هو أحمد بن علي بن محمد بن محمد بن علي بن محمود بن أحمد بن حجر.
الكناني القبيلة، وهي قبيلة عربية. العسقلاني الأصل، نسبة إلى عسقلان، وهي مدينة تقع بساحل الشام في فلسطين. المصري المولد، والمنشأ، والدار، والوفاة. الشافعي مذهبا. قاضي القضاة، شيخ الإسلام، أمير المؤمنين في الحديث. كان يلقب بشهاب الدين، و يكنى: أبا الفضل. وقد اشتهر بـ ابن حجر. قال الإمام السخاوي: اختلف هل هو اسم أو لقب؟ فقيل: هو لقب لأحمد الأعلى في نسبه. وقيل: بل هو اسم لوالد أحمد المشار إليه.

ولادته:
ولد الحافظ بن حجر في أسرة عريقة في العلم والمكارم ـ في الثاني والعشرين من شعبان سنة 773 هـ.

صفاته:
كان رحمه الله ربعة، للقصر أقرب، أبيض اللون، منّور الصورة، مليح الشكل، صبيح الوجه، كث اللحية أبيضها، قصير الشارب، نحيف الجسم، فصيح اللسان، شجي الصوت. وكان كثير الصمت، شديد الحياء.

نشأته و طلبه للعلم:

نشأ الحافظ بن حجر يتيما، فقد توفي والده وعمره أربع سنوات، وتوفيت أمه قبل ذلك وهو طفل. وكان أبوه أوصى قبل وفاته بولده كبيرَ التجار أبا بكر محمد بن علي بن أحمد الخروبي، فقام يأمره أحسن قيام. وكان لوصيّه الخروبي فضل كبير في إقبال الحافظ بن حجر على الاشتغال بالعلم.

ولما أكمل اثنتي عشرة سنة، حج وصيّه في سنة أربع وثمانين، واستصحب ابن حجر معه، فحجا، وجاورا، وصلّى في سنة خمس وثمانين وسبعمائة بالناس التراويح بمكة، بالمسجد الحرام.

وسمع بمكة من الشيخ عفيف الدين عبد الله بن محمد بن محمد النشاوري، ثم المكي، غالب صحيح البخاري، وهو أول شيخ سمع عليه الحديث.

وكذلك أخذ فقه الحديث عن الشيخ جمال الدين أبي حامد محمد بن عبد الله بن ظهيرة المكي، في كتاب عمدة الأحكام، للحافظ عبد الغني المقدسي. فكان أول شيخ بحث عليه في فقه الحديث.

ثم عاد في صحبة وصية الزكي الخروبي إلى مصر، ووصلها سنة 786هـ. وأقبل على الاشتغال، فجد واجتهد، فحفظ كتبا من مختصرات العلوم، مثل عمدة الأحكام، وملحة الإعراب، وألفية الحديث للعراقي وغيرها. وكان رحمه الله سريع الحفظ.

وقرأ القرآن تجويدا على الشهاب أحمد بن محمد بن الفقيه على الخيوطي، ثم على الصدر سليمان بن عبد الناصر الإبشيطي شيئا من العلم.

ثم توفي وصيه الخروبي سنة 787هـ، وكانت وفاته سببا في فتور عزمه عن طلب العلم، ولم يشتغل إلا بعد استكمال سبع عشرة سنة.

وقد حببّ الله عز وجل إليه فن الحديث، فأقبل عليه بكليته، وأول ما طلب بنفسه في سنة 793هـ، لكنه لم يكثر من الطلب إلا في سنة 796هـ. فأخذ عن مشايخ ذلك العصر، واجتمع بالحافظ العراقي فلازمه عشرة أعوام، وتخرّج به، فانتفع بملازمته، وقرأ عليه من الكتب والأجزاء الشيء الكثير. وأذن له في التدريس في علوم الحديث سنة 797هـ، وكان العراقي يعظّمه جدا. ثم قرأ وسمع من مسندي القاهرة ومصر الشيء الكثير.

رحلاته:
لقد استفاد الحافظ بن حجر من رحلاته الاستفادة الجمة، حيث حصّل السماع من شيوخ كبار، وسمع العوالي. ولقد رحل داخل مصر إلى قوص والصعيد والإسكندرية والقاهرة والجيزة وغيرها.

ثم رحل إلى اليمن مرتين الأولى سنة 799هـ، والثانية سنة 806هـ، فحصّل فيها العلم الغزير. ورحل إلى الحجاز غير مدة للحج والمجاورة والعلم. ورحل أيضا إلى الديار الشامية.

