معرفة أوطان الرواة وبلدانهم‏‏
وذلك مما يفتقر حفاظ الحديث إلى معرفته في كثير من تصرفاتهم‏.‏
ومن مظان ذكره ‏‏الطبقات‏‏ ‏‏لابن سعد‏‏‏.‏ وقد كانت العرب إنما تنتسب إلى قبائلها، فلما جاء الإسلام، وغلب عليهم سكنى القرى والمدائن، حدث فيما بينهم الانتساب إلى الأوطان، كما كانت العجم تنتسب، وأضاع كثير منهم أنسابهم، فلم يبقَ لهم غير الانتساب إلى أوطانهم‏.‏
ومن كان من الناقلة من بلد إلى بلد، وأراد الجمع بينهما في الانتساب، فليبدأ بالأول، ثم بالثاني المنتقل إليه، وحسن أن يدخل على الثاني كلمة ‏‏ثم‏‏ فيقال في الناقلة من مصر إلى دمشق مثلا‏:‏ فلان المصري، ثم الدمشقي‏.‏ ومن كان من أهل قرية من قرى بلدة‏:‏ فجائز أن ينتسب إلى القرية، وإلى البلدة أيضا، وإلى الناحية التي منها تلك البلدة أيضا‏.‏ ولنقتد بالحاكم ‏‏أبي عبد الله الحافظ‏‏، فنروي أحاديث بأسانيدها، منبهين على بلاد رواتها، ومستحسن من ‏‏الحافظ‏‏ أن يورد الحديث بإسناده، ثم يذكر أوطان رجاله واحدا فواحدا، وهكذا غير ذلك من أحوالهم‏.‏
أخبرني الشيخ ‏‏المسند المعمر أبو حفص عمر بن محمد بن المعمر‏‏ رحمه الله بقراءتي عليه ببغداد، قال‏:‏ أخبرنا أبو بكر محمد بن عبد الباقي بن محمد الأنصاري قال‏:‏ أخبرنا أبو إسحاق بن عمر بن أحمد البرمكي قال‏:‏ أخبرنا أبو محمد عبد الله بن إبراهيم بن أيوب بن ماسي قال‏:‏ حدثنا أبو مسلم إبراهيم بن عبد الله الكُجي قال‏:‏ حدثنا محمد بن ‏‏ عبد الله الأنصاري قال‏:‏ حدثنا سليمان التيمي، عن أنس قال‏:‏ قال رسول الله ‏:‏ ‏«لا هجرة بين المسلمين فوق ثلاثة أيام، أو قال‏:‏ ثلاث ليال‏»‏‏.‏
أخبرني الشيخ ‏‏المسنِد أبو الحسن المؤيد بن محمد بن علي المقرئ‏‏ رحمه الله بقراءتي عليه بنيسابور، عودا على بدء من ذلك، مرة على رأس قبر مسلم بن الحجاج قال‏:‏ أخبرنا فقيه الحرم أبو عبد الله محمد بن الفضل الفراوي عند قبر مسلم أيضا ‏‏ح‏‏ وأخبرتني أم المؤيد زينب بنت أبي القاسم عبد الرحمن بن الحسن الشعري بقراءتي عليها بنيسابور مرة، وبقراءة غيري مرة أخرى رحمها الله، قلت‏:‏ أخبرك إسماعيل بن أبي القاسم بن أبي بكر القارئ، قراءة عليه، قال‏:‏أخبرنا أبو حفص عمر بن أحمد بن مسرور قال‏:‏ أخبرنا إ إسماعيل بن نجُيد السُّلمي قال‏:‏ أخبرنا أبو مسلم إبراهيم بن عبد الله الكجي قال‏:‏ حدثنا محمد بن عبد الله الأنصاري قال‏:‏ حدثني حميد الطويل،
عن أنس بن مالك قال‏:‏ قال رسول الله ‏:‏ ‏«انصر أخاك ظالما أو مظلوما‏»‏
قلت‏:‏ يا رسول الله أنصره مظلوما، فكيف أنصره ظالما ‏؟‏ قال‏:‏ ‏«تمنعه من الظلم، فذلك نصرك إياه‏»‏‏.‏
الحديثان عاليان في السماع مع لطافة السند وصحة المتن، وأنس في الأول، فمن دونه إلى ‏‏أبي مسلم‏‏ بصريون، ومن بعد أبي مسلم إلى شيخنا فيه بغداديون‏.‏ وفي الحديث الثاني أنس فمن دونه إلى أبي مسلم كما ذكرناه بصريون، ومن بعده من ابن نجيد إلى شيخنا نيسابوريون‏.‏
(أخبرني الشيخ الزكي أبو الفتح منصور بن عبد المنعم بن أبي البركات بن الإمام أبي عبد الله محمد بن الفضل الفراوي بقراءتي عليه بنيسابور رحمه الله قال‏:‏ أخبرنا جدي أبو عبد الله محمد بن الفضل قال‏:‏ أخبرنا أبو عثمان سعيد بن محمد البحيري رحمه الله قال‏:‏ أخبرنا أبو سعيد محمد بن عبد الله بن حمدون قال‏:‏ أخبرنا أبو حاتم مكي بن عبدان قال‏:‏ أخبرنا عبد الرحمن بن بشر قال‏:‏ أخبرنا عبد الرزاق قال‏:‏ أخبرنا ابن جريج قال‏:‏ أخبرني عبدة بن أبي لبابة‏: ‏أن ورادا مولى المغيرة بن شعبة أخبره‏:‏ أن المغيرة بن شعبة كتب إلى معاوية، كتب ذلك الكتاب له ورّاد‏:‏ إني سمعت رسول الله يقول حين يُسَلِّم‏:‏ ‏«لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، اللهم لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد‏»‏‏.‏
‏‏المغيرة بن شعبة‏‏ ‏‏وورّاد‏‏ ‏‏وعبدة‏‏ كوفيون، ‏‏وابن جريج‏‏ مكي، ‏‏وعبد الرزاق‏‏ صنعاني يمان، ‏‏وعبد الرحمن بن بشر‏‏ فشيخنا ومن بينهما أجمعون نيسابوريون‏.‏
ولله سبحانه الحمد الأتم على ما أسبغ من إفضاله، والصلاة والسلام الأفضلان على سيدنا محمد وآله وعلى سائر النبيين وآل كل، نهاية ما يسأل السائلون وغاية ما يأمل الآملون‏.‏)