المشهور و الغريب والعزيز من الحديث

معرفة المشهور من الحديث
ومعنى الشهرة مفهوم، وهو منقسم إلى‏:‏ صحيح، كقوله ‏:‏ ‏«إنما الأعمال بالنيات‏»‏‏.‏ وأمثاله‏.‏
وإلى غير صحيح‏:‏ كحديث‏:‏ ‏«طلب العلم فريضة على كل مسلم‏»‏‏.‏
‏‏ وكما بلغنا عن ‏‏أحمد بن حنبل‏‏ رضي الله عنه أنه قال‏:‏ أربعة أحاديث تدور عن رسول الله في الأسواق ليس لها أصل‏:‏ من بشرني بخروج آذار بشرته بالجنة، ومن آذى ذميا فأنا خصمه يوم القيامة، ويوم نحركم يوم صومكم، وللسائل حق وإن جاء على فرس‏.‏
وينقسم من وجه آخر إلى‏:‏
ما هو مشهور بين أهل الحديث وغيرهم، كقوله ‏:‏ ‏«المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده‏»‏‏.‏ وأشباهه‏.‏
وإلى ما هو مشهور بين أهل الحديث خاصة دون غيرهم، كالذي رويناه عن محمد بن عبد الله الأنصاري، عن سليمان التيمي، عن أبي مجلز، عن أنس‏:‏ أن رسول الله قنت شهرا بعد الركوع، يدعو على رعِل وذكوان‏.‏
فهذا مشهور بين أهل الحديث، مخرج في الصحيح، وله رواه عن أنس غير أبي مجلز، ورواة عن أبي مجلز غير التيمي، ورواة عن التيمي غير الأنصاري، ولا يعلم ذلك إلا أهل الصنعة‏.‏ وأما غيرهم فقد يستغربونه من حيث‏:‏ إن ‏‏التيمي‏‏ يروي عن ‏‏أنس‏‏، وهو ههنا يروي عن واحد، عن أنس‏.‏
‏‏ ومن المشهور المتواتر الذي يذكره أهل الفقه وأصوله‏.‏ وأهل الحديث لا يذكرونه باسمه الخاص المشعر بمعناه الخاص، وإن كان ‏‏الحافظ الخطيب‏‏ قد ذكره، ففي كلامه ما يشعر بأنه اتبع فيه غير أهل الحديث، ولعل ذلك لكونه لا تشمله صناعتهم ولا يكاد يوجد في رواياتهم، فإنه‏:‏ عبارة عن الخبر الذي ينقله من يحصِّل العلم بصدقه ضرورة، ولا بد في إسناده من استمرار هذا الشرط في رواته من أوله إلى منتهاه‏.‏
ومن سُئل عن إبراز مثال لذلك فيما يروى من الحديث أعياه تطلبه‏.‏
وحديث‏:‏ ‏‏إنما الأعمال بالنيات‏‏ ليس من ذلك بسبيل، وإن نقله عدد التواتر وزيادة، لأن ذلك طرأ عليه في وسط إسناده، ولم يوجد في أوائله على ما سبق ذكره‏.‏
نعم حديث‏:‏ ‏«من كذب عليَّ متعمدا فليتبوأ مقعده من النار‏»‏ نُراه مثالا لذلك، فإنه نقله من الصحابة رضي الله عنهم العدد الجم، وهو في ‏‏الصحيحين‏‏، مروي عن جماعة منهم‏.‏
وذكر ‏‏أبو بكر البزار الحافظ الجليل‏‏ في ‏‏مسنده‏‏ أنه رواه عن رسول الله ، نحو من أربعين رجلا من الصحابة‏.‏
وذكر بعض الحفاظ‏:‏ أنه رواه عنه اثنان وستون نفسا من الصحابة، وفيهم العشرة المشهود لهم بالجنة‏.‏
قال‏:‏ وليس في الدنيا حديث اجتمع على روايته العشرة غيره، ولا يعرف حديث يُروى عن أكثر من ستين نفسا من الصحابة عن رسول الله ، إلا هذا الحديث الواحد‏.‏
قلت‏:‏ وبلغ بهم بعض أهل الحديث أكثر من هذا العدد، وفي بعض ذلك عدد التواتر‏.‏ ثم لم يزل عدد رواته في ازدياد وهلم جرا، على التوالي والاستمرار، والله أعلم‏.‏