شيوخه ومن أخذ عنهم العلم:
لقد استفاد الحافظ بن حجر من الشيوخ واجتمع له منهم ما لم يجتمع لأحد من أهل عصره. فشيوخه كثيرون جدا، وقد جمعهم في كتاب جليل القدر أسماه: " المَجْمَع المؤسَّس للمُعْجَم المفهرَس" ورتبهم على حروف الهجاء. ويبلغ عددهم تقريبا 628 شيخا.

فممن أخذ عنهم القراءات: الشيخ برهان الدين إبراهيم بن أحمد التنوخي البعلي. وصدر الدين محمد بن عبد الرزاق السفطي المقرئ. والشهاب أحمد بن محمد الخيوطي.

وممن أخذ عنهم الفقه وأصوله: الإمام البلقيني. والعلامة سراج الدين بن الملقن. والعالم برهان الدين الأبناسي. والشيخ محمد بن علي بن القطان. والشيخ ابن جماعة.

وممن أخذ عنهم اللغة والأدب: إمام عصره في اللغة محمد بن يعقوب الشيرازي، الفيروزآبادي. والشيخ محمد بن إبراهيم البشتكي. وابن هشام الإمام الشهير.

وممن أخذ عنهم الحديث: الحافظ العراقي: والحافظ علي الهيثمي. والحافظ جمال الدين ظهيرة. والشيخة فاطمة بنت المنجا التنوخية. وغيرهم.

مهامه:
ولي الحافظ بن حجر مناصب عديدة، وشغل وظائف كثيرة:
منها الإملاء: فقد شرع الحافظ بن حجر في عقد مجالس الإملاء ابتداء بسنة 808هـ.
ومنها التدريس: وقد أذن له بالتدريس كبار شيوخه. فدّرس التفسير والحديث والفقه في مدارس عديدة.
ومنها الإفتاء: فقد ولي إفتاء " دار العدل" واحدا وأربعين عاما، وذلك من سنة 811هـ، واستمرت معه حتى وفاته رحمه الله تعالى.
ومنها القضاء.
ومنها الخطابة والإمامة والوعظ: فقد تولى وظيفة الخطابة بالجامع الأزهر وغيره من مساجد مصر.

تلاميذه ومن أخذ عنه العلم:
ومن أهم تلاميذه الذين أخذوا عن الحافظ بن حجر العلم والحديث:
الحافظ شمس الدين، السخاوي. والحافظ برهان البقاعي. والحافظ زكريا الأنصاري، شيخ الإسلام. والحافظ محمد بن محمد بن الخيضري. والحافظ كمال الدينابن الهمام. والحافظ قاسم بن قطلوبغا. والحافظ ابن الشحنة. وغيرهم الكثير.

مصنفاته:
ابتدأ الحافظ بن حجر بالتصنيف في حدود سنة 796هـ. وبسبب هذه البداية المبكرة في التصنيف، وما رزقه الله من سعة الإطلاع، ودقة الفهم، والذكاء المفرط، كان للحافظ بن حجر المؤلفات البديعة، والمصنفات الكثيرة الماتعة.

ولقد أوصل الحافظ السخاوي عدد مصنفات الحافظ إلى 27 مصنفا. وعدّ منها الحافظ السيوطي في نظم العقيان 198 مصنفا.

ومن أهم مصنفاته:
فتح الباري شرح صحيح البخاري. وتهذيب التهذيب. وتقريب التهذيب. ولسان الميزان. والإصابة في تمييز الصحابة، وإتحاف المهرة بأطراف العشرة. والنكت على مقدمة بن الصلاح. وأطراف المسند المعتلي بأطراف المسند الحنبلي. وأمالي الأذكار المسمى: نتائج الأفكار في تخريج أحاديث الأذكار. والأمالي الحلبية. وانتقاض الاعتراض. وتخريج أحاديث مختصر بن الحاجب. وتغليق التعليق. تعريف أهل التقديس بمراتب الموصوفين بالتدليس. التلخيص الحبير في تخريج أحاديث الرافعي الكبير. العجاب في بيان الأسباب ـ وهو كتابنا الذي نقدمه ـ. القول المسدد في الذب عن مسند الإمام أحمد. الكافي الشاف في تخريج أحاديث الكشاف. المطالب العالية بزوائد المسانيد الثمانية. نخبة الفكر في مصطلح أهل الأثر. شرح نخبة الفكر: نزهة النظر في توضيح نخبة الفكر. النكت الظراف على الأطراف. تبصير المنتبه بتحرير المشتبه. نزهة الألباب في الألقاب. تعجيل المنفعة بزوائد رجال الأئمة الأربعة. إنباء الغمر بأنباء العمر. الدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة. رفع الأصر عن قضاة مصر. بلوغ المرام من أدلة الأحكام. غيرها الكثير.

