معرفة من اشترك في الرواية عنه راويان‏ متقدم ومتأخر

معرفة من اشترك في الرواية عنه راويان‏ متقدم ومتأخر، تباين وقت وفاتيهما تباينا شديدا فحصل بينهما أمد بعيد، وإن كان المتأخر منهما غير معدود من معاصري الأول وذوي طبقته‏‏‏
ومن فوائد ذلك تقرير حلاوة علو الإسناد في القلوب‏.‏
وقد أفرده ‏‏الخطيب الحافظ‏‏ في كتاب حسن سماه ‏‏كتاب السابق واللاحق‏‏‏.‏
ومن أمثلته‏:‏ أن محمد بن إسحاق الثقفي السراج النيسابوري‏:‏ روى عنه ‏‏البخاري‏‏ والإمام في تاريخه، وروى عنه ‏‏أبو الحسين أحمد بن محمد الخفاف النيسابوري‏‏، وبين وفاتيهما مائة وسبع وثلاثون سنة أو أكثر، وذلك‏:‏ أن‏‏البخاري‏‏ مات سنة ست وخمسين ومائتين ومات ‏‏الخفاف‏‏ سنة ثلاث وتسعين وثلاثمائة، وقيل‏:‏ مات في سنة أربع أو خمس و تسعين وثلاثمائة‏.‏
وكذلك ‏‏مالك بن أنس‏‏ الإمام‏:‏ حدث عنه ‏‏الزهري‏‏ و‏‏زكريا بن دُوَيد الكندي‏‏، وبين وفاتيهما مائة وسبع وثلاثون سنة أو أكثر‏.‏إذ مات مالك بن أنس سنة تسع وتسعين ومائة، ومات الزهري سنة أربع وعشرين ومائة‏.‏ ولقد حظي مالك بكثير من هذا النوع، والله أعلم‏.
معرفة من لم يرو عنه إلا راو واحد من الصحابة والتابعين فمن بعدهم، رضي الله عنهم‏‏
ولمسلم فيه كتاب لم أره‏.‏
ومثاله من الصحابة وهب بن خَنبًش - وهو في كتابي الحاكم وأبي نعيم الأصبهاني في ‏‏معرفة علوم الحديث‏‏ هَرِم بن خنبش، وهو رواية داود الأودي عن الشعبي، وذلك خطأ - صحابي لم يرو عنه غير الشعبي‏.‏
‏‏ وكذلك عامر بن شهر، وعروة بن مضرس، ومحمد بن صفوان الأنصاري، ومحمد بن صيفي الأنصاري - وليسا بواحد، وإن قاله بعضهم - صحابيون، لم يرو عنهم غير الشعبي‏.‏
وانفرد قيس بن أبي حازم بالرواية عن أبيه، وعن دكين بن سعيد المزني، والصُّنابح بن الأعسر، ومرداس بن مالك الأسلمي، وكلهم صحابة‏.‏
وقدامة بن عبد الله الكلابي منهم، لم يروِ عنه غير أيمن بن نابل‏.‏
وفي الصحابة جماعة لم يرو عنهم غير أبنائهم‏.‏
منهم‏:‏ شكل بن حميد، لم يرو عنه غير ابنه شُتَير‏.‏
ومنهم‏:‏ المسيب بن حَزْن القرشي، لم يرو عنه غير ابنه سعيد بن المسيب‏.‏
ومعاوية بن حيدة، لم يرو عنه غير ابنه حكيم والد بهز‏.‏
وقرة بن أياس، لم يرو عنه غير ابنه معاوية‏.‏
وأبو ليلى الأنصاري، لم يرو عنه غير ابنه عبد الرحمن بن أبي ليلى‏.‏
ثم إن الحاكم أبا عبد الله حكم في ‏‏المدخل إلى كتاب الإكليل‏‏ بأن أحدا من هذا القبيل لم يخرج عنه ‏‏البخاري‏‏ و‏‏مسلم‏‏ في صحيحيهما‏.‏
وأنكر ذلك عليه، ونقض عليه‏:‏
بإخراج ‏‏البخاري‏‏ في صحيحه‏:‏ حديث قيس بن أبي حازم عن مرداس الأسلمي‏:‏ ‏«يذهب الصالحون الأول فالأول‏.‏‏.‏‏»‏ ولا راوي له غير قيس‏.‏
وبإخراجه - بل بإخراجهما - حديث المسيب بن حزن في وفاة أبي طالب، مع أنه لا راوي له غير ابنه‏.‏
‏‏ وبإخراجه حديث الحسن البصري، عن عمرو بن تغلب‏:‏ ‏«إني لأعطي الرجل، والذي أدَع أحب إليَّ‏»‏ولم يرو عن عمرو غير الحسن‏.‏
