إذا كانت هذه زيارتك الأولى يرجى الاطلاع على الرابط التالي الأسئلة ولكي تتمكن من كتابة مواضيع وإرسال رسائل خاصة لابد لك منالتسجيل
صفحة 2 من 3 الأولىالأولى 123 الأخيرةالأخيرة
النتائج 11 إلى 20 من 26

الموضوع: سلسلة دروس في علم الكلام

  1. #11
    Super Moderator
    رقم العضوية : 51
    تاريخ التسجيل : Mar 2017
    المشاركات: 132
    التقييم: 10

    سلسلة دروس في علم الكلام(11)

    سلسلة دروس في علم الكلام -11- صفات الله تعالى
    ما أثبتناه لحدّ الآن من الصّفات –غيرِ الوجود- (القِدَم، البقاء، المخالفة للحوادث، القيام بالنّفس، الوحدانيّة) هي صفاتٌ سلبيّةٌ، بمعنى أنّ مفهومها ومعناها سلبُ أمورٍ لا تليق عن الله تعالى، فالقِدَم هو سلب العدم السّابق للوجود (أو سلب الأوّليّة)، والبقاء هو سلبُ إمكانِ العدم اللّاحق للوجود (فبقاء الله واجبٌ له، وهو باقٍ بنفسه لا بغيره)، والمخالفة سلب المماثلة والمشابهة، والقيام بالنّفس نفي كونه معنًى يقوم بغيره، ونفي المخصّص عنه تعالى، والوحدانيّة سلب الكُمُومِ الخمسة على ما تقدّم.
    أمّا الوجود، فهو صفةٌ نفسيّةٌ، وهي صفةٌ ثبوتيّةٌ يدلّ الوصف بها على نفس الذّات دون معنًى زائدٍ عليها.
    وأمّا صفات المعاني، فهي المعاني القديمة الثّابتة لله تعالى، الزائد مفهومها عن مفهوم الذّات، القائمة بها، وسيأتي بيانها إن شاء الله.

  2. #12
    Super Moderator
    رقم العضوية : 51
    تاريخ التسجيل : Mar 2017
    المشاركات: 132
    التقييم: 10

    سلسلة دروس في علم الكلام(13)

    سلسلة دروس في علم الكلام -13- صفات الله تعالى
    تقديم الصّفات السّلبيّة بالبحث والتّدليلِ من العلماء رعايةٌ لمقام التّنزيه، حتّى لا يسبق فهم فاهِمٍ من صفات المعاني إلى معانٍ فاسدةٍ، وهذا متناسبٌ مع قوله تعالى: (ليس كمثله شيءٌ وهو السّميع البصير)، فقدّم التّنزيه والسّلب.
    وبعد إتمام الكلام عن صفات السّلب، نشرع في الكلام على غيرها، فنقول:
    موجِدُ العالم لا بدّ أن يكون قادرًا، لأنّه إن لم يكن قادرًا لم يُمكن حصول العالم منه، إذ القادر هو من يتأتّى منه الفعل.
    مُريدًا، لأنّه إن لم يكن مُريدًا، لا يخلو إمّا أن يصدر عنه العالم بالإيجاب، ويلزم حينها قِدَمُ العالم، أو ألّا يترجّحَ وجود العالم على عدمه، وكلاهما باطلٌ لثبوت وجود العالم وحدوثِه.
    عالمًا، لأنّ غيرَ العالِم لا يتأتّى منه الخلق، قال تعالى: (ألا يعلم من خلق وهو اللّطيف الخبير)، ولدلالة هذا العالَم المُحكَمِ على عِلمِ صانعه.
    حيًّا، لأنّ الحياة شرطٌ في جميع ما تقدّم، ومتى ما ثبت المشروط، ثبتَ شرطُهُ، قال تعالى: (وتوكّل على الحيّ).

  3. #13
    Super Moderator
    رقم العضوية : 51
    تاريخ التسجيل : Mar 2017
    المشاركات: 132
    التقييم: 10

    سلسلة دروس في علم الكلام(14)

    سلسلة دروس في علم الكلام -14- الصّفات وبعض أحكامها
    ومن الصّفات الثّابتة لله تعالى السّمع والبصر والكلام، وثبوت هذه الأخيرة بالسّمع، قال تعالى: (وهو السّميع البصير)، (وكلّم الله موسى تكليمًا).