مكانته وثناء الأئمة عليه:
أثنى على الحافظ بن حجر أشياخه، ومعاصروه من أقرانه، وتلامذته، والأئمة الكبار من بعده. ومن ذلك:
ما قاله الحافظ السخاوي: فأما ثناء الأئمة عليه فاعلم أن حصر ذلك لا يستطاع وهو في مجموعه كلمة إجماع. انتهى.

وقال الإمام العراقي عنه: "الشيخ العالم الكامل الفاضل المحدّث المفيد المجيد، الحافظ المتقن، الضابط الثقة المأمون، شهاب الدين أحمد أبو الفضل بن الشيخ الإمام العالم الأوحد المرحوم نور الدين".

وقال عنه برهان الدين الأبناسي: الشيخ الإمام العلامة، المحدث المتقن المحقق الشيخ شهاب الدين أبو الفضل أحمد بن الشيخ الإمام العالم صدر المدرسين، مفتي المسلمين أبي الحسن علي الشهير بابن حجر.

وقال أبو زرعة: الشيخ الإمام، والسيد الهمام، ذي الأوصاف الحميدة، والمناقب العديدة، جمال المحدثين، مفيد الطالبين، شهاب الدين أبي الفضل.

وقال ابن قاضي شهبة: بقية العلماء الأعلام، قاضي القضاة، وصاحب المصنفات التي سارت بها الركبان. وقال: وبالجملة فهو إمام زمانه، وحافظ وقته أوانه، وعنده من الذكاء والفطنة وصفاء القريحة ما تحيّر فيه الأمصار.

وقال البقاعي: شيخ الإسلام، وطراز الأنام، عَلَم الأئمة الأعلام، حافظ العصر، وأستاذ الدهر، سلطان العلماء، ملك الفقهاء...

ويقول الحافظ السيوطي: شيخ الإسلام وإمام الحفاظ في زمانه، وحافظ الديار المصرية، بل حافظ الدنيا مطلقا.

وفاته وما قيل في رثائه:
توفي رحمه الله تعالى ليلة السبت المسفرة عن الثامن و العشرين من ذي الحجة، بعد العشاء بنحو ساعتين. وحزن الناس لموته، وقفلت الأسواق، وغلقت الحوانيت، وشوهدت له جنازة عظيمة، لم يكن بعد جنازة ابن تيمية أحفل منها. فاجتمع في جنازته من الخلق ما لا يحصيهم إلا الله عز وجل، وشيّعته القاهرة كلها في موكب مهيب. وصلّى عليه العَلَم البلقيني بإذن الخليفة بمصلّى المؤمنين بالرميلة خارج القاهرة، ونقل نعشه إلى القرافة الصغرى حيث دفن بتربة بني الخرّوبي المقابلة لجامع الديلمي، ونقل نعشه إلى القرافة الصغرى حيث دفن بتربة بني الخرّوبي المقابلة لجامع الديلمي، بين تربة الإمام الشافعي والشيخ مسلم السلمي.

ومما قيل في رثائه: ما قاله شهاب الدين المنصوري:



بكاك العلم حتى النحو أضحى.... مع التصريف بعدك في جدال
وقد أضحى البديع بلا بيان .....قد سلفت معانيه الغوالي
وقد درستْ دروس العلم حزنا.... وقد ضلّ الجواب عن السؤال

تنكرت المعارف في عياني ...وتمييزي غدا في سوء حال
وما عوضت من بدل وعطف ....سوى توليد سقمي واعتلالي
ولم جنتِ المنون على كرام... وجندلت الكميَّ بلا قتال
فيا قبرا ثوى فيه تهنى... فقد حزت الجميل مع الجمال
سقاك الله عينا سلسبيلا.... وأسبغ ما عليك من الظلال
رحم الله الإمام الحافظ بن حجر العسقلاني، وجزاه الله خير ما جازى داعية حق وعالم عَلَم، وأسكنه فسيح جناته.