وكذلك أخرج ‏‏مسلم‏‏ في صحيحه حديث رافع بن عمرو الغفاري، ولم يرو عنه غير عبد الله بن الصامت‏.‏
وحديث أبي رفاعة العدوي، ولم يرو عنه غير حميد بن هلال العدوي‏.‏
وحديث الأغر المزني‏:‏ ‏«إنه ليُغان على قلبي‏.‏‏.‏‏.‏‏»‏ ولم يرو عنه غير أبي بردة‏.‏
في أشياء كثيرة عندهما في كتابيهما على هذا النحو، وذلك دال على مصيرهما إلى أن الراوي قد يخرج عن كونه مجهولا مردودا برواية واحد عنه‏.‏
وقد قدمت هذا في النوع الثالث والعشرين، ثم بلغني عن أبي عمر بن عبد البر الأندلسي وجادة قال‏:‏ كل من لم يرو عنه إلا رجل واحد فهو عندهم مجهول، إلا أن يكون رجلا مشهورا في غير حمل العلم، كاشتهار مالك بن دينار بالزهد، وعمرو بن معدي كرب بالنجدة‏.‏
‏‏ واعلم‏:‏ أنه قد يوجد في بعض من ذكرنا تفرد راو واحد عنه خلاف في تفرده، ومن ذلك‏:‏ قدامة بن عبد الله، ذكر ابن عبد البر أنه روى عنه أيضا حميد بن كلاب، والله أعلم‏.‏
ومثال هذا النوع في التابعين‏:‏ ‏‏أبو العُشَراء الدارمي‏‏، لم يرو عنه فيما يعلم غير حماد بن سلمة‏.‏
ومثل ‏‏الحاكم‏‏ لهذا النوع في التابعين بمحمد بن أبي سفيان الثقفي، وذكر أنه لم يرو عنه غير الزهري فيما يعلم، قال‏:‏ وكذلك تفرد الزهري عن نيف وعشرين رجلا من التابعين، لم يرو عنهم غيره‏.‏ وكذلك عمرو بن دينار، تفرد عن جماعة من التابعين، وكذلك يحيى بن سعيد الأنصاري، وأبو إسحاق السبيعي وهشام بن عروة وغيرهم‏.‏ وسمى الحاكم منهم في بعض المواضع‏.‏
فيمن تفرد عنهم‏:‏ عمرو بن دينار‏:‏ عبد الرحمن بن معبد، وعبد الرحمن بن فروخ، وفيمن تفرد عنهم الزهري‏:‏ عمرو بن أبان بن عثمان، وسنان بن أبي سنان الدؤلي‏.‏ وفيمن تفرد عنهم يحيى عبد الله بن أنيس الأنصاري‏.‏
ومثل في أتباع التابعين بالمِسوَر بن رفاعة القرظي، وذكر أنه لم يرو عنه غير مالك‏.‏ وكذلك تفرد مالك عن زهاء عشرة من شيوخ المدينة‏.‏
قلت‏:‏ وأخشى أن يكون ‏‏الحاكم‏‏ في تنزيله بعض من ذكره بالمنزلة التي جعله فيها معتمدا على الحسبان والتوهم، والله أعلم‏.‏
معرفة من ذكر بأسماء مختلفة أو نعوت متعددة فظن من لا خبرة له بها أن تلك الأسماء أو النعوت لجماعة متفرقين‏‏
هذا فن عويص، والحاجة إليه حاقة، وفيه إظهار تدليس المدلسين، فإن أكثر ذلك إنما نشأ من تدليسهم‏.‏
‏‏ وقد صنف ‏‏عبد الغني بن سعيد الحافظ المصري‏‏ وغيره في ذلك‏.‏
مثاله‏:‏ ‏‏محمد بن السائب الكلبي‏‏ صاحب التفسير، هو ‏‏أبو النضر‏‏، الذي روى عنه ‏‏محمد بن إسحاق بن‏‏ يسار حديث تميم الداري‏.‏
و‏‏عدي بن بَدَّاء‏‏، وهو‏‏حماد بن السائب‏‏، الذي روى عنه أبو أسامة حديث‏:‏ ‏«ذكاة كل مَسك دباغه‏»‏‏.‏ وهو ‏‏أبو سعيد‏‏ الذي يروي عنه ‏‏عطية العوفي‏‏ التفسير يدلس به موهما أنه أبو سعيد الخدري‏.‏
