الإمـــــام النسائي
اســـمـه : أبو عبد الرحمـٰن أحمد بن علي بن شعيب بن علي بن سنان بن بَحْر النسائي نسبة إلى نَسَا مدينة بخراسان كان حبرًا إمامًا من أئمة الدنيا في الحديث. ولد سنة خمس عشرة ومائتين للهجرة.
ولادتـــه : 215 هــ
دراسته : كان أبو عبد الرحمـٰن مقتديًا بالنبي محمد صلى الله عليه وسلم الذي قال في الحديث الذي رواه الطبراني في معجمه وابن أبي عاصم في كتابه رحمهما الله تعالى بالإسناد الصحيح من حديث معاوية : «يا أيها الناس تعلموا فإنما العلم بالتعلم والفقه بالتفقه فمن يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين»
رحلاتــه : حيث بدأ رحمه الله رحلاته في طلب العلم سنة مائتين وثلاثين للهجرة فسمع من قتيبة بن سعيد وإسحـٰق بن راهويه وهشام ابن عمار وعيسى بن حماد والحسين بن منصور السلمي النيسابوري وعمرو بن زرارة ومحمد بن النصر المروزي وسويد بن نصر وأبي كريب ومحمد بن رافع وعلي بن حجر وأبي يزيد الجرمي ويونس بن عبد الأعلى وخلق سواهم بخراسان والعراق والشام ومصر والحجاز والجزيرة. ولم يغفل رضوان الله عليه عن تبليغ ما تعلم كما أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث قال : «بلغوا عني ولو ءاية» رواه البخاري .
فاشتغل بذلك أيضًا وروى عنه أبو بشير الدولابي وأبو علي الحسين النيسابوري وحمزة بن محمد الكناني وأبو بكر أحمد بن السني ومحمد بن عبد الله بن حيويه وأبو القاسم الطبراني وغيرهم. ثم رحل إلى قتيبة وهو ابن خمس عشرة سنة وقال : «أقمت عنده سنة وشهرين».
أقوال العلماء فيه : فقد قال أبو علي النيسابوري حافظ خراسان في زمانه : حدثنا الإمام في الحديث بلا مدافعة أبو عبد الرحمـٰن النسائي وقال منصور الفقيه وأبو جعفر الطحاوي : «النسائي إمام من أئمة المسلمين».
وقال الدارقطني : «أبو عبد الرحمـٰن مقدم على كل من يذكر بهذا العلم من أهل عصره».

مؤلفاته :
وللنسائي مصنفات كثيرة كلها نافع مفيد تلوح منه علامات التحقيق والباع الطويل وتكشف عن روح مُخْلِصة وراغبة عن الشهرة وذيوع الصيت ومما أتحف به الأمة الإسلامية :
1- «إغراب شعبة على سفيان وسفيان على شعبة» في الحديث.
2- «كتاب السنن» روى بعض الأمراء لما سأله عن السنن الكبير أكُلُّه صحيح فقال : لا فقال : فاكتب عن الصحيح مجردًا فلخص السنن الصغيرة منها وهو أحد الكتب الستة.
3- مسند علي رضي الله عنه وقد ذكره غير واحد من أصحاب الكتب الستة.
4- الخصائص في فضل علي بن أبي طالب رضي الله عنه.
5- تسمية فقهاء الأنصار من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن بعدهم من أهل المدينة.
6- تسمية من لم يرو عنه غير رجل واحد.
7- تفسير ذكره له ابن خير الاشبيلي والزركشي في البرهان في علوم القرءان وابن حجر في فتح الباري والسيوطي في حسن المحاضرة.
8- مناسك النسائي : ألفها على مذهب الشافعي.
9- كتاب الضعفاء والمتروكين في رواة الحديث.
10- كتاب عمل اليوم والليلة.
11- كتاب الجمعة ذكره البغدادي في هدية العارفين.
12- التمييز : سماه السيوطي في تدريب الراوي. أسماء الرواة والتمييز بينهم.
13- جزء من حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم.
