِثْماً مُّبِيناً * وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَىا بَعْضُكُمْ إِلَىا بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنكُم مِّيثَاقاً غَلِيظاً }[النساء: 20-21]
    نقول نعم لأن هذا الميثاق سيحل للمرأة أشياء لا تكون إلا به.. أشياء لا تحل لأبيها أو لأخيها أو أي إنسان عدا زوجها.. والرجل إذا دخل على ابنته وكانت ساقها مكشوفة تسارع بتغطيته.. فإذا دخل عليها زوجها فلا شيء عليها.. إذن هو ميثاق غليظ لأنه دخل مناطق العورة وأباح العورة للزوج والزوجة.. ولذلك يقول الحق تبارك وتعالى:{ هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ }[البقرة: 187]
    إن كلا منهما يغطي ويخفي ويستر عورة الآخر.. والأب لا يفرح من انتقال ولاية ابنته إلى غيره.. إلا انتقال هذه الولاية لزوجها.. ويشعر بالقلق عندما تكبر الفتاة ولا تتزوج.
    الحق يقول: { وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لاَ تَعْبُدُونَ إِلاَّ اللَّهَ } هذا الميثاق شمل ثلاثة شروط: { لاَ تَعْبُدُونَ إِلاَّ اللَّهَ } أي تعبدون الله وحده.. وتؤمنون بالتوراة وبموسى نبيا.. لماذا؟ لأن عبادة الله وحده هي قمة الإيمان.. ولكن لا تحدد أنت منهج عبادته سبحانه.. بل الذي يحدد منهج العبادة هو المعبود وليس العابد.. لابد أن تتخذ المنهج المنزل من الله وهو التوراة وتؤمن به.. ثم بعد ذلك تؤمن بموسى نبيا.. لأنه هو الذي نزلت عليه التوراة.. وهو الذي سيبين لك طريق العبادة الصحيحة. وبدون هذه الشروط الثلاثة لا تستقيم عبادة بني إسرائيل..
    وقوله تعالى: { وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً } لأنهما السبب المباشر في وجودك.. ربياك وأنت صغير، ورعياك، وقوله تعالى: " إحسانا " معناه زيادة على المفروض.