ومثاله أيضا‏:‏ ‏‏سالم‏‏، الراوي عن أبي هريرة وأبي سعيد الخدري وعائشة، رضي الله عنهم، هو ‏‏سالم أبو عبد الله المديني‏‏، وهو سالم مولى ‏‏مالك بن أوس بن الحدثان النصري‏‏، وهو سالم مولى ‏‏شداد بن الهاد النصري‏‏، وهو في بعض الروايات مسمى ‏‏بسالم مولى النصريين‏‏، وفي بعضها بسالم مولى المهدي، وهو في بعضها سالم سبلان، وفي بعضها‏:‏ أبو عبد الله مولى شداد بن الهاد، وفي بعضها‏:‏ سالم أبو عبد الله الدوسي، وفي بعضها‏:‏ سالم مولى دوس‏.‏ ذكر ذلك كله عبد الغني بن سعيد‏.‏
قلت‏:‏ و‏‏الخطيب الحافظ‏‏ يروي في كتبه، عن أبي القاسم الأزهري، وعن عبيد الله بن أبي الفتح الفارسي، وعن عبيد الله بن أحمد بن عثمان الصيرفي، والجميع شخص واحد من مشايخه‏.‏ وكذلك يروي عن الحسن بن محمد الخلال، وعن الحسن بن أبي طالب، وعن أبي محمد الخلال، والجميع عبارة عن واحد‏.‏ ويروى أيضا عن أبي القاسم التنوخي، وعن علي بن المحسن، وعن القاضي أبي القاسم علي بن المحسن التنوخي، وعن علي بن أبي علي المعدل، والجميع شخص واحد‏.‏ وله من ذلك الكثير، و الله أعلم‏.‏
النوع التاسع و الأربعون‏:‏ معرفة المفردات الآحاد من أسماء الصحابة
معرفة المفردات الآحاد من أسماء الصحابة ورواة الحديث والعلماء وألقابهم وكناهم‏‏
هذا نوع مليح عزيز، يوجد في كتب الحفاظ المصنفة في الرجال مجموعا، مفرقا في أواخر أبوابها‏.‏
وأفرد أيضا بالتصنيف، وكتاب ‏‏أحمد بن هارون البَرديجي البرذعي‏‏، المترجم بالأسماء المفردة، من أشهر كتاب في ذلك‏.‏ ولحقه في كثير منه اعتراض واستدراك من غير واحد من الحفاظ، منهم ‏‏أبو عبد الله بن بكير‏‏‏.‏
فمن ذلك ما وقع في كونه ذكر أسماء كثيرة على أنها آحاد، وهي مثان ومثالث‏.‏ وأكثر من ذلك - وعلى ما فهمناه من شرطه - لا يلزمه ما يوجد من ذلك في غير أسماء الصحابة والعلماء ورواة الحديث‏.‏
ومن ذلك أفراد ذكرها، اعترض عليه فيها بأنها ألقاب لا أسامي، منها‏:‏ ‏‏الأجلح الكندي‏‏، إنما هو لقب لجلحةٍ كانت به، واسمه يحيى، ويحيى كثير‏.‏
ومنها ‏‏صُغْديّ بن سنان‏‏، اسمه عمر، وصغدي لقب، ومع ذلك فلهم صغدي غيره‏.‏
وليس يرد هذا على ما ترجمت به هذا النوع، والحق أن هذا فن يصعب الحكم فيه، والحاكم فيه على خطر من الخطأ والانتقاض، فإنه حصر في باب واسع شديد الانتشار‏.‏
فمن أمثلة ذلك المستفادة‏:‏ ‏‏أحمد بن عُجْيان الهمداني‏‏ - بالجيم - صحابي، ذكره ‏‏أبو يونس‏‏‏:‏ و‏‏عجيان‏‏ كنا نعرفه بالتشديد، على وزن عُلَيّان‏.‏ ثم وجدته بخط ابن الفرات - وهو حجة - عُجْيان بالتخفيف على وزن سفيان‏.‏
‏‏أوسط بن عمرو الَبجَلي تابعي‏‏‏.‏
‏‏تدوم بن صُيَبْح الكُلاعي‏»‏، عن تُبيع بن عامر الكلاعي، ويقال فيه‏:‏ يدوم، بالياء، وصوابه بالتاء المثناة من فوق‏.‏
‏‏جُبيب بن الحارث‏‏، صحابي، بالجيم، وبالباء الموحدة المكررة‏.‏
‏‏جيلان بن فروة‏‏، بالجيم المكسوة، أبو الجَلْد الأخباري، تابعي‏.‏
‏‏الدُجَين بن ثابت‏‏، بالجيم مصغرا‏.‏
