معرفة من خلط في آخر عمره من الثقات‏‏

هذا فن عزيز مهم، لم أعلم أحدا أفرده بالتصنيف واعتنى به، مع كونه حقيقا بذلك جدا‏.‏ ‏‏
وهم منقسمون‏:‏
فمنهم من خلط لاختلاطه وخرفه، ومنهم من خلط لذهاب بصره، أو لغير ذلك‏.‏
والحكم فيهم‏:‏ أنه يقبل حديث من أخذ عنهم قبل الاختلاط، ولا يقبل حديث من أخذ عنه بعد الاختلاط، أو أشكل أمره، فلم يدر هل أخذ عنه قبل الاختلاط أو بعده‏.‏
فمنهم ‏‏عطاء بن السائب‏‏، اختلط في آخر عمره، فاحتج أهل العلم برواية الأكابر عنه، مثل ‏‏سفيان الثوري‏‏ ‏‏وشعبة‏‏، لأن سماعهم منه كان في الصحة، وتركوا الاحتجاج برواية من سمع منه آخرا‏.‏
وقال ‏‏يحيى بن سعيد القطان‏‏ في ‏‏شعبة‏‏‏:‏ إلا حديثين كان ‏‏شعبة‏‏ يقول‏:‏ سمعتهما بالآخرة عن ‏‏زادان‏‏‏.‏
‏‏أبو إسحاق السبيعي‏‏، اختلط أيضا، ويقال‏:‏ إن سماع ‏‏سفيان بن عيينة‏‏ منه بعد ما اختلط، ذكر ذلك ‏‏أبو يعلى الخليلي‏‏‏.‏
‏‏سعيد بن إياس الجُريري‏‏، اختلط وتغير حفظه قبل موته‏.‏
قال ‏‏أبو الوليد الباجي المالكي‏‏‏:‏ قال ‏‏النسائي‏‏‏:‏ أُنكر أيام الطاعون، وهو أثبت عندنا من ‏‏خالد الحذاء‏‏ ما سُمع منه قبل أيام الطاعون‏.‏
‏‏سعيد بن أبي عروبة‏‏، قال ‏‏يحيى بن معين‏‏‏:‏ خلط ‏‏سعيد بن أبي عروبة‏‏ بعد هزيمة ‏‏إبراهيم بن عبد الله بن حسن بن حسن‏‏، سنة اثنتين وأربعين - يعني -ومائة‏.‏
فمن سمع منه بعد ذلك فليس بشيء‏.‏
‏‏ويزيد بن هارون‏‏، صحيح السماع منه، سمع منه بواسط، وهو يريد الكوفة‏.‏ وأثبت الناس سماعا منه ‏‏عبدة بن سليمان‏‏‏.‏ ‏‏
قلت‏:‏ وممن عرف أنه سمع منه بعد اختلاطه ‏‏وكيع‏‏، ‏‏والمعافى بن عمران الموصلي‏‏‏.‏ بلغنا عن ‏‏ابن عمار الموصلي‏‏ أحد الحفاظ أنه قال‏:‏ ليست روايتهما عنه بشيء، إنما سماعهما بعدما اختلط‏.‏
وقد روينا عن ‏‏يحيى بن معين‏‏ أنه قال ‏‏لوكيع‏‏‏:‏ تحدث عن ‏‏سعيد بن أبي عروبة‏‏ وإنما سمعتَ منه في الاختلاط ‏؟‏ فقال‏:‏ رأيتَني حدثت عنه إلا بحديث مستوٍ ‏؟‏
‏‏المسعودي‏‏ ممن اختلط، وهو ‏‏عبد الرحمن بن عبد الله بن عتبة بن عبد الله بن مسعود الهُذَلي‏‏، وهو أخو ‏‏أبي العميس عتبة المسعودي‏‏‏.‏ ذكر ‏‏الحاكم أبو عبد الله‏‏ في كتاب ‏‏المزكين للرواة‏‏ عن ‏‏يحيى بن معين‏‏ أنه قال‏:‏ من سمع من ‏‏المسعودي‏‏ في زمان ‏‏أبي جعفر‏‏ فهو صحيح السماع، ومن سمع منه في أيام ‏‏المهدي‏‏ فليس سماعه بشيء‏.‏
وذكر ‏‏حنبل بن إسحاق‏‏، عن ‏‏أحمد بن حنبل‏‏ أنه قال‏:‏ سماع ‏‏عاصم‏‏، هو ‏‏ابن علي‏‏، ‏‏وأبي النضر‏‏ وهؤلاء، من ‏‏المسعودي‏‏ بعد ما اختلط‏.‏
‏‏ربيعة الرأي بن أبي عبد الرحمن‏‏، أستاذ ‏‏مالك‏‏، قيل‏:‏ إنه تغير في آخر عمره، وترك الاعتماد عليه لذلك‏.‏