    لأنك قد تؤدي الشيء بالقدر المفروض منك.. فالذي يؤدي الصلاة مثلا بقدر الغرض يكون قد أدى.. أما الذي يصلي النوافل ويقوم الليل يكون قد دخل في مجال الإحسان.. أي عطاؤه أكثر من المفروض.. والله تبارك وتعالى يقول:{ إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * آخِذِينَ مَآ آتَاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كَانُواْ قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ * كَانُواْ قَلِيلاً مِّن اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ * وَبِالأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ * وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لَّلسَّآئِلِ وَالْمَحْرُومِ }[الذاريات: 15-19]
    وهكذا نرى أن الإحسان زيادة على المفروض في الصلاة والتسبيح والصدقة والله تبارك وتعالى يريد منك أن تعطي لوالديك أكثر من المفروض أو من الواجب عليك..
    وقوله تعالى: } وَذِي الْقُرْبَىا {.. يحدد الله لنا فيها المرتبة الثانية بالنسبة للإحسان.. فالله جل جلاله أوصانا أن نحسن لوالدينا ونرعى أقاربنا.. ولو أن كل واحد منا قام بهذه العملية ما وجد محتاج أو فقير أو مسكين في المجتمع.. والله يريد مجتمعا لا فقر فيه ولا حقد.. وهذا لا يتأتى إلا بالتراحم والإحسان للوالدين والأقارب.. فيكون لكل محتاج في المجتمع من يكفله..
    ويقول الله سبحانه: " واليتامى ".. واليتيم هو من فقد أباه وهو طفل لم يبلغ مبلغ الرجال.. هذا في الإنسان.. أما في الحيوان فإن اليتيم من فقد أمه.. لأن الأمومة في الحيوان هي الملازمة للطفل، ولأن الأب غير معروف في الحيوان ولكن الأم معروفة.. اليتيم الذي فقد أباه فقد من يعوله ومن يسعى من أجله ومن يدافع عنه.. والله سبحانه وتعالى جعل الأم هي التي تربي وترعى.. والأب يكافح من أجل توفير احتياجات الأسرة.. ولكن الحال إنقلب الآن ولذلك يقول شوقي رحمه الله:لَيْسَ الْيَتِيمُ مَنِ انْتَهَى أَبَوَاهُ مِنْ هَمِّ الْحَيَاةِ وَخَلَّفََاهُ ذَلِيلاَإِنّ الْيَتِيمَ هُوَ الَّذِي تَلْقَى لَهُ أُمَّاَ تَخَلَّتْ أَوْ أَباًً مَشْغُولاَإن اليتيم يكون منكسرا لأنه فقد والده فأصبح لا نصير له.. فإذا رأينا في المجتمع الإسلامي أن كل يتيم يرعاه رعاية الأب كل رجال المجتمع.. فذلك يجعل الأب لا يخشى أن يترك إبنه بعد وفاته.. إذن فرعاية المجتمع لليتيم تضمن أولا حماية حقه، لأنه إذا كان يتيما وله مال فإن الناس كلهم يطمعون في ماله، لأنه لا يقدر أن يحميه.. هذه واحدة.. والثانية أن هذا التكافل يُذْهِب الحقد من المجتمع ويجعل كل إنسان مطمئنا على أولاده..
    وقوله سبحانه وتعالى: " والمساكين ".. في الماضي كنا نقول إن المساكين هم الذين لا يملكون شيئا على الإطلاق ليقيموا به حياتهم.. إلى أن نزلت الآية الكريمة في سورة الكهف:{ أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ }[الكهف: 79]
    فعرفنا أن المسكين قد يملك.
    ولكنه لا يملك ما يكفيه.. وهذا نوع من التكافل الإجتماعي لابد أن يكون موجودا في المجتمع.. حتى يتكافل المجتمع كله.. فأنت إن كنت فقيرا أو مسكينا ويأتيك من رجل غني ما يعينك على حياتك.. فإنك ستتمنى له الخير لأن هذا الخير يصيبك.. ولكن إذا كان هذا الغني لا يعطيك شيئا.. هو يزداد غنى وأنت تزداد فقرا.. تكون النتيجة أن حقده يزداد عليك..
    ويقول الحق سبحانه وتعالى: } وَقُولُواْ لِلنَّاسِ حُسْناً {.. كلمة حسنا بضم الحاء ترد بمعنى حسن بفتح الحاء.. والحسن هو ما حسنه الشرع.. ذلك أن العلماء اختلفوا: هل الحسن هو ما حسَّنه الشرع أو ما حسنه العقل؟ نقول: ما حسنه العقل مما لم يرد فيه نص من تحسين الشرع.. لأن العقل قد يختلف في الشيء الواحد.. هذا يعتبره حسنا وهذا يعتبره قبيحا.. والله تبارك وتعالى يقول:{ ادْعُ إِلَىا سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ }[النحل: 125]
    هذا هو معنى قوله تعالى: } وَقُولُواْ لِلنَّاسِ حُسْناً {.. ثم جاء قوله جل جلاله: } وَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ { وقد تكلمنا عن معنى إقامة الصلاة وما يجعلها مقبولة عند الله. وهناك فرق بين أن تقول صلوا.. وبين أن تقول أقيموا الصلاة.. أقيموا الصلاة معناها صلّ ولكن صلاة على مستواها الذي يطلب منك.. وإقامة الصلاة كما قلنا هي الركن الذي لا يسقط أبدا عن الإنسان..
    ويقول الحق: } وَآتُواْ الزَّكَاةَ {.. بالنسبة للزكاة عندما يقول الله سبحانه: } وَذِي الْقُرْبَىا وَالْيَتَامَىا وَالْمَسَاكِينِ {.. نقول أن الأقارب واليتامى والمساكين لهم حق في الزكاة ماداموا فقراء.. لنحس جميعا أننا نعيش في بيئة إيمانية متكاملة متكافلة.. يحاول كل منا أن يعاون الآخر.. فالزكاة في الأساس تعطي للفقير ولو لم يكن يتيما أو قريبا.. فإن لكل فقير حقوقا ورعاية.. فإذا كان هناك فقراء أقارب أو يتامى يصبح لهم حقان.. حق القريب وحق الفقير..
    وإن كان يتيما فله حق اليتيم وحق الفقير.. بعد أن ذكر الحق سبحانه وتعالى عناصر الميثاق الثمانية.. قال: } ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ {.. تولى يعني أعرض أو لم يُطعْ أو لم يستمع.. يقول الحق سبحانه: } ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلاَّ قَلِيلاً مِّنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُّعْرِضُونَ {.. هذا هو واقع تاريخ بني إسرائيل.. لأن بعضهم تولى ولم يطع الميثاق وبعضهم أطاع..
    إن القرآن لم يشن حملة على اليهود، وإنما شن حملة على المخالفين منهم. ولذلك احترم الواقع وقال: } إِلاَّ قَلِيلاً {.. وهذا يقال عنه بالنسبة للبشر قانون صيانة الاحتمال..
    إن الحق جل جلاله يتكلم بإنصاف الخالق للمخلوق.. لذلك لم يقل } ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ { بل قال إلا قليلا.