14- تصنيف في معرفة الإخوة والأخوات من العلماء والرواة. ذكره ابن الصلاح في مقدمته والسخاوي في فتح المغيث والنووي في التقريب والسيوطي في تدريب الراوي وابن حجر في تهذيب التهذيب.
منهجه :
النسائي يعد من المتشددين في التوثيق والتعديل من جهة استعماله بعض العبارات في درجة أرفع مما هي عليه في اصطلاح المتأخرين. مثل عبارة : "ليس به بأس" فإن أكثر الذين وصفهم بها هم ثقات مطلقاً بل إنه قال في جماعة كبيرة منهم في موضع آخر : "ثقة".
وقد ظهر تشدده في إطلاقه عبارة : "ليس بالقوي" وشبهها على جماعة كبيرة من الصدوقين والمقبولين ما أنه أطلق كثيراً بعض عبارات الجرح الأخرى في رجال هم أخف ضعفاً أو أرفع رتبة مما حكم عليهم به.
ولا يمنع اشتهار النسائي بالتشدد في الجرح والتليين أن يتساهل أحياناً في الحكم على بعض الرجال فقد قال في رشيد الهجري : "ليس بالقوي" مع أنه هالك. وينظر ترجمة جارية بن هرم والحكم بن عبد الله بن مسلمة الخراساني وداود بن المحبر وغيرهم. والله أعلم.
فهو إذاً يستعمل عبارات ليس فيها توثيق قوي في رجال يحتج بهم. ويطلق في صدوقين خفيفي الضبط ألفاظ يستعملها غيره في المتروكين.
لكن لو فهمنا مصطلحاته الحديثية لوجدنا أنه معتدل في أحكامه.
واحتج هؤلاء أيضاً بأن النسائي قد ليّن بعض من أخرج لهم البخاري ومسلم. قال محمد بن طاهر المقدسي في "شروط الأئمة الستة" (ص104) : «سألت الإمام أبا القاسم سعد بن علي الزنجاني بمكة عن حال رجل من الرواة فوثقه فقلت : إن أبا عبد الرحمن النسائي ضعفه فقال : يا بُني إن لأبي عبد الرحمن في الرجال شرطاً أشد من شرط البخاري ومسلم».
وشرح الذهبي هذا بأن النسائي قد لين رجالاً احتج بهم الشيخان .
لكن ابن كثير اعترض على هذا الحكم بقوله في "اختصار علوم الحديث" (ص25) : «وقول الحافظ أبي علي بن السكن وكذا الخطيب البغدادي في كتاب "السنن" للنسائي : "إنه صحيح" فيه نظر. و "إن له شرطاً في الرجال أشد من شرط مسلِم" غير مُسَلَّم.
فإنه فيه رجالاً مجهولين إما عيناً أو حالاً وفيهم المجروح وفيه أحاديث ضعيفة ومعللة ومنكرة كما نبهنا عليه في "الأحكام الكبير"». وقال ابن الصلاح في "المقدمة" (ص39) : «حكى أبو عبد الله الحافظ أنه سمع محمد بن سعد الباوردي بمصر يقول : كان من مذهب أبي عبد الرحمن النسائي أن يُخرج عن كل من لم يُجمع على تركه». وهذا كذلك يدل على تساهل من النسائي ولذلك فقد غلط من قال بأن كل من أخرج له النسائي في سننه فإنه قد احتج به. ففي سننه رواة مجاهيل ورواة جرحهم بنفسه فضلاً عن غيره.
اصطلاحات النسائي الحديثية :
وأكثر عبارات التوثيق والتعديل استعمالاً عند النسائي هي كلمة : ثقة ثم "ليس به بأس" ثم "لا بأس به".
وقد وضعت العبارتين الأخيرتين في درجة أعلى من درجة : "صدوق" لأن أكثر الذين قال فيهم النسائي : "ليس به بأس" و "لا بأس به" هم ثقات مطلقاً. بل إنه قال في جماعة كبيرة منهم في موضع أخر ثقة.