معرفة الغريب والعزيز من الحديث

روينا عن ‏‏أبي عبد الله بن منده‏‏ الحافظ الأصبهاني، أنه قال‏:‏ ‏‏الغريب من الحديث، كحديث الزهري، وقتادة وأشباههما من الأئمة ممن يجمع حديثهم، إذا انفرد الرجل عنهم بالحديث يسمى‏:‏ غريبا‏.‏
فإذا روى عنهم رجلان وثلاثة، واشتركوا في حديث يسمى‏:‏ عزيزا‏.‏
فإذا روى الجماعة عنهم حديثا سمي‏:‏ مشهورا‏.‏
قلت‏:‏ الحديث الذي يتفرد به بعض الرواة يوصف بالغريب، وكذلك الحديث الذي يتفرد فيه بعضهم بأمر لا يذكره فيه غيره‏:‏ إما في متنه، وإما في إسناده‏.‏ وليس كل ما يعد من أنواع الأفراد معدودا من أنواع الغريب، كما في الأفراد المضافة إلى البلاد، على ما سبق شرحه‏.‏
ثم إن الغريب ينقسم إلى‏:‏ صحيح، كالأفراد المخرجة في الصحيح، وإلى غير صحيح، وذلك هو الغالب على الغريب‏.‏
روينا عن ‏‏أحمد بن حنبل‏‏ رضي الله عنه أنه قال غير مرة‏:‏ لا تكتبوا هذه الأحاديث الغرايب، فإنها مناكير، وعامتها عن الضعفاء‏.‏
وينقسم الغريب أيضا من وجه آخر‏:‏
فمنه ما هو غريب متنا وإسنادا، وهو الحديث الذي تفرد برواية متنه راوٍ واحد‏.‏
ومنه ما هو غريب إسنادا لا متنا، كالحديث الذي متنه معروف، مروي عن جماعة من الصحابة، إذا تفرد بعضهم بروايته عن صحابي آخر‏:‏ كان غريبا من ذلك الوجه، مع أن متنه غير غريب‏.‏
‏‏ ومن ذلك غرائب الشيوخ في أسانيد المتون الصحيحة‏.‏ وهذا الذي يقول فيه ‏‏الترمذي‏‏‏:‏ غريب من هذا الوجه‏.‏
ولا أرى هذا النوع ينعكس، فلا يوجد إذا ما هو غريب متنا وليس غريبا إسنادا، إلا إذا اشتهر الحديث الفرد عمن تفرد به، فرواه عنه عدد كثيرون، فإنه يصير غريبا مشهورا، وغريبا متنا وغير غريب إسنادا، لكن بالنظر إلى أحد طرفي الإسناد‏:‏ فإن إسناده متصف بالغرابة في طرفه الأول، متصف بالشهرة في طرفه الآخر، كحديث‏:‏ ‏‏إنما الأعمال بالنيات‏‏ وكسائر الغرائب التي اشتملت عليها التصانيف المشتهرة، والله أعلم