    " توليتم " يعني أعرضتم، ولكن الله تبارك وتعالى يقول: } ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلاَّ قَلِيلاً مِّنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُّعْرِضُونَ { نريد أن نأخذ الدقة الأدائية.. إذا أردنا أن نفسر توليّ.. فمعناها أعرض أو رفض الأمر.. ولكن الدقة لو نظرنا للقرآن لوجدنا أنه حين يلتقي المؤمن بالكافر في معركة.. فالله سبحانه وتعالى يقول:{ وَمَن يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلاَّ مُتَحَرِّفاً لِّقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلَىا فِئَةٍ فَقَدْ بَآءَ بِغَضَبٍ مِّنَ اللَّهِ }[الأنفال: 16]
    إذن فالتولي هو الإعراض.. والحق سبحانه وتعالى في هذه الآية الكريمة بين لنا أن الإعراض يتم بنوايا مختلفة.. المقاتل يوم الزحف يعرض أو يتولى ليس بنية الهرب من المعركة.. ولكن بنية أن يذهب ليقاتل في مكان آخر أو يعاون إخوانه الذين تكاثر عليهم الأعداء.. هذا إعراض ولكن ليس بنية الهرب من المعركة.. ولكن بنية القتال بشكل أنسب للنصر..
    نفرض أن إنسانا مدين لك رأيته وهو قادم في الطريق فتوليت عنه.. أنت لم تعرض عنه كرها.. ولكن رحمة لأنك لا تريد المساس بكرامته.. إذن هناك تولٍّ أو إعراض ليس بنية الإعراض. والله سبحانه وتعالى يريد أن يلفتنا إلى أن هؤلاء اليهود تولوا بنية الإعراض، ولم يتولوا بأي نية أخرى.. أي أنهم أعرضوا وهم متعمدون أن يعرضوا.. وليس لهدف آخر.
    كلمتان خفيفتان على اللسان .. ثقيلتان في الميزان .. حبيبتان إلى الرحمن

    سبحان الله وبحمده .. سبحان الله العظيم

  9. #49
    Super Moderator
    رقم العضوية : 2
    تاريخ التسجيل : Jun 2016
    المشاركات: 3,273
    التقييم: 10
    الدولة : الأردن
    العمل : طالب علم
    وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَلَا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ (84)
    قلنا ساعة تسمع " إذ " فأعلم أن معناها أذكر.. وقلنا إن الميثاق هو العهد الموثق.. وقوله تعالى: { لاَ تَسْفِكُونَ دِمَآءَكُمْ }.. والله تبارك وتعالى ذكر قبل ذلك في الميثاق عبادة الله وحده.. وبالوالدين إحسانا وذي القربى واليتامى والمساكين.. وقولوا للناس حسنا وأقيموا الصلاة إلى آخر ما جاء في الآية الكريمة.. وكلها أوامر أي وكلها افعل.. إستكمالا للميثاق.. يقول الله في هذه الآية الكريمة ما لا تفعل.. فالعبادة كما قلنا هي إطاعة الأوامر والامتناع عن النواهي.. أو ما نهى عنه الميثاق:
    { لاَ تَسْفِكُونَ دِمَآءَكُمْ } ومعناها لا يسفك كل واحد منكم دم أخيه.. لا يسفك بعضكم دم بعض. ولكن لماذا قال الله: " دماءكم "؟ لأنه بعد ذلك يقول: { وَلاَ تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِّن دِيَارِكُمْ }.. الحكم الإيماني يخاطب الجماعة الإيمانية على أنها وحدة واحدة.. لذلك يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم:
    " مثل المؤمنين في توادهم وتعاطفهم وتراحمهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الأعضاء بالسهر والحمى "
    فكأن المجتمع الإيماني وحدة واحدة.. والله سبحانه وتعالى يقول:{ فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتاً فَسَلِّمُواْ عَلَىا أَنفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِّنْ عِندِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً }[النور: 61]
    ولكن إذا كنت أنا الداخل فكيف أسلم على نفسي؟ كأن الله يخاطب المؤمنين على أساس أنهم وحدة واحدة.. وعلى هذا الأساس يقول سبحانه: { لاَ تَسْفِكُونَ دِمَآءَكُمْ }.. أي لا تقتلوا أنفسكم.. السفك معناه حب الدم.. " ودماءكم " هو السائل الموجود في الجسم اللازم للحياة.. وقوله تعالى: { وَلاَ تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِّن دِيَارِكُمْ } يعني لا يخرج بعضكم بعضا من ديارهم.. ثم ربط المؤمنين من بني إسرائيل بقوله تعالى: { ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ }.. أقررتم أي اعترفتم: { وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ } الشهادة هي الإخبار بمشاهد.. والقاضي يسأل الشهود لأنهم رأوا الحادث فيروون ما شاهدوا.. وأنت حين تروي ما شاهدت.. فكأن الذين سمعوا أصبح ما وقع مشهودا وواقعا لديهم.. وشاهد الزور يغير المواقع.
    الحق سبحانه وتعالى يخاطب اليهود المعاصرين لرسول الله صلى الله عليه وسلم.. ويذكرهم بما كان من آبائهم الأولين.. وموقفهم من أخذ الميثاق حين رفع فوقهم جبل الطور وهي مسألة معروفة.. والقرآن يريد أن يقول لهم إنكم غيرتم وبدلتم فيما تعرفون.. فالذي جاء على هواكم طبقتموه.. والذي لم يأت على هواكم لم تطبقوه.

    ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسَارَى تُفَادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (85)

    يخاطب الحق جل جلاله اليهود ليفضحهم لأنهم طبقوا من التوراة ما كان على هواهم.. ولم يطبقوا ما لم يعجبهم ويقول لهم: { أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ }. إنه يذكرهم بأنهم وافقوا على الميثاق وأقروه.
    ولقد نزلت هذه الآية عندما زنت امرأة يهودية وأرادوا ألا يقيموا عليها الحد بالرجم.. فقالوا نذهب إلى محمد ظانين أنه سيعفيهم من الحد الموجود في كتابهم.. أو أنه لا يعلم ما في كتابهم.. فلما ذهبوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لهم هذا الحكم موجود عندكم في التوراة.. قالوا عندنا في التوراة أن نلطخ وجه الزاني والزانية بالقذارة ونطوف به على الناس.. قال لهم رسول الله لا.. عندكم آية الرجم موجودة في التوراة فانصرفوا.. فكأنهم حين يحسبون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سيخفف حدا من حدود الله.. يذهبون إليه ليستفتوه.
    والحق سبحانه وتعالى يقول: { ثُمَّ أَنْتُمْ هَـاؤُلاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ }.. أي بعد أن أخذ عليكم الميثاق ألا تفعلوا.. تقتلون أنفسكم.. يقتل بعضكم بعضا، أو أن من قتل سيقتل. فكأنه هو الذي قتل نفسه.. والحق سبحانه قال: { ثُمَّ أَنْتُمْ هَـاؤُلاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ }.. لماذا جاء بكلمة هؤلاء هذه؟ لإنها إشارة للتنبيه لكي نلتف إلى الحكم.
    وقوله تعالى: { وَتُخْرِجُونَ فَرِيقاً مِّنْكُمْ مِّن دِيَارِهِمْ } وحذرهم بقوله: { وَلاَ تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِّن دِيَارِكُمْ }.. وجاء هذا في الميثاق. ما هو الحكم الذي يريد الحق تبارك وتعالى أن يلفتنا إليه؟ نقول إن رسول الله صلى الله عليه وسلم حينما هاجر إلى المدينة إنتقل من دار شرك إلى دار إيمان.. ومعنى دار إيمان أن هناك مؤمنين سبقوا.. فهناك من آمن من أهل المدينة.. لقد هاجر المسلمون قبل ذلك إلى الحبشة ولكنها كانت هجرة إلى دار أمن وليست دار إيمان.. ولكن حين حدثت بيعة العقبة وجاء جماعة من المدينة وعاهدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وآمنوا به.. أرسل معهم الرسول مصعب بن عمير ليعلمهم دينهم.. وجاءت هجرة الرسول عليه الصلاة والسلام على خميرة إيمانية موجودة.. لما جاء الرسول صلى الله عليه وسلم إلى المدينة أفسد على اليهود خطة حياتهم.. فاليهود كانوا ممثلين في بني قينقاع وبني النضير وبني قريظة.. وكان هناك في المدينة الأوس والخزرج.. وبينهما حروب دائمة قبل أن يأتي الإسلام.. فاليهود قسموا أنفسهم إلى قوم مع الأوس وقوم مع الخزرج حتى يضمنوا استمرار العداوة.. فكلما هدأ القتال أهاجوا أحد المعسكرين على الآخر ليعود القتال من جديد.
    وهم كذلك حتى الآن وهذه طبيعتهم.
    إن الذي صنع الشيوعية يهودي، والذي صنع الرأسمالية يهودي.. والذي يحرك العداوة بين المعسكرين يهودي.. وكان بنو النضير وبنو قينقاع مع الخزرج وبنو قريظة مع الأوس.. فإذا إشتبك الأوس والخزرج كان مع كل منهم حلفاؤه من اليهود. عندما تنتهي المعركة ماذا كان يحدث؟ إن المأسورين من بني النضير وبني قينقاع يقوم بنو قريظة بالمساعدة في فك أسرهم.. مع أنهم هم المتسببون في هذا الأسر.. فإذا إنتصرت الأوس وأخذوا أسرى من الخرج ومن حلفائهم اليهود.. يأتي اليهود ويعملون على إطلاق سراح الأسرى اليهود.. لأن عندهم نصاً أنه إذا وجد أسير من بني إسرائيل فلابد من فك أسره.
    والحق سبحانه وتعالى يقول لهم إن أعمالكم في أن يحارب بعضكم بعضا وأن تسفكوا دماءكم.. لا تتفق مع الميثاق الذي أخذه الله عليكم بل هي مصالح دنيوية.. تقتلون أنفسكم والله نهاكم عن هذا: } وَتُخْرِجُونَ فَرِيقاً مِّنْكُمْ مِّن دِيَارِهِمْ { والله نهاكم عن هذا: } تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَإِن يَأتُوكُمْ أُسَارَىا تُفَادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ {.. وهذا ما كان يحدث في المدينة في الحروب بين الأوس والخزرج كما بينا.. والأسارى جمع أسير وهي على غير قياسها، لأن القياس فيها أسرى.. ولذلك نرى في آية أخرى أنه يأتي قول الله سبحانه وتعالى:{ مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَكُونَ لَهُ أَسْرَىا حَتَّىا يُثْخِنَ فِي الأَرْضِ }[الأنفال: 67]