    وصفات الله تعالى السّبعة التي أثبتناها ليس هي ذات الله تعالى، بل هي معاني زائدةٌ عن مفهوم الذّات ثابتةٌ لها، فقولنا مثلًا: عالمٌ ليس له نفس معنى: موجودٌ، ففي الأوّل إثباتُ معنًى زائِدٍ عن مفهوم الوجود وهو ثبوت العلم لله تعال.
    وليس معنًى كلّ صفةٍ هو معنى الصّفة الأخرى، فليست القدرة مثلًا هي نفس الإرادة ولا نفس العلم، وهكذا.
    وكلّ صفات الله تعالى قديمةٌ، لا يجوز أن يكون شيءٌ منها حادثٌ، لأنّ القديم لا يجوز أن يتّصف بالحوادث، إذ ما يتّصف بالحوادث لا يُفارقها، وما لا يُفارق الحادث حادثٌ.
    وحقيقة ذات الله تعالى ليست معلومةً لنا، ولا حقائق صفاته، إلّا أنّا ندرك أحكامها، والتّعريفات المذكورة في الصّفات هي تعريفاتٌ بالرّسم والأثر لا بالحدّ، ومن أجود ما ذُكِر فيها:
    القدرة: هي صفةٌ يتأتّى بها إيجاد كلّ ممكنٍ وإعدامه على وفق الإرادة.
    الإرادة: صفةٌ يتأتّى بها تخصيص الممكن ببعض ما يجوز عليه.
    العلم: صفةٌ ينكشف بها المعلوم على ما هو به انكشافًا لا يتحمل النّقيض بوجهٍ.
    الحياة: صفة تصحّح لمن قامت به أن يتصف بالقدرة وغيرها من الصّفات.
    السمع صفة وجودية قديمة قائمة بذاته تعالى، تنكشف بها الموجودات.
    البصر صفة وجودية قديمة قائمة بذاته تعالى، تنكشف بها الموجودات.
    وهل انكشاف السّمع والبصر يخالف الانكشاف بالعلم، قولان، ومن قال بالمخالفة زاد في التّعريفين: انكشافًا مغايرًا للانكشاف بالعلم.

  4. #14
    Super Moderator
    رقم العضوية : 51
    تاريخ التسجيل : Mar 2017
    المشاركات: 132
    التقييم: 10

    سلسلة دروس في علم الكلام(15)