وإطلاق كلمة : صالح في الأصل ينصرف إلى الصلاح في الدين لكن النسائي وجماعة آخرين قصدوا بها الحكم على الرواية. وقد أشار إلى ذاك الأصل ابن حجر فقال في "النكت على كتاب ابن الصلاح" (2|680) : «من عاداتهم إذا أرادوا وصف الراوي بالصلاحية في الحديث قيدوا ذلك فقالوا : صالح الحديث. فإذا أطلقوا الصلاح فإنما يريدون به في الديانة. وقد كان النسائي قليل الاعتناء بوصف الحفاظ والفقهاء والعباد والزهاد بما عرفوا به من حفظ وفقه وعبادة وزهد عند كلامه فيهم جرحاً وتعديلاً. كذلك لم يعتن حالة حكمه على الرجال بذكر ما نسبوا إليه من بدع.
فأما كلمة "ليس بالقوي" وما شابهها فإن النسائي يستعملها غالباً في الصدوقين ومن دونهم من أهل العدالة. ورغم كثرة استعمال النسائي لتلك العبارة في الصدوقين والمقبولين فإنه يريد بها التليين كما يفيد قوله : "ليس بجرح مفسد". ولأنه حكم بها على رجال كثيرين في كتابه المختص بالضعفاء. وهذا ليس مصطلحاً خاصاً بالنسائي بل هو ما عليه أهل الشأن.
قال الذهبي في الموقظة (ص83) : «وبالاستقراء إذا قال أبو حاتم : "ليس بالقوي". يريد بها أن هذا الشيخ لم يبلغ درجة القوي الثبت». قال الذهبي أيضاً : «والبخاري قد يطلق على الشيخ : ليس بالقوي. ويريد أنه ضعيف». وقد تقدم في ترجمة سعد بن طريف وغيره أن البخاري وأبا أحمد الحاكم استعملا كلمة : "ليس بالقوي عندهم" في جماعة من المتروكين. والأمر نفسه بالنسبة لكلمة "ضعيف" أو "ضعيف الحديث" فقد يراد منها مجرد التليين لكنها تستعمل أيضاً مع الرواة المتروكين. فإذا وصف إمامٌ لأحد الرواة بأنه كذاب فلا يناقض هذا وصف إمام ثان له بأنه ضعيف.
توثيقه للمجاهيل :
أكثر عبارات التجهيل استعمالاً عند النسائي هي : لا نعلم أحداً روى عنه غير فلان نحوها ثم لا أعرفه ثم ليس بالمشهور وكذلك مجهول ثم ليس بمعروف وكذلك ليس بذاك المشهور وكذلك ليس بمشهور وكذلك لا أدري ما هو. وخلاصة القول : إن من اقتصر النسائي على ذكرهم فيمن لم يرو عنه إلا واحد ومن أفرد فيهم إحدى العبارات التالية : "ليس بالمشهور" و : "ليس بمشهور" و : "ليس بذاك المشهور" وعامة من أطلق فيهم عبارة : "مجهول" وغالب الذين قال فيهم : "لا أعرفه" هم مجهولو العين عنده. ويبدو أنه يستعمل العبارات التالية : "لا أدري ما هو" و : "لا علم له به" و : "ليس لي به علم" في مجهولي الحال.
وليست رواية الرجل الواحد عن رجل مستلزمة لجهالة عينه عند النسائي لأنه لا يتحرج عن توثيق من لم يرو عنه إلا واحد إذا تبينت له ثقته من خلال سبر حديثه مثل رافع بن إسحاق المدني. والله أعلم.
منهجه في السنن :
قال الحافظ ابن رجب في "شرح علل الترمذي" عن سنن النسائي : «تجد النسائي إذا استوعب طرق الحديث بدأ بما هو غلط ثم يذكر بعد ذلك الصواب المخالف له». وهذا تجده في السنن الكبرى أكثر من الصغرى. وهذه الملاحظة من الحافظ هي في غاية الأهمية .

وفاته :
وقال أبو سعيد بن يونس توفي بفلسطين يوم الاثنين لثلاث عشرة خلت من صفر سنة ثلاث وثلاثمائة وقيل حمل إلى مكة فدفن بها بين الصفا والمروة.