    ولكن القرآن أتى بها أسارى.. واللغة أحيانا تأتي على غير ما يقتضيه قياسها لتلفتك إلى معنى من المعاني.. فكسلان تجمع كسالى. والكسلان هو هابط الحركة.. الأسير أيضا أنت قيدت حركته.. فكأن جمع أسير على أسارى إشارة إلى تقييد الحركة.. القرآن الكريم جاء بأسارى وأسرى.. ولكنه حين استخدم أسارى أراد أن يلفتنا إلى تقييد الحركة مثل كسالى.. ومعنى وجود الأسرى أن حربا وقعت.. لحرب تقتضي الالتقاء والالتحام.. ويكون كل واحد منهم يريد أن يقتل عدوه.
    كلمة الأسر هذه أخذت من أجل تهدئة سعار اللقاء.. فكأن الله أراد أن يحمي القوم من شراسة نفوسهم وقت الحرب فقال لهم إستأسروهم.. لا تقتلوهم إلا إذا كنتم مضطرين للقتل.. ولكن خذوهم أسرى وفي هذا مصلحة لكم لأنكم ستأخذون منهم الفدية.. وهذا تشريع من ضمن تشريعات الرحمة.. لأنه لو لم يكن الأسر مباحا.. لكان لابد إذا إلتقى مقاتلان أن يقتل أحدهما الآخر.. لذلك يقال خذه أسيرا إلا إذا كان وجوده خطراً على حياتك.
    وقول الحق تبارك وتعالى: } وَإِن يَأتُوكُمْ أُسَارَىا تُفَادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ {.. كانت كل طائفة من اليهود مع حليفتها من الأوس أو الخزرج.
    وكانت تخرج المغلوب من دياره وتأخذ الديار.. وبعد أن تنتهي الحرب يفادوهم.. أي يأخذون منهم الفدية ليعيدوا إليهم ديارهم وأولادهم.
    لماذا يقسم اليهود أنفسهم هذه القسمة.. إنها ليست تقسيمة إيمانية ولكنها تقسيمة مصلحة دنيوية.. لماذا؟ لأنه ليس من المعقول وأنتم أهل كتاب.. ثم تقسمون أنفسكم قسما مع الأوس وقسما مع الخزرج.. ويكون بينكم إثم وعدوان.
    وقوله تعالى: } تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ {.. تظاهرون عليهم. أي تعاونون عليهم وأنتم أهل دين واحد: " بالإثم ".. والإثم هو الشيء الخبيث الذي يستحي منه الناس: " والعدوان ".. أي التعدي بشراسة.. وقوله تعالى: } أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ {.. أي تأخذون القضية على أساس المصلحة الدنيوية.. وتقسمون أنفسكم مع الأوس أو الخزرج.. تفعلون ذلك وأنتم مؤمنون بإله ورسول وكتاب.. مستحيل أن يكون دينكم أو نبيكم قد أمركم بهذا.
    ثم يقول الحق سبحانه وتعالى: } فَمَا جَزَآءُ مَن يَفْعَلُ ذالِكَ مِنكُمْ إِلاَّ خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا { أي إنكم فعلتم ذلك وخالفتم لتصلوا إلى مجد دنيوي ولكنكم لم تصلوا إليه.. سيصيبكم الله بخزي في الدنيا.. أي أن الجزاء لن يتأخر إلى الآخرة بل سيأتيكم خزي وهو الهوان والذل في الدنيا.. وماذا في الآخرة؟ يقول الله تعالى: } وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَىا أَشَدِّ الّعَذَابِ { الخزي في الدنيا أصابهم على يد رسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين.. وأخرج بنو قينقاع من ديارهم في المدينة.. كذلك ذبح بنو قريظة بعد أن خانوا العهد وخانوا رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمين.. وهكذا لا يؤخر الله سبحانه وتعالى جزاء بعض الذنوب إلى الآخرة.. وجزاء الظلم في الدنيا لا يؤجل إلى الآخرة، لأن المظلوم لابد أن يرى مصرع ظالميه حتى يعتدل نظام الكون.. ويعرف الناس أن الله موجود وأنه سبحانه لكل ظالم بالمرصاد.. اليهود أتاهم خزي الدنيا سريعا: } يَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَىا أَشَدِّ الّعَذَابِ {.
    قد يتساءل الناس ألا يكفيهم الخزي في الدنيا عن عذاب الآخرة؟ نقول لا.. لأن الخزي لم ينلهم في الدنيا حدا.. ولم يكن نتيجة إقامة حدود الله عليهم.. فالخزي حين ينال الإنسان كحد من حدود من حدود الله يعفيه من عذاب الآخرة.. فالذي سرق وقطعت يده والذي زنا ورجم.. هؤلاء نالهم عذاب من حدود الله فلا يحاسبون في الآخرة.. أما الظالمون فالأمر يختلف.. لذلك فإننا نجد إناسا من الذين ارتكبوا إثما في الدنيا يلحون على إقامة الحد عليهم لينجوا من عذاب الآخرة.. مع أنه لم يرهم أحد أو يعلم بهم أحد أو يشهد عليهم أحد.. حتى لا يأتي واحد ليقول: لماذا لا يعفي الظالمون الذي أصابهم خزي في الدنيا من عذاب الآخرة؟ نقول إنهم في خزي الدنيا لم يحاسبوا عن جرائمهم.
    أصابهم ضر وعذاب.. ولكن أشد العذاب ينتظرهم في الآخرة.. وما أهون عذاب الدنيا هو بقدرة البشر بالنسبة لعذاب الآخرة الذي هو بقدرة الله سبحانه وتعالى، كما أن هذه الدنيا تنتهي فيها حياة الإنسان بالموت، أما الآخرة فلا موت فيها بل خلود في العذاب.
    ثم يقول الحق جل جلاله: } وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ {.. أي لا تحسب أن الله سبحانه وتعالى يغفل عن شيء في كونه فهو لا تأخذه سنة نوم.. وهو بكل شيء محيط.
    كلمتان خفيفتان على اللسان .. ثقيلتان في الميزان .. حبيبتان إلى الرحمن