    سلسلة دروس في علم الكلام -15- كلام الله تعالى
    وقد أخّرت الكلام عن كلام الله تعالى لكثرة الخلاف حوله والكلام فيه، وملخّص القول فيه، أنّ الله تعالى له كلامٌ نفسيٌّ به يدلّ على معلوماته تعالى، وقد تواتر النّقل عن الأنبياء وعن الشّرائع أنّ الله تعالى متكلّمٌ.
    والكلام إمّا لفظيٌّ، وإمّا غيرُ لفظيٍّ، فمن الثّاني ما يقوم بالنّفوس البشريّة من المعاني كما قال تعالى: (وَيَقُولُونَ فِي أَنفُسِهِمْ لَوْلا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ)، (يعلم ما في أنفسكم فاحذروه)، وكما ورد بالحديث: (إني لأحدث نفسي بالشيء لو تكلمت به لأحبطت أجري) فقال صلى الله عليه وسلم: لا يلقى ذلك الكلام إلّا مؤمن.
    وكلام الله تعالى يُطلق بالاشتراك على المعنى القائم بذاته العليّة، وعلى النّظم والتّركيب العربيّ المُعجِز المُنْزَل على سيّدنا محمّدٍ صلّى الله عليه وسلّم، والأوّل صفةٌ قديمةٌ يستحيل عليها صفات الحوادث من التّركيب والتّقدّم والتّأخّر، ويستحيل أن تكون عرضًا بأن تكونَ حرفًا أو صوتًا، وذلك لاستحالة حلول الحوادث بذات الله تعالى، والثّاني حادثٌ مخلوقٌ غيرُ قائِمٍ بذات الله تعالى، وهو دالٌ دلالة مطابقةٍ على بعض متعلّقات الكلام النّفسيّ، ودلالة التزامٍ على وجود نفس النّفسيّ.
    والمخالفون لأهل السنّة في هذه المسألة اشتركوا في نفيهم للكلام النّفسيّ، فهم كلّهم قائلون بأنّ الكلام لا يكون إلّا بحرفٍ وصوتٍ، وهذا منهم محضُ وهمٍ، فالإنسان يُدرك بالضّرورة قيام معاني بنفسه دالّةٍ على بعض معلوماته، وليس هذه المعاني أصواتًا وحروفًا، وهذا الاستدلال لإبطال انحصار الكلام في اللّفظيّ، لا في أنّ كلام الله هو مثل هذه المعاني، تعالى عن ذلك، وجملةُ أقوال المخالفين في هذه المسألة:
    - الكلام اللّفظيّ حادثٌ قائِمٌ بذات الله تعالى، وقال به الكرّاميّة، والرّدّ عليهم بمنع قيام الحوادث بذات القديم الواجب.
    - الكلام اللّفظيّ حادثٌ غيرُ قائِمٍ بذات الله تعالى، وقال بهذا المعتزلة، ونحن نوافقهم على كون اللّفظيّ غير قائِمٍ بذات الله، وعلى حدوثه، لكنّا نثبت شيئًا وراء ذلك، وهو الكلام النّفسيّ.
    - الكلام اللّفظيّ قديمٌ قائِمٌ بذات الله تعالى، وهم الحشويّة من الحنابلة، والرّدّ عليهم باستحالة قِدَم اللّفظ والصّوت.
    وقد ابتدع بعض الزّائغين منهم قولًا جديدًا في المسألة، وهو أنّ كلام الله قديمٌ بالنّوع حادثٌ بالآحاد، وهو ابن تيميّة الحرّانيّ -الذي أعاد بعث الحشويّة بالقرن الثّامن-، والحشويّة عمومًا مغالون جدًّا في مسألة الكلام، فمع كون قولهم فاسدًا، إلّا أنّهم يتعصّبون له أشدّ تعصّبٍ، ويصرّح الكثير منهم بكُفر من يقول بغير قولهم.
    ووراء ما ذكرنا من المسائل مسائلُ أُخَر متعلّقةٌ بالكلام، تُطلب من كتب الكلام، والله الموفّق.

  5. #15
    Super Moderator
    رقم العضوية : 51
    تاريخ التسجيل : Mar 2017
    المشاركات: 132
    التقييم: 10

    سلسلة دروس في علم الكلام(16)

    سلسلة دروس في علم الكلام -16- تعلّقات الصّفات
    من المسائل التي ينبغي ضبطها، هو التّفصيل في تعلّقات الصّفات، ولنقدّم أوّلًا بتعريف التعّلق:
    معنى التعلّق: هو طلبة الصّفة أمرًا زائدًا عن قيامها بالذّات، كالكشف للعلم، والدّلالة للكلام.
    ومعنى التعلّق الصّلوحي: هو الصّلاحيّة للتعلّق الفعليّ التّنجيزيّ، كقولنا عن السّيف وهو في الغِمد أنّه قاطعٌ، والقطع غيرُ حاصِلٍ به حال كونه في الغمد، إلّا أنّه صالحٌ للقطع، وأمّا التّعلّق التّنجيزيّ، فهو ما تمّت جميع جهاته وحصل به تعلّق الصّفة بمتعلَّقِها فعلًا، وههنا مباحث تُطلب من المطوّلات.

