سلسلة أعلام الأمة (29)
الشـــــــيخ عبد القادر الجيلاني
الإمــــــــام الزاهـــــد القــدوة
الإمام العارف شيخ العراق في وقته و من تُضرب الأمثال بنور بصيرته و صفاء سريرته له كرامات مشهورة و أخبار مدونة مسطورة .
------------------------- الحافظ أبو بكر محمد بن عبد الغني البغدادي الحنبلي .
المــــــولــد : سنة 470 هـ في جيلان .
حسني النسب و قد أخطأ بعضهم عندما نسبه للحسين فالشيخ عبد القادر كان لا يحب ذكر نسبه و في ذلك يقول حفيده قاضي القضاة عماد الدين نصر بن عبد الرزاق بن عبد القادر :
نحن من أولاد خير الحسنين *** من به أصلح بين الفئتين
يـشبه المـختـار في أعـلاه إذ *** كان أدناه شبيها بالحسين
سـر كـتمـان أبـينـا أصـله *** أنه قال بأن الفقر زين
وُلد الشيخ عبد القادر في مدينة صغيرة اسمها ( نيف ) في إقليم جيلان في شمال إيران .
و الشيخ عاش يتيما في كنف جده لأمه السيد عبد الله الصومعي و كان له أخ أكبر منه اسمه عبد الله توفي شابا في جيلان .
لم يكن في جيلان ما يرضي طموح الشيخ عبد القادر و يروي ظمأه من علوم الشريعة لذلك أخذت تحدثه نفسه بالسفر إلى بغداد و كان أهل جيلان يدينون بالمذهب الحنبلي . أسرّ لأمه بما يحدث به نفسه فارتاعت و حزنت و علمت إنه إذا سافر في هذه السن فلن تراه ثانية .
بدأت الأم تجهز ابنها للسفر و هي تكفكف دمعا لا يجف . كان معها 80 دينارا خلفها زوجها الراحل أرادت أن تعطيها للشاب المسافر الذي أبى أن يأخذ إلا 40 دينارا و يترك 40 لأخيه فوضعتها الأم في كيس و ثبتت الكيس في فتحة كمه من ناحية الإبط ليكون بعيدا عن أعين النشالين و اللصوص .
سارت القافلة و وصلت همذان و استراحت بضعة أيام فيها ثم غادرت إلى بغداد .
و بعد أن قطعت قسما من الطريق هاجم عدد من قطاع الطرق القافلة و صاروا يفتشون رحالها و يأخذون ما خف وزنه و غلا ثمنه مر أحد اللصوص على الشيخ فرآه شابا بسيطا فقيرا فقال له :
هل معك شيء ؟ وانتقل للذي بعده لأنه كان متأكد إن الإجابة ستكون لا ..
و لكن أتاه جواب جعله يتسمر مكانه أجاب الشيخ : نعم معي 40 دينارا . و لم يصدق اللص أذنيه فأعاد السؤال نفسه فأتاه نفس الجواب فظن أن الشاب يستهزىء به فأخذه إلى زعيمهم و كلمه فقال له : هاتها . فأخرجها له . فعدها اللص فوجدها 40 كما قال . فقال للشيخ :
لما اعترفت عليها و ما كنا لنجدها ؟؟ فقال : أمي أوصتني بالصدق و عدم الكذب و أنا لا أكذب أبدا لأن المؤمن لا يكذب .
فتأثر رئيس اللصوص بكلامه و اغرورقت عيناه بالدموع و قال : أنت توصيك أمك فتحفظ وصيتها و نحن مضى علينا كذا سنة نقطع الطريق و ننهب الأموال و نروع الآمنين و نسمي أنفسنا مسلمين !!
اشهد علي يا بني أنني قد تبت من الآن و دعا أصحابه و قص عليهم الخبر فأعلنوا جميعهم التوبة و ردوا جميع المتاع و المال .
و كانت هذه أول امتحان للشيخ و أول كرامة له .
دخل الشيخ عبد القادر بغداد 488 هـ . و هي نفس السنة التي توفي فيها أبو الفضل التميمي و ترك الشيخ الغزالي التدريس في النظامية و آثر العزلة و الاختفاء و سافر منها إلى الشام و الحجاز .
كان عمر الشيخ 18 عاما و عاش فيها حتى 561 هـ عاصر كثيرا من الفتن و الإضطرابات العسكرية و السياسية و الثقافية و الفقهية و لك يكن لبني العباس أي سلطة فعلية بل كانت للسلاجقة .