    سبحان الله وبحمده .. سبحان الله العظيم

  10. #50
    Super Moderator
    رقم العضوية : 2
    تاريخ التسجيل : Jun 2016
    المشاركات: 3,273
    التقييم: 10
    الدولة : الأردن
    العمل : طالب علم
    أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ فَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ (86)
    ويذكر لنا الله سبحانه وتعالى سبب خيبة هؤلاء وضلالهم لأنهم اشتروا الحياة الدنيا بالآخرة.. جعلوا الآخرة ثمنا لنزواتهم ونفوذهم في الدنيا.. هم نظروا إلى الدنيا فقط.. ونظرة الإنسان إلى الدنيا ومقارنتها بالآخرة تجعلك تطلب في كل ما تفعله ثواب الآخرة.. فالدنيا عمرك فيها محدود.. ولا تقل عمر الدنيا مليون أو مليونان أو ثلاثة ملايين سنة.. عمر الدنيا بالنسبة لك هو مدة بقائك فيها.. فإذا خرجت من الدنيا انتهت بالنسبة لك.. والخروج من الدنيا بالموت.. والموت لا أسباب له ولذلك فإن الإسلام لا يجعل الدنيا هدفا لأن عمرنا فيها مظنون.. هناك من يموت في بطن أمه.. ومن يعيش ساعة أو ساعات، ومن يعيش إلى أرذل العمر.. إذن فاتجه إلى الآخرة، ففيها النعيم الدائم والحياة بلا موت المتعة على قدرات الله.. ولكن خيبة هؤلاء أنهم إشتروا الدنيا بالآخرة.. ولذلك يقول الحق عنهم: { فَلاَ يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ }.. لا يخفف عنهم العذاب أي يجب ألا يأمنوا أن العذاب في الآخرة سيخفف عنهم.. أو ستقل درجته أو تنقص مدته.. أو سيأتي يوما ولا يأتي يوما وقوله: { وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ }.. النصرة تأتي على معنيين.. تأتي بمعنى أنه لا يغلب.. وتأتي بمعنى أن هناك قوة تنتصر له أي تنصره.. كونه يغلب.. الله سبحانه وتعالى غالب على أمره فلا أحد يملك لنفسه نفعا ولا ضرا.. ولكن الله يملك النفع والضر لكل خلقه.. ويملك تبارك وتعالى أن يقهر خلقه على ما يشاء.. ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:{ قُل لاَّ أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلاَ ضَرّاً إِلاَّ مَا شَآءَ اللَّهُ }[الأعراف: 188]
    أما مسألة أن ينصره أحد.. فمن الذي يستطيع أن ينصر أحدا من الله.. واقرأ قوله سبحانه وتعالى عن نوح عليه السلام:{ وَياقَوْمِ مَن يَنصُرُنِي مِنَ اللَّهِ }[هود: 30]
    يقول الحق سبحانه وتعالى: { فَلاَ يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ }.. أمر لم يقع بعد بل سيقع مستقبلا.. يتحدث الله سبحانه وتعالى عنه بلهجة المضارع.. نقول إن كل أحداث الكون وما سيقع منها هو عند الله تم وانتهى وقضى فيه.. لذلك نجد في القرآن الكريم قوله سبحانه:{ أَتَىا أَمْرُ اللَّهِ فَلاَ تَسْتَعْجِلُوهُ }[النحل: 1]
    أتى فعل ماضي.. ولا تستعجلوه مستقبل.. كيف يقول الله سبحانه وتعالى أتى ثم يقول لا تستعجلوه؟ إنه مستقبل بالنسبة لنا.. أما بالنسبة لله تبارك وتعالى فمادام قد قال أتى.. فمعنى ذلك أنه حدث.. فلا أحد يملك أن يمنع أمرا من أمور الله من الحدوث.. فالعذاب آت لهم آت.. ولا يخفف عنهم لأن أحدا لا يملك تخفيفه.
    وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَقَفَّيْنَا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ (87)