    إذا تقرّر هذا، فالصّفات من حيث التّعلّق وعدمه قسمين:
    صفاتٌ ليس لعا تعلّقٌ، وهي الحياة، إذ لا تطلبُ الحياة معنًى زائِدًا على قيامها بالذّات، ولا يُنتظر لتمام المعنى عند العقل أمرٌ آخر غير مجرّد التّصديق بقيامها بالذّات.
    صفاتٌ لها تعلُّقٌ، وتنقسم من حيث تعلُّقُها إلى أقسامٍ.
    صفةٌ لها تعلُّقُ التّخصيص: وهي الإرادة، والإرادة متعلّقةٌ تعلّقًا تنجيزيًّا قديمًا بجميع ما سيكون من الممكنات، بمعنى أنّ الله رجّح في الأزل وقوع ما سيقع من الممكنات وأرادها.
    صفةٌ لها تعلُّقُ تأثيرٍ، وهي القُدرة، والقدرة متعلّقةٌ بجميع الممكنات تعلُّقًا صلوحيًّا، بمعنى أنّها صالحةٌ لأن تتعلّق بها فعلًا (تعلّقًا تنجيزيًّا)، وهي متعلّقةٌ ببعض الممكنات تعلُّقًا تنجيزيًّا حادثًا تابعًا لما تعلّقت بها الإرادة، إذ تعلُّقُ الإرادة التّنجيزيُّ قديمٌ، وتعلُّقُ القُدرة التّنجيزيُّ حادثٌ.
    وكلّ من القدرة والإرادة لا يتعلّقُ بالواجبات والمستحيلات، إذ تعلُّقُ القدرة بالتّأثير، وتعلّق الإرادة بالتّرجيح، وكلاهما إمّا إيجادٌ أو إعدامٌ، والواجب لا يقبل الإيجاد لأنّه موجودٌ، ولا يقبل الإعدام لحقيقته، والمستحيل لا يقبل الإيجاد لحقيقته، ولا يقبل الإعدام لانعدامه أصلًا، فظهر بهذا أنّ حقيقة الواجب والممكن لا تقبل التّأثير أصلًا، فعدم تعلّق القدرة والإرادة بهما إنّما هو لعدم صلاحيّتهما لذلك، لا لعجزٍ في القدرة أو الإرادة، بل عجز القدرة هو تخلّفها عن صلاحيّة التعلّق ببعض ما يجوز أن تتعلّق به –وهو الممكن- وذلك مُحالٌ.
    صفاتٌ لها تعلُّقُ الكشف، وهي العلمُ والسّمع والبصر، إذا لها تعلُّقُ كشفٍ من غيرِ سبقِ خفاءٍ.
    صفةٌ لها تعلُّقُ دلالة، وهو الكلام، إذ هو دالٌّ على معلومات الله تعالى، وتعلُّقُه تنجيزيٌّ قديمٌ.
    ويُمكن تقسيم الصّفات المتعلّقة بحسب متعلَّقاتها إلى:
    صفاتٌ متعلّقةٌ بجميع أقسام الحُكم العقليّ الثّلاث (الواجب، الجائز، المستحيل)، وهي العلم والكلام.
    صفاتٌ متعلّقةٌ بالممكنات فقط، وهي الإرادة والقدرة، إذ غيرُ الممكنات (الواجبات والمستحيلات) لا تقبل التّأثير.
    صفات لها تعلُّقٌ بالموجودات، وهي السّمع والبصر.
    والله أعلم.

  6. #16
    Super Moderator
    رقم العضوية : 51
    تاريخ التسجيل : Mar 2017
    المشاركات: 132
    التقييم: 10

    سلسلة دروس في علم الكلام(17)

    سلسلة دروس في علم الكلام -17- صفاتٌ مختلفٌ في إثباتها
    ما أدّى إليه الدّليل العقليّ ودلّ عليه الشّرع من صفات الله تعالى هو ما تقدّم ذكره منها، وقد اختُلِف في صفة التّكوين، فقال الماتريديّة بإثباتها، وجعلوا التّأثير بها، مع قولهم بأنّ القدرة مهيّئةُ للممكنات ومصحّحةُ لتعلّق التّكوين بها، ولم يُثبت الأشاعرة صفةً يحصل بها التّهيئة، بل قالوا أنّ مصحّح المقدوريّة هو الإمكان، ولا حاجة إلى صفةٍ أخرى لإثباته، والأشاعرة يجعلون التّأثير بالقدرة لا بالتّكوين.
    كما اختُلِفَ في إثبات صفةِ الإدراك، وهي صفةٌ تتعلّق بالمشمومات –كالرّوائح- والملموسات –كالنّعومة- والمذوقات –كالحلاوة-، فأثبتها بعضُهُم بناءً على كونها كمالًا يجب اتًّصاف الله بها، مع نفيهم الجارحة والمماسّة وسائر ما يستلزم الحدوث، ونفاها بعضهم مكتفيًا بالعلم عنها، ووقف آخرون.