و كانت الحرب تشتعل بين الحنابلة و بين و الأحناف من أجل تفسير أية و بين الحنابلة و بين الشافعية من أجل الجهر بالبسملة و اشتدت هذه الفتن بعدما ألف المجسم أبو يعلى كتاب الصفات حيث أُلصقت تهمة التجسيم بالحنابلة فضعف المذهب الحنبلي و أخذ الناس ينفضون عنه و كاد أن ينقرض لولا أن تجدد على يد الشيخ عبد القادر .
تنقسم حياة الشيخ في بغداد إلى مرحلتين :
- الأولى من دخوله بغداد 488 هـ إلى توليه التدريس سنة 521 هـ .
- الثانية من توليه التدريس في مدرسته 521 هـ إلى حين وفاته سنة 561 هـ .
الفتــــــرة الأولــــى :
لقد ابتلي الشيخ عبد القادر بالفقر و الجوع و الفتن و الحرمان حتى أنه كان يقتات من حواشي الأنهار و يمشي على الشوك حافيا و ينام في الخرابات حتى قالوا عنه مجنون .
كان عدد سكان بغداد مليونين و في أوج حضارتها العلمية . استمرت فترة التدريس و التحصيل عند الشيخ عبد القادر 33 سنة .
شــــــيـوخـــــه :
سمع الحديث من :
- أبي غالب محمد بن الحسن الباقلاني
- و أبي بكر أحمد بن المظفر
- و أبي القاسم علي بن بيان الرزاز
- و أبي محمد جعفر بن أحمد السراج
- و أبي سعد محمد بن خشيش
- و أبي طالب بن يوسف
و تفقه على :
- أبي الوفا علي ين عقيل
- و أبي الخطاب محفوظ بن أحمد الكلوذاني الحنبلي
- و القاضي أبي سعد المبارك بن علي المخرمي
- و أبي الحسن محمد بن القاضي أبي يعلى الفراء الحنبلي .
و قرأ الأدب و علم البيان و البلاغة على
- أبي زكريا يحيى التبريزي
و أخذ التصوف على يد :
- أبي محمد جعفر بن أحمد السراج
- و الشيخ حماد الدباس
- و القاضي أبو سعيد المخرمي الذي أخذ الطريقة عنه و خلفه على مدرسته .
و قرأ القرأن و علومه و قراءاته و تفسيره على :
- أبي الوفا على بن عقيل الحنبلي
- أبي الخطاب الكلوذاني
و من شيوخه أيضا : - أبو الغنائم محمد بن محمد الفرسي و عبد الرحمن بن أحمد بن يوسف و أبو البركات هبة الله المبارك و غيرهم .
و أتم دراسة المذهبين الحنبلي و الشافعي .
و يجدر هنا أن نذكر أن ذلك الشاب الذي دخل جو بغداد و شاهد فيها من الفتن الشيء الكثير
خاف على دينه فآثر الهرب من بغداد وصل باب الحلبة فشعر بقوة خفية تعيده .
[ قيل بأنه الخضر عليه السلام طلب منه العودة و المواظبة على التعلم بمقابل أن يحفظ الله عليه دينه ] .
كما أنه هرب مرة و سار على غير هدى و وجد نفسه في ( تستر ) و أُعيد إلى بغداد .
و لكنه اعتزل / 14 / سنة في برج سُمي باسمه فيما بعد حتى أدب نفسه و هذبها و دخل بغداد ثانية .


مــــرحــلــة التدريس و التهيؤ للإرشــــاد و الإصـــــلاح
يقول ابن رجب : ظهر - الشيخ عبد القادر - للناس و جلس للوعظ بعد العشرين و خمسماية و حصل له القبول التام من الناس و اشتهرت أحواله و أقواله و كراماته و مكاشفاته و هابه الملوك فمن دونهم .
و يقول ابن الجوزي : درس بمدرسة شيخه المخرمي فتكلم على الناس بلسان الوعظ و ظهر له صيت بالزهد و ضاقت المدرسة بالناس و كان يجلس عند سور بغداد مستندا إلى الرباط و يتوب عنده في المجلس خلق كثير .