    وبعد أن بيّن الحق سبحانه وتعالى لنا ما فعله اليهود مع نبيهم موسى عليه السلام.. أراد أن يبين لنا ما فعله بنو إسرائيل بعد نبيهم موسى.. وأراد أن يبين لنا موقفهم من رسول جاءهم منهم.. ولقد جاء لبني إسرائيل رسل كثيرون لأن مخالفاتهم للمنهج كانت كثيرة.. ولكن الآيةَ الكريمة ذكرت عيسى عليه السلام.. لأن الديانتين الكبيرتين اللتين سبقتا الإسلام هما اليهودية والنصرانية.. ولكن لابد أن نعرف أنه قبل مجيء عيسى.. وبين رسالة موسى ورسالة عيسى عليهما السلام رسل كثيرون.. منهم داود وسليمان وزكريا ويحيى وغيرهم.. فكأنه في كل فترة كان بنو إسرائيل يبتعدون عن الدين.. ويرتكبون المخالفات وتنتشر بينهم المعصية.. فيرسل اللهُ رسولا يعدل ميزانَ حركة حياتهم.. ومع ذلك يعودون مرة أخرى إلى معصيتهم وفسقهم.. فيبعث اللهُ رسولا جديداً.. ليزيل الباطل وهوى النفس من المجتمع ويطبق شرع الله.. ولكنهم بعده يعودون مرة أخرى إلى المعصية والكفر.
    وقال اللهُ سبحانه وتعالى: { وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَىا الْكِتَابَ } والقائلُ هو اللهُ جل جلاله.. والكتابُ هو التوراةُ: { وَقَفَّيْنَا مِن بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ }.. واللهُ تبارك وتعالى بين لنا موقفَ بني إسرائيل من موسى.. وموقِفَهُم من رسولِ الله صلى اللهُ عليه وسلم خاتمِ الأنبياءِ والمرسلين.. ولكنه لم يبين لنا موقفَهُم من الرسلِ الذين جاءوا بعد موسى حتى عيسى ابن مريم.
    الحقُ سبحانه وتعالى يريد أن يلفتنا.. إلى أنه لم يترك الأمر لبني إسرائيل بعد موسى.. أن يعملوا بالكتاب الذي أرسل معه فقط.. ولكنه أتبع ذلك بالرسل.. حين تسمع " قفينا ".. أي اتبعنا بعضهم بعضا.. كل يخلف الذي سبقه. " وقفينا " مشتقة من قفا.. وقفا الشيء خلفه.. وتقول قفوت فلاناً أي سرت خلفه قريباً منه.
    إن الحق يريد أن يلفتنا إلى أن رسالةَ موسى لم تقف عند موسى وكتابه.. ولكنه سبحانه أرسل رسلاً وأنبياءَ ليذكروا وينبهوا.. ولقد قلنا إن كثرةَ الأنبياءِ لبني إسرائيلَ ليست شهادة لهم ولكنها شهادة عليهم.. إنهم يتفاخرون أنهم أكثرُ الأممِ أنبياءً.. ويعتبرون ذلك ميزة لهم ولكنهم لم يفهموا.. فكثرة الأنبياء والرسل دلالةَ على كثرة فساد الأمة، لأن الرسل إنما يجيئون لتخليص البشريةِ من فساد وأمراض وإنقاذها من الشقاء.. وكلما كثُرَ الرسلُ والأنبياءُ دل ذلك على أن القومَ قد انحرفوا بمجرد ذهابِ الرسولِ عنهم، ولذلك كان لابد من رسول جديد.. تماما كما يكون المريض في حالةٍ خطرةٍ فيكثر أطباؤه بلا فائدةٍ.. وليقطع اللهُ سبحانه وتعالى عليهم الحجةَ يومَ القيامةِ.
    لم يترك لهم فترةً من غفلةٍ.. بل كانت الرسلُ تأتيهم واحدا بعد الآخر على فتراتٍ قريبةٍ.
    وإذا نظرنا إلى يوشع وأشمويه وشمعون. وداود وسليمان وشعيب وأرميا. وحزقيل وإلياس واليسع ويونس وزكريا ويحيى.. نرى موكبا طويلاً جاء بعد موسى.. حتى إنه لم تمر فترةٌ ليس فيها نبي أو رسول.. وحتى نفرقَ بين النبيِ والرسولِ.. نقول النبيُ مرسلٌ والرسولُ مرسلٌ.. كلاهما مرسلٌ من اللهِ ولكن النبيَ لا يأتي بتشريعٍ جديدٍ.. وإنما هو مرسلٌ على منهجِ الرسولِ الذي سَبَقَهُ.. واقرأ قولَهُ سبحانه:{ وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلاَ نَبِيٍّ }[الحج: 52]
    إذن فالنبي مرسل أيضاً.. ولكنه أسوةٌ سلوكيةٌ لتطبيقِ منهجِ الرسولِ الذي سبقه.
    وهل اللهُ سبحانه وتعالى قص علينا قصص كل الرسل والأنبياء الذين أرسلهم؟ اقرأ قوله تبارك وتعالى:{ وَرُسُلاً قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِن قَبْلُ وَرُسُلاً لَّمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَىا تَكْلِيماً }[النساء: 164]