  7. #17
    Super Moderator
    رقم العضوية : 51
    تاريخ التسجيل : Mar 2017
    المشاركات: 132
    التقييم: 10

    سلسلة دروس في علم الكلام(18)

    سلسلة دروس في علم الكلام -18- أحكام عامّةٌ للصّفات
    1- الصّفات زائدةٌ عن الذّات، فلو لم تكن الإرادةُ والقدرة مثلًا زائدةً عن ذات الله، لكانت الذّات كافيةً في إيجاد العالم، ولحصل وجوده في الأزل، وذلك مُحالٌ لحدوثه.
    2- الصّفات قائمةٌ بذات الله لا بغيره، إذ المتّصف بالشّيء هو ما قام به ذلك الشّيء، لا من أوجده أو قام بغيره.
    3- الصّفات قديمةٌ غيرُ حادثةٍ، إذ لو كانت حادثةً لما خلت الذّات عن الاتّصاف بها أو بأضدادها (فالشّيء لا يخلو عن الاتّصاف بالصّفة أو ضدّها، إذا صحّ له الاتّصاف بها)، وما لا يخلو عن الحوادث فحادثٌ، فبطل حلول الحوادث بذات الله.
    والمخالف يقول بحدوث الإرادة أو العلم أو الكلام، وسنشير إلى فسادٍ كلٍّ منها.
    أمّا الإرادة، فلو كانت حادثةً، فإمّا أن تحتاج إلى إرادةٍ أخرى، وهكذا لا إلى نهاية، أو أنّها حدثت بلا إرادةٍ، والأوّل باطلٌ لاستحالة التّسلسل، والثّاني يلزم منه حدوثُ حادثٍ بلا إرادةٍ، وهذا يلزم منه التّرجيح بلا مرجّحٍ، وينسدّ معه الباب لإثبات الإرادة، فليكن العالم إذًا حادثًا بلا إرادةٍ أصلًا.
    وأمّا العلم، فلو كان حادثًا، للزم الجهل قبله وكان قديمًا، والقديم لا يجوز زواله وتغيّره، وشبهة القائل بحدوثه أنّه إن ثبت في القِدَم لكن متعلِّقًا بأنّ العالم موجودٌ مثلًا، مع كونه غير موجودٍ أزلًا، وجوابه أنّ العلم يتعلّق تعلّق انكشافٍ أزلًا بما سيقع فيما لا يزال، ولا إشكال في ذلك.
    وأمّا الكلام، فالقائل بحدوثه في ذات الله يدّعي أنّه أصواتٌ ويجعله متعلَّقَ الإرادة، وبطلان هذا ظاهرٌ، إذ يستحيل قيام الصّوت بذات الله، لأنّه تموُّجٌ وكيفيّةٌ في الهواء، والقائل بحدوثه يتمسّك بمثل قوله تعالى (إنّما قولنا لشيءٍ إذا أردناه أن نّقول له كن فيكون)، والجواب أنّ الكلام كاشفٌ لا مؤثّرٌ، وكلمة 'كن' الحادثة إن حدثت بلا سبق 'كن' أخرى، فليكن العالم حادثًا بلا كُن، وإلّا -بأن كانت حادثةً بـ'كن' أخرى- للزم التّسلسل، ثمّ 'كن' خطابٌ للعالم في حالة العدم أم الوجود؟ فإن كان في حالة العدم، فالمعدوم لا يفهم الخطاب، وإن كان في حالة الوجود فالكائن كيف يُقال له كُن؟
    وقد أجاد الإمام حجّة الإسلام الغزاليّ حيث قال: فهؤلاء حقّهم أن يسترزقوا الله عقلًا، فهو أهمّ لهم من الاشتغال بالنّظر ... فانظر ماذا يفعل الله تعالى بمن ضلّ عن سبيله، فقد انتهى ركاكة عقولهم إلى أن لم يفهموا المعنيّ بقوله تعالى (إذا أردناه أن نّقول له كن فيكون) وأنّه كنايةٌ عن نفاذ القدرة وكمالها، حتّى انجرّ بهم إلى هذه المخازي، نعوذ بالله من الخزي والفضيحة يوم الفزع الأكبر.