سلسلة الطريقة القادرية كما ذكرها ابن الملقن :
أبو محمد عبد القادر بن أبي صالح الجيلي عن أبي سعيد المبارك بن علي المخرمي عن الشيخ أبي الحسن علي بن محمد بن يوسف بن عبد الله القرشي عن ابي الفرج عبد الرحمن بن عبد الله الطرسوسي عن أبي الفضل عبد الواحد بن عبد العزيز التميمي عن والده الشيخ عز الدين عن الشبلي عن الجنيد عن سري السقطي عن معروف الكرخي عن داود الطائي عن حبيب العجمي عن الحسن البصري عن علي رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله تعالى عليه و آله و سلم .
- أو عن الجنيد عن جعفر الحذاء عن أبي عمر الإصطخري عن أبي تراب النخشبي عن شقيق البلخي عن إبراهيم بن أدهم عن موسى بن يزيد الراعي عن أويس القرني عن عمر و علي رضي الله عنهما عن رسول الله صلى الله تعالى عليه و آله و سلم .
و عن الاستاذ محمد العيني يذكر سندا للسلسلة بطريق آخر :
الشيخ عبد القادر عن أبي سعيد المخرمي عن أبي حسن علي بن محمد بن يوسف الخاكياري عن أبي الفرج يوسف الطرسوسي عن أبي الفضل عبد الواحد التميمي عن الشبلي عن أبي القاسم الجنيد عن السري عن معروف عن الإمام الرضا عن الكاظم عن الصادق عن الباقر عن زين العابدين عن الحسين عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله تعالى عليه و آله و سلم .
بعد وفاة المخرمي لم يجد تلاميذه من هو أفضل من عبد القادر ليكون مكانه في التدريس و الفتوى و الوعظ و الإرشاد .
صـفاتـــــــــــه :
يميل إلى الطول تبدو عليه أمارات النبل و الاستقامة عريض الجبهة يميل للسمرة يصل شعره إلى كتفيه عريض المنكبين متناسق الأعضاء عذب الصوت جهوريه ذو نطق متميز .
يقول الحافظ أبو عبد الله محمد بن يوسف البرزالي الإشبيلي :
كان - عبد القادر - مجاب الدعوة سريع الدمعة دائم الذكر كثير الفكر رقيق القلب دائم البشر كريم النفس سخي اليد غزير العلم شريف الأخلاق طيب الأعراف مع قدم راسخ في العبادة و الاجتهاد .
و مع جلالة قدرة كان يقف مع الصغير و الجارية و يجالس الفقراء و يفلي ثيابهم و لايقوم لأحد من العظماء و أعيان الدولة و لا يلم بباب وزير و لا سلطان .


لقد نشأ علم التصوف ردا على انحراف ميزان المجتمع الإسلامي بشدة نحو المادة و نحو الدنيا و زينتها و بالفعل نجح بفضل رجاله و أعلامه من الحد من قوة هذا الانجراف في كثير من الأحيان .
و كذلك كانوا في الصفوف الأولى ضد أي خطر خارجي على البلاد و لكن بما أن الصوفية ليست مذهبا أو حزبا أو دينا جديدا فلن ترى تلك الأخبار مستقلة بذاتها بل مثلهم مثل غيرهم من المسلمين .
[ ناهيك عن نشر الإسلام في بلاد لم يسمع بها غيرهم ممن يدعون أنهم حماة الدين .. نشروا الدين بدون أي إغراءات ]
مـــــرحـــــلــة التمكين و تربية المريدين :
بعد أن تولى الشيخ خلافة المخرمي في المدرسة ضاقت على التلاميذ لكثرتهم فاشتراها الأغنياء من التلاميذ و أعادوا بناءها بعد أن وسعوها بأموال الأغنياء و تعب الفقراء حتى إن هناك قصة تكتب بدمع العين و هي أن امرأة أتت بزوجها للشيخ عبد القادر و قالت : هذا زوجي لي عليه من مهري 20 دينارا ذهبيا و قد وهبت له نصفه بشرط أن يعمل في مدرستك بالنصف الثاني فقبل الزوج .
فكان الشيخ يعطيه أجرته يوما بيوم لعلمه بأنه فقير محتاج لعمل .
فقسم الشيخ البناء إلى مرسة و رباط الرباط للنوم و الأكل و التربية و المدرسة لتلقي العلوم المختلفة .
و تخرج على يديه الكثيرون و نشروا علمه و طريقته في الآفاق و كان يحضر مجلسه 70000 و يبلغ عدد المحابر 400 محبرة و أسلم على يديه 5000 كافر .