‏‏أبو الغصن‏‏، قيل‏:‏ إنه جحا المعروف، والأصح أنه غيره‏.‏
‏‏زر بن حبيش‏‏، التابعي الكبير‏.‏
‏‏سُعير بن الخِمْس‏‏، انفرد في اسمه واسم أبيه‏.‏
‏‏سنْدَر الخصي‏‏، مولى زنباع الجُذامي، له صحبة‏.‏
‏‏شكَل بن حميد الصحابي‏‏، بفتحتين‏.‏
‏‏شمعون بن زيد‏‏، أبو ريحانة، بالشين المنقوطة والعين المهملة، ويقال‏:‏ بالغين المعجمة‏.‏ قال ‏‏أبو سعيد بن يونس‏‏‏:‏ وهو عندي أصح، أحد الصحابة الفضلاء‏.‏
‏‏صُدَي بن عجلان‏‏، أبو أمامة، الصحابي‏.‏ صُنابح بن الأعسر، الصحابي، ومن قال فيه‏:‏ صنابحي فقد أخطأ‏.‏
‏‏ضُريب بن نُقير بن سُمير‏‏، بالتصغير فيها كلها، أبو السَّليل القيسي البصري‏.‏ روى عن معاذة العدوية وغيرها‏.‏ ونقير أبوه بالنون والقاف، وقيل‏:‏ بالفاء وقيل بالفاء واللام نفيل‏.‏
‏‏عزوان بن زيد الرَقاشي‏‏، بعين غير معجمة، عبد صالح تابعي‏.‏
‏‏قرثع الضبي بالثاء المثلثة‏‏‏.‏ كلَدة بن حنبل، بفتح اللام صحابي‏.‏
‏‏لبُي بن لَبا الأسدي الصحابي‏‏، باللام فيهما، والأول مشدد مصغر على وزن أُبي، والثاني مخفف مكبر على وزن عصا، فاعلمه فإنه يغلط فيه‏.‏
‏‏مُستَمِر بن الريان‏‏، رأى أنسا‏.‏
‏‏نُبَيشة الخير‏‏، صحابي‏.‏
‏‏نَوف الِبِكالي‏‏، من بكال، بطن من حمير، بكسر الباء وتخفيف الكاف، وغلب على ألسنة أهل الحديث فيه فتح الباء وتشديد الكاف‏.‏
‏‏وابصة بن معبد الصحابي‏‏‏.‏
‏‏هُبَيب بن مُغْفِل‏‏، مصغر بالباء الموحدة المكررة، صحابي، ومغفل بالغين المنقوطة الساكنة‏.‏
‏‏همذان‏‏، بريد عمر بن الخطاب، ضبطه ابن بكير وغيره‏:‏ بالذال المعجمة، وضبطه بعض من ألف على كتاب البرديجي‏:‏ بالدال المهملة وإسكان الميم‏.‏
وأما الكُنى المفردة، فمنها‏:‏ ‏‏أبو العُبَيدين‏‏، مصغر مثنى، واسمه معاوية بن سبرة، من أصحاب ابن مسعود، له حديثان أو ثلاثة‏.‏
‏‏أبو العشراء الدارمي‏‏، وقد سبق‏.‏
‏‏أبو المُدِلّة‏‏، بكسر الدال المهملة وتشديد اللام، ولم يوقف على اسمه‏.‏ روى عنه الأعمش وابن عيينة وجماعة، ولا نعلم أحدا تابع أبا نعيم الحافظ في قوله‏:‏ إن اسمه ‏‏عبيد الله بن عبد الله المدني‏‏‏.‏
‏‏أبو مُراية العجلي‏‏، عرفناه بضم الميم وبعد الألف ياء مثناة من تحت، واسمه ‏‏عبد الله بن عمرو‏‏، تابعي، روى عنه قتادة‏.‏
‏‏أبو مُعَيد‏‏، مصغر مخفف الياء‏.‏
‏‏حفص بن غيلان الهمداني‏‏، روى عن مكحول وغيره‏.‏
‏‏وأما الأفراد من الألقاب، فمثالها‏:‏ ‏‏سفينة‏‏ مولى رسول الله من الصحابة، لقب فرد، واسمه ‏‏مهران‏‏، على خلاف فيه‏.‏
‏‏مندل بن علي‏‏، وهو بكسر الميم‏.‏ روى عن ‏‏الخطيب‏‏، وغيره، ويقولونه كثيرا بفتحها، وهو لقب، واسمه ‏‏عمرو‏‏‏.‏
‏‏سحنون بن سعيد التنوخي القيرواني‏‏، صاحب ‏‏المدونة‏‏ على مذهب ‏‏مالك‏‏، لقب ‏‏فرد‏‏، واسمه ‏‏عبد السلام‏‏‏.‏
ومن ذلك ‏‏مُطَيَّن الحضرمي‏‏، وُ‏‏مْشكدانة الجعفي‏‏، في جماعة آخرين، سنذكرهم في نوع الألقاب، إن شاء الله تعالى، وهو أعلم‏.‏