  8. #18
    Super Moderator
    رقم العضوية : 51
    تاريخ التسجيل : Mar 2017
    المشاركات: 132
    التقييم: 10

    سلسلة دروس في علم الكلام(19)

    سلسلة دروس في علم الكلام -19- تتميمٌ في الكلام عن الموهمات
    بعدما أنهينا الكلام في صفات الله تعالى، نُشير إلى أنّ بعض النّاس ادّعى صفاتٍ أخرى لله غير ما ذكرنا، وذلك كاليد والوجه مثلًا، وما قالوه باطلٌ، إذ أمثال هذه الألفاظ لم توضع في اللّغة لمعانٍ تقوم بالذّوات، بل هي أبعاضٌ وأجزاءٌ من الأجسام، فلا يُعقل كونها معانٍ، وهي قطعًا بمعانيها اللّغويّة الظّاهرة منها غيرُ مرادةٍ من نصوص الشّريعة، لأنّ الشّريعة لا تأتي بما يُخالف قواطع العقل، وإذا أتى ما يوهم ظاهره ذلك وجب تأويله تأويلًا إجماليًّا، بأن يُصرف عن ظاهره الموهِمِ، وهو ما يُسمّى بالتّفويض، وفي ترجيح التّأويل التّفصيليّ عليه خلافٌ.
    وما استدلّ به الخصم لا يُفيد مدّعاه، إذ ليس مطلق النّسبة تُفيد كون المنسوب صفةً، وذلك كالنّاقة والبيت، ثمّ ادّعاء كون تلك النّسب صفاتٍ زيادةٌ على الشّرع وعدم وقوفٍ عنده - ومدّعى الخصم خلافه- إذ لم يرد بالشّرع كون اليد مثلًا صفةً، وإن راموا قلب ذلك علينا، فجوابنا أنّا أثبتنا ما أثبتناه من الصّفات عقلًا لا نصًّا.
    ومن ذهب إلى أنّ المذكوراتِ صفاتٌ عينيّةٌ فظاهر قوله اعتقادُ التّجسيم، وهذا ما صار إليه المجسّمة والحشويّة، وعلى رأسهم ابن تيميّة ومتّبعوه من الوهّابيّة.
    وليس التّأويل مطلقًا مذمومًا بالشّرع، إذ قد ورد صريحًا في حديث أبي هريرة عند مسلمٍ: (إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَقُولُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَا ابْنَ آدَمَ مَرِضْتُ فَلَمْ تَعُدْنِي قَالَ يَا رَبِّ كَيْفَ أَعُودُكَ وَأَنْتَ رَبُّ الْعَالَمِينَ قَالَ أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ عَبْدِي فُلَانًا مَرِضَ فَلَمْ تَعُدْهُ أَمَا عَلِمْتَ أَنَّكَ لَوْ عُدْتَهُ لَوَجَدْتَنِي عِنْدَ) الخ الحديث، ففيه إقرارٌ للعبد باستنكاره الموهِم ما لا يليق بالله، وفيه صرفٌ للكلام عن ظاهره.
    هذا ومن ضوابط التّأويل مساعدةُ اللّغة والعقل والسّياق، والله أعلم.