‏‏صالح بن نبهان‏‏، مولى ‏‏التوأمة بنت أمية بن خلف‏‏، روى عنه ‏‏ابن أبي ذئب‏‏ والناس‏.‏
قال ‏‏أبو حاتم بن حبان‏‏‏:‏ تغير في سنة خمس وعشرين ومائة، واختلط حديثه الأخير بحديثه القديم، ولم يتميز، فاستحق الترك‏.‏
‏‏حُصَين بن عبد الرحمن الكوفي‏‏، ممن اختلط وتغير، ذكره ‏‏النسائي‏‏، وغيره، والله أعلم‏.‏
‏‏عبد الوهاب الثقفي‏‏، ذكر ‏‏ابن أبي حاتم الرازي‏‏، عن ‏‏يحيى بن معين‏‏ أنه قال‏:‏ اختلط بآخرةٍ‏.‏
‏‏سفيان بن عيينة‏‏، وجدت عن ‏‏محمد بن عبد الله بن عمار الموصلي‏‏‏:‏ أنه سمع ‏‏يحيى بن سعيد القطان‏‏ يقول‏:‏ أشهد أن ‏‏سفيان بن عيينة‏‏ اختلط سنة سبع وتسعين، فمن سمع منه في هذا السنة وبعد هذا فسماعه لا شيء‏.‏
قلت‏:‏ توفي بعد ذلك بنحو سنتين، سنة تسع وتسعين ومائة‏.‏ ‏‏
‏‏عبد الرزاق بن همام‏‏‏:‏ ذكر ‏‏أحمد بن حنبل‏‏‏:‏ أنه عمي في آخر عمره، فكان يلقن فيتلقن، فسماع من سمع منه بعد ما عمي لا شيء‏.‏ قال ‏‏النسائي‏‏‏:‏ فيه نظر لمن كتب عنه بآخرة‏.‏
قلت‏:‏ وعلى هذا نحمل قول ‏‏عباس بن عبد العظيم‏‏، لما رجع من صنعاء‏:‏ والله لقد تجشمت إلى ‏‏عبد الرزاق‏‏، وإنه لكذاب، ‏‏والواقدي‏‏ أصدق منه‏.‏
قلت‏:‏ قد وجدت فيما روي عن ‏‏الطبراني‏‏، عن ‏‏إسحاق بن إبراهيم الدَبَري‏‏، عن ‏‏عبد الرزاق‏‏، أحاديث استنكرتها جدا، فأحلت أمرها على ذلك، فإن سماع ‏‏الدبري‏‏ منه متأخر جدا‏.‏ قال ‏‏إبراهيم الحربي‏‏‏:‏ مات ‏‏عبد الرزاق‏‏ ‏‏وللدبري‏‏ ست سنين أو سبع سنين، ويحصَّل أيضا في نظر من كثير من العوالي الواقعة عمن تأخر سماعه من ‏‏سفيان بن عيينة‏‏ وأشباهه‏.‏
‏‏عارم محمد بن الفضل‏‏، ‏‏أبو النعمان‏‏، اختلط بآخرة‏.‏ فما رواه عنه ‏‏البخاري‏‏ و‏‏محمد بن يحيى الذُهَلي‏‏ وغيرهما من الحافظ، ينبغي أن يكون مأخوذا عنه قبل اختلاطه‏.‏
‏‏أبو قِلابة عبد الملك بن محمد بن عبد الله الرقاشي‏‏، روينا عن الإمام ‏‏ابن خزيمة‏‏ أنه قال‏:‏ حدثنا ‏‏أبو قلابة‏‏ بالبصرة قبل أن يختلط ويخرج إلى بغداد‏.‏
وممن بلغنا عنه ذلك من المتأخرين ‏‏أبو أحمد الغِطريفي الجرجاني‏‏، ‏‏وأبو طاهر‏‏ حفيد الإمام ‏‏ابن خزيمة‏‏‏.‏
ذكر الحافظ ‏‏أبو علي البرذعي ثم السمرقندي‏‏ في ‏‏معجمه‏‏‏:‏ أنه بلغه أنهما اختلطا في آخر عمرهما‏.‏
‏‏وأبو بكر بن مالك القَطِيعي‏‏، راوي مسند ‏‏أحمد‏‏ وغيره، اختل في آخر عمره وخرف، حتى كان لا يعرف شيئا مما يقرأ عليه‏.‏
واعلم‏:‏ أن من كان من هذا القبيل محتجا بروايته في ‏‏الصحيحين‏‏ أو أحدهما، فإنا نعرف على الجملة‏:‏ أن ذلك مما تميز، وكان مأخوذا عنه قبل الاختلاط، والله أعلم‏.‏