معرفة غريب الحديث

وهو عبارة عما وقع في متون الأحاديث من الألفاظ الغامضة، البعيدة من الفهم، لقلة استعمالها‏.‏
هذا فن مهم، يقبح جهله بأهل الحديث خاصة، ثم بأهل العلم عامة، والخوض فيه ليس بالهين، والخائض فيه حقيق بالتحري جدير بالتوقي‏.‏
روينا عن‏‏الميموني‏‏ قال‏:‏ سئل ‏‏أحمد بن حنبل‏‏ عن حرف من غريب الحديث، فقال‏:‏ سلوا أصحاب الغريب، فإني أكره أن أتكلم في قول رسول الله بالظن فأخطئ‏.‏
وبلغنا عن التاريخي ‏‏محمد بن عبد الملك‏‏ قال‏:‏ حدثني ‏‏أبو قلابة عبد الملك بن محمد‏‏ قال‏:‏ قلت ‏‏للأصمعي‏‏ يا ‏‏أبا سعيد‏‏، ما معنى قول رسول الله ‏«الجار ‏‏ أحق بسَقبَه‏»‏‏.‏ فقال‏:‏ أنا لا أفسر حديث رسول الله ولكن العرب تزعم أن السقب اللزيق‏.‏
ثم إن غير واحد من العلماء صنفوا في ذلك فأحسنوا‏.‏ وروينا عن ‏‏الحاكم أبي عبد الله الحافظ‏‏ قال‏:‏ أول من صنف الغريب في الإسلام ‏‏النضر بن شميل‏‏‏.‏ ومنهم من خالفه فقال‏:‏ أول من صنف فيه ‏‏أبو عبيدة معمر بن المثنى‏‏‏.‏ وكتاباهما صغيران‏.‏
وصنف بعد ذلك ‏‏أبو عبيد القاسم بن سلاّم‏‏ كتابه المشهور، فجمع وأجاد واستقصى، فوقع من أهل العلم بموقع جليل، وصار قدوة في هذا الشأن‏.‏
ثم تتَبع ‏‏القتيبي‏‏ ما فات أبا عبيد، فوضع فيه كتابه المشهور‏.‏
ثم تتّبع ‏‏أبو سليمان الخطابي‏‏ ما فاتهما، فوضع في ذلك كتابه المشهور‏.‏
فهذه الكتب الثلاثة أمهات الكتب المؤلفة في ذلك‏.‏ ووراءها مجامع تشتمل من ذلك على زوائد وفوائد كثيرة، ولا ينبغي أن يقلد منها إلا ما كان مصنفوها أئمة أجلة‏.‏
وأقوى ما يعتمد عليه في تفسير غريب الحديث‏:‏ أن يظفر به مفسرا في بعض روايات الحديث‏.‏ نحو ما روي في حديث ‏‏ابن صياد‏‏ أن النبي قال له‏:‏ ‏«قد خبأت لك خبيئا، فما هو ‏؟‏‏»‏‏.‏ قال‏:‏ الدخ‏.‏
فهذا خُفي معناه أعضل، وفسره قوم بما لا يصح‏.‏ وفي معرفة علوم الحديث ‏‏للحاكم‏‏ أنه الدَّخ بمعنى الزَّخ الذي هو الجماع، وهذا تخليط فاحش يغيظ العالم والمؤمن‏.‏
وإنما معنى الحديث أن النبي قال له‏:‏ قد أضمرت لك ضميرا، فما هو ‏؟‏ فقال‏:‏ الدُخ، بضم الدال، يعني الدخان، والدخ هو الدخان في لغة، إذ في بعض ‏‏ روايات الحديث ما نصه‏:‏ ثم قال رسول الله ‏‏إني قد خبأت لك خبيئا‏‏ وخبأ له‏:‏ ‏«يوم تأتي السماء بدخان مبين‏»‏‏.‏ فقال ‏‏ابن صياد‏‏ هو الدخ‏.‏ فقال رسول الله ‏«اخسأ، فلن تعدو قدرك‏»‏‏.‏ وهذا ثابت صحيح، خرجه ‏‏الترمذي‏‏ وغيره‏.‏ فأدرك ‏‏ابن صياد‏‏ من ذلك هذه الكلمة، فحسب على عادة الكهان في اختطاف بعض الشيء من الشياطين، من غير وقوف على تمام البيان‏.‏ ولهذا قال له‏:‏ ‏‏اخسأ، فلن تعدو قدرك‏‏ أي فلا مزيد لك على قدر إدراك الكهان، والله أعلم‏.‏