  9. #19
    Super Moderator
    رقم العضوية : 51
    تاريخ التسجيل : Mar 2017
    المشاركات: 132
    التقييم: 10

    سلسلة دروس في علم الكلام(20)

    سلسلة دروس في علم الكلام -20- أفعال الله تعالى
    أفعال الله تعالى و-هي التّعلّقات التّنجيزيّة لقُدرته تعالى، مثل الخَلق والرّزق-، كلّها ممكنةٌ، لا يجب ولا يستحيل شيءٌ منها عقلًا، لاستحالة انقلاب حقيقة الممكن لذاته (وهو ما تعلّقت القدرة به، إذ لا تتعلّق بالواجب والمستحيل كما سبق) واجبًا أو مستحيلًا لذاته، وهي حادثةٌ كلّها، لا شيء منها قديمٌ، إذ كلُّ ممكنٍ حادثٌ (لاستحالة الرّجحان بلا مرجّحٍ).
    ويلزم على هذا بُطلان الوجوب على الله تعالى، فلا يجب عليه تعالى خلقٌ ولا رزقٌ ولا ثوابٌ ولا عقابٌ.
    وكلُّ ممكنٍ واقعٍ فهو بقُدرة الله تعالى وإرادته، لما مضى من دليل الوحدانيّة في الأفعال، ولأنّ المقتضى للقادريّة ذات الله تعالى متّصفةً بصفاتها، والمصحّح للمقدوريّة الإمكانُ.
    وأفعال العباد لمّا كانت ممكنةً، كانت داخلةً تحت قُدرة الله تعالى وإرادته لا محالة، فهي واقعةٌ بخلق الله، وبكسب العبد، والكسب هو تعلّق القدرة الحادثة للعبد بمقدورها من غير تأثيرٍ فيه، والتّكليف صحيحٌ، إذ ليس من شرطه الخلقُ، والفِعل يوصف به من قام بِه، لا من خلقه، والله أعلم.

  10. #20
    Super Moderator
    رقم العضوية : 51
    تاريخ التسجيل : Mar 2017
    المشاركات: 132
    التقييم: 10

    سلسلة دروس في علم الكلام(21)

    سلسلة دروس في علم الكلام -21- الأمر والإرادة
    الإرادة تختلف عن الأمر، إذ الإرادة هي التّرجيح، والأمر هو اقتضاء الفعل أو التّرك، وما كان كذلك فهو راجعٌ إلى الكلام لا إلى العلم ولا الإرادة ولا القدرة، فحقيقة الأمر خلافُ حقيقة الإرادة، وليس بينهما تلازمٌ عقليٌّ، إذ قد تتعلّق الإرادة بشيءٍ ولا يتعلّق به الأمر، وكذا العكس، فالأقسام أربعةٌ:
    - ما تعلّقت به الإرادة وتوجّه عليه الطّلب، وذلك كإيمان المؤمنين.
    - ما تعلّقت به الإرادة ولم يتوجّه إليه الطّلب، ككُفر الكافرين.
    - ما لم تتعلّق به الإرادة وتوجّه عليه الطّلب، كالإيمان من الكافرين.
    - ما لم تتعلّق به الإرادة ولم يتوجّه عليه الطّلب، كالكُفر من المؤمنين.
    والطّاعة والمعصية هي موافقة أو مخالفة الأمرِ لا الإرادةِ، فلا يرد أنّ الكافر طائِعٌ لله لموافقته إرادته.
    ومتعلّق الأمر قد يتخلّف، بخلاف متعلّق الإرادة، قال تعالى: (فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ).
    والمحبّة والرّضا تُطلق في العُرف على ما يُجازي الله عليه، فلا يكون الكُفر على هذا مرضيًّا، قال تعالى: (إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ)، والله أعلم.

صفحة 2 من 3 الأولىالأولى 123 الأخيرةالأخيرة

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

المفضلات

المفضلات

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •  

RSS RSS 2.0 XML MAP html  PHP  info tags Maps maptags vbmaps

الساعة معتمدة بتوقيت جرينتش +3 . الساعة الآن : 18:35.
الموقع غير مسؤول عن أي اتفاق تجاري أو تعاوني بين الأعضاء
فعلى كل شخص تحمل مسئولية نفسه إتجاه مايقوم به من بيع وشراء وإتفاق وأعطاء معلومات موقعه
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي موقع الأشاعرة و لا نتحمل أي مسؤولية قانونية حيال ذلك (ويتحمل كاتبها مسؤولية النشر)
الساعة الآن 06:33 PM
Powered by vBulletin® Version 4.2.3
Copyright © 2019 vBulletin Solutions, Inc. Translate By soft