    إذن هناك رسلٌ وأنبياء أرسلوا إلى بني إسرائيل لم نعرفهم.. لأن الله لم يقصص علينا نبأهم.. ولكن الآية الكريمة التي نحن بصددها لم تذكر إلا عيسى عليه السلام.. باعتباره من أكثر الرسل أتباعا.. والله تبارك وتعالى حينما أرسل عيسى أيده بالآيات والبينات التي تثبت صدقَ بلاغه عن اللهِ.. ولذلك قال جل جلاله: } وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ {.. وعيسى ابنُ مريمَ عليه السلام جاء ليرد على المادية التي سيطرت على بني إسرائيل.. وجعلتهم لا يعترفون إلا بالشيء المادي المحسوس.. فعقولهم وقلوبهم أغلقت من ناحية الغيب.. حتى إنهم قالوا لموسى: } أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً {.. وحين جاءهم المن والسلوى رزقاً من الله.. خافوا أن ينقطع عنهم لأنه رزقٌ غيبيّ فطلبوا نبات الأرض.. لذلك كان لابد أن يأتي رسول كل حياته ومنهجه أمور غيبية.. مولده أمر غيبي، وموته أمر غيبي ورفعه أمر غيبي ومعجزاته أمور غيبية حتى ينقلهم من طغيان المادية إلى صفاء الروحانية.
    لقد كان أول أمره أن يأتي عن غير طريق التكاثر الماديّ.. أي الذي يتم بين الناس عن طريق رجل وأنثى وحيوان منويّ.. واللهُ سبحانه وتعالى أراد أن يخلع من أذهان بني إسرائيل أن الأسباب المادية تحكمه.. وإنما هو الذي يحكم السبب. هو الذي يخلق الأسباب ومتى قال: " كن " كان.. بصرف النظر عن المادية المألوفة في الكون.. وفي قضية الخلق أراد الله جل جلاله للعقول أن تفهم أن مشيته هي السبب وهي الفاعلة.. واقرأ قوله سبحانه:{ لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ يَهَبُ لِمَن يَشَآءُ إِنَاثاً وَيَهَبُ لِمَن يَشَآءُ الذُّكُورَ * أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَاناً وَإِنَاثاً وَيَجْعَلُ مَن يَشَآءُ عَقِيماً إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ }
    فكأن الله سبحانه وتعالى جعل الذكورة والأنوثة هما السبب في الإنجاب.. ولكنه جعل طلاقة القدرة مهيمنةً على الأسباب.. فيأتي رجل وامرأة ويتزوجان ولكنهما لا ينجبان.. فكأن الأسباب نفسها عاجزة عن أن تفعل شيئا إلا بإرادة المسبب.
    والله سبحانه وتعالى يقول: } وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ {.. لماذا قال الحق تبارك وتعالى: } وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ {.. ألم يكن باقي الرسل والأنبياء مؤيدين بروح القدس؟
    كلمتان خفيفتان على اللسان .. ثقيلتان في الميزان .. حبيبتان إلى الرحمن

    سبحان الله وبحمده .. سبحان الله العظيم

صفحة 5 من 18 الأولىالأولى ... 3456715 ... الأخيرةالأخيرة

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

المفضلات

المفضلات

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •  

RSS RSS 2.0 XML MAP html  PHP  info tags Maps maptags vbmaps

الساعة معتمدة بتوقيت جرينتش +3 . الساعة الآن : 18:35.
الموقع غير مسؤول عن أي اتفاق تجاري أو تعاوني بين الأعضاء
فعلى كل شخص تحمل مسئولية نفسه إتجاه مايقوم به من بيع وشراء وإتفاق وأعطاء معلومات موقعه
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي موقع الأشاعرة و لا نتحمل أي مسؤولية قانونية حيال ذلك (ويتحمل كاتبها مسؤولية النشر)
الساعة الآن 12:27 PM
Powered by vBulletin® Version 4.2.3
Copyright © 2018 vBulletin Solutions, Inc. Translate By soft