علومــــه :
درس رضي الله عنه الفقه مذهبا و خلافا و فروعا و أصولا و قرأ الأدب و البلاغة و سمع الحديث و رواه و أخذ التصوف و تأدب به على يد كبار علماء عصره .
قال ابن رجب : كان يتكلم في 13 علما .
يقول الحافظ أبو العباس أحمد البندنيجي حضرت أنا و الشيخ جمال الدين بن الجوزي مجلس سيدنا عبد القادر فقرأ القاري آية فذكر الشيخ في تفسيرها وجها فقلت للشيخ جمال الدين : تعلم هذا الوجه ؟ قال : نعم . ثم ذكر وجها آخر . فقلت له : هل تعلم هذا الوجه ؟ قال : نعم .
فذكر الشيخ : 11 وجها و أنا أقول له : أتعلم هذا الوجه ؟ و هو يقول : نعم ثم ذكر الشيخ : وجها آخر فقلت له : أتعلم هذا الوجه ؟ قال : لا حتى أكمل الأربعين وجها يعزو كل وجه إلى قائله و الشيخ جمال يقول : لا أعرف هذا الوجه و اشتد عجبه من سعة علم سيدنا الشيخ رضي الله عنه .
ثم قال الشيخ : نترك القال و نرجع إلى الحال : لا إله إلا الله محمد رسول الله فاضطرب الناس اضطرابا شديدا و خرق الشيخ جمال الدين بن الجوزي ثيابه .
و كان يحضر مجالس الشيخ كبار علماء العراق و مشايخه أمثال :
علي الهيتي و بقا بن بطو و موسى بن ماهين و أبو النجيب السهروردي و شهاب الدين السهرورردي و عثمان القرشي و ابي عبد الله القزويني و عثمان البطايحي و قضيب البان و أحمد القزويني و عبد القادر البغدادي و ابو يعلى الفراء و أبو القاسم البزار و غيرهم الكثير .
و كان للمدرسة مشايخ و علماء من تلاميذه يشرفون عليها منهم :
أحمد بن المبارك المرقعاتي و محمد بن الفتح الهروي و يشرف على الرباط الشيخ محمود بن عثمان بن مكارم النعال .
عـقـيـدتـــــه :
عقيدته الإتباع و نبذ الإبتداع و التقيد بالكتاب و السنّة في كل حال و كان يقول لأصحابه :
اتبعوا و لا تبتدعوا و أطيعوا و لا تخالفوا و اصبروا و لا تجزعوا و انتظروا و لا تيأسوا .
و كان يقول :
يا غلام صحبتك للأشرار توقعك في سوء الظن بالأخيار امش تحت كل كتاب الله و سنة رسوله صلى الله عليه و سلم و قد أفلحت .
- و كان موحدا مخلصا في أقواله و أفعاله كلها . كان يقول :
الدواء في توحيد الله عز و جل بالقلب لا باللسان فحسب .
- و في الصفات كان يقول :
لا تشبيه و لا تعطيل و لا تجسيم . و بذلك نفى التجسيم الذي اُتهم به بعض علماء الحنابلة و الذي كان سببا في انفضاض الناس من حولهم و أحيا المذهب الجنبلي من جديد .
أسس الطرقة القادرية العليّة :
وضع الشيخ سبعة أسس لطريقته :
المجاهدة - التوكل - حسن الخلق - الشكر - الصبر - الرضا - الصدق .
كـــراماتــــه :
يقول ابن قدامة صاحب المغني : لم أسمع عن أحد يُحكى عنه من الكرامات أكثر مما يُحكى عن الشيخ عبد القادر .
و قال العز بن عبد السلام : لم تتواتر كرامات أحد من المشايخ إلا الشيخ عبد القادر فإن كراماته نُقلت بالتواتر .
وفـــــــــاتــــه : ليلة السبت 8 ربيع الآخر سنة 561 و بلغ 90 سنة ذكره ابن الجوزي في المنتظم .
لم يمرض في حياته مرضا سوى مرض موته و ادم يوما و ليلة فقط .
و قد سأله ابنه عبد العزيز عن مرضه فقال له : لا يسألني أحد عن شيء أنا أتقلب في علم الله عز و جل إن مرضي لا يعلمه أحد و لا يعقله أحد .
و سأله ابنه عبد الجبار : ماذا يؤلمك من جسمك ؟ فقال رضي الله عنه :
جميع أعضائي تؤلمني إلا قلبي فما به ألم و هو مع الله عز و جل .